← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

الضمير المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قِطْمِيرٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.. ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ الشرح: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب، وتطلبوا معونتهم في الشدائد؛ ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ:﴾ لأنها جمادات لا تبصر، ولا تسمع، ولا تعي ما يقال لها. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا:﴾ على الفرض، والتقدير، والتسليم بأنها تسمع؛ ﴿مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ:﴾ ما أجابوكم بشيء، ولا أعانوكم بشيء قطعا. هذا؛ والسين، والتاء زائدتان في الفعل: (استجاب) لأنه بمعنى: أجاب. قال كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب أي: فلم يجبه، وعند التأمل تجد الفعل في الآية تعدّى بواسطة حرف الجر، وفي البيت تعدى بنفسه. والفرق بين الآية، والبيت: أن الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام. ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب الله له دعاءه، وأما البيت فمعناه: لم يستجب دعاءه على حذف المضاف. وانظر شرح (يسمع) في الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم). ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرءون منكم، كما قال تعالى في الآية رقم [٦] من سورة (الأحقاف): ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. الآيتان من سورة (مريم)، والخطاب لكفار قريش الذين عبدوا الحجارة، والأوثان من دون الله. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور، ومآلها، وما تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة-﵀: يعني نفسه ﵎، فإنه أخبر بالواقع لا محالة، والمخاطب بذلك النبي ﷺ . وقال النسفي: ولا ينبئك أيها المفتون بأسباب الغرور، كما ينبئك الله الخبير بخبايا الأمور. وتحقيقه: ولا يخبرك بالأمر مخبر، هو مثل خبير عالم به. يريد: أن الخبير بالأمر وحده هو

стр. 5042

الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به، والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق؛ لأني خبير بما أخبرت به. انتهى. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُوهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم... إلخ، والواو فاعله. ﴿دُعاءَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَسْمَعُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِسْتَجابُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب شرط غير جازم. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (لو) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (يوم): مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿بِشِرْكِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ومفعوله محذوف، التقدير: بشرككم إياهم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يُنَبِّئُكَ:﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول به. ﴿مِثْلُ:﴾ فاعله، و ﴿مِثْلُ﴾ مضاف، و ﴿خَبِيرٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ:﴾ الخطاب لجميع البشر؛ لتذكيرهم بنعم الله الجليلة عليهم؛ أي: أنتم المحتاجون إليه تعالى في بقائكم، وكل أحوالكم، وفي جميع حركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ:﴾ غني عن عباده، غير محتاج إليهم في شيء، ومحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد، في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات. قال النسفي-رحمه الله تعالى-: لم يسمهم بالفقراء للتحقير؛ بل للتعريض على الاستغناء، ولهذا؛ وصف نفسه بالغني، الذي هو مطعم الأغنياء، وذكر الحميد ليدل به على أنه الغني،

стр. 5043

النافع بغناه خلقه، والجواد المنعم عليهم؛ إذ ليس كل غني نافعا بغناه، إلا إذا كان الغني جوادا منعما، وإذا جاد، وأنعم؛ حمده المنعم عليهم. قال سهل: لما خلق الله الخلق؛ حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى؛ حجب عن الله، ومن أظهر فقره؛ أوصله فقره إليه. فينبغي للعبد أن يكون مفتقرا بالسر إليه، ومنقطعا عن الغير إليه، حتى تكون عبوديته محضة؛ فالعبودية هي الذل والخضوع، وعلامته ألاّ يسأل من أحد. وقال الواسطي: من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل. وقال الحسين: على مقدار افتقار العبد إلى الله يكون غنيا بالله، وكلما ازداد افتقارا إلى الله؛ ازداد غنى. وقال يحيى: الفقر خير للعبد من الغنى؛ لأن المذلة في الفقر، والكبر في الغنى، والرجوع إلى الله بالتواضع والذلة، خير من الرجوع إليه بتكثير الأعمال. وقيل: صفة الأولياء ثلاثة: الثقة بالله في كل شيء، والفقر إليه في كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء، وقال الشبلي: الفقر يجر البلاء، وبلاؤه كله عز. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠]، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ:﴾ انظر الآية رقم [٥]. ﴿أَنْتُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفُقَراءُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية لا محل لها كالجملة الندائية قبلها؛ لأنها ابتدائية مثلها. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿الْفُقَراءُ؛﴾ لأنه جمع: فقير، وهو صفة مشبهة. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿اللهِ:﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له، وأجيز اعتباره توكيدا للفظ الجلالة، وعليه: ﴿الْغَنِيُّ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَمِيدُ:﴾ خبر ثان، وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، وما بعده خبران له؛ فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهو أقوى من اعتبارها حالية. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾ الشرح: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أي: لو شاء الله تعالى إهلاككم؛ لأهلككم، وأفناكم، وأتى بقوم آخرين غيركم، وفي هذا؛ وعيد، وتهديد. ومثله قوله تعالى في سورة (محمد) ﷺ رقم [٣٨]: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾. ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: وليس ذلك بصعب، أو ممتنع على الله؛ بل هو سهل يسير عليه سبحانه؛ لأن أمره بين الكاف والنون، إذا قال للشيء: كن؛ فيكون، ومثله في سورة (إبراهيم) رقم [٢٠] على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى (الله)، ومفعوله محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُذْهِبْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة

стр. 5044

جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَيَأْتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (يأت): فعل مضارع معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله يعود إلى (الله) أيضا، ومثل هذا الفعل يجوز رفعه، ونصبه، قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا، أو الواو بتثليث قمن ولكن لم يقرأ الفعل هنا بغير الجزم. ﴿بِخَلْقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَدِيدٍ:﴾ صفة له. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع اسم (ما)، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِعَزِيزٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (عزيز): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا فيه ضعف. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى:﴾ يعني: لا تؤاخذ نفس بإثم أخرى، ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر، وذلك: أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين: ﴿اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ،﴾ بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتاب عليكم من الذنوب والسيئات. هذا؛ وأصل: ﴿تَزِرُ:﴾ (توزر) لأن ماضيه: وزر، فحذفت الواو لوقوعها ساكنة بين عدوتيها، وهما الياء، والكسرة في مضارع الغائب: «يزر» وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه، والأمر: زر فيما يظهر، ومصدره: وزر، بفتح الواو وكسرها، وهو بمعنى: الإثم، والثقل أيضا، والوزر بفتح الواو، والزاي: الملجأ، والمستغاث، قال تعالى: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ﴾. ومن المعنيين يؤخذ اسم وزير السلطان، فإنه يحمل ثقل دولته، ويلجأ إليه السلطان في المهمات، فيستشيره بذلك. ومعنى الآية: يتبرأ كل واحد من أوزار غيره، حتى إن الوالدة تلقى ولدها يوم القيامة، فتقول: يا بني ألم يكن حجري لك وطاء؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن بطني لك وعاء؟ فيقول: بلى يا أمّه! فتقول: يا بني! إن ذنوبي أثقلتني، فاحمل عني منها ذنبا واحدا، فيقول: إليك عني يا أمّه! فإني بذنبي عنك اليوم مشغول.

стр. 5045

خذ قوله تعالى في سورة (المعارج): ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ،﴾ وقوله جل ذكره في سورة (عبس): ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. تنبيه: عن عمر بن الخطاب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الميّت يعذّب في قبره بما نيح عليه». رواه البخاري، ومسلم، وابن ماجة، والنسائي؛ إلا أنه قال: «بالنياحة عليه». فلا تعارض بين الآية، والحديث، فإن الحديث محمول على ما إذا كان النوح من وصية الميت، وسنته، كما كانت الجاهلية تفعله، حتى قال طرفة بن العبد البكري وهو من معلقته: [الطويل] إذا متّ فانعيني بما أنا أهله... وشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد وذهب جماعة من أهل العلم، -منهم داود الظاهري-إلى الأخذ بظاهر الحديث، وأنه إنما يعذب بنوح النساء؛ لأنه أهمل النهي عنه قبل موته، فيعذب بتفريطه بذلك. ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى:﴾ المعنى وإن تطلب نفس مثقلة بالأوزار، وتسأل أحدا ليحمل عنها بعض أوزارها؛ لا يتحمل عنها شيئا، ولو كان المدعو المسئول قريبا لها، كالأم، والأب، والولد، والأخ، والصديق، والزوجة... إلخ، وهو صريح الآيات المذكورة آنفا، وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما الفرق بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وبين معنى قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ..﴾. إلخ؛ قلت: الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنّه تعالى لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها. والثاني: فإنه لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى إن نفسا قد أثقلتها الأوزار، وبهظتها لو دعت إلى أن يخفف عنها بعض وزرها؛ لم تجب، ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب، أو ولد، أو أخ. انتهى. كشاف. وأما قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (العنكبوت): ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فهذا في حق الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكان ذلك يعد من أوزارهم، ليس فيه شيء من أوزار غيرهم. انظر تفسيرها هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و (حمل) بفتح الحاء وسكون الميم، قال ابن السكيت: ما كان في بطن، أو على رأس شجرة، والحمل بالكسر: ما كان على ظهر، أو رأس، قال الأزهري: وهذا هو الصواب، وهو قول الأصمعي، وقال بعضهم: [الرجز] ما كان في بطن فذاك حمل... وإن على ظهر ورأس حمل

стр. 5046

وقال القرطبي: وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة: حمل، وحمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل النخلة، ومرة لبروزه، وظهوره بحمل الدابة. وقال الرازي في مختاره: ويقال: امرأة حامل، وحاملة إذا كانت حبلى، فمن قال: حامل قال: هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال: حاملة بناه على: حملت، فهي حاملة، وأنشد: [الوافر] تمخّضت المنون له بيوم... أتى ولكلّ حاملة تمام فإذا حملت المرأة شيئا على ظهرها، أو على رأسها، فهي حاملة لا غير؛ لأن الهاء إنما تلحق للفرق، فما لا يكون للمذكر، لا حاجة فيه إلى علامة التأنيث، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، هذا قول أهل الكوفة، وقال أهل البصرة: هذا غير مستمر؛ لأن العرب تقول: رجل أيّم وامرأة أيّم، ورجل عانس وامرأة عانس مع الاشتراك، وقالوا: امرأة مصيبة، وكلبة مجرية مع الاختصاص. قالوا: والصواب أن يقال: إن قولهم: حامل، وطالق، وحائض، ونحوها، أوصاف مذكرة وصف بها الإناث، كما أن الرّبعة، والرّاوية، والخجأة، أوصاف مؤنثة وصف بها الذكور. انتهى. ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: إنما تخوف الذين يخشون عقاب الله تعالى حالة كونهم غائبين عن عذابه، أو غائبين عن الناس في خلوتهم، أو غائبا عنهم عذاب الله تعالى، فهؤلاء هم الذين ينفعهم الوعظ، والنصح، ويجدي معهم التخويف، والإنذار، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة: (يس) والخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل واعظ، ومرشد، وانظر شرح الغيب في الآية رقم [٣] من سورة (سبأ). قال الزمخشري: فإن قلت: كيف اتصل قوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ بما قبله، قلت: لما غضب الله عليهم في قوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أتبعه الإنذار بيوم القيامة، وذكر أهوالها، ثم قال: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ﴾ كأن رسول الله ﷺ أسمعهم ذلك، فلم ينفع، فنزل: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ،﴾ أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم. انتهى. ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وانظر الالتفات في الآية رقم [٣٤] من سورة (الروم) فهو جيد. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٤] من سورة (لقمان). وخصهم بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون بالإنذار؛ لأن من شأن الصلاة أن تهذب النفوس، وتلين الطبائع، وتصلح العمل، وإذا لم تفعل ذلك؛ فهي غير مقبولة عند الله، انظر الآية رقم [٤٥] من سورة (العنكبوت) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَمَنْ تَزَكّى:﴾ ومن طهر نفسه من أدناس المعاصي. ﴿فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ:﴾ فإن ثمرة تطهير نفسه عائدة عليه، فصلاحه، وتقواه مختص به، لا يتعداه لغيره. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ:﴾ إليه المرجع، والمآب، فهو يجازيه على عمله، ويجازي كل إنسان أيضا من ذكر، أو أنثى، وانظر شرح النفس في الآية رقم [٢٨] من سورة (الروم).

стр. 5047

الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿تَزِرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿وازِرَةٌ:﴾ فاعل. ﴿وِزْرَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿أُخْرى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَدْعُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها. ﴿مُثْقَلَةٌ:﴾ فاعل. ﴿إِلى حِمْلِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحْمَلْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، مبني للمجهول. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: (شيء) كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿شَيْءٌ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه مستتر، التقدير: ولو كان المدعو. ﴿ذا:﴾ خبر ﴿كانَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذا﴾ مضاف، و ﴿قُرْبى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقرئ: «(ولو كان ذو قربى)» على اعتبار ﴿كانَ﴾ تامة، أي: ولو حضر ذو قربى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قال الزمخشري: ونظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة. قال البيضاوي: وقرئ: «(ذو قربى)» على حذف الخبر، وهو أولى من جعل كان تامة، فإنها لا تلائم نظم الكلام، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون حالا، و ﴿كانَ﴾ تامة، ولا وجه له قطعا، وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: ولو كان المدعو ذا قربى لا يحمل من أوزار قريبه شيئا. ﴿وَلَوْ﴾ ومدخولها كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. وقيل: الواو واو الحال، وهذا لا يصح إلا إذا اعتبرنا (لو) وصلية، ولا جواب لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿تُنْذِرُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿يَخْشَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير: «قد» قبلها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَزَكّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل جزم فعل

стр. 5048

الشرط، والفاعل مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿يَتَزَكّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠] وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فالإعراب ظاهر، وقد مر معنا كثير مثله، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِلَى:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿(إِلَى اللهِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الجاهل، والعالم، والكافر، والمؤمن. فهذا مثل ضربه الله لهما. أي: فكما لا يتساوى الأعمى مع البصير، فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في الظلام. ففي الكلام استعارة تصريحية حيث شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير، بجامع ظلام الطريق، وعدم الاهتداء على الكافر، ووضوح الرؤية، والاهتداء للمؤمن، ثم استعار المشبه به، وهو ﴿الْأَعْمى﴾ للكافر، واستعار (البصير) للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية. ﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ أي: لا يستويان. والمراد ب: ﴿الظُّلُماتُ:﴾ الكفر، والباطل، والجهل. والمراد ب: ﴿النُّورُ:﴾ الإيمان، والحق، والعلم. ففي الكلام استعارة مثل سابقه. وجمع الظلمات؛ لأن طرق الكفر، والباطل، والجهل متعددة، وأفرد النور؛ لأن الإيمان، والحق، والعلم واحد، لا يتعدد. ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ أي: لا يستويان أيضا. والمراد ب: ﴿الظِّلُّ﴾ ظل الجنة ونعيمها الدائم، والمراد ب: ﴿الْحَرُورُ﴾ حر نار جهنم؛ أي: فكما لا يستوي في الدنيا الظل المنعش للأرواح، والأجسام مع الحر الشديد المسمى أحيانا بالسموم لشدته؛ لا تستوي نار جهنم مع الجنة. وبالمناسبة خذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «قالت النار: ربّ أكل بعضي بعضا فائذن لي أتنفّس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشّتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد، أو زمهرير؛ فمن نفس جهنّم، وما وجدتم من حرّ، أو حرور؛ فمن نفس جهنّم». أخرجه مسلم، لذا يسن في حق المسلم أن يقول في يوم الحر: لا إله إلا الله ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ نار جهنم! وفي يوم البرد أن يقول: لا إله إلا الله ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم!

стр. 5049

وينبغي أن تعلم: أن الفعل: ﴿يَسْتَوِي﴾ من الأفعال التي لا يكتفى فيها بواحد، فلو قلت: استوى زيد لم يصح فمن ثمّ لزم العطف على الفاعل، أو تعدده. هذا؛ ولا تنس المطابقة، والمقابلة بين الضدين في الآيات الأربع، وهي من المحسنات البديعية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٨] من سورة (غافر) إن أردت الزيادة. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة. ﴿الظُّلُماتُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة. ﴿النُّورُ:﴾ معطوف على ما قبله، وأيضا ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ معطوفان على ما قبلهما. قال الجلال-رحمه الله تعالى-: وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد. قال الجمل: وقد زيدت في الآيات الثلاث خمس مرات: اثنتين في الأولى، واثنتين في الثانية، وواحدة في الثالثة، والكل لتأكيد نفي الاستواء. وقال ابن هشام في المغني: ف: (لا) الثانية، والرابعة، والخامسة زوائد لأمن اللبس. وقال الزمخشري: فإن قلت: هل من فرق بين هذه الواوات، قلت: بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترا إلى وتر. انتهى. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ:﴾ تمثيل آخر للمؤمنين، والكافرين أبلغ من الأول، ولذلك كرر الفعل. وقيل: للعلماء، والجهلاء. ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ:﴾ هدايته، فيوفقه لفهم آياته، والاتعاظ بعظاته. ﴿وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: الكفار شبههم الله بالأموات في القبور؛ لأنهم لا يجيبون إذا دعوا. هذا؛ وقد قال ابن كثير: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة، كالأعمى، والبصير لا يستويان؛ بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظلّ، ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء، ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين، وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام)، وقال : ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.

стр. 5050

فالمؤمن سميع بصير في نور، يمشي على صراط مستقيم في الدنيا، والآخرة؛ حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال، والعيون، والكافر أعمى، وأصم في ظلمات يمشي فيها، لا خروج له منها؛ بل هو يتيه في غيه، وضلاله في الدنيا، والآخرة؛ حتى يفضي به ذلك إلى الحرور، والسموم، والحميم. انتهى. بتصرف. تنبيه: المراد في الآية الكريمة تشبيه الكفار بالمدفونين في القبور بعدم الانتفاع فيما يقال لهم، لا أنهم لا يسمعون أبدا؛ بل يسمعون، ولكنهم لا يقدرون على الجواب، كيف لا؟ والرسول ﷺ قد خاطب قتلى بدر من المشركين، وناداهم بأسمائهم: «يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا» فقال عمر بن الخطاب-﵁: يا رسول الله! كيف تكلم أجسادا، لا أرواح فيها؟! فقال: «والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئا». وفي رواية: «يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون». وقد ثبت: أن للروح تعلقا بالجسد بعد الدفن، أو بموضع الدفن بعد فناء الجسد، لذا علمنا الرسول ﷺ إذا أتينا المقبرة أن نقول: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسأل الله العفو لنا، ولكم، ولجميع المسلمين». وليقرأ الفاتحة، والأحاديث الصحيحة الواردة في سؤال القبر تؤكد هذه الحقيقة. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ:﴾ إعراب هذه الكلمات مثل الآية رقم [١٩] بلا فارق. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُسْمِعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يسمع الذي، أو: شخصا يشاء الله إسماعه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية حجازية، تعمل عمل: «ليس». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما). ﴿بِمُسْمِعٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مسمع): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مهملة تميمية، فالضمير مبتدأ، و (مسمع) خبره، زيدت الباء فيه، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: «أنت». ﴿مَنْ:﴾ مفعول به ل: (مسمع). ﴿فِي الْقُبُورِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول ﴿مَنْ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَما أَنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. واعتبارها حالا من لفظ الجلالة لا بأس به، ويكون الرابط: الواو فقط.

стр. 5051

﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ أي: فما عليك يا محمد إلا الإنذار، وأما الإسماع فلا إليك، ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم، وفي الآية قصر موصوف على صفة. ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ:﴾ محقين، أو محقا، أو: إرسالا مصحوبا بالحق. ﴿بَشِيراً:﴾ بالجنة، والثواب الحسن لمن آمن. ﴿وَنَذِيراً:﴾ بالنار، والعقاب لمن كفر، وعاند، وخرج عن طاعة ربه، وما بينهما مطابقة، ومقابلة، وهي من المحسنات البديعية. ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ:﴾ جماعة من الناس في العصور، والأزمنة الخالية. ﴿إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ أي: جاءها رسول، فأنذرها عقاب الله، وغضبه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ الآية رقم [٣٦] من سورة (النحل)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ رقم [٧] من سورة (الرعد). قال ابن جريج: إلا العرب، فإنه لم يبعث فيهم رسولا. انتهى. وقد صح: أن الله بعث فيهم خالد بن صفوان، ونبيا آخر اسمه: حنظلة. هذا؛ و ﴿أُمَّةٍ﴾ بمعنى الجماعة، كما رأيت، ولا واحد لها من لفظها، وتكون واحدا إذا كان ممن يقتدى به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ﴾. والأمة: الطريقة، والملة في الدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وبها فسرت الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. وقال النابغة الذبياني من قصيدة يخاطب بها النعمان بن المنذر، ويعتذر له مما وشى به الواشون: [الطويل] حلفت فلم أترك لنفسك ريبة... وهل يأثمن ذو أمّة وهو طائع؟ وكل جنس من الحيوان أمة، كقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ والأمة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت، وحين. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نَذِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية ابتدائية لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ..﴾. إلخ بيان، وتفسير لهذه الجملة. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، بقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَرْسَلْناكَ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، انظر الشرح. ﴿بَشِيراً:﴾ حال من الكاف. ﴿وَنَذِيراً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية، لا محل لها من الإعراب.

стр. 5052

﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف نفي. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أُمَّةٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَلا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، فلا محل لها على الوجهين. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: وإن يكذبك قومك يا محمد؛ فاصبر، وتأس بمن سبقك من الرسل. ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كذبوا رسلهم. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤] ففيها الكفاية. ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي: بالمعجزات الباهرات، والحجج الدامغات، والبراهين الساطعات، فكذبوهم، وآذوهم أشد الإيذاء، فلك يا محمد أسوة حسنة، وقدوة طيبة بهؤلاء الرسل الكرام. ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ أي: جاءوهم بالزبر، وهي الصحف المنزلة على الأنبياء، كصحف إبراهيم، وهي ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة، وهي عشرة، وكصحف شيث، وهي ستون، وصحف إدريس، وهي عشرة. فجملة الصحف مائة وعشرة، تضم لها الكتاب الأربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. فجملة الكتاب المنزلة على الأنبياء مائة وأربعة عشر. ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ أي: الواضح، والمراد ب: (الكتاب) جنس الكتاب؛ إذ المراد: التوراة، والإنجيل، والزبور. وقيل: المراد: الصحف والكتاب السماوية على إرادة التفصيل دون الجمع، ويجوز أن يراد بهما واحد، والعطف لتغاير الوصفين لاختلاف اللفظين. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة (آل عمران) مع اختلاف في بعض ألفاظها. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُكَذِّبُوكَ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، تقديره: رسلهم، والجملة الفعلية: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت

стр. 5053

جواب الشرط محذوفا؛ فالجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، ويكون التقدير: وإن يكذبوك؛ فلا تحزن؛ لأنه قد كذب... إلخ. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والرابط: الضمير فقط، وهي على إضمار: «قد» قبلها. ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ:﴾ معطوفان على: ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾. ﴿الْمُنِيرِ:﴾ صفة (الكتاب)، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ عاقبتهم عقابا شديدا، كما قال تعالى في سورة (القمر): ﴿فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ:﴾ استفهام معناه التعجب؛ أي: فانظر كيف كان عقابي لهؤلاء المكذبين، وكذلك أفعل بكفار قريش، فما لكفار قريش لا يهتدون، ولا يرتدعون عما هم عليه من الكفر، والعصيان، والطغيان؟! هذا؛ وقد قرئ: «(نكيري)» بإثبات الياء أيضا، ومثلها الآية رقم [٤٥] من سورة (سبأ). والآية رقم [٤٤] من سورة (الحج)، وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (الروم)، وشرح الكفر في الآية رقم [٣٤] منها أيضا. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَخَذْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿أَخَذْتُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿جاءَتْهُمْ..﴾. إلخ فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿نَكِيرِ:﴾ اسم كان مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً:﴾ انظر الآية رقم [٢٤] من سورة (الروم) ففيها الكفاية. ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها:﴾ أجناسها، أو أصنافها على أن كلاّ منها ذو أصناف

стр. 5054

مختلفة هيئاتها من الصفرة، والحمرة، والخضرة، ونحوها، والأجناس مثل: الرمان، والتفاح، والتين، والعنب، والرطب، ونحو ذلك، هذا بالإضافة إلى الطعوم المختلفة أيضا، والروائح المتنوعة، كما قال تعالى في الآية رقم [٤] من سورة (الرعد): ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. وفي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (لقمان) تجد ما يسرك. ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ أي: وخلق الله الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضا من بيض، وحمر، وفي بعضها طرائق، وهي الجدد، جمع: جدّة مختلفة الألوان أيضا، قال ابن عباس-﵄: الجدد: الطرائق. انتهى. هذا؛ وهو بضم الجيم وفتح الدال الأولى. وقال الأخفش: ولو كان جمع: جديد؛ لقال: جدد (بضم الجيم، والدال) نحو سرير وسرر، قال زهير بن أبي سلمى المزني: [البسيط] كأنّه أسفع الخدّين ذو جدد... طاو ويرتع بعد الصّيف عريانا وقرأ الزهري: «(جدد)» بضمتين على أنه جمع: جديدة، وهي الجدة. يقال: جديدة، وجدد، وجدائد. ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ:﴾ قال أبو عبيدة: الغربيب: الشديد السواد، ففي الكلام تقديم، وتأخير. والمعنى: ومن الجبال سود غرابيب، والعرب تقول للشديد السواد؛ الذي لونه كلون الغراب: أسود غربيب. وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إنّ الله يبغض الشيخ الغربيب». أي: الذي يخضب بالسواد. قال امرؤ القيس: [البسيط] العين طامحة واليد سابحة... والرّجل لافحة والوجه غربيب وقال آخر يصف كرما: [البسيط] ومن تعاجيب خلق الله غاطية... يعصر منه ملاحيّ وغربيب الغاطية: الشجرة التي طالت أغصانها، وانبسطت على وجه الأرض. ملاحي: أبيض. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وقال الصابوني: يقول شهيد الإسلام في تفسيره «الظلال»: هذه لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب، تبدأ بإنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات المختلفات الألوان، ثم تنتقل إلى ألوان الجبال، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار، وتنوعها، وتعددها. واللفتة إلى ألوان الصخور وتنوعها داخل اللون الواحد تهز القلب هزا، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي العالي بما يستحق النظر، والالتفات، ثم ألوان الناس، وهي لا تقف عند حد، وكذلك ألوان الدواب، والأنعام. والدابة: كل حيوان. والأنعام: هي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، ذات الألوان والأصباغ العجيبة، كلها معروضة للأنظار في هذا الكتاب الكوني، الجميل الصفحات، العجيب في التكوين، والتلوين. انتهى.

стр. 5055

الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت». ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو». ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿السَّماءِ﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿السَّماءِ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿أَنْزَلَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول (ترى)، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَخْرَجْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخرجنا): فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثَمَراتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مُخْتَلِفاً:﴾ صفة ﴿ثَمَراتٍ﴾ وهو نعت سببي، يراعى في تذكيره، وتأنيثه ما بعده، وهو: ﴿أَلْوانُها﴾ الواقع فاعلا له، وإنما كان سببيا؛ لأن الاختلاف في المعنى إنما هو لألوانها، و (ها): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَأَخْرَجْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من الجبال): متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿جُدَدٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿بِيضٌ:﴾ صفة جدد. (حمر): معطوف على ﴿بِيضٌ﴾. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ صفة ثانية لجدد، وفيها معنى التأكيد ل: ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾. ﴿أَلْوانُها:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾. و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿وَغَرابِيبُ:﴾ معطوف على ﴿جُدَدٌ﴾. ﴿سُودٌ:﴾ صفة له، وانظر الشرح، وما قيل فيه: إنه من عكس الصفة. وقيل: هو بدل من: (غرابيب)، واعتبره الزمخشري معطوفا على ﴿بِيضٌ﴾ أو ﴿جُدَدٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ الْجِبالِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ الشرح: ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ..﴾. إلخ: أي: وخلق الناس، والدواب، والأنعام مختلفة ألوانها مثل اختلاف ألوان الثمرات، والجبال، كما هو مشاهد، فإنك ترى في الجميع الأبيض، والأحمر، والأسود، والأسمر... إلخ، قال تعالى في سورة (الروم): ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ هذا؛ و (الدواب) جمع: دابة، وهي تشمل كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان، وحيوان. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ الآية رقم [٢٢] من سورة (الأنفال)، والمراد هنا ما لا يعقل خاصة. والمراد بالأنعام: الإبل، والبقر، والغنم. فهو من ذكر الخاص بعد العام، وانظر شرح: ﴿النّاسِ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (سبأ).

стр. 5056

﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ أي: إنما يخافه تعالى العلماء؛ لأنهم عرفوه حق معرفته؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعلي القدير أتم، والعلم به أكمل؛ كان الخوف منه أعظم، وأكثر؛ إذ من دواعي الخوف منه تعالى معرفته، والعلم بصفاته، وأفعاله، فمن كان أعلم به؛ كان أشد خوفا منه، ولذلك قال ﷺ : «أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له». ولهذا أتبعه ذكر أفعاله، الدالة على كمال قدرته. وعن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ قال: هم الذين يعلمون: أن الله على كل شيء قدير. وعنه قال: العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك به شيئا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن: أنه ملاقيه، ومحاسب بعمله. انتهى. وقال سعيد بن جبير-﵁: الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله . وقال الحسن البصري-﵀: العالم من خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سخط لله فيه، ثم تلا الآية الكريمة. وعن ابن مسعود ﵁-أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال مالك-رحمه الله تعالى-: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. هذا؛ وقرئ برفع «(الله)» ونصب: «(العلماء)». قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ برفع «(الله)» ونصب «(العلماء)» وهو عمر بن عبد العزيز، ويحكى عن أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى؟ قلت: الخشية في هذه الآية استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب المخشي من الرجال بين الناس من بين جميع عباده. انتهى. أقول: ومن هذه الزاوية قول نصيب بن رباح، وهو الشاهد رقم [٢١٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] أهابك إجلالا وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها هذا؛ والآيات التي تثني على الخائفين من الله، والتي تعدهم بحسن المثوبة، وعظيم الجزاء، ورفيع الدرجات كثيرة، كيف وقد جعل الله هذا الخوف صفة من الصفات الثمانية، التي وصف الله بها أولي الألباب في سورة (الرعد)، وذلك في الآية رقم [٢٠] وما بعدها، والرسول ﷺ رغب في ذلك أيضا، وأثنى على الخائفين، وبشرهم برضا رب العالمين، والنعيم المقيم في جنات النعيم، فعن العباس بن عبد المطلب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا اقشعرّ جلد العبد من خشية الله، تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقها». رواه البيهقي، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه جل وعلا: أنه قال: «وعزّتي! لا أجمع على عبدي خوفين، وأمنين؛ إذا خافني في الدّنيا؛ أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا؛ أخفته في الآخرة». رواه ابن حبان. وحديث السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة تحت ظله مشهور.

стр. 5057

﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ غالب على أمره، لا يخرج شيء عن إرادته، ومشيئته. ﴿غَفُورٌ﴾ أي: لمن تاب، وأناب من عباده، وهو صيغة مبالغة بمعنى: كثير الغفران لعباده المؤمنين؛ إن هم لجئوا إليه بالتوبة، والإنابة. هذا؛ وقال الزمخشري: فإن قلت: ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله؟ قلت: لما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى: ألم تعلم: أن الله أنزل من السماء ماء، وعدد آيات الله، وأعلام قدرته، وآثار صنعته، وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه، وعلى صفاته؛ أتبع ذلك: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ..﴾. إلخ، كأنه قال: إنما يخشاه مثلك، ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته، وعلمه كنه علمه. انتهى. الإعراب: ﴿وَمِنَ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿(مِنَ النّاسِ)﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ:﴾ معطوفان على الناس. ﴿مُخْتَلِفٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، التقدير: خلق مختلف. ﴿أَلْوانُهُ:﴾ فاعل ب: ﴿مُخْتَلِفٌ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَذلِكَ﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله: ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ التقدير: مختلف ألوانه اختلافا مثل اختلاف ألوان الثمرات والجبال، والجملة الاسمية: ﴿وَمِنَ النّاسِ..﴾. إلخ معطوفة على مثلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿يَخْشَى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْعُلَماءُ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْعُلَماءُ:﴾ فاعل: ﴿يَخْشَى،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر أول. ﴿غَفُورٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ:﴾ يداومون على تلاوة القرآن، وهي شأنهم، وديدنهم آناء الليل، وأطراف النهار. وعن مطرف بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: هي آية القراء. وأقول: ينبغي لقارئ القرآن أن يتدبر آياته، وأن يعمل بما فيه؛ ليحوز الأجر المترتب على قراءته، وهو عشر حسنات لكل حرف يقرؤه. فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». رواه الترمذي. وعن جابر بن

стр. 5058

عبد الله-﵄-عن النبي ﷺ ، قال: «القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، من جعله أمامه؛ قاده إلى الجنة. ومن جعله خلف ظهره؛ ساقه إلى النّار». رواه ابن حبان. ومعنى جعله أمامه: عمل بما فيه، واهتدى بهديه. ومعنى جعله خلف ظهره: أعرض عن العمل بما فيه، ولم يهتد بنوره. لذا فقد روي من قول النبي ﷺ : «ربّ قارئ للقرآن، والقرآن يستغفر له، وربّ قارئ للقرآن، والقرآن يلعنه». وأكتفي بهذا القدر هنا. وقال الإمام-رحمه الله تعالى-: قد يقرأ القرآن من لا خير فيه، وقد قال النبي ﷺ : «ومثل المنافق الّذي يقرأ القرآن مثل الرّيحانة ريحها طيّب، وطعمها مرّ». فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الله تعالى: أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من الكفار: اليهود، والنصارى يقرءونه في زماننا هذا، ويعلمون ما فيه. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ:﴾ انظر الآية رقم [٤] من سورة (لقمان). ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي: تصدقوا في وجوه الخير بعض المال؛ الذي رزقناهم إياه. ﴿سِرًّا﴾ أي: في الخفاء. ﴿وَعَلانِيَةً﴾ العلانية: الجهر، ومثله: العلن، والإعلان، وما أكثر ما يتردد هذان اللفظان في القرآن الكريم، قال الشاعر، وهو الشاهد [٦١٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه... ونعم من هو في سرّ وإعلان ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن تفسد، ولن تهلك، والمراد بالتجارة ما وعد الله من الثواب على أعمال البر، والخير، قال تعالى في سورة (الصف) رقم [١٠]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ..﴾. إلخ، وانظر شرح ﴿يَبُورُ﴾ في الآية رقم [١٠]. هذا؛ وفي الآية استعارة التجارة للمعاملة مع الله تعالى لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية، وهي معاملة الخلق بعضهم لبعض بالبيع، والشراء لنيل الربح، ثم رشحها بقوله: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أي: لن يخشى كسادها، وبوارها. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَقامُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (أقاموا): فعل ماض، وهو بمعنى المضارع، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿الصَّلاةَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف، التقدير: أنفقوا شيئا كائنا مما... إلخ، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (من) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: وأنفقوا من الذي، أو: من شيء رزقناهم إياه؛ لأن الفعل: «رزق» ينصب مفعولين، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب «من» التقدير: أنفقوا من رزقنا إياهم المال.

стр. 5059

﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً:﴾ حالان من واو الجماعة بمعنى: مسرين، ومعلنين. قال أبو البقاء: هما مصدران في موضع الحال. وقيل: هما منصوبان على نزع الخافض. وجملة: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. وقيل: الخبر الجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ وعليه فالجملة الفعلية المذكورة في محل نصب حال ثانية من واو الجماعة أيضا، وجملة: ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ في محل نصب صفة: ﴿تِجارَةً﴾. ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: إن الذين يقرءون القرآن، ويتدبرون آياته، ويعملون بأوامره: من صلاة، وصدقة، وصوم، وبر، وإحسان... إلخ، إنما فعلوا ذلك، ويفعلونه؛ ليعطيهم أجورهم عليها يوم القيامة كاملة غير منقوصة. ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يمنحهم من كرمه، وجوده ورضوانه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفي أبي السعود: أي: يتفضل عليهم بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها، أو بمقاديرها، ولا يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها؛ بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وعن النبي ﷺ قال، يقول الله ﵎: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وغير ذلك من المواعيد الكريمة. انتهى. جمل. خرج الحديث في الصحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي، ﵁. وهو ما في القرطبي، وأسنده الخازن إلى أبي هريرة، ﵁. ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ:﴾ كثير الغفران لعباده المؤمنين، المطيعين، المخبتين، إن وقع منهم هفوات. ﴿شَكُورٌ﴾ لهم على أعمالهم الصالحة، ويفسر في حقه تعالى بالذي يعطي على العمل الصالح في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. الإعراب: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَرْجُونَ،﴾ أو بالفعل ﴿تَبُورَ،﴾ أو بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ ليوفيهم. ﴿أُجُورَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَيَزِيدَهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، منصوب مثله، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: يزيدهم ما يليق بكرمه، وجوده. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ:﴾ خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛

стр. 5060

وأجيز اعتبارها خبرا ل: (إن) في الآية السابقة جوزه الزمخشري على حذف العائد، أي: غفور لهم، وعلى هذا؛ فجملة ﴿يَرْجُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير. ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾ أي: القرآن الكريم. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي لا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ،﴾ وقال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ الآية رقم [٤٢] من سورة (فصلت). ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سبقه من الكتاب المنزلة على الرسل، كالتوراة، التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أنزل على داود-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام-. وذلك أن كتاب الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد، وتصديق الأنبياء، والإيمان بالمعاد، والحشر، والنشر، وجاء هذا الكتاب-وهو القرآن المنزل على محمد ﷺ -كذلك. فذلك هو تصديقه لما بين يديه من الكتاب؛ أي: لما تقدمه من الكتاب السماوية. قال أبو حيان: وفي الآية إشارة إلى كون القرآن وحيا؛ لأن النبي ﷺ لم يكن قارئا، ولا كاتبا، وأتى ببيان ما في كتاب الله، ولا يكون ذلك، إلا من عند الله تعالى. ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ:﴾ عليم بخفايا أمورهم، وظواهرها. ﴿بَصِيرٌ﴾ أي: بهم، لا تخفى عليه خافية من شئونهم. وانظر شرح الوحي في الآية رقم [٥٠] من سورة (سبأ). الإعراب: ﴿وَالَّذِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْحَيْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أوحيناه. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، العائد على (الذي)، و ﴿مِنَ﴾ بيان لهذا الموصول. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْحَقُّ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، والحق خبرا له؛ فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (الذي...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال من ﴿الْحَقُّ،﴾ وفاعله مستتر فيه، وهو حال مؤكدة. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُصَدِّقاً،﴾ ف: (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مثل ذلك زائدة. وسماها: لام التقوية، أي: تقوية عامل ضعيف ضعف عن العمل فيما بعده، وعليه ف: (ما) مجرورة لفظا، منصوبة محلا ب: ﴿مُصَدِّقاً،﴾ وأورد آيات كثيرة شواهد على ذلك، وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري، ﵁: [الطويل]

стр. 5061

إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا فتح القريب المجيب. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و: ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و: ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى لفظا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان ب (خبير)، أو ب: ﴿بَصِيرٌ﴾ على التنازع، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَخَبِيرٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (خبير): خبر أول. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ الشرح: مناسبة الآية لما قبلها: لما أثنى الله تعالى على الذين يتلون كتاب الله؛ ذكر هنا انقسام الأمة الإسلامية أمام هذا الكنز الثمين، والفضل العظيم إلى ثلاثة أقسام: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، ثم ذكر مآل الأبرار، والفجار، ليظل العبد بين الرجاء، والخوف، والرغبة، والرهبة. ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا:﴾ أعطينا. ﴿الْكِتابَ:﴾ القرآن. والمعنى: أوحينا إليك القرآن يا محمد، ثم، أورثناه من بعدك لأمتك؛ ليعملوا بما فيه، ويهتدوا بهديه. هذا؛ وفي قوله: ﴿أَوْرَثْنَا﴾ استعارة تبعية، شبه إعطاء الكتاب إياهم من غير كد، وتعب في وصوله إليهم بتوريث الوارث؛ أوليس من لازم وراثة الكتاب مراعاته حق رعايته، لقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ وفي الشهاب: وتوريث الكتاب للجهال كتوريث بعض الورثة السفهاء المضيعين لما ورثوه. انتهى. جمل. وأضيف: أن في الآية من المحسنات البديعية فن الجمع مع التقسيم، وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين، أو أكثر في حكم، ثم يقسم ما جمعه، أو يقسم أولا، ثم يجمع، فالأول كالآية المذكورة، ومثلها قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ الآية رقم [١٠٥] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ الآية رقم [٩٠] من سورة (المائدة) وقال الراجز: [الرجز] إنّ الشّباب والفراغ والجده... مفسدة للمرء أيّ مفسده ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ أي: اخترنا، واشتقاقه من الصفو، وهو: الخلوص من شوائب الكدر، وأصل الفعل: (اصتفونا) فأبدلت التاء طاء، والواو ياء. والمراد من عبادنا: أمة محمد ﷺ . قاله ابن عباس، وغيره. قال النسفي: وهم أمته من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم،

стр. 5062

ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأن الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا؛ ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله، ثم رتبهم على مراتب، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ:﴾ وهو المرجأ لأمر الله. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ:﴾ هو الذي خلط عملا صالحا، وآخر سيئا. ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ:﴾ يضم إلى العمل التعليم، والإرشاد إلى العمل، وهذا التأويل يوافق التنزيل، فإنه تعالى قال في الآية رقم [١٠١] من سورة (التوبة): ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ..﴾. إلخ. وقال بعده في الآية رقم [١٠٣] منها: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا..﴾. إلخ. وقال بعده في الآية رقم [١٠٧] منها: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ..﴾. إلخ. ويوافق الحديث، فقد روي عن عمر-﵁: أنه قال على المنبر بعد قراءة هذه الآية: قال رسول الله ﷺ : «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له». وعنه ﷺ : «السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حسابا يسيرا، ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس؛ حتى يظنّ: أنه لا ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة». رواه أبو الدرداء. ويوافق الأثر، فعن ابن عباس-﵄: أنه قال: السابق: المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بالنعمة غير الجاحد لها؛ لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. ويوافق التأويل السابق قول السلف، فقد قال الربيع بن أنس-رحمه الله تعالى-: الظالم: صاحب الكبائر. والمقتصد: صاحب الصغائر. والسابق: المجتنب لهما. وقال الحسن البصري: الظالم: من رجحت سيئاته. والسابق: من رجحت حسناته. والمقتصد: من تساوت حسناته، وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية، فقال: كلهم مؤمنون، وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ الآية رقم [٣٦] الآتية. وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى الله من عباده، فإنه قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ (ومنهم)، ﴿وَمِنْهُمْ﴾ والكل راجع إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ وهم أهل الإيمان. وعليه الجمهور، وإنما قدم الظالم؛ للإيذان بكثرة الظالمين لأنفسهم بالمعاصي، والسيئات، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل، وقال ابن عطاء: إنما قدم الظالم؛ لئلا ييأس من فضله. وقيل: إنما قدمه؛ ليعرفه: أن ذنبه لا يبعده من ربه، وليس التقديم للتشريف، ولا يقتضيه. قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة الحشر. وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر؛ قدموا الأدنى كالآية المذكورة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية رقم [١٦٧] من سورة (الأعراف)، وقوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ الآية رقم [٤٩] من سورة (الشورى). وقيل: إن أول الأحوال معصية، ثم توبة، ثم استقامة. وقال سهل بن عبد الله: السابق: العالم. والمقتصد: المتعلم. والظالم: الجاهل. وقال أيضا: السابق: الذي اشتغل بمعاده. والمقتصد:

стр. 5063

الذي اشتغل بمعاشه، ومعاده، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم: الذي يعبده على الغفلة، والعادة. والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة، والرهبة. والسابق: الذي يعبده على الهيبة، والاستحقاق. وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا، أو حراما، والمقتصد: من يجتهد أن لا يأخذها إلا من حلال. والسابق: من أعرض عنها جملة. وقيل: الظالم: طالب الدنيا. والمقتصد: طالب العقبى. والسابق: طالب المولى. انتهى. نسفي بتصرف بسيط. هذا؛ وفي القرطبي عن ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والفراء: أن المقتصد: المؤمن العاصي، والسابق: التقي على الإطلاق، والظالم: الكافر. وقال الحسن: الفاسق. قالوا: ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ وقالوا: بعيد أن يكون ممن يصطفي الله ظالم، وقد روي عن ابن عباس-﵄-قوله: نجت فرقتان. وقد أطال القرطبي بأكثر مما ذكرته عن النسفي. ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: بأمر الله، وإرادته، أو بعلمه، وتوفيقه. ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: إيراثهم الكتاب واصطفاؤهم، وتكريمهم فضل من الله عليهم، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَوْرَثْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به أول، و ﴿الْكِتابَ﴾ مفعوله الثاني، وقدم لشرفه؛ إذ لا لبس في ذلك، وجملة: ﴿اِصْطَفَيْنا﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير: الذين اصطفيناهم. ﴿مِنْ عِبادِنا:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب العائد على الموصول، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿أَوْرَثْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على وجهين ذكرهما الزمخشري: أحدهما: أن التقدير: إنا أوحينا إليك القرآن، ثم أورثناه من بعدك؛ أي: حكمنا بتوريثه. والوجه الثاني: أنها معطوفة على معنى ما تضمنته الآية رقم [٢٥] وما بعدها. ﴿فَمِنْهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع، أو حرف استئناف، وتفريع. (منهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ظالِمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ولا أعتمد هذا، وإنما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأحزاب) والله ولي التوفيق. ﴿لِنَفْسِهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ظالِمٌ،﴾ وفاعله مستتر فيه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالفاء، وجملة: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ معطوفة عليها، وأيضا جملة: ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان ب: ﴿سابِقٌ،﴾ و (إذن) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لفاعله. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْفَضْلُ:﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، والفضل خبره؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر الأول. ﴿الْكَبِيرُ:﴾ صفة ﴿الْفَضْلُ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5064

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ جنات إقامة، وخلود، يقال: عدن بالمكان: إذا أقام به، ومنه: المعدن الموجود في باطن الأرض، وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله، الّتي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيّون والصديقون والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك!». رواه الطبراني عن أبي الدرداء، ﵁. وقال عبد الله بن عمر-﵄: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صدّيق، أو شهيد. والحبرة (بكسر الحاء، وفتحها) ضرب من البرود اليمنية مخطط. ﴿يَدْخُلُونَها:﴾ الضمير يعود إلى الثلاثة، أو: ل: ﴿الَّذِينَ﴾ أو: للمقتصد، والسابق. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبي: جمعهم في الدخول؛ لأنه ميراث، والعاق، والبار في الميراث سواء؛ إذا كانوا معترفين بالنسب، فالعاصي، والمطيع مقرّون بالرب. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وقرئ: «(جنات)» بالنصب، وقرئ: «(جنة)» بالإفراد، ولم يقرأ في سورة (الرعد) رقم [٢٣] وفي سورة (النحل) رقم [٣١] إلا بالرفع، والجمع. ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ أي: في تلك الجنات. ﴿مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً:﴾ قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى-: على كل واحد منهم ثلاثة أسورة: واحد من ذهب، وواحد من ورق، وواحد من لؤلؤ، وقد نص القرآن هنا على الذهب، واللؤلؤ، ومثل هذه الآية الآية رقم [٢٣] من سورة (الحج). ونص على الذهب في سورة (الكهف) رقم [٣١]. ونص على الفضة في قوله تعالى في الآية [٢١] من سورة (الدهر): ﴿وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. وفي الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء». رواه ابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁. هذا؛ ويقرأ بجر (لؤلؤ) ونصبه، ويقرأ بهمز، وبدونه، وبقلب الهمزتين ياء، وغير ذلك. ﴿وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ أي: وجميع ما يلبسونه من فرشهم، ولباسهم، وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. هذا؛ وروى النسائي عن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا؛ لم يلبسه في الآخرة. ومن شرب الخمر في الدّنيا؛ لم يشربه في الآخرة. ومن شرب في آنية الذهب، والفضة في الدنيا؛ لم يشرب فيها في الآخرة». ثم قال ﷺ : «لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنّة». هذا؛ وذكر الله في سورة (الكهف) وسورة (الإنسان) أن أهل الجنة يلبسون السندس، والإستبرق أيضا. اللهم اجعلنا من أهل جنات عدن بفضلك، وكرمك ومنّك يا أكرم الأكرمين!.

стр. 5065

الإعراب: ﴿جَنّاتُ:﴾ بالرفع يجوز أن يكون خبرا ثانيا للمبتدإ ﴿ذلِكَ،﴾ وأن يكون خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هو جنات، أو مبتدأ، والخبر جملة: ﴿يَدْخُلُونَها﴾. هذا؛ وقال الزمخشري: بدل من ﴿الْفَضْلُ﴾ ورده ابن هشام في المغني مع عزوه خطأ لمكيّ؛ حيث قال: والأولى: أنه مبتدأ. هذا؛ وعلى قراءته بالنصب؛ فهو مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿يَدْخُلُونَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، وانظر: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ﴾ في الآية رقم [٥٣] من سورة (الأحزاب)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿جَنّاتُ﴾ على اعتباره مبتدأ، وصفة له على اعتباره خبرا ثانيا لما قبله، أو خبرا لمبتدإ محذوف، ومفسرة على نصب (جنات) لا محل لها. ﴿يُحَلَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ أَساوِرَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة مفعول به ثان، أي: شيئا كائنا من أساور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار ﴿مِنْ﴾ زائدة في الإيجاب، فيكون أساور مفعولا ثانيا، مجرورا لفظا، منصوب محلا. ﴿مِنْ ذَهَبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَساوِرَ،﴾ وجملة: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها..﴾. إلخ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿جَنّاتُ،﴾ أو في محل صفة لها رفعتها، أو نصبتها، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الضمير المنصوب في ﴿يَدْخُلُونَها﴾ والرابط على الاعتبارين الضمير فقط. ﴿وَلُؤْلُؤاً:﴾ بالنصب معطوف على محل: ﴿مِنْ أَساوِرَ،﴾ أو مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ويؤتون لؤلؤا. هذا؛ وعلى قراءته بالجر فهو معطوف على ﴿ذَهَبٍ﴾ فيكون المراد: أساور من ذهب مرصعة باللؤلؤ. ﴿وَلِباسُهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لباسهم): مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالمصدر، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له؛ لأنه يقال: يلبسون فيها. ﴿حَرِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أي: يقول الذين اصطفاهم الله من عباده بعد دخولهم الجنة: الحمد لله... إلخ. قال ابن عباس-﵄: حزن النار. وقيل: حزن الموت. وقيل: حزن الذنوب، والسيئات، ورد الطاعات، وأنهم لا يدرون ما يصنع بهم. وقيل: حزن زوال النعم، وتقليب القلوب، وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقيل غير ذلك. انتهى. خازن. وقريب منه في الكشاف. روى البغوي بسنده عن ابن عمر-﵄-

стр. 5066

قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم، وهم ينفضون التراب عن رءوسهم، ويقولون: الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن». هذا؛ ويقرأ: (الحزن) بضم الحاء وسكون الزاي. وقراءة حفص بفتحتين. ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠]. ولا تنس: أن التعبير بالماضي بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ إنما هو لتحقق وقوعه. وانظر سورة (سبأ) رقم [١]. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة. ﴿أَذْهَبَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿عَنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَزَنَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّنا:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَغَفُورٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (غفور شكور): خبران ل: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ..﴾. إلخ معطوفة على جملة ﴿يَدْخُلُونَها..﴾. إلخ، وساغ ذلك؛ لأن الفعل بمعنى: «يقولون»، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفندا. ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿الَّذِي أَحَلَّنا:﴾ أنزلنا. ﴿دارَ الْمُقامَةِ:﴾ الجنة التي جعلها الله لعباده المؤمنين مقرا، ومسكنا لا يتحولون عنها. والمقامة والإقامة، والمقام بمعنى واحد. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ من كرمه، وجوده، ومنّه، وإحسانه، لا بالاستحقاق بالأعمال؛ لأن أعمالنا لا تساوي ذلك. وقد قال النبي ﷺ : «لن يدخل أحدا عمله الجنّة». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا... إلخ». أخرجه البخاري بطوله عن أبي هريرة. وهذا الحديث لا يتعارض مع قوله تعالى في الآية رقم [٤٣] من سورة (الأعراف): ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومثلها في (الزخرف) رقم [٧٢] فإن دخول الجنة بفضل الله ورحمته، وانقسام المنازل، والدرجات بالأعمال. ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ أي: لا يصيبنا مشقة، ولا تعب. ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ أي: لا ينالنا فيها إعياء، ولا ضعف من التعب، فالله يبين في هذه الآية: أن الجنة خالية من تعب الأبدان، وكدّ الأذهان، فهم في راحة، واطمئنان، وسرور، لا يكدره هموم، وأحزان، ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ وانظر سورة (الزمر) رقم [٣٥].

стр. 5067

الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون، وفي محله، أوجه: أحدها: الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، أو على أنه خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ أو على أنه بدل من: (غفور) أو على أنه بدل من الضمير في ﴿شَكُورٌ﴾. والثاني: النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أمدح الذي. وأجاز مكي اعتباره نعتا لاسم: ﴿إِنَّ﴾. والثالث: الجر على أنه بدل من الموصول قبله. ﴿أَحَلَّنا:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، و (نا): مفعول به أول. ﴿دارَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿دارَ﴾ مضاف، و ﴿الْمُقامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿أَحَلَّنا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمَسُّنا:﴾ فعل مضارع، و (نا): مفعول به. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نَصَبٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (نا) أو من: ﴿دارَ الْمُقامَةِ،﴾ والأول أقوى، والرابط: الضمير فقط، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها في محل نصب حال. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ:﴾ لما ذكر أهل الجنة، وأحوالهم، ومقالتهم؛ ذكر أهل النار، وأحوالهم، ومقالتهم على سبيل المقابلة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٨] من سورة (سبأ). ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا:﴾ مثل قوله تعالى في سورة (الأعلى): ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي: لا يحكم عليهم بالموت فيها، فيستريحوا من عذاب النار؛ بل هم أحياء مع أن أسباب الموت محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى في الآية رقم [١٧] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾. ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها:﴾ هو مثل قوله تعالى في الآية رقم [٥٦] من سورة (النساء): ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ فهم في عذاب مستمر، لا ينقطع، قال تعالى في الآية رقم [٩٧] من سورة (الإسراء): ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: مثل ذلك العذاب الشديد الفظيع نجازي، ونعاقب كل مبالغ في الكفر، والإفساد، والعصيان، والعناد. هذا؛ ويقرأ: «(يجزى)»، ويقرأ: «(يجازى)» ورفع (كلّ) كما يقرأ (فيموتون) بالعطف على ﴿لا يُقْضى﴾ مثل قوله تعالى في الآية رقم [٣٦] من سورة المرسلات: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لَهُمْ:﴾

стр. 5068

جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿نارُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، أو: والعجمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ..﴾. إلخ، وما بينهما كلام متعلق بالذين يتلون كتاب الله على مثال ما رأيت. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُقْضى:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وأجيز اعتبارها خبرا ثانيا للمبتدإ. ﴿فَيَمُوتُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لم يكن، أو: لم يوجد قضاء عليهم، فموت لهم. هذا؛ وعلى قراءة: «(فيموتون)» فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ فتكون في محل نصب حال مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ مضارع مبني للمجهول. ﴿عَنْهُمْ:﴾ في محل رفع نائب فاعل، وعليه ف: ﴿مِنْ عَذابِها﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب مفعول به، كما يجوز اعتبار: ﴿مِنْ عَذابِها﴾ في محل رفع نائب فاعل، واعتبار: ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلقين بمحذوف مفعول به، وإن اعتبرت: ﴿مِنْ﴾ صلة؛ فيتعين اعتبار: ﴿عَذابِها﴾ نائب فاعل مجرور لفظا مرفوع محلا، وجملة: ﴿وَلا يُخَفَّفُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نجزي كل كفور جزاء مثل ذلك الجزاء الذي جزيناه الذين كفروا. ﴿نَجْزِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وعلى القراءتين الأخريين فالفعل مبني للمجهول، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و ﴿كُلَّ﴾ نائب فاعله، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿كَفُورٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معترضة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ أي: يستغيثون في النار بالصوت العالي. والصارخ: المستغيث، والمصرخ: المغيث. قال سلامة بن جندل: [البسيط] كنّا إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصّراخ له قرع الظّنابيب

стр. 5069

الظنابيب: جمع ظنبوب، وهو مسمار يكون في جبة السنان. وقرع ظنابيب الأمر: ذلّله. انتهى. قاموس. ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ أي: يقولون: ربنا أخرجنا من جهنم، وردّنا إلى الدنيا. ﴿نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ:﴾ يسألون الله الرجعة إلى الدنيا؛ ليعملوا غير عملهم الأول. وقد علم الله-﵎-أنه لو ردهم إلى الدنيا؛ لعادوا أخبث مما كانوا، تحقيقا، وتصديقا لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الأنعام). وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا حينما يشاهدون العذاب كثير في آيات القرآن، ولذا رد عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ المعنى، لقد: عشتم في الدنيا أعمارا، لو كنتم ممن ينتفع بالحق؛ لانتفعتم به في مدة عمركم؟. وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هنا: قيل: هو عشرون سنة. وقيل: أربعون، وهو سن كمال القوى، والعقل، ومن لم يكمل في الأربعين؛ لم يكمل بعدها. فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من بلغ من العمر أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه فليتجهّز إلى النّار». ورحم الله من يقول: [الطويل] إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكن... له دون ما يأتي حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الّذي ارتأى... وإن مدّ أسباب الحياة له الدّهر وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الطويل] وإنّ سفاه الشيخ لا حلم بعده... وإنّ الفتى بعد السفاهة يحلم وقيل: المراد: ستون سنة. وهو مروي عن مجاهد، عن ابن عباس-﵄. وهي الرواية الصحيحة عنه وفي الأصح في نفس الأمر؛ لما ثبت في ذلك من الحديث عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتّى بلغ ستين، أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه، لقد أعذر الله إليه». أخرجه الإمام أحمد. ومعنى أعذر إليه: أي لم يبق له عذر، ومنه قولهم: أعذر من أنذر. والمعنى، -والله أعلم-: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر؛ لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع، وترقب المنية، ولقاء الله تعالى. ففيه إعذار بعد إعذار. والستون هي منتهى الكمال، ثم يأخذ ابن آدم في النقص، والهرم، كما قال الشاعر: [الوافر] إذا بلغ الفتى ستين عاما... فقد ذهب المسرّة والفتاء ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، والتعلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث عن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعمال أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك». أخرجه الترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

стр. 5070

﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ:﴾ روي عن ابن عباس، وعكرمة، وقتادة: أنهم قالوا: يعني: الشيب. وقال البوصيري: [البسيط] فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم وقال آخر: [الوافر] رأيت الشيب من نذر المنايا... لصاحبه وحسبك من نذير وقال آخر: [الوافر] فقلت لها: المشيب نذير عمري... ولست مسوّدا وجه النّذير وقال السدي، وعبد الرحمن بن زيد: يعني به: رسول الله ﷺ ، وقرأ ابن زيد: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (النجم). ﴿فَذُوقُوا﴾ أي: ذوقوا عذاب النار، جزاء على مخالفتكم للأنبياء في حياتكم الدنيا. وانظر الاستعارة في الآية رقم [١٤] من سورة (السجدة). ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ أي: ما لهم من مانع، ولا مدافع يمنعهم، ويدفع عنهم عذاب الجحيم. الإعراب: ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَصْطَرِخُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية: (الذين...) إلخ، أو هي مستأنفة. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَخْرِجْنا:﴾ فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل تقديره: «أنت»، و (نا): مفعول به. ﴿نَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف. ﴿صالِحاً غَيْرَ:﴾ يجوز أن يكونا نعتي مفعول مطلق محذوف، التقدير: نعمل عملا صالحا غير، وأن يكونا نعتي مفعول به محذوف، التقدير: نعمل شيئا صالحا غير، وأن يكون ﴿صالِحاً﴾ نعتا لمصدر محذوف، و ﴿غَيْرَ﴾ هو المفعول به. انتهى. جمل نقلا عن السمين. و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه، وجملة: ﴿نَعْمَلْ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿كُنّا نَعْمَلُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي كنا نعمله، والكلام ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، إن شئت قدرته فعلا مفسرا ل: ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ أي يقولون في صراخهم: ربنا... إلخ. وإن شئت قدرته حالا من فاعل يصطرخون، التقدير: قائلين ربنا... إلخ.

стр. 5071

﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: عاطفة على مقدر، التقدير: ألم نمهلكم، ونؤخركم عمرا يتذكر فيه من تذكر. ﴿نُعَمِّرْكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة، التي رأيت تقديرها. ﴿ما:﴾ نكرة موصوفة بمعنى: وقتا، فهي ظرف متعلق بما قبله، أو بمعنى: تعميرا، فتكون في محل نصب مفعول مطلق. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿ما﴾. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والكلام: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، التقدير: فيقال لهم: أولم نعمركم... إلخ، والجملة المقدرة هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجاءَكُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (جاءكم): ماض، والكاف مفعول به. ﴿النَّذِيرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من الكاف، والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة، وجملة: ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ في محل نصب صفة (ما)، والرابط الضمير المجرور محلا ب (في). ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ذوقوا): أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، ومفعوله محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا في الدنيا؛ فذوقوا. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف تعليل. (ما): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَصِيرٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها، والكلام: ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ من جملة مقول القول المحذوف. ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يعلم ما غاب فيهما عن أعين الناس. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم ما تكنه الصدور من الأسرار. وإذا علم ما في الصدور-وهو أخفى ما يكون-فقد علم كل غيب في العالم. وانظر شرح: (ذات) في الآية رقم [٧] من سورة (الزمر). الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عالِمُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿غَيْبِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿غَيْبِ﴾ مضاف، و: ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ،﴾ و (ذات) مضاف،

стр. 5072

و: ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، ومؤكدة لها. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ:﴾ الخطاب لأهل مكة، ويعم كل عاقل إلى يوم القيامة. ﴿خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ:﴾ يخلف بعضكم بعضا. أو: خلفاء الله في أرضه، تتصرفون فيها. أو: خلفاء الله في الأرض في تنفيذ أحكامه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. أو المعنى: جعلكم سكانا في الأرض من بعد القرون المهلكة. هذا؛ و ﴿خَلائِفَ﴾ جمع: خليفة، مثل: كرائم جمع: كريمة، وصحائف جمع: صحيفة. هذا؛ وكل من جاء بعد من مضى؛ فهو خليفة. وفي المصباح: والخليفة: أصله خليف بغير «ها»؛ لأنه بمعنى الفاعل، دخلته الهاء للمبالغة، كعلاّمة، ونسّابة، ويكون وصفا للرجل خاصة. ويقال: خليفة آخر (بالتذكير). ومنهم من يقول: خليفة أخرى (بالتأنيث). ويجمع باعتبار أصله على: خلفاء، مثل: شريف، وشرفاء. وباعتبار اللفظ على: خلائف. هذا؛ والخلف: هو التالي للمتقدم، ولذلك قيل لأبي بكر ﵁: يا خليفة الله! فقال: لست بخليفة الله، ولكني خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا راض بذلك. ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: جحد النعمة، وغمطها. ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: عليه وبال كفره، وهو العقاب الشديد، والعذاب الأليم. ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً﴾ أي: لا يزيدهم كفرهم إلا طردا من رحمة الله، وبعدا، وبغضا شديدا من الله. ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً﴾ أي: ولا يزيدهم كفرهم إلا هلاكا، وضلالا، وخسران العمر؛ الذي ما بعده شر، وخسار. قال أبو حيان: وفي الآية تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدلا ممن كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال من تقدمهم من المكذبين للرسل، وما حل بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر، ولا اتعظوا بمن تقدم. والمقت: أشد الاحتقار، والبغض. والخسار: خسار العمر، كأن العمر رأس مال الإنسان، فإذا انقضى في غير طاعة الله؛ فقد خسره، واستعاض به بدل الربح سخط الله، وغضبه، بحيث صار إلى النار المؤبدة. انتهى. مختصر ابن كثير. الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿جَعَلَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول. ﴿خَلائِفَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَلائِفَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (من): اسم شرط

стр. 5073

مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. وفاعله يعود إلى: (من) تقديره: هو، والمتعلق محذوف. ﴿فَعَلَيْهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُفْرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [١٠]. هذا؛ وإن اعتبرت (من) موصولة؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: (عليه كفره) في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في خبرها؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وعلى الاعتبارين؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَزِيدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كُفْرُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل ﴿يَزِيدُ،﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَقْتاً:﴾ مفعول به ثان، وقيل: تمييز. وليس بشيء. وجملة: ﴿وَلا يَزِيدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، والجملة الفعلية بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وإعرابها واضح، وكررت للتوكيد، ولزيادة التقرير على رسوخ الكفر في نفوسهم، واقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين، وهما: المقت، والخسار. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً (٤٠)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ أخبروني. ﴿شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: تعبدون من دون الله. هذا؛ وأطلق على الأصنام التي كانوا يعبدونها اسم الشركاء لأحد أمرين: أحدهما: أن المشركين يشركونها مع الله في العبادة، والتعظيم، والتقديس. وثانيهما: أنهم كانوا يشركونها في الأموال، والأنعام، والزروع، والثمار، وقد تكفلت سورة (الأنعام) ببيان ذلك. ومعنى ما تقدم: قل يا محمد توبيخا، وتأنيبا لهؤلاء المشركين: أخبروني عن حال الأوثان التي عبدتموها من دون الله، وأشركتموها معه في العبادة، والتعظيم، والتقديس: بأي شيء استحقت ذلك؟! ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أروني أي شيء خلقته هذه الأصنام في هذه الدنيا من المخلوقات؛ حتى استحقت العبادة مع الله؟! ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ﴾ أي: أم شاركوا الله في

стр. 5074

خلق السموات، فاستحقوا بذلك الشركة معه في الألوهية؟! ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً﴾ أي: أنزلنا عليهم كتابا من السماء ينطق على أنا اتخذناهم شركاء. ﴿فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ:﴾ على بصيرة، وحجة، وبرهان في عبادة هذه الحجارة، والأوثان. ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ..﴾. إلخ: أي ليس لهم حجة على ما هم عليه من الضلال، وإنما عبدوا هذه الحجارة، والأوثان بسبب تغرير الأسلاف للأخلاف، وإضلال الرؤساء للأتباع بأنهم يشفعون لهم عند الله بالتقرب إليه، وهو صريح قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾. هذا؛ وإنما جمعت المعبودات الباطلة بواو الجماعة، التي هي لجماعة المذكرين العاقلين، مع أنها جمادات لا تعقل؛ لأن الكفار يعاملونها معاملة من يعقل، من سؤالهم لها حوائجهم، وتذللهم لها. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل؛ إذا نزلوه منزلته؟ وإن كان خارجا عن الأصل، وهو كثير ومستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَرَأَيْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿شُرَكاءَكُمُ:﴾ مفعول به أول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب صفة لما قبله. ﴿تَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول. و: ﴿دُونِ﴾ مضاف، و: ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَرُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية بدل من جملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ؛﴾ لأنها بمعنى: أخبروني، كما رأيت. ﴿ماذا:﴾ (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي خلقوه. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا، فهو مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط محذوف، مثل ما تقدم، كما يجوز اعتباره في محل نصب مفعول به مقدم، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة: ﴿ماذا خَلَقُوا﴾ في محل نصب مفعول به ثان ل: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من مفعول ﴿خَلَقُوا﴾ على جميع الاعتبارات، و: ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيه، وجملة: ﴿أَرَأَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف، معناه الإضراب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿شِرْكٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فهي في محل نصب مثلها. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿آتَيْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول.

стр. 5075

﴿كِتاباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا. وهذا على اعتبار ﴿أَمْ﴾ متصلة، وإن كانت منقطعة بمعنى: «بل»؛ فالجملة بعدها مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿عَلى بَيِّنَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿بَيِّنَةٍ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب أيضا. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب تستأنف بعده الجمل. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿يَعِدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ بدل من ﴿الظّالِمُونَ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضاً:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿غُرُوراً:﴾ مفعول به ثان، أو هو صفة مفعول مطلق محذوف، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ يَعِدُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا:﴾ لما بين الله تعالى أن آلهة المشركين لا تقدر على خلق شيء من السموات، والأرض؛ بين: أن خالقهما، وممسكهما هو الله وحده، فلا يوجد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى إلا ببقائه. وانظر الآية رقم [٦٥] من سورة (الحج). ﴿وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: ولو زالتا؛ ما أمسكهما أحد غير الله تعالى. هذا؛ وانظر إعادة الضمير مثنى على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً:﴾ حيث لم يعاجل المشركين؛ الذين ينسبون إليه الصاحبة، والولد بالعقاب الأليم، والأخذ الشديد. قال الكلبي: لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله؛ كادت السموات، والأرض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية، وهي كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا﴾ في سورة (مريم). وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط، ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، وفي رواية: (النار) لو كشفه؛ لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ﴾ اسمها. ﴿يُمْسِكُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول

стр. 5076

به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَزُولا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، و ﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة مصدر إليه، يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهة زوالهما. وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون؛ فإنهم يعتبرونه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لئلا تزولا. ومثل الآية قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته المشهورة: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا هذا هو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وقيل: المصدر في محل نصب بدل اشتمال من ﴿السَّماواتِ﴾ التقدير: إن الله يمسك زوال السموات، والأرض. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير: والله. (إن): حرف شرط جازم. ﴿زالَتا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي فاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَمْسَكَهُما:﴾ ماض، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأحزاب). ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والكلام: ﴿وَلَئِنْ زالَتا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿حَلِيماً غَفُوراً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ أقسموا: حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي،

стр. 5077

والأمر، وتحذف من المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيته مرارا. هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي؛ فإنه بمعنى جزأ، أو فرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، تسقط في درج الكلام. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، والجهد: بفتح الجيم المشقة، وبضمها القدرة، والطاقة، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ الآية رقم [٧٩] من سورة (التوبة). ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ:﴾ قال النسفي وغيره: بلغ قريشا قبل مبعث النبي ﷺ : أن أهل الكتاب: اليهود، والنصارى كذبوا رسلهم، وعذبوهم؛ بل وقتلوا بعضهم، فقالوا: لعن الله اليهود، والنصارى أتتهم الرسل، فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى منهم، ولنتبعنه، ولنكونن معه! وقولهم هذا مثل قوله تعالى عنهم في سورة (الصافات): ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ هو سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ جاءهم بالهدى، ودين الحق. ﴿ما زادَهُمْ:﴾ مجيئه. ﴿إِلاّ نُفُوراً:﴾ إلا تباعدا عن الهدى، والحق، وهربا منه. هذا؛ وقد قال الله تعالى عن كفار مكة في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾. الإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أقسموا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا) وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و: ﴿جَهْدَ﴾ مضاف، و: ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَكُونُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يكونن): فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع اسمه. ﴿أَهْدى:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره: «هو». ﴿مِنْ إِحْدَى:﴾ متعلقان ب: ﴿أَهْدى،﴾ و: ﴿إِحْدَى﴾ مضاف، و: ﴿الْأُمَمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيَكُونُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على نحو ما رأيت في الآية السابقة. هذا؛ والقسم المحذوف وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف، كل ذلك جواب لقوله: ﴿(أَقْسَمُوا بِاللهِ)﴾. وهذا القسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.

стр. 5078

﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٤] من سورة (سبأ). ﴿جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿نَذِيرٌ﴾ تقديره: «هو»، وإسناد الزيادة إليه مجاز؛ لأنه سبب في ذلك، وإذا قلنا: الفاعل محذوف، يدل عليه المقام، التقدير: ما زادهم مجيئه، فهو كلام لا غبار عليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُفُوراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، وفيه دليل على أن (لمّا) حرف، لا ظرف؛ لأنه لا يعمل ما بعد «ما» النافية فيما قبلها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣)﴾ الشرح: ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان، ونفروا من النبي ﷺ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وبسبب عتوهم، وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السّيّئ بالرسول ﷺ وبالمؤمنين؛ ليفتنوا ضعفاء الإيمان عن دين الله، والمكر: الاحتيال، والخديعة. ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: ومكروا مكر العمل السّيّئ، أي القبيح، وانظر الآية رقم [١٠] ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا ينزل، ولا يحيط وبال المكر السّيّئ إلا بمن مكره، ودبّره، وعن ابن عباس-﵄: أن كعب الأحبار قال له: إني أجد في التوراة: «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها». فقال ابن عباس-﵄: فإني أوجدك في القرآن ذلك! قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا وقع فيه منكبّا». وقال أبو بكر الصديق-﵁: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، فالله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. والبغي، فالله يقول: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. والنكث، فالله يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾. وقال النبي ﷺ : «لا تمكر، ولا تعن ماكرا. ولا تبغ، ولا تعن باغيا. ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال الشاعر الحكيم: [السريع& يا أيها الظالم في فعليه... والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتّى متى... تحصى المصائب وتنسى النّعم وفي الحديث الشريف: «المكر، والخديعة في النار». أي: تدخل أصحابها في النار يوم القيامة؛ لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال النبي ﷺ في

стр. 5079

سياق هذا الحديث: «وليس من أخلاق المؤمن المكر، والخديعة، والخيانة». وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة. ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا سنة الله، وعادته في الأمم المتقدمة؟ وهي إهلاكهم، وتعذيبهم بسبب تكذيبهم للرسل. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ أي: فلن تتغير، ولن تتبدل سنته في خلقه، ولا يستطيع أحد أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره، وقال تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب): ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٧٧] من سورة (الإسراء): ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾. فأنت ترى: أن الله تعالى أضاف السنة تارة إلى نفسه، وتارة أضافها إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين، وهو كالأجل تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم، قال الله تعالى في الآية رقم [٥] من سورة (العنكبوت): ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ،﴾ وقال في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأعراف)، وغيرها: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾. الإعراب: ﴿اِسْتِكْباراً:﴾ يجوز فيه أن يكون مفعولا لأجله، وأن يكون بدلا من: ﴿نُفُوراً،﴾ وأن يكون حالا، أي: حال كونهم مستكبرين. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَكْرَ:﴾ معطوف على ما قبله، أو هو معطوف على ﴿نُفُوراً﴾ أجازهما السمين، والزمخشري. و (مكر): مضاف، و ﴿السَّيِّئِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته؛ إذ الأصل: والمكر السيئ. ﴿وَلا:﴾ والواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَحِيقُ:﴾ مضارع. ﴿الْمَكْرُ:﴾ فاعله. ﴿السَّيِّئِ:﴾ صفة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف؛ إذ لا وجه له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ. والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله هنا بخلاف قوله: ﴿لِسُنَّتِ اللهِ﴾ فإن الإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله، وعليه: فهي تضاف أحيانا للفاعل، وأحيانا للمفعول. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِسُنَّتِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، أو هما في محل نصب حال منه، كان صفة له... إلخ، أو هما مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿تَبْدِيلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.

стр. 5080

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤)﴾ الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً:﴾ هذا استشهاد على ما قبله من جريان سنته تعالى على تكذيب المكذبين بما يشاهدونه في سيرهم إلى الشام، واليمن، والعراق من آثار ديارهم الماضية، وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليسبقه، ويفوته، وإذا أراد إنزال عذاب بقوم؛ لم يعجزه ذلك. ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيماً:﴾ بكل شيء. ﴿قَدِيراً:﴾ قادر على كل شيء. الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، التقدير: أقعدوا في مساكنهم، ولم يسيروا... إلخ. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، ومنصوب على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا؛ فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير: فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم كان، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة، -والمعنى: لا يأباه-فيكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل (كان)، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال. (كانوا) فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر كان. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدَّ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الموصول، والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة. هذا؛ ولم تربط بالواو في الآية رقم [٩] من سورة (الروم).
следующие страницы →