Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه-﵁-قال: «خرج إلينا رسول الله ﷺ يوما، فنادى ثلاث مرات، فقال: «أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟». قالوا:
الله ورسوله أعلم، قال ﷺ : «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك؛ أبصر العدوّ، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدوّ قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيّها الناس! أوتيتم. أيها الناس! أوتيتم». ثلاث مرات. هذا؛ وفي قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ..﴾. إلخ استعارة، حيث استعير لفظ اليدين لما يكون من الأهوال، والشدائد أمام الإنسان يوم القيامة، وفي قوله: ﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ مقابلة، ومطابقة بينهما، وهذا من المحسنات البديعية.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَعِظُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِواحِدَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَقُومُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدلا من: (واحدة)، أو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي قيامكم، أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني قيامكم. ومذهب الزجاج: في محل نصب على نزع الخافض. وأقواها أولها، وقال الزمخشري: عطف بيان على: (واحدة) ورده ابن هشام في المغني بقوله: البيان لا يخالف متبوعه في تعريفه، وتنكيره. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثْنى وَفُرادى:﴾ حالان من واو الجماعة منصوبان، وعلامة نصبهما فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تَتَفَكَّرُوا:﴾ معطوف على: ﴿تَقُومُوا﴾ منصوب مثله.
﴿إِنَّما:﴾ نافية، معلقة للفعل: ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ عن العمل. ﴿بِصاحِبِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿جِنَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، علامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل: تتفكروا، وقال أبو حاتم: الوقف على ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: ﴿إِنَّما﴾ استفهامية، والمعنى: ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون، وعليه فالجار والمجرور: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من:
(صاحبكم)، وهو ضعيف معنى، وتركيبا كما ترى. ﴿أَنْ:﴾ حرف نفي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿نَذِيرٌ،﴾ أو صفة أخرى له، أو هو متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿لَكُمْ﴾.
стр. 5007
و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى صورة، وحذفت النون للإضافة، و ﴿يَدَيْ﴾ مضاف، و ﴿عَذابٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ:﴾ صفة:
﴿عَذابٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنْ هُوَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.
﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ:﴾ أيّ شيء سألتكم من أجر على تبليغ الرسالة ﴿فَهُوَ لَكُمْ:﴾ والمراد: نفي السؤال عنه فإنه جعل التنبي مستلزما لأحد الأمرين: إما الجنون، وإما توقع نفع دنيوي عليه؛ لأنه إما أن يكون لغرض، أو لغيره، وأيا ما كان يلزم أحدهما، ثم نفى كلا منهما. وقيل: ﴿ما﴾ موصولة مراد بها:
ما سألهم بقوله: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً،﴾ وقوله تعالى:
﴿لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ واتخاذ السبيل ينفعهم، وقرباه قرباهم. انتهى. بيضاوي.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ أي: ما ثوابي، وأجري إلا على الله فهو الذي يثيبني، ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ:﴾ حفيظ مهيمن يعلم: أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم، ودعائكم إليه إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان مقدم. ﴿سَأَلْتُكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والكاف مفعول به أول. ﴿مِنْ أَجْرٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو) مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها. هذا؛ وعلى اعتبار ﴿ما﴾ موصولة، فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير:
الذي سألتكموه. و ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، والجملة الاسمية:
(هو لكم) في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء عليه لأن الموصول يشبه الشرط في العموم.
﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى (ما). ﴿أَجْرِيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة
стр. 5008
الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ القذف، والرمي تصويب السهم، ونحوه بدفع، واعتماد، وقوة، ويستعاران من حقيقتهما لمعنى الإلقاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾. ومعنى ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ:﴾ يلقيه، وينزله إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطل فيدفعه، ويزهقه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ وهو قول ابن عباس. أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعدا بإظهار الإسلام، وإفشائه.
وانظر شرح الحق في الآية رقم [٣٠] من سورة (لقمان)، وانظر شرح ﴿يَقْذِفُ﴾ في الآية رقم [٥٣].
﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ:﴾ صيغة مبالغة: عالم. و ﴿الْغُيُوبِ:﴾ الأمر الذي غاب، وخفي جدا، وهو يقرأ بتثليث الغين، فالضم، كالشعور، والفتح، كالصبور، والكسر، كالبيوت (بكسر الباء).
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبِّي:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَقْذِفُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: يقذف الباطل بالحق، أي: يدفعه. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أي: ملتبسا بالحق، وأجيز اعتبار الباء زائدة، والحق مفعوله، أو الفعل يضمن معنى: يقضي، ويحكم، فيكون لازما. ﴿عَلاّمُ:﴾ بدل من محل اسم: ﴿إِنَّ،﴾ أو صفة له، أو هو بدل من الضمير المستكن بالفعل: ﴿يَقْذِفُ،﴾ أو هو خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هو خبر لمبتدإ محذوف. وقرئ بالنصب على أنه صفة ل: ﴿رَبِّي،﴾ أو بدل منه، أو هو على إضمار:
أعني، و ﴿عَلاّمُ﴾ مضاف، و ﴿الْغُيُوبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿يَقْذِفُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ أي: الإسلام، والقرآن، وذهب الباطل، واضمحل، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة؛ جعل
стр. 5009
يطعن الصنم منها بعود كان في يده، ويقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ الآية رقم [٨١] من سورة (الإسراء). ويقرأ: ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾.
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن ابن مسعود ﵁. أي: لم يبق للباطل مقالة، ولا رئاسة، ولا كلمة. وزعم قتادة، والسدي: أن المراد بالباطل هنا: إبليس؛ أي: إنه لا يخلق أحدا، ولا يعيده على ذلك. وهذا؛ وإن كان حقا، ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير. وانظر شرح: ﴿الْباطِلُ﴾ في العنكبوت [٥٢]. وفي البيضاوي تبعا للزمخشري: ﴿الْباطِلُ:﴾ الشرك ذهب بحيث لم يبق له أثر، مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق إبداء ولا إعادة أي: فإنه كناية عن هلاكه، وذهابه، وفي ﴿يُبْدِئُ﴾ و ﴿يُعِيدُ﴾ طباق أيضا. ومنه قول عبيد بن الأبرص: [الرجز] أأقفر من أهله عبيد... فاليوم لا يبدي ولا يعيد
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿جاءَ الْحَقُّ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾
الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْباطِلُ﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ما يبدئ الباطل لأهله خيرا. ﴿وَما يُعِيدُ:﴾ مثله في حذف المفعول، والفاعل يعود إلى ﴿الْباطِلُ،﴾ التقدير: وما يعيد لأهله خيرا. وقيل: الفعلان منزلان منزلة اللازم، والجملة الفعلية: ﴿وَما يُبْدِئُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول.
هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من ﴿الْحَقُّ﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط الواو فقط.
هذا؛ وقيل: (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: وأي شيء يبدئ الباطل؟! وهو غير واضح معنى.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين. ﴿إِنْ ضَلَلْتُ﴾ أي: عن الحق. ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ أي: وبال ضلالي عليها، فإنه بسببها؛ إذ هي الجاهلة بالذات، والأمارة بالسوء.
وذلك: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : تركت دين آبائك، فضللت. وقراءة الجمهور: ﴿ضَلَلْتُ﴾ بفتح اللام، وقرأ يحيى بن وثاب، وغيره بكسر اللام، وفتح الضاد من: «أضلّ». والضلال، والضلالة: ضد الرشاد. وقد ضللت بفتح اللام، أضل بكسرها، وهي قراءة حفص في هذه الآية، فهذه لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقولون: «ضللت، أضل» بكسر الضاد
стр. 5010
فيهما، وانظر شرح (الضلال) في الآية رقم [١١] من سورة (لقمان)، و (السجدة) رقم [١٠].
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ أي: إلى الحق، والصواب. ﴿فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي:﴾ من القرآن والحكمة، وإن الاهتداء بهدايته، وتوفيقه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (السجدة).
وكان قياس التقابل أن يقال: وإن اهتدت، فإنما أهتدي لها، كقوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (الإسراء) ولكن هما متقابلان معنى؛ لأن النفس كل ما هو وبال عليها، وضار لها، فهو بها، وبسببها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها؛ فبهداية ربها، وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة قدره، وسداد طريقته، كان غيره أولى به. انتهى. نسفي. وانظر ما ذكرته في سورة (الشعراء) رقم [٨٠]. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ:﴾ يسمع قول كل ضال، ومهتد. ﴿قَرِيبٌ:﴾ مني، ومنكم يجازيني بعملي، ويجازيكم بأعمالكم.
هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمد صلّى الله عليهم وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (النحل) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿ضَلَلْتُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿أَضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره:
«أنا». ﴿عَلى نَفْسِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة: ﴿فَإِنَّما أَضِلُّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تحل محل المفرد عند الدسوقي، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول. و (إن) الثانية ومدخولها كلام معطوف عليه فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَبِما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (بما): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فاهتدائي بما. و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: فبسبب الذي، أو: شيء يوحيه... إلخ، وعلى اعتبارها مصدرية، تؤول مع ما بعدها
стр. 5011
بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: فاهتدائي بسبب إيحاء ربي إليّ، والجملة الاسمية على التقديرين في محل جزم جواب الشرط. ﴿يُوحِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل ﴿يُوحِي﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، والياء: في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿سَمِيعٌ:﴾ خبر (إن). ﴿قَرِيبٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية تعليل للاهتداء، والجملة الفعلية:
﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ تَرى:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتّى منه الرؤية، والتبصر، والاعتبار. ﴿إِذْ فَزِعُوا:﴾ عند الموت، أو عند البعث، والخروج من القبور. وقال السدي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا فرارا، ولا رجوعا إلى التوبة. وقال سعيد بن جبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى منهم رجل واحد، فيخبر الناس بما لقي أصحابه. فيفزعون، وذلك أن ثمانين ألفا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم، كذا قاله ابن عباس-﵄. وهذا يكون في آخر الزمان.
والمعتمد الأول، و (لو) و ﴿إِذْ﴾ والأفعال التي هي: ﴿فَزِعُوا﴾ و (أخذوا) في هذه الآية، و ﴿(حِيلَ بَيْنَهُمْ)﴾ في الآية الأخيرة كلها للمضي، والمراد بها الاستقبال، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢].
﴿فَلا فَوْتَ:﴾ فلا مهرب، ولا محيص؛ بل: ولا ملجأ لهم. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ:﴾ من الموقف إلى النار، أو أخرجوا من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب، لا يعجزون الله، ولا يفوتونه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿تَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف. تقديره: الكافرين، أو المجرمين، أو حالهم. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿فَزِعُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿تَرى..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (لو) محذوف، التقدير: لرأيت أمرا فظيعا، وهولا عظيما. وأجيز اعتبار: (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب حينئذ، والأول أقوى. و (لو) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
стр. 5012
﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف مفيد للاعتراض. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ».
﴿فَوْتَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: لهم، وحذفه هنا واجب عند بني تميم، وعند الطائيين، وجائز عند الحجازيين. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر... إذا المراد مع سقوطه ظهر
والجملة الاسمية: «فلا فوت لهم» المقدرة معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَأُخِذُوا:﴾
الواو: حرف عطف. (أخذوا): ماض مبني للمجهول، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق.
﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿مَكانٍ،﴾ وجملة: ﴿وَأُخِذُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿فَزِعُوا﴾ فهي في محل جر مثلها.
﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: الكفار حين يؤخذون من مكان قريب، ويعاينون العذاب، والانتقام، والسخط، وغضب الواحد القهار. ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، أو بمحمد ﷺ ، وذلك لمرور ذكره في قوله تعالى: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي:
من أين لهم تناول الإيمان في الآخرة، وقد كفروا به في حال الدنيا. قال ابن عباس، والضحاك: التناوش: الرجعة؛ أي: يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا، وهيهات ذلك! ومنه قول الشاعر: [الوافر] تمنّى أن تئوب إليّ ميّ... وليس إلى تناوشها سبيل
وقيل: التناوش: التناول. قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلا ليأخذ برأسه، ولحيته: ناشه، ينوشه، نوشا، وأنشد قول ابن حريث: [الرجز] فهي تنوش الحوض نوشا من علا... نوشا به تقطع أجواز الفلا
أي: تناول ماء الحوض من فوق، وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات، فلا تحتاج إلى ماء آخر، فهو يصف إبلا. وقال عنترة في معلقته رقم [٥١]: [الكامل] فتركته جزر السّباع ينشنه... ما بين قلّة رأسه والمعصم
وقرئ: «(وأنّى لهم التّناؤش)» بالهمز، فهو من نأشت: إذا تأخرت، وقد نأشت الأمر، أناشه، نأشا: أخرته، ويقال: فعله نئيشا؛ أي: أخيرا. قال الشاعر: [الطويل] تمنّى نئيشا أنّ يكون أطاعني... وقد حدثت بعد الأمور أمور
стр. 5013
يقول: إن صاحبي تمنى أخيرا أن يكون أطاعني فيما نصحته، وأشرت إليه أولا، والحال:
أنه قد حدثت أمور بعد أمور دلت على رشادي، وصدق رأيي. وقال آخر: [الطويل] قعدت زمانا عن طلابك للعلا... وجئت نئيشا بعد ما فاتك الخبر
وقال الفراء: الهمز، وترك الهمز في التناوش متقارب، مثل ذمت الرجل وذأمته أي عبته.
﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: من الآخرة؛ لأن الإيمان في الدنيا، وقد بعد عنهم، وهو تمثيل حالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات منهم، وبعد عنهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة سهم تناوله من ذراع في الاستحالة، فهو استعارة تمثيلية، أو تشبيه تمثيلي. وما أكثر ما ذكر القرآن عنهم مثل ذلك! كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (السجدة)، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٨]. ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾. وغير ذلك كثير.
فإن قيل: كيف قال في كثير من المواضع: إن الآخرة من الدنيا قريبة، وسمى الساعة قريبة، فقال: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ..﴾. إلخ، وقال: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ،﴾ وقال: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ؟﴾ الجواب: إن الماضي كالأمس الدابر، وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصول إليه، والمستقبل وإن كان بينه، وبين الحاضر سنون؛ فإنه آت، فيوم القيامة؛ الدنيا بعيدة منه؛ لمضيها، ويوم القيامة في الدنيا قريب؛ لإتيانه. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق.
﴿آمَنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، و (نا): فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَأَنّى:﴾ الواو: حرف عطف. (أنى):
اسم استفهام بمعنى: كيف، أو: من أين، فهو مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم.
﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال منه. ﴿التَّناوُشُ:﴾
مبتدأ مؤخر. هذا؛ وأجيز تعليق ﴿لَهُمُ﴾ بمحذوف خبر: (أنى) على اعتباره مبتدأ. واعتبار ﴿التَّناوُشُ﴾ فاعلا بالجار والمجرور، قال السمين: وفيه بعد، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ المعطوفة بدورها على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿التَّناوُشُ﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾ صفة: ﴿مَكانٍ﴾.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ ، أو بالقرآن، أو بالعذاب. بمعنى: لم يصدقوا، ولم يقروا به. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يعاينوا العذاب، أو في الدنيا، أو في أوان التكليف، وطلب الإيمان منهم، فكيف يقبل منهم الإيمان في الآخرة؟ ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾
стр. 5014
أي: ويرجمون بالظن، ويتكلمون بما لم يظهر لهم في الرسول ﷺ من المطاعن، كقولهم:
شاعر، كاهن، مجنون... إلخ، أو في العذاب من البت على نفيه. ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ:﴾ من جانب بعيد من أمره، وهو الشّبه التي تمحلوها في أمر الرسول ﷺ ، وحال الآخرة، كما حكاه من قبل، ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئا لا يراه. ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ:﴾
لا مجال للظن في لحوقه. انتهى. بيضاوي. وهذا استعارة تمثيلية تقريرها: أنه شبه حالهم في ذلك؛ أي: في قولهم: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ حيث لا ينفعهم الإيمان بحال من رمى شيئا من مكان بعيد، وهو لا يراه، فإنه لا يتوهم إصابته، ولا لحوقه لخفائه عنه، وغاية بعده. فالباء في ﴿بِالْغَيْبِ﴾ بمعنى: في، أي في محل غائب عن نظرهم، أو للملابسة. انتهى. جمل نقلا من الشهاب، وقوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مثل قوله تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الكهف): ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾. وانظر شرح (كفروا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم). وانظر الآية رقم [٣] ورقم [٤٨] من هذه (السورة).
الإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، أو من الضمير المجرور محلا بالباء، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿وَيَقْذِفُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقذفون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مَكانٍ:﴾ متعلقان به أيضا.
﴿بَعِيدٍ:﴾ صفة: ﴿مَكانٍ،﴾ وجملة: ﴿وَيَقْذِفُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها، وساغ ذلك؛ لأنه على حكاية الحال الماضية.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ أي: حيل بينهم، وبين النجاة من العذاب. وقيل:
حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم، وأهليهم. ومذهب قتادة: أن المعنى: أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله ، وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله، فحيل بينهم، وبين ذلك؛ لأن ذلك إنما كان في الدنيا، وقد زالت في ذلك الوقت. انتهى. قرطبي. وقال ابن كثير: الصحيح: أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. انتهى. هذا؛ وإعلال (حيل) مثل إعلال (قيل) انظر الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان).
стр. 5015
﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل، لما جاءهم بأس الله؛ تمنوا أن لو آمنوا، فلم يقبل منهم، كما قال الله تعالى في الآية رقم [٨٥] من سورة (غافر): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ هذا؛ والمراد ب (أشياعهم) أشباههم من كفرة الأمم الماضية، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٢] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ أي: في شك، وريبة، أي: من أمر الرسل، والجنة، والنار، والحساب، والجزاء بعد الموت، يقال: أراب الرجل؛ أي: صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال: هو من الريب الذي هو الشك، والتهمة؛ قال: يقال شك مريب، كما يقال: عجب عجيب، وشعر شاعر في التأكيد. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: إياكم والشك، والريبة، فإنه من مات على شك؛ بعث عليه. ومن مات على يقين؛ بعث عليه، وانظر شرح (الريب) في الآية رقم [٢] من سورة (السجدة) تجد ما يسرك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَحِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (حيل): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، التقدير: وحيل هو؛ أي: الحول، وقال الأخفش: نائب الفاعل هو: (بين) وبني على الفتح لإضافته لمبني، وكان حقه الرفع. ورد ابن هشام عليه في المغني، وأورد قول علقمة الفحل: [الطويل] وقالت متى يبخل عليك ويعتلل... يسوؤك وإن يكشف غرامك تدرب
وهذا هو الشاهد رقم [٩٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وقول صخر أخي الخنساء: [الطويل] أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه... وقد حيل بين العير والنّزوان
وهذا هو الشاهد رقم [٩١٠] من كتابنا المذكور، ومثله قول طرفة بن العبد البكري: [الطويل] فيا لك من ذي حاجة حيل دونها... وما كلّ ما يهوى امرؤ هو نائله
ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٢]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..﴾. إلخ، والآية رقم [١٩] من سورة (الأحزاب). ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بين): معطوف على ما قبله، و (بين) مضاف، و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: وبين الذي، أو شيء يشتهونه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: وبين مشتهاهم، وجملة: (حيل...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
стр. 5016
﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف يقع مفعولا مطلقا، التقدير:
وحيل بينهم، وبين الذي يشتهونه حولا كائنا مثل الذي... إلخ، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، لا يجوز إلا في مواضع معينة، وليس هذا منها. انتهى. جمل نقلا عن السمين في غير هذا الموضع.
﴿فُعِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى: ﴿ما،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِأَشْياعِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من:
(أشياعهم)، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه على الإضافة لفظا، لا معنى.
﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان). ﴿مُرِيبٍ:﴾ صفة: ﴿شَكٍّ،﴾ وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ تعليل للحيلولة بينهم وبين ما يشتهون.
انتهت سورة (سبأ) تفسيرا وإعرابا، بحمد الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 5017
سورة فاطر
سورة (فاطر) وتسمى سورة الملائكة، وهي مكية بالإجماع، وهي خمس وأربعون آية، وتسعمائة وسبعون كلمة، وثلاثة آلاف ومائة وثلاثون حرفا، وسميت سورة (فاطر)، لذكر هذا الاسم الجليل، والنعت الجميل في طليعتها؛ لما في هذا الوصف من الدلالة على الإبداع، والاختراع، والإيجاد لا على مثال سبق، ولما فيه من التصوير الدقيق المشير إلى عظمة ذي الجلال، وباهر قدرته، وعجيب صنعه، فهو الذي خلق الملائكة، والسموات، والأرض، وأبدع خلقهم بهذا الخلق العجيب، وقد ورد هذا اللفظ في كثير من آيات القرآن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾
الشرح: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ أي: الثناء الكامل، والذكر الحسن مع التعظيم، والتبجيل لله جل، وعلا، وانظر شرح ﴿الْحَمْدُ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (النمل). ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي:
خالقهما، ومبتدعهما على غير مثال سبق. هذا؛ والفطر: الشّق عن الشيء، يقال: فطرته، فانفطر. قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾. ومنه فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطّر الشيء: تشقق، وسيف فطار، أي: فيه تشقق، قال عنترة: [الوافر] وسيفي كالعقيقة فهو كمعي... سلاحي لا أفلّ، ولا فطارا
والفطر: الابتداء، والاختراع. قال ابن عباس-﵄: كنت لا أدري ما ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها. والفطر: حلب الناقة بالسبابة والإبهام. والمراد بذكر السموات، والأرض العالم كله.
ونبه بهذا على أنّ من قدر على الابتداء قادر على الإعادة، وانظر الآية رقم [٢٢] من سورة (الروم)، وقد جمع بعضهم معاني هذه المادة على اختلافها، فقال: [الرجز] الابتدا والابتداع فطر... والصدع والغمز وأمّا الفطر
فترك صوم بعض كمّ فطر... وما بدا من عنب في الشّجر
стр. 5018
﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ أي: إلى الأنبياء، والمراد: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ أي: ذوي أجنحة بمعنى: أصحاب.
و ﴿أُولِي:﴾ جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده: «ذو» المضاف إذا كان مرفوعا، و «ذا» المضاف إذا كان منصوبا، و «ذي» المضاف إذا كان مجرورا، ومؤنثه «ذات» انظر الآية رقم [٣٨] الآتية.
﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي: جعل الله الملائكة ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها، ويعرجون إلى السماء، أو يسرعون بها نحو ما وكّلهم الله عليه، ويتصرفون فيه حسب ما أمرهم به. والمعنى: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة لعل الثالث يكون وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة، وبعضهم له أربعة، ولعله لم يرد خصوصية الأعداد، ونفي ما زاد عليها؛ لما روي: أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ ليلة المعراج، وله ستمائة جناح. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الأعداد: ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ معدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، فكل جنس منفرد بعدد، وليس المراد الجمع بين هذه الأعداد، ومثل هذه الآية الآية رقم [٣] من سورة (النساء) فالواو فيهما ليست لمطلق الجمع، وإنما هي لسرد الجنس، وعطف مثله عليه. وقيل: هي بمعنى: «أو». ورده ابن هشام في المغني.
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ أي: إن تفاوتهم في الأجنحة مقتضى مشيئته، ومؤدى حكمته؛ لا أنه أمر تستدعيه ذواتهم. وقيل: الزيادة في الخلق هي: الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن. عزاه في الكشاف للنبي ﷺ . ثم قال الزمخشري: والآية مطلقة، تتناول كل زيادة في الخلق: من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف.
﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مما يريد أن يخلقه من الزيادة، والنقصان. وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة. والمعنى: أن الله تعالى قادر على ما يريد، له الأمر والسلطان، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده، ولا يتأبّى عليه خلق شيء أراده، فقد وصف تعالى نفسه في هذه الآية بصفتين جليلتين، تحمل كل منهما صفة القدرة، وكمال الإنعام:
الأولى: أنه تعالى فاطر السموات، والأرض؛ أي: خالقهما، ومبدعهما من غير مثال يحتذيه، ولا قانون ينتحيه. وفي ذلك دلالة على كمال قدرته، وشمول نعمته، فهو الذي رفع السموات بغير عمد، وجعلها مستوية من غير أود، وزينها بالكواكب، والنجوم، وهو الذي بسط الأرض، وأودعها الأرزاق، والأقوات، وشق فيها البحار، والأنهار، وفجر فيها العيون، والآبار، إلى غير ما هنالك من آثار قدرته العظيمة، وآثار صنعته البديعة، وعبر عن ذلك كله بقوله: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾.
стр. 5019
والثانية: أنه اختار الملائكة؛ ليكونوا رسلا بينه وبين أنبيائه. وقد أشار إلى طرف من عظمته وكمال قدرته-جل، وعلا-بأن خلق الملائكة بأشكال عجيبة، وصور غريبة، وأجنحة عديدة، فمنهم من له جناحان، ومنهم له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح، ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، كما هو وصف جبريل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومنهم من لا يعلم حقيقة خلقته، وضخامة صورته إلا الله تعالى. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني.
وفي الكشاف-روي: أن النبي ﷺ سأل جبريل-﵊-أن يتراءى له في صورته، فقال: إنك لن تطيق ذلك. قال: إني أحب أن تفعل. فخرج رسول الله ﷺ في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على النبي ﷺ ، ثم أفاق، وجبريل-﵇ مسنده، وإحدى يديه على صدره، والأخرى بين كتفيه، فقال: سبحان الله ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا! فقال جبريل-﵇: فكيف لو رأيت إسرافيل؛ له اثنا عشر جناحا، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإنّ العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله؛ حتى يعود مثل الوصع؟! وهو العصفور الصغير. انتهى. كشاف.
هذا؛ ووصف جبريل بأنه له ستمائة جناح أخرجه مسلم عن ابن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ . ووصف إسرافيل أخرجه الزهري. انتهى. قرطبي. هذا؛ وانظر شرح ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأحزاب)، وشرح (شيء) في الآية رقم [٥٥] منها. وانظر شرح ﴿الْحَمْدُ﴾ في أول سورة (سبأ). والله الموفق، والمعين، وبه أستعين، وسترى شيئا من ذلك في سورة (النجم) إن شاء الله تعالى.
الإعراب: ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية ابتدائية، لا محل لها من الإعراب. وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، تقديره: قولوا: الحمد لله. وعليه فالجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها. ﴿فاطِرِ:﴾ صفة لفظ الجلالة، ويجوز فيه الرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على تقدير فعل قبله، ولم يقرأ بغير الجر. وقال الزمخشري: وقرئ: «(الذي فطر السموات، والأرض، وجعل الملائكة)». و ﴿فاطِرِ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. واعتبر الإضافة محضة؛ لأن ﴿فاطِرِ﴾ بمعنى الماضي، والماضي لا يعمل. وقيل: الإضافة غير محضة، فتكون الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (الأرض): معطوف على ما قبله. ﴿جاعِلِ:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿فاطِرِ﴾ من الأوجه، و ﴿جاعِلِ﴾ مضاف، و ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ مضاف إليه مثل سابقه. ﴿رُسُلاً:﴾ مفعول به ثان، على اعتبار ﴿جاعِلِ﴾ عاملا في: ﴿الْمَلائِكَةِ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف على اعتباره غير عامل، وأجيز اعتباره حالا من: ﴿الْمَلائِكَةِ﴾ على اعتبار ﴿جاعِلِ﴾ بمعنى: خالق.
стр. 5020
﴿أُولِي:﴾ صفة رسلا، وقال أبو البقاء: بدل من (رسل) أو نعت له، منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولِي﴾ مضاف، و ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَثْنى:﴾ صفة ل: ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، والعدل. ﴿وَثُلاثَ وَرُباعَ:﴾ معطوفان على ﴿مَثْنى﴾ مجروران مثله. وقيل: ﴿مَثْنى﴾ بدل من ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ والأول أقوى. ﴿يَزِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول الأول محذوف اقتصارا، أغنى عنه الجار والمجرور: ﴿فِي الْخَلْقِ﴾ فهما متعلقان به. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للزيادة، لا محل لها.
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾
الشرح: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ أي: أي شيء يمنحه الله لعباده، ويتفضل به عليهم من خزائن رحمته: من نعمة، وصحة، وأمن، وعلم، وحكمة، ورزق، وإرسال رسل لهداية الخلق، وغير ذلك من صنوف نعمائه، التي لا يحيط بها عدد، فلا يقدر أحد على إمساكه، ومنعه، وحرمان خلق الله منه، فهو المعطي الوهاب، الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: وأيّ شيء يمنعه، ويحبسه عن خلقه من خيري الدنيا والآخرة فلا يقدر أحد على منحه للعباد بعد أن منعه الله تعالى، وهذه الآية مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (الأنعام): ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومثلها كثير.
فعن المغيرة بن شعبة-﵁: أن رسول الله ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة:
«لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». أخرجه البخاري، ومسلم. والجدّ: الغنى، والحظ، وحسن البخت، وهو بفتح الجيم؛ أي: لا ينفع المبخوت، والغني حظه، وغناه؛ لأنهما من الله تعالى، إنما ينفعه الإخلاص، والعمل بطاعته تعالى. وعن
стр. 5021
أبي سعيد الخدري-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقول:
«سمع الله لمن حمده، اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلّنا لك عبد، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ».
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ الغالب على كل شيء. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ في صنعه الذي يمسك، ويرسل، ويعطي، ويمنع حسب ما تقتضيه الحكمة إرسالا، وإمساكا. وخذ ما يلي: فعن معاذ بن جبل ﵁-يرفعه إلى النبي ﷺ : «لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم، ويعظّم برّهم فاجرهم، وتعن قرّاؤهم أمراءهم على معصية الله، فإذا فعلوا ذلك؛ نزع الله يده عنهم».
وأخيرا في قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ استعارة تمثيلية شبه فيها إرسال النعم بفتح الخزائن للإعطاء، وكذلك حبس النعم بالإمساك، واستعير الفتح للإطلاق، والإمساك للمنع، وأيضا الطباق، والمقابلة بين ﴿يَفْتَحِ﴾ و: ﴿يُمْسِكْ﴾ وهو من المحسنات البديعية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه. ﴿يَفْتَحِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ رَحْمَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ما،﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية بمفردها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿مُمْسِكَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويجوز في غير القرآن رفع الفعل: «يفتح»، واعتبار: «ما» موصولة مبتدأ، والجملة الفعلية صلتها، وجملة: ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ في محل رفع خبرها، وقد مر معنا كثير من هذا.
وجملة: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ:﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو:
واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط:
الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
стр. 5022
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ:﴾ قال النسفي: وهي التي تقدمت: من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل، دعوة إليه، وزلفة لديه، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق. والمراد من هذا التذكير: طلب الشكر؛ أي: اشكروا ربكم على نعمه؛ التي أنعم بها عليكم، وهي لا تعد، ولا تحصى. قال الزمخشري: ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به، وبالقلب، وحفظها من الكفران، والغمط، وشكرها بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وطاعة موليها، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك! يريد: حفظها، وشكرها، والعمل على موجبها. والخطاب عام للجميع؛ لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس-﵄: يريد أهل مكة: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ حيث أسكنكم حرمه، ومنعكم من جميع العالم؛ والناس يتخطفون من حولكم. وعنه أيضا نعمة الله: العافية.
﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ:﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا خالق غير الله ! لا ما تعبدون من الحجارة، والأوثان. قال حميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال:
سبحان الله، هل من خالق غير الله ؟ خلق الخير والشر. ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ:﴾
يرزقكم مما ينبت من الأرض بسبب ما ينزل من السماء من ماء. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا رب ولا معبود إلا الله الواحد الأحد. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون بعد هذا البيان، ووضوح البرهان إلى عبادة الحجارة، والأوثان؟ والغرض من ذلك: تذكير الناس بنعم الله تعالى، وإقامة الحجة على المشركين. قال ابن كثير، وغيره: نبه الله تعالى عباده، وأرشدهم إلى الاستدلال على توحيده بوجوب إفراد العبادة له، فكما أنه مستقل بالخلق، والرزق، فكذلك يجب أن يفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام، والأوثان. انتهى. هذا؛ وانظر شرح ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ في الآية رقم [٦١] من سورة (العنكبوت).
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب).
﴿اُذْكُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿نِعْمَتَ اللهِ،﴾ أو بمحذوف حال منه، والجملة الندائية، والفعلية كلتاهما ابتدائيتان، لا محل لهما. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام إنكاري توبيخي. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿خالِقٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفي الخبر قولان:
أحدهما: هو جملة ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ، والثاني: أنه محذوف، تقديره: لكم، ونحوه. ﴿غَيْرُ:﴾
стр. 5023
بالرفع، والجر، والنصب، فالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر المبتدأ. والثاني: أنه صفة ل: ﴿خالِقٍ﴾ على الموضع، وخبره أحد وجهين ذكرتهما. والثالث: أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام، فيكون قد سد مسد خبره. وعلى هذا الوجه؛ فجملة ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ إما صفة، أو مستأنفة، ورجح هذا، وأما الجر؛ فهو صفة:
﴿خالِقٍ﴾ على اللفظ، وأما النصب؛ فهو على الاستثناء. وخبر المبتدأ أحد وجهين رأيتهما آنفا.
و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿يَرْزُقُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿خالِقٍ،﴾ والكاف مفعوله الأول. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. و (الأرض): معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَرْزُقُكُمْ..﴾. إلخ رأيت ما فيها من أوجه الإعراب فيما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية: للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾
ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم:
﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من: ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ مستأنفة، لا محل لها مسوقة لتقرير النفي المستفاد مما قبلها. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أنى): اسم استفهام مبني على السكون، وفيه معنى التعجب، والإنكار، والتوبيخ في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿تُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة؛ فلا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر؛ إذ التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا فأنى تؤفكون.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: وإن يكذبك هؤلاء المشركون يا محمد؛ فاصبر، وتأسّ بمن سبقك من الرسل. ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: رسل ذوو عدد كثير، وأولو آيات بينات، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر، وعزم، فلك بهم أسوة، فإنهم كذلك جاءوا أقوامهم بالبينات، وأمروهم بالتوحيد، وعبادة الله تعالى، فكذبوهم، وخالفوهم. وتنكير (رسل) للتعظيم، والإشارة إلى كثرتهم المقتضية زيادة التسلية، والحث على المصابرة. وانظر شرح: «الرسول» في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ فيجازيك على صبرك، ويجازيهم
стр. 5024
على تكذيبك، ومعاداتك. هذا؛ والفعل: «رجع» يكون متعديا، ولازما، ويقرأ: ﴿تُرْجَعُ﴾ بالبناء للمجهول من المتعدي، وبالبناء للمعلوم من اللازم.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف: (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير جازم، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فاصبر، فحذف، وأقيم جملة: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ..﴾. إلخ مقامه استغناء عن المسبب بالسبب. و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كُذِّبَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿رُسُلٌ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾
متعلقان بمحذوف صفة ﴿رُسُلٌ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِلَى:﴾ الواو:
حرف استئناف. (إلى الله): متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ:﴾ فعل مضارع، ونائب فاعله، أو:
فاعله والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أولى.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ هذا النداء يشمل المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح، والمحسن، والمسيء. وانظر شرح باقي الكلام في الآية رقم [٣٣] من سورة (لقمان) ففيها الكفاية.
الإعراب: (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو: أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿النّاسُ:﴾ بعضهم يعرب هذا؛ وأمثاله نعتا، وبعضهم يعربه بدلا، والقول الفصل أن الاسم الواقع بعد: «أي» وبعد اسم الإشارة. إن كان مشتقا فهو نعت، وإن كان جامدا كما هنا فهو بدل، أو عطف بيان، والمتبوع؛ أعني «أي» منصوب محلا، وكذا التابع، أعني: (الناس) وأمثاله؛ فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية... إلخ، وانظر الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب).
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. و ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك-أي ما ذكر-حاصلا، وواقعا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَغُرَّنَّكُمُ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم
стр. 5025
ب: (لا) الناهية، والنون حرف لا محل له، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به.
﴿الْحَياةُ:﴾ فاعله. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةُ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، وجملة: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق، ولا خفاء فيه.
﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ:﴾ بيّن العداوة، وهي قديمة من عهد آدم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فلذا عداوته لا تزول؛ لأنه أخرج أباكم من الجنة. ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا:﴾
فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه، وكذبوه فيما يغركم، ويخدعكم به، وإذا فعلتم فعلا؛ فتفطنوا له، فإنه ربما يدخل عليكم فيه الرياء، ويزين لكم القبائح، وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى-يقول: يا كذاب! يا مفتر! اتق الله، ولا تسب الشيطان في العلانية؛ وأنت صديقه في السر. وقال ابن السماك-رحمه الله تعالى-: يا عجبا لمن عصا المحسن بعد معرفته بإحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته!
﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ:﴾ أشياعه وأتباعه. وجمع (حزب): أحزاب، وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الأحزاب). ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي: ليكونوا معه في نار جهنم المعبر عنها بالسعير، وانظر شرح ﴿السَّعِيرِ﴾ في الآية رقم [٢١] من سورة (لقمان)، وشرح (الشيطان) في البسملة أول سورة (السجدة)، وشرح: «صاحب» في الآية رقم [١٥] من سورة (العنكبوت).
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَاتَّخِذُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتخذوه): فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿عَدُوًّا:﴾ مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كانت عداوة الشيطان ثابتة، وقديمة؛ فاتخذوه... إلخ.
﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّيْطانَ﴾ .. ﴿حِزْبَهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿لِيَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب:
«أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنْ أَصْحابِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (يكونوا)، و ﴿أَصْحابِ﴾ مضاف، و ﴿السَّعِيرِ﴾ مضاف إليه، و «أن» المضمرة والفعل: (يكونوا) في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَدْعُوا﴾ فهو تعليل من تعليل.
стр. 5026
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله، وعادوا نبيه. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ:﴾ دائم، لا يعرف قدره، ولا يوصف هوله. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر الاحتراس في الآية رقم [٣٧] من سورة (سبأ)، ومقابلة الإيمان بالكفر في الآية رقم [٣٨] منها. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ:﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ:﴾
في الآخرة، وهو الجنة، وما فيها من النعيم المقيم؛ الذي لا ينفد. هذا؛ وفي الآية وعيد لمن أجاب الشيطان، واتبع زخارفه، ووساوسه، ووعد لمن خالفه، وقطع للأماني الفارغة، وبناء الأمر كله على الإيمان والعمل الصالح، وكونهما لا يفترقان.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح، وفي محله ثلاثة أوجه: أحدها: رفعه من وجهين: أقواهما: أن يكون مبتدأ، والجملة الاسمية بعده خبره. والأحسن: أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبره، و ﴿عَذابٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور، أي بمتعلقهما، والثاني أنه بدل من واو الجماعة في: ﴿لِيَكُونُوا﴾. والثاني: نصبه من أوجه: البدل من ﴿حِزْبَهُ،﴾ أو: النعت له، أو إضمار فعل ك: «أذمّ» ونحوه. والثالث: جره من وجهين: النعت، أو البدلية من ﴿أَصْحابِ﴾ وأحسن الوجوه الأول لمطابقة التقسيم، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾
صفة ﴿عَذابٌ﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وانظر ما ذكرته من أوجه الإعراب السابقة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات فيه، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته، وجملة: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. وجملة:
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ:﴾ قل فيها ما قلته من أوجه بجملة: ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾. ﴿وَأَجْرٌ:﴾ معطوف على (مغفرة). ﴿كَبِيرٌ:﴾ صفة: (أجر). تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: نزلت الآية في أبي جهل، ومشركي مكة.
وقيل: نزلت في أصحاب الأهواء، والبدع، ومنهم الخوارج، الذين ظهروا في عهد الإمام علي، ﵁، والذين يستحلون دماء المسلمين، وأموالهم، وليس أصحاب الكبائر من الذنوب منهم؛ لأنهم لا يستحلون ما ذكر، ويعتقدون تحريمها، مع ارتكابهم إياها، ومعنى: ﴿زُيِّنَ لَهُ:﴾
شبه له، وموه عليه قبيح عمله. انتهى. خازن، وغيره.
стр. 5027
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ أي: أفمن زين له سوء عمله؛ بأن غلب وهمه، وهواه على عقله؛ حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقا، والقبيح حسنا كمن لم يزين له؛ بل وفق؛ حتى عرف الحق، واستحسن الأعمال الحسنة، واستقبح القبيحة منها على ما هي عليه. فحذف خبر المبتدأ لدلالة الكلام الآتي عليه.
﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ يضل من شاء إضلاله، فلا ينفعه نزول الآيات، وكثرة المعجزات؛ إن لم يهده الله ، وذلك؛ لأن الآيات الباهرة، التي ظهرت على يد الرسول ﷺ بلغت في الكثرة، وقوة الدلالة إلى حالة يستحيل فيها أن تصير مشتبهة على عاقل، فطلب آيات أخرى بعد ذلك لا يفيد شيئا. ويهدي من يشاء هدايته وتوفيقه إلى الإيمان والطاعة.
هذا؛ ومصدر الفعل ﴿يُضِلُّ:﴾ الإضلال، وهو: خلق فعل الضلال في العبد. والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول: إذا لا مؤاخذة على العبد، فكيف يعذبه الله؟ والجواب أن معنى خلق الضلال... إلخ: تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن هذا العبد لو ترك وشأنه لم يختر سوى الكفر، والضلال، ولذا قدره الله عليه. هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال، بعد أن بين الله لكل واحد الخير، والشر، والحسن، والقبيح، كما قال الله :
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بيّنا له طريق الخير، وطريق الشر.
هذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق من الناس، وهدايته لفريق آخر: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه يكرههم على سلوك سبيلي: الخير، والشر، كلاّ فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي؛ بل مناف لحكمة التشريع السماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة، الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف، والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح. سأل رجل عليا، ﵁، فقال: أكان مسيرك إلى الشام-يعني: لقتال أهلها-بقضاء الله، وقدره؟ فقال له: ويحك، لعلك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما، ولو كان كذلك؛ لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد. إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، فكلف يسيرا، ولم يكلف عسيرا، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثا، ولا خلق السموات، والأرض وما بينهما باطلا. ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾. انتهى. وعلى ضوء هذا يفهم معنى الهداية، والإضلال. انتهى. صابوني.
﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ:﴾ والمعنى: فلا تهلك نفسك عليهم للتحسر على كفرهم، وضلالهم، وإصرارهم على تكذيبك، ومثل هذه الآية قوله تعالى في الآية رقم [١٧٦] من سورة (آل عمران): ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ،﴾ وفي الآية رقم [٦] من سورة (الكهف):
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً،﴾ وفي الآية رقم [٣] من سورة
стр. 5028
(الشعراء): ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ:﴾ هذا الفعل أبلغ من قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ من حيث إن الصنع عمل الإنسان، بعد تدرب فيه، وتروّ، وتحري إجادة، ولذلك ذم الله به خواص اليهود في الآية رقم [٦٣] من سورة (المائدة)، بينما ذم عوامهم بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ رقم [٦٢] منها.
تنبيه: الفعل ﴿زُيِّنَ﴾ مبني للمجهول، وهو يحتمل أن يكون المزين الله ، ويحتمل أن يكون المزين هو الشيطان، وقد صرحت الآية رقم [٤] من سورة (النمل) أن المزين هو الله تعالى، بينما صرحت الآية رقم [٢٤] منها بأن المزين هو الشيطان، وفي ذلك قال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته؛ أي: في الآية رقم [٤] من سورة (النمل) أي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ..﴾. إلخ، وأسنده إلى الشيطان في قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ..﴾. إلخ رقم [٢٤] منها؟ قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله مجاز، وله طريقان في علم البيان: أحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني: أنه من المجاز الحكمي.
فالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثارهم الراحة، والترف، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإليه أشارت الملائكة -صلوات الله وسلامه عليهم-في قوله تعالى، حكاية عن قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (الفرقان).
الطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: إن الأعمال التي وجب عليهم أن يعملوها زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. هذا؛ وقد بينات في آية (النمل) رقم [٢٤] أن المزين في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا مذهب أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوب الكافرين، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته سلطه عليه؛ حتى يقبل وسوسته. وهذا مبني على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله تعالى، كما قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ وما قاله الزمخشري مبني على مذهبه في الاعتزال من أن العبد يخلق أفعال نفسه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَفَمَنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿زُيِّنَ:﴾ ماض مبني للمجهول.
﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سُوءُ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و ﴿عَمَلِهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَرَآهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رآه):
стр. 5029
فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والهاء مفعول به. ﴿حَسَناً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: كمن لم يزين له... إلخ، وقد صرح به في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (الرعد)، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. هذا؛ واعتبر بعضهم (من) اسم شرط، وجواب الشرط محذوف، تقديره: ذهبت نفسك عليهم حسرة. وهو ضعيف، كما ترى.
﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُضِلُّ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿فَمَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يضل الذي، أو: شخصا يشاء إضلاله، وجملة: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وإعرابها مثلها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر الآية رقم [٥]. (لا): ناهية جازمة. ﴿تَذْهَبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا). ﴿نَفْسُكَ:﴾ فاعله، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ ويقرأ بضم التاء وكسر الهاء من الرباعي، ونصب: ﴿نَفْسُكَ﴾ على أنه مفعول به، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿حَسَراتٍ:﴾ مفعول لأجله، أو حال.
وقيل: مفعول مطلق، وهو ضعيف، كما قيل: تمييز، وهو ضعيف أيضا، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية: ﴿فَلا تَذْهَبْ..﴾. إلخ لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿فَإِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.
﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: عليم بالذي، أو: بشيء يصنعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: عليم بصنعهم.
﴿يَصْنَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله.
﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ﴾ أي: والله تعالى بقدرته هو الذي أرسل الرياح مبشرة بنزول المطر، كما قال تعالى في الآية رقم [٦٣] من سورة (النمل): ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ﴾
стр. 5030
﴿رَحْمَتِهِ،﴾ ومثلها في الآية رقم [٥٧] من سورة (الأعراف)، و (الفرقان) رقم [٤٨]. وقال في (الروم) رقم [٤٦]: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾. هذا؛ وقرئ: «(الريح)»، ونص الآية هنا مثلها في الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم) أيضا.
﴿فَتُثِيرُ سَحاباً:﴾ انظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الروم) ففيها الكفاية. ﴿فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أي: لا نبات فيه، وانظر شرحه في الآية رقم [١٥] من سورة (سبأ). ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ﴾ أي: بالمطر النازل منه، وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب، فإنه سبب السبب، أو الصائر مطرا. ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ بعد يبسها، فإن الأرض تكون هامدة، لا نبات فيها، فإذا أراد الله إحياءها بالنبات؛ أنزل عليها المطر، بواسطة نقل السحاب له حيث أراد الله تعالى، كما قال جل ذكره في الآية رقم [٥] من سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: مثل إحياء الأرض الموات نشور الأموات في صحة قدرة الله تعالى.
روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجة عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أما مررت بوادي أهلك ممحلا، ثمّ مررت به يهتزّ خضرا؟». قلت: نعم يا رسول الله! قال: «فكذلك يحيي الله الموتى، وتلك آيته في خلقه».
هذا؛ وفي هذه الجملة تشبيه التمثيل. ووجه التشبيه من وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها، كذلك الأعضاء تقبل الحياة. وثانيها: كما أن الريح تجمع القطع السحابية، كذلك تجمع أجزاء الأعضاء، وأبعاض الأشياء. وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت، كذلك نسوق الروح إلى الجسد الميت. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم جاء ﴿فَتُثِيرُ﴾ على المضارعة دون ما قبله، وما بعده؟ قلت: ليحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة، الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو تهمّ المخاطب، أو غير ذلك كما قال تأبط شرّا: [الوافر] فمن ينكر وجود الغول إني... أخبر عن يقين بل عيان
بأني قد لقيت الغول تهوي... بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت... صريعا لليدين وللجران
لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها، ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدة، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر لما كانا من الدلائل
стр. 5031
على القدرة الباهرة، قيل: (فسقنا) و (أحيينا) معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص، وأدل عليه. انتهى. وانظر شرح (ميت) في الروم رقم [١٩].
الإعراب: (الله): مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره.
﴿أَرْسَلَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الرِّياحَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: (الله الذي...) إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَتُثِيرُ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (تثير): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الرِّياحَ﴾ تقديره: «هي». ﴿سَحاباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والعائد في الأولى عائد في هذه بسبب العطف. ﴿فَسُقْناهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (سقناه):
فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِلى بَلَدٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَيِّتٍ:﴾ صفة ﴿بَلَدٍ﴾.
(أحيينا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف حال من الأرض، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها﴾ مضاف إليه، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: (أحيينا...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، وذا: اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿النُّشُورُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾
الشرح: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ:﴾ الشرف، والمنعة، والمجد، والسيادة. والمعنى: من كان يريد علم العزة التي لا ذلة معها؛ لأن العزة إذا كانت تؤدي إلى ذلة، فإنما هي تعرض للذلة، والعزة التي لا ذل معها لله . انتهى. قرطبي. ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً:﴾ المعنى: من كان يريد العزة، ويرغب فيها؛ فليتعزز بطاعة الله؛ أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته. وذلك: أن الكفار عبدوا الأصنام، وطلبوا التعزز بها، كما قال جل ذكره: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً،﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فمن أراد العزة؛ فليقصد بالعزة الله سبحانه، والاعتزاز به، فإنه من اعتز بغير الله؛ أذله الله، ومن اعتز بالله أعزه الله. وقال النبي ﷺ : «من أراد عزّ الدّارين فليطع العزيز». ولقد أحسن من قال: [الكامل] وإذا تذلّلت الرّقاب تواضعا... منها إليك فعزّها في ذلّها
وانظر الآية رقم [١٥] الآتية، وانظر الآية رقم [١٨٠] من سورة (الصافات) ففيها فضل بيان.
стр. 5032
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ:﴾ هذا يتناول الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن. روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى: إن العبد المسلم إذا قال: «سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله» أخذهن ملك، فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الله، ، ثم قرأ عبد الله ﵁: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وأنشدوا: [الكامل] لا ترض من رجل حلاوة قوله... حتّى يزيّن ما يقول فعال
فإذا وزنت فعاله بمقاله... فتوازنا فإخاء ذاك جمال
﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ:﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: المعنى: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وفي الحديث الشريف: «لا يقبل الله قولا إلاّ بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنّة». وقال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وفيه قيل: [الخفيف] لا يكون المقال إلاّ بفعل... كلّ قول بلا فعال هباء
إنّ قولا بلا فعال جميل... ونكاحا بلا وليّ سواء
هذا؛ وصعود الكلم الطيب والعمل الصالح إلى الله تعالى كناية عن قبولهما عنده، أو المراد: صعود الكتبة بصحيفتهما. قال القرطبي: والظاهر: أن العمل الصالح شرط في قبول القول الطيب، وقد جاء في الآثار: أن العبد إذا قال: لا إله إلا الله بنية صادقة؛ نظرت الملائكة إلى عمله، فإن كان العمل موافقا لقوله؛ صعدا جميعا، وإن كان عمله مخالفا؛ وقف قوله؛ حتى يتوب من عمله. فعلى هذا العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله، وهذا قول ابن عباس، وشهر بن حوشب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأبي العالية، والضحاك-﵃ أجمعين-. وعليه فالعمل الصالح هو السبب في رفع الكلم الطيب. هذا؛ وعلى أن الكلم الطيب هو التوحيد، فهو الرافع للعمل الصالح؛ لأنه لا يقبل العمل الصالح إلا مع الإيمان والتوحيد، أي والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب، فالضمير المنصوب يعود على: ﴿(الْعَمَلُ الصّالِحُ)﴾. وروي هذا القول عن شهر بن حوشب. وقيل: الفاعل يعود إلى (الله) أي: إن العمل الصالح يرفعه الله على الكلم الطيب؛ لأن العمل تحقيق الكلم، والعامل أكثر تعبا من القائل. وهذا هو حقيقة الكلام؛ لأن الله هو الرافع، الخافض، والثاني والأول مجاز، ولكنه سائغ جائز.
قال النحاس: القول الأول أولاها، وأصحها؛ لعلو من قال به، وأنه في العربية أولى؛ لأن القراء على رفع العمل، ولو كان المعنى: والعمل الصالح يرفعه، أو العمل الصالح
стр. 5033
يرفعه الكلم الطيب؛ لكان الاختيار نصب العمل، ولا نعلم أحدا قرأه منصوبا، إلا شيئا روي عن عيسى بن عمر أنه قال: قرأه أناس: «(والعمل الصالح يرفعه الله)». وقيل: والعمل الصالح يرفع صاحبه، وهو الذي أراد العزة، وعلم أنها تطلب من الله تعالى. ذكره القشيري. انتهى.
قرطبي بتصرف.
أقول: مضمون القول الأول والثاني هو ما ذكرته من الاحتراس كثيرا؛ لأن الإيمان، والعمل الصالح قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه. والله الموفق والمعين.
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ..﴾. إلخ: قال ابن عباس، وشهر بن حوشب الأشعري، ومجاهد، وقتادة-﵃ أجمعين-: هم المراءون بأعمالهم؛ أي: يمكرون بالناس، يوهمون:
أنهم في طاعة الله تعالى، وهم بغضاء إلى الله ، يراءون بأعمالهم، ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾. وقال أبو العالية، وابن أسلم: هم المشركون الذين مكروا بالنبي ﷺ لما اجتمعوا في دار الندوة. والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي: يفسد، ويبطل، ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر، والنهى، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، فالمرائي لا يروج أمره، ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون، فلا يروج ذلك عليهم؛ بل ينكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ وقصر الزمخشري القول على أن المراد بالذين يمكرون السيئات هم مشركون قريش؛ ولذا قال: ومكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة، وقتلهم، وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعا، وحقق فيهم قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ،﴾ وقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. انتهى. وانظر المكر في الآية رقم [٣٣] من سورة (سبأ).
هذا؛ ﴿وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ:﴾ يهلك، ويضيع، ويفسد، ويبطل. وقوله تعالى: ﴿وَكانُوا قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى، قال ابن عباس-﵄: مأخوذ من البوار، وهو الهلاك. وقال بعضهم: الواحد: بائر، والجمع: بور، كما يقال: عائذ، وعوذ. وقيل: بورا: عميا عن الحق.
وفي المصباح: بار الشيء، يبور، بورا بالضم: هلك، وبار الشيء، بورا: كسد على الاستعارة؛ لأنه إذا ترك؛ صار غير منتفع به، فأشبه الهالك من هذا الوجه. ورجل بائر: فاسد، لا خير فيه.
وفي الأساس: «وفلان له نوره، وعليك بوره» أي: هلاكه. ونزلت بوار على الكفار، أي: هلاك.
ومن المجازات: بارت البياعات: كسدت. وسوق بائرة: لا رواج فيها. وبارت الأيّم: إذا لم يرغب فيها أحد. وكان الرسول ﷺ يتعوذ من بوار الأيّم، وبارت الأرض: إذا لم تزرع، وأرض
стр. 5034
بوار، وأرضون بوار. ودار البوار: جهنم، قال تعالى في حق زعماء الكفار: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه، تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. ﴿الْعِزَّةَ:﴾ مفعول به، وجواب الشرط محذوف تقديره: من كان يريد العزة؛ فليطلبها من الله بطاعته، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط.
وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان. وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلِلّهِ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لله): متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿الْعِزَّةَ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من: ﴿الْعِزَّةَ﴾ وجاز ذلك؛ لأن العزة أنواع كثيرة.
والجملة الاسمية تعليل للأمر المقدر جوابا للشرط، كما رأيت. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والتقدير أفاد الاختصاص. ﴿يَصْعَدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكَلِمُ:﴾ فاعله.
﴿الطَّيِّبُ:﴾ صفة ﴿الْكَلِمُ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والاستئناف أقوى. ﴿وَالْعَمَلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (العمل): مبتدأ.
﴿الصُّلْحُ:﴾ صفة له. ﴿يَرْفَعُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ،﴾ أو هو يعود إلى: ﴿(الْعَمَلُ الصّالِحُ)﴾، أو لله تعالى، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها لا محل لها مثلها.
﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَمْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به على اعتباره متعديا بمعنى: يعملون، أو هو صفة لمفعول مطلق محذوف، التقدير: يمكرون المكرات السيئات. وقيل: هو مفعول مطلق؛ لأن ﴿يَمْكُرُونَ﴾ بمعنى: يسيئون السيئات، فهو منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة: ﴿يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور ﴿لَهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عَذابٌ﴾ فاعل بالجار والمجرور؛ أي:
بمتعلقهما، وعلى كل فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَكْرُ:﴾ الواو: حرف عطف.
(مكر): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، أو هو مبتدأ، وجملة: ﴿يَبُورُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وعلى اعتبار الضمير فصلا؛ فجملة ﴿يَبُورُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
стр. 5035
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (١١)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: خلق أصلكم (وهو آدم) من تراب، وقد صرحت الآيات بسورة (الحجر) وسورة (الرحمن) وغيرهما بذلك. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ وهو المني؛ الذي يصب في رحم المرأة. هذا؛ وذكرت في سورة (الحج) وغيرها أن هذا الخلق من التراب على تأويلين: أحدهما غير مباشر، والثاني مباشر؛ فالأول خلق أبينا آدم من تراب، كما رأيت في سورة (الحجر) رقم [٢٦]. والثاني: كل واحد منّا خلق من التراب، وذلك إذا نظرنا إلى المادة التي يتخلق منها الإنسان، فإنها من الدم بلا ريب، والدم مصدره من الطعام، والشراب، وأنواع الغذاء، وكل ذلك مخرجه من التراب، كما هو معروف. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ وهو المني سمي نطفة لقلته، وفي آية الحج رقم [٥] زيادة: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.
﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً:﴾ ذكرانا، وإناثا لطفا منه، ورحمة أن جعل لكم أزواجا من جنسكم لتسكنوا إليها، وزوج بعضكم من بعض؛ ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضائها، وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الروم). ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٨]: ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾.
﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ أي: وما يطول عمر أحد من الخلق، فيصبح هرما، ولا ينقص من عمر أحد، فيموت وهو صغير، أو شاب، إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ، لا يزاد فيما كتاب الله، ولا ينقص. وروي عن ابن عباس-﵄:
أنه قال في هذه الجملة: المعنى: ليس أحد قضيت له بطول العمر، والحياة، إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب؛ الذي قدرت، لا يزاد عليه.
وليس أحد قدرت له بأنه قصير العمر والحياة ببالغ، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُنْقَصُ..﴾. إلخ. وقد فسر قول ابن عباس هذا بأن للعبد أجلين: أحدهما ثابت، والثاني معلق على فعل شيء، واستدل له بما رواه أنس-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، واللفظ له. وقد مر هذا مفصلا بحمد الله عند قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ..﴾. إلخ الآية رقم [٣٩] من سورة (الرعد) فلا حاجة إلى المزيد هنا على ما ذكرته هناك. ﴿إِنَّ ذلِكَ﴾ أي: ما ذكر في هذه الآية من دلائل على قدرته. ﴿عَلَى اللهِ يَسِيرٌ:﴾ هين
стр. 5036
سهل؛ لأنه تعالى لا يفتقر في فعل ذلك إلى معاون، ولا إلى مساعد؛ لأنه إذا أراد شيئا؛ فإنما يقول له: كن فيكون. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: مبتدئا خلقكم من تراب. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ ماض، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول. ﴿أَزْواجاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَحْمِلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿أُنْثى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر، ويقال: مجرور لفظا، مرفوع محلا، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر في: ﴿جَعَلَكُمْ﴾ فالرابط يكون الواو، والضمير المتصل ب: (علمه)؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة. هذا؛ ومفعول ﴿تَحْمِلُ﴾ محذوف للتعميم.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تَضَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
﴿أُنْثى،﴾ ومفعوله محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة حصر. ﴿بِعِلْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَضَعُ﴾ المستتر، التقدير: إلا معلومة بعلمه.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يُعَمَّرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.
﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُعَمَّرٍ:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُنْقَصُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ويقرأ بالبناء للمعلوم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿عُمُرِهِ:﴾ نائب فاعل، أو فاعل مرفوع على الاعتبارين، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهي عائدة على (المعمر) أو على معمّر آخر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي كِتابٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من عمره، التقدير: إلا مسجلا ذلك في كتاب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾
متعلقان بما بعدهما. ﴿يَسِيرٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية قبلها مستأنفة أيضا، لا محل لها.
стр. 5037
﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ:﴾ هذا مثل ضربه الله للمؤمن، والكافر. وانظر شرح:
﴿يَسْتَوِي﴾ في الآية رقم [١٩] الآتية. ﴿هذا عَذْبٌ:﴾ حلو. ﴿فُراتٌ:﴾ شديد العذوبة، قاطع لحرارة العطش لشدة عذوبته. وفي القاموس: فرت، ككرم، فروتة: عذب. ﴿سائِغٌ شَرابُهُ:﴾ سهل انحداره في الحلقوم لعذوبته. ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ:﴾ شديد الملوحة، ولشدة ملوحته فيه مرارة، وفي القاموس: أج الماء أجوجا بالضم، يأجج، كسمع وضرب، ونصر: إذا اشتدت ملوحته. انتهى.
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً..﴾. إلخ: فهو إما استطراد لبيان صفة ﴿الْبَحْرانِ﴾ وما فيهما من النعم، والمنافع، وإما تكملة للتمثيل، على معنى: أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد؛ لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات، فكذلك المؤمن، والكافر، وإن اشتركا في بعض الصفات، كالشجاعة، والسخاوة، ونحوهما؛ لا يتساويان في الخاصية العظمى؛ لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود.
هذا؛ وقد عد هذا الكلام من الاستعارة التمثيلية. وهو تركيب استعمل في غير موضعه لعلاقة المشابهة. هذا؛ وأما الاستطراد؛ فهو أن يبني الشاعر، أو الكاتب كلاما كثيرا على كلام من غير ذلك النوع، يقطع عليه الكلام وهو مراده، دون جميع ما تقدم. ويعود إلى كلامه الأول، وجل ما يأتي تشبيها؛ فقد استطرد في الآية إلى ذكر البحرين: المالح، والعذب، وما علق بهما من نعمته، وعطائه، وهو ما يلي في بقية الآية، واعتبر أحمد محشي الكشاف من الاستطراد البديع، قول الشاعر: [الطويل] إذا ما اتّقى الله الفتى وأطاعه... فليس به بأس، وإن كان من جرم
وقول حسان-﵁-في هجاء الحارث بن هشام، وهزيمته يوم بدر: [الكامل] إن كنت كاذبة الّتي حدّثتني... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم... ونجا برأس طمرّة ولجام
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها:﴾ كما قال جل ذكره في سورة (الرحمن) رقم [٢٢]: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ لأجل الزينة، والتحلّي بهما، ولبس الحلية بحسبها، فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال في الرّجل. ﴿وَتَرَى:﴾ خطاب لكل من
стр. 5038
ينظر، ويبصر، ويتفكر، ويعتبر. ﴿الْفُلْكَ:﴾ السفن، وانظر شرحه في الآية رقم [١١٩] من سورة (الشعراء). ﴿مَواخِرَ:﴾ تمخر الماء؛ أي: تشقه بحيزومها، وهو مقدمها المسنم، الذي يشبه جؤجؤ الطير، وهو صدره. ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بسبب السفر في البواخر، والسفن، ونقل البضائع على متنها من بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، وذلك في مدة قريبة، وقصيرة، ولو كانت المسافات بعيدة. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ:﴾ الله على فضله، وإنعامه. وقيل: على ما أنجاكم من هوله؛ إذا كنتم في لجته، وانظر شرح: البر والبحر في الآية رقم [٦٤] من سورة (الشعراء).
تنبيه: وقد ذكر الله من منافع البحرين الأكل؛ لأنه أعظم المقصود؛ لأن به قوام البدن، وفي ذكر الطري مزيد فائدة دالة على كمال قدرة الله تعالى، وذلك: أن السمك لو كان كله مالحا لما كان فيه فائدة للإنسان، ووصفه بالطري؛ لأنه أرطب اللحوم، فيسرع إليه الفساد، فيسارع من يصيده إلى أكله.
وثنى بالصيد من البحر، وإخراج الحلية منه، كاللؤلؤ، والمرجان، ونحوهما. وأسند لبس الحلية للرجال، وهي من زينة النساء؛ لأنهن من جملة الرجال، ولأنهن يتزيّن بها من أجلهم، وثلث بنعمة جريان السفن في البحار؛ لما في ذلك من الفوائد العظيمة، والأرباح الجسيمة، التي يجنيها ابن آدم من ذلك بقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الأرباح بالتجارة، ثم عقب ذلك بطلب الشكر على إسداء هذه النعم لبني آدم.
هذا؛ و (الحلية) بكسر الحاء، والجمع: حلى بالقصر، وتضم الحاء، وتكسر، وحلية السيف: زينته. قال ابن فارس: ولا تجمع. وتحلت المرأة: لبست الحلي، أو اتخذته. وحليتها (بالتشديد): ألبستها الحلي، أو اتخذته لها لتلبسه. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النحل) رقم [١٤]: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْبَحْرانِ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿عَذْبٌ:﴾ خبر المبتدأ.
﴿فُراتٌ:﴾ صفة له. ﴿سائِغٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿شَرابُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان. هذا؛ وأجيز اعتبار سائغ خبرا ثانيا، فيكون شرابه فاعلا به، والجملة الاسمية: ﴿هذا..﴾. إلخ في محل نصب حال من: ﴿الْبَحْرانِ﴾ والرابط: اسم الإشارة، والضمير، وإن كان مفردا، وصاحب الحال مثنى، فعطف جملة:
﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ يجعله مثنى. تأمل. وإن اعتبرت الجملة الأولى مستأنفة؛ فالمعنى لا يأباه،
стр. 5039
وهو سائغ، فالجملة الاسمية لا محل لها، والثانية معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، والجملة الفعلية: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ﴾ مستأنفة، لا محل لها أيضا.
﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من كلّ): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والتنوين عوض من المضاف إليه. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿لَحْماً:﴾
مفعول به. ﴿طَرِيًّا:﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿تَلْبَسُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: ﴿حِلْيَةً﴾. ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْفُلْكَ:﴾ مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما؛ لأنه جمع: ماخرة. ﴿مَواخِرَ:﴾ حال من الفلك، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتَبْتَغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان ب: ﴿مَواخِرَ﴾.
﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والضمير يعود إلى الله تعالى. وقيل: يعود إلى البحر.
﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة:
﴿تَشْكُرُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية معطوفة على ﴿لِتَبْتَغُوا..﴾. إلخ فهي مفيدة للتعليل مثلها.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾
الشرح: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ ... ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ انظر الآية رقم [٤٥] الآتية، ففيها الكفاية، والله ولي التوفيق. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ أي: هذا الذي من صنعه ما تقرر هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر، فهو الحقيق بالعبادة، والتنزيه، والتقديس، وهو العظيم الشأن، الذي له الملك، والسلطان، والتصرف الكامل في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: والذين تعبدون من دون الله من الأوثان، والأصنام لا يملكون شيئا ولو بمقدار القطمير، وهو القشرة الرقيقة؛ التي تحيط بنواة التمرة. قال المفسرون: وهو مثل يضرب في القلة والحقارة. والأصنام لضعفها، وهوان شأنها، وعجزها عن أي تصرف صارت مضرب المثل في حقارتها بأنها لا تملك فتيلا، ولا قطميرا. ومثل هذه الآية في تحقير الأصنام،
стр. 5040
وتصغير شأنها قوله تعالى في الآية رقم [٤١] من سورة (العنكبوت): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٧٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ..﴾. إلخ.
تنبيه: في نواة التمرة أربعة أشياء يضرب بها المثل في القلة: الفتيل، وهو الخيط الذي يكون في شق النواة. والنقير، وهو النقرة الموجودة في ظهرها. وكلاهما ذكر في سورة (النساء) مرتين.
والقطمير، وهو اللفافة التي تحيط بالنواة. والثفروق، وهو ما بين القمع، والنواة. انتهى. جمل.
الإعراب: ﴿يُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (الله). ﴿اللَّيْلَ:﴾
مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، أو من مفعول: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ المحذوف العائد على (الله) فلست مفندا، ويكون الرابط الضمير فقط. وقيل: حال من فاعل:
﴿خَلَقَكُمْ﴾ وهو بعيد، وجملة: ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَسَخَّرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (سخر): ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا.
﴿الشَّمْسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، وعلى اعتبار الحالية ف: «قد» قبلها مقدرة، ﴿وَالْقَمَرَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كُلٌّ:﴾
مبتدأ، وجوز الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿يَجْرِي:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلٌّ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿لِأَجَلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة: (أجل) مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية:
﴿كُلٌّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ والرابط: الضمير المقدر.
﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر ثان، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وإن اعتبرت ﴿رَبُّكُمْ﴾ بدلا من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا. ﴿اللهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان، أو ثالث، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: واو الحال، وهو ضعيف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: والذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من
стр. 5041
الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قِطْمِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها..
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب، وتطلبوا معونتهم في الشدائد؛ ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ:﴾ لأنها جمادات لا تبصر، ولا تسمع، ولا تعي ما يقال لها. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا:﴾ على الفرض، والتقدير، والتسليم بأنها تسمع؛ ﴿مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ:﴾ ما أجابوكم بشيء، ولا أعانوكم بشيء قطعا. هذا؛ والسين، والتاء زائدتان في الفعل: (استجاب) لأنه بمعنى: أجاب. قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي: فلم يجبه، وعند التأمل تجد الفعل في الآية تعدّى بواسطة حرف الجر، وفي البيت تعدى بنفسه. والفرق بين الآية، والبيت: أن الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام. ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب الله له دعاءه، وأما البيت فمعناه: لم يستجب دعاءه على حذف المضاف.
وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم). ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرءون منكم، كما قال تعالى في الآية رقم [٦] من سورة (الأحقاف): ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. الآيتان من سورة (مريم)، والخطاب لكفار قريش الذين عبدوا الحجارة، والأوثان من دون الله. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور، ومآلها، وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة-﵀:
يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة، والمخاطب بذلك النبي ﷺ .
وقال النسفي: ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور، كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور.
وتحقيقه: ولا يخبرك بالأمر مخبر، هو مثل خبير عالم به. يريد: أن الخبير بالأمر وحده هو
стр. 5042
الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق؛ لأني خبير بما أخبرت به. انتهى.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُوا:﴾
فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله. ﴿دُعاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَسْمَعُوا:﴾
ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِسْتَجابُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف.
(يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (يوم): مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿بِشِرْكِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ومفعوله محذوف، التقدير: بشرككم إياهم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا):
نافية. ﴿يُنَبِّئُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿مِثْلُ:﴾ فاعله، و ﴿مِثْلُ﴾ مضاف، و ﴿خَبِيرٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ:﴾ الخطاب لجميع البشر؛ لتذكيرهم بنعم الله الجليلة عليهم؛ أي: أنتم المحتاجون إليه تعالى في بقائكم، وكل أحوالكم، وفي جميع حركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ غني عن عباده، غير محتاج إليهم في شيء، ومحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد، في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.
قال النسفي-رحمه الله تعالى-: لم يسمهم بالفقراء للتحقير؛ بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا؛ وصف نفسه بالغني، الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني،
стр. 5043
النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد، وأنعم؛ حمده المنعم عليهم. قال سهل: لما خلق الله الخلق؛ حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى؛ حجب عن الله، ومن أظهر فقره؛ أوصله فقره إليه.
فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى تكون عبوديته محضة؛ فالعبودية هي الذل والخضوع، وعلامته ألاّ يسأل من أحد.
وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيا بالله، وكلما ازداد افتقارا إلى الله؛ ازداد غنى. وقال يحيى:
الفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة، خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء، وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء، وبلاؤه كله عز. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠]، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿أَنْتُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفُقَراءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنها ابتدائية مثلها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْفُقَراءُ؛﴾ لأنه جمع: فقير، وهو صفة مشبهة. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿اللهِ:﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، وأجيز اعتباره توكيدا للفظ الجلالة، وعليه: ﴿الْغَنِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ خبر ثان، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبران له؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهو أقوى من اعتبارها حالية.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾
الشرح: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: لو شاء الله تعالى إهلاككم؛ لأهلككم، وأفناكم، وأتى بقوم آخرين غيركم، وفي هذا؛ وعيد، وتهديد. ومثله قوله تعالى في سورة (محمد) ﷺ رقم [٣٨]: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: وليس ذلك بصعب، أو ممتنع على الله؛ بل هو سهل يسير عليه سبحانه؛ لأن أمره بين الكاف والنون، إذا قال للشيء: كن؛ فيكون، ومثله في سورة (إبراهيم) رقم [٢٠] على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة
стр. 5044
جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَيَأْتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (يأت): فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله يعود إلى (الله) أيضا، ومثل هذا الفعل يجوز رفعه، ونصبه، قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو بتثليث قمن
ولكن لم يقرأ الفعل هنا بغير الجزم. ﴿بِخَلْقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس».
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِعَزِيزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة.
(عزيز): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا فيه ضعف.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين:
﴿اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ،﴾ بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتاب عليكم من الذنوب والسيئات. هذا؛ وأصل: ﴿تَزِرُ:﴾ (توزر) لأن ماضيه: وزر، فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة في مضارع الغائب: «يزر» وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والأمر: زر فيما يظهر، ومصدره: وزر، بفتح الواو وكسرها، وهو بمعنى: الإثم، والثقل أيضا، والوزر بفتح الواو، والزاي: الملجأ، والمستغاث، قال تعالى:
﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾. ومن المعنيين يؤخذ اسم وزير السلطان، فإنه يحمل ثقل دولته، ويلجأ إليه السلطان في المهمات، فيستشيره بذلك. ومعنى الآية: يتبرأ كل واحد من أوزار غيره، حتى إن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة، فتقول: يا بني ألم يكن حجري لك وطاء؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن بطني لك وعاء؟ فيقول: بلى يا أمّه! فتقول: يا بني! إن ذنوبي أثقلتني، فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أمّه! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول.
стр. 5045
خذ قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ،﴾ وقوله جل ذكره في سورة (عبس):
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
تنبيه: عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة، والنسائي؛ إلا أنه قال: «بالنياحة عليه».
فلا تعارض بين الآية، والحديث، فإن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من وصية الميت، وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة بن العبد البكري وهو من معلقته: [الطويل] إذا متّ فانعيني بما أنا أهله... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
وذهب جماعة من أهل العلم، -منهم داود الظاهري-إلى الأخذ بظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوح النساء؛ لأنه أهمل النهي عنه قبل موته، فيعذب بتفريطه بذلك.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى:﴾ المعنى وإن تطلب نفس مثقلة بالأوزار، وتسأل أحدا ليحمل عنها بعض أوزارها؛ لا يتحمل عنها شيئا، ولو كان المدعو المسئول قريبا لها، كالأم، والأب، والولد، والأخ، والصديق، والزوجة... إلخ، وهو صريح الآيات المذكورة آنفا، وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وبين معنى قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ..﴾. إلخ؛ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنّه تعالى لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها. والثاني: فإنه لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى إن نفسا قد أثقلتها الأوزار، وبهظتها لو دعت إلى أن يخفف عنها بعض وزرها؛ لم تجب، ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب، أو ولد، أو أخ. انتهى. كشاف.
وأما قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فهذا في حق الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكان ذلك يعد من أوزارهم، ليس فيه شيء من أوزار غيرهم. انظر تفسيرها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ و (حمل) بفتح الحاء وسكون الميم، قال ابن السكيت: ما كان في بطن، أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر: ما كان على ظهر، أو رأس، قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال بعضهم: [الرجز] ما كان في بطن فذاك حمل... وإن على ظهر ورأس حمل
следующие страницы →