Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الفاء: حرف عطف على محذوف، أو هي حرف استئناف.
(لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل نصب خبر: ﴿تَكُونُوا﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، أو هي مستأنفة، وهي من جملة مقول القول.
﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾
الشرح: تقول لهم خزنة جهنم: هذه جهنم التي وعدتم، فكذبتم بها، فذوقوا حرها بسبب كفركم في الدنيا، وهو أمر إهانة وتحقير لهم، وهو كقوله تعالى في سورة الطور: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ،﴾ فقد روي عن أبي هريرة-﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله الإنس والجنّ والأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثمّ أشرف عنق من النّار على الخلائق، فأحاط بهم، ثمّ ينادي مناد: ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ..﴾. إلخ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ عذاب الله شديد».
هذا؛ وفي المصباح المنير: صلي بالنار، وصليها صلى من باب: تعب: وجد حرها.
والصّلاء وزان كتاب: حر النار. وصليت اللحم أصليه من باب: رمى: شويته. وقال الجوهري:
يقال: صليت الرجل نارا: إذا أدخلته النار، وجعلته يصلاها. فإن ألقيته فيها إلقاء، كأنك تريد الإحراق؛ قلت: أصليته بالألف، وصلّيته تصلية. ويقال: أيضا: صلي بالأمر: إذا قاس حره، وشدته. واصطليت بالنار، وتصلّيت بها: إذا استدفأت بها، وفلان لا يصطلى بناره: إذا كان شجاعا لا يطاق.
الإعراب: ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والهاء: حرف تنبيه لا محل له. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول المحذوف. انظر الشرح. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿جَهَنَّمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾
فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُوعَدُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والثاني محذوف، وهو عائد الموصول، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿اِصْلَوْهَا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، و (ها): مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤول مع
стр. 5147
ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، التقدير: بسبب كفركم. واعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة هنا لا يؤيده المعنى. ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ما قبلها بلا فارق بينهما.
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾
الشرح: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ:﴾ نمنعها من الكلام ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ﴾ تنطق أيديهم بما عملت من سيئات في الدنيا. ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الأعمال السيئة.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (النور) رقم [٢٤]: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ،﴾ وقال جل ذكره في الآية رقم [٢٠] من سورة (فصلت): ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقد قال ابن كثير: هذا حال الكفار، والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فقد روى مسلم-﵀-في صحيحه عن أنس بن مالك-﵁-قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون ممّ أضحك؟». قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:
«من مخاطبة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: ربّ ألم تجرني من الظّلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إني لا أجيز عليّ إلاّ شاهدا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم الله على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ وسحقا! فعنكنّ كنت أناضل». قال تعالى في سورة (فصلت) مبينا ما يقولونه لجوارحهم: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة، ﵁، وهو حديث القيامة الطويل، وفيه:
ثم يقال له: «الآن نبعث شاهدنا عليك، ويتفكر في نفسه، من ذا الّذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي! فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي وابن كثير.
ثم قيل: في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم؛ حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري، ﵁.
الثاني: ليعرفهم أهل الموقف، فيتميزون منهم. قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق، لخروجه مخرج الإعجاز، وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز.
الرابع: ليعلم: أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حق نفسه، صارت عليه شهودا في حق ربه.
стр. 5148
فإن قيل: لم قال: ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ فيجعل ما كان من اليد كلاما، وما كان من الرجل شهادة؟ قيل: إن اليد مباشرة لعمله، والرجل حاضرة، وقول الحاضر على غيره شهادة، وقول الفاعل على نفسه إقرار بما قال، أو فعل، فلذلك عبر عما صدر من الأيدي بالقول، وعما صدر من الأرجل بالشهادة. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿نَخْتِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن». ﴿عَلى أَفْواهِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. (تكلمنا): فعل مضارع، و (نا): مفعول به. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿(تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ)﴾ معطوفة عليها، لا محل لها أيضا.
﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يكسبونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبرها.
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: لو نشاء لأعميناهم، فلا يبصرون طريقا إلى تصرفهم في منازلهم، ولا غيرها. وقال ابن عباس-﵄: المعنى: لأعميناهم عن الهدى، فلا يهتدون أبدا إلى طريق الحق، انتهى. فيكون في الكلام استعارة. ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ:﴾ فاستبقوا الطريق الذي اعتادوا سلوكه؛ ليجوزوا. ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ:﴾ فكيف، أو:
من أين يبصرون وجهة السلوك في الطريق، والحال طمسنا أعينهم وأعميناهم عنه؟!
وقال عطاء، ومقاتل، وقتادة، وروي عن ابن عباس-﵃: ولو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم، وأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فاهتدوا وأبصروا رشدهم، وبادروا إلى طريق الآخرة، ولكننا لم نفعل ذلك بهم، فكيف يهتدون، وعين الهدى مطموسة، على الضلال باقية؟! انتهى. قرطبي.
وفيه أيضا، ما روي عن عبد الله بن سلام-﵁-في تأويل هذه الآية غير ما تقدم، وتأولها على أنها في يوم القيامة، وقال: إذا كان يوم القيامة، ومدّ الصراط؛ نادى مناد: ليقم محمد ﷺ وأمته، فيقومون برّهم، وفاجرهم يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجارهم، فاستبقوا الصراط، فمن أين يبصرونه، حتى يجاوزوه؟! ثم ينادي مناد، ليقم
стр. 5149
عيسى ﷺ وأمته، فيقوم، فيتبعونه برّهم، وفاجرهم، فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء، ﵈. هذا؛ والمطموس، والطميس عند أهل اللغة: الأعمى الذي ليس في عينيه شق، والفعل يأتي من الباب الأول، والثاني. انتهى. وأعتمد القول الأول، فإنه هو الظاهر. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره.
﴿نَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، ومفعوله محذوف، تقديره: لو نشاء الطمس. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.
﴿لَطَمَسْنا:﴾ اللام: واقعة في جواب لو. (طمسنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلى أَعْيُنِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (لو) لا محل لها، ولو ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿فَاسْتَبَقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (استبقوا): فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الصِّراطَ:﴾ منصوب بنزع الخافض، أو هو مفعول به على تضمين الفعل معنى المبادرة، أفاده ابن هشام في المغني. والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر.
(أنى): اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يُبْصِرُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط مقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا طمسنا أعينهم؛ فكيف يبصرون طريقهم؟! والجملة الشرطية هذه معطوفة على (لو) ومدخولها، لا محل لها أيضا.
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ:﴾ المسخ: تبديل الخلقة، وقلبها حجرا، أو جمادا، أو بهيمة، ومسخ أقوام من اليهود قردة وخنازير، كما رأيت في الآية رقم [١٦٢] من سورة (الأعراف) وما بعدها. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ على مكاناتهم. قال الحسن: المعنى: لو نشاء لأقعدناهم، فلا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم، وكذلك الجماد لا يتقدم، ولا يتأخر. ﴿فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا:﴾ ذهابا، وسيرا. ﴿وَلا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يستطيعون رجوعا إلى الوراء بسبب مسخهم بشيء مما ذكر.
والمعنى: أنهم بكفرهم، ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنّا لم نفعل لشمول الرحمة لهم، واقتضاء الحكمة إمهالهم. وهذا تهديد، ووعيد لأهل مكة. والمراد به في هذه الدنيا. وانظر ما اعتمدته في الآية الأولى.
الإعراب: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ الإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ:﴾ متعلقان في محل نصب حال من الضمير المنصوب؛ إذ المعنى لمسخناهم على
стр. 5150
حالتهم، فهم ممسوخون في محالهم، وفي منازلهم. ﴿فَمَا:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿اِسْتَطاعُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق. ﴿مُضِيًّا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لو) لا محل لها مثله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾
مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿مُضِيًّا﴾. انظر التقدير في الشرح. وخذ قول الفرزدق، وهو عكس ما في الآية الكريمة: [الطويل] ألم ترني عاهدت ربّي وإنّني... لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلما... ولا خارجا من فيّ زور كلام
فإن التقدير: لا شاتما مسلما، ولا خارجا إلخ، وهذا هو الشاهد، رقم (٧٥٥) من كتابنا:
«فتح القريب المجيب».
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ:﴾ نطل عمره. ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ:﴾ من نكست الشيء، أنكسه نكسا: قلبته على رأسه، فانتكس. قال قتادة: المعنى: أنه يصير إلى حال الهرم الذي يشبه حال الصبا. انتهى. ومن المشاهد أن الإنسان إذا طال عمره؛ ردّ إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، والنقص بعد الزيادة، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ الآية رقم [٧٠] من سورة (النحل). وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) قال الشاعر الحكيم: [البسيط] من عاش أخلقت الأيام جدّته... وخانه ثقتاه السّمع والبصر
والمراد من هذا كله الإخبار عن هذه الدار، بأنها دار زوال، وانتقال، لا دار دوام، واستقرار. ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سنّ الكهولة، ثم إلى سنّ الشيبة، ثم إلى سنّ الشيخوخة، ليعلموا: أنهم خلقوا لدار أخرى، لا زوال لها، ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، هي الدار الآخرة، وفي ذلك دليل أيضا على قدرة الله تعالى؛ الذي لو شاء؛ طمس على أعينهم، أو مسخهم على مكانتهم، وقادر أيضا على أن يعيدهم بعد موتهم من قبورهم. هذا؛ وقرئ: «(ننكسه)»، وقرئ: «(تعقلون)».
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿نُعَمِّرْهُ:﴾ فعل مضارع فعل شرط. والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به. ﴿نُنَكِّسْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول
стр. 5151
به، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب.
وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية.
﴿يَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾
الشرح: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ:﴾ الضمير منصوب مراد منه النبي ﷺ . وفيه رد على كفار قريش الذين كانوا يقولون: إن محمدا شاعر، وإن القرآن شعر، والمعنى: وما علمنا محمدا ﷺ قول الشعراء، أو وما علمناه بتعليم القرآن الشعر. على معنى: أن القرآن ليس بشعر، فالشعر:
كلام موزون مقفّى يدل على معنى، فأين الوزن وأين التقفية في القرآن الكريم؟ فلا مناسبة بينه، وبين الشعر في وجه من الوجوه؛ إذا تأملته وحققته.
﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: وما يليق به، وما يصلح منه، ولا يسهل له ذلك لو أراد نظم الشعر، ولا يتأتى منه له ذلك، كما جعلناه أميا، لا يقرأ، ولا يكتب، لتكون الحجة أثبت، والشبهة أدحض، قال العلماء: ما كان يتزن له ﷺ بيت شعر، وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا، كما روي عن الحسن البصري: أن النبي ﷺ كان يتمثل بقول سحيم بن وثيل الرياحي، فيقول: [الطويل] كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا
فقال الصديق-﵁: يا نبي الله إنما قال الشاعر: [الطويل] عميرة ودّع إن تجهّزت غازيا... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فأعاد ﷺ الشطر الثاني مثل قوله الأول، ففطن الصديق لذلك، وقال: أشهد أنك رسول الله، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ..﴾. إلخ، وعن عائشة-﵂-قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر تمثل فيه ببيت طرفة: [الطويل] ... ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
أخرجه الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وهو من معلقته رقم [١١١] وهو بتمامه كما يلي: [الطويل] ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
هذا؛ وما ثبت من قوله ﷺ يوم حنين، وهو راكب بغلته يتقدم بها في نحور العدو: [الرجز] أنا النبيّ لا كذب... أنا ابن عبد المطّلب
стр. 5152
ومن قوله ﷺ حين أصابه حجر، فنكبت إصبعه: [الرجز] هل أنت إلاّ إصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت
أخرجه البخاري، ومسلم من حديث جندب بن عبد الله ﵁، ولهما أيضا من حديث أنس-﵁: أن النبي ﷺ قال: [الرجز] اللهمّ إن العيش عيش الآخرة... فأكرم الأنصار والمهاجرة
فهذا كله من كلامه ﷺ ، الذي نطق به من غير صنعة فيه، ولا تكلف له، إلا أنه اتفق له من غير قصد إليه، وإن جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم، ورسائلهم ومحاوراتهم كلام موزون، يدخل في وزن البحور.
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلاّ ذِكْرٌ:﴾ من الله تعالى يعظ به الإنس، والجن، وليس بشعر؛ لأنه ليس على أساليب الشعر، ولا يدخل في بحوره. ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنه كتاب سماوي يقرأ في المحاريب، ويتلى في المساجد، وأماكن العبادة، وينال بتلاوته الثواب، ورفيع الدرجات، وفيه بيان الحدود، والأحكام، وبيان الحلال والحرام، فكم من فرق بينه وبين الشعر، الذي هو من همزات الشياطين، وأقاويل الشعراء الكذابين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢٥] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿عَلَّمْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿الشِّعْرَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَنْبَغِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.
والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى: ﴿الشِّعْرَ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى:
«ما». ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَقُرْآنٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (قرآن): معطوف على ما قبله. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة له. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)﴾
الشرح: ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ الضمير إلى القرآن. وقيل: إلى الرسول ﷺ ، ويؤيده أنه قرئ بالتاء.
﴿مَنْ كانَ حَيًّا:﴾ عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله تعالى. فإن الحياة الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به؛ لأنه المنتفع به، والكافر كالميت الذي لا يتدبر، ولا يتفكر، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ..﴾. إلخ رقم [١٢٢] من سورة (الأنعام). ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾
стр. 5153
أي: ويجب كلمة العذاب على الكافرين المصرين على الكفر. و ﴿الْقَوْلُ﴾ هو قوله تعالى في سورة (السجدة) رقم [١٣]: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
هذا؛ وقد جعل الله الكافرين في مقابلة من كان حيا إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم أموات في الحقيقة.
الإعراب: ﴿لِيُنْذِرَ:﴾ مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى القرآن، أو إلى النبي ﷺ ، حسب ما رأيت في الشرح، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أنزل عليه الذكر للإنذار. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. واسمه يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط.
﴿حَيًّا:﴾ خبر: ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها. ﴿وَيَحِقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (يحق): فعل مضارع معطوف على (ينذر) منصوب مثله. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: ويتفكروا، ويعتبروا، والمراد: أهل مكة، وغيرهم. ﴿أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ أي: لأجلهم، وانتفاعهم. ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ أي: مما تولينا خلقه وإحداثه، ولم يقدر على إحداثه غيرنا. وذكر الأيدي، وإسناد العمل إليها استعارة تمثيلية، تفيد مبالغة في الاختصاص، والتفرد بالإحداث. ويجوز أن يكون من المجاز المتفرع على الكناية بأن يكنى عن الإيجاد بعمل الأيدي، فيمن له ذلك، ثم بعد الشيوع يستعمل لغيره. ويجوز أن يكون المعنى: علمناه بقوتنا، وقدرتنا. فعبر عن ذلك بالأيدي. انظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [١٧]، والأنعام واحده النعم، وهو يطلق في الأصل على المأكول من الحيوانات. وقيل: يطلق على الإبل خاصة، فيكون الجمع هنا من باب التغليب، غلب المأكول على غيره، أو غلب الإبل على غيرها من المأكول وغيره، والأنعام تؤنث كما في هذه الآية، فإن الأنعام جمع كما رأيت؛ ولذلك عده سيبويه-رحمه الله تعالى-في المفردات المبنية على أفعال، كأخلاق، وذكّر في قوله تعالى في الآية رقم [٦٦] من سورة (النحل): ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ..﴾. إلخ.
هذا؛ وخص الأنعام بالذكر من بين المخلوقات؛ لأنها أكثر أموال العرب، والنفع بها أعم.
﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ أي: فهم فيها متصرفون تصرف الملاك بالانتفاع فيها لا يزاحمون، أو فهم لها ضابطون قاهرون. قال الربيع بن منيع الذي عمر طويلا: [المنسرح] أصبحت لا أملك السلاح ولا... أملك رأس البعير إن نفرا
стр. 5154
أي: لا أضبط البعير إن نفر. وهذا من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا تذليل الله لها وتسخيرها لابن آدم، كما قال «كثير عزة» من قصيدة قالها لعبد الملك بن مروان حينما احتقره، وقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه: [الوافر] وقد عظم البعير بغير لبّ... فلم يستغن بالعظم البعير
يصرّفه الصبيّ بكلّ وجه... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي... فلا غير لديه ولا نكير
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ، وتقريع. الواو: عاطفة على محذوف، التقدير: ألم يتفكروا، أو: ألم يلاحظوا، ولم يروا. وقال الجلال: عاطفة على قوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا..﴾. إلخ الآية رقم [٣١] وفيه بعد لا يخفى. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿خَلَقْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿أَنْعاماً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وما تحتمل الموصولة، والمصدرية، فعلى الأول فهي: مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: من الذي عملته أيدينا، وعلى الثاني تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من عمل أيدينا، والأول أقوى معنى، تأمل. ﴿عَمِلَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَيْدِينا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. هذا؛ وجملة: ﴿خَلَقْنا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد المفعول به. ﴿أَنْعاماً:﴾ مفعول به ل: ﴿خَلَقْنا﴾. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مالِكُونَ:﴾ خبر المبتدأ.
والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾
الشرح: ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ:﴾ سخرناها لهم؛ حتى يقود الصبي الصغير الجمل العظيم، ويضربه، ويصرفه كيف شاء، لا يخرج عن طاعته. ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ أي: مركوبهم، وقرئ:
«(مركوبتهم)»، والركوب، والركوبة واحد، مثل: الحلوب، والحلوبة، والحمول، والحمولة،
стр. 5155
وحكى الكوفيون: أن العرب تقول: امرأة صبور، وشكور بغير هاء، ويقولون: شاة حلوبة، وناقة ركوبة؛ لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان له الفعل، وبين ما كان الفعل واقعا عليه، فحذفوا الهاء مما كان فاعلا، وأثبتوها فيما كان مفعولا، كما قال عنترة بن شداد: [الكامل] فيها اثنتان وأربعون حلوبة... سودا كخافية الغراب الأسود
فيجب أن يكون على هذا: (ركوبتهم). فأما البصريون، فيقولون: حذفت الهاء على النسب.
والحجة للقول الأول ما رواه الجرمي عن أبي عبيدة، قال: الركوبة تكون للواحد، والجماعة، والركوب لا يكون إلا للجماعة، فعلى هذا يكون لتذكير الجميع. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في (مرضع) في الآية رقم [٢] من سورة (الحج)، وما ذكرته في ﴿عاقِراً﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ أي: من لحومها.
الإعراب: ﴿وَذَلَّلْناها:﴾ الواو: حرف عطف. (ذللناها): فعل، وفاعل، ومفعول به.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فَمِنْها:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (منها): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رَكُوبُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَمِنْها:﴾ الواو: حرف عطف. (منها): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ:﴾ من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وشحومها، ولحومها، وجلودها، والحرث عليها، وغير ذلك. ﴿وَمَشارِبُ﴾ يعني: ألبانها، جمع: مشرب، مصدر، أو اسم مكان. فيكون المراد: ضروعها، التي فيها اللبن. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ:﴾ الله الذي سخر لهم ما ذكر من الحيوانات على اختلاف أجناسها، وتنوع منافعها.
هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. انظر شرح هذه الآيات هناك؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بما بعدهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة
стр. 5156
الاسمية معطوفة على ما قبلها. لا محل لها أيضا. ﴿وَمَشارِبُ:﴾ معطوف على ما قبله، ولم يدخلهما التنوين؛ لأنهما صيغتا منتهى الجموع. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ:﴾ مثل: ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ في الآية رقم [٦٨].
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ أي: بعد أن رأوا هذه الآيات، الدالة على قدرته تعالى اتخذوا آلهة من الحجارة، لا قدرة لها على فعل أي شيء. وفي ذلك توبيخ شديد، وتقريع أليم للكفرة، والمشركين من أهل مكة، ومن لف لفهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لما يرجون من نصرتها لهم إن نزل بهم عذاب، أو أحاط بهم بلاء، وهيهات هيهات أن ينصروا!.
الإعراب: ﴿وَاتَّخَذُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتخذوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آلِهَةً﴾. كان صفة له إلخ. وقيل: هما في محل نصب مفعوله الثاني. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿آلِهَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليل لاتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأنّ الرجاء إنشاء.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: لا تستطيع الآلهة المزعومة نصرهم بحال من الأحوال، لا بنصرة، ولا بشفاعة؛ بل هي أضعف من ذلك، وأقل، وأذل، وأحقر، وأدحر؛ بل لا تقدر على نصر نفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جمادات لا تسمع، ولا تعقل، وما فعله إبراهيم الخليل-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من تكسيرها، وتحطيمها أكبر شاهد على ذلك. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ:﴾ قال قتادة-رحمه الله تعالى-: أي هؤلاء المشركون كالجند، والخدم لأصنامهم في التعصب لها، والذب عنهم، وفدائها بالمال، والروح، وهي لا تسوق لهم خيرا، ولا تدفع عنهما شرا في الدنيا، ولا في الآخرة.
وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: يعني: عند الحساب. يريد: أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة محضرة عند الحساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في حزنهم، وخيبتهم، وأدل في إقامة الحجة عليهم. وانظر جمع ما لا يعقل جمع المذكر السالم في الآية رقم [٤٠].
стр. 5157
وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم ربّ العالمين، فيقول: ألا ليتبع كلّ إنسان ما كان يعبد، فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون... إلخ». الحديث، وأخرجه الترمذي بطوله، ومعناه ثبت في صحيح مسلم. هذا؛ وفي كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري أحاديث كثيرة من هذا النوع.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿نَصْرَهُمْ:﴾ مفعول به.
والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر لفاعله، أو من مفعوله حسب ما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الضمير فقط. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿جُنْدٌ﴾. ﴿جُنْدٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُحْضَرُونَ:﴾ صفة له مرفوع مثله، وعلامة رفعه الواو إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو الضمير، وهي حال متداخلة.
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أي: لا يهمك، ولا يغمك، ولا يخوفك كفرهم، وتهديدهم، ووعيدهم، والخطاب للنبي ﷺ . هذا؛ ويقرأ الفعل بفتح الياء من الثلاثي، وبضمها من الرباعي، والمعنى واحد، والأول من باب: قتل، وهو لغة قريش، والرباعي لغة تميم، وهو متعدّ على اللغتين، مثل: سلكه، وأسلكه. قاله اليزيدي. هذا؛ و (حزن) بكسر الزاي من باب: فرح لازم.
هذا؛ و ﴿قَوْلُهُمْ﴾ هو ما كانوا يصفون به النبي ﷺ : إنك شاعر، أو ساحر، أو كاهن، أو مجنون. وأيضا: استهزاؤهم، وتهكمهم به ﷺ . ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أي: يخفون في صدورهم من الكيد، وعداوتهم، وتكذيبهم. ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ أي: يظهرونه من أقوالهم، وأفعالهم، وعبادة الأصنام، وغير ذلك.
تنبيه: النهي للنبي ﷺ في هذه الآية ليس على ظاهره، وليس إثباتا لحزنه بذلك، وإنما هو على سبيل الفرض، والتقدير، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ وقوله :
﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ،﴾ وقوله جلت قدرته، وتعالت حكمته: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ..﴾.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن علمت ما تقدم منهم؛ فلا يحزنك إلخ. (لا): ناهية. ﴿يَحْزُنْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا) الناهية، والكاف مفعول به. ﴿قَوْلُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من: إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه
стр. 5158
بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿نَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: نعلم الذي، أو: شيئا يسرّونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: نعلم سرهم. والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للنهي، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، ولا يتوهم متوهم: أن الجملة من مقول المشركين، فيحصل في الكلام تناقض، ولذا فالوقف على: (قولهم) واجب، ومثل هذه الآية آية سورة (يونس)، رقم [٦٥]. وقد قرئ هناك بفتح همزة (أنّ) وعليه فتؤول مع اسمها، وخبرها بمصدر في محل جر بحرف جر تعليل محذوف، وعليه: فلا يجب الوقف على:
(قولهم). ﴿وَما يُعْلِنُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه بلا فارق.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ﴾ أي: أو لم ينظر الإنسان نظر تبصر، واعتبار. ﴿أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: من نطفة قذرة خسيسة مذرة خارجة من الإحليل؛ الذي هو قناة النجاسة. والمراد بالإنسان: الكافر الذي ينكر قدرة الله على بعثه، وحشره للحساب، والجزاء، وهو أبيّ بن خلف الجمحي، كما ستعرفه. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ:﴾ شديد الخصومة، فهو على مهانة أصله، ودناءة أوله يتصدى لمخاصمة ربه، وينكر قدرته على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ الآية رقم [٢٠] من سورة المرسلات. وقال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٢]: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ﴾ أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة؛ أليس بقادر على إعادته بعد موته؟! بلى! وأنا على ذلك من الشاهدين.
روى الإمام أحمد في مسنده عن بشر بن جحاش-﵁-قال: إن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: ابن آدم أنّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوّيتك، وعدّلتك مشيت بين برديك، وللأرض منك وئيد، فجمعت، ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنّى أوان الصدقة؟!».
أخرجه الإمام أحمد. ورواه ابن ماجة في سننه.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ:﴾ انظر الآية رقم [٧١]، فالإعراب مثله بلا فارق.
﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] فالإعراب واحد.
стр. 5159
﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾
الشرح: قال مجاهد، وعكرمة: جاء أبيّ بن خلف الجمحي-لعنه الله تعالى-إلى رسول الله ﷺ ، وفي يده عظم بال، وهو يفته بيده، ويذره في الهواء، وهو يقول: يا محمد! أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فقال النبي ﷺ : «نعم يميتك الله تعالى، ثمّ يبعثك، ثمّ يحشرك إلى النّار». فنزل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ..﴾. إلخ إلى آخر السورة.
فقد استبعد اللعين إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة للأجساد، والعظام الرميمة، ونسي نفسه وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده، وأنكره وجحده. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ و (الرميم) اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة، والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث؟ وقد وقع خبرا لمؤنث، ولا هو فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول. ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام، ويقول: إن عظام الميتة نجسة؛ لأن الموت يؤثر فيها من جهة أن الحياة تحلها، وهو قول الشافعية. وأما الحنفية فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعر، والعصب، ويزعمون: أن الحياة لا تحلها، فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حي حساس. انتهى. كشاف. هذا؛ وقال البيضاوي: والرميم: ما بلي من العظام، ولعله فعيل بمعنى فاعل من: رم الشيء، صار اسما بالغلبة، ولذلك لم يؤنث، أو بمعنى مفعول من رممته. انتهى. والنسفي قال بقول الزمخشري، وكلاهما قد أخذا تفسيرهما من الكشاف. هذا؛ والرميم: الهالك البالي، قال جرير يرثي ابنه: [البسيط] تركتني حين كفّ الدّهر من بصري... وإذ بقيت كعظم الرّمّة البالي
وأصل الكلمة من: رم العظم: إذا بلي، تقول منه: رم العظم، يرم بالكسر، رمّة، فهو رميم، قال الشاعر: [الكامل] ورأى عواقب خلف ذاك مذمّة... تبقى عليه والعظام رميم
وخذ قول الآخر، وهو الشاهد رقم [٢١٠] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه... على ما تجلّى يومه لا ابن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنّما... فخار الّذي يبني الفخار بنفسه
الإعراب: ﴿وَضَرَبَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ضرب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الإنسان. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَثَلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية
стр. 5160
معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾ أيضا. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾. ﴿الْعَظْمُ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الاسمية:
﴿وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ في محل نصب حال من ﴿الْعَظْمُ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مفسرة لقوله ﴿مَثَلاً﴾.
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهذا الكافر المعاند الذي ينكر إحياء العظام البالية: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: ابتدأ خلقها، وهي نطفة. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض، وأرجائها: أين ذهبت، وأين تفرقت، وكيف تمزقت؟ وخذ ما يلي:
قال الإمام أحمد: قال عقبة بن عمرو لحذيفة-﵄: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعته ﷺ يقول: «إن رجلا حضره الموت، فلما أيس من الحياة؛ أوصى أهله إذا أنا متّ؛ فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا، ثم أوقدوا فيه نارا، حتى إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فامتحشت فخذوها فدقوها، فذرّوها في اليم. ففعلوا، فجمعه الله تعالى إليه، ثم قال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك! فغفر الله له».
وفي الصحيحين بأنه أمر بنيه أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يذروا نصفه في البرّ، ونصفه في البحر في يوم رائح (أي: كثير الهواء) ففعلوا ذلك، فأمر الله تعالى البحر، فجمع ما فيه، وأمر البر، فجمع ما فيه، ثم قال له: كن؛ فإذا هو رجل قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك؛ وأنت أعلم، فما تلافاه أن غفر له. انتهى. مختصر ابن كثير. وفي «الترغيب والترهيب» بمعناه، وزاد في الحديثين «لئن قدر الله عليّ ليعذّبني عذابا ما عذّبه أحدا».
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿يُحْيِيهَا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، و (ها): مفعول به. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿أَنْشَأَها:﴾ فعل ماض، و (ها): مفعول به، والفاعل يعود إلى الذي، وهو العائد. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ.
﴿بِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما، و (كل) مضاف، و ﴿خَلْقٍ﴾ مضاف إليه.
стр. 5161
﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط:
الواو، والضمير.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾
الشرح: المعنى: إن الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، حتى صار خضرا، نضرا، ذا ثمر، وزهر وورد، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا، توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد، لا يمنعه شيء. وقيل: المراد بذلك شجر المرخ، والعفار، ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيقطع منها غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان، يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ-وهو ذكر-على العفار. وهو أنثى، فتنقدح النار بإذن الله كالزناد سواء. وفي المثل: في كل شجر نار، واستمجد المرخ، والعفار. ولقد أحسن القائل: [البسيط] جمع النّقيضين من أسرار قدرته... هذا السّحاب به ماء به نار
هذا؛ ومن غرائب التفسير ما قيل: المراد بالشجر الأخضر: إبراهيم، والمراد بالنار: نور محمد ﷺ . ﴿فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ أي: تقتبسون الدين. وهو تأويل باطل لنصوص القرآن؛ وإن كان سبكه جميلا، وعبارته لطيفة.
هذا؛ و (جعل) هنا بمعنى: خلق، وأنشأ، وأوجد، والفرق بين: «خلق» و: «جعل» الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل، فقال: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق؛ لأن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إيجاد السموات، والأرض بالخلق.
الإعراب: ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدلا من الموصول السابق، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى:
﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: هما في محل نصب مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿مِنَ الشَّجَرِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ناراً﴾ كان صفة له. ﴿الْأَخْضَرِ:﴾ صفة: ﴿الشَّجَرِ﴾. ﴿ناراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿جَعَلَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَإِذا أَنْتُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ففيها الكفاية. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُوقِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع
إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية خبر المبتدأ.
стр. 5162
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾
الشرح: يقرر الله عبادة في هذه الآية الكريمة، ويلفت نظرهم إلى خلق السموات، وما فيها من الكواكب السيارة، والثوابت، والأرضين السبع، وما فيها من جبال، ورمال، وبحار، وقفار، وما بين ذلك. ويرشد خلقه إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء، فهو كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ﴾ الآية رقم [٥٧] من سورة (غافر)، وفحوى هذه الآية مثل الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحقاف): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ..﴾. إلخ و ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ:﴾ صيغتا مبالغة.
هذا؛ و ﴿بَلى﴾ حرف إثبات لما نفوه من إعادة الأجساد بعد فنائها، وإثبات بأن خلق السموات، والأرض أعظم من إعادتها قطعا، و: «بلى» حرف جواب كنعم، وجير، وأجل، وإي، إلا: أن ﴿بَلى﴾ جواب لنفي متقدم، أي إبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فنقول: بلى أي قد قام، وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى، أي هو قائم، قال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى،﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.
الإعراب: ﴿أَوَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتوبيخ، الواو: حرف استئناف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع اسم (ليس). ﴿خَلَقَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿السَّماواتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، والجملة الفعلية، صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿بِقادِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة.
(قادر): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وجملة: ﴿أَوَلَيْسَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلى:﴾
حرف جر. ﴿أَنْ يَخْلُقَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ و ﴿أَنْ يَخْلُقَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿عَلى،﴾ والجار والمجرور متعلقان ب (قادر).
﴿مِثْلَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب مهمل لا عمل له.
﴿وَهُوَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (هو): مبتدأ. ﴿الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ:﴾ خبران للمبتدإ. والجملة الاسمية معطوفة على ما يفيده الإيجاب، أي بلى هو قادر على ذلك، ﴿وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ والكلام بعد: ﴿بَلى﴾ كله مستأنف لا محل له.
стр. 5163
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ:﴾ شأن الله. ﴿إِذا أَرادَ شَيْئاً﴾ أي: من الأشياء. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: احدث، فيحدث. وليس المراد حقيقة أمر؛ بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور والمطيع بلا توقف، فهو سبحانه يأمر بالشيء أمرا واحدا، لا يحتاج إلى تكرار، وتأكيد، كما قيل: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له كن قولة فيكون
فعن أبي ذر الغفاري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى يقول:
يا عبادي! كلكم مذنب إلاّ من عافيت، فاستغفروني؛ أغفر لكم، وكلكم فقير إلاّ من أغنيت، إني جواد ماجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا، فإنما أقول له: كن، فيكون». أخرجه أحمد. وانظر الآية رقم [٤٠] من سورة (النحل) ففيها بحث جيد.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَمْرُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالمصدر قبله. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾. ﴿شَيْئاً:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، وهو متضمن معناه، وساغ ذلك؛ لاختلاف متعلقهما على حد قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾. وقال أبو النجم: [الرجز] أنا أبو النّجم، وشعري شعري... لله درّي ما يجنّ صدري
وهذا هو الشاهد رقم [٦١٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام بمعنى احدث، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول.
﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): فعل مضارع تام مرفوع، وفاعله يعود إلى (شيء). والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة تفصح عنها الفاء، وينسحب عليها الكلام، أي: فنقول ذلك، فيكون، كقوله تعالى: ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وإما جواب لشرط محذوف؛ أي: فإذا قلنا ذلك؛ فهو يكون. انتهى. جمل. من سورة (النحل). وهذا يفيد: أن الفاء الفصيحة. وقال غيره: الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو يكون، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ: «(يكون)» بالنصب عطفا على:
стр. 5164
﴿يَقُولَ﴾ وليست الفاء للسببية؛ لأن لفظ ﴿كُنْ﴾ أمر، ومعناه الخبر عن قدرة الله تعالى؛ إذ ليس ثمّ مأمور بأن يفعل شيئا. أفاده مكي بن أبي طالب القيسي. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ..﴾.
إلخ ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي..﴾. إلخ: تنزيه له سبحانه وتعالى عما وصفوه به، وتعجيب مما قالوا في شأنه؛ وهو الحي القيوم؛ الذي بيده مقاليد السموات، والأرض، وإليه ترجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المنعم المتفضل. ومعنى هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ إلخ، فالملك، والملكوت واحد في المعنى، كرحمة، ورحموت، ورهبة، ورهبوت. ومن الناس من يقول: إن الملك هو عالم الأجساد، والملكوت هو عالم الأرواح. والصحيح الأول، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.
روى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان-﵁-قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقرأ السبع الطوال في ركعات، وكان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع، قال: «سمع الله لمن حمده، ثم قال: الحمد لله ذي الملكوت، والجبروت، والكبرياء، والعظمة». وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فانصرف، وقد كادت تنكسر رجلاي. أخرجه أحمد، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بنحوه.
وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁، قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فقام، فقرأ سورة (البقرة) لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف، وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب، إلا وقف، وتعوّذ.
قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة». ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام، فقرأ ب: (آل عمران) ثم قرأ سورة. أخرجه أبو داود في سننه، والترمذي في الشمائل، والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعي، ﵁. انتهى. مختصر ابن كثير.
أقول فحوى ما تقدم يفيد: أن النبي ﷺ كان يطيل القيام في صلاة التهجد، وقد روي بالنص: أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة (البقرة) في الركعة الأولى، و (آل عمران) في الثانية، و (النساء) في الثالثة، و (المائدة) في الرابعة، وكان ركوعه ﷺ ، بمقدار خمسين آية، وسجوده بمقدار مائة آية، وحديث عائشة ﵂ يوضح هذا، قالت-﵂، وعن أبويها، وهي الخبيرة بتهجده ﷺ : «كان يقوم من الليل حتّى تتفطّر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا؛ وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك، وما تأخّر؟! قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟». رواه البخاري ومسلم.
стр. 5165
الإعراب: ﴿فَسُبْحانَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له. (سبحان):
مفعول مطلق، فعله محذوف، و: (سبحان) مضاف، و: ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر، أو اسم المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو: لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا. ﴿بِيَدِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مَلَكُوتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه. و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، ف: ﴿مَلَكُوتُ﴾ يكون فاعلا بمتعلقه، والكلام: ﴿فَسُبْحانَ..﴾. إلخ مستأنف، لا محل له.
﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
انتهت سورة (يس)، بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا والحمد لله على ما أنعم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 5166
سورة الصّافّات
سورة (الصافات) مكية، وهي مئة واثنتان وثمانون آية، وثمانمئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وثمانمئة، وستة وعشرون حرفا، وسميت ب: (الصافات) كناية عن الملائكة، تذكيرا للعباد بالملأ الأعلى من الملائكة الأطهار؛ الذين لا ينفكون عن عبادة الله تعالى؛ الذين قال الله في حقهم:
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا (١) فَالزّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥)﴾
الشرح: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ المراد: الملائكة، وهو قول ابن عباس ومسروق وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وغيرهم. روى مسلم عن جابر بن سمرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّهم؟». قلنا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربهم.؟ قال ﷺ : «يتمّون الصفوف المتقدمة، ويتراصّون في الصّفّ». وقيل:
المراد: المجاهدون في سبيل الله؛ الذين يقفون أمام أعداء الله صفوفا متراصّين لا يتزحزحون، ولا يتضعضعون. وقيل: المراد المصلون؛ الذين يصطفون صفوفا في الصلاة. وقيل: المراد الطير؛ التي تصف أجنحتها، كقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ﴾. والمعتمد الأول. والله أعلم.
﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً:﴾ الزجر: الدفع بقوة، وهو قوة الصوت، وشدته، والمراد: الملائكة التي تزجر السحاب، وتسوقه إلى حيث شاء الله. من: الزجر بمعنى: السوق، والحث. وانظر الآية رقم [١٩] الآتية. ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً:﴾ الملائكة تقرأ كتاب الله، أو المراد: تقرأ آيات الله على أنبيائه، وأوليائه مع ما هم عليه من التسبيح، والتقديس، والتحميد، والتمجيد للإله المجيد الحميد.
﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ:﴾ هو جواب القسم، والخطاب لأهل مكة؛ الذين حكى الله عنهم قولهم:
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما:﴾ مالك السموات، والأرض، وما بينهما، ومتصرف فيهما تصرف الملاك، فإن وجودهما، وانتظامهما على هذا النمط البديع من أوضح الدلائل على وجود الله، ووحدانيته، واستقلاله بملكهما، وتصرفهما. هذا؛ ولم يقل: وما بينهن لأنه أراد بين الصنفين أو النوعين، أو الشيئين، ومثله قول القطامي: [الوافر]
стр. 5167
ألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينت انقطاعا؟
أراد: وحبال تغلب، فثنّى. والحبال: جمع فثناهما؛؛ لأنه أراد الشيئين، أو النوعين، أو لأنه ثناهما على تأويلهما بالجماعة، وتثنية الجمع جائزة على تأويل الجماعتين. قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟!
لأصبح الناس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين
فقد ثنّى: «جمال» الذي هو جمع: جمل، والعقال: صدقة عام، والسبد: المال القليل، واللّبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم، فقال: والله لو صار عمرو عاملا على الصدقات لسنتين؛ لصارت القبيلة هلكى، فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات.
﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ أي: ورب المغارب، فاكتفى بذكر الأول عن الثاني؛ لدلالة الكلام عليه.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١١٥]: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فالمراد بهما ناحيتا الأرض؛ إذ له سبحانه الأرض كلها، لا يختص به مكان دون مكان. وقال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٧]: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشتاء، والصيف، ومغربيهما. وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق، والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشمس، ومغاربها في السنة، وهي ثلاثمئة وخمس وستون كوة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع كل يوم في كوّة منها، وتغيب في كوة، لا تطلع، ولا تغرب في تلك الكوة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. قال أمية بن أبي الصلت؛ الذي قال الرسول ﷺ فيه: «آمن شعره، وكفر قلبه»: [الطويل] زحل وثور تحت رجل يمينه... والنّسر للأخرى وليث مرصد
والشمس تطلع كلّ آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورّد
ليست بطالعة لهم في رسلها... إلاّ معذّبة وإلا تجلد
قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما اضطره الرّوي إلى الجلد، لكنها تخاف العقاب. انتهى. قرطبي. بقي أن تعرف حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات، كما في هذه الآيات هنا، وفي أوائل (المرسلات) وأوائل (النازعات)، وخذ قول ابن زيابة سلمة بن ذهل، وهو الشاهد رقم (٢٩٦) من كتابنا «فتح القريب المجيب»: [السريع]
стр. 5168
يا لهف زيّابة للحارث الصّ... ابح فالغانم فالآيب
قيل: إما أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كما في هذا البيت، كأنه قال: الذي صبّح فغنم فآب. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك، كقول النبي ﷺ : «رحم الله المحلّقين فالمقصّرين». وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل، فالأكمل، واعمل الأحسن، فالأجمل. انتهى. كشاف، وقرطبي بتصرف.
الإعراب: ﴿وَالصَّافّاتِ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، (الصافات): مقسم به، أقسم به وبأمثاله في أوائل السور، إظهارا لعظم شأنها، وكبير فوائدها، وتنبيها للعباد على جلالة قدرها. هذا؛ وقيل: إن المقسم به محذوف، التقدير: ورب الصافات، ونحوه. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم، وفاعل (الصافات) مستتر، تقديره: «هو»، ومفعوله محذوف، التقدير: الصافات أجنحتها، ونحوه. ﴿صَفًّا:﴾ مفعول مطلق مؤكد. ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق، مع تقدير المفعول المحذوف ب: الزاجرات السحاب زجرا.
﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً:﴾ معطوف أيضا على ما قبله، مع التصريح بالمفعول به. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلهَكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَواحِدٌ:﴾ خبر:
﴿إِنَّ،﴾ واللام هي المزحلقة. ﴿رَبُّ:﴾ بالرفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ أو هو بدل من: (واحد)، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رب. وحكى الأخفش النصب على وجهين: أحدهما: هو نعت لاسم: ﴿إِنَّ،﴾ وثانيهما: هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: أعني. و ﴿رَبُّ﴾ مضاف و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ما قبله. ﴿بَيْنَهُما:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿وَرَبُّ:﴾ معطوف على سابقه، و (رب) مضاف، و ﴿الْمَشارِقِ﴾ مضاف إليه... إلخ.
﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧)﴾
الشرح: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا:﴾ القربى منكم. ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ:﴾ يقرأ بتنوين (زينة) وعدم التنوين، و ﴿الْكَواكِبِ:﴾ النجوم. قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثا: رجوما للشياطين، ونورا يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا. قال ابن عباس-﵄: بضوء الكواكب؛ لأن الضوء، والنور من أحسن الصفات، وأكملها، ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء، لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس. وقيل: زينتها: أشكالها المتناسبة، والمختلفة في الشكل، كشكل
стр. 5169
الجوزاء، وبنات نعش، وغيرها. وقيل: إن الإنسان إذا نظر في الليلة المظلمة إلى السماء، ورأى هذه الكواكب الزواهر مشرقة متلألئة على سطح أزرق؛ نظر غاية الزينة.
﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أي: وحفظنا السماء من كل شيطان متمرد عات خارج عن الطاعة يرمى بالشهب وهذه الآية مثل قوله تعالى في سورة (الملك) رقم [٥]: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ وقوله تعالى في سورة الحجر رقم [١٦]: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾.
هذا ويقال: «مرد» من بابي: نصر، وظرف: إذا عتا، وتجبر، فهو مارد، ومريد، وجمعه:
مردة، ومرد، وماردون، ومرّاد. ومؤنثه: مرداء. ومرد: استمر على الشيء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾ رقم [١٠١] من سورة (التوبة).
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿زَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿السَّماءَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِزِينَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْكَواكِبِ:﴾ بالجر، وتنوين: (زينة)، فهو بدل منها. هذا؛ ويقرأ بالنصب على أنه مفعول به ل: (زينة) على اعتبارها مصدرا، أو هو مفعول به بإضمار: أعني، كأنه قال: إنا زيناها بزينة؛ أعني: الكواكب. ويقرأ بالرفع على أنه فاعل ﴿بِزِينَةٍ﴾ على معنى: زينتها الكواكب، أو هي خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي الكواكب، وهذه الجملة تكون في محل جر صفة: (زينة). هذا؛ ويقرأ بالإضافة، وحذف التنوين، وفي هذه الإضافة ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون إضافة أعم إلى أخص، فتكون للبيان، نحو: ثوب خز، وخاتم حديد. الثاني: أن الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. الثالث: أن الإضافة من إضافة المصدر لمفعوله. وجملة: ﴿زَيَّنَّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية ابتدائية، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَحِفْظاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وحفظناها حفظا. والجملة الفعلية هذه معطوفة على جملة: ﴿زَيَّنَّا..﴾. إلخ، أو هو مفعول لأجله على اعتبار الواو صلة. والعامل: ﴿زَيَّنَّا﴾ أو العامل محذوف، التقدير: وفعلنا ذلك؛ لأجل الحفظ. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان ب: (حفظا)، أو بمحذوف صفة له، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مارِدٍ:﴾ صفة: ﴿شَيْطانٍ﴾.
﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)﴾
الشرح: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى:﴾ واو الجماعة عائدة إلى ﴿شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ وإنما جمع؛ لأنه في معنى الشياطين، أو في معنى كل شيطان. والملأ الأعلى: الملائكة الكرام، والملأ الأسفل: الإنس، والجن الذين يعيشون في الأرض، وتعدى الفعل ب: ﴿إِلَى؛﴾ لأنه ضمن
стр. 5170
معنى: يصغون، ويدركون بخلاف ما إذا عدي بنفسه، فإنه يفيد الإدراك فقط، والمعنى:
لا يقدرون أن يستمعوا إلى الملائكة الذين هم في العالم العلوي. وقيل المعنى: لئلا يسمعوا إلى الملأ الأعلى، فحذفت: «أن» وارتفع الفعل على حد قول طرفة في معلقته رقم [٥٣]: [الطويل] ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟
واستقبحه الزمخشري، والبيضاوي، والنسفي؛ لأنه يكون قد جمع فيه بين حذفين: اللام الجارة، و «أن» مع أن حذف واحد منهما على انفراده وارد، ومقبول.
﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ أي: ويرمون بالشهب من كل جانب من جوانب السماء؛ إذا قصدوا صعوده، وراموا استراق السمع. ﴿دُحُوراً﴾ أي: يدحرون دحورا، بمعنى: يطردون طردا. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ أي: دائم، وموجع، وهذا العذاب يكون لهم في الآخرة.
قال ابن عباس-﵄: كانت الشياطين، لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها، فيلقونها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى ﵊؛ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو: الشعلة من النار، فلا يخطئه أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله، فيصير غولا يضل الناس في الفلوات، والبراري. انتهى. جمل.
﴿واصِبٌ:﴾ دائم، ومنه قوله تعالى في سورة النحل رقم [٥٢] ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً﴾.
وبسبب ذلك بطلت الكهانة، فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوة؛ فلم دام بعد النبي ﷺ ؟ والجواب: أنه دام بدوام النبوة، فإن النبي ﷺ أخبر ببطلان الكهانة، فقال: «ليس منا من تكهن». فلو لم تحرس بعد موته لعادت الجن إلى تسمعها، وعادت الكهانة، ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة، فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يؤمن أن يظنوا: أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصح: أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي ﷺ ، وبعد أن توفاه الله إلى دار كرامته.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسَّمَّعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُقْذَفُونَ:﴾ الواو:
حرف عطف. (يقذفون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿جانِبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿دُحُوراً:﴾ مفعول مطلق من معنى:
(يقذفون). أو هو مصدر في موضع الحال بمعنى: مدحورين. أو هو مفعول لأجله. ﴿وَلَهُمْ:﴾
الواو: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿واصِبٌ:﴾ صفة: ﴿عَذابٌ﴾.
стр. 5171
﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾
الشرح: ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء، فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يأتيه الشهاب، فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما رأيت. هذا؛ والخطف: الأخذ بسرعة، والخطف: الاختلاس. والمراد: اختلاس كلام الملائكة مسارقة، وبسرعة شديدة.
﴿فَأَتْبَعَهُ:﴾ بمعنى: تبعه. ﴿شِهابٌ:﴾ هو ما يرى كأنه كوكب ينقض. ﴿ثاقِبٌ:﴾ مضيء، كأنه يثقب الجو بضوئه. وقيل: يثقب الشيطان، أو يحرقه، أو يخبله. والأول أولى. هذا؛ ورجل ثاقب الرأي: إذا كان صحيح التفكير، نافذ البصيرة. ولا يقال: إن الشيطان من النار، فلا يحترق؛ لأنه ليس من النار الصرف، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها.
تنبيه: فإن قلت: جعل الكواكب زينة للسماء الدنيا يقتضي ثبوتها، وبقاءها فيها، وجعلها رجوما للشياطين يقتضي زوالها، وانفصالها عنها؛ فكيف الجمع بين هاتين الحالتين؟ قلت:
قالوا: إنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكوكب شعلة يرمى بها الشيطان، والكوكب باق بحاله، وهذا كمثل القبس الذي يؤخذ من النار، وهي بحالها.
فإن قلت: إذا كان الشيطان يعلم: أنه يصاب، ولا يصل إلى مقصوده، فكيف يعود مرة أخرى؟ أو كيف يحاول استراق السمع؛ وقد رأى غيره قد احترق؟! قلت: يعود رجاء نيل المقصود، وطمعا في السلامة، كراكب البحر، فإنه يشاهد الغرق أحيانا، لكن يعود إلى ركوبه رجاء السلامة، ونيل المقصود. انتهى. خازن بتصرف. هذا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الحجر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
قال ابن عباس-﵄: كان للشياطين مقاعد في السماء، فكانوا يسمعون الوحي، وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ترمى، فإذا سمعوا الوحي؛ نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا، فلما بعث النبي ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه شهاب، فلم يخطئه؛ حتى يحرقه، فشكوا ذلك إلى إبليس لعنه الله، فقال: ما هو إلا من أمر حدث، فبعث جنوده يبحثون في الأرض، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة-قال وكيع: يعني: بطن نخلة-قال: فرجعوا إلى إبليس، فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث! أخرجه ابن جرير. وانظر ما ذكرته في سورة (سبأ) [٢٣] فإنه جيد. وأيضا في سورة (الجن).
стр. 5172
الإعراب: ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء، أو في محل رفع بدل من واو الجماعة؛ لأن الكلام تام منفي، وما كان من هذا الباب يجوز فيه الوجهان. ﴿خَطِفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو». ﴿الْخَطْفَةَ:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. وهذا الإعراب يجعل الجملة الفعلية الآتية غير مرتبطة بما قبلها إعرابا مع أنها مرتبطة به معنى، لذا فالوجه اعتبار: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية الآتية في محل رفع خبره، والفاء زائدة لتحسين اللفظ؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع من مضمون الكلام السابق. وقول الجمل: «ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ شرطية» لا وجه له ألبتة. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ:﴾
ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، أو في محل رفع خبر:
﴿مَنْ﴾ وهو المعتمد. ﴿ثاقِبٌ:﴾ صفة: ﴿شِهابٌ﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١)﴾
الشرح: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: اسأل أهل مكة، والخطاب للنبي ﷺ . ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ أي: أيهم أقوى بنية، وأشد خلقا، هل هم، أم السموات، والأرض وما بينهما من الملائكة، والمخلوقات العظيمة العجيبة؟ فإنهم يقرون: أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم.
وإذا كان الأمر كذلك؛ فلم ينكرون البعث؛ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما ينكرون؟! كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.
رقم [٥٧] من سورة غافر. ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ﴾ أي: ابتدأنا خلقهم. ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ:﴾ لاصق، لازق، ومنه قول علي-﵁: [الطويل] تعلّم فإنّ الله زادك بسطة... وأخلاق خير كلّها لك لازب
وقال النابغة الذبياني: [الطويل] ولا تحسبون الخير لا شرّ بعده... ولا تحسبون الشّرّ ضربة لازب
فلم تحذف النون من الفعلين حملا ل: «لا» الناهية على النافية، وذلك لضرورة الشعر. وهذا يسمى بتقارض اللفظين. انظر مبحثه في كتابنا فتح القريب المجيب.
وقال عكرمة: ﴿لازِبٍ:﴾ لزج. وقال سعيد بن جبير: أي: جيد، حر، يلصق باليد. وقال مجاهد: ﴿لازِبٍ:﴾ لازم. والعرب تقول: طين لازم، ولازب، والمراد: خلق آدم ﵇ من الطين، والبشرية نسله، فهم مخلوقون من الطين مثله بالانتساب إليه. وهذا خلق غير مباشر،
стр. 5173
وهناك خلق مباشر من الطين؛ إذا فكرنا في أصل كل إنسان بأنه من النطفة المذرة، وهي من الدم، والدم من الطعام والشراب، وهما من الأرض بلا ريب. هذا؛ ويقال: استفتى، استفتاء العالم في مسألة: سأله أن يفتيه فيها. والفتوى والفتوى، والفتيا: اسم ما أفتى به العالم؛ إذا بيّن الحكم، والجمع الفتاوي، والفتاوى، مثل الصحاري، والصحارى، والعذاري، والعذارى.
الإعراب: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (استفتهم): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به. ﴿أَهُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (هم): مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿خَلْقاً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿خَلَقْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ،﴾ والعائد محذوف، التقدير: أم الذين خلقناهم. والخبر محذوف، تقديره: أشد. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها، والجملة الفعلية: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأفاد الجمل: أن الجملة واقعة في جواب شرط مقدر، وعليه فالفاء هي الفصيحة، ويكون التقدير:
وإذا كان هؤلاء لا يؤمنون بالله؛ فاسألهم أهم أشد... إلخ. والمعنى: إن شئت أن تقرعهم، وتؤنبهم؛ فاستفتهم... إلخ. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿خَلَقْناهُمْ:﴾
فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ طِينٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لازِبٍ:﴾ صفة: ﴿طِينٍ﴾.
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾
الشرح: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: بل عجبت يا محمد من تكذيبهم للبعث مع رؤيتهم آثار قدرة الله الباهرة، وهم يسخرون منك، ومما تقول لهم في ذلك. هذا؛ وقرئ بضم التاء على إسناد العجب إلى الله تعالى، وليس هو كالتعجب من الآدميين؛ لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء، وتعظيمه، والعجب من الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة، فإن كانت قبيحة؛ يترتب عليها العقاب، وإن كانت حسنة؛ يترتب عليها الثواب. وسئل الجنيد-رحمه الله تعالى-عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن وافق رسوله، ولما عجب رسوله ﷺ قال: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ..﴾. إلخ الآية رقم [٥] من سورة (الرعد).
﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ:﴾ وإذا وعظوا بالقرآن، وخوفوا به؛ لا يتعظون، ولا يتدبرون. ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ:﴾ وإذا رأوا آية باهرة، أو معجزة قاهرة، تدل على صدقك، كانشقاق القمر، وتكليم
стр. 5174
الشجر، والحجر، يبالغون في السخرية، والاستهزاء، أو يدعون غيرهم، ويحضونهم على ذلك.
هذا؛ وقيل: يسخر، ويستسخر بمعنى: واحد، والسين والتاء ليستا للطلب على الاعتبارين.
﴿وَقالُوا إِنْ هذا﴾ أي: القرآن الذي جاء به محمد ﷺ . ﴿إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ:﴾ وذلك كان منهم وقت أن عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء، أو عجزوا عن معارضة القرآن، قالوا: هذا سحر، وتخييل وخداع.
هذا؛ والسحر: كل ما لطف، ودق. يقال: سحره: إذا أبدى له أمرا يدق عليه، ويخفى.
وقال الغزالي في الإحياء ما نصّه: السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر، وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الحواس هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع، وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر، والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين، ويحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور. هذا؛ والمعتمد: إن تعلمه لدفع الضرر عن نفسه، أو عن غيره، أو اتخذه الشخص ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله؛ بقي على الإيمان، فلا كفر باعتقاد حقيقته، وجواز العمل به من غير إضرار بأحد.
هذا؛ والعجب (بفتح العين، والجيم): انفعال نفساني، يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب: حيرة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه. وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. وانظره في حق الله تعالى في أول الشرح. هذا؛ والعجب (بضم العين، وسكون الجيم): رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم، وبئس المصير!.
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال تستأنف بعده الجمل. ﴿عَجِبْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَسْخَرُونَ:﴾ الواو: حرف استئناف.
(يسخرون): فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وقيل: هي في محل نصب حال، وهذا لا يصح إلا بتقدير مبتدأ، أي: وهم يسخرون، وعليه:
فالجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المقدر في المتعلق المحذوف، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف.
(إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ذُكِّرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا)
стр. 5175
إليها، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَذْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، وأيضا: ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ:﴾ كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف، (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿سِحْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مُبِينٌ:﴾ صفة: ﴿سِحْرٌ﴾. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله.
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿أَإِذا،﴾ ﴿أَإِنّا:﴾ يقرأ هذان اللفظان بقراآت كثيرة، جملتها تسع، وكلها سبعية، وهذه الآية قد ذكرت بحروفها كاملة في الآية رقم [٨٢] من سورة (المؤمنون)، وبمعناها في الآية رقم [٤٩] و [٩٨] من سورة (الإسراء). هذا؛ و ﴿مِتْنا﴾ يقرأ بضم الميم، وكسرها، فالأول من باب: نصر، وقتل، ك: قلت وصنت، والثاني من باب: علم، وفهم، ك: خفت، ونمت. وقول المفسرين: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام، ينام، وهو بعد الإعلال يعود إلى باب:
علم. هذا؛ وقول المشركين في هذه الآية، وأمثالها تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر]
ألا من بلّغ الرحمن عني... بأنّي تارك شهر الصيام
أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟!
أتترك أن تردّ الموت عنّي... وتحييني إذا بليت عظامي؟
فهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ ، وأبو كبشة هي كنية زوج حليمة السعدية، مرضعته ﷺ ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممن تقدمهم.
الإعراب: ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان... إلخ، وهذا عند سيبويه، رحمه الله تعالى. ﴿مِتْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب (إذا) محذوف دل عليه الجملة الآتية، التقدير: أئذا متنا... نبعث. ولا يجوز أن يعمل فيها (مبعوثون)؛ لأن ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم: أنّ (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: (أنبعث إذا...) إلخ
стр. 5176
وهذا قول غير سيبويه. ﴿وَكُنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (كنا): فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه، ﴿تُراباً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَعِظاماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنا):
حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾
اللام: هي المزحلقة. (مبعثون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار، بالأولى إنكار فيها أيضا، ولا تنس:
أن الآية في محل نصب مقول القول ل: (قالوا) في الآية السابقة.
﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾
الشرح: ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ أي: أو آباؤنا الأولون كذلك سيبعثون؟! وهذا منهم زيادة استبعاد في الحشر، والحساب، والجزاء بعد الموت. يعنون: أنهم أقدم منهم، فبعثهم أبعد، وأبطل. ﴿قُلْ:﴾ أمر للنبي ﷺ . ﴿نَعَمْ﴾ أي: نعم تبعثون بلا شك وبلا ريب ورغم أنوفكم، ﴿وَأَنْتُمْ داخِرُونَ:﴾ صاغرون، أذلاء حقيرون. قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾. الآية رقم [٨٧] من سورة (النمل)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾. الآية رقم [٦٠] من سورة (غافر). ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ:﴾ المراد بها: الصيحة الثانية، وهي صيحة إسرافيل، التي رأيتها في الآية رقم [٤٩] من سورة (يس) وما بعدها، وإنما سميت الصيحة:
زجرة؛ لأن مقصودها الزجر، أي: يزجر بها كزجر الإبل، والخيل، وغيرهما عند السوق. قال النابغة الجعدي-﵁: [المنسرح] زجر أبي عروة السباع إذا... أشفق أن يختلطن بالغنم
أبو عروة: هذه كنية العباس عم النبي ﷺ ، وكنيته المعروفة في الإسلام أبو الفضل، وكان ممن يضرب به المثل في شدة الصوت، وهم يزعمون: أنه كان يصيح بالسباع، فيفتق مرارة السبع في جوفه. ويروى أنّه صاح يوم حنين: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته. انتهى.
شرح شواهد الكشاف لمحب الدين الخطيب، رحمه الله تعالى.
﴿فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينظر بعضهم إلى بعض. أو المعنى: فإذا هم قيام بين يدي الله ينظرون إلى أهوال القيامة، وينتظرون ما يفعل بهم. هذا؛ و ﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب، كأجل، وجير، وإي، وبلى. ونقيضها: لا، و ﴿نَعَمْ﴾ تكون لتصديق المخبر، أو إعلام المستخبر، أو وعد الطالب.
وانظر الكلام عليها، وعلى: «لا» و «بلى» في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
стр. 5177
الإعراب: ﴿أَوَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الواو: حرف عطف. هذا؛ وقرئ بسكون الواو على أنها (أو) العاطفة المقتضية للشك، وأكثرهم قرأ بفتحها، فمن فتح الواو أجاز في: ﴿آباؤُنَا﴾ وجهين: أحدهما أن يكون معطوفا على محل (إنّ) واسمها، والثاني أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في: ﴿لَمَبْعُوثُونَ،﴾ واستغنى عن الفاصل المطلوب بالفصل بهمزة الاستفهام. ومن سكنها تعين فيه الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم الفاصل. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وعلى تسكين الواو يكون ﴿آباؤُنَا﴾ مبتدأ خبره محذوف، ويكون فحوى الكلام عطف جملة على جملة، التقدير: أنحن نبعث، أم آباؤنا يبعثون؟ وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الواقعة) برقم [٤٨].
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿نَعَمْ:﴾ حرف جواب مبني على السكون في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال، والجملة الاسمية:
(أنتم داخرون) في محل نصب حال، والعامل فيها: ﴿نَعَمْ﴾ بالنظر لمعناها، ولذلك فسرها الجلال، وغيره ب: تبعثون، فالعامل في الحقيقة هو الفعل المقدرة هي به، وصاحب الحال فاعله، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ إذ التقدير: إذا كان الأمر كذلك؛ ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ:﴾ (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ. ﴿زَجْرَةٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر ب: «إذا»، والكلام في محل نصب مقول القول. وقيل: الجملة الاسمية تعليل لنهي مقدر، التقدير: لا تستصعبوه لأنها زجرة واحدة، والتعليل والمعلل في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِذا هُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]، من سورة (يس)، وجملة: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: فإذا هم قيام ينظرون. بقرينة الآية رقم [٦٨] من سورة (الزمر)، أو هي في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا هو الظاهر، والمتبادر إلى الأفهام وانظر إعراب آية الزمر، والمفعول محذوف، التقدير: ينظرون ما يفعل بهم. أو هو بمعنى: ينتظرون، وهو ضعيف معنى.
﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا﴾ أي: يقول الكفرة حين يشاهدون أهوال القيامة: يا هلاكنا! والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: يوم الدينونة، والحساب، والجزاء. يقولون ذلك تحسرا، وندامة لما فرط منهم. هذا؛ والدّين بكسر الدال: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى، والدين أيضا: الملة والشريعة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾.
رقم [٧٦] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و ﴿يَوْمُ الدِّينِ:﴾
يوم الحساب، والجزاء، وهو ما في الآية الكريمة. ومنه: كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل
стр. 5178
تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشرّ، إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره. ثم قال: ألا له الخلق والأمر. هذا؛ والدّين (بفتح الدال) القرض المؤجل. وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب. والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. هذا؛ والدين العادة، والعمل، ومنه قوله: [الوافر]
تقول إذا أدرت لها وضيني... فهذا دينها أبدا وديني
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قالوا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق.
(يا): أداة نداء، والمنادى محذوف، كأنهم قالوا لبعضهم: يا هؤلاء ويلا لنا، فلما أضاف؛ حذف اللام الثانية، وعليه ف: (ويل) مصدر مفعول مطلق فعله محذوف، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. وهذا قاله الجلال، وأيده الجمل، وقول لمكي، وأجيز اعتبار: (ويلنا) منادى، فيكون المعنى: يقول الكافر يوم القيامة: تعال يا ويل هذا زمانك، وإبانك. وقال الكوفيون: إن «وي» كلمة برأسها، و (لنا) جار ومجرور متعلقان به. ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد، وهو أن يكون: يا عجب لنا؛ لأن (وي) تفسر بمعنى: أعجب منا، وعليه يكون الكافر قد نادى العجب، والجملة في محل نصب مقول القول. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يَوْمُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وقال الجلال: وتقول لهم الملائكة: هذا يوم الدين. وعليه فالوقف على قوله: ﴿يا وَيْلَنا،﴾ والمعنى لا يؤيده.
﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي..﴾. إلخ: أي: هذا يوم القضاء، والفرق بين الهدى، والضلال، وبين المحسن، والمسيء، قال تعالى في سورة (المرسلات): ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾.
الإعراب: ﴿هذا:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْفَصْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِي:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة: ﴿يَوْمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، ﴿تُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ والآية الكريمة تحتمل أن تكون من قول الكفرة لبعضهم، وتحتمل أن تكون من قول الملائكة لهم، وهو الأرجح هنا، ويؤيده ما بعده. وقيل: هو من قول الله تعالى لهم.
стр. 5179
﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ:﴾ هذا خطاب من الله للملائكة، وهو المعتمد، يقول: اجمعوا الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وبارتكاب المعاصي. ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي:
أشباههم، ونظراءهم من العصاة: عابد الصنم مع عبدة الصنم، وعابد الكواكب مع عبدة الكواكب، كقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾. وقيل: المراد: قرناؤهم من الشياطين. وقيل: نساؤهم اللاتي كن على دينهم. وقال عمر بن الخطاب-﵁:
يحشر الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة.
﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ من دون الله؛ أي: من الأصنام، والشياطين، والدالين على الشر والفساد. وفيه زيادة في تحسيرهم، وتخجيلهم، وخزيهم، وفضيحتهم.
هذا؛ و (أزواج) جمع: زوج، وهو يطلق على الرجل، والمرأة، والقرينة تبين الذكر، والأنثى. ويقال لها أيضا: زوجة، وحذف التاء منها أفصح إلا في الفرائض؛ فإنها بالتاء أفصح؛ لتوضيح الوارث. هذا؛ والزوج: القرين، كما رأيت في هذه الآية. والزوج: الفرد، وكل واحد منهما يسمى زوجا أيضا، يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج، كما يقال: هما سيان، وهما سواء، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل نوع ذكرا، وأنثى الآية رقم [٤٠] من سورة (هود)، وقال تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ..﴾. إلخ الآية رقم [١٤٣] من سورة (الأنعام) والمعنى: ثمانية أفراد، والزوج: الصنف والنوع، قال تعالى في سورة لقمان رقم [١٠]:
﴿فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف من النبات، وقال تعالى في سورة (الحج) رقم [٥]:
﴿فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
الإعراب: ﴿اُحْشُرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ظلموا أنفسهم، والجملة الفعلية صلة الموصول.
(أزواجهم): معطوف على الموصول، أو هو مفعول معه، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على ما قبله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: الذي كانوا يعبدونه. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿اُحْشُرُوا..﴾. إلخ هي من قول الله تعالى للملائكة، وهو المعتمد، أي: إنها في محل نصب مقول القول لقول محذوف.
стр. 5180
﴿مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ:﴾ فسوقوهم إلى صراط جهنم، وبئس المصير، وقيل:
دلّوهم، يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق؛ أي: دللته عليه، وفي قوله تعالى: (اهدوهم) تهكم، وسخرية. المعنى: إذا لم يهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، فليهتدوا اليوم إلى طريق الجحيم. ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ أي: احبسوهم؛ حتى يسألوا عن أعمالهم، وأقوالهم؛ التي صدرت عنهم في الدنيا.
فعن أبي برزة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه». رواه الترمذي، ورواه البيهقي عن معاذ، ﵁.
وعن أنس-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ما من داع إلى شيء إلا كان موقوفا يوم القيامة لازما به، لا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا، ثم قرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ»﴾. ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ أي: تقول الخزنة لهم توبيخا، وتقريعا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا؟! وهذا جواب لأبي جهل الخبيث حيث قال يوم بدر ما قاله الله تعالى على لسانه: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾. ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: أذلاء منقادون لا حيلة لهم، سواء منهم العابدون، والمعبودون.
ولا تنس الالتفات من الخطاب إلى الملائكة إلى الخطاب للكفرة المعذبين، والفجرة الفاسقين، ثم الالتفات من الخطاب إليهم إلى الغيبة. هذا؛ وذكر أن الصديق-﵁ قام من الليل يصلي، فمر بهذه الآية: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ فجعل يكررها حتى طلع الفجر.
الإعراب: ﴿مِنْ دُونِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿يَعْبُدُونَ،﴾ و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَاهْدُوهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اهدوهم): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم. انظر تقديره في الشرح. ﴿إِلى صِراطِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. و ﴿صِراطِ﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه.
﴿وَقِفُوهُمْ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ) حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مَسْؤُلُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه... إلخ، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. هذا؛ وقرئ بفتح الهمزة، وعليه فتؤول (أنّ) واسمها وخبرها بمصدر في محل جر بلام محذوفة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَناصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية
стр. 5181
في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، والعامل: اسم الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿هُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿مُسْتَسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والكلام: ﴿فَاهْدُوهُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، فإنه من قول الله تعالى للملائكة مثل سابقه.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ يعني: الرؤساء، والأتباع، أو الكفرة والقرناء. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾
يسأل بعضهم بعضا للتوبيخ، ولذلك فسر ب: يتخاصمون. وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الطور) رقم [٢٥]، وانظرها برقم [٥٠] من هذه السورة أيضا. هذا وقد قال تعالى في الآية رقم [١٠٢] من سورة (المؤمنون): ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. والجواب عن ذلك: أن آية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات؛ التي قبلها، والتي بعدها، والآية هنا تنص على أن التساؤل إنما يكون يوم القيامة بدليل الآيات التي قبلها، وهي تعارض آية (المؤمنون) التي تنفي التساؤل فيما بينهم، وقد قال ابن عباس ﵄-في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون. انتهى. خازن من سورة (المؤمنون). أقول: ومخاصمة الكفار بعضهم بعضا، ولوم بعضهم بعضا يوم القيامة قد ذكر في كثير من آيات القرآن الكريم، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (سبأ) وما بعدها. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَقْبَلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أقبل): فعل ماض. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الأتباع للمتبوعين. ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين، أو عن الخير، كأنكم تنفعوننا نفع السانح، فتبعناكم، وهلكنا معكم، مستعار من يمين الإنسان، الذي هو أقوى الجانبين، وأشرفهما، وأنفعهما؛ ولذلك يسمى: يمينا، ويسمى بالسانح. أو: عن القوة، والقهر، فتقسروننا على الضلال. أو: على الحلف، فإنهم كانوا يحلفون لهم: أنهم على الحق. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبي ما يشبهه،
стр. 5182
وزاد قوله: وقيل: اليمين بمعنى: القوة، أي: تمنعوننا بقوة، وقهر وغلبة، قال تعالى في هذه السورة: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة، وقوة الرجل في يمينه، وقال الشاعر: [الوافر]
إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين
أي: بالقوة، والقدرة. وهذا قول ابن عباس-﵄-انتهى. وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَأْتُونَنا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (نا):
مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، فهي حال متداخلة، وفيها معنى التفسير للتساؤل. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الرؤساء، والمتبوعون. ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ:﴾ وهذا إضراب من المتبوعين، وإبطال لما ادعاه التابعون، أي: لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات، بل كنتم على الكفر، فأقمتم عليه للإلف، والعادة. ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما كان لنا عليكم من قوة، وقدرة نقهركم بها على متابعتنا. ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم فجور، وطغيان، واستعداد للعصيان، والفساد، فلذلك استجبتم لنا، واتبعتمونا. وهذا مثل قول الشيطان لهم: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه أفضل الصلوات، وأتم التسليم.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا:﴾ وجب وعيده، وتهديده، وهو: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ أي: للعذاب: التابع، والمتبوع، والضال، والمضل؛ أي: جميعا في جهنم لا محالة. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ أي: زينا لكم الكفر، والباطل، والضلال، والعصيان، ودعوناكم إلى ذلك؛ لأننا كنا على غي، وضلال، فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك الدعوة، لتكونوا مثلنا في الغواية، والضلال.
стр. 5183
قال الرازي رحمه الله تعالى: أجاب الرؤساء والمتبوعون بأجوبة خمسة: الأول: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. الثاني: ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾. الثالث: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾. الرابع:
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾. الخامس: ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا عنه.
هذا و (الرب) يطلق، ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: سيدك. وأيضا قوله تعالى حكاية عن قوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ أي: سيده، ومالكه. كما يقال: ربّ الدار، وربّ الأسرة، أي: مالكها، ومتولي شؤونها، كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا، فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى في سورة (يوسف) حكاية عن قول يوسف لصاحبي السّجن: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر بعد إسكان الأول منهما، وسلب حركته. تأمل. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (ص).
أما (قوم) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟
وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا. وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فتذكيره باعتبار اللفظ، وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو: أنهم أمة، وطائفة، وجماعة.
هذا؛ و (سلطان) تسلط، وولاية، ويأتي بمعنى: الحجة، والبرهان، كما هنا، ويأتي بمعنى:
الكتاب، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ،﴾ وقال بعض المحققين: سميت الحجة: سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة
стр. 5184
له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان: هو الحجة، وسمّي السلطان: سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان-﵁: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يكف عن المعاصي، ويردع، وجمعه بمعنى: الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى: الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان. تقول: قضت به عليك السلطان. أما البصريون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى: الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة. كما قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٢١] حكاية عن قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حقّ الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ منصوب... إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
﴿قَوْماً:﴾ خبره. ﴿طاغِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿فَحَقَّ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(حق): فعل ماض. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَذائِقُونَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ في محل نصب مقول القول. قال ابن هشام في المغني: من الجمل المحكية ما قد يخفى، فمن ذلك بعد القول: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ والأصل: إنكم لذائقون عذابي، ثم عدل إلى التكلم؛ لأنهم تكلموا بذلك عن أنفسهم. قال الفرزدق: [الطويل]
ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
والأصل: مالك؟ وهذا هو الشاهد رقم (٧٦٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ وحذف مفعول (ذائقون) كما رأيت تقديره. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أغويناكم): فعل،
стр. 5185
وفاعل، ومفعول به. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿غاوِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا غاوِينَ﴾ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ تعليل لما قبلها، والكلام: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الأتباع، والمتبوعون. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يتساءلون، ويتحاورون، ويتخاصمون. ﴿فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: كما كانوا مشتركين في الغواية، كما قال تعالى في سورة الزخرف رقم [٣٩]: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كما فعلنا بهؤلاء المجرمين من عبدة الأوثان، والنصارى، واليهود نفعل بالملحدين المعاندين المنكرين الحساب، والجزاء، بمعنى: نذيقهم جميعا العذاب الأليم، والعقاب الشديد في نار الجحيم، وانظر ما ذكرته بشأن المجرمين، والظالمين... إلخ في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب فيه عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، أي: يوم يتساءلون... إلخ، و (إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن الأصل: إذ يتساءلون، ويتحاورون. فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.
الإعراب: ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، التقدير: إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والمتبوعين؛ فإنهم، وأراه ضعيفا. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ بعده. وقيل:
متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له ألبتة. و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما أيضا.
﴿مُشْتَرِكُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفعل بالمجرمين فعلا كائنا مثل الفعل الذي فعلناه من قبلهم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:
«نحن». ﴿بِالْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: «نفعل
следующие страницы →