Полный текст (7 463 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
كلّ فيما ذهب إليه، ومذهب الشّافعي هو قول عائشة، والشعبي، وعكرمة، ومذهب مالك، وأبي حنيفة هو قول ابن عبّاس، والحسن، ومجاهد، والنخعي، وغيرهم. ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: لكن يؤاخذكم بما عزمتم عليه، وقصدتم له، كما قال تعالى في آية (المائدة):
﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾. وكسب القلب هو العقد، والعزم، والنية. و ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لعباده فيما هو لغو من أيمانهم، والتي أخبر أنه لا يؤاخذهم عليها، ولو شاء لآخذهم، وألزمهم الكفارة في العاجل، والعقوبة عليها في الآجل. ﴿حَلِيمٌ﴾ في ترك معاجلة أهل العصيان بالعقوبة.
قال الحليمي-رحمه الله تعالى-في معنى: الحليم: إنّه الّذي لا يحبس إنعامه، وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنّه يرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ويقيه؛ وهو منهمك في معاصيه، كما يقي البرّ المتّقي، وقد يقيه الآفات، والبلايا، وهو غافل لا يذكره فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يدعوه، ويسأله. وقال أبو سليمان الخطّابي: الحليم: ذو الصفح، والأناة الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستخفّه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا يستحقّ الصّافح من العجز اسم الحليم، إنما الحليم الصفوح مع القدرة على الانتقام، المتأنّي؛ الذي لا يعجّل بالعقوبة.
تنبيه: لا يجوز الحلف إلا باسم من أسماء الله الحسنى، أو بصفة من صفاته تعالى؛ مثل قولك: وقدرة الله، وعزة الله... إلخ. أما كفارة اليمين؛ فقد ذكرت في آية المائدة مخيرة ابتداء مرتبة انتهاء، وقد أنكرت على من يفتي بإعطاء عشرة مساكين خمسة كيلوات من القمح كفارة اليمين، وأما اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، فهي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حقّ. وخذ ما يلي:
عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي-﵁: أنّ رسول الله ﷺ : قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه؛ فقد أوجب الله له النّار، وحرّم عليه الجنّة». قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئا يسيرا؟ فقال: «وإن كان قضيبا من أراك». رواه مسلم والنّسائيّ وابن ماجة.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء ممّا عصي الله به هو أعجل عقابا من البغي، وما من شيء أطيع الله فيه أسرع ثوابا من الصّلة، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع». رواه البيهقيّ. ولا تنس: أنّ حقّ الكافر أعظم جرما من حقّ المسلم.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِاللَّغْوِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فِي أَيْمانِكُمْ﴾ متعلقان ب: (اللغو)؛ لأنه مصدر، كما يجوز تعليقهما بمحذوف حال من (اللغو) على اعتبار (ال) فيه للتعريف، أي: اللغو كائنا في أيمانكم، وبمحذوف صفة له على اعتبار (ال) فيه للجنس، التّقدير: اللغو الكائن في أيمانكم. والكاف ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة.
стр. 527
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُؤاخِذُكُمُ:﴾
فعل مضارع، والكاف مفعوله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالّذي، أو بشيء كسبته قلوبكم، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسب قلوبكم، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام، الغاية منها تأكيد الغفران، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُؤاخِذُكُمُ﴾ المستتر؛ فلست مفنّدا. والرابط: الواو، والضمير.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾
الشرح: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ:﴾ يحلفون، والمصدر: إيلاء، وأليّة، فالإيلاء في اللغة: الحلف، قال الشاعر: [الطويل]
فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي
وفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزّوجة. وقال ابن دريد في مقصورته: [الرجز]
أليّة باليعملات يرتمي... بها النّجاء بين أجواز الفلا
وجمع ألية: ألايا، قال الشّاعر: [الطويل]
قليل الألايا حافظ ليمينه... وإن سبقت منه الأليّة برّت
قال ابن عباس-﵄: كان إيلاء الجاهلية السّنة، والسّنتين، وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقّت الله للمسلمين أربعة أشهر، فمن آلى بأقلّ من ذلك، فليس بإيلاء حكميّ. ولا تنس: أنّ النبيّ ﷺ آلى على نسائه كما ستراه في سورة الأحزاب حينما سألته زيادة النّفقة، وكذلك آلى من زينب-﵂-حيث ردت هديّته. ذكره ابن ماجة.
هذا؛ ويقال: آلى، يؤلي، وتألّى تألّيا، وائتلى ائتلاء؛ أي: حلف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ..﴾. إلخ [النور: ٢٢]. ﴿مِنْ نِسائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على نسائهم ألا يجامعوهن. والإيلاء: الحلف، وحقّه أن يعدّى ب «على» ولكن لمّا ضمن هذا القسم معنى البعد عدّي ب «من». ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: انتظار، وتمهل، وترقّب، وتأخّر، ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]
تربّص بها ريب المنون لعلّها... تطلّق يوما أو يموت حليلها
стр. 528
والحكم في ذلك: أنّ الزوج إذا حلف لا يطأ زوجته مدّة أقل من أربعة أشهر؛ فليس لها حق المطالبة بذلك، وإذا حلف مدّة أربعة أشهر؛ فلها الحقّ أن ترفع دعواها إلى الحاكم، كما سيأتي. وجعل الله للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، لقوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [٣٤]: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ﴾. وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهرا تأديبا لهنّ، وقد قيل: إنّ الأربعة الأشهر، هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها. وقد روي: أن الفاروق-﵁-كان يطوف ليلة بالمدينة، فسمع امرأة تنشد: [الطويل]
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه... وأرّقني أن لا حليل ألاعبه
فو الله لولا الله أنّي أراقبه... لحرّك من هذا السّرير جوانبه
مخافة ربّي والحياء يصدّني... وأكرم بعلي أن تنال مراتبه
فسأل عمر-﵁-عن المرأة، فقيل له: إنّ زوجها مع المجاهدين في العراق، فاستدعى نساء، فسألهنّ: كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقلّ صبرها في ثلاثة، وينفد صبرها في أربعة، فجعل عمر-﵁-مدّة غزو الرجل أربعة أشهر، فإذا مضت استردّ الغازين، ووجّه آخرين. وهذا-والله أعلم-يقوي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر.
﴿فَإِنْ فاؤُ:﴾ رجعوا في المدة، أو بعدها عن اليمين إلى الوطء، ويحنث في يمينه، فيكفّر عنها، يقال: فاء، يفيء، فيئة، وفيوءا، وإنّه لسريع الفيئة، يعني: الرجوع. قال الشاعر: [الطويل]
ففاءت، ولم تقض الّذي أقبلت له... ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا
﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ أي: لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف. ﴿رَحِيمٌ:﴾ أي: بهم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة.
الإعراب: ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿يُؤْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها.
﴿مِنْ نِسائِهِمْ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿تَرَبُّصُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، و ﴿تَرَبُّصُ﴾ مضاف، و ﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لظرفه، و ﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف، و ﴿أَشْهُرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء حرف تفريع، وعطف.
(إن): حرف شرط جازم. ﴿فاؤُ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبران ل (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و (إنّ) ومدخولها كلام مفرّع عمّا قبله، لا محلّ له.
стр. 529
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾
الشرح: ﴿عَزَمُوا الطَّلاقَ:﴾ العزم، والعزيمة: ما عقدت عليه نفسك من أمر: أنّك فاعله.
و ﴿الطَّلاقَ:﴾ حل عقدة النكاح، وأصل معناه: التّخلية. يقال: نعجة طالق، وناقة طالق؛ أي:
مهملة، قد تركت في المرعى، لا قيد لها، ولا راعي. ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال المولين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم، وجميع تصرفاتهم.
ملخص الإيلاء: أن يحلف الرّجل أن لا يطأ امرأته مدّة تزيد على أربعة أشهر، فتنتظره الزّوجة مدّة أربعة أشهر، فإن وطئها؛ فبها، ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه، وعليه الكفارة، وإن لم يطأها؛ وقعت الفرقة، والطّلاق بمضيّ تلك المدة عند أبي حنيفة، وعند الشّافعي، وأحمد ومالك: ترفع أمرها للقاضي، فيأمره إمّا بالفيئة، أو الطّلاق، فإن أبى عنهما؛ طلّق عليه الحاكم طلقة رجعيّة. هذا هو خلاصة حكم الإيلاء، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ..﴾. إلخ: إعراب هذه الآية مثل إعراب سابقتها بلا فارق. وقيل:
﴿الطَّلاقَ﴾ منصوب على نزع الخافض، التقدير: على الطلاق. وقيل: إنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: فليوقعوه، وعليه تكون الجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل.
﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ:﴾ جمع: مطلقة بصيغة مفعول. لمّا ذكر الله الإيلاء، وأنّ الطلاق قد يقع فيه؛ بيّن تعالى حكم المرأة بعد التّطليق. ولفظ (﴿الْمُطَلَّقاتُ﴾) عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهنّ، وخرجت المطلقة قبل الدخول بقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٩]: ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها،﴾ وخرجت الحامل بقوله تعالى في سورة (الطلاق) رقم [٤]:
﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ:﴾ ينتظرن، ويتمهّلن عن النّكاح، والأزواج، وهو بمعنى الأمر؛ إذ المعنى: لينتظرن، وتغيير العبارة للتّأكيد، والإشعار بأنه ممّا يجب أن يسارع إلى امتثاله، وهو كقولك في الدعاء: ﵀. أخرج مخرج الخبر ثقة بالاستجابة، كأنّما وجدت الرّحمة، فهو يخبر عنها. وبناؤه على المبتدأ مما يزيده فضل تأكيد؛ لأن الجملة الاسمية تدلّ على الثبات، والدّوام بخلاف الفعلية. وفي ذكر الأنفس بعث لهن على التربّص؛ لأن أنفس النساء طوامح إلى الرّجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطّموح، ويجبرنها على التربّص. وانظر شرح (النّفس) في الآية رقم [٩].
стр. 530
﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ:﴾ جمع: قرء، بفتح القاف، وضمّها، ولكن جمع الأول: قروء، وأقرؤ، وجمع الثاني: أقراء، وقروء جمع كثرة، والموضع موضع قلّة، فكان الوجه: ثلاثة أقراء.
واختلف في تأويله، فقيل: ووضع جمع الكثرة في موضع جمع القلة. وقيل: لمّا جمع المطلقات؛ أتى بلفظ جمع الكثرة؛ لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء. وقيل: التقدير: ثلاثة أقراء، من: قرء. انتهى. عكبري. واختلف في الأقراء، فقال أبو حنيفة، وأحمد-رحمهما الله تعالى-: القرء: الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وغيرهم من التابعين. ودليلهم ما جاء في الحديث عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن رسول الله ﷺ قال لها: «دعي الصّلاة أيّام أقرائك». فهذا لو صحّ؛ لكان صريحا في أنّ القرء هو الحيض. مختصر ابن كثير. وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وهو مذهب الشّافعي، ومالك، واستشهد أبو عبيدة وغيره بقول الأعشى: [الطويل]
أفي كلّ عام أنت جاشم غزوة... تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا
مورّثة مالا وفي الحيّ رفعة... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
أراد: أنه كان يخرج للغزو، ولم يغش النّساء، فتضيع أقراؤهن زمان الطّهر، لا زمان الحيض. وأصل القرء: الانتقال من الطّهر إلى الحيض، وهو المراد به في الآية؛ لأنّه الدال على براءة الرّحم، لا الحيض. وقال آخر في الحيض: [الرجز]
يا ربّ ذي ضغن عليّ فارض... له قروء كقروء الحائض
يعني: أنّه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة-﵂-في أنّ الأقراء هي الأطهار، وفي أيامنا تعطي المحاكم الشّرعية مدة ثلاثة أشهر للمطلقة المدخول بها، سواء أكانت من ذوات الحيض، أم لا؟ وهو جيّد، وفيه زيادة احتياط لبيان براءة الرّحم، وحفظ الفروج.
﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ﴾ أي: يخفين ما في أرحامهن من الولد، أو الحيض استعجالا في العدّة، أو إبطالا لحقّ الزوج في الرجعة، وزيادة النفقة عليه. ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرّحم بحقيقة ما فيه. وليس مفهوم الشّرط في الإيمان على أنّه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن أيضا، فهو كقوله تعالى في سورة (النور): ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ رقم [٣٣].
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في زمن التربّص، وهو العدّة الواجب مراعاتها. والبعولة جمع: بعل، وهو الزّوج، سمّي بعلا؛ لعلوه على الزّوجة بما قد ملكه من زوجيتها. ومنه قوله:
стр. 531
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ الآية رقم [١٢٥] من سورة (الصّافات)، والبعل: المستعلي على غيره، ولمّا كان الزوج مستعليا على المرأة، قائما بأمرها؛ سمّي بعلا، ويقال للمرأة أيضا: بعل، وبعلة، كما يقال لها: زوج، وزوجة، والتاء في البعولة لتأنيث الجمع، كعمومة، وخئولة. وفي الكشاف:
والبعولة جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث اللفظ، كما في الحزونة، والسهولة. ﴿إِنْ أَرادُوا﴾ أي:
الأزواج. ﴿أَصْلَحا﴾ أي: إن أراد لأزواج بالرّجعة الإصلاح، وحسن العشرة، لا الإضرار بهنّ.
وهذا الشرط لا مفهوم له مثل سابقه.
﴿وَلَهُنَّ:﴾ من الحقوق. ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ:﴾ للأزواج، وقد بيّن الرسول ﷺ الحقوق، والواجبات المتبادلة بين الزوجين فيما يلي: عن عمرو بن الأحوص الجشمي-﵁:
أنّه سمع رسول الله ﷺ في حجّة الوداع يقول بعد أن حمد الله، وأثنى عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: «ألا استوصوا بالنّساء خيرا، فإنما هنّ عوان عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك؛ إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضربا غير مبرّح، فإن أطعنكم؛ فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا، فحقّكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ، وطعامهنّ». رواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: إنّي لأحبّ أن أتزين لامرأتي، كما أحبّ أن تتزيّن لي؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ..﴾. إلخ. ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: في الفضيلة في الخلق والخلق، والمنزلة بين الناس، وطاعة الله، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، وهو واضح في الميراث، والجهاد، ومن ذلك وجوب طاعتها له إذا دعاها إلى فراشه، ولا يجب عليه إجابتها لذلك، لكن يسنّ؛ حتى يعفّها. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٣٤]: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾.
قال ابن عباس-﵄-التقدير: بما ساق لها من المهر، وبما أنفق عليها.
وقيل: إنّ فضيلة الرجل على المرأة بأمور، منها: العقل، والشهادة، والميراث، والدّية، وصلاحية الإمامة، والقضاء، وللرّجل أن يتزوج عليها، وليس لها ذلك، وبيد الرجل الطلاق، وبيده الرجعة إذا طلقها رجعيّا، وليس بيدها شيء من ذلك. ولا تنس: أنّ هذه الدرجة تكليف، لا تشريف، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي في انتقامه ممّن عصاه، وخالف أمره. ﴿حَكِيمٌ:﴾ في أمره، ونهيه، وشرعه، وتشريعه. ولا يصلح مكان هذه الجملة ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ انظر الآية رقم [٢١٨].
بعد هذا أذكر: أنه كان الرّجل في الجاهلية يطلّق امرأته ما شاء من الطلاق، ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدّتها، ولو طلقها ألف مرة، كان له الحق في مراجعتها، فعمد رجل في الإسلام
стр. 532
لامرأته، فقال لها: لا آويك، ولا أدعك تحلّين! قالت: وكيف؟ قال: أطلقك، فإذا دنا مضيّ عدّتك؛ راجعتك. فشكت المرأة أمرها للنّبيّ ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ..﴾. ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ..﴾. إلخ، أما الرجعة إن كانت قبل انقضاء العدّة؛ فلا يكلّف الزوج شيئا ماديّا، ولا تتوقّف الرجعة على رضا الزّوجة، وموافقتها، وأمّا بعد انقضاء العدة؛ فيكلّف الزوج مهرا جديدا، وتحتاج إلى عقد جديد بوليّ، وشاهدين، كما رأيت فيما تقدّم، وتحتاج أيضا إلى موافقة الزوجة؛ لأنها بانقضاء عدّتها ملكت نفسها. هذا؛ والرجعة قبل انقضاء العدّة تحتاج إلى لفظ: راجعت زوجتي، ونحو ذلك عند الشافعي، ومالك، وتحصل الرّجعة قبل قضاء العدّة عند أبي حنيفة بالوطء، والنّظر بشهوة إلى فرجها، وكذا إن قبّلها، أو لمسها بشهوة، ونحو ذلك، ويسنّ الإشهاد على الرّجعة خوفا من الإنكار، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ رقم [٢].
وفسر الشّيعة الإشهاد على الطّلاق، ولذلك لا يقع الطلاق عندهم إلا إذا أشهد عليه، ووجد من يفتي بذلك، فيتحمّل الذّنوب لقاء دريهمات يأخذها من الناس، وحسابهم على الله تعالى.
الإعراب: (﴿الْمُطَلَّقاتُ﴾): مبتدأ. ﴿يَتَرَبَّصْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دالّ على جماعة الإناث. وقيل: الباء زائدة، و (أنفسهن): توكيد للضمير. وليس بشيء؛ لأنه لا يوجد فاصل لصحّة التوكيد. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
وإن تؤكّد الضّمير المتّصل... بالنّفس، والعين فبعد المنفصل
عنيت ذا الرّفع وأكّدوا بما... سواهما، والقيد لن يلتزما
﴿ثَلاثَةَ:﴾ مفعول به على حذف مضاف، التقدير: يتربصن مضيّ ثلاثة، فلما حذف المضاف؛ أقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: هو ظرف زمان على تقدير مدّة ثلاثة. و ﴿ثَلاثَةَ:﴾
مضاف، و ﴿قُرُوءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع، ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث في كلّ الآية. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَكْتُمْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ ونون النسوة فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل: ﴿يَحِلُّ،﴾ التقدير: ولا يحل لهنّ كتمان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿خَلَقَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو
стр. 533
الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا خلقه الله. ﴿فِي أَرْحامِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل خلق، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿كُنَّ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والنون اسمها.
﴿يُؤْمِنَّ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كن يؤمن؛ فلا يكتمن. والجملة الشرطية بكاملها بمنزلة الحال من نون النسوة، وهي غير مقيد بها الكتمان كما رأيت في الشرح. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوفة على لفظ الجلالة. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة اليوم.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿بِرَدِّهِنَّ:﴾
متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ لأنه صفة مشبهة، أو اسم فاعل، ففاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله. ﴿فِي ذلِكَ﴾ متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ أو ب (ردهنّ) لأنه مصدر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها مثلها، واعتبارها في محل نصب حال من نون النسوة غير مستبعد، وعليه فالرابط: الواو، والضمير. ﴿أَنْ﴾ حرف شرط. ﴿أَرادُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِصْلاحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها، على مثال ما تقدّم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن أرادوا إصلاحا؛ فهم أحقّ بردّهنّ. والجملة الشرطية في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَحَقُّ﴾ المستتر، وانظر ما ذكرته في سابقتها.
(﴿لَهُنَّ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه مبني على السكون في محل جر. ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مِثْلُ،﴾ وجوز أن يكونا متعلقين بالخبر المحذوف، الذي متعلق به (﴿لَهُنَّ﴾) والأول أولى، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية السابقة لا محل لها أيضا، والاستئناف ممكن. ﴿وَلِلرِّجالِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿عَلَيْهِنَّ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من ﴿دَرَجَةٌ﴾ وهو ضعيف. ﴿دَرَجَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، وفي هذه الجملة إيجاز، وإبداع لا يخفى، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول. والمعنى: ولهنّ على الرّجال من الحقوق، مثل الذي للرّجال عليهنّ من الحقوق. ومثله يسمّى في علم البيان الاحتباك. وفي الجملة من المحسنات البديعية:
الطباق بين (﴿لَهُنَّ﴾) و (﴿عَلَيْهِنَّ﴾)، وهو طباق بين حرفين. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام. انظر معناها في الشرح.
стр. 534
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٢٩)﴾
الشرح: عن عروة بن الزبير-﵄-قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، ثمّ ارتجعها قبل أن تنقضي عدّتها؛ كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته، فطلقها، حتى إذا شارفت انقضاء عدّتها؛ ارتجعها، ثم قال: والله لا آويك إليّ، ولا تحلّين أبدا، فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾. وثبت: أنّ أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكانت العدّة عندهم معلومة مقدّرة، ولما نزلت الآية الكريمة؛ استقبل الناس الطلاق جديدا من ذلك اليوم من كان طلق، ومن لم يكن طلق. انتهى خازن. أخرجه الترمذيّ. هذا؛ والطلاق اسم مصدر بمعنى التطليق، كالسلام بمعنى التسليم، والمعنى: التّطليق الرجعي اثنتان؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ سئل عن الثالثة؟ فقال: «إمساك ﴿بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ». أخرجه الدارقطنيّ عن أنس بن مالك ﵁.
هذا؛ والطلاق في أصله مباح، وقد يكون مكروها؛ إذا كانت الزّوجة صالحة مستقيمة، وقد يكون مندوبا؛ إذا كانت سيئة الخلق، لا تخضع لأوامر الزّوج، وقد يكون واجبا؛ إذا كانت المرأة معوجّة السلوك في عرضها، وخلقها، أو تخونه في ماله، ونفسها، فقد روى الدّارقطني عن معاذ بن جبل-﵁-قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحبّ إليه من العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطّلاق، فإذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرّ إن شاء الله؛ فهو حرّ، ولا استثناء له، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فله استثناؤه، ولا طلاق عليه». وهذا في طلاق الصّالحة المستقيمة، كما قدمت. وممّن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس، وحمّاد، وأبو ثور، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا يراه مالك، والأوزاعي، والحسن، وقتادة. انتهى قرطبي بتصرف.
هذا؛ وللطلاق ألفاظ صريحة لا تحتاج إلى نيّة عند الشّافعي، وهي لفظ الطلاق، والسّراح، والفراق، وهو ممّا ورد به القرآن، قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ وقوله: ﴿أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ،﴾ وهناك ألفاظ كثيرة تعدّ كناية عن الطلاق، إن نوى الطلاق؛ يقع، وإن لم ينوه؛ لم يقع. وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق. ولفظ: (عليّ الحرام) هو من
стр. 535
الكنايات عند الشّافعي، ومن الطلاق عند أبي حنيفة، كما هو مشهور في مذهبه. هذا؛ واختلف في لفظ الثلاث: قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: واتفق أئمّة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السّلف، وشذّ طاوس، وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع واحدة، وقال بعضهم: لا يلزم منه شيء، وهو قول مقاتل بن سليمان، ويحكى عن داود: أنه قال: لا يقع. وروى كثيرون عن ابن عباس-﵄ فيمن طلّق امرأته ثلاثا: أنه قد عصى ربه، وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج. وفي ذلك ما يدلّ على وهن رواية طاوس، وغيره، وما كان لابن عباس أن يخالف الصّحابة إلى رأي نفسه.
وروي عن ابن عباس-﵄: أنّه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر-﵁: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم.
هذا؛ والطلاق على ضربين: سنّيّ: وهو أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وبدعي: وهو أن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه، وعدّ منه الطلاق بلفظ الثلاث.
هذا؛ ومعنى ما تقدم: الطّلاق المشروع؛ الذي يملك به الزوج الرّجعة مرتان، وليس بعدها إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة، أو التسريح؛ أي: التطليق بإحسان بألا يظلمها من حقّها شيئا، ولا يذكرها بسوء، ولا ينفّر الناس عنها.
﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ أي: ولا يحلّ لكم أن تضاجروهن، وتضيقوا عليهن؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهنّ من المهور، أو بعضها، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ رقم [١٩] من سورة (النساء)، وانظر الآية رقم [٢٣١] الآتية. ﴿إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ المعنى: إلا أن يظنّ كلّ واحد من الزّوجين بنفسه: أنه لا يقيم حقّ النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ. واختلف هل يكتفي الزوج أن تردّ عليه ما أعطاها؟، فمذهب الشافعي يجوز أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها. والخوف هنا بمعنى العلم، أي: أن يعلما ألا يقيما حدود الله.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: فإن خفتم سوء العشرة بينهما، وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها، أو بدفع شيء من المال لزوجها؛ حتّى يطلقها، فلا إثم، ولا مؤاخذة عليهما. والخطاب للولاة، وللأولياء. هذا؛ وأصل ﴿خِفْتُمْ:﴾ (خوفتم) فحذفت الواو لثقل الكسرة عليها، فصار الفعل: (﴿خِفْتُمْ﴾) ثم قلبت الفتحة كسرة لخفتها، وهي دالة على حركة المحذوف، ولو كانت دالة على المحذوف؛ لكانت ضمّة.
стр. 536
تنبيه: أول خلع حصل في الإسلام كان بما يلي: روى عكرمة عن ابن عباس-﵄-قال: أوّل من خالع في الإسلام أخت عبد الله بن أبي ابن سلول، أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! لا يجتمع رأسي ورأسه أبدا، إنّي رفعت جانب الخباء، فرأيته أقبل في عدّة، إذا هو أشدّهم سوادا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، فقال: أتردّين عليه حديقته؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته. ففرّق بينهما، رواه ابن ماجة، ورواه البخاريّ بتغيير ببعض ألفاظه.
كما اختلف في المرأة فقيل: اسمها: جميلة، وقيل: اسمها: حبيبة، وقيل: هي أخت عبد الله المنافق. وقيل: هي بنته، والمعتمد: أنّها أخته، وقيل: هي حبيبة بنت سهل الأنصاري، والزوج هو ثابت بن قيس ابن شمّاس ﵁، وكان في أذنيه صمم.
بعد هذا: فإن كان الزوج مضارّا للزّوجة، وحملها على الافتداء؛ فحرام عليه رائحة الجنّة، ولها العذر بتخليصها نفسها من ظلمه، وأمّا إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه؛ فقد قال رسول الله ﷺ : «أيّما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس؛ فحرام عليها رائحة الجنّة»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
وهذه الصحابية قد بينت العذر في بغضها لثابت، وهذا عذر مقبول، مع كون ثابت من كرام الصّحابة. انظر ما ذكرته بشأنه في سورة (الحجرات) رقم [٢] فإنّه جيد والحمد لله، ولا تنس أن ما يعجب الرجل من امرأته، يعجبها منه مثله.
تنبيه: يصحّ الخلع في الحيض، والطّهر؛ لأنه لا يوصف بسنّيّ، ولا بدعيّ، وتملك المرأة به نفسها، فلا رجعة للزّوج عليها إلا بعقد جديد، ومهر، ووليّ، وشاهدين. وهل ينقص الخلع عدد الطّلاق؟ فخذه بما يلي: فعن ابن عباس-﵄: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص-﵄-سأله، فقال: طلّق رجل امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه، أيتزوّجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق. ذكر الطلاق في أوّل الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ..﴾. إلخ.
وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس رواية عن عثمان، وابن عمر، وبه يقول الإمام أحمد، وهو مذهب الشّافعي في القديم. والقول الثاني في الخلع: إنّه طلاق بائن، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد. وللشّافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنّه إذا لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البيّنة؛ فليس بشيء بالكلّية، والمفتى به القول الأوّل.
ويؤيّده حديث الرّبيّع بنت معوّذ-﵂: أنها اختلعت على عهد النبي ﷺ ، فأمرها ﷺ أن تعتدّ بحيضة، فهذا يدل على أن الخلع فسخ لا طلاق، وذلك: أنّ الله تعالى قال:
﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ولو كانت هذه مطلقة لم يقتصر بها على قرء واحد.
وروى الترمذيّ، وأبو داود، والدّارقطنيّ عن ابن عباس-﵄: أنّ النبيّ ﷺ أمر
стр. 537
امرأة ثابت بن قيس-﵁-أن تعتدّ بحيضة واحدة. هذا؛ ويكون الخلع مخلصا، ومخرجا من الحلف بالثّلاث، وتفسيره بما يلي:
إذا حلف على الشّيء بالطّلاق بالثّلاث، تجري المخالعة بينهما، ثم يفعل المحلوف عليه، ثم يرتجعها بعقد جديد، ومهر جديد، ووليّ، وشاهدين، ويكون قد فعل المحلوف عليه، وهي بائنة منه. ولا تنس: أنّ الحلف بالطلاق يمين الفسّاق، فقد ورد في أحاديث الرّسول ﷺ : «لا يحلف بالطّلاق إلاّ فاسق، ولا يرضى به إلاّ منافق». وسمع النبي ﷺ رجلا يحلف بالطّلاق، فقام مغضبا، وظهرت الكراهية في وجهه، وقال: «ألعبا بدين الله؛ وأنا فيكم؟! ألعبا بدين الله؛ وأنا بين أظهركم؟! من كان حالفا؛ فليحلف بالله، أو ليصمت». انتهى كلّه من القرطبيّ بتصرف كبير.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ أي: هذه الأحكام هي التي شرعها الله في حدوده، فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح: أنّ النبي ﷺ قال: «إن الله حدّ حدودا، فلا تعتدوها، وفرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحرّم محارم، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها». وانظر رقم [١٨٧] آخرها ففيها بحث جيّد، والحمد لله!.
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ:﴾ يتجاوز ما شرعه الله، فقد عرض نفسه لسخط الله، وغضبه، وهو من الظالمين لأنفسهم، المستحقّين للعقاب الشديد، والعذاب الأليم، وقد روعي لفظ (﴿مَنْ﴾) في رجوع الفاعل إليها، ومعناه في الإشارة إليها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الطَّلاقُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَرَّتانِ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والكلام على حذف مضاف؛ إذ التقدير:
عدد الطلاق مرتان. ﴿فَإِمْساكٌ،﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إمساك): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فعليكم إمساك، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب إمساك.
﴿بِمَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان ب (إمساك) لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وفاعله ومفعوله محذوفان، التقدير: فإمساككم إيّاهنّ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ:﴾ معطوفة على ما قبلها وهو مثله بالإعراب، هو مثله بالإعراب، والتقدير، والتركيب... إلخ، ﴿وَلا﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية.
﴿يَحِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿أَنْ تَأْخُذُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَأْخُذُوا﴾ في محل رفع فاعل يحلّ، والتقدير: ولا يحلّ لكم أخذ شيء.
﴿مِمّا:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدّم عليها صار حالا». ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل، وفاعل، والميم علامة جمع الذّكور، وحركت بالضّمّ لتحسين اللّفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعول
стр. 538
به، والنّون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: من الذي، أو من شيء آتيتموهن إيّاه.
﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ل ﴿تَأْخُذُوا﴾. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء ﴿أَنْ يَخافا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَخافا﴾ في محل جر بحرف جرّ محذوف، التقدير: إلا في حال خوف عدم القيام بحقوق الزّوجية، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال.
أن: حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿يُقِيما:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون، والألف فاعله، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به، وانظر ما قدّرته. ﴿حُدُودَ:﴾
مفعول به، وهو مضاف. ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وإعراب: ﴿أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ ومحله مثل إعراب ما قبله، ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِما:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر (لا).
﴿فِيمَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿اِفْتَدَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى المرأة المفهومة من المقام. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) على اعتبارها موصولة، أو صفتها على اعتبارها موصوفة، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء، والجملة الاسمية: (لا ﴿جُناحَ..﴾.) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل لها.
﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿حُدُودَ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿حُدُودَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، (لا): نافية جازمة.
﴿تَعْتَدُوها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، و (ها) مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا وحاصلا؛ فلا تعتدوها، والجملة الشرطية هذه معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَتَعَدَّ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الألف والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: «هو». ﴿حُدُودَ:﴾ مفعول
стр. 539
به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل لا محل له. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبره، فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر: (أولئك)، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾
الشرح: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: الزوج بعد الطّلقتين ثالثة. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-:
﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ وتفسير لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ اعترض بينهم ذكر الخلع، دلالة على أن الطلاق يقع مجانا تارة، وبعوض أخرى. ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد الطلقة الثالثة. قال القرطبيّ: احتجّ بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أنّ المختلعة يلحقها الطلاق، قالوا: فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق.
﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ:﴾ نكاحا صحيحا بشروطه جميعها، وبعد انقضاء عدتها من المطلق. ﴿فَإِنْ طَلَّقَها﴾ أي: الزوج الثاني. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا:﴾ فلا إثم، ولا مؤاخذة أن يرجع كلّ من المرأة والزوج الأول إلى بعضهما بعد انقضاء عدتها من الثاني، وذلك بعقد جديد، ومهر جديد، ووليّ وشاهدين.
﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما..﴾. إلخ؛ أي: إن رأى كلّ من الزّوجين صلاح حاله، وأنّه يقوم بحق الآخر عليه، وأمّل كلّ منهما حياة هانئة مع الآخر. ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُها:﴾ يوضّحها. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: الحقّ، وفيهم إيمان، وخوف من الله، وإنما خص أهل العلم بالذكر؛ لأن الجاهل إذا كثر له أمره، ونهيه؛ فإنه لا يحفظه، ولا يتعاهده، والعالم يحفظ، ويتعاهد، فلهذا المعنى خاطب العلماء، ولم يخاطب الجهّال.
هذا؛ وقال ابن خويز منداد: واختلف أصحابنا: هل على الزوجة خدمته أو لا؟ فبعضهم لم يكلفها خدمته، وإنما قصر أمرها على الاستمتاع بها. أقول: والحقّ: أن هذا يعود إلى حال الزّوج عسرا، ويسرا، وإلى البيئة، فكثير من الناس كانوا فقراء، وكانوا يخدمون غيرهم، فدالت الأيام لهم، فصار عندهم عبيد، وإماء، وخدم، وحشم. وكثير كانوا يخدمون، فدالت الأيام عليهم، والدهر ذو تقلب. وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر، وحديثه بما
стр. 540
ذكرت، ألا ترى: أنّ أزواج النبي ﷺ وأصحابه كن يتكلّفن الطّحين، والخبيز، والطبيخ، وفرش الفراش، وتقريب الطعام، وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصّرن في ذلك، وقول فاطمة الزهراء-﵂:
«طحنت حتّى مجلت يداي» مشهور. والرسول ﷺ اعتبرها مجاهدة؛ إذا قامت بشئون بيتها، وتربية أولادها، فالمغزل في يدها كالسّيف في يد زوجها، وخذ ما يلي:
عن ابن عباس-﵄-قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنّي وافدة النساء إليك؛ هذا الجهاد كتبه الله على الرّجال، فإن يصيبوا؛ أجروا، وإن قتلوا؛ كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟.
فقال رسول الله ﷺ : «أبلغي من لقيت من النّساء: أنّ طاعة الزّوج، واعترافا بحقّه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعله». رواه الطّبرانيّ، والبزار.
بعد هذا أذكر: أنّ تزوج المرأة بالزّوج الثاني لا بدّ من الدّخول فيها على مذهب الجمهور، وأنّه لا يكفي العقد عليها؛ لما روى البخاريّ، ومسلم عن عائشة-﵂-قالت:
جاءت امرأة رفاعة القرظي، واسمها تميمة، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي، وكانت عند ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي، فطلقها ثلاثا، وتزوجت غيره، فجاءت للنبي ﷺ وقالت: يا رسول الله كنت عند رفاعة، فطلقني، فبتّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزّبير-بفتح الزاي المشددة-وإنما معه مثل هدبة الثّوب، فتبسّم الرّسول ﷺ ، وقال:
«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟» قالت: نعم. قال: «لا؛ حتّى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته» وأبو بكر جالس.
فإذا علم الزّوج من نفسه: أنّه لا يقدر أن يقوم بحقوق الزوجة المادية، والمعنوية؛ فلا يحل له الإقدام على خطبة أنثى، والعقد عليها؛ حتّى يبيّن لها، وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علّة تمنع الاستمتاع بها، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا؛ فله الردّ، فإن كان العيب بالرّجل؛ فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن لم يدخل بها؛ فلها نصفه، وإن كان العيب بالمرأة؛ ردّها الزوج، وأخذ ما أعطاها من الصّداق، فقد روي: أنّ النبيّ ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة، فوجد بكشحها برصا، فردّها، وقال: «دلّستم عليّ». ومن المنصوص عليه في الفقه من العيوب: الجنون، والجذام، والبرص، والرّتق، والقرن، وأذكر من العيوب هنا: أنه إذا تزوجها بكرا، فوجدها ثيبا، أو كانت لا تأتيها العادة الشّهرية منتظمة-وهذا قد يمنع الحمل-ففي هاتين الحالتين إن وطئها تكن الحقوق بالمصالحة، والتّسامح. والله أعلم.
هذا؛ والحكمة من تزوّج المرأة بالزّوج الثاني الزّجر، والرّدع عن التّسرّع إلى الطلاق، والنفور منه، ومن العود إلى المرأة المطلقة ثلاثا، والرغبة فيها. والنكاح بشرط التحليل فاسد
стр. 541
عند الشّافعي، وأحمد، ومالك. ولو تزوجها، ولم يشترط في العقد: أنه يفارقها؛ فالنّكاح صحيح، ويحصل به التّحليل إذا طلّقها، وانقضت العدّة، غير أنه يكره إذا كان في عزمهما ذلك.
وبه قال الشّافعي، وأبو حنيفة.
هذا وقد لعن الرسول ﷺ : «المحلّل، والمحلّل له». فخذه بما يلي: عن جابر-﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «لعن الله المحلّل، والمحلّل له». رواه الترمذيّ. وعن عقبة بن عامر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟!» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «هو المحلّل، والمحلّل له». رواه ابن ماجة. وعن عمر بن نافع عن أبيه: أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر-﵄، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوّجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلّها لأخيه، هل تحلّ للأول؟ فقال: لا؛ إلا نكاح رغبة، كنّا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ . رواه الحاكم في المستدرك.
هذا؛ والطلاق سلاح شرعه الله حينما يستفحل النزاع بين الزوجين، ويبدو أن لا وفاق بينهما، والنّصارى الذين كانوا لا يبيحونه قطعا أدركوا حكمة الطلاق؛ فأباحوه في هذه الأيام، وحكمت به محاكمهم، ووقعت الفرقة بين كثير من الأزواج عندهم، ولكن الكثير من المسلمين قد أساءوا استعمال هذا السّلاح في هذه الأيام، كما هو مشاهد، وواقع. فلا حول، ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم!
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إن): حرف شرط جازم، ﴿طَلَّقَها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه، و (ها):
مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا):
نافية. ﴿تَحِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى المرأة المطلقة. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الفاعل المستتر، وقد يبنى (﴿بَعْدُ﴾) على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَنْكِحَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، والفاعل محذوف لدلالة المقام عليه، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَحِلُّ،﴾ وساغ ذلك لاختلاف معاني الحروف. ﴿زَوْجاً:﴾ مفعول به. ﴿غَيْرَهُ:﴾
صفة: ﴿زَوْجاً﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والإضافة للضمير لا تزيده تعريفا لشدة إبهامه.
هذا؛ ولا يخفى عليك بعد هذا الإعراب إعراب: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾. والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُقِيما﴾ في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في مراجعتهما، والجار
стр. 542
والمجرور متعلقان بما يتعلق: ﴿عَلَيْهِما﴾ وقد مرّ مثله معنا. ﴿أَنْ:﴾ حرف جازم. ﴿ظَنّا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، وألف الاثنين فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها، مثل ما تقدّم. ﴿أَنْ يُقِيما:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي: (ظن)، ﴿حُدُودَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ:﴾ مبتدأ، وخبر، و ﴿حُدُودَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، ﴿يُبَيِّنُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ و (ها):
مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿حُدُودَ﴾ أو من: ﴿اللهِ﴾ والرابط على الاعتبارين: الضمير فقط، والعامل في الحال: اسم الإشارة. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة: (قوم) ولم يذكر مفعول للفعل؛ لأنه بمعنى: يفهمون، ويعملون بمقتضى العلم.
﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ..﴾. إلخ: الخطاب للأزواج. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ قاربن انقضاء عدّتهن؛ لأنّه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، بخلافه في الآية التالية. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ..﴾.
إلخ: هذا أمر من العلي القدير للرّجال، بأنّه إذا طلّق أحدهم المرأة طلاقا رجعيّا، أن يحسن في أمرها؛ إذا قاربت انقضاء عدّتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها؛ أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، ويعاشرها بالمعروف الّذي أمر الله ورسوله به، أو يتركها؛ حتى تنقضي عدّتها وتذهب إلى حال سبيلها، من غير شقاق ولا مخاصمة، ولا تشاجر. ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد-﵃:
كان الرجل يطلّق امرأته، فإذا قاربت انقضاء العدّة راجعها، يقصد ضرها؛ لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها، فتعتدّ، فإذا شارفت على انقضاء عدّتها؛ طلّق؛ لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعّدهم عليه، فقال جلّ ذكره: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ أي: لا تهزءوا بأحكام الله، وأوامره، ونواهيه، فتجعلوا شريعته مهزوءا بها بمخالفتكم لها. قال الحسن، وقتادة-﵄: هو الرّجل يطلّق،
стр. 543
ويقول: كنت لاعبا. أو يعتق، أو ينكح، ويقول: كنت لاعبا. وقال ابن عباس-﵄: طلّق رجل امرأته، وهو يلعب لا يريد الطّلاق، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً﴾ فألزمه رسول الله ﷺ الطّلاق. وقال ﵊: «ثلاث جدّهنّ جدّ، وهزلهنّ جدّ: النّكاح، والطّلاق، والرّجعة». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة. والمراد بالرّجعة:
رجعة المرأة المطلّقة، وهي في عدّتها. وراوي الحديث هو أبو هريرة-﵁، وروي عن علي، وابن مسعود وأبي الدرداء-﵃-كلهم قالوا: ثلاث اللعب فيهن، واللاعب فيهن جادّ: النكاح، والطلاق، والعتاق.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بالإسلام وإرسال الرّسول ﷺ بالهدى، والبيّنات. ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ:﴾ القرآن. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ هي السنّة المطهّرة، وانظر الآية رقم [١٢٩] فهو جيد.
والحمد لله! ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم، وينهاكم عن ارتكاب المحارم، ويخوّفكم عقابه. وإنّما لم يثنّ: الضمير؛ لأنه عائد على (﴿ما﴾) وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧٠] فإنّه جيد. والحمد لله! ﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ: تقدّم مثله كثيرا، ومضمونه التّأكيد، والوعيد، والتّهديد.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿طَلَّقْتُمُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَبَلَغْنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (بلغن): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَجَلَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون في الكلّ حرف دالّ على جماعة الإناث. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿إِذا﴾). (أمسكوهن): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها.
﴿بِمَعْرُوفٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وجملة: ﴿سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ:﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها أيضا.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تُمْسِكُوهُنَّ:﴾ مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿ضِراراً:﴾ مفعول لأجله، ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال؛ أي: مضارين، كجاء زيد ركضا. ﴿لِتَعْتَدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف فيه، وفيما بعده للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿ضِراراً﴾ فيكون علّة للعلّة، ولا يجوز تعليقهما بالفعل؛ لأن المفعول لأجله لا يتعدّد إلا بالعطف، وهو مفقود هنا، انتهى.
جمل. و ﴿وَإِذا﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.
стр. 544
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، تقديره: هو.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿ظَلَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعد إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم عند الجمهور، وخبر المبتدأ الّذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، والمرجّح: أنه جملة الشرط، والجواب. والجملة الاسمية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، الغرض منها التأكيد، والتهديد، والوعيد.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾)
إلخ، والواو فاعله. ﴿آياتِ:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿هُزُواً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، لا محل لها. ﴿وَاذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿نِعْمَتَ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿ما﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوفة على ﴿نِعْمَتَ اللهِ﴾ فهو عطف خاص على عام. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) والعائد محذوف، التقدير: والذي أنزله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف العائد إلى (﴿ما﴾)، ﴿مَنْ:﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿وَالْحِكْمَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الْكِتابِ﴾. ﴿يَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿أَنْزَلَ﴾ أو من مفعوله، والرابط: الضمير فقط على الاعتبارين، وجوز أبو البقاء اعتبار (﴿ما﴾) مبتدأ، وجملة: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ في محل رفع خبره. ولا أراه قويّا، وتكون الجملة الاسمية على رأيه معترضة بين المتعاطفين.
﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. ﴿اللهِ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها أيضا.
﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿بِكُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (كلّ) مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر: ﴿أَنَّ﴾. و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: (﴿اِعْلَمُوا﴾).
стр. 545
﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾
الشرح: فقد ثبت: أنّ هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني، وأخته. وخذ ما يلي:
عن معقل-﵁، قال: كانت لي أخت تخطب، وأمنعها من النّاس، فأتاني ابن عمّ لي، فأنكحتها إيّاه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم طلّقها طلاقا له رجعة، ثمّ تركها؛ حتى انقضت عدّتها، فلمّا خطبت إليّ؛ أتاني يخطبها مع الخطّاب، فقلت له: خطبت إليّ، فمنعتها النّاس، وآثرتك بها، فزوّجتك، ثمّ طلقتها طلاقا لك فيه رجعة ثم تركتها؛ حتى انقضت عدّتها، فلمّا خطبت إليّ؛ أتيني تخطبها مع الخطّاب؟! والله لا أنكحتها لك أبدا! ففيّ نزلت هذه الآية، فكفّرت عن يميني، وأنكحتها إيّاه. أخرجه البخاريّ.
وفي رواية الترمذي: ثم طلّقها تطليقة لم يراجعها؛ حتّى انقضت عدّتها، فهويها، وهويته، ثمّ خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع ابن لكع! أكرمتك بها، وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك! فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله الآية، فلمّا سمع معقل-﵁-قال: سمع لربّي، وطاعة. ثمّ دعاه، فزوّجه إيّاها، وكفّر عن يمينه ﵁.
﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ:﴾ الخطاب للأزواج، والأولياء، والنّساء. ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدّتها يقينا بخلاف الآية السابقة. ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ:﴾ فلا تمنعوهن أن يرجعن إلى أزواجهنّ بعقد جديد. هذا؛ والعضل: التضييق، والمنع، وهو راجع إلى معنى الحبس. ومن قول معاوية: معضلة ولا أبا حسن لها، يريد عليّا-﵁؛ الّذي كان يحلّ المعضلات من الأمور، وانظر حلّه المعضلة في الآية التالية. والمعضلة: مسألة صعبة ضيقة المخارج، وقال طاوس: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عبّاس ﵄. وكلّ مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشّافعي-﵁: [المتقارب]
إذا المعضلات تصدّينني... كشفت حقائقها بالنّظر
هذا؛ والعضل: الحبس، قال الشّاعر: [الوافر]
وإنّ قصائدي لك فاصطنعني... عقائل قد عضلن عن النّكاح
وقال آخر: [الكامل]
فلأعضلنّ قصائدي من بعده... حتّى أزوّجها من الأكفاء
стр. 546
وداء عضال: أي: شديد عسر البرء، أعيا الأطباء. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ..﴾. إلخ دليل قويّ للشّافعي، وموافقيه: أن المرأة لا تتولى نكاح نفسها، ولو كانت ثيبا، وبنت خمسين سنة، وقد ذكرته في الآية رقم [٢٢١]. ﴿إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا تراضى الأزواج، والزّوجات المطلّقات. والمعروف هنا: ما وافق الشّرع من عقد حلال بشروطه: مهر... إلخ، وقيل: هو أن يرضى كلّ منهما، ويتعهّد بما التزمه لصاحبه بحقّ العقد؛ حتّى تحصل الصّحبة الحسنة، والعشرة الجميلة. هذا؛ وفي واو الجماعة تغليب الذّكور على الإناث.
﴿ذلِكَ:﴾ إشارة إلى الأحكام المذكورة. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: ينتفع به، ويهتدي إلى طريق السداد، وهم المؤمنون بالله واليوم الآخر. هذا؛ وأفرد ﴿ذلِكَ﴾ ولم يقل: ذلكم؛ لأنّه محمول على معنى الجمع بدليل ما بعدها. ﴿ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: الاتّعاظ بما ذكر، والتمسّك بأوامر الله، خير، وأنفع لكم، وأطهر من الآثام، وأوضار الذّنوب، والمعاصي. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي: والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشّرائع، وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا أمره تعالى، ونهيه في جميع ما تأتون، وما تذرون.
قال الإمام الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: الحكمة في إثبات حقّ الرّجعة: أنّ الإنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشق عليه المفارقة، أو لا؟ فإذا فارقه؛ فعند ذلك تظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرّجوع؛ لعظمت المشقّة على الإنسان؛ إذ قد تظهر المحبّة بعد المفارقة، ثمّ لما كان كمال التّجربة لا يحصل بالمرّة الواحدة؛ أثبت الله تعالى حقّ المراجعة مرّتين، وهذا يدلّ على كمال رحمته تعالى، ورأفته بعباده!. انتهى. صفوة التفاسير.
الإعراب: ﴿وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَنْكِحْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ ونون النسوة في محل رفع فاعل، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير:
فلا تعضلوهن من نكاح أزواجهنّ، وهو في محل نصب بنزع الخافض عند سيبويه. ﴿إِذا:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تَراضَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ الّتي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو بمحذوف صفة مصدر محذوف، التقدير: تراضوا تراضيا كائنا بالمعروف، وجملة: ﴿تَراضَوْا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها، وإن اعتبرتها شرطية؛ فجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه.
стр. 547
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُوعَظُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص واسمه يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ تقديره: هو. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ﴾ على قول من يجيز التعليق بالفعل الناقص، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على (﴿اللهُ﴾). ﴿الْآخِرِ﴾ صفة (﴿الْيَوْمِ﴾)، وجملة: (﴿يُؤْمِنُ..﴾.) إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ صلة الموصول لا محلّ لها.
﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿أَزْكى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿أَزْكى﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له. وليس بشيء. ﴿وَأَطْهَرُ:﴾
معطوف على ﴿أَزْكى،﴾ وحذف متعلقه اكتفاء بسابقه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ أَزْكى﴾ مؤكدة للأولى وهو أولى من اعتبارها بدلا منها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لمضمون ما قبلها. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى جملة من الأحكام المتعلّقة بالنكاح، والطلاق، والعدة، والرّجعة، والعضل؛ ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرّضاع؛ لأنّ الطلاق يحصل به الفراق، وقد يطلّق الرّجل زوجته، ويكون لها منه طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل، أو حرمته الرضاع انتقاما من الزوج، وإيذاء له في ولده، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلّقات إلى رعاية الأطفال، والاهتمام بشأنهم.
стр. 548
﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ﴾ أي: ليرضعن، فهو خبر بمعنى الأمر، وهذا الأمر للندب، وللوجوب، فالأوّل عند وجود ثلاثة شروط: قدرة الأب على الاستئجار، ووجود غير الأم، وقبول الولد للبن غيرها، وللوجوب عند فقد واحد منها. هذا؛ وإن تربية الطفل بلبن الأم أصلح من غيرها، لكمال شفقتها عليه، ويدلّ على أنه لا يجب على المرأة إرضاع ولدها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ولو وجب عليها الرضاع؛ لما استحقّت الأجرة. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ سورة (الطلاق) هذا نصّ صريح في ذلك، انظر شرح الآية هناك، فإنه جيد، والحمد لله!.
﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ:﴾ الحول، والعام، والسّنة بمعنى واحد، والحول: من: (حال): إذا انقلب من حال إلى حال، و ﴿كامِلَيْنِ:﴾ توكيد؛ لأنّه مما يتسامح فيه، فيقال: أقمت عند فلان يومين -والقائل يريد يوما وبعض اليوم الآخر-كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وقد مرّ في الآية رقم [٢٠٣]. ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى الأب نفقة الوالدات المطلّقات، وكسوتهن بما هو متعارف عليه بدون إسراف، ولا تقتير لتقوم بخدمة الولد حقّ القيام، وإنما عبر سبحانه بهذا؛ لأن الوالدات إنما ولدن للآباء، ولذلك ينسب الولد للأب دون الأم، وينسب للمأمون ما يلي: [البسيط]
لا تزدرين فتى من أن يكون له... أمّ من الرّوم أو سوداء عجماء
فإنّما أمّهات النّاس أوعية... مستودعات وللأبناء آباء
هذا ولم تحذف النون من (تزدرين) مع كونه مجزوما ب (لا) الناهية لضرورة الشعر.
والهاء في (له) عائدة على (ال) لأنّ المعنى: الذي يولد له، وهو الوالد. هذا؛ والرضاع المحرّم هو الذي يكون في حدود الحولين، وبعدهما لا تحريم بالرّضاع، كما رأيته في الآية رقم [٢٣] من سورة (النساء).
﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها:﴾ إلا طاقتها، ومقدرتها على الإنفاق، والمعنى: أن أبا الولد لا يكلّف في الإنفاق عليه، وعلى أمّه إلا ما قد تتّسع به مقدرته، كذلك لا تكلف المرأة الصّبر على التقتير في الأجرة، بل يراعى القصد، والاعتدال، وفي هذه الأيام القاضي الشّرعي هو الذي يقرّر نفقة المطلقة، ونفقة الولد حسب دخل الرّجل الشّهري، هذا، وكثيرا ما نسمع من ويلات الطلاق من قبل الفاسقين، والفاسدين؛ الذين ينكحون ثانية، وثالثة، ويتركون الأولى، ويدعون لها أولادها بدون إنفاق عليها، وعلى أولادهم؛ سواء طلّقوا، أم لم يطلقوا! فلا حول ولا قوة إلا بالله!.
هذا؛ وفي هذه الآية دليل على أنّ الحضانة للأم، ويقدر مدّتها في هذه الأيام القاضي الشرعي، والرّسول ﷺ قال للأم: «أنت أحقّ به ما لم تنكحي». فقد روى أبو داود عن
стр. 549
الأوزاعي، قال: حدّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو: أنّ امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إنّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلّقني، وأراد أن ينتزعه منّي. فقال لها رسول الله ﷺ : «أنت أحقّ به ما لم تنكحي». وخذ ما يلي هذه الطّرفة:
فقد روى القالي في أماليه عن أبي عبيدة، قال: جرى بين أبي الأسود الدّؤلي وامرأته كلام في ابن لها منه، وأراد نزعه منها، فصارا إلى زياد بن أبيه، وهو والي البصرة، فقالت المرأة:
أصلح الله الأمير، هذا ابني، كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام، فلم أزل بذلك سبعة أعوام، حتّى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله، وأمّلت نفعه، ورجوت خيره أراد أن يأخذه كرها، فآوني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري. فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، أنا أقوم في أدبه، وأنظر في أوده، وأمنحه علمي، وألهمه حلمي، حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله. فقالت المرأة: أصلحك الله، حمله خفّا، وحملته ثقلا، وضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: ردّ على المرأة ولدها، فهي أحقّ به منك، ودعني من سجعك. انتهى. فإن تزوّجت المطلقة؛ فأمّها أحقّ بحضانة أولادها الصّغار.
﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي: لا يضرّ الوالدان بالولد، فيفرطا في تعهّده، أو يقصّرا في ما ينبغي له، أو يضارّ أحدهما الآخر، بسبب الولد، فترفض الأمّ إرضاعه؛ لتضرّ أباه بتربيته، أو ينتزع الأب الولد منها إضرارا بها؛ مع رغبتها في إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه. وإضافة الولد لكلّ منهما في الموضعين للاستعطاف.
﴿وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ:﴾ اختلفوا في تأويله، فقال عمر بن الخطاب-﵁ وغيره: المراد: وارث أبي الصّبيّ، فعليه أن ينفق على الطّفل، وعلى والدته التي ترضعه، وتحضنه من غير تقصير، ولا إفراط، ولا تفريط. وهو قول الجمهور، وقد استدلّ الحنفيّة، والحنابلة بذلك على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض؛ سواء كانوا من جهة الأب، أو من جهة الأم، كما في المواريث، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم؛ عتق عليه». وقيل: المراد: وارث الصّبيّ إذا مات. وقيل: المراد: الوارث هو الصّبيّ نفسه؛ أي: عليه إذا ورث أباه بعد موته إرضاع نفسه من المال الذي ورثه.
﴿فَإِنْ أَرادا﴾ أي: الأب، والأم. ﴿فِصالاً:﴾ فطاما للولد. ﴿عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ﴾ أي: عن اتفاق بينهما على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا مؤاخذة، ولا إثم عليهما. فيؤخذ منه: أنه لا يجوز لأحدهما أن يستبدّ بفطامه دون مشاورة الآخر. وفي هذا احتياط لمصلحة الطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله
стр. 550
بعباده، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا..﴾. إلخ: هذا خطاب للآباء إذا أرادوا أن يستأجروا مرضعات لأولادهم غير أمهاتهم، فلا إثم عليهم، ولا حرج، ولا سيما إذا تزوّجت أم الولد غير أبيه بعد طلاقها منه، أو طلبت فوق أجرة المثل. والسين، والتاء للطلب، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الالتفات في الآية رقم [١٣١].
﴿إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: دفعتم الأجرة إلى المرضعة كاملة. وقال مجاهد:
أسلمتم إلى الأمهات أجرهنّ بحساب ما أرضعن إلى وقت الاسترضاع. و (المعروف):
الإحسان، والإجمال في القول. أمروا أن يكونوا عند تسليم الأجرة لمن ترضع الطفل مستبشري الوجوه، ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس المراضع بما أمكن؛ حتى يؤمن تفريطهن في إرضاع الطفل. ﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوا الله فيما أوجب عليكم من الحقوق، وفيما أجب عليكم لأولادكم، وهو يعمّ المرضعات. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرّها، وعلانيتها، فإنه تعالى يعلمها.
بعد هذا فقوله تعالى: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ مثل قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٤]: ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ وقد استنتج من الآيتين ومن آية (الأحقاف) رقم [١٥] وهي قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً:﴾ أنّ أقل مدة الحمل ستة أشهر. وهو استنتاج قوي، وصحيح.
روى محمّد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله الجهني، قال: تزوّج رجل منّا امرأة من جهينة، فولدت ولدا لتمام ستّة أشهر من زواجها، فانطلق زوجها إلى عثمان-﵁-فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها؛ بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟ فو الله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قطّ، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلمّا أتي بها عثمان-﵁-أمر برجمها، فبلغ ذلك عليّا-﵁-فأتاه، فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له عليّ كرم الله وجهه: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى! قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ وقال في سورة (البقرة): ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ..﴾.
إلخ، وقال في سورة (لقمان): ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ فلم تجده بقي إلا ستة. قال: فقال عثمان ﵁: والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، قال: فقال معمر ﵁: فو الله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلمّا رآه أبوه، قال: إنّي والله لا أشك فيه. قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله؛ حتّى مات. أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير. انظر ما قاله معاوية في حقّ عليّ في الآية السابقة، وقد صار مثلا من الأمثال عند وجود مشكلة معضلة.
стр. 551
هذا؛ ويفيد قوله: «فوجدوها قد فرغ منها»: أنها أقيم عليها حد الرّجم، وانتهى أمرها.
وذكر القرطبي في تفسير سورة (الأحقاف): أنّ عثمان-﵁-رجع عن قوله، ولم يحدّها، والمروي في الموطأ: أنّها رجمت. وفي تيسير الوصول، فأمر عثمان بردّها، فوجدت قد رجمت. وهذا هو المعتمد، رحمها الله تعالى. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄:
إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر؛ كفاه من الرّضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر؛ كفاه من الرّضاع ثلاثة وعشرون شهرا، وإذا وضعته لستة أشهر؛ فحولين كاملين؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾. هذا؛ وأصل الكلام: وأنّ حمله وفصاله ثلاثون شهرا. ولا يصح المعنى إلا بهذا. هذا؛ والواقع يوحي بأنّ المرأة المذكورة كانت ثيبا؛ إذ لو كانت بكرا لكان حدّها الجلد، لا الرّجم، تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
الإعراب: ﴿وَالْوالِداتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الْوالِداتُ﴾): مبتدأ. ﴿يُرْضِعْنَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، ونون النسوة فاعله. ﴿أَوْلادَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿حَوْلَيْنِ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿كامِلَيْنِ:﴾ صفة ﴿حَوْلَيْنِ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: ﴿يُرْضِعْنَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ، التقدير:
ذلك؛ أي: ما تقدّم من إرضاع الولد حولين، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَرادَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، أو الرابط. ﴿أَنْ يُتِمَّ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى (من)، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به.
﴿الرَّضاعَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ: صلة (من) أو صفتها، والجملة الاسمية:
(﴿الْوالِداتُ﴾) ... إلخ مستأنفة، أو هي معترضة بين المتعاطفتين، لا محل لها على الاعتبارين.
(﴿عَلَى الْمَوْلُودِ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿الْمَوْلُودِ﴾ على أنهما في محل رفع نائب فاعله. ﴿رِزْقُهُنَّ:﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿وَكِسْوَتُهُنَّ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء: في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ علقهما أبو البقاء بمحذوف حال من: ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ وهذا لا يجيزه كثير من النحاة؛ لأن الحال هيئة فاعل، أو مفعول، والأولى تعليقهما بمحذوف حال من الضمير في الخبر المحذوف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُكَلَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل لا محلّ لها.
стр. 552
﴿لا:﴾ نافية، أو ناهية. ﴿تُضَارَّ:﴾ قرئ بالرّفع، والجزم، وبالبناء للفاعل، وبالبناء للمجهول، وأصل الأول (تضارر) بكسر الراء الأولى في الأول، وبفتحها في الثاني، ومثله في الآية رقم [٢٨٢] الآتية، وقرئ بالفكّ («تضارر») وبالإدغام: ﴿تُضَارَّ؛﴾ فعلى الفكّ هو ظاهر، وعلى الإدغام؛ فعلى الرفع بالضّمّة ظاهرة، وعلى الجزم والإدغام، فإنّه حرك بالفتحة لالتقاء السّاكنين، وكان الفتح أولى لتجانس الألف والفتحة قبلها، كما هو القاعدة في جزم المضعّف.
﴿والِدَةٌ:﴾ نائب فاعله. ﴿بِوَلَدِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما والباء للسببية، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بمنزلة البدل ممّا قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿مَوْلُودٌ:﴾ معطوف على: ﴿والِدَةٌ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿بِوَلَدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل المحذوف؛ إذ التقدير: ولا يضارّ مولود له، والهاء في محل جر بالإضافة. (﴿عَلَى الْوارِثِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِثْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿مِثْلُ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرادا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والألف فاعله. ﴿فِصالاً:﴾ مفعول به، ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فِصالاً،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي.
﴿مِنْهُما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿تَراضٍ﴾. ﴿وَتَشاوُرٍ:﴾ معطوف على ﴿تَراضٍ﴾. ﴿فَلا:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَإِنْ:﴾
الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النّون... إلخ، والمصدر المؤول منهما في محل نصب مفعول به، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوْلادَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ إعرابه مثل ما قبله، والجملة الاسمية في محلّ جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. هذا ومفعول: ﴿تَسْتَرْضِعُوا﴾ في الحقيقة محذوف، و ﴿أَوْلادَكُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض، وتقدير الكلام: وإن أردتم أن تسترضعوا أجنبية لأولادكم. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان متعلّق ب (﴿جُناحَ﴾). ﴿سَلَّمْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. وقيل: ﴿إِذا﴾ شرطية، فيكون جوابها محذوفا، دلّ
стр. 553
عليه ما قبلها، وتكون ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مؤكّد لمضمون الشرط السابق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿آتَيْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذي آتيتموهن إيّاه نقدا. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٢٣١] إفرادا وجملا. ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية.
﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول بما بعدها بمصدر في محلّ جر بالباء، التقدير: بعلمكم. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر: ﴿أَنْ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله عدّة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع؛ ذكر عدّة الوفاة أيضا؛ لئلا يتوهم: أنّ عدة الوفاة مثل عدّة الطلاق، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ..﴾. إلخ.
وأصل التوفّي أخذ الشّيء وافيا، فمن مات؛ فقد استوفى عمره كاملا، ورزقه، قال الرسول ﷺ :
«يا أيّها النّاس اتّقوا الله، وأجملوا في الطّلب، فإنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتّقوا الله، وأجملوا في الطّلب، خذوا ما حلّ، ودعوا ما حرم». أخرجه ابن ماجة، والحاكم عن جابر ﵁. هذا؛ ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، وبالبناء للمعلوم، بمعنى:
يستوفون آجالهم.
﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجاً:﴾ المراد بالأزواج هنا: النّساء؛ لأنّ العرب تطلق اسم الزوج على المرأة، والرجل، كما رأيت في الآية رقم [٢٥]. ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ انظر [٢٢٨] ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً:﴾
أي: وعشرة أيام، وإنّما قال: وعشرا؛ لأنّ العرب إذا أبهمت العدد من الليالي، والأيام؛ غلّبوا الليالي، حتى إنّ أحدهم ليقول: صمت عشرا من الشهر؛ لكثرة تغليبهم الليالي على الأيام؛ فإذا أظهروا الأيام؛ قالوا: صمنا عشرة أيام. وقيل: إن هذه الأيام أيام حزن، ولبس إحداد؛ فشبّهها بالليالي على سبيل الاستعارة.
ووجه الحكمة في أنّ الله تعالى حدّ العدة في هذا القدر؛ لأن الولد يتحرك في بطن أمه لنصف مدّة الحمل، وقيل: إنّ الروح ينفخ في الولد في هذه العشرة أيام. ويدلّ على ذلك ما روي
стр. 554
عن ابن مسعود-﵁-قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: «أنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، أو سعيد، ثم ينفخ فيه الرّوح». أخرجاه في الصّحيحين بزيادة. فدلّ هذا الحديث على أنّ خلق الولد يجتمع في مدة أربعة أشهر، ويتكامل خلقه بنفخ الروح فيه في هذه الأيام الزائدة.
وهذا الحكم يشمل الزّوجات المدخول بهنّ، وغير المدخول بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأهل السّنن: أنّ ابن مسعود ﵁-سئل عن رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها مهرا، فتردّدوا إليه مرارا في ذلك، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا؛ فمن الله، وإن كان خطأ فمنّي، ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصّداق كاملا. وفي لفظ: لها صداق مثلها، ولا وكس، ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن يسار الأشجعي-﵁-فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في «بروع بنت واشق» ففرح عبد الله-﵁ بذلك فرحا شديدا.
ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدّتها بوضع الحمل، لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سورة (الطلاق). وكان ابن عباس-﵄-يرى: أن عليها أن تتربّص بأبعد الأجلين: من الوضع، أو من أربعة أشهر، وعشر، للجمع بين الآيتين، وهذا مسلك جيد، ومأخذ قويّ، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سبيعة الأسلمية-﵂-المخرج في الصّحيحين من غير وجه: أنّها توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلّت من نفاسها؛ تجمّلت للخطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك-﵁-فقال لها: ما لي أراك متجمّلة لعلك ترجين النّكاح؟ والله ما أنت بناكح؛ حتى يمرّ عليكم أربعة أشهر، وعشر! قالت-﵂: فلمّا قال لي ذلك؛ جمعت علي ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوّج؛ إن بدا لي. قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أنّ ابن عباس رجع إلى حديث سبيعة، لما احتجّ به عليه، ويصحح ذلك عنه: أنّ أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة. انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ وسعد بن خولة-﵁-من بني عامر، وكان من أهل بدر، توفي في حجّة الوداع، وأبو السّنابل-﵁-من بني عبد الدار. هذا؛ وقال ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت في دمها غير أنّه لا يقربها حتى تطهر.
هذا؛ ويجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة، والطّيب، ودهن الرأس بكلّ دهن، والكحل المطيّب، فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة؛ فيرخص لها. وبه قال مالك،
стр. 555
وأبو حنيفة، وقال الشّافعي: تكتحل به باللّيل، وتمسحه بالنّهار. عن أم سلمة-﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت عليّ صبرا، فقال: «ما هذا يا أمّ سلمة؟» فقلت: إنّما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، فقال: «إنه يشبّ الوجه، فلا تجعليه إلا باللّيل. وتنزعينه بالنّهار. ولا تمتشطي بالطّيب، ولا بالحنّاء؛ فإنّه خضاب». قلت:
بأيّ شيء أتمشّط يا رسول الله! قال: «بالسّدر تغلّفين به رأسك». أخرج أبو داود، والنّسائي نحوه، ومعنى يشبّ الوجه: يحسّنه، وينوّره. والسّدر: يشبه الشّجر المسمّى في بلادنا بالغار.
وعن زينب بنت أبي سلمة، قالت: دخلت على أمّ حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان، فدعت بطيب، فيه صفرة خلوق، أو غيره، فدهنت به جارية، ثم مست بعارضيها، ثمّ قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحلّ لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا».
قالت زينب-﵂: ثمّ دخلت على زينب بنت جحش-﵂-حين توفي أخوها، فدعت بطيب، فمسّت منه، ثم قالت: والله ما لي بالطّيب من حاجة غير أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرا». متفق عليه.
هذا؛ ومن الإحداد أن لا تخرج من بيتها حتى تنتهي عدّتها كالمطلقة، وثبت: أنّ النّبي ﷺ قال للفريعة بنت مالك بن سنان: «امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله» وكانت متوفى عنها زوجها. أخرجه مالك في موطئه عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة.
هذا؛ وتخرج المعتدّة من مسكنها لقضاء حوائجها؛ إذا لم يكن لها من يقضيها لها، ولا يجوز لها المبيت إلا في بيت عدّتها إلا إذا خافت على نفسها، أو مالها، فعند ذلك يجوز لها ذلك. هذا؛ والمطلقة طلاقا رجعيّا تنتقل إلى عدّة الوفاة، وترثه، بخلاف البائنة، والمطلقة ثلاثا، فلا تنتقلان إلى عدّة الوفاة، ولا ترثان، كما إذا ماتتا، فلا يرثهما أيضا.
تنبيه: هذه الآية ناسخة لحكم الآية رقم [٢٤٠] وإن كانت متأخّرة بالتّرتيب، لكنّها متقدّمة بالنزول، كما ستقف عليه.
﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ:﴾ انقضت عدّتهن يقينا. واختلفوا في المرأة يبلغها وفاة زوجها، أو طلاقه، فقالت طائفة من الصّحابة والتابعين: العدّة في الطلاق، والوفاة من يوم يموت، أو يطلق. وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وقالت طائفة من الصّحابة، والتابعين:
إنّ عدتها من يوم يبلغها الخبر. والصّحيح الأوّل؛ لأنّ الله تعالى علّق العدّة بالوفاة، أو الطلاق، ولأنّها لو علمت بموته، فتركت الإحداد عمدا، انقضت عدّتها، فإذا تركته مع عدم العلم؛ فهو أهون. والمعنى: أنّ العدة لا تقضى. والله أعلم.
стр. 556
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ الخطاب للأولياء؛ لأنهم هم الذين يتولّون العقد في المذهب الشّافعي. ﴿فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني: من التزيين، والتطييب، والنقلة من المسكن الذي كانت معتدة فيه، ونكاح من يجوز لها نكاحه. واحتجّ الحنفية على جوار النكاح بغير وليّ بهذه الآية؛ لأنّ إضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، وأجاب الشّافعي: أنّ قوله تعالى:
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ خطاب للأولياء، ولو صح العقد بغير وليّ؛ لما كان مخاطبا، وأجيب عن قوله: ﴿فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ:﴾ إنّما هو التزين، والتطيب بعد انقضاء العدّة، لا أنها تزوّج نفسها.
﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعني: أنه تعالى لا تخفى عليه خافية. و (الخبير): من أسماء الله الحسنى، وهو: العالم بكنه الشيء، وحقيقته من غير شكّ. و (الخبير) في صفة المخلوقين إنّما يستعمل في نوع من العلم، وهو الذي يوصل إليه بالاجتهاد، والفكر، والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يُتَوَفَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، أو للمعلوم مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو الفاعل، أو نائب الفاعل. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجاً﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها.
﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٢٨]، لكن الجملة الفعلية هنا خبرا للمبتدإ غير مسلّم؛ لأنها لم تشتمل على ضمير يعود إلى المبتدأ، لذا فإنّ في إعراب هذا التركيب ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ التقدير: وأزواج الذين يتوفون... إلخ، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا مستعمل عربية. الثاني: أنّ التقدير: يتربصن بعدهم، قال الأخفش: فيكون الرابط مقدرا، والمقدر كالمذكور. الثالث: أنّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ..﴾. إلخ: خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أزواجهم يتربصن... إلخ، والجملة خبر عن الأول، قاله المبرد. انتهى جمل نقلا عن السّمين بتصرف كبير. وقال مكّي: وقياس قول سيبويه: أنّ الخبر محذوف، تقديره: وفيما يتلى عليكم الّذين... إلخ، مثل: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ﴾. والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ..﴾. إلخ: معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة لا محل لها.
﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السّكون في محل نصب. ﴿بَلَغْنَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿أَجَلَهُنَّ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا).
(لا): نافية للجنس، تعمل عمل «إنّ».
стр. 557
﴿جُناحَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (لا). ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. ﴿فَعَلْنَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: في الّذين، أو: في شيء فعلنه. ﴿فِي أَنْفُسِهِنَّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿فَلا جُناحَ..﴾. إلخ، جواب: (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية السابقة، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها.
﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ لا إثم، ولا مؤاخذة عليكم. ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ:﴾ وهن في عدّة الوفاة، أو في عدّة الطلاق البائن، وهو مباح في العدّة، وهو أن يقول لها: إنّك لجميلة، وإنّك لصالحة، ومن يجد مثلك؟ وإني أريد أن أتزوج، وإنّي فيك لراغب، وأرجو أن يرزقني الله امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم من غير تصريح، بأن يقول:
إنّي أريد أن أتزوّجك. وخطبة النساء بكسر الخاء. وبضمها: الموعظة، والإرشاد، والنصيحة.
هذا؛ والتعريض للمعتدّة الرّجعية لا يجوز. ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم، وسترتم، وأخفيتم في أنفسكم رغبتكم في نكاح المعتدّات من وفاة، أو من طلاق بائن.
هذا؛ والفرق بين الكناية، والتعريض واضح: في الكناية: أن تذكر الشيء بغير لفظه، الموضوع له، كقولك: طويل النّجاد، والحمائل لطويل القامة. وكثير الرّماد، وجبان الكلب، ومهزول الفصيل؛ للمضياف. والتّعريض: أن تذكر شيئا تدل به على شيء، لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك؛ لأسلّم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم. ولذا قالوا: [الطويل]
وحسبك بالتّسليم منّي تقاضيا
وكأنه إمالة الكلام إلى عرض، يدل على العرض، ويسمّى التلويح؛ لأنه يلوح منه ما يريده.
﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ:﴾ لا محالة، ولا تنفكّون عن النّطق برغبتكم فيهنّ، ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التّوبيخ، مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾. هذا؛ وشهوة النفس، والتّمني، لا يخلو منها أحد، فلمّا كان هذا الخاطر كالشّيء السّاقط؛ أسقط عنه الحرج.
стр. 558
﴿وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا:﴾ اختلفوا في هذا السّر المنهي عنه، فقيل: هو الزّنى؛ كان الرجل يدخل على المرأة يعرّض بالنّكاح، ومراده الزّنى، ويقول لها: عديني، فإذا انقضت عدّتك؛ أظهرت نكاحك. ومنه قول الأعشى من قصيدته الّتي مدح بها النّبيّ ﷺ : [الطويل]
فلا تقربنّ جارة إنّ سرّها... عليك حرام فانكحن أو تأبّدا
وقال الحطيئة: [الوافر]
ويحرم سرّ جارتهم عليهم... ويأكل جارهم أنف القصاع
وقيل: السرّ: الجماع؛ أي: لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النّكاح، فإنّ ذكر الجماع مع غير الزّوجة فحش. وهذا قول الشّافعي، ﵁. وقال امرؤ القيس: [الطويل]
ألا زعمت بسباسة اليوم أنّني... كبرت وألاّ يحسن السّرّ أمثالي
﴿إِلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً:﴾ هو ما ذكر من التعريض بالخطبة من غير تصريح بذلك، و ﴿إِلاّ﴾ متعلّق. ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ أي: لا تواعدوهن مواعدة قطّ إلا مواعدة معروفة غير منكرة.
﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ﴾ أي: لا تعقدوا عقد النكاح على معتدة الوفاة، أو غيرها حتّى تنتهي عدّتها المفروضة عليها. وعزم على الشيء: قرر، وصمّم على فعله، وذكر العزم للمبالغة في النّهي عن مباشرة النكاح، فإذا نهى عنه؛ كان النهي عن الفعل من باب أولى. هذا؛ وسمّى الله العدّة، وانتهاءها: كتابا؛ لأنها فرضت به، وهو كقوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ؛ أي: اعتقدوا، وأيقنوا: أنّ الله يعلم ما تخفون في أنفسكم، وما تظهرون من أقوالكم، وأعمالكم، ﴿فَاحْذَرُوهُ:﴾ خافوا حسابه، وعقابه، ففيه تهديد، ووعيد لمن يخالف الشّرع الشّريف في هذه الأحكام، أو بعضها. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ:﴾ لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، بل يستر عليه. هذا؛ واختلفوا فيمن تزوّج امرأة في عدّتها، فدخل بها، فإنه يفرّق بينهما، ويجب عليها عدّتان: إتمام عدة الأول، واستئناف عدّة الثاني، وهل تحرم عليه أبدا؟ قولان: الجمهور على أنّها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها. وذهب الإمام مالك-رحمه الله تعالى-إلى أنّها تحرم عليه على التأبيد، ومأخذ هذا أنّ الزّوج لما استعجل ما أجّل الله؛ عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد. كالقاتل لمورثه يحرم من الميراث. ومن طلب شيئا قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه.
تنبيه: عدّة الوفاة عدّة تفجّع مهما كان عمر المرأة، وأمّا عدّة الطلاق؛ فالغالب: أنها لبراءة الرّحم من الحمل، وقد تكون تعبّديّا، كطلاق الآيسة، والصّغيرة؛ الّتي لم تحض. والله أعلم بمراده، وأسراره.
стр. 559
الإعراب: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ:﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿مِنْ خِطْبَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والعامل الفعل. ﴿عَرَّضْتُمْ،﴾ أو بمحذوف حال من (ما)، وتكون (﴿مِنْ﴾) بيانا لما أبهم في (ما) والعامل هو الاستقرار المحذوف. و ﴿خِطْبَةِ﴾ مضاف، و ﴿النِّساءِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. وجملة: ﴿وَلا جُناحَ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَكْنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، انظر تقديره في الشّرح.
﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والكاف في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿عَرَّضْتُمْ..﴾. إلخ. ﴿عَلِمَ اللهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله.
﴿أَنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ:﴾ السين: حرف استقبال.
(تذكرونهن): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (﴿عَلِمَ﴾)، والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محلّ نصب حال من تاء الفاعل؛ فالرابط الضّمير فقط، ويجب تقدير: «قد» قبلها، ويكون المعنى: حالة كونكم معلومين عند الله.
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل، لا عمل له، ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُواعِدُوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿سِرًّا:﴾ مفعول به ثان، وقيل: هو حال بمعنى: مستسرين، فيكون المفعول الثاني محذوفا. وقيل: هو صفة لمصدر محذوف، التقدير:
مواعدة سرّا. وقيل: التقدير: في سرّه، فيكون ظرفا، أو هو منصوب بنزع الخافض، وجملة:
﴿لا تُواعِدُوهُنَّ..﴾. إلخ معطوفة على محذوف، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا؛ فاذكروهن، ولكن... إلخ.
﴿إِلاّ:﴾ حرف استثناء منقطع. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُولُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النّون، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿قَوْلاً﴾ مفعول مطلق. ﴿مَعْرُوفاً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب على الاستثناء المنقطع، والمستثنى منه محذوف، وتقدير الكلام: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة، أو: إلا مواعدة بقول معروف، فيكون مجرورا بحرف جرّ محذوف، ومتعلقا بالمستثنى. ﴿وَلا تَعْزِمُوا:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿عُقْدَةَ:﴾ منصوب على نزع الخافض، التقدير: على عقدة، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها، و ﴿عُقْدَةَ﴾ مضاف، و ﴿النِّكاحِ﴾ مضاف
стр. 560
إليه. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر. بعدها «أن» مضمرة. ﴿يَبْلُغَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾. ﴿الْكِتابُ:﴾ فاعله. ﴿أَجَلَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل ﴿يَبْلُغَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿تَعْزِمُوا﴾.
﴿وَاعْلَمُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِعْلَمُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف في محل جرّ بالإضافة، و ﴿أَنْ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي (﴿اِعْلَمُوا﴾) والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها، وجملة: ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، ولا يخفى عليك إعراب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾
الشرح: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا تبعة في طلاق النساء اللّاتي لم يدخل بهن الأزواج بعد إجراء العقد عليهنّ، ولم يسمّ الأزواج لهنّ مهرا أيضا، فهؤلاء يجب على الأزواج أن يعطوهنّ شيئا من المال تطييبا لخاطرهنّ، وما يعطى لهنّ على سبيل الهدية يسمّى متعة ماليّة، وهذا القدر المالي يختلف باختلاف حال الزّوج المالي المادّي.
ومعنى ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ تجامعوهنّ، فيعلّمنا ربّنا أن نتحاشى الألفاظ الفاحشة في الكلام، ومثل هذا الأدب كثير في القرآن الكريم، وقرئ: («تماسّوهنّ») من المفاعلة؛ لأن الوطء يتم بها.
﴿فَرِيضَةً:﴾ المراد بها ما يسمّى من المهر للمرأة. ﴿الْمُوسِعِ:﴾ الغني. ﴿الْمُقْتِرِ:﴾ الفقير الضيق الحال. وهو بفتح القاف، وتشديد التاء: البخيل الشحيح.
هذا؛ ويفهم من نصّ الآية الكريمة: أنه لا يشترط تسمية المهر في العقد، وإنّما التسمية سنّة، وبعد العقد، وبعد الدخول إن اتّفقا على مهر؛ وإلا؛ فلها مهر مثلها.
تنبيه: المطلّقات أربع: مطلقة مدخول بها، ومفروض لها، وقد ذكر حكمها قبل هذه الآية: أنّه لا يسترد منها شيء من المهر، وأنّ عدّتها ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، فهذه الآية في شأنها، ولا مهر لها، بل أمر الله تعالى بإمتاعها. وبيّن الله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٤٩] أنّ غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدّة عليها، وطلاقها لا يوصف
стр. 561
بسنّيّ، ولا بدعيّ. ومطلقة مفروض لها، غير مدخول بها ذكرها الله تعالى في الآية التالية.
ومطلقة مدخول بها، غير مفروض لها، ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ رقم [٢٤] من سورة (النساء). فذكر الله تعالى في هذه الآية، والتي بعدها مطلقة قبل المسيس، وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس، وبعد الفرض، فجعل للأولى المتعة، وجعل للثانية نصف الصّداق؛ لما لحق الزّوجة من دحض العقد، ووصم الحلّ الحاصل للزوج بالعقد، وقابل المسيس بالمهر الواجب. انتهى. قرطبي بتصرف.
وإن وقع الموت قبل الفرض، فخذه بما يلي: عن ابن مسعود-﵁: أنّه سئل عن رجل تزوّج امرأة لم يفرض لها، ولم يدخل بها؛ حتّى مات. فقال: لها مثل صداق نسائها، لا وكس، ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي-﵁، فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منّا، مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود، ﵁. وقال عليّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر-﵃: لها الميراث، ولا صداق لها، وعليها العدّة. وهو قول الشّافعيّ. وروي عنه: أنّه رجع بمصر عن هذا القول.
هذا؛ واختلف في المتعة، هل هي واجبة لكل مطلّقة، أم هي على سبيل النّدب؟ والمعتمد الوجوب؛ فقد روى الثعلبيّ: أنّ رجلا من الأنصار، عقد على امرأة من بني حنيفة، ولم يسمّ لها مهرا، ثم طلّقها قبل أن يمسّها، فنزلت الآية الكريمة، فقال له النبيّ ﷺ : «متّعها؛ ولو بقلنسوتك».
وروى الدّارقطنيّ عن سويد بن غفلة، قالت: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن عليّ-﵄-فلمّا أصيب عليّ، وبويع الحسن بالخلافة، قالت: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال:
يقتل عليّ، وتظهرين الشماتة؟! اذهبي فأنت طالق ثلاثا! قال: فتلفّعت بساجها، وقعدت؛ حتّى انقضت عدّتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقيّة ما بقي لها من صداقها، فقالت: [الطويل]
متاع قليل من حبيب مفارق
فلمّا بلغه قولها؛ بكى، وقال: لولا أني سمعت جدّي-أو: حدثني أبي: أنه سمع جدي- يقول: «أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثا مبهمة، أو ثلاثا عند الأقراء؛ لم تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره؛ لراجعتها». وخاب الّذين يقولون: لفظ الثلاث لا يقع إلا واحدة!.
الإعراب: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة فيما تقدّم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.
﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية زمانية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: زمن عدم المسيس، والفرض، وقيل: هي شرطية مقدّرة ب «إن» فتكون من باب اعتراض الشرط على
стр. 562
الشرط، ويكون الثاني قيدا في الأول، كما في قولك: إن تأتني، إن تحسن إليّ؛ أكرمك. أي:
إن تأتني محسنا إليّ. والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسّين لهنّ. وهذا المعنى أقعد من الأوّل.
انتهى جمل بتصرّف.
هذا؛ ويظهر لي وجه بعيد: أنّ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى «اللاتي» واستعمال: ﴿ما﴾ للعاقلات هنا لمعنى دقيق لطيف، وهو أنّ المرأة ملك الرّجل، كسائر ما يملك من غير العاقلين؛ لسببين: الأوّل: أنّ للرجل قوامة على المرأة بسبب الإنفاق عليها، قال تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ رقم [٣٤] من سورة (النساء) والثاني: أنّ الرّجل يملك رقبة المرأة بعقدة النكاح التي بينهما، كما ستراه في الآية التالية، وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ..﴾. إلخ.
﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون في الجميع حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية محلّها بحسب معنى (﴿ما﴾). ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَفْرِضُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، فهو مجزوم مثله، والواو فاعله. هذا، واعتبره البيضاوي تبعا للزمخشري: أنّ الفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد (أو). وأنّ المعنى: إلا أن تفرضوا. أو: حتى تفرضوا، وعليه ينتفي الجناح عن المطلّق على الأوّل بانتفاء الجماع، أو الفرض، وعلى الثاني بانتفاء الجماع فقط؛ إذ لو مسّ، أو فرض؛ لزم الكلّ، أو النصف. انتهى جمل نقلا عن كرخي. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، واقعة جوابا لشرط غير جازم، وتقدير الكلام: إذا طلقتم النساء قبل المسيس، والفرض؛ فلا تعطوهنّ المهر، ومتعوهنّ. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ:﴾ متعلقان بمحذوف خير مقدّم. ﴿قَدَرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية، قيل:
مستأنفة، وقيل: في محل نصب حال، وعليه: فتحتاج إلى تقدير رابط؛ أي: على الموسع منكم قدره، والجملة الثانية: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ معطوفة عليها. ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أو للفعل المذكور.
﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَتاعاً﴾. ﴿حَقًّا:﴾ صفة: ﴿مَتاعاً،﴾ وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو أولى. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
стр. 563
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ..﴾. إلخ: لمّا ذكر الله تعالى حكم المفوضة في الآية السّابقة، وهي التي لم يسمّ لها مهر حال العقد عليها، كما رأيت؛ أتبعه بحكم المسمّى لها مهر. ومعنى:
﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ تجامعوهن. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً:﴾ سمّيتم لهن مهرا. ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلهنّ نصف المهر المسمّى.
ومذهب الشافعي-رحمه الله تعالى-: أنّ الخلوة من غير مسيس، لا توجب إلا نصف المهر المسمّى؛ لأن المسيس، إمّا حقيقة في المسّ باليد، أو جعل كناية عن الجماع، وأيّهما كان فقد وجد الطلاق قبله. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: الخلوة الصحيحة تقرّر المهر. ومعنى الخلوة الصحيحة: أن يخلو بها، وليس هناك مانع حسّيّ، ولا شرعيّ، فالحسّيّ: نحو الرّتق، والقرن، أو يكون معهما ثالث. والشّرعي: نحو الحيض، والنفاس، وصوم الفرض، وصلاة الفرض، والإحرام، سواء كان فرضا، أو نفلا. والآية حجّة لمذهب الشافعي.
قال شريح القاضي-رحمه الله تعالى-: لم أسمع: أنّ الله تعالى ذكر في كتابه بابا، ولا سترا، فإن زعم: أنّه لم يمسّها؛ فلها نصف الصّداق. وقال ابن عباس-﵄: إذا خلا بها، ولم يمسّها؛ فلها نصف المهر. هذا؛ ولو مات أحد الزّوجين بعد التّسمية، وقبل المسيس، فلها المهر كاملا، وعليها العدّة، إن كان الزوج هو الميت بالاتفاق، وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (النساء).
﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني: النساء المطلقات، والمعنى: إلا أن تترك المرأة المطلقة نصيبها من الصّداق، فتهبه للزوج، فيعود جميع الصداق له، بشرط أن تكون العافية بالغة عاقلة راشدة، بخلاف التي في حجر أب، أو وصيّ، فلا يجوز وضعها لشيء من صداقها، ولا خلاف فيه.
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ:﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّه ولي المرأة، وهو قول ابن عباس ﵄-وكثير من التّابعين، وبه قال الشافعي في القديم، والإمام مالك قال به أيضا.
والقول الثاني: أنه الزّوج، وهو قول عليّ، وابن عباس في الرواية الأخرى، وجبير بن مطعم ﵃-وكثير من التابعين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وجمهور الفقهاء.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى:﴾ الخطاب للأزواج، والزّوجات، وفيه تغليب الذكور على الإناث، ومثله ما بعده. ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ:﴾ المعروف، والإحسان لا تهملوه، بل
стр. 564
استعجلوه بينكم، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الفضل: إتمام الرّجل الصداق كلّه، أو ترك المرأة النصف الّذي لها. عن عليّ-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتينّ على النّاس زمان عضوض، يعضّ المؤمن على ما في يديه»؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ «شرار يبايعون كلّ مضطرّ». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ. وقد نهى الرسول ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك فضل؛ فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكا إلى هلاكه، فإنّ المسلم أخو المسلم، لا يحزنه، ولا يحرمه.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ فيه وعد للمحسن، ووعيد للمسيء؛ أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم. وعن جبير بن مطعم-﵁: أنه تزوج امرأة، ثمّ طلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل لها الصّداق، وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص ﵁-فعرض عليه بنتا له، فتزوّجها، فلمّا خرج طلّقها، وبعث إليها بالصّداق كاملا، فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها عليّ، فكرهت ردّه. قيل له: لم بعثت إليه بالصّداق، قال:
فأين الفضل؟ والمراد بالتزوج بالاثنتين: إجراء عقد النكاح. وفي هذه الأيام حدّث ولا حرج عن ظلم المرأة، وأكل حقوقها، وتعسّفها، وامتهانها.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والنون فيه، وفيما بعده حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿أَنْ تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الهاء، والرابط: على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿فَنِصْفُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (نصف): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليكم، أو: فلهن نصف، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب نصف، وقرئ بالنّصب على تقدير: فأدّوا النصف، (نصف): مضاف، و (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
﴿فَرَضْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: نصف الذي، أو: شيء فرضتموه، والجملة الاسمية: ﴿فَنِصْفُ..﴾. إلخ: في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها.
стр. 565
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو: استثناء. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل نصب ب ﴿إِنْ﴾ و ﴿إِنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والتقدير: فنصف ما فرضتم إلا في حال عفوهنّ، أو عفو الزوج، فلا تنصيف حينئذ.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَعْفُوَا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب تبعا لمحلّه، ومؤوّل مثله بمصدر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿بِيَدِهِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عُقْدَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿النِّكاحِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا:﴾ الواو: واو الحال. ﴿تَعْفُوا:﴾ مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول منهما في محل رفع مبتدأ.
﴿أَقْرَبُ:﴾ خبره. ﴿لِلتَّقْوى﴾ متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ممّا قبله؛ لأن الخطاب للأزواج، والزوجات على سبيل التغليب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿تَنْسَوُا:﴾
فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله.
﴿الْفَضْلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْفَضْلَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلهما فيما تقدم، وهي مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة.
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)﴾
الشرح: توسطت هاتان الآيتان الآمرتان بالمحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزّوجين عند الطّلاق، أو الافتراق لحكمة عالية، وهي: أنّ الله تعالى لمّا أمر بالعفو، والتسامح، وعدم نسيان الفضل بعد الطّلاق؛ بيّن، بل وحثّ على المحافظة على الصّلاة؛ لأنّها أعظم وسيلة إلى نسيان هموم الدّنيا، وأكدارها، ولهذا كان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر شديد؛ فزع إلى الصّلاة، وقال: «أرحنا بلال، أرحنا بلال». فالطّلاق، وما ينتج عنه يولّد الشّحناء، والبغضاء، والصّلاة تدعو إلى الإحسان، والتّسامح، وتنهى عن الفحشاء، والمنكر، وذلك أفضل وسيلة لتربية النفس الإنسانيّة، فلا ريب: أنّها عماد الدين،
следующие страницы →