Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم.
﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَزُولا:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿إِنَّ،﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، و ﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بإضافة مصدر إليه، يقع مفعولا لأجله، التقدير: كراهة زوالهما. وهذا عند البصريين، وأما الكوفيون؛ فإنهم يعتبرونه في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:
لئلا تزولا. ومثل الآية قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته المشهورة: [الوافر] نزلتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا
هذا هو الشاهد رقم [٤٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وقيل: المصدر في محل نصب بدل اشتمال من ﴿السَّماواتِ﴾ التقدير: إن الله يمسك زوال السموات، والأرض. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، التقدير: والله. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿زالَتا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي فاعله، والمتعلق محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَمْسَكَهُما:﴾ ماض، والهاء مفعول به، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَحَدٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، انظر الآية رقم [٦٠] من سورة (الأحزاب). ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿أَحَدٍ،﴾ والكلام: ﴿وَلَئِنْ زالَتا..﴾. إلخ مستأنف لا محل له.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى (الله) تقديره: «هو». ﴿حَلِيماً غَفُوراً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ كانَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً (٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ:﴾ أقسموا: حلفوا، وسمي الحلف قسما؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق، ومكذب، وهو رباعي كما ترى، فهمزته تثبت في الماضي،
стр. 5077
والأمر، وتحذف من المضارع مع ضم حرف المضارعة، كما رأيته مرارا. هذا؛ وأما «قسم» الثلاثي؛ فإنه بمعنى جزأ، أو فرق، فمضارعه بفتح حرف المضارعة، وهمزته في الأمر همزة وصل، تسقط في درج الكلام. ﴿جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها، والجهد: بفتح الجيم المشقة، وبضمها القدرة، والطاقة، وبهما قرئ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ الآية رقم [٧٩] من سورة (التوبة).
﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ:﴾ قال النسفي وغيره: بلغ قريشا قبل مبعث النبي ﷺ : أن أهل الكتاب: اليهود، والنصارى كذبوا رسلهم، وعذبوهم؛ بل وقتلوا بعضهم، فقالوا: لعن الله اليهود، والنصارى أتتهم الرسل، فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى منهم، ولنتبعنه، ولنكونن معه! وقولهم هذا مثل قوله تعالى عنهم في سورة (الصافات): ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ هو سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ جاءهم بالهدى، ودين الحق. ﴿ما زادَهُمْ:﴾ مجيئه. ﴿إِلاّ نُفُوراً:﴾ إلا تباعدا عن الهدى، والحق، وهربا منه. هذا؛ وقد قال الله تعالى عن كفار مكة في الآية رقم [١٠٩] من سورة (الأنعام): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾.
الإعراب: ﴿وَأَقْسَمُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أقسموا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق.
﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿جَهْدَ:﴾ مفعول مطلق عامله: (أقسموا) وهو من معناه، أو هو حال من واو الجماعة بمعنى: جاهدين، و: ﴿جَهْدَ﴾ مضاف، و: ﴿أَيْمانِهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والهاء مفعول به. ﴿نَذِيرٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَيَكُونُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (يكونن): فعل مضارع ناقص مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع اسمه. ﴿أَهْدى:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، وفاعله مستتر فيه وجوبا، تقديره:
«هو». ﴿مِنْ إِحْدَى:﴾ متعلقان ب: ﴿أَهْدى،﴾ و: ﴿إِحْدَى﴾ مضاف، و: ﴿الْأُمَمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَيَكُونُنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، المدلول عليه باللام، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، على نحو ما رأيت في الآية السابقة. هذا؛ والقسم المحذوف وجوابه المذكور، والشرط المذكور، وجوابه المحذوف، كل ذلك جواب لقوله:
﴿(أَقْسَمُوا بِاللهِ)﴾. وهذا القسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له.
стр. 5078
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [١٤] من سورة (سبأ). ﴿جاءَهُمْ نَذِيرٌ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿فَلَمّا:﴾ نافية. ﴿زادَهُمْ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول، والفاعل يعود إلى ﴿نَذِيرٌ﴾ تقديره: «هو»، وإسناد الزيادة إليه مجاز؛ لأنه سبب في ذلك، وإذا قلنا: الفاعل محذوف، يدل عليه المقام، التقدير: ما زادهم مجيئه، فهو كلام لا غبار عليه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿نُفُوراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب: (لما)، لا محل لها، وفيه دليل على أن (لمّا) حرف، لا ظرف؛ لأنه لا يعمل ما بعد «ما» النافية فيما قبلها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣)﴾
الشرح: ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان، ونفروا من النبي ﷺ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وبسبب عتوهم، وطغيانهم في الأرض، ومن أجل المكر السّيّئ بالرسول ﷺ وبالمؤمنين؛ ليفتنوا ضعفاء الإيمان عن دين الله، والمكر: الاحتيال، والخديعة.
﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أي: ومكروا مكر العمل السّيّئ، أي القبيح، وانظر الآية رقم [١٠]
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا ينزل، ولا يحيط وبال المكر السّيّئ إلا بمن مكره، ودبّره، وعن ابن عباس-﵄: أن كعب الأحبار قال له: إني أجد في التوراة: «من حفر لأخيه حفرة وقع فيها». فقال ابن عباس-﵄: فإني أوجدك في القرآن ذلك! قال: وأين؟ قال: فاقرأ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وفي أمثال العرب: «من حفر لأخيه جبّا وقع فيه منكبّا». وقال أبو بكر الصديق-﵁: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، فالله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. والبغي، فالله يقول: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾. والنكث، فالله يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾. وقال النبي ﷺ : «لا تمكر، ولا تعن ماكرا. ولا تبغ، ولا تعن باغيا. ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال الشاعر الحكيم: [السريع&
يا أيها الظالم في فعليه... والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتّى متى... تحصى المصائب وتنسى النّعم
وفي الحديث الشريف: «المكر، والخديعة في النار». أي: تدخل أصحابها في النار يوم القيامة؛ لأنها من أخلاق الكفار، لا من أخلاق المؤمنين الأخيار، ولهذا قال النبي ﷺ في
стр. 5079
سياق هذا الحديث: «وليس من أخلاق المؤمن المكر، والخديعة، والخيانة». وفي هذا أبلغ تحذير عن التخلق بهذه الأخلاق الذميمة، والخروج عن أخلاق الإيمان الكريمة.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون إلا سنة الله، وعادته في الأمم المتقدمة؟ وهي إهلاكهم، وتعذيبهم بسبب تكذيبهم للرسل.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ أي: فلن تتغير، ولن تتبدل سنته في خلقه، ولا يستطيع أحد أن يحوّل العذاب عن نفسه إلى غيره، وقال تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب): ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٧٧] من سورة (الإسراء): ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾. فأنت ترى: أن الله تعالى أضاف السنة تارة إلى نفسه، وتارة أضافها إلى القوم لتعلق الأمر بالجانبين، وهو كالأجل تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى القوم، قال الله تعالى في الآية رقم [٥] من سورة (العنكبوت): ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ،﴾ وقال في الآية رقم [٣٤] من سورة (الأعراف)، وغيرها: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾.
الإعراب: ﴿اِسْتِكْباراً:﴾ يجوز فيه أن يكون مفعولا لأجله، وأن يكون بدلا من: ﴿نُفُوراً،﴾ وأن يكون حالا، أي: حال كونهم مستكبرين. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَكْرَ:﴾ معطوف على ما قبله، أو هو معطوف على ﴿نُفُوراً﴾ أجازهما السمين، والزمخشري. و (مكر): مضاف، و ﴿السَّيِّئِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى صفته؛ إذ الأصل: والمكر السيئ. ﴿وَلا:﴾
والواو: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَحِيقُ:﴾ مضارع. ﴿الْمَكْرُ:﴾ فاعله. ﴿السَّيِّئِ:﴾ صفة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وهو ضعيف؛ إذ لا وجه له.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِأَهْلِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام، معناه النفي. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ.
والإضافة من إضافة المصدر لمفعوله هنا بخلاف قوله: ﴿لِسُنَّتِ اللهِ﴾ فإن الإضافة فيه من إضافة المصدر لفاعله، وعليه: فهي تضاف أحيانا للفاعل، وأحيانا للمفعول. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لن):
حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَجِدَ:﴾ مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت». ﴿لِسُنَّتِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، أو هما في محل نصب حال منه، كان صفة له... إلخ، أو هما مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿تَبْدِيلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
стр. 5080
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً:﴾ هذا استشهاد على ما قبله من جريان سنته تعالى على تكذيب المكذبين بما يشاهدونه في سيرهم إلى الشام، واليمن، والعراق من آثار ديارهم الماضية، وانظر الآية رقم [٩] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ليسبقه، ويفوته، وإذا أراد إنزال عذاب بقوم؛ لم يعجزه ذلك. ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيماً:﴾ بكل شيء. ﴿قَدِيراً:﴾ قادر على كل شيء.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الواو: حرف استئناف. (لم):
حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على جملة مقدرة قبلها يقتضيها المقام، التقدير: أقعدوا في مساكنهم، ولم يسيروا... إلخ. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾
فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، ومنصوب على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا؛ فيؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، فيكون التقدير:
فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم.
﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم كان، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾
متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة، -والمعنى: لا يأباه-فيكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ﴾ والعامل (كان)، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: واو الحال. (كانوا) فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر كان. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدَّ؛﴾ لأنه أفعل تفضيل، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو». ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من الموصول، والرابط: الواو، والضمير، و «قد» قبلها مقدرة. هذا؛ ولم تربط بالواو في الآية رقم [٩] من سورة (الروم).
стр. 5081
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾
اسمها. ﴿لِيُعْجِزَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو صلة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام الجحود، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ التقدير: وما كان الله مريدا لإعجازه عن شيء. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: معطوفة على ما قبلها، والأول أقوى معنى، وأتم سبكا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ﴾ ماض ناقص، واسمها يعود إلى الله. ﴿عَلِيماً قَدِيراً:﴾ خبران ل: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، أو هي تعليل للتقرير المذكور في أول الآية.
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا:﴾ من المعاصي، والسيئات، واقتراف المحرمات، والمنكرات، وفي سورة (النحل) آية رقم [٦١] ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ بدل: ﴿بِما كَسَبُوا﴾.
﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: على ظهر الأرض، والمراد: من دابة كافرة. وقيل:
المعنى: أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء، فلم يبق على وجه الأرض أحد، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٨]: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ..﴾. إلخ وفي الكلام استعارة حيث شبه الأرض بدابة تحمل على ظهرها أنواع المخلوقات، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الظهر بطريق الاستعارة المكنية، ومثله قول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية... إلخ. ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يمهلهم كرما، وفضلا، وحلما. ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى:﴾ هو وقت انتهاء آجالهم. وانقضاء أعمارهم. ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: وقت انتهاء آجالهم. ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ أي: كان، ولم يزل كائنا خبيرا بأعمال عباده، بصيرا بجميع حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه خافية من جميع أحوالهم، بصيرا بمن يستحق العقوبة، والعذاب، ومن يستحق الأجر، والثواب.
هذا؛ وقد قال تعالى هنا: ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ومثله في سورة (النحل) رقم [٦١] وغيرها كثير، وقال تعالى في هذه السورة رقم [١٣]: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وغيرها أيضا كثير، فإن قلت: أهو من
стр. 5082
تعاقب الحرفين؟ قلت: كلا، ولا يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع، ضيق العطن، ولكنّ المعنيين -أعني: الانتهاء، والاختصاص-كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأن قولك: يجري إلى أجل مسمى، معناه: يبلغه، وينتهي إليه. وقولك: يجري لأجل مسمى، تريد: لإدراك أجل مسمى، وتجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمّى، ألا ترى: أن جري الشمس مختص بآخر السنة، وجري القمر مختص بآخر الشهر، فكلا الموضعين غير ناب به موضعه. انتهى. كشاف.
تنبيه: في الآية الكريمة بيان: أن الله لو عاجل المذنبين بالعقاب؛ لأهلكهم، وأهلك الناس معهم. قال عبد الله بن مسعود-﵁ وقرأ هذه الآية-: لو آخذ الله الخلائق بذنوب المذنبين؛ لأصاب العذاب جميع الخلائق؛ حتى الجعلان في جحرها، ولأمسك الأمطار من السماء، والنبات من الأرض، فمات الدواب، ولكن الله يأخذ بالعفو، والفضل، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ الآية رقم [٣٠] من سورة (الشورى)، وأيضا قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾ فإن قيل: كيف يعم بالهلاك الناس جميعا مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم؟ قيل: يجعل هلاك الظالم انتقاما، وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على نيّاتهم». قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٥]: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً،﴾ وقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٦] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ انظر شرح هذه الآية في محالها، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿يُؤاخِذُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
بالذي، أو: بشيء كسبوه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. (ما): نافية. ﴿تَرَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، و (لو) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿عَلى ظَهْرِها:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: (دابة) كان صفة له، فلما قدم عليها؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا قدم عليها؛ صار حالا». ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿دَابَّةٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
стр. 5083
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿يُؤَخِّرُهُمْ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ تقديره: هو، والهاء مفعول به. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿أَجَلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها، وجواب: (إذا) محذوف، التقدير: لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. الدليل عليه التصريح به في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]، وفي سورة (يونس) رقم [٤٩]، وفي سورة (النّحل) رقم [٦١]. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء:
حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، وهو يدل على الاستمرار، واسمه يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بِعِبادِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَصِيراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (فاطر) بحمد الله وتوفيقه، إعرابا وتفسيرا.
والحمد لله رب العالمين
стр. 5084
سورة يس
سورة (يس) مكية بالإجماع إلا أن فرقة قالت: إن قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ نزلت في بني سلمة من الأنصار حين أرادوا أن يتركوا ديارهم، وينتقلوا إلى جوار مسجد الرسول ﷺ على ما يأتي. وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف، فعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكلّ شيء قلبا، وقلب القرآن (يس)، ومن قرأ (يس) كتاب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات». أخرجه الترمذي، وقال:
حديث غريب. وعن معقل بن يسار، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا على موتاكم (يس)». أخرجه أبو داود، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ (يس) في ليلة أصبح مغفورا له، ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدّخان أصبح مغفورا له». أخرجه الحافظ أبو يعلى.
ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة: أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى، وكأن قراءتها عند المحتضر، أو الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، والله تعالى أعلم. قال الإمام أحمد-﵀: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني: (يس) -عند الميت؛ خفف الله عنه بها. وروى البزار عن ابن عباس-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «لوددت أنّها في قلب كلّ إنسان من أمّتي». وعن أنس-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «من دخل المقابر، فقرأ سورة (يس) خفّف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات». وذكر الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» عن عبد الأعلى، قال:
حدثنا محمد بن الصلت، عن عمرو بن ثابت، عن محمد بن مروان، عن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة فليكتب (يس) في جام بزعفران، ثم يشربه. حدثني أبي ﵀، قال:
حدثنا أصرم بن حوشب، عن بقيّة بن الوليد، عن المعتمر بن أشرف، عن محمد بن علي، قال:
قال رسول الله ﷺ : «القرآن أفضل من كلّ شيء دون الله، وفضل القرآن على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه، فمن وقّر القرآن فقد وقر الله، ومن لم يوقّر القرآن لم يوقر الله، وحرمة القرآن عند الله كحرمة الوالد على ولده، القرآن شافع مشفّع، وماحل مصدّق، فمن شفع له القرآن شفع، ومن محل به القرآن صدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وحملة القرآن هم المحفوفون برحمة الله، الملبسون نور الله، المعلّمون كلام الله، من والاهم فقد والى الله، ومن عاداهم فقد عادى الله.
стр. 5085
يقول الله تعالى: يا حملة القرآن استجيبوا لربّكم بتوقير كتابه، يزدكم حبّا، ويحبّبكم إلى عباده، يدفع عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، ويدفع عن تالي القرآن بلوى الآخرة، ومن استمع آية من كتاب الله، كان له أفضل ممّا تحت العرش إلى النّجوم، وإنّ في كتاب الله لسورة، تدعى العزيزة، ويدعى صاحبها الشريف يوم القيامة، تشفع لصاحبها في أكثر من ربيعة ومضر، وهي سورة يس». انتهى. قرطبي، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يس (١)﴾
فيه قراءات كثيرة، كما في لفظ (طه) وقد اختلف في معناه، فقيل: معناه: يا رجل! وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما: أن معناه يا إنسان. وقالوا في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ رقم [١٣٠] من سورة (الصافات) أي: على آل محمد. وقال سعيد بن جبير-رحمه الله تعالى-: هو اسم من أسماء محمد ﷺ ، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال السيد الحميري: [البسيط] يا نفس لا تمحضي بالنصح جاهدة... على المودّة إلاّ آل ياسين
وقال أبو بكر الوراق: معناه: يا سيد البشر. وقيل: إنه اسم من أسماء الله، قاله مالك.
هذا؛ وذكر الماوردي عن علي-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله تعالى أسماني في القرآن سبعة أسماء: محمد وأحمد وطه وياسين والمزمّل والمدّثر وعبد الله». قاله القاضي. وحكى أبو عبد الرحمن السلمي عن جعفر الصادق: أن المعنى: يا سيد! مخاطبا لنبيه ﷺ . انتهى. قرطبي بتصرف كبير.
الإعراب: ﴿يس:﴾ فيه، أوجه: أحدها أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هذه (يس). الثاني: أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اتل (يس). الثالث: أنه مقسم به، وحرف القسم محذوف، التقدير: أقسم ب: (يس).
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ:﴾ قسم أقسم الله بالقرآن: أن محمدا ﷺ مرسل من عنده، وهو رد على كفار قريش؛ حيث قالوا: لست مرسلا. ومعنى الحكيم: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، كما قال تعالى في أول سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة،
стр. 5086
وألف سلام. ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ..﴾. إلخ رقم [١] ويقال فيه: ذو الحكمة، يقال: قصيدة حكيمة، أي ذات حكمة، وانظر الكلام على ﴿الْحِكْمَةَ﴾ في سورة (لقمان) رقم [١٢]. وحكم الرجل يحكم؛ أي: صار حكيما، ومنه قول النابغة الذبياني يخاطب النعمان بن المنذر في معلقته رقم [٢٧]: [البسيط] واحكم كحكم فتاة الحيّ إذ نظرت... إلى حمام شراع وارد الثّمد
وأحكمته التجارب: جعلته حكيما. قال الشاعر: [الكامل] وقصيدة تأتي الملوك حكيمة... قد قلتها ليقال من ذا قالها؟
والخطاب بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ للنبي ﷺ . ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على منهج قويم، وشرع مستقيم، كقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ﴾ أي: الطريق الذي أمر الله بالسير عليه، ولا تنس ما في الآية الكريمة من التأكيد بأكثر من مؤكد؛ لأن المرسل إليهم منكرون، فقد أكد ب: «إن» واللام، ويسمى هذا النوع في علم المعاني: إنكارا.
قال الزمخشري: فإن قلت: أي حاجة إليه، وقد علم: أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟! قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه، ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ،﴾ الثابتين على طريق ثابت. هذا؛ والصراط: الطريق، وهو مستعار هنا للدين القويم كما في سورة الفاتحة، وسمي الدين طريقا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة، فهو طريق إليها، وهو يقرأ بالصاد، والسين، والزاي، ويذكر، ويؤنث، والأول أكثر.
هذا؛ وأصل مستقيم (مستقوم)؛ لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب سكونها، ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: مستقيم.
الإعراب: ﴿وَالْقُرْآنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالقرآن.
﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفة له. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المرسلين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (إنّ). ﴿عَلى صِراطٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان ب: ﴿الْمُرْسَلِينَ،﴾ ويجوز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة (صراط). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾.
إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب.
стр. 5087
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦)﴾
الشرح: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي: أعني: هذا القرآن تنزيل العزيز الرحيم، أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: نزل تنزيل، ويقرأ بالرفع، فيكون المعنى: القرآن الكريم الموجود بين أيدينا، المتلو بألسنتنا، المحفوظ في صدورنا تنزيل العزيز الرحيم، كما يقرأ بالجر على البدلية من القرآن. ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ المراد: كفار قريش، وغيرهم، والمراد بآبائهم: الأقربون لا الأبعدون، فإنهم قد أنذروا، فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل ﵇، وآباء غيرهم الأقدمون قد أنذروا بعيسى، ومن قبله. هذا؛ وفي: ﴿قَوْماً﴾ اختلف المفسرون، فأكثرهم ومنهم قتادة يقولون: إنها نافية. وعليه فالمعنى: لم يأت آباءهم نذير. وقال ابن عباس، وعكرمة، وقتادة أيضا: هي بمعنى: «الذي» وعليه فالمعنى: لتنذرهم مثل ما أنذر آباؤهم. وقيل: إن ﴿قَوْماً﴾ مصدرية، والمعنى: لتنذر قوما إنذار آباءهم، ثم يجوز أن تكون العرب قد بلغتهم بالتواتر أخبار الأنبياء.
فالمعنى يكون: لم ينذروا برسول من أنفسهم، ويجوز أن يكون بلغهم الخبر، ولكن غفلوا، وأعرضوا، ونسوا. ويجوز أن يكون هذا خطابا لقوم لم يبلغهم خبر نبي، وقد قال تعالى في الآية رقم [٤٤] من سورة (سبأ): ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٣] من سورة (السجدة): ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: لم يأتهم نذير. وعلى قول من قال: بلغهم خبر الأنبياء، فالمعنى فهم معرضون الآن متغافلون عن ذلك. ويقال للمعرض عن الشيء: إنه متغافل عنه. وقيل المعنى: فهم غافلون عن عقاب الله، وانتقامه. انتهى. قرطبي بتصرف. والزمخشري بمعناه.
الإعراب: ﴿لِتُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت»، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالمصدر: ﴿تَنْزِيلَ،﴾ أو بمعنى (من المرسلين)، أي: أنت مرسل للإنذار. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿قَوْماً:﴾ نافية. ﴿أُنْذِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول.
﴿آباؤُهُمْ:﴾ نائب فاعله، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قَوْماً،﴾ وعلى اعتبار ﴿قَوْماً﴾ موصولة، أو نكرة موصوفة، وهو أجود، فالجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، وتكون ﴿قَوْماً﴾ بدلا من: ﴿قَوْماً،﴾ ولا يصح أن تكون صفة له؛ لأنه نكرة، وهي معرفة، وعلى اعتبار ﴿قَوْماً﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول مطلق، التقدير: لتنذر قوما إنذارا مثل إنذار آبائهم. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿غافِلُونَ:﴾ خبره مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ على اعتبار (ما) نافية، وعلى الاعتبارين الآخرين فالجملة الاسمية معطوفة على الجملة: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقيل: هي تعليلية،
стр. 5088
ولا وجه له. هذا؛ وأورد أبو البقاء وجها رابعا، وهو أن تكون زائدة، وتكون جملة: ﴿أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ صفة: ﴿قَوْماً،﴾ والرابط: الضمير.
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾
الشرح: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ:﴾ لقد وجب العذاب على أكثرهم، واستحقوه، وهو فحوى قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (السجدة): ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ وهذا فيمن سبق في علم الله: أنه يموت على كفره، وذكر الله سبحانه الأكثر؛ لأن بعضهم أدركته العناية الإلهية، وسبق في علم الله الأزلي:
أنه يموت على الإسلام فأسلم، وهؤلاء الذين سبق في علم الله: أنهم يموتون على الكفر قد أخرج الله من أصلابهم من حمل لواء الإسلام في ربوع الدنيا. والتاريخ الإسلامي وسيرة السلف الصالح شاهد عدل على ما أقول.
الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: لام الابتداء، أو هي واقعة في جواب قسم مقدر. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿حَقَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلى أَكْثَرِهِمْ:﴾
متعلقان بالفعل ﴿حَقَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لَقَدْ حَقَّ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.
﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة قبلها، لا محل لها مثلها. وإن اعتبرتها تعليلية؛ فلست مفندا.
﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾
الشرح: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً:﴾ جمع: غل، يقال: في رقبته غل من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله: أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر فيقمل، والغل، والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها بمعنى: الحقد، والبغض.
ورحم الله من يقول: [البسيط] يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق
خلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق
هذا؛ وفي الكلام استعارة تمثيلية، فقد شبه الله تعالى حال الكفار في امتناعهم من الهدى، والإيمان بمن غلت يده إلى عنقه بالسلاسل، والأغلال، فأصبح مرفوعا رأسه، لا يستطيع خفضا له، ولا التفاتا، وبمن سدت الطرق في وجهه، فلم يهتد لمقصوده. وذلك بطريق الاستعارة
стр. 5089
التمثيلية، ولا تنس: أنه اكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين؛ وإن كانتا مرادتين، وهذا جيد؛ لأنه لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين إلى العنق؛ اكتفى بذكر العنق عن اليدين، وهذا يعني: أن الضمير يعود إلى اليدين، وإن لم يتقدم لهما ذكر، ورجح الزمخشري عوده على الأغلال.
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ:﴾ جمع: ذقن، هو من الإنسان مجمع لحييه. واللّحي (بفتح اللام):
منبت اللّحية (بكسر اللام) من الإنسان، وغيره لذا فاللحية: هي الشعر المسترسل من لحي الإنسان. قال هدبة بن خشرم يوصي امرأته حين قتل قودا في ابن عمه زيادة: [الطويل] فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
ضروبا بلحييه على زور صدره... إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا
﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي: رافعوا رءوسهم، لا يستطيعون الإطراق؛ لأن من غلّت يده إلى ذقنه ارتفع رأسه. وهو مأخوذ مما حكاه الأصمعي، قال: يقال أقمحت الدابة: إذا جذبت لجامها لترفع رأسها، وقمح البعير قمحا: إذا رفع رأسه عند الحوض، وامتنع عن الشرب، والجمع:
قماح على غير قياس، قال بشر بن أبي خازم يصف سفينة: [الوافر] ونحن على جوانبها قعود... نغضّ الطرف كالإبل القماح
والإقماح: رفع الرأس، وغض البصر، ولم تذكر هذه المادة في غير هذه السورة. هذا؛ والإقناع المذكور في الآية رقم [٤٣] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بقوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ﴾ معناه: رفع الرأس وشخوص البصر إلى السماء. هذا؛ وفي الآية فن القلب؛ إذ أصل الكلام: جعلنا أعناقهم في الأغلال. وهذا باب مشهور في كلام العرب.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِي أَعْناقِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَغْلالاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». وقيل: الجار والمجرور في محل نصب مفعول: ﴿جَعَلْنا﴾ الثاني تقدم على الأول، وليس بشيء؛ لأن: ﴿جَعَلْنا﴾ بمعنى: وضعنا. ﴿أَغْلالاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ تعليل لعدم إيمانهم، لا محل لها. ﴿فَهِيَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هي): مبتدأ. ﴿إِلَى الْأَذْقانِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنّا جَعَلْنا..﴾. إلخ. لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ معطوفة عليها أيضا، لا محل لها.
стр. 5090
﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا..﴾. إلخ: قال أبو السعود، وغيره: وهذا تتمة للتمثيل، وتكميل له؛ أي: لما في الآية السابقة. انتهى. والمعنى: منعناهم عن الإيمان بموانع، فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان، كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، فيكون في الكلام استعارة كما في الآية السابقة. ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ:﴾ أي: فأغشينا أبصارهم؛ أي: غطيناها، وجعلنا عليها غشاوة. فهي معنوية مستعارة لعدم الاهتداء، ورؤية طريق الحق والصواب. وقرئ:
«(فأغشيناهم)» بالعين من: العشاء في العين، وهو ضعف البصر؛ حتى لا تبصر في الليل، قالت عاتكة عمة النبي ﷺ : [مجزوء الكامل] بعكاظ يعشي النّاظري... ن إذا هم لمحوا شعاعه
﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي: طريق الهدى، والحق؛ وإن كانت لهم عيون، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية رقم [١٨] من سورة (البقرة).
هذا؛ وقيل: نزلت الآيتان في أبي جهل، وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل-لعنه الله- حلف: لئن رأى محمدا يصلي ليرضخنّ رأسه بحجر، فلما رآه؛ ذهب، فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجعت يده إلى عنقه، والتصق الحجر بيده. قاله ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما، فهو على هذا تمثيل، أي هو بمنزلة من غلّت يده إلى عنقه. فلما عاد إلى صاحبيه أخبرهما بما حل به، فقال الرجل الثاني، وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتاه، وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته، ولا يراه، فرجع إلى أصحابه، فلم يرهم حتى نادوه، فقال: والله ما رأيته، ولقد سمعت صوته. فقال الثالث: والله لأشدخنّ أنا رأسه، ثم أخذ الحجر، وانطلق، فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه، فقيل له:
ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل، فلمّا دنوت منه، فإذا فحل من الإبل يخطر بذنبه، ما رأيت قط فحلا أعظم منه، حال بيني وبينه، فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني! فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي ومثله في الكشاف، والخازن.
تنبيه: في ليلة الهجرة المباركة التي تآمرت فيها كفار قريش على قتل النبي ﷺ ، وأحاطوا في بيته وأخذوا يرصدونه وترقبوا خروجه ليضربوه ضربة رجل واحد، أمر ابن عمه عليا أن ينام في فراشه، وأخذ كفا من تراب، فرماهم به، وخرج من بيته، وهو يقرأ يس والقرآن الحكيم... إلخ، إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ،﴾ فأعمى الله أبصارهم، فلم يبصروه حين خرج، وهذا شيء مشهور ومسطور.
стр. 5091
الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿بَيْنِ:﴾ مضاف، و:
﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿سَدًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة:
﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها.
(أغشيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿خَلْفِهِمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. وقيل: تعليلية. ولا وجه له.
﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾
الشرح: (سواء): مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد. وقيل: هو اسم بمعنى: مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع. قالوا: هما، وهم سواء. فإذا أرادوا لفظ المثنى؛ قالوا: سيان. وإن شئت؛ قلت: سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف، ونادر.
وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان ومتساوون. هذا؛ ويأتي بمعنى الوسط، كما في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ رقم [٥٥] من سورة (الصافات)، ويأتي بمعنى: العدل، كما في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ رقم [٥٨] من سورة (الأنفال) وسواء الشيء غيره، قال الأعشى: [الطويل] تجانف عن جوّ اليمامة ناقتي... وما عدلت عن أهلها لسوائكا
وسواء السبيل: ما استقام منه، وسواء الجبل: ذروته. الإنذار: الإعلام، والتخويف من عذاب الله. ﴿لا يُؤْمِنُونَ:﴾ المعنى: الإجمالي للآية الكريمة إنذارك وعدمه لكفار مكة سواء، فهم لا يؤمنون. والحمد لله قد آمن أولادهم، وأحفادهم.
الإعراب: (سواء): خبر مقدم، وفاعله ضمير مستتر فيه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (سواء). ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتسوية. (أنذرتهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية وهمزة التسوية في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف معادل لهمزة التسوية. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية هذه مؤولة أيضا بمصدر معطوف على سابقه، وتقدير الكلام: إنذارك، وعدمه سواء. هذا؛ وجوز اعتبار (سواء) مبتدأ، والمصدر المؤول خبرا عنه. والأول أقوى؛ لأن سواء نكرة لما ترى، ولا مسوغ لوقوعه
стр. 5092
مبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها بالواو العاطفة، فهي في محل رفع أيضا، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿لا يُؤْمِنُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها، ورجحه ابن هشام في المغني.
هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الآية مذكورة بحروفها في الآية رقم [٦] من سورة (البقرة)، فلذا لم يتكلم عنها أحد من المفسرين، وإنما أحالوا على سورة (البقرة)، والله الموفق، والمعين.
﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ . ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينتفع بإنذارك، وتخويفك يا محمد المؤمنون، من اتبع القرآن، وعمل بما فيه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي:
خاف الله بالغيب؛ حيث لا يراه أحد إلا الله ﵎، فهو يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعل. هذا؛ والغيب: ما غاب عن الإنسان، ولم تدركه حواسه، قال الشاعر: [الطويل] وبالغيب آمنّا وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمد
هذا؛ وانظر الخوف في الآية رقم [٢٨] من سورة (فاطر). هذا؛ والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي: خشي، والمضارع: يخشى، والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا. وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. وقد يأتي الفعل: «خشي» بمعنى: علم القلبية، قال الشاعر: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمد
قالوا: معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الخضر: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ:﴾ لذنوبه، وستر لعيوبه.
﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: كثير، واسع، حسن، جميل. كما قال تعالى في سورة الملك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغيّر بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم، يظهر أثرهما على الوجه، وهو الكمودة، التي تعلو الوجه عند حصول الغم، والحزن، فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار، والخبر المحزن، وعليه قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء، كما في قوله تعالى:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. وهو كثير في القرآن الكريم.
стр. 5093
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿تُنْذِرُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنت».
﴿مَنِ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿اِتَّبَعَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ،﴾ وهو العائد، أو الرابط. ﴿الذِّكْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنِ﴾ أو صفتها، وجملة: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾ معطوفة عليها. ﴿بِالْغَيْبِ:﴾
متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو المفعول، والجملة الفعلية: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ..﴾. إلخ تعليل لتسوية الإنذار وعدمه للكافرين. ﴿فَبَشِّرْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا وواقعا ﴿فَبَشِّرْهُ﴾. (بشره): فعل أمر، والفاعل تقديره:
«أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها. ﴿بِمَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿وَأَجْرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة له.
﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾
الشرح: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى:﴾ يوم القيامة للحشر والنشر والحساب والجزاء، أو المراد:
نحيي القلوب الميتة بالإيمان، على حد قوله تعالى في الآية رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام): ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ..﴾. إلخ. ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ أي: من الأعمال، خيرها، وشرها، صالحها، وسيئها، فآثار المرء التي تبقى، وتذكر بعد الإنسان من خير، أو شر يجازى عليها: من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو وقف وقفوه، أو بناء بنوه، من مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة يعبر الناس فوقها، مما تركوه من بعدهم مما تقدم يجري لهم ثوابه وأجره بعد موتهم. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده». أخرجه مسلم، أما السّيّئ الذي يسجل عليه وزره بعد موته: كوظيفة وظفها بعض الفاسدين المفسدين على المسلمين، أو بناء بناه تجري فيه المفاسد، مثل المقاصف، التي تقع المعاصي فيها من قمار، وشرب الخمور، والكازينات المعدة للرقص، والمخزيات، وما يبنى على شواطئ البحار، والأنهار للدعارة، والخلاعة، وكل ما يغضب الواحد القهار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (الأحزاب)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ وقيل: إن المراد ب: (آثارهم) خطاهم إلى المساجد. قال النحاس: وهذا أولى ما قيل فيه؛ لأنه قال: إن الآية نزلت في ذلك؛ لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة عن المسجد. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة الرجل في جماعة تضعّف على
стр. 5094
صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنّه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلّي عليه ما دام في مصلاّه ما لم يحدث... إلخ». رواه البخاري. وعن ابن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة». رواه مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وهذا هو المفتى به، والمشهور عند المسلمين، وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال لهم: «إنّه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد». قالوا: نعم يا رسول الله! قد أردنا ذلك، فقال ﷺ : «يا بني سلمة! دياركم تكتاب آثاركم! دياركم تكتاب آثاركم!». أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد. والمعنى: الزموا دياركم. والفعل المضارع مجزوم بهذا المقدر.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ فأقاموا في مكانهم، وقالوا: ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا. رواه الحافظ البزار. هذا؛ وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: لو كان الله -مغفلا شيئا من شأنك يا بن آدم؛ أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره، وعمله كله؛ حتى أحصى هذا الأثر، فيما هو من طاعة الله تعالى، أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى؛ فليفعل. انتهى. من القرطبي ومختصر ابن كثير وغيرهما. هذا؛ والأثر: الأجل، وخذ ما يلي:
فعن أنس-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أحبّ أن يبسط له في رزقه، وينسّأ له في أثره؛ فليصل رحمه». رواه البخاري، ومسلم. قال في الفتح: وسمي الأجل أثرا؛ لأنه يتبع العمر. قال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] والمرء ما عاش ممدود له أمل... لا ينقضي العمر حتّى ينتهي الأثر
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ أي: حفظنا كل شيء، وعددناه، وأثبتناه في اللوح المحفوظ، فهو مسطور، ومضبوط، لا يطرأ محو، ولا تغيير، ولا تبديل عليه، والإمام: الكتاب الذي يسجل فيه عمل الإنسان، وبه قيل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾. الآية رقم [٧١] من سورة (الإسراء)، أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير، أو شر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ..﴾. إلخ. الآية رقم [٤٩] من سورة (الكهف)، ويقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء).
стр. 5095
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمه. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل لا محل له.، أو هو تأكيد لاسم (إنّ) على المحل، أو هو مبتدأ. ﴿نُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) على الوجهين الأولين في الضمير، وفي محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، فتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. (نكتاب): مضارع، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
نكتاب الذي، أو شيئا قدموه. (آثارهم): معطوف على ﴿ما قَدَّمُوا،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿وَكُلَّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): منصوب على الاشتغال بفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [١٣] من سورة (الإسراء): ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ..﴾. إلخ. ﴿أَحْصَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة لا محل لها؛ لأنها مفسرة لجملة مستأنفة في التقدير. ﴿فِي إِمامٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة ﴿إِمامٍ﴾.
﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً:﴾ الخطاب لسيد الخلق وحبيب الحق ﷺ ، والمضروب لهم كفار مكة. ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ:﴾ المراد به أنطاكية في قول جميع المفسرين، فيما ذكر الماوردي.
﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: الذين أرسلهم عيسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، إلى:
«أنطاكية» بكسر الهمزة وفتحها.
هذا؛ وأصحاب جمع: صاحب، وهو هنا بمعنى: المالك، والصاحب يكون بمعنى الصديق، والزوج، ونحوه. وصاحب رسول الله ﷺ : هو كل من جالسه في حياته، ولو ساعة واحدة بشرط أن يكون مسلما موحدا. ويجمع على أصحاب، وصحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب أيضا، ثم يخفف، فيقال: أصاحب.
أما القرية: فهي اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة، وغيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام). كما تطلق على الضيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من قريت الماء في المكان: جمعته. وفي القاموس المحيط: القرية: بكسر القاف، وفتحها، والنسبة إليها: قرويّ وقرئيّ والفتح أقوى.
стр. 5096
وأما المثل في هذه الآية ونحوها، فهو عبارة عن قول في شيء يشبه قولا في شيء آخر؛ بينهما مشابهة؛ ليتبين أحدهما من الآخر، ويصوره. وقيل: هو تشبيه شيء بشيء آخر. وبالجملة:
هو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه. أي: هو الحالة الأصلية، التي ورد الكلام فيها. وما أكثر الأمثال في اللغة العربية، علما بأن الأمثال لا تغير:
تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا؛ بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله. مثل:
(الصّيف ضيّعت اللّبن). فإنه يضرب لكل من فرط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
الإعراب: ﴿وَاضْرِبْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اضرب): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه، تقديره:
«أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. وقيل: متعلقان بمحذوف حال. ولا وجه له. ﴿مَثَلاً:﴾
مفعول به أول. ﴿أَصْحابَ:﴾ مفعول به ثان، وصحح «الجمل» العكس. و ﴿أَصْحابَ﴾ مضاف، و ﴿الْقَرْيَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب بدل من ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾. ﴿جاءَهَا:﴾ ماض، ومفعوله. ﴿الْمُرْسَلُونَ... :﴾ فاعل مرفوع إلخ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، وجملة: ﴿وَاضْرِبْ..﴾. إلخ معطوفة على ما تضمنته الآيات السابقة من الكلام على كفار قريش، لا محل لها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
تنبيه: قال مكي-رحمه الله تعالى-: أصح ما يعطي القياس، والنظر في ﴿مَثَلاً أَصْحابَ:﴾
أنهما مفعولان ل: (اضرب)، دليله: قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. فلا اختلاف: أن ﴿مَثَلُ﴾ ابتداء، و ﴿كَماءٍ﴾ خبره، فهذا ابتداء، وخبر بلا شك، ثم قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٤٥] من سورة (الكهف)، فدخل (اضرب) على الابتداء، والخبر، فعمل في الابتداء، ونصبه، فلا بد أن يعمل في الخبر أيضا؛ لأن كل فعل دخل على الابتداء، والخبر، فعمل في الابتداء، فلا بد أن يعمل في الخبر؛ إذ هو هو، فقد تعدى (اضرب)؛ الذي هو لتمثيل الأمثال إلى مفعولين بلا اختلاف في هذا، فوجب أن يجري في غير هذا الموضع على ذلك، فيكون قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ،﴾ مفعولين ل: (اضرب)، كما كان في دخوله على الابتداء، والخبر، وقد قيل: إن ﴿أَصْحابَ﴾ بدل من «مثل» وتقديره: واضرب لهم مثلا «مثل» أصحاب، فالمثل الثاني بدل من الأول، ثم حذف المضاف. انتهى. بحروفه.
﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ:﴾ اسمهما: يوحنا، وبولس. وقيل: غير ذلك. هذا؛ وأسند الإرسال إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما بأمره، جلت قدرته، وتعالت حكمته.
﴿فَكَذَّبُوهُما:﴾ قيل: ضربوهما، وسجنوهما. ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أي: قوينا، وشددنا أمر الاثنين
стр. 5097
برسول ثالث، واسمه: شمعون الصفا بن لاوي. ويقرأ الفعل بالتشديد، والتخفيف، وهما بمعنى واحد. وقيل: التخفيف بمعنى: غلبنا وقهرنا، ومنه قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٣]:
﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾. والتشديد بمعنى: قوينا، وكثرنا.
وخذ القصة بما يلي: أرسل عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-رسولين من الحواريين، اسمهما: يوحنا، وبولس إلى مدينة أنطاكية، فلقيا رجلا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار صاحب: «يس» فدعوه إلى عبادة الله تعالى، وقالا: نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله تعالى. فطالبهما بالمعجزة، فقالا: نحن نشفي المرضى، وكان له ابن مريض منذ سنتين، فمسحاه، فقام بإذن الله صحيحا، فآمن الرجل بالله تعالى، ففشا أمرهما، وشفيا كثيرا من المرضى، فأرسل الملك إليهما، وكان يعبد الأصنام، فسألهما عن حالهما، وما يريدان، فقالا: نحن رسولا عيسى، فقال: وما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه، والأبرص، ونبرئ المريض بإذن الله، وندعوك إلى عبادة الله، وتوحيده. فحسبهما الملك، وجلدهما مائة جلدة، فانتهى الخبر إلى عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فأرسل ثالثا هو شمعون الصفا رأس الحواريين؛ لنصرهما.
فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم، واستأنسوا به، ورفعوا حديثه إلى الملك، فأنس به، وأظهر موافقته في دينه، فرضي الملك طريقته، ثم قال يوما للملك: بلغني: أنك حبست رجلين دعواك إلى الله، فلو سألت عنهما ما وراءهما؟ فقال: إن الغضب حال بيني، وبين سؤالهما! قال: فلو أحضرتهما، فأمر بذلك، فقال لهما شمعون: ما برهانكما على ما تدعيان؟ فقالا:
نبرئ الأكمه، والأبرص، فجيء بغلام ممسوح العينين، موضع عينيه كالجبهة، فدعوا ربهما، فانشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من طين، فوضعاهما في خديه، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فعجب الملك، وقال: إن هاهنا غلاما مات منذ سبعة أيام؛ ولم أدفنه حتى يجيء أبوه، فهل يحييه ربكما؟ فدعوا الله علانية، ودعاه شمعون سرا، فقام الميت حيا، فقال للناس: إني مت منذ سبعة أيام فوجدت مشركا، فأدخلت في سبعة أودية من النار، فأحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله! ثم فتحت أبواب السماء، فرأيت شابا، حسن الوجه، يشفع لهؤلاء الثلاثة: شمعون، وصاحبيه، حتى أحياني الله، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى رسول الله، وكلمته، وأن هؤلاء هم رسل الله. فقالوا له: وهذا شمعون أيضا معهم؟ فقال: نعم، وهو أفضلهم، فأعلمهم شمعون: أنه رسول المسيح إليهم، فأثر قوله في الملك، فدعاه إلى الله، فآمن الملك في قوم كثير، وكفر آخرون.
وحكى القشيري: أن الملك آمن، ولم يؤمن قومه، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي من الكفار. وروي: أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية، قالوا: يا نبي الله! إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم، ولغاتهم! فدعا الله لهم، فناموا بمكانهم، فهبوا من نومتهم، وقد
стр. 5098
حملتهم الملائكة، فألقتهم بأرض أنطاكية، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم. فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. انتهى. قرطبي ونحوه في الخازن، والكشاف.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من سابقتها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل.
﴿إِلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعوله الثاني تقدم على الأول.
﴿اِثْنَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿فَكَذَّبُوهُما:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. (عززنا): فعل، وفاعل، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: فعززناهما. ﴿بِثالِثٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ) حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُرْسَلُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها أيضا.
﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: أهل القرية. ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا:﴾ تأكلون الطعام مثلنا، وتمشون في الأسواق، لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، وقد ذكر الله ذلك عنهم في كثير من آيات القرآن. ﴿وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: من وحي يأمر به، وينهى. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ:﴾ في دعوى الرسالة، وتفترون شيئا لم يأذن به الله.
هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا كان أو أنثى، مفردا كان، أو جمعا، مثل كلمة:
الفلك تطلق على المفرد، والجمع. وسمّي بنو آدم: بشرا لبدوّ بشرتهم؛ التي هي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات، فإنها مكسوة بالشعر، أو بالصوف، أو بالريش. هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الواحد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم)، ولذا ثني في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾. الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، ويطلق على الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ الآية رقم [٢٦] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام.
وأما (مثل) فهو بكسر الميم، وسكون الثاء، ومثله: مثيل، وشبه، وشبيه، وهو اسم متوغل في الإبهام، فلا يتعرف بإضافته إلى الضمير، ونحوه من المعارف، ولذلك نعتت به النكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾. ويوصف به
стр. 5099
المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، وهو واضح في مواضعه. وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، ونحوها. والثاني: بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ عند بعضهم، حيث قال: المعنى: ليس كذاته شيء. والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي:
بما آمنتم به.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبر المبتدأ.
﴿مِثْلُنا:﴾ صفة: ﴿بَشَرٌ،﴾ و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿الرَّحْمنُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿الرَّحْمنُ:﴾
حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾
مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَكْذِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الرسل. ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا..﴾. إلخ: أي: قالوا لهم مجيبين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة؛ لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا، وينصرنا عليكم، وستعلمون من تكون له عاقبة الدار، وإنما أكد الكلام هنا باللام بخلافه في قوله: ﴿إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣]. وقولهم: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾ جار مجرى القسم في التوكيد، مثل قولهم: شهد الله، وعلم الله.
﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ:﴾ وليس علينا إلا أن نبلغكم رسالة الله بلاغا واضحا جليا، لا غموض فيه، فإن آمنتم؛ فلكم السعادة في جنات عدن، تجري من تحتها الأنهار، وإن كذبتم؛ فلكم الشقاوة في النار، وبئس القرار! وهذا؛ وعيد لهم. قاله أبو حيان، ووصف ﴿الْبَلاغُ﴾ ب: ﴿الْمُبِينُ؛﴾ لأنه الواضح، بالآيات الشاهدة بصحة الإرسال، وهي ما شاهدوه من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الميت، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبُّنا:﴾ مبتدأ. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع،
стр. 5100
والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّنا﴾ وهو معلق عن العمل لفظا بسبب لام الابتداء، ولذا كسرت همزة (إنّ) قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] وكسروا من بعد فعل علّقا... باللاّم كاعلم إنّه لذو تقى
﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت ألفها دليلا عليها.
﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿لَمُرْسَلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مرسلون):
خبر (إنّ) مرفوع إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ في محل نصب سدت مسد مفعول:
﴿يَعْلَمُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من (نا) فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير.
﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أي: تشاءمنا بكم، وبدعوتكم القبيحة إلى الآن، وترك عبادة الأوثان. قال المفسرون: ووجه تشاؤمهم بالرسل: أنهم دعوهم إلى دين غير ما يدينون به، فاستغربوه، واستقبحوه، ونفرت منه طبائعهم المعوجة، فشاءموا بمن دعا إليه، كأنهم قالوا:
أعاذنا الله مما تدعوننا إليه! وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه، وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا منه، وكرهوه، فإن أصابهم بلاء، أو نعمة؛ قالوا: بشؤم هذا؛ وبركة ذاك.
وقيل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فقالوا: هذا بشؤمكم. ويقال: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين. هذا؛ وقرئ: ﴿اِطَّيَّرْنا﴾ كما في الآية رقم [٤٧] من سورة (النمل). ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ أي:
تكفوا عن دعوتكم إيانا إلى ما تعبدون. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: لنقتلنكم. وقيل: المعنى: لنرجمنكم بالحجارة. وقيل: المعنى: لنشتمنكم بالقبيح من الكلام. ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ:﴾ وليصيبنكم. ﴿مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ عقوبة شديدة. قيل: أرادوا الحرق بالنار.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿تَطَيَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة لقسم محذوف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَنْتَهُوا:﴾ مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وهو فعل الشرط،
стр. 5101
وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: «إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
والكلام ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: سبب شؤمكم معكم، وهو سوء عقيدتكم، وخبث أعمالكم، وعصيانكم لربكم. المعنى: أصابكم الشؤم من قبلكم. وقال ابن عباس-﵄: طائرهم: ما قضي لهم، وقدر عليهم من عند الله. هذا؛ وكانت العرب في الجاهلية أكثر الناس طيرة، وكان أحدهم إذا أراد سفرا؛ نفّر الطير صباحا، فإن طار يمنة؛ تيمن، وسار، وإن طار يسرة؛ أي: شمالا؛ رجع، وتشاءم، وإن طار يمنة؛ يسمونه: السانح. وإن طار يسرة؛ يسمونه البارح. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشاءم بالبارح. قاله الجوهري. وقال غيره: للعرب في ذلك طريقان، فأهل نجد يتيمنون بالسانح دون البارح، وأهل الحجاز بالعكس. قال الشاعر: [الطويل] على عن يميني مرّت الطّير سنّحا... وكيف سنوح واليمين قطيع؟
وهذا هو الشاهد رقم (٢٦٦) من كتابنا فتح القريب المجيب، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم: [الطويل] وما عاجلات الطير تدني من الفتى... نجاحا ولا عن ريثهنّ قصور
وقال آخر، وأظنه: لبيد بن ربيعة العامري الصحابي، ﵁: [الطويل] لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى... ولا زاجرات الطير ما الله صانع؟
وقد أبطل الإسلام ذلك، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر». أخرجه البخاري. وعن عبد الله بن مسعود ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الطّيرة شرك، الطّيرة شرك، الطّيرة شرك».
стр. 5102
وأخيرا: فطائر الإنسان: عمله الذي قلده، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ الآية رقم [١٣] من سورة (الإسراء).
﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ:﴾ شرط جوابه محذوف لدلالة السياق عليه، التقدير: أإن ذكرناكم، ووعظناكم ودعوناكم إلى توحيد الله؛ تشاءمتم، وتوعدتمونا بالرجم، والتعذيب؟! وفيه تسعة أوجه من القراءات. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي: أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان، فمن ثمّ جاءكم الشؤم. أو مسرفون في الضلال، ولذلك توعدتم، وتشاءمتم بمن يجب أن يكرم، ويتبرك به. وفي سورة (النمل) رقم [٤٧]: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾. وفيها أيضا رقم [٥٥]: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿طائِرُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنّا إِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (إن):
حرف شرط جازم. ﴿ذُكِّرْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، انظر تقديره في الشرح، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿قَبْلُ:﴾ حرف إضراب. ﴿أَنْتُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿قَوْمِ:﴾ خبره. ﴿لَمُسْرِفُونَ:﴾ صفة:
﴿قَوْمِ﴾. وهذه الصفة وطئ لها بلفظ: ﴿قَوْمِ،﴾ فهي المرادة، لا لفظ: ﴿قَوْمِ؛﴾ لأنهم معلومون بأنهم ﴿قَوْمِ،﴾ ومثل ذلك ما ذكرته في الشرح من سورة (النمل)، والجملة الاسمية مستأنفة، وهي من مقول الرسل. وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ:﴾ آخرها؛ أي: من مكان بعيد. ﴿رَجُلٌ يَسْعى:﴾ يسرع في مشيه. ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الذين يدعونكم للإيمان. والمراد: رسل عيسى الذين مر ذكرهم. وينبغي أن تعلم: أن الله تعالى قدم هنا قوله: ﴿مِنْ أَقْصَا﴾ على: ﴿فَرَجُلٌ﴾ لأنه لم يكن من أقصاها، وإنما جاء منها، وفي سورة (القصص) رقم [٢٠] وصفه بأنه من أقصاها، وهما رجلان مختلفان، وقضيتان متباينتان، فما هنا في قصة حبيب النجار، وقضية حواري عيسى، وما هناك في قضية موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
تنبيه: المراد ب: ﴿فَرَجُلٌ﴾ هنا هو حبيب بن مري، وكان نجارا. وقيل: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ممن آمن بالنبي ﷺ ، وبينهما ستمائة سنة، كما آمن به تبع الأكبر، وورقة بن نوفل، وبحيرا الراهب، وغيرهم، ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره.
قال وهب: وكان حبيب مجذوما، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على
стр. 5103
عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوها لعلها ترحمه، وتكشف ضره، فما استجابت له-وهذا يناقض ما ذكرته في الآية رقم [٢٥] الآتية-فلما أبصر الرسل، دعوه إلى عبادة الله تعالى، فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم ندعو ربنا القادر، فيفرج عنك ما بك؟ فقال: إن هذا لعجب لي، أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني، فلم تستطع، فكيف يفرجه ربكم عني في غداة واحدة؟
قالوا: نعم، ربنا على ما يشاء قدير، وهذه لا تنفع شيئا، ولا تضر. فآمن، ودعوا ربهم، فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس، فحينئذ أقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق بنصف كسبه، وأطعم عياله نصفا، فلما هم قومه بقتل الرسل؛ جاءهم ف ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.
الإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جاء): فعل ماض. ﴿مِنْ أَقْصَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿أَقْصَا﴾ مضاف، و ﴿الْمَدِينَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿رَجُلٌ:﴾ فاعل. ﴿يَسْعى:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿رَجُلٌ،﴾ وجملة: ﴿وَجاءَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.
(قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: يا قومي. ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: يا قومي. ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: يا قوما. ومنهم من يقول: يا قوم بضم الميم، ففيه خمس لغات، ويزاد سادسة، وهي حذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: يا قوم. ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء إلخ، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (يسعى) المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها.
﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾
الشرح: كرر القول ﴿اِتَّبِعُوا﴾ تأكيدا، وبيانا للسبب، والمعنى: اتبعوا هؤلاء الرسل الكرام الصادقين المخلصين، الذين لا يطلبون منكم أجرا على ما يدعونكم إليه من توحيد رب العالمين، وهم على هدى، وبصيرة فيما يدعونكم إليه. قيل: كان يعبد الله في غار، فلما بلغه خبر الرسل؛ أتاهم، وأظهر دينه، وقال لهم: أتسألون على هذا أجرا؟ قالوا: لا! فأقبل على قومه، و ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. قاله قتادة، وهذا يخالف ما ذكرته في إيمانه سابقا.
وإنما قال: ﴿يا قَوْمِ﴾ تأليفا لقلوبهم، واستمالة لها لقبول النصيحة، وما قاله لهم كلمة جامعة في
стр. 5104
الترغيب فيهم. والمعنى: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا، والآخرة.
الإعراب: ﴿اِتَّبِعُوا:﴾ قال الجلال ﵀: هو توكيد للأول، ووافقه الجمل على ذلك، وأقول: لا بأس باعتباره بدلا من سابقه على حد الآية رقم [١٣٣] و [٢٢٢] كلتاهما من سورة (الشعراء)، وفي الثانية هنا زيادة إيضاح كما في آيتي (الشعراء). ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قاله الجمل، وذلك بإظهار العامل، أي: إعادته، وعلى اعتبار الفعل بدلا من سابقه فهو مفعول به لهذا الفعل، وهذا هو المتبادر للأفهام. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿يَسْئَلُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول. ﴿أَجْراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:
واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿مُهْتَدُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير، ولا يخفى عليك: أنه روعي لفظ (من) إعادة الفاعل إليها، وروعي معناها في الجملة الاسمية الواقعة حالا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾
الشرح: فلما قال لهم حبيب النجار ما تقدم؛ قالوا له: وأنت مخالف لديننا، ومتابع هؤلاء الرسل، ومؤمن بإلههم؟ فقال: ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ..﴾. إلخ. وقيل: أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة، وكانت عليه أظهر، والرجوع فيه معنى الزجر، فكان بهم أليق. هذا؛ وفيه تلطف في الإرشاد بإبرازه في معرض المناصحة لنفسه، وإمحاض النصح حيث أراد لهم ما أراد لها، والمراد: تقريعهم، وتوبيخهم على تركهم عبادة خالقهم، ورازقهم إلى عبادة غيره، وفي قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تهديد، أي: فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ومعنى ﴿فَطَرَنِي﴾ خلقني.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِيَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾
نافية. ﴿أَعْبُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فَطَرَنِي:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا أَعْبُدُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
﴿تُرْجَعُونَ... :﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية
стр. 5105
معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. والجملة الاسمية: ﴿وَما لِيَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول؛ لأنها من مقول الرجل؛ الذي هو حبيب النجار.
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ:﴾ من دون الله. ﴿آلِهَةً:﴾ أصناما. والمعنى: كيف أتخذ من دون الله آلهة لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولا تغني عن عابدها شيئا. ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ﴾ أي: بفقر، أو مرض، ونحو ذلك. ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: هي في المهانة، والحقارة؛ بحيث لو أراد الله أن ينزل بي شيئا من الضر، والأذى، وشفعت لي؛ لم تنفع شفاعتهم، ولم يقدروا على إنقاذي مما أنا فيه، ولا يدفعوا عني من عذاب الله شيئا.
الإعراب: ﴿أَأَتَّخِذُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (أتخذ): مضارع، وفاعله:
«أنا». ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما مفعوله الثاني، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً،﴾ كان نعتا له على مثل ما رأيت في الآية رقم [٨]. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به. ﴿إِنْ:﴾
حرف شرط جازم. ﴿يُرِدْنِ:﴾ مضارع فعل الشرط، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به. ﴿الرَّحْمنُ:﴾ فاعله. ﴿بِضُرٍّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على مثال ما رأيت في الآية رقم [١٩]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُغْنِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿عَنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَفاعَتُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿لا تُغْنِ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يُنْقِذُونِ:﴾ معطوف على جواب الشرط مجزوم مثله، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعول به. هذا؛ والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول الرجل المذكور في الآية رقم [٢٠]. وقيل: الجملة الشرطية صفة: ﴿آلِهَةً﴾ وقيل: مستأنفة.
﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: إني إن عبدت غير الله، واتخذت الأصنام آلهة؛ لفي خسران ظاهر، وجلي؛ لأن إيثار ما لا ينفع، ولا يدفع ضرا بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع، والضر، وإشراكه به ضلال مبين، لا يخفى على عاقل. ولما قال هذا لقومه؛ أخذوا
стр. 5106
يرجمونه بالحجارة، فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، وقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي: فاشهدوا لي بذلك عند الله. وقيل: الخطاب لقومه، والمعنى: إني آمنت بربكم الذي خلقكم، فاسمعوا قولي، واعملوا بنصيحتي. ولما قال لهم ذلك، وأعلن إيمانه؛ وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه. قال ابن مسعود ﵁: وطئوه بأرجلهم؛ حتى خرج قصبه من دبره.
وقيل: كانوا يرمونه بالحجارة، وهو يقول: اللهم اهد قومي؛ حتى أهلكوه، وقبره بأنطاكية.
روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: عليّ بن أبي طالب، وصاحب (يس) ومؤمن آل فرعون». وفي رواية ثانية: «ثلاثة ما كفروا بالله قطّ:
مؤمن آل ياسين، وعلي بن أبي طالب، وآسية امرأة فرعون». وهذا يناقض ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من أنه كان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة. وهذا التناقض موجود في الكشاف، وغيره. اللهم إلا أن يقال: إنه كان موحدا، وكان يخفي إيمانه، وتوحيده، فلما جاء رسل عيسى إلى المدينة، وسمع بهم؛ أظهر إيمانه، وتوحيده. والله أعلم بحقيقة ذلك.
الإعراب: ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب، وجزاء مهمل لا عمل له. هذا؛ واعتباره ظرفا متعلقا ب: ﴿مُبِينٍ،﴾ والتنوين نائب عن الجملة التي تضاف «إذ» إليها، والتقدير: إني لفي ضلال مبين؛ إذا اتخذت آلهة من دون الله. فالمعنى يؤيد هذا الاعتبار، ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (في ضلال): متعلقان بمحذوف خبر (إنّ).
﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي إِذاً..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿آمَنْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. والكاف في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ مؤكدة للجملة قبلها. ﴿فَاسْمَعُونِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اسمعون): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كنت آمنت بربكم؛ فاشهدوا على ذلك، واسمعوا.
﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ:﴾ قيل له ذلك لما قتلوه إكراما له بدخولها كسائر الشهداء. وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة، وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه، وهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السموات، والأرض. وهذا لم يثبت بسند صحيح. ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ:﴾ تمنى أن يعلم قومه أن الله تعالى غفر له، وأكرمه؛ ليرغبوا في دين الرسل. فلما قتل
стр. 5107
غضب الله له، فعجل لهم العقوبة، فأمر جبريل ﵊، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم.
﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي..﴾. إلخ: انظر الإعراب يتضح لك المعنى. قال عبد الله بن عباس ﵄: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته بقوله:
﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما..﴾. إلخ. وقال سفيان الثوري عن أبي مجلز: معنى ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ بإيماني بربي، وتصديقي المرسلين. ومقصوده: أنهم لو اطلعوا على ما حصل له من الثواب، والجزاء، والنعيم المقيم؛ لقادهم ذلك إلى اتباعه. فرحمه الله، ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا، لما عاين ما عاين من كرامة الله تعالى؛ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ..﴾. إلخ.
وقال محمد بن إسحاق عن كعب الأحبار: أنه ذكر له (حبيب بن زيد) الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ ، فجعل يقول له: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم، ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له مسيلمة-لعنه الله-أتسمع هذا؛ ولا تسمع ذاك؟! فيقول: نعم. فجعل يقطعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات بين يديه، فقال كعب حين قيل له: اسمه حبيب: وكان والله صاحب يس اسمه: حبيب!.
وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار، وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به، والدعاء عليه، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته، والباغين له الغوائل، وهم كفرة عبدة أصنام. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اُدْخُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره:
«أنت». ﴿الْجَنَّةَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي.
وقل مثل ذلك في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). والجملة الفعلية: ﴿اُدْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول، (يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه) وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور المقدر ب: «له» في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو:
стр. 5108
(لا حول، ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا مطية الكذب)، والجملة الفعلية:
﴿قِيلَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (رجل) تقديره: «هو». (يا): حرف تنبيه. وقيل:
أداة النداء، والمنادى محذوف، والمعتمد الأول. (ليت): حرف مشبه بالفعل. ﴿قَوْمِي:﴾ اسم (ليت) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة إلخ، والياء ضمير متصل في محل نصب جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل رفع خبر: (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ وهما في المعنى مفعوله. ﴿غَفَرَ:﴾ فعل ماض. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿رَبِّي:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: يعلمون بالذي غفره لي ربي. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ التقدير: يعلمون بغفران ربي لي ذنوبي.
هذا؛ وأجاز الفراء اعتبار (ما) استفهامية فيها معنى التعجب، كأنه قال: ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي. واعترضه الكسائي، فقال: لو صح هذا؛ لقال: «بم» من غير ألف، كقوله تعالى: ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. وقال الفراء: يجوز أن يقال: «بما» بالألف، وهو استفهام، وأنشد فيه أبياتا، أقول من ذلك قول حسان ﵁: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان؟
وهذا هو الشاهد رقم [٥٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وأيضا قول كعب بن مالك ﵁، وهو الشاهد [٥٥٧] من كتابنا المذكور: [البسيط] أنّا قتلنا بقتلانا سراتكمو... أهل اللّواء ففيما يكثر القيل؟
وعليه يكون الإعراب كما يلي: الباء: حرف جر، و (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل بعدهما، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به، وعليه فالفعل: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ معلق عن العمل لفظا ب: (ما) الاستفهامية. ﴿وَجَعَلَنِي:﴾
الواو: حرف عطف. (جعلني): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي،﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات، التي رأيتها في فعلها. ﴿مِنَ الْمُكْرَمِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في المعنى مفعوله الثاني، وأجيز اعتبار الباء زائدة على جميع الاعتبارات. تأمل.
стр. 5109
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ..﴾. إلخ: الضمير يعود إلى حبيب النجار الذي كان الكلام فيه، يخبر الله تعالى أنه انتقم لحبيب من قومه بعد قتلهم إياه، غضبا منه ﵎ عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر الله : أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم؛ بل الأمر كان أيسر من ذلك.
قاله ابن مسعود، ﵁. انتهى. مختصر ابن كثير.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر، والخندق؟ فقال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها،﴾ وقال جل ذكره: ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وقال تعالت حكمته: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.
وقال تمت كلمته: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ؟﴾. الأولى من سورة (الأحزاب)، والثانية من سورة (الأنفال)، والثالثة، والرابعة من سورة (آل عمران).
قلت: إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود، وقوم صالح بصيحة، ولكن الله فضل محمدا ﷺ بكل شيء على سائر الأنبياء، وأولي العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة، والإعزاز ما لم يوله أحدا، فمن ذلك: أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه تعالى أشار بقوله: ﴿وَما أَنْزَلْنا،﴾ ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهّل لها إلا مثلك، وما كنا نفعل لغيرك يا محمد!. انتهى. بتصرف.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَنْزَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلى قَوْمِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿قَوْمِهِ﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل السابق، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿جُنْدٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة:
﴿جُنْدٍ،﴾ والجملة الفعلية: ﴿وَما أَنْزَلْنا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿مُنْزِلِينَ:﴾
خبر كان منصوب، وعلامة نصبه الياء إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وأجاز كثيرون اعتبار (ما) الثانية صلة، والمعنى: قد كنا منزلين، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب حال، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: (ما) بمعنى «الذي» معطوفة على: ﴿جُنْدٍ،﴾ وهو ضعيف معنى، وإعرابا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
стр. 5110
﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ قال المفسرون: أخذ جبريل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعضادتي باب المدينة، وصاح بهم صيحة واحدة. ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ:﴾
ميتون خمدا كما تخمد النار، فتعود رمادا. ففيه تشبيه بليغ، كما قال لبيد بن ربيعة الصحابي ﵁: [الطويل] وما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
هذا؛ ويقرأ برفع «(صيحة)» أيضا على اعتبار (كان) تامة، ومثلها الآية رقم [٥٣] الآتية، والإعراب يوضح ذلك. ولعلك تدرك معي: أن الله تعالى لم يصرح باسم البلدة، التي حصل فيها ما حصل، ولم يصرح باسم الشخص الذي دعا أهلها إلى عبادة الله تعالى، ولا باسم الرسل الكرام؛ لأن كل ذلك ليس هو الهدف والغاية من القصة؛ لأن القصد منها التذكير، والاعتبار.
وهذا من محاسن القرآن الكريم، وبلاغته الخارقة في الإيجاز في القصص، والأخبار، والإشارة إلى روح القصة وسرّها. وهذا؛ واضح وجلي في كل ما قص علينا من قصص. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمها محذوف، يفهم من المقام. التقدير: ما كانت العقوبة، أو الأخذة النازلة بهم. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿صَيْحَةً:﴾ خبر (كان) وعلى قراءتها بالرفع فهي فاعل: ﴿كانَتْ﴾ على اعتبارها بمعنى: حصلت، ووقعت. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿صَيْحَةً﴾ على القراءتين. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب، وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها: اختلف في هذه الفاء. فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء، وهذا ما اختاره ابن جني، وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة: (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها.
واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان بوقوع ﴿ثُمَّ﴾ موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ...﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة. وفي مغني اللبيب نحو هذا.
(إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجملة الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت، فإذا الأسد بالباب. وهي حرف عند الأخفش، وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إن زيدا بالباب) لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أن عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا
стр. 5111
لغير الزمخشري. وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس»، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو:
استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من المغني. وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فهلكوا إذا هم إلخ، وتعليقها ب: ﴿خامِدُونَ﴾ كما رأيت في المثال المتقدم، لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير.
﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿خامِدُونَ:﴾ خبره مرفوع إلخ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها؛ لأن الأولى مستأنفة، وعلى تعليقها ب: ﴿خامِدُونَ،﴾ فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ أي: يا ويل العباد. وقال قتادة: المعنى: يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله. قال الخازن: يعني: يا لها حسرة، وندامة، وكآبة على العباد. والحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له؛ حتى يبقى قلبه حسيرا. قيل: تحسروا على أنفسهم لما عاينوا العذاب؛ حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة، فتمنّوا الإيمان؛ حيث لم ينفعهم. وقيل: تتحسّر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل. وقيل: يقول الله تعالى: يا حسرة على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل. انتهى.
هذا؛ واختلفت الروايات بشأن الرسل، هل قتلوا مع حبيب النجار، أم لا؟ وخذ ما يلي:
قال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم. لم تبق بهم روح تتردد في جسد. وقد تقدم عن كثير من السلف: أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من قبل المسيح عيسى ابن مريم ﵊. كما نص عليه قتادة، وغيره. وفي ذلك نظر من وجوه:
أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، لا من جهة المسيح ﵇، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ..﴾. إلخ ولو كان هؤلاء من الحواريين؛ لقالوا عبارة تناسب: أنهم من عند المسيح ﵇، ثم لو كانوا رسل المسيح؛ لما قالوا لهم:
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾.
الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانت أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربع اللاتي فيهنّ «بتاركة» وهن: القدس؛ لأنها بلد
стр. 5112
المسيح، وأنطاكية؛ لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والاسكندرية؛ لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة، والمطارنة، والأساقفة، والقساوسة، ثم رومية؛ لأنها مدينة الملك قسطنطين؛ الذي نصر دينهم، وأوطده. فإذا تقرر: أن أنطاكية أول مدينة آمنت؛ فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم. والله أعلم.
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر غير واحد من السلف: أن الله ﵎ بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم؛ بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين. ذكروه عند قوله ﵎:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية رقم [٤٣] من سورة (القصص).
فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا، أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى، غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف: أنها أهلكت، لا في الملة النصرانية، ولا قبل ذلك، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير بحروفه.
الإعراب: (يا): أداة نداء، تنوب مناب: أدعو. (حسرة): منادى، ونداء الحسرة مجاز؛ لأنها لا يتأتى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر، وكأنهم نادوا الحسرة، وقالوا: إن كان لك وقت؛ فهذا أوان حضورك. ومثله: يا ويلتا، ونحوه. وعليه: فالجار والمجرور متعلقان ب: (حسرة) فيكون المنادى شبيها بالمضاف، وبسبب ذلك نون، كما قرئ شاذا: «(يا حسرة العباد)» بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله. هذا؛ ويجوز أن يكون المنادى محذوفا، و: (حسرة) مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: يا هؤلاء ونحوه أتحسر حسرة. هذا؛ ولا يجوز هذا الاعتبار بقوله تعالى حكاية عن قول الكافرين: ﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (الأنعام)، وقوله تعالى في الآية رقم [٥٦] من سورة (الزمر): ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْعِبادِ﴾ والرابط الضمير. وقال أبو البقاء:
الجملة تفسير سبب الحسرة. وقال الجمل: مستأنفة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «يستهزءون به» في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رَسُولٍ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، وساغ مجيء
стр. 5113
الحال من ﴿رَسُولٍ﴾ وهو نكرة لتقدم النفي عليه. وقيل: في محل نصب حال من الضمير المنصوب مستثنى من عموم الأحوال، والكلام: ﴿يا حَسْرَةً..﴾. إلخ كله مستأنف، لا محل له.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ..﴾. إلخ: أي: ألم يتعظ كفار قريش، ويعتبروا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؛ كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة؟! وهذا يرد على أهل الزيغ والضلال، الذين يقولون بالرجعة، يحكى عن ابن عباس-﵄: أنه قيل له: إن قوما يزعمون: أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذا! نكحنا نساءه، وقسمنا ميراثه.
هذا؛ و ﴿الْقُرُونِ﴾ جمع: قرن بفتح القاف، وسكون الراء مائة سنة على الصحيح. وقيل:
ثمانون. وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس: أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، ونحوها. وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني». ومنه قول الشاعر: [الطويل] إذا ذهب القرن، الّذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب
وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل] فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل
والقرن بفتح القاف: الزيادة العظيمة، التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه:
إسكندر ذو القرنين. والقرن الجبل الصغير. وذؤابة المرأة من الشعر. والقرن من القوم:
سيدهم، ومن السيف: حدّه، ونصله، وجمعه في كل ما تقدم قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَمْ:﴾: خبرية بمعنى كثير مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل:
﴿يَرَوْا﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿كَمْ﴾ الخبرية؛ لأنها مثل الاستفهامية في تعليق الأفعال.
﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وإن علقتهما بالفعل:
﴿أَهْلَكْنا﴾ فالظرف متعلق بمحذوف حال من القرون، وهو قوي معنى. والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار
стр. 5114
ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل مضارع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من معنى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ بدل اشتمال، أو بدل كل من كل، وأجيز اعتباره في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: قضينا، وحكمنا أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الجمل: ويدل على هذا قراءة ابن عباس، والحسن: (إنهم) بكسر الهمزة على الاستئناف، والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها، فهو مقوّ لأن تكون الجملة معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها. انتهى.
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ: المعنى: أن كلهم محشورون، مجموعون، محضرون للحساب، والجزاء يوم القيامة. وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ معذبون. وإنما أخبر ب: ﴿جَمِيعٌ﴾ عن ﴿كُلٌّ؛﴾ لأن كلا يفيد معنى الإحاطة، والشمول، فلا ينفلت منهم أحد، والجميع معناه: الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم. والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاءوا جميعا. هذا؛ وقرئ بتشديد ميم: ﴿لَمّا﴾ وتخفيفها. ومعنى الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُلٌّ:﴾
مبتدأ. ﴿لَمّا:﴾ اللام: هي الفارقة بين المهملة، والعاملة، أو الفارقة بين النفي، والإثبات. (ما):
صلة لا عمل لها. ﴿جَمِيعٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة ﴿جَمِيعٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو إلخ. وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر ثان للمبتدإ. هذا؛ وعلى قراءة ﴿لَمّا﴾ بالتشديد فهي بمعنى: «إلا» وإن نفي بمعنى: «ما» والمعنى: ما كل إلا جميع محضرون لدينا. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الطارق: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾.
والآية رقم [٣٥] من سورة (الزخرف): ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر، وهو الشاهد رقم (٥١٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ:﴾ علامة لأهل مكة على قدرة الله تعالى بأنه يعيد ابن آدم بعد موته يوم القيامة، ويحييه كما يحيي الأرض الميتة بعد موتها بإخراج النبات منها بسبب نزول المطر عليها،
стр. 5115
كما قال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا:﴾ القمح، والشعير، ونحوهما. ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ:﴾
قدم الجار والمجرور للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل منه، ويعاش به، وينتفع به الإنس، وإذا قلّ؛ جاء القحط، ووقع الضرر، وإذا فقد؛ حضر الهلاك، ونزل البلاء.
الإعراب: ﴿وَآيَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آية): خبر مقدم. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). ﴿الْأَرْضُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمَيْتَةُ:﴾ صفة: ﴿الْأَرْضُ﴾.
﴿أَحْيَيْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَرْضُ﴾.
والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، وأجاز الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي وجهين: الأول: الاستئناف. والثاني: اعتبار الجملة صفة ل: ﴿الْأَرْضُ﴾ لأنه أريد بها الجنس لا أرض بعينها، فعوملت معاملة النكرة في وصفها بالأفعال، ومثلها الآية رقم [٣٧] الآتية، وقول رجل من بني سلول: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
وهذا هو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا فتح القريب المجيب. وينبغي أن تفرق معي بين الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية الآتية، والبيت، فإن الآية التي نحن بصدد شرحها قد وصفت ﴿الْأَرْضُ﴾ فيها ب: ﴿الْمَيْتَةُ،﴾ والوصف وحده يجيز مجيء الحال من النكرة، كيف؛ و ﴿الْأَرْضُ﴾ مقرونة بال، ووصفت ب: ﴿الْمَيْتَةُ﴾. هذا؛ وأجاز مكي، وأبو البقاء اعتبار (آية) مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره. و ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿أَحْيَيْناها﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية برمتها تفسير للجملة الأولى، أو تفسير ل: (آية) وحدها.
(أخرجنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَبًّا:﴾ مفعول به. ﴿فَمِنْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (منه): متعلقان بما بعدهما على أنهما مفعوله، وجملة «يأكلون منه» معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ:﴾ بساتين، جمع: جنة بفتح الجيم، سميت بذلك لكثرة أشجارها، ولأنها تستر ما فيها. وسميت جنة عدن لذلك. هذا؛ والجنة بكسر الجيم: الجنون، سمي بذلك؛ لأنه يغطي العقل، ويذهب به، والجنة بكسر الجيم أيضا الجن، سموا بذلك؛ لأنهم يستترون عن أعين الناس. قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾. وهو بضم الجيم كل ما استترت به، وكل
следующие страницы →