← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

لغير الزمخشري. وإنما ناصبها عندهم الخبر المذكور في نحو: «خرجت فإذا زيد جالس»، أو المقدر في نحو: «فإذا الأسد» أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها: مستقر، أو: استقر، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من المغني. وعلى اعتبارها ظرف مكان، أو زمان، لا أجد لها متعلقا هنا إلا بالتقدير: فهلكوا إذا هم إلخ، وتعليقها ب: ﴿خامِدُونَ﴾ كما رأيت في المثال المتقدم، لا يعطي المعنى الذي أعطاه هذا التقدير. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿خامِدُونَ:﴾ خبره مرفوع إلخ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على التقدير الذي قدرته، وعليه فالجملة المقدرة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها؛ لأن الأولى مستأنفة، وعلى تعليقها ب: ﴿خامِدُونَ،﴾ فتبقى الجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وأيضا على اعتبار (إذا) حرفا؛ فالجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ أي: يا ويل العباد. وقال قتادة: المعنى: يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله، وفرطت في جنب الله. قال الخازن: يعني: يا لها حسرة، وندامة، وكآبة على العباد. والحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له؛ حتى يبقى قلبه حسيرا. قيل: تحسروا على أنفسهم لما عاينوا العذاب؛ حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة، فتمنّوا الإيمان؛ حيث لم ينفعهم. وقيل: تتحسّر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل. وقيل: يقول الله تعالى: يا حسرة على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل. انتهى. هذا؛ واختلفت الروايات بشأن الرسل، هل قتلوا مع حبيب النجار، أم لا؟ وخذ ما يلي: قال المفسرون: بعث الله تعالى إليهم جبريل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة، فإذا هم خامدون عن آخرهم. لم تبق بهم روح تتردد في جسد. وقد تقدم عن كثير من السلف: أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من قبل المسيح عيسى ابن مريم ﵊. كما نص عليه قتادة، وغيره. وفي ذلك نظر من وجوه: أحدها: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، لا من جهة المسيح ﵇، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ..﴾. إلخ ولو كان هؤلاء من الحواريين؛ لقالوا عبارة تناسب: أنهم من عند المسيح ﵇، ثم لو كانوا رسل المسيح؛ لما قالوا لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾. الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانت أول مدينة آمنت بالمسيح، ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربع اللاتي فيهنّ «بتاركة» وهن: القدس؛ لأنها بلد

стр. 5112

المسيح، وأنطاكية؛ لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والاسكندرية؛ لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة، والمطارنة، والأساقفة، والقساوسة، ثم رومية؛ لأنها مدينة الملك قسطنطين؛ الذي نصر دينهم، وأوطده. فإذا تقرر: أن أنطاكية أول مدينة آمنت؛ فأهل هذه القرية ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم. والله أعلم. الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر غير واحد من السلف: أن الله ﵎ بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم؛ بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين. ذكروه عند قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية رقم [٤٣] من سورة (القصص). فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا، أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى، غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف: أنها أهلكت، لا في الملة النصرانية، ولا قبل ذلك، والله أعلم. انتهى. مختصر ابن كثير بحروفه. الإعراب: (يا): أداة نداء، تنوب مناب: أدعو. (حسرة): منادى، ونداء الحسرة مجاز؛ لأنها لا يتأتى منها الإقبال، وإنما المعنى على المبالغة في شدة التحسر، وكأنهم نادوا الحسرة، وقالوا: إن كان لك وقت؛ فهذا أوان حضورك. ومثله: يا ويلتا، ونحوه. وعليه: فالجار والمجرور متعلقان ب: (حسرة) فيكون المنادى شبيها بالمضاف، وبسبب ذلك نون، كما قرئ شاذا: «(يا حسرة العباد)» بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، أو لمفعوله. هذا؛ ويجوز أن يكون المنادى محذوفا، و: (حسرة) مفعولا مطلقا لفعل محذوف، التقدير: يا هؤلاء ونحوه أتحسر حسرة. هذا؛ ولا يجوز هذا الاعتبار بقوله تعالى حكاية عن قول الكافرين: ﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ الآية رقم [٣١] من سورة (الأنعام)، وقوله تعالى في الآية رقم [٥٦] من سورة (الزمر): ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿رَسُولٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْعِبادِ﴾ والرابط الضمير. وقال أبو البقاء: الجملة تفسير سبب الحسرة. وقال الجمل: مستأنفة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «يستهزءون به» في محل نصب خبر: ﴿كانُوا،﴾ والجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ﴿رَسُولٍ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، وساغ مجيء

стр. 5113

الحال من ﴿رَسُولٍ﴾ وهو نكرة لتقدم النفي عليه. وقيل: في محل نصب حال من الضمير المنصوب مستثنى من عموم الأحوال، والكلام: ﴿يا حَسْرَةً..﴾. إلخ كله مستأنف، لا محل له. ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ..﴾. إلخ: أي: ألم يتعظ كفار قريش، ويعتبروا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل؛ كيف لم يكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة؟! وهذا يرد على أهل الزيغ والضلال، الذين يقولون بالرجعة، يحكى عن ابن عباس-﵄: أنه قيل له: إن قوما يزعمون: أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إذا! نكحنا نساءه، وقسمنا ميراثه. هذا؛ و ﴿الْقُرُونِ﴾ جمع: قرن بفتح القاف، وسكون الراء مائة سنة على الصحيح. وقيل: ثمانون. وقيل: ثلاثون. ويقال: القرن في الناس: أهل زمان واحد، وهو المراد في الآية الكريمة، ونحوها. وقال الرسول ﷺ : «خير القرون قرني». ومنه قول الشاعر: [الطويل] إذا ذهب القرن، الّذي أنت فيهمو... وخلّفت في قرن فأنت غريب وخذ قول لبيد بن ربيعة الصحابي-﵁: [الطويل] فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل والقرن بفتح القاف: الزيادة العظيمة، التي تنبت في رءوس بعض الحيوانات، ومنه: إسكندر ذو القرنين. والقرن الجبل الصغير. وذؤابة المرأة من الشعر. والقرن من القوم: سيدهم، ومن السيف: حدّه، ونصله، وجمعه في كل ما تقدم قرون. هذا؛ وهو بكسر القاف، وسكون الراء: الكفؤ في الشجاعة، والعلم، ونحوهما، والجمع على هذا: أقران. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَمْ:﴾: خبرية بمعنى كثير مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. ﴿أَهْلَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿يَرَوْا﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب ﴿كَمْ﴾ الخبرية؛ لأنها مثل الاستفهامية في تعليق الأفعال. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة. هذا؛ وإن علقتهما بالفعل: ﴿أَهْلَكْنا﴾ فالظرف متعلق بمحذوف حال من القرون، وهو قوي معنى. والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَرَوْا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿إِلَيْهِمْ:﴾ جار

стр. 5114

ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل مضارع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب بدلا من معنى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ بدل اشتمال، أو بدل كل من كل، وأجيز اعتباره في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: قضينا، وحكمنا أنهم إليهم لا يرجعون. وقال الجمل: ويدل على هذا قراءة ابن عباس، والحسن: (إنهم) بكسر الهمزة على الاستئناف، والاستئناف قطع لهذه الجملة عما قبلها، فهو مقوّ لأن تكون الجملة معمولة لفعل محذوف يقتضي انقطاعها عما قبلها. انتهى. ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ كُلٌّ..﴾. إلخ: المعنى: أن كلهم محشورون، مجموعون، محضرون للحساب، والجزاء يوم القيامة. وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ معذبون. وإنما أخبر ب: ﴿جَمِيعٌ﴾ عن ﴿كُلٌّ؛﴾ لأن كلا يفيد معنى الإحاطة، والشمول، فلا ينفلت منهم أحد، والجميع معناه: الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم. والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاءوا جميعا. هذا؛ وقرئ بتشديد ميم: ﴿لَمّا﴾ وتخفيفها. ومعنى الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ الآية رقم [١١٢] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (إن): مخففة من الثقيلة مهملة لا عمل لها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. ﴿لَمّا:﴾ اللام: هي الفارقة بين المهملة، والعاملة، أو الفارقة بين النفي، والإثبات. (ما): صلة لا عمل لها. ﴿جَمِيعٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة ﴿جَمِيعٌ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو إلخ. وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ خبر ثان للمبتدإ. هذا؛ وعلى قراءة ﴿لَمّا﴾ بالتشديد فهي بمعنى: «إلا» وإن نفي بمعنى: «ما» والمعنى: ما كل إلا جميع محضرون لدينا. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الطارق: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾. والآية رقم [٣٥] من سورة (الزخرف): ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر، وهو الشاهد رقم (٥١٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الرجز] قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ:﴾ علامة لأهل مكة على قدرة الله تعالى بأنه يعيد ابن آدم بعد موته يوم القيامة، ويحييه كما يحيي الأرض الميتة بعد موتها بإخراج النبات منها بسبب نزول المطر عليها،

стр. 5115

كما قال تعالى في سورة (الحج): ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا:﴾ القمح، والشعير، ونحوهما. ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ:﴾ قدم الجار والمجرور للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل منه، ويعاش به، وينتفع به الإنس، وإذا قلّ؛ جاء القحط، ووقع الضرر، وإذا فقد؛ حضر الهلاك، ونزل البلاء. الإعراب: ﴿وَآيَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آية): خبر مقدم. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). ﴿الْأَرْضُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْمَيْتَةُ:﴾ صفة: ﴿الْأَرْضُ﴾. ﴿أَحْيَيْناها:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الْأَرْضُ﴾. والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير: «قد» قبلها، وأجاز الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي وجهين: الأول: الاستئناف. والثاني: اعتبار الجملة صفة ل: ﴿الْأَرْضُ﴾ لأنه أريد بها الجنس لا أرض بعينها، فعوملت معاملة النكرة في وصفها بالأفعال، ومثلها الآية رقم [٣٧] الآتية، وقول رجل من بني سلول: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني وهذا هو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا فتح القريب المجيب. وينبغي أن تفرق معي بين الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية الآتية، والبيت، فإن الآية التي نحن بصدد شرحها قد وصفت ﴿الْأَرْضُ﴾ فيها ب: ﴿الْمَيْتَةُ،﴾ والوصف وحده يجيز مجيء الحال من النكرة، كيف؛ و ﴿الْأَرْضُ﴾ مقرونة بال، ووصفت ب: ﴿الْمَيْتَةُ﴾. هذا؛ وأجاز مكي، وأبو البقاء اعتبار (آية) مبتدأ، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره. و ﴿الْأَرْضُ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿أَحْيَيْناها﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية برمتها تفسير للجملة الأولى، أو تفسير ل: (آية) وحدها. (أخرجنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، على جميع الاعتبارات فيها. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَبًّا:﴾ مفعول به. ﴿فَمِنْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (منه): متعلقان بما بعدهما على أنهما مفعوله، وجملة «يأكلون منه» معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ:﴾ بساتين، جمع: جنة بفتح الجيم، سميت بذلك لكثرة أشجارها، ولأنها تستر ما فيها. وسميت جنة عدن لذلك. هذا؛ والجنة بكسر الجيم: الجنون، سمي بذلك؛ لأنه يغطي العقل، ويذهب به، والجنة بكسر الجيم أيضا الجن، سموا بذلك؛ لأنهم يستترون عن أعين الناس. قال تعالى في سورة (الناس): ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾. وهو بضم الجيم كل ما استترت به، وكل

стр. 5116

ما وقيت به نفسك من السلاح، وغيره، ومنه: المجن، والمجنة بكسر الميم فيهما، وهو الترس الذي كان يتخذ للوقاية من ضربات السيوف، والرماح. ﴿نَخِيلٍ:﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه اسم جمع، واحده: نخلة. والثاني: أنه جمع: نخل؛ الذي هو اسم جنس. (أعناب): جمع: عنب الذي هو اسم جنس، واحده: عنبة. هذا؛ وإنما خص الله هذين النوعين بالذكر من بين سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما، وكثرة منافعهما. وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحب، والأعناب، لاختصاص شجرها بمزيد النفع، وآثار الصنع. ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ أي: جعلنا في الجنات أنهارا جارية في أمكنة يحتاجون فيها. هذا؛ و ﴿الْعُيُونِ﴾ جمع: عين، وانظر ما ذكرته في آية (السجدة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ و (نا) في قوله تعالى: (جعلنا وفجرنا) ونحوهما فقد قال ابن تيمية-رحمه الله تعالى- في كتابه: «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»: وقوله تعالى: (جعلنا وهبنا، نحن، إنّا) لفظ يقع في جميع اللغات على من له شركاء، وأمثال، وعلى الواحد العظيم المطاع، الذي له أعوان يطيعونه، وإن لم يكونوا له شركاء، ولا نظراء، والله تعالى خلق كل ما سواه، فيمتنع أن يكون له شريك، أو مثل، والملائكة وسائر العالمين جنوده، فإذا كان الواحد من الملوك، يقول: فعلنا وإنا، ونحن... إلخ ولا يريدون: أنهم ثلاثة ملوك، فمالك الملك رب العالمين، ورب كل شيء، ومليكه هو أحق أن يقول: فعلنا، ونحن، وإنا... إلخ، مع أنه ليس له شريك، ولا مثل؛ بل له جنود السموات، والأرض. انتهى. أقول: و: «نا» هذه تسمى نون العظمة، وليست دالة على الجماعة، كما يزعم الملحدون، والكافرون، فالله لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكثيرا ما يتكلم بها العبد، ذكرا كان، أو أنثى، فيقول: أخذنا، وأعطينا إلخ، وليس معه أحد. والغاية من هذا الكلام الرد على النصارى الذين يدخلون الشبهة على السذج من المسلمين بأن الإله ثلاثة أقانيم: الأب، والابن، وروح القدس، ويدعمون شبهتهم هذه بالألفاظ الموجودة في القرآن، والتي ظاهرها يفيد الجمع، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ معطوفة على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيهن. ﴿وَفَجَّرْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بما قبلهما، والمفعول محذوف، التقدير: وفجرنا فيها ينبوعا، أو: ما ينتفعون به. ﴿مِنَ الْعُيُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة على التقدير الأول، وفي محل نصب حال من «ما» على التقدير الثاني، و ﴿مِنْ﴾ بيان للإبهام. هذا؛ وأجاز الأخفش اعتبارها زائدة في الإيجاب، وعليه ف: ﴿الْعُيُونِ﴾ هي المفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.

стр. 5117

﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ أي: من ثمر النخيل، والأعناب. وأعاد الضمير عليهما مفردا، لتأويلهما بالمذكور. وقيل: يعود الضمير إلى ماء العيون. و (ثمر) مفرده ثمرة، مثل: شجرة، وشجر، ويجمع (ثمر) بفتحتين على: ثمار، كجبل، وجبال، ويجمع «ثمار» على: ثمر بضمتين، ككتاب، وكتاب، وجمع ثمر على: أثمار، كعنق، وأعناق. وانظر ما ذكرته في الشاهد رقم (٢٣١) من كتابنا فتح القريب المجيب؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ:﴾ أجيز اعتبار (ما) موصولة معطوفة على ﴿ثَمَرِهِ﴾. وأجيز اعتبارها نافية، وعليه يختلف المعنى، فيكون المعنى على الأول: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ والذي عملته أيديهم من الزرع، والغرس الذي تعبوا فيه. وعلى الثاني: لم تعمله أيديهم، وليس من صنيعهم؛ بل وجدوها معمولة، أي: مصنوعة. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ:﴾ الله على نعمه. هذا؛ و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ جمع: يد، وهي تطلق على الجارحة بداهة، وتطلق، ويراد بها: القوة، والقدرة، كما في قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: قدرة الله فوق قدرتهم، كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان عندي يد، أي: نعمة، ومعروف، وتطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. هذا؛ وأصل يد: (يدي) فحذفت منه الياء، والدليل على ذلك ردها إليه في الجمع، فنقول: الأيدي، كما في الآية الكريمة، وكذلك ترد إليه في التصغير، فنقول: يديو؛ لأن التكسير، والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها. الإعراب: ﴿لِيَأْكُلُوا:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (جعلنا) على الاعتبار الأول في الضمير، ومتعلقان بالفعل: (فجرنا) على الاعتبار الثاني في عود الضمير. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية، فعلى الأول والثاني مبنية على السكون في محل جر معطوفة على: ﴿ثَمَرِهِ،﴾ أو في محل نصب معطوفة على محل الجار والمجرور. ﴿عَمِلَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث حرف لا محل له، والهاء مفعول به. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير الواقع مفعولا به، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر، أو في محل نصب معطوف على ما قبله. هذا؛ وعلى اعتبار (ما) نافية فالجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.

стр. 5118

﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: أيرون هذه النعم، أو يتنعمون بهذه النعم، فلا يشكرونها، والكلام كله مستأنف، لا محل له. ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها:﴾ نزه الله نفسه عن قول الكفار؛ إذ عبدوا غيره مع ما رأوه من نعمه، وآثار قدرته. وفيه معنى الأمر، أي: سبحوه، ونزهوه عما لا يليق به. وقيل: فيه معنى التعجب، أي: عجبا لهؤلاء في كفرهم مع ما يشاهدونه من هذه الآيات! ومن تعجب من شيء قال: سبحان الله! و ﴿الْأَزْواجَ﴾ الأنواع، والأصناف، فكل زوج صنف؛ لأنه مختلف في الألوان، والطعوم، والأشكال، والصغر، والكبر، فاختلافها هو ازدواجها. وقال قتادة: يعني: الذكر، والأنثى. انتهى. قرطبي. ﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ:﴾ من النبات، وأنواع الشجر. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وخلق منهم أزواجا ذكورا، وإناثا. ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من أصناف خلقه في البر، والبحر، والسماء، والأرض. ثم يجوز أن يكون مما يخلقه لا يعلمه البشر، وتعلمه الملائكة. ويجوز أن لا يعلمه مخلوق. ووجه الاستدلال في هذه الآية: أنه إذا انفرد بالخلق، فلا ينبغي أن يشرك به. قال محمد علي الصابوني: سبحان الله ما أعظم قدرة الله، لقد كان السائد: أن الزوجية إنما تكون بين الإنسان، والحيوان فقط، وجاء القرآن بالمعجزة الباهرة المثبتة لما اكتشفه العلم الحديث منذ زمن قريب، وهي: أن الزوجية بين الإنسان، والحيوان، والنبات، والذرة، وسائر الكائنات، فقد ثبت: أن الذرة وهي أصغر أجزاء المادة، مؤلفة من زوجين مختلفين من الإشعاع الكهربائي: سالب، وموجب يتزاوجان، ويتحدان، وأن بين النبات أعضاء مذكرة، وأعضاء مؤنثة. فسبحان العلي القدير القائل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ..﴾. إلخ انتهى. هذا؛ وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فهذه الآية الكريمة عممت الزوجية في النبات، والإنسان وفي كل شيء مما نعلمه، ومما لا نعلمه، فسبحان الإله القدير العليم الذي أحاط علمه بكل الأكوان، وأحصى كل شيء عددا. انتهى. الإعراب: ﴿سُبْحانَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف لم يذكر. و ﴿سُبْحانَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض،

стр. 5119

والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿الْأَزْواجَ:﴾ مفعول به. ﴿كُلَّها:﴾ توكيد، و (ها): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿خَلَقَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والكلام ﴿سُبْحانَ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الأزواج، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من). ﴿تُنْبِتُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء تنبته الأرض. ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿وَمِمّا:﴾ جار ومجرور معطوفان على مثلهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء لا يعلمونه. ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ الشرح: المعنى: وعلامة ثانية لأهل مكة، ومن لف لفهم من المشركين دالة على قدرة الله، ووحدانيته، وبأنه جلت حكمته قادر على إعادة الأموات بعد فنائها، ويحييها يوم القيامة للحساب، والجزاء كما يسلخ الليل من النهار. والعكس صحيح. هذا؛ والسلخ: الكشط، والنزع. يقال: سلخه الله من دينه. ثم تستعمل بمعنى الإخراج، ففي الكلام استعارة تصريحية، شبه الله إزالة ضوء النهار، وانكشاف ظلمة الليل بسلخ الجلد عن الشاة، ونحوها، واستعارة اسم السلخ للإزالة، والإخراج، واشتق منه: ﴿نَسْلَخُ﴾ بمعنى: نخرج منه النهار بطريق الاستعارة التصريحية. وهذا من بليغ الاستعارة. وبين الليل، والنهار طباق. ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ:﴾ داخلون في الظلام، يقال: أظلمنا؛ أي: دخلنا في ظلام الليل، وأظهرنا: دخلنا في وقت الظهر، وكذلك: أصبحنا، وأضحينا، وأمسينا. هذا؛ والليل واحد بمعنى الجمع، واحده: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على: ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد القولين في اللغة، والقول الآخر: من غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار: ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر، بضمتين، كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثّريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل، وثريد بالنّهر وفي القليل: أنهر. والنهار: من طلوع الشمس، أو من طلوع الفجر-على ما تقدم في نهاية الليل- إلى غروب الشمس. وقد يطلق عليهما: اليوم. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس. وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]

стр. 5120

إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا كما ألغز بعضهم بقصب السكر، فقال: [الطويل] مهفهفة الأعطاف عذب مذاقها... تفوق القنا لكن بغير سنان ويأخذ كلّ الناس منها منافعا... وتؤكل بعد العصر في رمضان هذا؛ ويطلق على الليل والنهار اسم الجديدين، قالت الخنساء ﵂: [البسيط] إنّ الجديدين في طول اختلافهما... لا يفسدان ولكن يفسد النّاس أما (آية) فإنها تطلق على معان كثيرة: الدلالة: كما في هذه الآية ونحوها. وتطلق على المعجزة: مثل انشقاق القمر، ونحوه، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾. وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق على جملتين، أو أكثر من كلام الله تعالى، وعلى السورة بكاملها، وهو كثير. الإعراب: (آية): خبر مقدم. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). ﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٣٣]. ﴿نَسْلَخُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿النَّهارَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿اللَّيْلُ﴾ على اعتبار (ال) فيه للتعريف، والعامل في الحال: (آية) لما فيها من معنى للدلالة، أو في محل رفع صفة: ﴿اللَّيْلُ﴾ على اعتبار (ال) فيه للجنس، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً،﴾ حيث إن جملة ﴿يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ تصلح لأن تكون حالا من الحمار، وأن تكون نعتا له. ومثل الآيتين قول رجل من بني سلول، وهو الشاهد رقم (١٥٢) من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [الكامل] ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت: لا يعنيني فجملة: «يسبني» تصلح لأن تكون نعتا للئيم، وأن تكون حالا منه. ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب: ﴿فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ في الآية رقم [٢٩]. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي: وآية أخرى لهم الشمس تسير بقدرة الله في فلك لا تتجاوزه، ولا تتخطاه لزمن تستقر فيه، ولوقت تنتهي إليه، وهو يوم القيامة حيث ينقطع جريانها عند خراب العالم. وقال ابن كثير: وفي قوله تعالى: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قولان:

стр. 5121

أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث. روي البخاري عن أبي ذرّ-﵁-قال: كنت مع النبي ﷺ ، في المسجد عند غروب الشمس، فقال ﷺ : «يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس؟». قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّها تذهب حتّى تسجد تحت العرش، فتستأذن، فيؤذن لها. ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن، فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها». فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها..﴾. إلخ. والقول الثاني: أن المراد ب: «مستقرها» هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكوّر، وينتهي العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني، قال قتادة -رحمه الله تعالى-: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ أي لوقتها، ولأجل لا تعدوه. هذا؛ وقرأ ابن مسعود وابن عباس ﵃: «(لا مستقرّ لها)» أي: لا قرار لها، ولا سكون؛ بل هي سائرة ليلا نهارا، لا تفتر، ولا تقف، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾ الآية رقم [٣٣] من سورة (إبراهيم)، أي: لا يفتران، ولا يقفان إلى يوم القيامة. انتهى. ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: ذلك الجري، وذلك الدوران بانتظام، وبحساب دقيق هو تقدير القوي القادر الغالب على أمره، العليم بكل شيء صغيرا كان، أو كبيرا، سرا كان، أو جهرا. هذا؛ وجاء في الظلال للشهيد ما يلي: والشمس تدور حول نفسها، وكان المظنون أنها ثابتة في موضعها، الذي تدور فيه، ولكن عرف أخيرا: أنها غير مستقرة في مكانها، إنما هي تجري فعلا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني، الهائل بسرعة، حسبها الفلكيون باثني عشر ميلا في الثانية، والله ربها الخبير بها، وبجريانها يقول: إنها ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ هذا المستقر الذي تنتهي إليه، لا يعلمه إلا هو ، وحين نتصور أن حجم هذه الشمس يبلغ نحو مليون ضعف لحجم أرضنا هذه، وأن هذه الكتلة الهائلة تتحرك وتجري في الفضاء، لا يسندها شيء، ندرك طرفا من هذه القدرة، التي تصرّف هذا الوجود عن قوة، وعن علم. وصدق الله إذ يقول: ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني. هذا؛ وجاء في الكشاف ما يلي: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها:﴾ لحد لها مؤقت مقدر، تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق، والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا، ومغربا مغربا، حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع، فذلك حدها، ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه. أو لحد لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا، وهو المغرب. وقيل: مستقرها: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه، وهو آخر السنة. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 5122

هذا؛ والثابت: أن الشمس إذا غربت في ناحية من الأرض؛ تشرق على ناحية أخرى، مما يدل على أنها لا تقف أبدا، ويؤيد هذا القول ما قاله الفقهاء في باب مواقيت الصلاة من أن الأوقات الخمسة تختلف باختلاف الجهات، والنواحي، فقد يكون المغرب عندنا عصرا عند آخرين، ويكون الظهر عندنا صبحا عند آخرين، وهكذا. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿وَالشَّمْسُ:﴾ يجوز أن يكون معطوفا على ما قبله، فيكون التقدير: وآية لهم الشمس، وعليه فالإعراب مثله في الآية رقم [٣٣]. ويجوز أن يكون (الشمس) مرفوعا بفعل محذوف يفسره الثاني. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء، والجملة الفعلية بعده خبره، التقدير: والشمس جارية. اعتبارات ذكرها القرطبي، والثاني ضعيف معنى، تأمل. ﴿لِمُسْتَقَرٍّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (مستقر)، أو بمحذوف صفة له. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَقْدِيرُ:﴾ خبر المبتدأ. وهو مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل مما قبله، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ الشرح: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ..﴾. إلخ: أي: قدرنا له منازل، أو: قدرنا مسيره في منازل، مثل قوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ فإن الأصل: كالوا لهم، أو وزنوا لهم. والمنازل ثمانية وعشرون منزلا، ينزل كل ليلة في منزل منها، لا يتعداه يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين، أو ليلة إذا نقص، فإذا كان في آخر منازله رقّ، وتقوّس، كما قال تعالى: ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وهو العود الذي عليه شماريخ العذق إلى منبته من النخلة، و ﴿الْقَدِيمِ﴾ الذي أتى عليه الحول، فإذا قدم؛ عتق، ويبس، وتقوّس، واصفر، فشبه به القمر عند انتهائه إلى آخر منازله، فوجه الشبه فيه مركب، وهو الاصفرار، والدقة، والاعوجاج. وهذا التشبيه يسمى مجملا، فقد أجمل وجه الشبه في العرجون القديم. والعرجون القديم غصن النخل اليابس، وهذا اللفظ لم يذكر في غير هذه السورة. قال ابن كثير: جعل الله القمر لمعرفة الشهور، كما جعل الشمس لمعرفة الليل والنهار، وفاوت بين سير الشمس، وسير القمر، فالشمس تطلع كل يوم، وتغرب في آخره، وتنتقل في مطالعها، ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار، ويقصر الليل، ثم يطول الليل، ويقصر النهار، وهو كوكب نهاري: ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ،﴾ وأما القمر فقدره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع؛ ازداد نوره، وضياؤه؛ حتى يتكامل

стр. 5123

نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر حتى يصير كالعرجون القديم. انتهى. تنبيه: قال الله تعالى في الآية رقم [٥] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ وقال ﵎ في الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء): ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾. وقال جل شأنه في الآية رقم [١٨٩] من سورة (البقرة): ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ..﴾. إلخ انظر شرح هذه الآيات في محالّها تجد: أن العبادات الإسلامية والمعاملات كلها مرتبط بحركة القمر الدورانية، لا دخل للعبد في صنع شيء من ذلك. فالحمد لله على ما أنعم، وأعطى. وتكرم! بقي أن تعرف منازل القمر الثمانية والعشرين بأسمائها، وهي مواقع النجوم؛ التي نسبت إليها العرب الأنواء الماطرة، وهي: (الشّرطان، البطين، الثّريّا، الدّبران، الهقعة، الهنعة، الذّراع، النّثرة، الطّرف، الجبهة، الخراتان، الصّرفة، العوّاء، السّماك، الغفر، الزّبانيان، الإكليل، القلب، الشولة، النّعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلغ، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدّم، الفرغ المؤخّر، بطن الحوت)، فإذا صار القمر في آخرها؛ عاد إلى أولها، وهذه المنازل منقسمة على البروج، لكل برج منزلان، وثلث، انظر الآية رقم [٦١] من سورة (الفرقان) لمعرفة هذه البروج. الإعراب: ﴿وَالْقَمَرَ:﴾ يقرأ بالرفع، فتجري فيه الاعتبارات التي ذكرتها في قوله: ﴿وَالشَّمْسُ﴾ ويقرأ بالنصب وهي قراءة الكوفيين، وبها قرأ حفص، وهو اختيار أبي عبيد، واختار الفراء الرفع، فعلى النصب فهو مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿قَدَّرْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، والهاء مفعول به، أو مجرورة بحرف جر، كما رأيت في الشرح. ﴿مَنازِلَ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول ثان ل: (قدرنا) بمعنى: صيرنا. الثاني: أنه حال، ولا بد من تقدير مضاف قبل: ﴿مَنازِلَ،﴾ تقديره: ذا منازل. الثالث: أنه ظرف، أي: قدرنا سيره في منازل. الرابع: أنه مفعول به على اعتبار الضمير مجرورا، بحرف جر محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: (القمر)، أو في محل نصب حال منه على رفعه، ومفسرة على نصبه، لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿عادَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى: (القمر). ﴿كَالْعُرْجُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. وإن اعتبرت الفعل ناقصا؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبره، وإن اعتبرت الكاف اسما فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافا، و (العرجون) مضاف إليه. ﴿الْقَدِيمِ﴾

стр. 5124

صفة: (العرجون)، و «أن» المضمرة بعد: ﴿حَتّى﴾ والفعل: ﴿عادَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ الشرح: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي..﴾. إلخ: أي: لا يصح للشمس ولا يتسهل لها أن تدرك القمر في سرعة سيره، فإن ذلك يخل بتكوين النبات وبعيش الحيوان، أو في آثاره، ومنافعه، أو مكانه بالنزول إلى محله، أو سلطانه فتطمس نوره. وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة، لا يتيسر لها إلا ما أريد بها. انتهى. بيضاوي. وفحوى الآية الكريمة: أن الشمس والقمر لا يتوافقان في السير، ولا يجتمعان معا، فأما قوله تعالى في سورة القيامة رقم [٩] ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ فذلك يكون حين تحبس الشمس عن الطلوع من المشرق، وتطلع من المغرب، وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا، وقيام الساعة، فذلك اليوم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ..﴾. إلخ الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام). ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي: كل من الشمس، والقمر، والنجوم. هذا؛ وقال تعالى في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ والمعنى: كل واحد مما ذكر في فلك يسبحون، أي يجرون، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. وإنما جمعهن جمع المذكر السالم بالواو والنون، وهو للعقلاء؛ لأنه ﵎ ذكر عنهن فعل العقلاء، وهو السباحة والجري، وجعلهن في الطاعة والانقياد بمنزلة من يعقل، وهذا يتكرر في القرآن الكريم، وقد ذكرته في محالّه. هذا؛ والفلك بفتحتين: مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وجمعه: أفلاك ويجمع على: فلك، مثل: أسد، وأسد. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه الكواكب، فكل كوكب يجري في السماء، الذي قدر له أن يجري فيه. وقيل: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل، فهو الذي تجري فيه النجوم، وهو مستدير كاستدارة الرحى. وقيل: غير ذلك، وقال أصحاب الهيئة: الأفلاك: أجرام صلبة، لا ثقيلة، ولا خفيفة، غير قابلة للخرق، والالتئام، والنمو، والذبول. والحق: أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات، إلا بإخبار الصادق، فسبحان الخالق، المدبر لخلقه بالحكمة، والقدرة الباهرة غير المتناهية. الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿الشَّمْسُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿لَها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْ تُدْرِكَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الشَّمْسُ﴾. ﴿الْقَمَرَ:﴾ مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والمضارع في تأويل

стр. 5125

مصدر في محل رفع فاعل ﴿يَنْبَغِي،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَنْبَغِي..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿لا الشَّمْسُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿اللَّيْلُ:﴾ مبتدأ. ﴿سابِقُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿النَّهارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿النَّهارِ،﴾ وحذف تنوين ﴿سابِقُ﴾ فيكون ﴿النَّهارِ﴾ مفعولا به صريحا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَكُلٌّ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كل): مبتدأ، سوغ الابتداء به الإضافة المقدرة. ﴿فِي فَلَكٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يسبحون في فلك» في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا لا بأس به. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ الشرح: المعنى: وعلامة أخرى واضحة للناس على كمال قدرتنا: أننا حملنا آباءهم الأقدمين (وهم ذرية آدم) في سفينة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-؛ التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. انتهى. صفوة التفاسير. وفي البيضاوي: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أولادهم الذين يبعثونهم في تجاراتهم، أو صبيانهم، ونساءهم؛ الذين يصطحبونهم في أسفارهم. فإن الذرية تقع عليهن؛ لأنهن مزارعهما، وتخصيصهم في الذكر؛ لأن استقرارهم في السفن أشق، وتماسكهم فيها أعجب، وقيل: المراد: فلك نوح، وحمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل آباءهم الأقدمين. وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وتخصيص الذرية بالذكر؛ لأنه أبلغ في الامتنان، وأدخل في التعجب مع الإيجاز. انتهى. بتصرف. هذا؛ و ﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء بالبضائع، والناس، والدواب، وغير ذلك من بترول، ونحوه في هذه الأيام. هذا؛ وقد استدل بهذه الآية على أن الذرية تطلق على الآباء كما تطلق على الأولاد، وهو ما في التاج، وتجمع جمع تكسير: ذراري كما تجمع جمع مؤنث سالما: (ذريات). وإطلاق ذرية على الآباء لأن الله ذرأ منهم الأولاد. هذا؛ و ﴿الْفُلْكِ:﴾ بضم الفاء وسكون اللام، يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فقد أفرد في هذه الآية، وذكّر، وقال تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾. فأنث، ويحتمل الإفراد، والجمع، وقال جل شأنه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾. فجمع، وكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى معنى المركب، فتذكر، وإلى معنى السفينة، فتؤنث، وقد ألغز فيها الشاعر حيث قال: [الطويل] مكسّحة تجري ومكفوفة ترى... وفي بطنها حمل على ظهرها يعلو فإن عطشت عاشت وعاش جنينها... وإن شربت ماتت وفارقها الحمل

стр. 5126

ولا تنس: أن أول من اخترع السفينة (وهي الفلك) نوح، على نبينا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ومن تصميمها وشكلها أخذت البشرية تصنع السفن، وتتطور جيلا بعد جيل، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في العصر الحاضر. هذا؛ وقد كانت السفن في الزمن الماضي تسير بواسطة الرياح، وأما في أيامنا هذه؛ فإنها تسير بواسطة البخار، ففي الزمن الماضي، كان البحارون يلقون العناء إذا اضطرب البحر، أو عاكست الرياح مسير السفينة، وقد عبر المتنبي عن ذلك، بقوله: (وهو جار مجرى المثل): [البسيط] ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه... تأتي الرياح بما لا تشتهي السّفن هذا؛ والذرية هي النّسل من بني آدم، وهي تقع على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً،﴾ وعلى الواحد كما في قوله تعالى حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من: «الذّرا» بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظل فلان، وفي ذراه، أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته. وهو بضم الذال: أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. أبدلت همزة الذّرء ياء، ثم شددت الياء، وتبعتها الراء في التشديد. الإعراب: ﴿وَآيَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (آية): مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر مقدم. ﴿أَنّا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿حَمَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْفُلْكِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَشْحُونِ:﴾ صفة، وجملة: ﴿حَمَلْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر. وهذا الإعراب هو فحوى كلام ابن هشام في المغني. وأجاز أبو البقاء اعتبار هذا المصدر خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هي أننا... إلخ. وقال مكي: المصدر المؤول مفسر ل: (آية). هذا؛ وأرى أنّ (آية) خبر مقدم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية). والمصدر المؤول في محل مبتدأ مؤخر، مثله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ، و ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ..﴾. إلخ. ولا حاجة إلى هذه التأويلات. والجملة الاسمية معطوفة على الجملتين المذكورتين. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ الشرح: المعنى: خلقنا لأهل مكة، وللناس أجمعين مثل الفلك المذكورة. ﴿ما يَرْكَبُونَ:﴾ من الإبل؛ لأن الله خلقها للركوب، وللحمل مثل السفن المركوبة في البحر، والعرب تشبه الإبل بالسفن، قال طرفة في معلقته رقم [٤]. [الطويل]

стр. 5127

كأنّ حدوج المالكيّة غدوة... خلايا سفين بالنّواصف من دد هذا قول. والقول الثاني: أن المراد جميع ما يركب من الدواب. والقول الثالث: أن المراد: السفن، وأن المراد في الفلك المشحون: سفينة نوح خاصة على نحو ما رأيت فيما تقدم. قاله ابن عباس-﵄. وهو الأظهر لقوله تعالى في الآية التالية: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾. الإعراب: ﴿وَخَلَقْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (خلقنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ مِثْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ما﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿مِنْ﴾ صلة في الإيجاب على مذهب الأخفش. ومثله حال من: ﴿ما﴾. وقدمت لمناسبة رءوس الآي، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف التقدير: الذي يركبونه. وجملة: ﴿وَخَلَقْنا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿حَمَلْنا..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ أي: في البحر، ونهلكهم فيه. ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ:﴾ فلا مغيث لهم، ولا معين، ولا منجد فهو فعيل بمعنى فاعل. وفي سورة (إبراهيم) قوله تعالى حكاية عن قول إبليس-أخزاه الله تعالى-: ﴿ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾. ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ:﴾ ينجون من الموت. قال ابن عباس-﵄: ولا أحد ينقذهم من عذابي. هذا؛ وكما يطلق (الصريخ) على المغيث يطلق على الصارخ، وهو المستغيث فهو من الأضداد، كما صرح به أهل اللغة، ويكون مصدرا بمعنى: الإغاثة؛ لأنه في الأصل بمعنى: الصراخ، وهو صوت مخصوص، وكل منهما صحيح هنا. انتهى. جمل نقلا من الشهاب، وقد قال الشاعر، -وهو الشاهد رقم [١٠٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم... ما بين ملجم مهره، أو سافع والصراخ: صوت المستغيث، وصوت المغيث؛ إذا صرخ بقومه للإغاثة. قال سلامة بن جندل: [البسيط] إذا ما أتانا صارخ فزع... كان الصراخ له قرع الظّنابيب الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، التقدير: وإن نشأ إهلاكهم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿نُغْرِقْهُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها كلام

стр. 5128

معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له. ﴿فَلا:﴾ الفاء: قال أبو البقاء: حرف استئناف، وبه قال ابن عطية. وأرى صحة اعتبارها فصيحة تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا شئنا إغراقهم؛ (فلا...) إلخ. (لا): نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ». ﴿صَرِيخَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا). هذا؛ وقال أبو البقاء: وقرئ بالرفع، والتنوين، فتكون: (لا) عاملة عمل: «ليس»، وعلى الاعتبارين: لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة بالفاء. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿نُغْرِقْهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْقَذُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع إلخ، والواو نائب فاعله، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤)﴾ الشرح: ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا..﴾. إلخ: أي لا ينقذهم من الغرق أحد إلا نحن؛ لأجل رحمتنا إياهم، وتمتيعنا لهم إلى انقضاء آجالهم. فقد بين الله تعالى: أن ركوبهم السفن في البحر من الآيات العظيمة الباهرة، فإن سير السفينة بما فيها من الرجال، والأثقال فوق سطح الماء آية باهرة، فقد حملتهم قدرة الله تعالى، ونواميسه التي تحكم، وتصرفه بحكم خواص السفن، وخواص الماء، وخواص الريح، وكلها من أمر الله تعالى، وخلقه وتقديره، والسفينة في البحر الخضم كالريشة في مهب الهواء، وإن لم تدركها رحمة الله؛ فهي هالكة في لحظة من ليل، أو نهار، والذين ركبوا البحار، وشاهدوا الأخطار يدركون هول البحر المخيف، ويحسون معنى رحمة الله ﵎، وأنها وحدها هي المنجي لهم من بين العواصف، والتيارات. انتهى. صفوة التفاسير. هذا؛ وانظر ما ذكره الله تعالى عن الكافرين في الآية رقم [٣٢] من سورة (لقمان) حيث يلجئون إلى الله تعالى حين يغشاهم الموج من جميع جهاتهم، ويدركون: أنهم هالكون لا محالة. ومعنى ﴿إِلى حِينٍ:﴾ إلى أجل يموتون فيه، لا بد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق، ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي؛ إذ يقول: [الوافر] ولم أسلم لكي أبقى ولكن... سلمت من الحمام إلى الحمام ورحم الله من يقول: [الطويل] ومن لم يمت بالسيف مات بغيره... تنوّعت الأسباب، والموت واحد ﴿وَمَتاعاً:﴾ انتفاعا، وتلذذا. وتمتع، واستمتع بكذا: انتفع به، والمتعة: الانتفاع، والتلذذ بالشيء، وأمتعه الله، ومتّعه بكذا بمعنى واحد، ومتاع الغرور: أي: ما يغر، ويخدع، ولا يغر إلا ضعفاء الإيمان، وذوي النفوس المريضة. وخاب الفسقة الذين يقولون: إن متاع الغرور

стр. 5129

المذكور في كثير من الآيات هو ما تحمله المرأة في أيام حيضها من خرق. فمن أين أتوا بهذا التفسير الذي لا يقره ذوق، فضلا عن عدم وجوده في كتاب اللغة؟ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٨] من سورة (الصافات) تجد ما يسرك، وانظر شرح (الحين) في سورة (ص) رقم [٨٨]. الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿رَحْمَةً:﴾ استثناء منقطع؛ لأنه ليس من جنس ما قبله، فهو استثناء من أعم العلل، فهو بمعنى المفعول لأجله. وقيل: هو مفعول مطلق، فعله محذوف. وقيل: هو منصوب على نزع الخافض. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿رَحْمَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَمَتاعاً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلى حِينٍ:﴾ متعلقان ب: (متاعا)، أو بمحذوف صفة له. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ:﴾ لهؤلاء الكافرين من أهل مكة، وغيرهم. ومثلهم الملحدون، والفاسقون، والمفسدون في هذه الأيام. ﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ أي: الوقائع التي خلت، والعذاب المعد لكم في الآخرة. أو: نوازل السماء، ونوائب الأرض، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ..﴾. إلخ، الآية رقم [٩] من سورة (سبأ) أو المراد: عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، أو عكسه، أو: ما تقدم من الذنوب، وما تأخر. هذا؛ والتعبير عن الأمام، والخلف بقوله تعالى: ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ﴾ ونحوه كثير في القرآن الكريم؛ وإن اختص كل موضع بتفسير، ومعنى حسب مقتضيات الأحوال، واختلافها، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء) يفسر بغير ما في هذه الآية، وكذلك الآية رقم [١١٠] من سورة (طه) وكلتاهما تخالفان معنى قوله ﵎: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ و ﴿قِيلَ﴾ أصلها: (قول) بضم القاف، وكسر الواو، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب حركتها، فصار: (قول) بكسر القاف وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لوقوعها ساكنة بعد كسرة، فصار: قيل. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيكُمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والكاف ضمير

стр. 5130

متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ معطوفة على سابقتها فهي في محل نصب مثلها. ﴿خَلْفَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول إلخ، والجملة الفعلية: ﴿اِتَّقُوا..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه» وهذا لا غبار عليه. هذا؛ وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر، تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف يدل عليه المقام، التقدير: وقيل قول. وقيل: الجار والمجرور ﴿لَهُمُ﴾ في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني؛ حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو: (لا حول ولا قوة إلاّ بالله كنز من كنوز الجنة) ونحو: (زعموا مطية الكذب). وجملة: ﴿قِيلَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب (إذا) محذوف، تقديره: أعرضوا بدليل الآية التالية. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية فيها معنى التعليل للأمر. و (إذا) ومدخولها، كلام معطوف على (إنّ) ومدخولها لا محل له مثله. ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾ الشرح: المعنى: وما تأتي هؤلاء المشركين من أهل مكة، وغيرهم علامة من العلامات الواضحة، الدالة على صدق الرسول ﷺ ، كالمعجزات الباهرة؛ التي أيده الله بها، إلا أعرضوا عنها على وجه التكذيب، والاستهزاء. قال أبو السعود: وإضافة الآيات إلى اسم الرب جل وعلا؛ لتفخيم شأنها، المستتبع لتهويل ما اجترءوا عليه في حقها، والمراد بالآيات: الآيات التنزيلية، التي من جملتها الآيات الناطقة ببدائع صنع الله وسوابغ آلائه، أو الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات التي من جملتها ما ذكر من شئونه الشاهدة بوحدانيته تعالى، وتفرده بالألوهية. انتهى. صفوة التفاسير. وقال الجمل نقلا من أبي السعود أيضا: الآية وسابقتها بيان لإعراضهم عن الآيات التنزيلية بعد بيان إعراضهم عن الآيات الآفاقية؛ التي كانوا يشاهدونها، وعدم تأملهم فيها. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿آيَةٍ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿مِنْ آياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٍ،﴾ و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه. والهاء ضمير متصل في محل جر

стр. 5131

بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُعْرِضِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم. وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، وجملة: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) المقدر، أو هي مستأنفة ولا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين من أهل مكة، ومن على شاكلتهم من مانعي الزكاة على سبيل النصيحة، والإرشاد. ﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ:﴾ أعطوا الفقراء قسما من الأموال التي رزقكم الله إياها، وأنعم عليكم بها. ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بالله، وبحكمته، وأحكامه. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قالوا لهم تهكما، وسخرية، واستهزاء بهم. ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ أي: أنعطي ونرزق من لو يشاء الله أعطاه، ورزقه؟! ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ما أنتم أيها المؤمنون إلا في خطأ ظاهر واضح؛ حيث تأمروننا بأن ننفق أموالنا على من أفقرهم الله، ولو شاء؛ لأغناهم مثلنا. وقيل: إن الجملة الاسمية من قول المؤمنين للكافرين. وقيل: هي من قول الله لهم. قال الخازن: نزلت الآية في كفار قريش، وذلك: أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم: أنه لله تعالى من أموالكم. وهو ما جعلوه لله من حروثهم، وأنعامهم. انتهى. وقال القرطبي: قيل: إن أبا بكر الصديق-﵁-كان يطعم مساكين المسلمين، فلقيه أبو جهل الخبيث، فقال: يا أبا بكر! أتزعم: أن الله قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم. قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصبر، وأمر الأغنياء بالإعطاء. فقال: يا أبا بكر! ما أنت إلا في ضلال، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء، وهو لا يطعمهم؟ ثم تطعم أنت، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى في سورة الليل: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى..﴾. إلخ. هذا؛ وقد صدقوا في قولهم لو شاء الله أطعمهم، ولكن كذبوا في الاحتجاج، ومثله ما حكى الله عنهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٨] من سورة (الأنعام)، وقوله تعالى عن المنافقين: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾. انتهى. وقال الخازن: ومعنى الآية: أنهم قالوا: لو أراد الله أن يرزقهم؛ لرزقهم، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم، فلا نطعم من لم يطعمه. وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون: لا نعطي من

стр. 5132

حرمه الله، وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله ﵎ أغنى بعض الخلق، وأفقر بعضهم، ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا، وأعطى الدنيا للغني لا استحقاقا، وأمر الغني بالإنفاق، لا حاجة إلى ماله، ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من مال الغني، ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله تعالى، وحكمته في خلقه، والمؤمن يوافق أمر الله فيما أمر، وينتهي عما نهى عنه. انتهى. الإعراب: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٤٥]. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: من رزق الله لكم، وعلى الاعتبارين الأولين فالجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أنفقوا من الذي، أو من شيء رزقكم الله إياه، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على مثله، لا محل له مثله. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلته. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿قالَ،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنُطْعِمُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (نطعم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لو يشاء الله إطعامه. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَطْعَمَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب: ﴿لَوْ،﴾ و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والجملة الفعلية: ﴿أَنُطْعِمُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب: (إذا)، لا محل لها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة: ﴿ضَلالٍ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، إن كانت من مقول الذين كفروا، ومستأنفة إن كانت من قول المؤمنين، أو من قول الله تعالى. ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)﴾ الشرح: لما قيل لهم: ﴿اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ؛﴾ قالوا: متى يكون يوم القيامة الذي تتوعدوننا به؟ ومتى يقع هذا العذاب الذي تخوفوننا به؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم: أن هناك بعثا، أو نشورا، وحسابا شديدا، وعذابا أليما فأتوا بذلك كله. وقولهم هذا على وجه التكذيب،

стр. 5133

والاستبعاد، والاستهزاء، وإنما قالوا بلفظ الجمع: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لأن كل أمة قالت لرسولها كذلك. أو المعنى إن كنت صادقا أنت، وأتباعك يا محمد! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يقولون): فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿مَتى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الْوَعْدُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾ خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، انظر تقديره في الشرح، والكلام كله في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: (يقولون...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾ الشرح: ﴿ما يَنْظُرُونَ:﴾ ما ينتظرون. ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً:﴾ هي نفخة إسرافيل الأولى التي يموت بها من كان على وجه الأرض. ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ:﴾ يتخاصمون في متاجرهم، وفي معاملاتهم، وفي بيعهم، وشرائهم، فيموتون في مكانهم. وهذه نفخة الصعق. وفي ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ خمس قراءات: وأصله: يختصمون، فسكنت التاء، وأدغمت في الصاد، ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. فهذه الآية تحدثنا عن أول أهوال يوم القيامة. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «ولتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومنّ الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». أخرجه البخاري. انتهى. خازن. ولم أجده في التجريد الصريح، أما الحافظ المنذري، فقال: رواه أحمد وابن حبان في صحيحه. الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿صَيْحَةً:﴾ مفعول به. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة. ﴿تَأْخُذُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿صَيْحَةً،﴾ والهاء مفعول به. والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿صَيْحَةً،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها ب: ﴿واحِدَةً﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿يَخِصِّمُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة

стр. 5134

الاسمية في محل نصب حال من الضمير المنصوب. والرابط: الواو، والضمير. والجملة الفعلية: ﴿ما يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾ الشرح: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي: إذا حصلت الصيحة؛ فلا يقدر الناس أن يوصي بعضهم بعضا بأمر من الأمور، أو بالتوبة إلى الله تعالى، والإقلاع عن المعاصي؛ بل يموت كل واحد في مكانه الذي هو فيه. ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يرجعون إلى منازلهم. بمعنى لا يتمكنون من ذلك. والحديث الذي ذكرته شاهد صدق. الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَوْصِيَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿إِلى أَهْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ الشرح: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ:﴾ الصور كهيئة البوق. قاله مجاهد، ويدل على صحته ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصّور؟ قال: «قرن ينفخ فيه». أخرجه أبو داود والترمذي رحمهما الله تعالى، وقال أبو هريرة ﵁، قال النبي ﷺ : «إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصّور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة». قلت: يا رسول الله! ما الصّور؟ قال: «قرن والله عظيم! والذي بعثني بالحقّ إنّ عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض!». وعن أبي سعيد الخدري-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم؟ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ؟!». وكأنّ ذلك ثقل على أصحابه، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟! وكيف نقول؟ فقال: «قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكّلنا». وربّما قال: «توكلنا على الله». أخرجه الترمذي. وينبغي أن تعلم: أن الذي ينفخ في الصور، إنما هو إسرافيل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أحد الملائكة العشرة المقربين، وهو ينفخ نفختين، بينهما أربعون عاما على الصحيح، الأولى: لإماتة الخلق أجمعين، والثانية: لإحيائهم، وبعثهم للحساب، والجزاء.

стр. 5135

والآيات هنا دلت على ذلك. وخذ قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٦٨]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾. ﴿فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ أي: القبور، وقرئ بالفاء: «(من الأجداف)» ذكره الزمخشري، يقال: جدث، جدف، واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع: أجدث، وأجداث، قال المنتخل الهذلي: [الوافر] عرفت بأجدث، فنعاف عرق... علامات كتحبير النّماط هذا؛ وقال تعالى في سورة (القمر): ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ،﴾ وقال في سورة (المعارج): ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ:﴾ يخرجون. ومنه قول امرئ القيس في معلقته رقم [٢٧]: [الطويل] وإن كنت قد ساءتك منّي خليقة... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلي قرئ بضم السين، وكسرها، ومنه قيل للولد: نسل؛ لأنه يخرج من بطن أمه. وقيل: المعنى: يسرعون، والنسلان، والعسلان: الإسراع في السير، ومنه: مشية الذئب، قال لبيد. وقيل: هو للنابغة: [الرمل] عسلان الذئب أمسى قاربا... برد الليل عليه فنسل الإعراب: ﴿وَنُفِخَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نفخ): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ﴿فَإِذا هُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿مِنَ الْأَجْداثِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿إِلى رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما أيضا، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَنْسِلُونَ:﴾ مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: ﴿هُمْ﴾. ﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ الشرح: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا﴾ أي: يقول الكافرون حين يخرجون من قبورهم: يا هلاكنا. وهذه القراءة سبعية، وقرأ ابن أبي ليلى: «(يا ويلتنا)» بتاء التأنيث، وعنه أيضا: «(يا ويلتى)» بإبدال الياء ألفا، وتأويل هذا: أن كل واحد منهم يقول: يا ويلتي. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ والتعبير في هذه الآية، ونحوها بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه. ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا:﴾ من أخرجنا من قبورنا التي كنا فيها؟ وهذا على اعتبار (مرقد) اسم مكان، وأما على اعتباره مصدرا، فيكون المعنى: من بعثنا من رقادنا؟ أي: من نومنا، وهذا

стр. 5136

أحسن؛ لأن المصدر يفرد مطلقا، بخلافه على الأول، فيكون المفرد أقيم مقام الجمع، فإن قيل: كيف يقولون هذا، وهم من المعذبين في قبورهم؟ فالجواب: يكون من ثلاث جهات: الأولى: قال أبي بن كعب: ينامون نومة. الثانية: قال أبو صالح: إذا نفخ النفخة الأولى رفع العذاب عن أهل القبور، وهجعوا هجعة إلى النفخة الثانية، وبينهما أربعون سنة. وهذا قاله ابن عباس، وقتادة-﵄-الثالثة: قال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وما فيها من أنواع العذاب، صار ما عذّبوا به في قبورهم إلى جنب عذابها كالنوم. أقول: ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾. ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: هذا الذي وعدكم الله به من البعث بعد الموت، والحساب، والجزاء، وصدق رسله الكرام فيما أخبرونا به عن الله تعالى. وهذا من كلامهم. وقيل: هو من كلام الملائكة لهم. وقيل: هو من كلام المؤمنين جوابا لهم عن سؤالهم، معدولا به عن سننه، تذكيرا لكفرهم، وتقريعا لهم عليه، وتنبيها بأن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث، كأنهم قالوا: بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث، فأرسل إليكم الرسل، فصدقوكم، وليس الأمر كما تظنونه، فإنه ليس بعث النائم، فيهمكم السؤال عن الباعث، وإنما هو البعث الأكبر ذو الأهوال. انتهى. بيضاوي بتصرف. هذا؛ وفي الآية استعارة تصريحية أصلية، حيث استعير الرقاد للموت. والجامع بينهما عدم ظهور الفعل منهما. وهذا على اعتبار (مرقد) مصدرا ميميا، وأما على اعتباره اسم مكان؛ فالاستعارة تبعية. الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. (يا): أداة نداء، والمنادى محذوف. كأنهم قالوا لبعضهم: يا هؤلاء ويلا لنا، فلما أضاف حذف اللام الثانية، وعليه ف: (ويلا) مصدر مفعول مطلق فعله محذوف. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، وهذا قاله الجلال، وأيده سليمان الجمل، وقول لمكي، وأجيز اعتبار: (ويلنا) منادى مثل: ﴿يا حَسْرَةً﴾ في الآية رقم [٣٠] فيكون المعنى: يقول الكافر يوم القيامة: تعال يا ويل هذا زمانك، وإبانك، وقال الكوفيون: إن (ويل) كلمة برأسها، و «لنا» جار ومجرور متعلقان به. ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد، وهو أن يكون: يا عجب لنا؛ لأن (وي) تفسر بمعنى: أعجب منا. انتهى. جمل. وعليه يكون الكافر قد نادى العجب. تأمل، وتدبر. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَعَثَنا:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. و (نا): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول كالجملة التي قبلها، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5137

هذا؛ وقرئ: «(من بعثنا)» على اعتبارهما جار ومجرور متعلقين بالمصدر: (ويل). ﴿مِنْ مَرْقَدِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما على القراءتين. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكره موصوفة مبنية على السكون في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: هذا الذي، أو: شيء وعده الرحمن عباده، فيكون قد حذف المفعولين، ويجوز اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع خبر المبتدأ، فيكون التقدير: هذا؛ وعد الرحمن عباده البعث، والجزاء، وصدق المرسلين. وعلى الأول، التقدير: والذي صدقه المرسلون. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر الشرح. هذا؛ وأجيز اعتبار اسم الإشارة في محل جر صفة ل: ﴿مَرْقَدِنا،﴾ فيكون الوقف على ﴿مَرْقَدِنا﴾. هذا، وما بعده مستأنف، وفيه ثلاث اعتبارات: الأول: ﴿ما:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو ما وعد الرحمن. الثاني: بمعنى: الحق ما وعد الرحمن. والثالث: أن يكون بمعنى: الذي وعد الرحمن حق. والكلام هذا في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر ما ذكرته في الشرح. ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ أي: ما كانت النفخة الثانية التي ينفخها إسرافيل على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ ويقرأ برفع صيحة على اعتبار (كان) تامة، ومثلها الآية رقم [٢٩]. وفي القرطبي: يعني: إن بعثهم، وإحياءهم كان بصيحة واحدة، وهي قول إسرافيل: أيتها العظام النخرة، والأوصال المتقطعة، والشعور المتفرقة، واللحوم المتمزقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وهو فحوى قوله تعالى في سورة (ق): ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أي: مجموعون عندنا للحساب، والجزاء، وفي ذلك تهوين البعث، والحشر، والنشر، واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان بها فيما يشاهدونه، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون». قيل: أربعون يوما؟ قال أبو هريرة: أبيت، قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، «ثمّ ينزل من السّماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء، إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذّنب، منه يركّب الخلق يوم القيامة». رواه البخاري، ومسلم. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه محذوف، يفهم من المقام، التقدير: ما كانت الفعلة التي فعلها إسرافيل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿صَيْحَةً:﴾

стр. 5138

خبر كان، وعلى قراءتها بالرفع، فهي فاعل: ﴿كانَتْ،﴾ على اعتبارها بمعنى حصلت، ووقعت. ﴿واحِدَةً:﴾ صفة: ﴿صَيْحَةً﴾ على القراءتين. ﴿فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿لَدَيْنا:﴾ ظرف مكان متعلق بما بعده، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، لاتصاله ب: (نا) التي هي ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة ﴿جَمِيعٌ﴾ مرفوع إلخ، والجملة الفعلية: ﴿إِنْ كانَتْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ أي: ففي ذلك اليوم يوم القيامة، لا تظلم نفس شيئا بنقص ثوابها، أو بزيادة وزرها، سواء أكانت هذه النفس برة، أو فاجرة. ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ..﴾. إلخ: أي: لا تجزون إلا بأعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا حكاية لما سيقال لهم في الآخرة حين يرون العذاب المعد لهم، تحقيقا للحق، وتصديقا للوعيد، والوعد، وتقريعا لهم. الإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُظْلَمُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿نَفْسٌ:﴾ نائب فاعله. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به ثان، أو هو نائب مفعول مطلق. والجملة الفعلية: ﴿فَالْيَوْمَ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها. والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو: شيئا كنتم تعملونه. وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: إلا عملكم. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ على جميع الوجوه فيها منصوبة بنزع الخافض، التقدير: إلا بما كنتم تعملون، وهو كثير في القرآن الكريم، وجملة: ﴿وَلا تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ أَصْحابَ..﴾. إلخ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ أي: بما هم فيه من اللذات، والنعيم عن الاهتمام بأهل المعاصي، ومصيرهم إلى النار، وما هم فيه من أليم العذاب، وإن كان فيه أقرباؤهم، وأهلوهم، وقال ابن كيسان: مشغولون في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: مشغولون في ضيافة الله تعالى، وروي: أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين عبادي الذين أطاعوني،

стр. 5139

وحفظوا عهدي بالغيب؟ فيقومون كأن وجوههم البدر، والكوكب الدّرّي ركبانا على نجب من نور، أزمتها الياقوت، تطير بهم على رءوس الخلائق، حتى يقوموا بين يدي العرش، فيقول الله لهم: «السّلام على عبادي الذين أطاعوني، وحفظوا عهدي بالغيب، أنا اصطفيتكم، وأنا اجتبيتكم وأنا اخترتكم، اذهبوا فادخلوا الجنة بغير حساب، و ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» فيمرون على الصراط كالبرق الخاطف، فتفتّح لهم أبوابها، ثم إن الخلق في المحشر موقوفون، فيقول بعضهم لبعض: يا قوم أين فلان وفلان؟ وذلك حين يسأل بعضهم بعضا فينادي مناد: ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾. انتهى. قرطبي. وقال ابن عباس-﵄: شغلوا بافتضاض الأبكار، وسماع الأوتار عن أهليهم من أهل النار، لا يذكرونهم؛ لئلا يتنغصوا. وقال أبو حيان: والظاهر: أن الشغل هو النعيم؛ الذي قد شغلهم عن كل ما يخطر بالبال، وهذا أولى وأقوى. و: ﴿تَفَكَّهُونَ:﴾ مسرورون، ناعمون، فرحون، وقرئ: «(فكهون)» و «(فكهين)» وفي تنكير ﴿شُغُلٍ﴾ وإبهامه، تعظيم لما هم فيه من البهجة، والتلذذ، وتنبيه على أنه مما لا يحيط به الأفهام، ولا يعرب عن كنهه الكلام. هذا؛ وقرئ: ﴿شُغُلٍ﴾ بضم الغين، وسكونها، وهي قاعدة عربية. قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله. وذلك مثل: رسل، وعسر، ويسر، وأسد، ورحم... إلخ، ولا تنس: أن الله ﵎ لما أخبر عن حال المجرمين، ومآلهم؛ أخبر عن حال الأبرار المتقين، ومآلهم. وتلك سنة اقتضتها حكمة الحكيم العليم، ورحمته في كتابه الكريم بأن لا يذكر التكذيب من الكافرين والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. وهذا ما يسمى بالمقابلة. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَصْحابَ:﴾ اسم (إنّ) وهو مضاف، و ﴿الْجَنَّةِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾. وقيل: متعلق بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿فِي شُغُلٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر أول، وأجيز تعليقهما بما بعدهما. ﴿تَفَكَّهُونَ:﴾ خبر مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ أَصْحابَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ:﴾ في ظلال الجنان الوارفة؛ حيث لا شمس فيها، ولا زمهرير، و ﴿ظِلالٍ﴾ جمع: ظلة، مثل: قباب جمع: قبة، أو جمع: ظل، مثل: شعاب

стр. 5140

جمع: شعب. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ السرر في الحجال، واحدها أريكة، مثل: سفينة، وسفائن، والمراد بها: نحو قبة تغلق على السرير، وتزين به العروس، قال الشاعر: [الطويل] كأنّ احمرار الورد فوق غصونه... بوقت الضحى في روضة المتضاحك خدود عذارى قد خجلن من الحيا... تهادين بالرّيحان فوق الأرائك الإعراب: ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿وَأَزْواجُهُمْ:﴾ معطوف على الضمير، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي ظِلالٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُتَّكِؤُنَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو إلخ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي مستأنفة. لا محل لها كالجملة الاسمية السابقة لها. هذا الإعراب هو الظاهر، وهو المعتمد. هذا؛ وأجيز اعتبار: ﴿مُتَّكِؤُنَ﴾ خبر المبتدأ والجارين والمجرورين متعلقين به. كما أجيز اعتبار الضمير توكيدا للمستتر في: ﴿شُغُلٍ،﴾ أو في: ﴿تَفَكَّهُونَ،﴾ و (أزواجهم) معطوفا عليه، واعتبار: ﴿فِي ظِلالٍ﴾ متعلقين بمحذوف حال من: (أزواجهم)، واعتبار الجملة الاسمية: ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ:﴾ في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ واعتبارها مستأنفة أيضا، والإعراب الأول أقوى وأوضح. ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿لَهُمْ:﴾ لأصحاب الجنة. ﴿فِيها:﴾ في الجنة. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ كثيرة من كل أنواع الفواكه. ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ:﴾ ما يتمنون، وما يشتهون، وما يطلبون، فمهما طلبوا من أنواع الملاذ؛ وجدوه، فعن أسامة بن زيد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا هل من مشمّر إلى الجنّة، فإنّ الجنة لا خطر لها. هي وربّ الكعبة نور كلّها يتلألأ، وريحانة تهتزّ، وقصر مشيد، ونهر مطّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في دار سلامة، وفاكهة خضرة، وخير، ونعمة في محلّة عالية بهيّة». قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها! قال ﷺ : «قولوا: إن شاء الله». فقال القوم: إن شاء الله. أخرجه ابن أبي حاتم، ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد. انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ وأصل ﴿يَدَّعُونَ:﴾ يدتعيون على وزن يفتعلون، فأسكنت الياء؛ لأن الضم فيها ثقيل، وألقيت حركتها على العين بعد أن أزيلت حركة العين، ثم حذفت الياء لسكونها، وسكون الواو بعدها، فصار: يدتعون، ثم قلبت التاء دالا، وأدغمت الدال في الدال، فصار: ﴿يَدَّعُونَ﴾ وقلبت التاء دالا، ولم تقلب الدال تاء؛ لأنّ الدال حرف مجهور، والتاء مهموسة، والمجهور أقوى في اللفظ من المهموس. انتهى. مكي بن أبي طالب القيسي بتصرف.

стр. 5141

الإعراب: ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يعتبرهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿فاكِهَةٌ﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا. وبعضهم لا يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿فاكِهَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بالجملة: ﴿عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ من أوجه. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ولهم الذي، أو: شيء يدعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: ولهم ادعاؤهم. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿سَلامٌ..﴾. إلخ: يعني: سلم الله عليهم. روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذا الرّبّ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السّلام عليكم يا أهل الجنة! فذلك قوله : ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم». أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير: وفي إسناده نظر، ورواه ابن ماجة في كتاب السنة من سننه. وقيل: تسلم الملائكة عليهم من ربهم. وقيل: تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب، يقولون: سلام عليكم من ربكم الرحيم، وهذا صريح قوله تعالى في سورة (الرعد): ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وقال تعالى في الآية رقم [١٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾. وقال تعالى في الآية رقم [٤٤] من سورة (الأحزاب): ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾. الإعراب: ﴿سَلامٌ:﴾ بدل من ﴿ما﴾ في الآية السابقة، والتقدير: ولهم سلام. ويجوز أن يكون صفة ثانية لها، على اعتبارها موصوفة، التقدير: ولهم شيء يدعونه مسلّم. ويجوز أن يكون خبرا لها، و (لهم) ظرف ملغى. هذا؛ وقرأ ابن مسعود، وأبيّ وغيرهما: (سلاما) بالنصب، وعليه فهو مفعول مطلق، عامله محذوف. أو: هو حال في معنى مسلّما، أو: ذا سلامة، وصاحب: الحال ما، أو «من» العائد عليها المحذوف. هذا؛ وزيد في قراءته بالرفع

стр. 5142

اعتباره خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هو سلام، واعتباره مبتدأ خبره الناصب ل: ﴿قَوْلاً،﴾ أي ﴿سَلامٌ﴾ يقال لهم ﴿قَوْلاً﴾. وقيل: تقديره: سلام عليكم، واعتباره مبتدأ وخبره: ﴿مِنْ رَبٍّ﴾. انتهى. جمل نقلا عن السمين، وانفرد الجلال باعتباره مبتدأ خبره: ﴿قَوْلاً،﴾ تقديره: سلام بالقول، فاعتبر ﴿قَوْلاً﴾ منصوبا ينزع الخافض. ﴿قَوْلاً:﴾ مفعول مطلق فعله محذوف، التقدير: يقولونه قولا يوم القيامة، أو قال الله تعالى ذلك قولا، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معترضة. ﴿مِنْ رَبٍّ:﴾ متعلقان ب: ﴿قَوْلاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، أو متعلقان بمحذوف خبر سلام على وجه مر ذكره. ﴿رَحِيمٍ:﴾ صفة: ﴿رَبٍّ﴾. ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿وَامْتازُوا..﴾. إلخ: أي: يقال لهم: اعتزلوا، وانفردوا، وتميزوا اليوم من المؤمنين الصالحين، وكونوا على حدة. وقيل: إن لكل كافر في النار بيتا، فيدخل ذلك البيت، ويردم بابه، فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى، ولا يرى، فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعضهم. انتهى. خازن. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. وقال داود بن الجراح: يمتاز المسلمون من الكافرين؛ إلا أصحاب الأهواء، فيكونون مع المجرمين. وقد ذكر هذا التمييز، والتفريق بين المؤمنين، والكافرين في كثير من الآيات. خذ قوله تعالى في الآية رقم [٢٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾. وقال تعالى في الآية رقم [١٤] من سورة (الروم): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾. هذا؛ وفي المنجد الناقل عن القاموس قوله: ماز، يميز، وميّز، وأماز الشيء: فرزه عن غيره، والشيء: فضلّه عن سواه. وتميّز، وانماز انميازا، وامتاز امتيازا، واستماز استمازة: انفصل عن غيره وانعزل. وتميّز فلان من الغيظ: تقطع، وامتاز القوم: تميّز بعضهم من بعض. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٩] ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. وقال في سورة (الأنفال) رقم [٣٧]: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ..﴾. وقال تعالت حكمته في سورة (الملك) رقم [٨]: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ..﴾. إلخ. تنبيه: المراد ب: المجرمين في هذه الآية: الكافرون، وكثيرا ما يعبر القرآن الكريم عن الكافرين بالظالمين، والمجرمين، والمعتدين، والفاسقين، والمسرفين، والكاذبين... إلخ، ويتهددهم بالعذاب الأليم، ويتوعدهم بالعقاب الشديد، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم هذا التهديد، وهذا الوعيد؟ الحق أقول: نعم يوجه إليهم ما ذكر،

стр. 5143

وهم أحق بذلك؛ لا سيما من قرأ القرآن منهم، واطلع على أحوال الأمم السابقة، وما جرى لهم من رسلهم، وكيف نكل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين، وما يتذكر إلا أولو الألباب. الإعراب: ﴿وَامْتازُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (امتازوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿أَيُّهَا:﴾ منادى نكرة مقصودة، حذف منها أداة النداء، مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء المحذوفة، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه. ﴿الْمُجْرِمُونَ:﴾ صفة: (أيّ) لأنه مشتق. ويجوز اعتباره بدلا من (أيّ)، أو عطف بيان عليه، فهو مرفوع تبعا للفظ، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقال للكافرين: امتازوا، وهذه الجملة معطوفة على ما يقال لأصحاب الجنة، وما أعد لهم من النعيم المقيم، والخير العميم، وذلك من باب المقارنة، والمقابلة؛ التي رأيتها في الآية رقم [٥٥]. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي..﴾. إلخ: العهد: الوصية، وعهد إليه: إذا وصاه، وعهد الله إليهم: ما ركزه فيهم من الأدلة العقلية، والحجج السمعية، الآمرة بعبادته، الزاجرة عن عبادة غيره. واعتبر طاعة الشيطان عبادة له؛ لأنه الآمر بالكفر، وعبادة غير الله تعالى. هذا؛ وهناك عهد قديم أزلي أخذه على بني آدم؛ وهم في عالم الذر أن يعبدوه، ولا يشركوا به. خذ قوله تعالى في الآية رقم [١٧٢] من سورة (الأعراف): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ وهذا الكلام من جملة ما يقال للكافرين يوم القيامة على سبيل التقريع، والتوبيخ، والإلزام للحجة. هذا؛ و (عدو) ضد الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور، وما كان من هذا الوزن يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوّة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فقد عبر به عن مفرد، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ فقد عبر به عن جمع، ومثل ذلك صديق. وجمع عدو: أعداء، وأعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي «القاموس المحيط»: والعدا (بالضم، والكسر) اسم الجمع. هذا، وسمي العدو عدوا؛ لعدوه عليك عند أول فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك، كما سمي الصديق صديقا؛ لصدقه فيما يدعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبة. هذا؛ والعبادة: غاية التذلّل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى؛ ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على

стр. 5144

المفقود، وعن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: «أنا، والإنس، والجنّ في نبأ عظيم، أخلق؛ ويعبد غيري، وأرزق؛ ويشكر غيري». الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿أَعْهَدْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو. (بني): منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني) مضاف، و: ﴿آدَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿أَنْ:﴾ حرف تفسير لسبقه بجملة فيها معنى القول دون حروفه، أو هي مصدرية ناصبة. ﴿لا:﴾ ناهية على التفسير، ونافية على اعتبار ﴿أَنْ﴾ ناصبة. ﴿تَعْبُدُوا:﴾ مجزوم ب: ﴿لا،﴾ أو منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار ﴿أَنْ﴾ مفسرة؛ فالجملة الفعلية لا محل لها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن لا تعبدوا. والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أَعْهَدْ﴾. ﴿الشَّيْطانَ:﴾ مفعول به. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿مُبِينٌ،﴾ أو ب: ﴿عَدُوٌّ﴾ بعدهما. ﴿عَدُوٌّ:﴾ خبر (إن). ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة. والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. والآية بكاملها في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقول الله: ألم أعهد... إلخ. ﴿وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ الشرح: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي:﴾ خصوني بالعبادة. ﴿هذا:﴾ إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان، وطاعة الرحمن؛ إذ لا صراط أقوم منه. ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ:﴾ ففي التنكير معنى (الصراط) بليغ في بابه؛ بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه. ويجوز أن يراد: هذا بعض الصراط المستقيمة، توبيخا لهم على العدول عنه، والتفادي عن سلوكه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج، الذي يؤدي إلى الضلالة، والتهلكة. انتهى. كشاف بحروفه. الإعراب: ﴿وَأَنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أن): معطوفة على سابقتها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿اُعْبُدُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿صِراطٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية مستأنفة، وفيها معنى التعليل، وهي من جملة مقول القول المقدر.

стр. 5145

﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ:﴾ أخرج الشيطان عن طريق الحق، وأغوى ﴿مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي: خلقا كثيرا، وجموعا كثيرة، ففيه خمس قراءات. هذا؛ والجبلة: الخليقة. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٨٤]: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تعرفون عداوته، وتعلمون: أن الواجب طاعة الله، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؟، أو المعنى: أفما كان لكم عقل يردعكم عن طاعة الشيطان، ومخالفة أمر ربكم؟! وهو توبيخ، وتقريع آخر للكفرة الفجار. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو أقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: موطئة للقسم، والموطئة معناها: المؤذنة، وهذه اللام إنما تدخل على: «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر) افهم هذا؛ واحفظه، فإنه جيد إن شاء الله تعالى. فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم! فالجواب: أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحى﴾. ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ... ،﴾ فإنه التقدير: ورب الضحى، ورب السماء إلخ. الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الذاريات) وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ الآية رقم [٧١] من سورة (مريم) وأظهر منه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية رقم [٧٣] من سورة (المائدة)، فالواو في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَضَلَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الشيطان، تقديره: «هو»، والجملة الفعلية ﴿(لَقَدْ أَضَلَّ...)﴾ إلخ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿جِبِلاًّ:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له. ﴿أَفَلَمْ:﴾

стр. 5146

الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف عطف على محذوف، أو هي حرف استئناف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿تَكُونُوا﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، أو هي مستأنفة، وهي من جملة مقول القول. ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾ الشرح: تقول لهم خزنة جهنم: هذه جهنم التي وعدتم، فكذبتم بها، فذوقوا حرها بسبب كفركم في الدنيا، وهو أمر إهانة وتحقير لهم، وهو كقوله تعالى في سورة الطور: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ،﴾ فقد روي عن أبي هريرة-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجنّ والأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثمّ أشرف عنق من النّار على الخلائق، فأحاط بهم، ثمّ ينادي مناد: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ..﴾. إلخ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد». هذا؛ وفي المصباح المنير: صلي بالنار، وصليها صلى من باب: تعب: وجد حرها. والصّلاء وزان كتاب: حر النار. وصليت اللحم أصليه من باب: رمى: شويته. وقال الجوهري: يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها. فإن ألقيته فيها إلقاء، كأنك تريد الإحراق؛ قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال: أيضا: صلي بالأمر: إذا قاس حره، وشدته. واصطليت بالنار، وتصلّيت بها: إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق. الإعراب: ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول المحذوف. انظر الشرح. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿جَهَنَّمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف، وهو عائد الموصول، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِصْلَوْهَا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤول مع

стр. 5147

ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بسبب كفركم. واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة هنا لا يؤيده المعنى. ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق بينهما. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ:﴾ نمنعها من الكلام ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ﴾ تنطق أيديهم بما عملت من سيئات في الدنيا. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الأعمال السيئة. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النور) رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقال جل ذكره في الآية رقم [٢٠] من سورة (فصلت): ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد قال ابن كثير: هذا حال الكفار، والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فقد روى مسلم-﵀-في صحيحه عن أنس بن مالك-﵁-قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون ممّ أضحك؟». قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: ربّ ألم تجرني من الظّلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز عليّ إلاّ شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم الله على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وسحقا! فعنكنّ كنت أناضل». قال تعالى في سورة (فصلت) مبينا ما يقولونه لجوارحهم: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة، ﵁، وهو حديث القيامة الطويل، وفيه: ثم يقال له: «الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا الّذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي! فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي وابن كثير. ثم قيل: في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم؛ حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري، ﵁. الثاني: ليعرفهم أهل الموقف، فيتميزون منهم. قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق، لخروجه مخرج الإعجاز، وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع: ليعلم: أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه، صارت عليه شهودا في حق ربه.

стр. 5148

فإن قيل: لم قال: ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ فيجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله، والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال، أو فعل، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿نَخْتِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿عَلى أَفْواهِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (تكلمنا): فعل مضارع، و (نا): مفعول به. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿(تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ)﴾ معطوفة عليها، لا محل لها أيضا. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبرها. ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: لو نشاء لأعميناهم، فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم، ولا غيرها. وقال ابن عباس-﵄: المعنى: لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق، انتهى. فيكون في الكلام استعارة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ:﴾ فاستبقوا الطريق الذي اعتادوا سلوكه؛ ليجوزوا. ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ:﴾ فكيف، أو: من أين يبصرون وجهة السلوك في الطريق، والحال طمسنا أعينهم وأعميناهم عنه؟! وقال عطاء، ومقاتل، وقتادة، وروي عن ابن عباس-﵃: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وبادروا إلى طريق الآخرة، ولكننا لم نفعل ذلك بهم، فكيف يهتدون، وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية؟! انتهى. قرطبي. وفيه أيضا، ما روي عن عبد الله بن سلام-﵁-في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة، وقال: إذا كان يوم القيامة، ومدّ الصراط؛ نادى مناد: ليقم محمد ﷺ وأمته، فيقومون برّهم، وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط، فمن أين يبصرونه، حتى يجاوزوه؟! ثم ينادي مناد، ليقم

стр. 5149

عيسى ﷺ وأمته، فيقوم، فيتبعونه برّهم، وفاجرهم، فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء، ﵈. هذا؛ والمطموس، والطميس عند أهل اللغة: الأعمى الذي ليس في عينيه شق، والفعل يأتي من الباب الأول، والثاني. انتهى. وأعتمد القول الأول، فإنه هو الظاهر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، تقديره: لو نشاء الطمس. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَطَمَسْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (طمسنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلى أَعْيُنِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَاسْتَبَقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (استبقوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصِّراطَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به على تضمين الفعل معنى المبادرة، أفاده ابن هشام في المغني. والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (أنى): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا طمسنا أعينهم؛ فكيف يبصرون طريقهم؟! والجملة الشرطية هذه معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محل لها أيضا. ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾ الشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ:﴾ المسخ: تبديل الخلقة، وقلبها حجرا، أو جمادا، أو بهيمة، ومسخ أقوام من اليهود قردة وخنازير، كما رأيت في الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأعراف) وما بعدها. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ على مكاناتهم. قال الحسن: المعنى: لو نشاء لأقعدناهم، فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم، ولا يتأخر. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا:﴾ ذهابا، وسيرا. ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يستطيعون رجوعا إلى الوراء بسبب مسخهم بشيء مما ذكر. والمعنى: أنهم بكفرهم، ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنّا لم نفعل لشمول الرحمة لهم، واقتضاء الحكمة إمهالهم. وهذا تهديد، ووعيد لأهل مكة. والمراد به في هذه الدنيا. وانظر ما اعتمدته في الآية الأولى. الإعراب: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ الإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ متعلقان في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ إذ المعنى لمسخناهم على

стр. 5150

حالتهم، فهم ممسوخون في محالهم، وفي منازلهم. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿اِسْتَطاعُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مُضِيًّا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مُضِيًّا﴾. انظر التقدير في الشرح. وخذ قول الفرزدق، وهو عكس ما في الآية الكريمة: [الطويل] ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني... لبين رتاج قائما ومقام على حلفة لا أشتم الدهر مسلما... ولا خارجا من فيّ زور كلام فإن التقدير: لا شاتما مسلما، ولا خارجا إلخ، وهذا هو الشاهد، رقم (٧٥٥) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ:﴾ نطل عمره. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ:﴾ من نكست الشيء، أنكسه نكسا: قلبته على رأسه، فانتكس. قال قتادة: المعنى: أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. انتهى. ومن المشاهد أن الإنسان إذا طال عمره؛ ردّ إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، والنقص بعد الزيادة، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل). وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) قال الشاعر الحكيم: [البسيط] من عاش أخلقت الأيام جدّته... وخانه ثقتاه السّمع والبصر والمراد من هذا كله الإخبار عن هذه الدار، بأنها دار زوال، وانتقال، لا دار دوام، واستقرار. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سنّ الكهولة، ثم إلى سنّ الشيبة، ثم إلى سنّ الشيخوخة، ليعلموا: أنهم خلقوا لدار أخرى، لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، هي الدار الآخرة، وفي ذلك دليل أيضا على قدرة الله تعالى؛ الذي لو شاء؛ طمس على أعينهم، أو مسخهم على مكانتهم، وقادر أيضا على أن يعيدهم بعد موتهم من قبورهم. هذا؛ وقرئ: «(ننكسه)»، وقرئ: «(تعقلون)». الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نُعَمِّرْهُ:﴾ فعل مضارع فعل شرط. والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿نُنَكِّسْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول
следующие страницы →