Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.
стр. 5181
في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط الضمير فقط، والعامل: اسم الاستفهام لما فيه من معنى الفعل. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿هُمُ:﴾ مبتدأ. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. ﴿مُسْتَسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والكلام: ﴿فَاهْدُوهُمْ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول لقول محذوف، فإنه من قول الله تعالى للملائكة مثل سابقه.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ يعني: الرؤساء، والأتباع، أو الكفرة والقرناء. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾
يسأل بعضهم بعضا للتوبيخ، ولذلك فسر ب: يتخاصمون. وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (الطور) رقم [٢٥]، وانظرها برقم [٥٠] من هذه السورة أيضا. هذا وقد قال تعالى في الآية رقم [١٠٢] من سورة (المؤمنون): ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ﴾. والجواب عن ذلك: أن آية (الطور) تنص على أن التساؤل إنما يكون في الجنة بلا ريب بدليل الآيات؛ التي قبلها، والتي بعدها، والآية هنا تنص على أن التساؤل إنما يكون يوم القيامة بدليل الآيات التي قبلها، وهي تعارض آية (المؤمنون) التي تنفي التساؤل فيما بينهم، وقد قال ابن عباس ﵄-في حل هذا التعارض: إن للقيامة أحوالا، ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل، فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون. انتهى. خازن من سورة (المؤمنون). أقول: ومخاصمة الكفار بعضهم بعضا، ولوم بعضهم بعضا يوم القيامة قد ذكر في كثير من آيات القرآن الكريم، انظر الآية رقم [٣١] من سورة (سبأ) وما بعدها. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَأَقْبَلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أقبل): فعل ماض. ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
﴿يَتَساءَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿بَعْضُهُمْ،﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال الأتباع للمتبوعين. ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي: عن أقوى الوجوه وأيمنها، أو عن الدين، أو عن الخير، كأنكم تنفعوننا نفع السانح، فتبعناكم، وهلكنا معكم، مستعار من يمين الإنسان، الذي هو أقوى الجانبين، وأشرفهما، وأنفعهما؛ ولذلك يسمى: يمينا، ويسمى بالسانح. أو: عن القوة، والقهر، فتقسروننا على الضلال. أو: على الحلف، فإنهم كانوا يحلفون لهم: أنهم على الحق. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبي ما يشبهه،
стр. 5182
وزاد قوله: وقيل: اليمين بمعنى: القوة، أي: تمنعوننا بقوة، وقهر وغلبة، قال تعالى في هذه السورة: ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة، وقوة الرجل في يمينه، وقال الشاعر: [الوافر]
إذا ما راية رفعت لمجد... تلقّاها عرابة باليمين
أي: بالقوة، والقدرة. وهذا قول ابن عباس-﵄-انتهى. وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦٧] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَأْتُونَنا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، و (نا):
مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، فهي حال متداخلة، وفيها معنى التفسير للتساؤل. ﴿عَنِ الْيَمِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الرؤساء، والمتبوعون. ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ:﴾ وهذا إضراب من المتبوعين، وإبطال لما ادعاه التابعون، أي: لم تتصفوا بالإيمان في وقت من الأوقات، بل كنتم على الكفر، فأقمتم عليه للإلف، والعادة. ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي: ما كان لنا عليكم من قوة، وقدرة نقهركم بها على متابعتنا. ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم فجور، وطغيان، واستعداد للعصيان، والفساد، فلذلك استجبتم لنا، واتبعتمونا. وهذا مثل قول الشيطان لهم: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه أفضل الصلوات، وأتم التسليم.
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا:﴾ وجب وعيده، وتهديده، وهو: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ أي: للعذاب: التابع، والمتبوع، والضال، والمضل؛ أي: جميعا في جهنم لا محالة. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ أي: زينا لكم الكفر، والباطل، والضلال، والعصيان، ودعوناكم إلى ذلك؛ لأننا كنا على غي، وضلال، فلا عتب علينا في تعرضنا لإغوائكم بتلك الدعوة، لتكونوا مثلنا في الغواية، والضلال.
стр. 5183
قال الرازي رحمه الله تعالى: أجاب الرؤساء والمتبوعون بأجوبة خمسة: الأول: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. الثاني: ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾. الثالث: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾. الرابع:
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾. الخامس: ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا عنه.
هذا و (الرب) يطلق، ويراد به السيد، والمالك، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ أي: سيدك. وأيضا قوله تعالى حكاية عن قوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ أي: سيده، ومالكه. كما يقال: ربّ الدار، وربّ الأسرة، أي: مالكها، ومتولي شؤونها، كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة، يربها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا، فشيئا، بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. ولا يطلق الرب على غيره تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك. والرب: المعبود بحق، وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى في سورة (يوسف) حكاية عن قول يوسف لصاحبي السّجن: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا
وهو اسم فاعل بجميع معانيه، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدغام أحد المثلين في الآخر بعد إسكان الأول منهما، وسلب حركته. تأمل. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (ص).
أما (قوم) فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ، وهو يطلق على الرجال دون النساء، بدليل قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾. وقال زهير بن أبي سلمى المزني: [الوافر] وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء؟
وربما دخل فيه النساء على سبيل التبع للرجال، كما في إرسال الرسل لأقوامهم؛ إذ إن كل لفظ (قوم) في القرآن، إنما يراد به الرجال، والنساء جميعا. وهو يذكر، ويؤنث، قال تعالى في سورة (الشعراء): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فتذكيره باعتبار اللفظ، وتأنيثه باعتبار المعنى، وهو: أنهم أمة، وطائفة، وجماعة.
هذا؛ و (سلطان) تسلط، وولاية، ويأتي بمعنى: الحجة، والبرهان، كما هنا، ويأتي بمعنى:
الكتاب، قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٣٥]: ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ،﴾ وقال بعض المحققين: سميت الحجة: سلطانا؛ لأن صاحب الحجة يقهر من لا حجة
стр. 5184
له، كالسلطان يقهر غيره بقوته. وقال الزجاج: السلطان: هو الحجة، وسمّي السلطان: سلطانا؛ لأنه حجة الله في أرضه. انتهى. ولا تنس ما قاله عثمان بن عفان-﵁: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) أي: يكف عن المعاصي، ويردع، وجمعه بمعنى: الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى: الحجة، والبرهان. هذا؛ وزعم الفراء: أن العرب تؤنث السلطان. تقول: قضت به عليك السلطان. أما البصريون؛ فالتذكير عندهم أفصح، وبه جاء القرآن الكريم، والتأنيث عندهم جائز؛ لأنه بمعنى: الحجة. هذا؛ والسلطان: ما يدفع به الإنسان عن نفسه أمرا يستوجب به عقوبة. كما قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٢١] حكاية عن قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حقّ الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، والواو فاعله. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ منصوب... إلخ. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من: ﴿سُلْطانٍ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿سُلْطانٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
﴿قَوْماً:﴾ خبره. ﴿طاغِينَ:﴾ صفة: ﴿قَوْماً﴾ منصوب مثله... إلخ. ﴿فَحَقَّ:﴾ الفاء: حرف عطف.
(حق): فعل ماض. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿قَوْلُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَذائِقُونَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ في محل نصب مقول القول. قال ابن هشام في المغني: من الجمل المحكية ما قد يخفى، فمن ذلك بعد القول: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ والأصل: إنكم لذائقون عذابي، ثم عدل إلى التكلم؛ لأنهم تكلموا بذلك عن أنفسهم. قال الفرزدق: [الطويل]
ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
والأصل: مالك؟ وهذا هو الشاهد رقم (٧٦٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». هذا؛ وحذف مفعول (ذائقون) كما رأيت تقديره. ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أغويناكم): فعل،
стр. 5185
وفاعل، ومفعول به. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿غاوِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا غاوِينَ﴾ في محل رفع خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ تعليل لما قبلها، والكلام: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الأتباع، والمتبوعون. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يتساءلون، ويتحاورون، ويتخاصمون. ﴿فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: كما كانوا مشتركين في الغواية، كما قال تعالى في سورة الزخرف رقم [٣٩]: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كما فعلنا بهؤلاء المجرمين من عبدة الأوثان، والنصارى، واليهود نفعل بالملحدين المعاندين المنكرين الحساب، والجزاء، بمعنى: نذيقهم جميعا العذاب الأليم، والعقاب الشديد في نار الجحيم، وانظر ما ذكرته بشأن المجرمين، والظالمين... إلخ في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب فيه عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، أي: يوم يتساءلون... إلخ، و (إذ) مضافة لهذه الجملة في الأصل، فإن الأصل: إذ يتساءلون، ويتحاورون. فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما.
الإعراب: ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: هي الفصيحة، التقدير: إن شئت أن تعرف مصائر الأتباع والمتبوعين؛ فإنهم، وأراه ضعيفا. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾ بعده. وقيل:
متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له ألبتة. و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿فِي الْعَذابِ:﴾ متعلقان بما بعدهما أيضا.
﴿مُشْتَرِكُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: نفعل بالمجرمين فعلا كائنا مثل الفعل الذي فعلناه من قبلهم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿نَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا تقديره:
«نحن». ﴿بِالْمُجْرِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية: «نفعل
стр. 5186
بالمجرمين كذلك» في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنّا..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بمنزلة البدل مما قبلها.
﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا﴾ أي: كفرة قريش، فالضميران يعودان إليهم. ﴿إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن كلمة التوحيد. أو: على من يدعوهم إليها. يروى: أنه لما قال النبي ﷺ لأبي طالب عند موته، واجتماع قريش: قولوا:
«لا إله إلا الله؛ تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم» أبوا، وأنفوا من ذلك.
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يقولوا:
لا إله إلاّ الله، فمن قال: لا إله إلاّ الله؛ فقد عصم منّي ماله، ونفسه إلا بحقّه، وحسابه على الله ». أخرجه ابن أبي حاتم. وروى ابن أبي حاتم أيضا عن أبي العلاء-﵁ قال: يؤتى باليهود يوم القيامة، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله، وعزيرا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالنصارى. فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله، والمسيح، فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين، فيقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون. ثم يقال لهم: لا إله إلا الله، فيستكبرون. ثم يقال لهم: لا إله إلاّ الله، فيستكبرون.
فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير. قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله تعالى، فيقال لهم: هل تعرفونه؛ إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: فكيف تعرفونه، ولم تروه؟ فيقولون: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم ﵎، وتقدّس، وينجي الله المؤمنين. أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العلاء موقوفا. انتهى. مختصر ابن كثير.
الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١١]. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل:
«إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره: موجود.
﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء. والثاني: اعتباره بدلا من ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف. وهو الأولى، والأقوى. والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل: ﴿قِيلَ،﴾ وهذا على قول من يجيز وقوع الجملة فاعلا، ويكون جاريا على القاعدة في بناء الفعل للمجهول:
«يحذف الفاعل، ويقام المفعول مقامه». وهذا لا غبار عليه. وقيل: نائب الفاعل ضمير مستتر،
стр. 5187
تقديره: «هو»، يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام، التقدير:
قيل قول. وقيل: الجار والمجرور: ﴿لَهُمْ﴾ في محل رفع نائب فاعل. والمعتمد الأول، وأيده ابن هشام في المغني. وجملة: ﴿قِيلَ لَهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (إذا) إليها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف دل عليه ما بعده، التقدير: فهم يستكبرون. و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام معترض بين الفعل (كان) وخبره. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذا﴾ ظرفا مجردا عن الشرطية متعلقا بالفعل ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فالمعنى لا يأباه. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر: (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة؛ فجملة: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية:
﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة مبينة لسبب استحقاقهم العذاب، والهلاك، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: كفار قريش يقولون: أنحن نترك عبادة آلهتنا، وآلهة آبائنا لأجل قول شاعر مجنون؟! يعنون سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، وقد ردّ الله عليهم بما يلي. هذا؛ وجمع (شاعر): شعراء، والأصل في فعلاء أن يكون جمع: فعيل، مثل: ظريف، وظرفاء، وشريف، وشرفاء؛ لأن «فعيلا» إنما يقع لمن قد كمل ما هو فيه، فلما كان (شاعر) إنما يقال لمن عرف بالشعر شبه بفعيل، ودخلت جمعه ألف التأنيث الممدودة لتأنيث الجماعة، كما تدخل الهاء في: صياقلة وزنادقة. وقال الأخفش: (شاعر) مثل: لابن، وتامر، أي: صاحب شعر، وصاحب لبن، وصاحب تمر. وقد سمي الشاعر شاعرا لفطنته، وهو الفقيه أيضا، والشاعر مأخوذ من قولهم: ما شعرت بهذا الأمر؛ أي: ما فطنت له. وقوله تعالى في كثير من الآيات في حق الكافرين، والمنافقين، والفاسقين: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يفطنون، ولا يتدبرون ما يقع بهم من الخزي، والنكال في الدنيا، والآخرة. وانظر ما ذكرته بشأن الشعر والشعراء في الآية رقم [٢٢٤] من سورة (الشعراء) تجد ما يسرك.
الإعراب: (يقولون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري.
(إنا): حرف مشبه بالفعل، ونا اسمها. ﴿لَتارِكُوا:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تاركو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، و (تاركو) مضاف، و ﴿آلِهَتِنا﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر تقديره:
«نحن»، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِشاعِرٍ:﴾ متعلقان ب: (تاركو). ﴿مَجْنُونٍ:﴾
صفة ثانية لموصوف محذوف، والصفة الأولى (شاعر)، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ فمحلها مثلها.
стр. 5188
﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ﴾ أي: جاء محمد ﷺ بالحق من عند ربه. ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي:
صدقهم فيما أخبروا عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله تعالى في شرعه، وأمره، كما أخبروا. ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ أي: بسبب شرككم، وتكذيبكم الرسول، وافترائكم عليه المفتريات، مثل قولكم: شاعر، ساحر، مجنون. قال أبو حيان -رحمه الله تعالى-: جمع المشركون بين إنكار الوحدانية، وإنكار الرسالة، ثم خلطوا في كلامهم بقولهم: شاعر مجنون، فإن الشاعر عنده من الفهم والحذق ما ينظم به المعاني الغريبة، ويصوغها في قالب الألفاظ البديعة، ومن كان مجنونا لا يصل إلى شيء من ذلك، فكلامهم تخليط، وهذيان. ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا تعاقبون إلا جزاء مثل عملكم. قال الصاوي: لأن الشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير؛ فجزاؤه بأضعاف مضاعفة.
﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لكن عباد الله المخلصين الموحدين، فإنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، ثم أخبر عن جزائهم بما يلي. فهو استثناء منقطع بهذا الاعتبار، فهو مثل قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾.
هذا؛ و (الذوق) يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار. تقول: اركب هذا الفرس، فذقه، أي: اختبره، وانظر فلانا، فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز
وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما لإحساسها به، كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب
وتذوقته؛ أي: ذقته شيئا بعد شيء، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم، قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق
وأصله من الذوق بالفم. و (ذوقوا) في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعية تخييلية.
стр. 5189
وذكر العذاب في بعض الآيات استعارة مكنية، حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا.
الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب عن قولهم، وافترائهم. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر، تقديره: «هو» يعود إلى النبي ﷺ ، الذي وصفوه افتراء بشاعر ومجنون، ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: جاء ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَصَدَّقَ:﴾ الواو: حرف عطف. (صدق): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الرسول أيضا. ﴿الْمُرْسَلِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَذائِقُوا:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذائقو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة. و (ذائقو) مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقرئ بنصب: ﴿الْعَذابِ﴾ شاذا، على تقدير النون، وحذفت النون استخفافا للّفظ، ومثل هذه الآية قول أبي الأسود الدؤلي: [المتقارب]
فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا
بنصب لفظ الجلالة، وتقدير التنوين قبله، وهذا هو الشاهد رقم (٩٦٠) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿الْأَلِيمِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿تُجْزَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير:
إلا الذي كنتم تعملونه. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة:
﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل نصب خبره، وجملة: ﴿وَما تُجْزَوْنَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من كاف الخطاب، أو من الضمير المستتر في اسم الفاعل، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطعا من الواو، و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ،﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء.
﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: عباد الله المخلصين لهم رزق معلوم، له خصائصه من الدوام، وتمحض اللذة، وهو ما فسره بقوله: ﴿فَواكِهُ﴾ جمع: فاكهة، قال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ﴾
стр. 5190
﴿بِفاكِهَةٍ﴾ أي: جميع أنواع الفواكه؛ لأن التنكير يعم جميع أجناس الفواكه، فإن الفاكهة ما يقصد للتلذذ دون التغذي، والقوت بالعكس، وأهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن التحلل؛ كانت أرزاقهم فواكه خالصة. انتهى. بيضاوي. وهذا فيه قصور، كيف وقد ذكر الله أن لهم ما يشتهون من لحوم الطير، وما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين. وقيل: المعنى معلوم الوقت، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ بيان لحالهم، وإن لم يكن هناك بكرة، ولا عشية، فيكون المراد منه معلوم الوقت، وهو مقدار غدوة، وعشية. هذا؛ والأحسن القول:
إن الفواكه مساوية للرزق، فتشمل الخبز، واللحم؛ لأنهما يؤكلان في الجنة تلذذا.
﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ:﴾ في نيل رزقهم، يصل إليهم من غير تعب، وسؤال، كما في رزق الدنيا.
ولهم إكرام من الله- -برفع الدرجات، وسماع كلامه، ولقائه. ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ:﴾
حدائق، وبساتين يتنعمون فيها، ليس فيها إلا النعيم المقيم. ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ:﴾ لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلا، وتحاببا، والتقابل أتم للسرور، وآنس. وقيل: الأسرّة تدور كيف شاؤوا، فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ابن عباس-﵄: على سرر مكللة بالدر، والياقوت، والزبرجد.
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ:﴾ قال الزجاج: أي: من خمر تجري، كما تجري العيون على وجه الأرض، ومعين: ماء جار ظاهر للعيون، يقال: معين ومعن، كما يقال: رغيف، ورغف، فهو فعيل من: معن الماء: إذا جرى، أو من الماعون، وهو المنفعة؛ لأنه نفاع، أو هو مفعول من: عانه؛ إذا أدركه بعينه؛ لأنه لظهوره مدرك بالعيون. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-:
﴿مَعِينٍ﴾ اسم فاعل من: معن بضم العين، كشريف من: شرف، أي: من شراب معين، أو نهر معين، ظاهر للعيون، أو خارج من العيون، وهو صفة للماء، من: عان: إذا نبع، وصف الله به خمر الجنة؛ لأنها تجري كالماء.
هذا؛ ولم يذكر الله تعالى هنا الطائفين عليهم، وذكره بسورة (الواقعة) بقوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. هذا؛ والكأس عند أهل اللغة: اسم شامل لكل إناء مع شرابه، فإن كان فارغا فليس بكأس. قال الضحاك، والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم يكن فيه خمر، قالوا: إناء، وقدح، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام؛ لم يقل له مائدة.
قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وأضيف أنه لا يقال: ذنوب وسجل إلا وفيه ماء، وإلا؛ فهو دلو. ولا يقال: جراب إلا؛ وهو مدبوغ، وإلا؛ فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبرى، وإلا؛ فهو أنبوب. هذا؛ وقد تسمى الخمر كأسا، تسمية للشيء باسم محله. ﴿بَيْضاءَ:﴾ قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضا من اللبن. ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أي:
стр. 5191
ذات لذة، فحذف المضاف، وقيل: هو مصدر وصف به للمبالغة، أو لأنها تأنيث «لذ» بمعنى:
لذيذ، مثل: نبات غض، وغضيض. قال الراعي النميري: [الطويل]
ولذّ كطعم الصّرخديّ تركته... بأرض العدا من خشية الحدثان
﴿لا فِيها غَوْلٌ:﴾ غائلة، كما في خمر الدنيا تغتال العقول. قال الشاعر: [المتقارب]
فما زالت الكأس تغتالنا... وتذهب بالأوّل الأوّل
أي: تصرعنا واحدا واحدا. قال ابن عباس-﵄: في الخمر أربع خصال:
السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله تعالى خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال. انتهى. فخمر الجنة طعمها طيب كلونها؛ فلا خمار يصدع الرؤوس، ولا سكر، ولا عربدة يذهب لذة الاستمتاع، كما هي الحال في خمر الدنيا. يقال: الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس، أي: تذهب بها. ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أي: لا تذهب عقولهم بشربها.
يقال: نزف الرجل ينزف، فهو منزوف، ونزيف: إذا سكر، قال الشاعر: [المتقارب] وإذ هي تمشي كمشي النّزي... ف يصرعه بالكثيب البهر
البهر: الكلال، وانقطاع النفس. وقال جميل بن معمر-وهذا هو الشاهد رقم (١٥٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
فلثمت فاها آخذا بقرونها... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
هذا وقرأ حمزة، والكسائي بكسر الزاي، وتابعهما عاصم في سورة (الواقعة): ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ﴾ وذلك من: أنزف الشارب: إذا نفد عقله، أو شرابه، وأصله للنفاد، يقال: نزف المطعون:
إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية؛ حتى نزفتها، وهو يفيد أن الفعل يكون لازما، ومتعديا.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿رِزْقٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مَعْلُومٌ:﴾ صفة له، ونائب فاعله محذوف، التقدير: معلوم وقته، أو معلوم صفاته، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَواكِهُ:﴾ بدل، أو عطف بيان ل: ﴿رِزْقٌ،﴾ وأجيز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير:
هو ﴿فَواكِهُ،﴾ فتكون الجملة الاسمية هذه في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رِزْقٌ﴾. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو:
واو الحال، (هم مكرمون): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا باللام، والرابط: الواو، والضمير، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهو أولى من اعتبار الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي جَنّاتِ:﴾ جار ومجرور فيهما ثلاثة أوجه:
الأول: اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر ثان ل: ﴿أُولئِكَ﴾. والثاني: اعتبارهما متعلقين
стр. 5192
بمحذوف حال من الضمير المستكن في: ﴿مُكْرَمُونَ﴾. والثالث: اعتبارهما متعلقين ب: ﴿مُكْرَمُونَ﴾.
و ﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلى سُرُرٍ:﴾ يجوز فيهما ما جاز في: ﴿فِي جَنّاتِ﴾ من اعتبارات. ﴿مُتَقابِلِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور: ﴿عَلى سُرُرٍ،﴾ أو حال من الضمير المستتر في: ﴿مُكْرَمُونَ،﴾ وعليه فالجار والمجرور ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ متعلقان به، أو هما متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: يطوف عليهم طوفانا كائنا بكأس.
﴿يُطافُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل.
﴿بِكَأْسٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ مَعِينٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (كأس). والجملة الفعلية: ﴿يُطافُ..﴾. إلخ تحتمل أن تكون مستأنفة، وأن تكون في محل رفع خبر آخر للمبتدأ، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المستكن في: ﴿مُكْرَمُونَ﴾. وقيل: في محل رفع صفة ل: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ أيضا. ﴿بَيْضاءَ:﴾ صفة: (كأس) مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للصفة، ووزن: فعلاء، أو منع من الصرف لألف التأنيث الممدودة، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف. ﴿لَذَّةٍ:﴾ صفة ثانية ل: (كأس). ﴿لِلشّارِبِينَ:﴾
متعلقان ب: ﴿لَذَّةٍ،﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَوْلٌ:﴾ مبتدأ مؤخر.
والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل جر صفة ثالثة ل: (كأس)، أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال:
زائدة. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿عَنْها:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يُنْزَفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على ما فيها من اعتبارات.
﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَعِنْدَهُمْ:﴾ عند عباد الله المخلصين. ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أي: نساء قد قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وغيرهم. مأخوذ من قولهم: اقتصر على كذا: إذا اقتنع به، وعدل عن غيره. قال امرؤ القيس: [الطويل]
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا
ويروى: فوق الخد، والأول أبلغ. والإتب: القميص، والمحول: الصغير من الذر.
﴿عِينٌ:﴾ عظام العيون، شديدات بياضها، شديدات سوادها. ومنه قيل لبقر الوحش: عين، والثور
стр. 5193
أعين، والبقر عيناء. ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ:﴾ مصون، قال الحسن، وابن زيد: شبهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح، والغبار، فلونها أبيض في صفرة، وهو أحسن ألوان النساء. وقال ابن عباس، وابن جبير، والسدي: شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر، وتمسه الأيدي.
وفي الحديث عن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشّرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على الله- -ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم، كأنّهنّ البيض المكنون، أو اللؤلؤ المكنون». أخرجه ابن أبي حاتم، وروى بعضه الترمذي.
وعن أم سلمة-﵂-قالت: قلت لرسول الله ﷺ : أخبرني عن قوله تعالى:
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ؟﴾ قال: «رقّتهنّ كرقّة الجلد الذي في داخل البيضة، ممّا يلي القشر».
والعرب تشبه النساء بالبيض من ثلاثة أوجه: أحدها: بالصحة، والسلامة عن الطمث، أي:
الجماع، ومنه قول الفرزدق: [الوافر]
خرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام
فبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
والثاني: في الصيانة والستر؛ لأن الطائر يصون بيضه، ويحضنه. والثالث: في صفاء اللون، ونقائه؛ لأن البيض يكون صافي اللون نقيه؛ إذا كان تحت الطائر. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٢٦] من سورة (الشعراء) بشأن بيتي الفرزدق، وخذ قول امرئ القيس في معلقته رقم [٣١]: [الطويل]
وبيضة خدر لا يرام خباؤها... تمتّعت من لهو بها غير معجل
وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن، والنظافة: كأنه بيض النعام المغطى بالريش.
وقيل: المكنون: المصون عن الكسر، أي: إنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض: اللؤلؤ، كقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ أي: في أصدافه. قاله ابن عباس-﵄-أيضا. ومنه قول الشاعر: [الخفيف]
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغو... واص ميزت من جوهر مكنون
وإنما أفرد المكنون، وذكّر في الآية الكريمة؛ والبيض جمع؛ لأنه رد النعت إلى اللفظ، لا إلى المعنى. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أي: يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا، وهو من تمام الأنس في الجنة. والمعنى: يشربون من خمر الجنة الموصوف بما ذكر، فيتحادثون على الشراب كعادة الشّرّاب. قال بعضهم (ونسب للفرزدق): [الوافر]
وما بقيت من اللّذّات إلاّ... أحاديث الكرام على المدام
стр. 5194
فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم في الدنيا؛ إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله تعالى في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، وسورة (الطور) شرحت هذا التساؤل، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] لترى تساؤل الكافرين، والظالمين فيما بينهم. هذا؛ وانظر شرح ﴿الطَّرْفِ﴾ في الآية رقم [٥٢] من سورة (ص).
الإعراب: ﴿وَعِنْدَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، (عندهم): ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿قاصِراتُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو صفة لموصوف محذوف، كما رأيت في الشرح. و ﴿قاصِراتُ﴾ مضاف، و ﴿الطَّرْفِ﴾ مضاف إليه، وهذه الإضافة تحتمل أن تكون من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، وأن تكون من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية الواقعة خبرا ل: ﴿أُولئِكَ﴾ في الآية رقم [٤١]. ﴿عِينٌ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿كَأَنَّهُنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿بَيْضٌ:﴾ خبرها، ﴿مَكْنُونٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿فَأَقْبَلَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقبل): فعل ماض، ﴿بَعْضُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُطافُ..﴾. إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿يَتَساءَلُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:
﴿بَعْضُهُمْ،﴾ وما عطف عليه، والرابط: الضمير فقط.
﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من الذين يتحادثون فيما بينهم؛ وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم يسعون، ويجيئون بكل خير عظيم، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ:﴾ صديق ملازم، اختلف في هذا القرين، فقيل: هو الشيطان، وقيل: هو مشرك كان لا يؤمن بالله واليوم الآخر. قال السدي: كان شريكان في بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ وساق قصة مشابهة لما ذكرته في سورة (الكهف) رقم [٣٢] وما بعدها. وصرح القرطبي في ذلك حيث أحال على ما ذكر في سورة (الكهف)، ومثله في الخازن. وقال محمد علي الصابوني:
стр. 5195
القائل هو أحد الرجلين اللذين قال الله فيهما: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ﴾ و (القرين): هو الرجل الذي دخل جنته، وهو ظالم لنفسه، وقد وردت قصتهما في سورة (الكهف).
ثم قال السدي: فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله تعالى المؤمن الجنة، يمرّ فإذا هو بأرض، ونخل، وثمار، وأنهار، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يمرّ، فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال:
ثم يمرّ فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء، مجوفة فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك، فيقول: يا سبحان الله، أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر، فيقول، ﴿إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ..﴾. إلخ انتهى. مختصر ابن كثير بتصرف كبير، كما رأيت.
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي: أأنت تصدق بالبعث، والنشور، والحساب والجزاء؟! يعني بذلك على وجه التعجب، والتكذيب، والاستبعاد، والكفر، والعناد. هذا؛ وقرئ بتشديد الصاد والدال، فيكون المعنى: أأنت تتصدق بالمال طلبا للثواب؟! ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً:﴾ انظر الآية رقم [١٦] ففيها الكفاية. ﴿لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيون محاسبون بعد الموت. فهو من الدّين بمعنى: الجزاء، وانظر الآية رقم [٢٠].
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿قائِلٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿قائِلٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء ضمير متصل في محل نصب اسمها.
﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبر:
﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿قَرِينٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ قائِلٌ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، فهي حال متداخلة، وفيها معنى التفسير للتساؤل. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿قَرِينٌ﴾. ﴿أَإِنَّكَ:﴾ الهمزة:
حرف استفهام إنكاري توبيخي. (إنك): حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿لَمِنَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (من المصادقين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل رفع صفة: ﴿قَرِينٌ﴾. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً..﴾. إلخ انظر الإعراب كاملا في الآية رقم [١٦]، مع ملاحظة إبدال ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ بقوله: ﴿لَمَدِينُونَ﴾ وهو لا يخل في الإعراب أبدا، إفرادا وجملا.
﴿قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿قالَ..﴾. إلخ: الله تعالى لأهل الجنة، وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين؟ وقيل: هو من قول الملائكة،
стр. 5196
وهو ضعيف؛ لأن الفاعل مفرد. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ:﴾ إلى النار لأريكم ذلك الكافر، والاستفهام بمعنى: الأمر مثل قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩١]: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. هذا؛ وقرئ «(مطلعون)» «(فأطلع)» بتسكين الطاء فيهما، وضم الألف، وكسر النون، على معنى: هل أنتم مقبلون، فأقبل؟ وأنكر أبو حاتم، وغيره هذه القراءة. وقال النحاس: هذا لحن لا يجوز؛ لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافا؛ لكان اللفظ هل أنتم مطلعيّ؛ وإن كان سيبويه، والفراء قد حكيا مثله، وأنشدا: [الطويل]
هم القائلون الخير والآمرونه... إذا ما خشوا من محدث الأمر معظما
وأنشد الفراء وحده: «والفاعلونه» وأنشد سيبويه وحده: [الطويل]
ولم يرتفق والناس محتضرونه... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه
وهذا شاذ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لا يحتج به في كتاب الله ، ولا يدخل في الفصيح، وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى: (مطلعون) مجرى يطلعون. ذكره أبو الفتح عثمان بن جني، وأنشد: [الرجز]
أرأيت إن جئت به أملودا... مرجّلا ويلبس البرودا
أقائلنّ: أحضري الشّهودا
فأجرى: «أقائلنّ» مجرى: أتقولون، وهذا هو الشاهد رقم (٦٣٦) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ أي: رأى قرينه. ﴿فِي سَواءِ الْجَحِيمِ:﴾ في وسط الجحيم، فقد ذكر أن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا؛ اطّلع من بعض الكوى. وعن قتادة قال: قال بعض العلماء: لولا أن الله عرّفه إياه لما عرفه، لقد تغير حبره وسبره؛ أي: لونه، وهيئته. هذا؛ وانظر (سواء) في الآية رقم [١٠] من سورة (يس).
هذا؛ واطّلع أصله: تطلع، فأدغمت التاء في الطاء، بعد قلبها طاء، وتسكينها؛ لأنهما من مخرج واحد، ثم اجتلبت همزة الوصل ليمكن النطق بالساكن، ولهذه الكلمة نظائر، مثل: ادّكر، وادّارك، واطّير، وازّيّن، وادّارأتم. وانظر الآية رقم [١٥٣] تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (الله) أو إلى المؤمن، كما رأيت في الشرح، ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُطَّلِعُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاطَّلَعَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (اطلع):
فعل ماض، والفاعل يعود إلى المؤمن، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
стр. 5197
﴿قالَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَرَآهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (رآه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى المؤمن، والهاء العائدة إلى القرين مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿فِي سَواءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و ﴿سَواءِ﴾ مضاف. و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه.
﴿قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿قالَ﴾ أي: المؤمن لقرينه. ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أي: أقسم بالله لقد قاربت تهلكني وتوقعني في النار بسبب إغوائك لي، وتزيينك لي الشر، والفساد، وعدم الإيمان بالحساب، والجزاء. وهذا الكلام كأنه شماتة بقرينه الضال، الذي هوى في جهنم وبئس المصير. هذا؛ و ﴿تَاللهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب، والتاء بدل الباء، وهي مختصة باسم الله تعالى، وربما قالوا: تربي، وترب الكعبة، وتا الرحمن، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر، ومظهر. ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ أي: فضله، وتوفيقه، وعصمته من إغوائك، وهدايته لي بالاستمساك بعرى الإيمان؛ لكنت من المحضرين معك في النار، ولكنه رحمني، وتفضل عليّ، فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده: ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾. هذا؛ والإحضار عام في كل شيء، لكن غلب استعماله في الإحضار للعذاب.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى المؤمن، تقديره: «هو» ﴿تَاللهِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿إِنْ:﴾ مخففة من الثقيلة مهملة. ﴿كِدْتَ:﴾ فعل ماض ناقص من أفعال المقاربة، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿لَتُرْدِينِ:﴾ اللام: هي الفارقة بين النفي والإثبات، وهي لازمة هنا، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: []
وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللام إذا ما تهمل
(تردين): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر، تقديره: «أنت» والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، المدلول عليها بكسرة النون مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كادت) وجملة: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ تَاللهِ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لولا): حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.
﴿نِعْمَةُ:﴾ مبتدأ. وهو مضاف، و ﴿رَبِّي﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وخبر المبتدأ محذوف، التقدير: موجودة، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَكُنْتُ:﴾
стр. 5198
اللام: واقعة في جواب (لولا). (كنت): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان)، وجملة: ﴿لَكُنْتُ..﴾. إلخ جواب (لولا) لا محل لها، و (لولا) ومدخولها معطوفة على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول مثله.
﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)﴾
الشرح: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ:﴾ قيل: يقول أهل الجنة هذا للملائكة حين يذبح الموت بين الجنة والنار، وينادي مناد: يا أهل الجنة خلود لا موت! ويا أهل النار خلود لا موت! كما رأيت في سورة (مريم) رقم [٣٩] فتقول الملائكة لهم: لا، فيقولون: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾
وإنما يقولونه على جهة التحدث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون، ولا يعذبون، ليفرحوا بدوام النعيم، لا على طريق الاستفهام؛ لأنهم قد علموا: أنهم ليسوا بميتين، ولا معذبين، ولكن أعادوا الكلام؛ ليزدادوا سرورا بتكراره. انتهى. خازن.
وقيل: يقول هذا الكلام المؤمن لقرينه الضال مستهزئا به، وساخرا منه، كما كان ذلك الضال يستهزئ به في الدنيا. والمعنى: هل لا تزال على اعتقادك بأننا لن نموت إلا موتة واحدة، وأنه لا حساب، ولا جزاء، ولا عذاب؟ وهو أسلوب ساحر لاذع يظهر فيه التشفي من ذلك القرين الضال، والتحدث بنعمة الله عليه. انتهى. صفوة التفاسير للصابوني.
﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ:﴾ والمعنى: أنخلد، ولا نموت. ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ أي: التي ذقنا مرارتها في الدنيا. ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ:﴾ والمعنى: أنحن آمنون من العذاب، فلا نعذب؟ ﴿إِنَّ هذا﴾ أي:
النعيم المقيم في الجنة. ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: الفلاح، والنجاح، والربح العظيم؛ الذي لا يعدله شيء. ﴿لِمِثْلِ هذا﴾ أي: النعيم المقيم، والربح العظيم. ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ أي:
الموجودون في الدنيا، فليعملوا له، فإنه جدير بالاهتمام، وصرف الوقت في تحصيله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَفَما:﴾ الهمزة: حرف استفهام. الفاء: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع اسمها. ﴿بِمَيِّتِينَ:﴾ الباء:
حرف جر صلة. (ميتين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوفة. إذ التقدير: أنحن مخالدون منعمون، فما نحن بميتين. والكلام في محل نصب مقول القول. وهو يحتمل ما رأيته في الشرح من أن القائل المؤمن، أو أهل الجنة جميعا.
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَوْتَتَنَا:﴾ مفعول مطلق، والعامل فيه: (ميتين). وقيل: هو استثناء
стр. 5199
منقطع، التقدير: لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا. وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى في سورة (الدخان): ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿الْأُولى:﴾ صفة (الموتة) منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما نحن بمعذبين) إعرابها مثل إعراب (ما نحن بميتين) وهي معطوفة عليها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها. والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْعَظِيمُ:﴾
صفة له. والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن كان الضمير فصلا، لا محل له؛ فخبر: ﴿إِنَّ﴾ هو: ﴿الْفَوْزُ،﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر؛ فدخولها على الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر. وأصلها أن تدخل على المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ تحتمل أن تكون من قول الله تعالى، وأن تكون من قول المؤمن.
﴿لِمِثْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. و (مثل) مضاف، و ﴿هذا﴾ مضاف إليه، فهو اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿فَلْيَعْمَلِ:﴾ الفاء:
هي الفصيحة. اللام: لام الأمر. (يعمل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْعامِلُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط مقدر ب: «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا فليعمل العاملون لمثله. والكلام مثل سابقه يحتمل أن يكون من قول الله تعالى، وأن يكون من قول المؤمن.
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥)﴾
الشرح: لما ذكر الله تعالى ما أعده للأبرار في دار النعيم؛ ذكر ما أعده للأشرار في دار الجحيم، وذلك من باب المقابلة، والمقارنة؛ ليظهر التمييز بين الفريقين.
﴿أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ: أي: أهذا الذي ذكر من نعيم الجنة، وما فيها من ماكل، ومشارب، ومناكح، وغير ذلك من الملاذ خير ضيافة، وعطاء، أم شجرة الزقوم؛ التي في جهنم؟!. هذا؛ والنزل: ما يهيأ من الطعام، والشراب، والإكرام للنازل، قال أبو السعد الضبي، وقد استعار ما يعد للضيف النازل لما يفعله بالأعداء الهاجمين على قومه وعليه: [الطويل]
وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
стр. 5200
و ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها، ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا؛ التي تعرفها العرب، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل.
وفي القاموس المحيط: نبات بالبادية له زهر ياسميني الشكل. القول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من إفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزّبد، والتمر. فقال ابن الزّبعرى: أكثر الله في بيوتنا الزقوم.
فقال أبو جهل الخبيث لجاريته: هاتي زقّمينا، فأتته بزبد، وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقّموا هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أن النار تنبت الشجر؛ والنار تحرق الشجر. انتهى. قرطبي.
هذا وفي ذلك دلالة واضحة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة إنما هو بمنزلة ما يهيأ للضيف النازل على غيره، ولهم فيما وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام، لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وكذلك الزقوم بمنزلة ما يهيأ للضيف النازل، ولأهل النار فيما وراء ذلك من المقت والسخط والعذاب الأليم والعقاب الشديد ما ذكرته الآيات القرآنية في كل موطن من مواطن الكلام على أهل النار.
﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ:﴾ وذلك: أنهم قالوا: كيف تكون في النار شجرة، وهي تحرق الشجر؟! والمراد: بالظالمين: المشركين هنا، والفتنة: الاختبار، والابتلاء، وكان هذا القول منهم جهلا؛ إذ لا يستحيل في العقل أن يخلق الله في النار شجرا من جنسها لا تأكله النار، كما يخلق الله فيها الأغلال، والقيود، والحيات، والعقارب، وخزنة جهنم. ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ:﴾ قيل: منبتها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع في دركاتها. ﴿طَلْعُها﴾ أي:
ثمرها، والطلع أصله للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم، من حملها؛ إما استعارة معنوية، أو لفظية، وتشبيهه برؤوس الشياطين، دلالة على تناهيه في الكراهية، وقبح المنظر؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم: أنه شر محض، لا يخالطه خير، فيقولون في قبيح الصورة: كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون؛ جاؤوا بصورته على أقبح ما يقدر، وأهوله، كما أنهم إذا اعتقدوا في الملك الخير المحض، ولا شر فيه فشبهوا به الصورة الحسنة. فقد حكى الله تعالى على النسوة اللاتي قلن في وصف يوسف على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وهذا تشبيه تخييلي، روي معناه عن ابن عباس، والقرظي، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وإن كانت الغول لا تعرف، ولكن لما تصوّر من قبحها في النفوس، وذلك من باب التمثيل، والتخييل، وذلك: أن كل ما يستقبح في الطباع، والصورة يشبّه بما يتخيله الوهم، وإن لم يره.
стр. 5201
والشياطين وإن كانوا موجودين، لكنهم غير مرئيين للعرب، إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات. هذا؛ وإن رأس الشياطين شجر بعينه بناحية يسمى الأستن، وهو شجر مر، منكر الصورة، سمته العرب بذلك تشبيها برؤوس الشياطين في القبح، ثم صار أصلا يشبه به، فهو تشبيه حقيقي. انتهى. جمل نقلا عن السمين. وقد ادعى كثير من العرب رؤية الشياطين، والغيلان. وقال الزجاج، والفراء: الشياطين حيات لها رؤوس، وأعراف، وهي من أقبح الحيات، وأخبثها، وأخفها جسما، قال الراجز، وقد شبه المرأة بحية لها عرف: [الرجز]
عنجرد تحلف حين أحلف... كمثل شيطان الحماط أعرف
الحماط: نوع من النبات، الواحدة: حماطة، والأعرف: الذي له عرف، والعنجرد:
المرأة السليطة، أو الخبيثة أو السيئة الخلق. انتهى. قاموس. وقال الشاعر يصف ناقته: [الطويل] تلاعب مثنى حضرميّ كأنّه... تعمّج شيطان بذي خروع قفر
التعمّج: الاعوجاج في السير، وسهم عموج: يتلوّى في ذهابه، وتعمجت الحية: إذا تلوت في سيرها. وقال الزمخشري في تفسير الزقوم: هو شجر خشن، منتن، منكر الصورة يسمى ثمره: رؤوس الشياطين. انتهى. قرطبي، وكشاف، وغيرهما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَذلِكَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي لأهل النار. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقائل هو الله، أو الملائكة حسب ما تقدم، وقيل: التقدير قل يا محمد لهؤلاء الكافرين: ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ..﴾. إلخ، والمعنى لا يؤيده. ﴿نُزُلاً:﴾ تمييز، وقيل: حال، وهو قول الزمخشري، فإنه قال: ولك أن تجعله حالا، كما تقول: أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا؟ ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿شَجَرَةُ:﴾ معطوف على اسم الإشارة، و ﴿شَجَرَةُ﴾ مضاف، و ﴿الزَّقُّومِ﴾ مضاف إليه، وحذف ما بعده لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: أم شجرة الزقوم خير نزلا. ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿جَعَلْناها فِتْنَةً:﴾ ماض ومفعولاه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية من جملة المقول، وهو يقوي، ويؤيد: أن القائل لأهل النار هذا الكلام إنما هو الله تعالى. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فِتْنَةً﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿شَجَرَةُ:﴾ خبرها. والجملة الاسمية مستأنفة، ومبينة لحقيقة: ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ،﴾ لا محل لها. ﴿تَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿شَجَرَةُ الزَّقُّومِ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿شَجَرَةُ،﴾ أو في محل رفع خبر ثان ل:
(إنّ). ﴿فِي أَصْلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، أو هما متعلقان بالفعل: ﴿تَخْرُجُ،﴾ و ﴿أَصْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه. ﴿طَلْعُها:﴾ مبتدأ، و (ها): ضمير
стр. 5202
متصل في محل جر بالإضافة. ﴿كَأَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿رُؤُسُ:﴾ خبر: (كأنّ) وهو مضاف، و ﴿الشَّياطِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية:
﴿كَأَنَّهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: (إنّ)، أو في محل نصب حال من فاعل ﴿تَخْرُجُ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط.
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾
الشرح: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها﴾ أي: من شجرة الزقوم. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي: يأكلون منها حتى يملؤوا بطونهم. فقد ذكر الله تعالى أنهم يأكلون من شجرة الزقوم؛ التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم، ونتن الريح، وخبث الطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون إلا إياها، وما هو في معناها، كما قال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.
فقد روي عن ابن عباس-﵄-أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية، وقال:
«اتقوا الله حقّ تقاته، فلو أنّ قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدّنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!». أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها﴾ أي: بعد ما شبعوا منها، وغلبهم العطش. ﴿لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: مزجا من حميم. وقال غيره: يعني: يمزج لهم الحميم بصديد، وغساق مما يسيل من فروجهم، وعيونهم. وعن سعيد بن جبير-﵄-قال: (إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مرّ بهم يعرفهم لعرفهم بوجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم أشوى من حره لحوم وجوههم؛ التي سقطت عنها الجلود، ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل أمعاؤهم، وتتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور). هذا حديث موقوف على تابعي، أخرجه ابن أبي حاتم. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ وهو مأخوذ فحواه من قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ،﴾ وقوله تعالى في سورة الحج رقم [٢٠]: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (محمد ﷺ رقم [١٥]: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ وينبغي أن تعلم أن كل واحد مما ذكر مميت، ومهلك، ولكن لا موت، كما قال
стр. 5203
تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٧]: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.
هذا و (شوبا) بفتح الشين مصدر على أصله، وقيل: يراد به اسم المفعول، ويدل على قراءة بعضهم: «(لشوبا)» بضم الشين. قال الزجاج: المفتوح مصدر، والمضموم اسم بمعنى: المشوب، كالنقض بمعنى: المنقوض، والفعل منه: شابه، يشوبه من باب: قال: إذا خلطه، فهو الخلط.
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: مصيرهم، ومرجعهم إلى دركات الجحيم. قال مقاتل:
الحميم خارج الجحيم، فهم يوردون الحميم لشربه، ثم يردون إلى الجحيم. وقال أبو السعود:
الزّقوم، والحميم نزل يقدّم إليهم قبل دخولها. وقال النسفي: أي إنهم يذهب بهم عن مقارّهم، ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، فيأكلون إلى أن يمتلئوا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم. انتهى. وهو كلام جيد، وجدير بالاعتبار.
هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: التشريك في الحكم. والترتيب، والمهلة، وفي كل منها خلاف مذكور في مغني اللبيب، وقد تلحقها تاء التأنيث الساكنة، كما تلحق «ربّ» و «لا» العاملة عمل ليس، فيقال: ثمّت، وربّت، ولات، والأكثر تحريك التاء معهن بالفتح.
هذا؛ و (ثم) هذه غير: «ثمّ» بفتح الثاء، فإنها اسم يشار به إلى المكان البعيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ وهي ظرف لا يتصرف، ولا يتقدمه حرف التنبيه، ولا يتصل به كاف الخطاب، وقد تتصل به التاء المربوطة فيقال: ثمّة.
الإعراب: ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿لَآكِلُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (آكلون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْها:﴾
جار، ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل المفعول به، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَمالِؤُنَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (مالئون): معطوف على (آكلون) مرفوع مثله. ﴿مِنْها:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْبُطُونَ:﴾ مفعول (مالئون). ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ،﴾ تقدم على اسمها. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما تعلق به ما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف خبر ثان. ﴿لَشَوْباً:﴾ اللام: لام الابتداء. (شوبا): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (شوبا). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ لَهُمْ..﴾. إلخ. معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَرْجِعَهُمْ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر الميمي لفاعله. ﴿لَإِلَى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (إلى الجحيم):
متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
стр. 5204
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾
الشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة. ﴿أَلْفَوْا:﴾ وجدوا. ﴿آباءَهُمْ:﴾ في الضلال فاقتدوا بهم، وساروا على نهجهم. وهو ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾. الآية رقم [١٧٠] من سورة (البقرة). ومثلها في سورة (لقمان) رقم [٢١]. هذا؛ و «ضلّ»: بمعنى: كفر، وأشرك. وهو المراد في هذه الآية وهو ضد: اهتدى، واستقام، ومصدره الضلال، ويأتي: «ضلّ» بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ،﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى، وغاب يغيب أيضا. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ رقم [٥٢]. و ﴿ضَلَّ﴾ الشيء: ضاع، وهلك. و «ضلّ» أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب لقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾. وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. و «ضلّ»: تحير، وهو أقرب ما يفسر به قوله تعالى لحبيبه محمد ﷺ في سورة (الضحى): ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾. هذا؛ وأضلّ، يضل غيره من الرباعي، ومصدره: الإضلال، فهو متعد، والثلاثي لازم. هذا؛ والضلال:
الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم. وينبغي أن تعلم: أن طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأما الضلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾. الآية رقم [٣٢] وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]
الطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد
والناس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد
﴿فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: فهم يسرعون في اتباع خطاهم من غير دليل، ولا برهان، قال مجاهد: شبهه بالهرولة كمن يسرع إسراعا نحو الشيء، والإهراع: الإسراع برعدة. قاله الفراء. هذا؛ وقيل: هذا الفعل ملازم للبناء للمفعول، مثل: أولع، يولع، والصواب: أنه يأتي بصيغة المبني للفاعل، وبه قرأ جماعة في الآية رقم [٧٨] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ويكون من الباب الثالث، مثل: فتح، يفتح، ولكن الأول أكثر، وأشهر، قال مهلهل: [الوافر]
فجاؤوا يهرعون وهم أسارى... نقودهم على رغم الأنوف
стр. 5205
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ:﴾ كفر، وأشرك قبل أهل مكة. ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: الأمم الماضية، لذا ما الإيمان بجانب الكفر إلا كشامة بيضاء في جلد ثور أسود. وقد بينته مرارا. هذا؛ و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ جمع: أول، وفيه مسائل:
الأولى: الصحيح: أنه أصله: (أوأل) بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل، وقيل: إن أصله: (ووّل) بوزن فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على (أواول) لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
الثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب، وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره؛ وقع الطلاق على الأول دون الثاني.
الثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة، أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا أوّل هذين، ولقيته عاما أوّل، والثاني: أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر، قال أبو حيان رحمه الله تعالى: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أوّلة وآخرة بالتنوين. انتهى. جمع الجوامع شرح همع الهوامع للسيوطي.
الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿أَلْفَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق.
﴿آباءَهُمْ:﴾ مفعول به أول، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ضالِّينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: تعليل لاستحقاقهم ما ذكر من فنون العذاب. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم):
مبتدأ. ﴿عَلى آثارِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿يُهْرَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وإن كانت صيغته للمفعول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم، (قد): حرف تحقيق، يقرب الماضي من الحال. ﴿ضَلَّ:﴾ فعل ماض، ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله.
والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَكْثَرُ:﴾ فاعل: ﴿ضَلَّ،﴾ وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف
стр. 5206
إليه مجرور... إلخ، وجملة: (لقد...) إلخ جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له، وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٦٢] من سورة (يس).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ﴾ أي: في الأولين. ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أي: رسلا خوفوهم غضب الله، وعقابه الشديد، وعذابه الأليم في الآخرة، فكذبوهم. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، ولكل من يتأتى منه النظر نظر تبصر، واعتبار، فيعتبر العاقل، وينزجر بذلك الاعتبار عن الأعمال القبيحة، والأفعال الخبيثة. ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ:﴾ الذين كذبوا، وأعرضوا عن الإيمان بالله، ورسله، وعاقبة كل شيء: آخره ونتيجته، ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن: ﴿عاقِبَةُ﴾ اكتسبت التذكير من المضاف إليه. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: لكن عباد الله المخلصين الموحدين؛ الذين استخلصهم الله من الكفر. وانظر تتمة الكلام في الآية رقم [٣٨]. هذا؛ وبين (المنذرين) و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ جناس ناقص لاختلاف المعنى، واختلاف حركة الذال فيهما.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿فِيهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما مفعول ثان تقدم على الأول. ﴿مُنْذِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة: (لقد...) إلخ، جواب القسم، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿كَيْفَ كانَ:﴾ في ﴿كانَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها الناقصة، و ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبرها، تقدم عليها، وعلى اسمها. والثاني: أنها تامة، و ﴿عاقِبَةُ:﴾
فاعلها، و ﴿كَيْفَ:﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ﴾ تقدمت على عاملها، وصاحبها.
و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ، في محل نصب سدت مسد مفعول: (انظر)، وجملة: ﴿فَانْظُرْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة؛ فالجملة الفعلية تكون جوابا لشرط مقدر ب: «إذا» التقدير:
وإذا كان ما ذكر واقعا؛ فانظر... إلخ، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿عِبادَ:﴾ استثناء منقطع؛ لأن ما قبله وعيد، وهم لم يدخلوا في هذا الوعيد.
و ﴿عِبادَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمُخْلَصِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
стр. 5207
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ أي: ولقد دعانا نوح حين أيس من قومه، فقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ،﴾ وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾. ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي: دعانا فأجبناه، وأهلكنا قومه، والجمع دليل العظمة، والكبرياء، وانظر (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس) والمعنى: إنا أجبناه أحسن الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون.
﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: ومن آمن به، وأولاده. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من الغم الذي لحق قومه، وهو الغرق. ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ:﴾ قال ابن عباس-﵄: لما خرج نوح من السفينة مات من معه من الرجال، والنساء إلا ولده، ونساءه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾. وقال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: كان ولد نوح ثلاثة، والناس كلهم من ولد نوح، فسام أبو العرب، وفارس، والروم، واليهود، والنصارى. وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب: السند، والهند، والنوب، والزنج، والحبشة، والقبط، والبربر، وغيرهم.
ويافث أبو الصقالبة، والترك، واللان، والخزر، ويأجوج، ومأجوج، وما هنالك. وقال قوم:
كان لغير ولد نوح أيضا نسل، بدليل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾. رقم [٣] من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ..﴾.
إلخ رقم [٥٨] من سورة (مريم)، وقوله تعالى: ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ..﴾. إلخ. رقم [٤٨] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
فعلى هذا معنى الآية: وجعلنا ذريته، وذرية من آمن معه هم الباقين، دون ذرية من كفر، فإنهم أغرقوا بسبب كفرهم.
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة، فهو كناية لطيفة عن ذلك، فإنه محبب إلى الجميع، حتى إن في المجوس من يقول: إنه أفريدون، وقيل المراد في الآخرين: أمة محمد ﷺ . وقيل: في الأنبياء؛ إذ لم يبعث بعده نبي إلا أمر بالاقتداء به، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً..﴾. إلخ الآية رقم [١٣] من سورة (الشورى). هذا والذكر الحسن الجميل للإنسان بعد موته عمر ثان له، كما قال أحمد شوقي -رحمه الله تعالى-: [الكامل]
دقّات قلب المرء قائلة له... إنّ الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها... فالذّكر للإنسان عمر ثان
стр. 5208
هذا؛ ونوح اسمه: السكن، وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: إخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟! وقيل:
أنطق الله الكلب، فقال له: أتسخر من الخالق، أم من المخلوق؟ وهو أول رسول بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وكان أول من عذبته أمته لردهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمر ألفا وخمسين سنة. وقيل: أكثر. لم تنقص قوته، ولم يشب، ولم تسقط له سن، وصبر على أذى قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الآخرة من سورة (نوح). يروى: أن جبريل-﵊-قال له: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار، لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.
هذا؛ والأهل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط، والأهل: العشيرة، وذوو القربى، ويطلق على الزوجة، وعلى الأتباع بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾. والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات، وبالأولين قرئ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ الآية رقم [٦] من سورة (التحريم).
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [٦٩]. ﴿نادانا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، و (نا): ضمير متصل في محل نصب مفعول به. ﴿نُوحٌ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم. والقسم، وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿فَلَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف عطف.
اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نعم): فعل ماض جامد لإنشاء المدح. ﴿الْمُجِيبُونَ:﴾
فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة... إلخ، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: نحن، وجملة: «لنعم المجيبون نحن» جواب القسم المحذوف، والقسم المحذوف وجوابه كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿وَنَجَّيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم، لا محل لها مثله. ﴿وَأَهْلَهُ:﴾ معطوف على الضمير المنصوب، وجوز اعتباره مفعولا معه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْكَرْبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة: ﴿الْكَرْبِ﴾. ﴿وَجَعَلْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (جعلنا): فعل، وفاعل. ﴿ذُرِّيَّتَهُ:﴾ مفعول به أول. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْباقِينَ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وجملة ﴿وَجَعَلْنا..﴾. إلخ، معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَتَرَكْنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعوله محذوف، التقدير: تركنا ثناء حسنا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار
стр. 5209
ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية للموصوف المحذوف. ﴿فِي الْآخِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، أو هما المفعول الثاني للفعل: (تركنا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ أي: سلام عاطر من الله تعالى، والخلائق على نوح باق على الدوام بدون انقطاع. قال سعيد بن المسيب-رحمه الله تعالى-: بلغني: أن النبي ﷺ قال:
«من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين لم تلدغه عقرب». ذكره أبو عمر في التمهيد.
وفي الموطأ عن خولة بنت حكيم-﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «من نزل منزلا، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شرّ ما خلق فإنه لا يضرّه شيء حتى يرتحل». ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ:﴾ هذا تعليل لما فعل بنوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-من إكرامه بإجابة دعائه، وإبقاء ذريته، وذكره الجميل، وتسليم العالمين عليه، فعلّل ذلك بكونه من زمرة المأمورين بالإحسان، الراسخين فيه، وإن ذلك من قبيل مجازاة الإحسان بالإحسان. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ:﴾ فهذا تعليل لإحسانه بإيمانه، إجلالا لشأن الإيمان وشرفه، وترغيبا في تحصيله، والثبات عليه، والازدياد منه، كما قال تعالى في مدح إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى، فلا يرد: كيف مدح نوحا، وإبراهيم، وغيرهما كموسى، وعيسى عليهما الصلاة والسّلام بذلك مع أن مرتبة الرسل فوق مرتبة المؤمنين. انتهى. جمل نقلا عن كرخي.
هذا؛ والإضافة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا﴾ إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وذكر العبودية مقام عظيم. والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي: أغرقنا الكافرين؛ الذين لم يؤمنوا بنوح عن بكرة أبيهم، فلم تبق منهم عين تطرف، ولا ذكر، ولا أثر. هذا؛ و ﴿الْآخَرِينَ﴾ جمع: آخر، ومؤنثه: أخرى، وكلاهما بمعنى: غير، وأخرى تجمع على: أخر، وأخريات، والآخر (بفتح الخاء) يكون ما قبله، وما بعده من جنسه. هذا؛ والآخر (بكسر الخاء) لا يكون بعده شيء غيره، ومؤنثه:
أخرى، وآخرة أيضا، وجمع الأولى: أخريات، وجمع الثانية: أواخر. هذا؛ والأخرى: دار البقاء، وكلاهما ضد الأول. هذا؛ و ﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي، بل هي لتعداد النعم، والمعنى:
ثم إني أخبركم: أني قد أغرقت الآخرين، وهم الذين أعرضوا عن الإيمان.
стр. 5210
الإعراب: ﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلى نُوحٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة؛ لأنه في معنى الدعاء. ﴿فِي الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محلها أوجه: أحدها: مفسرة لمفعول (تركنا) المحذوف. والثاني: هي في محل نصب مفعول به ل: (تركنا). وقيل: ضمن (تركنا) معنى:
«قلنا». وقيل: هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف. وقيل: هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده. التقدير: نجزي المحسنين جزاء كائنا مثل الجزاء الذين جزيناه نوحا ﵇، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَجْزِي:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره:
«نحن». ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لإكرام نوح. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مِنْ عِبادِنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ صفة: ﴿عِبادِنَا﴾ مجرور مثله، والجملة الاسمية تعليل لإحسانه، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَغْرَقْنَا:﴾
فعل، وفاعل، ﴿الْآخَرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
(نجيناه...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣) إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ أي: من أهل دينه وسنته ومنهاجه، وإن اختلفت فروع شرائعهما. ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق كلي، أو أكثري؛ وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وستمئة وأربعون سنة، أفاده الجلال، والبيضاوي، وفي جامع الأصول: أن بينهما ألفا ومئة، واثنتين وأربعين سنة، وكان بينهما رسولان: هود، وصالح، وكان قبل نوح ثلاثة: إدريس، وشيث، وآدم، فجملة الرسل قبل إبراهيم ستة، على نبينا، وحبيبنا وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ وفي الآيتين مراعاة الفواصل وهو من المحسنات البديعية، وهو من خصائص القرآن الكريم، وفيه من الروعة، والجمال، وحسن الوقع على السمع ما يزيد الكلام روعة وجمالا، وهو كثير في القرآن الكريم مثل سورة (الواقعة) ونحوها، ولا يجوز أن نسمّيه: سجعا.
هذا؛ وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، وأشياع، وأصله من التشيع، ومعنى الشيعة: الجماعة الذين يتبع بعضهم بعضا. وقيل: الشيعة: هم الذين يتقوى بهم الإنسان. وفي القاموس المحيط: وشيعة الرجل بالكسر: أتباعه، وأنصاره، والفرقة
стр. 5211
على حدة، وتقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علي بن أبي طالب، وأهل بيته، رضوان الله عليهم أجمعين، حتى صار اسما لهم خاصة، قال الكميت-وهو الشاهد رقم (٤١٢) من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [الطويل]
ومالي إلاّ آل أحمد شيعة... ومالي إلاّ مذهب الحقّ مذهب
وجمع شيعة: شيع، مثل: سدرة، وسدر، والأشياع: جمع الجمع، فهو مأخوذ من الشياع، وهو الحطب الصغار الذي يوقد فيه الكبار؛ حتى تستوقد. انتهى. قرطبي. هذا؛ والمشايعة:
المناصرة، والمعاونة، أخذت من الشياع أيضا، وهو دقاق الحطب لمعاونته النار على الإيقاد في الحطب الجزل. قال عنترة رقم [١٠١] من معلقته: [الكامل]
ذلل ركابي حيث شئت مشايعي... قلبي وأحفزه بأمر مبرم
﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من آفات القلوب، أو من العلائق الدنيوية، خالص لله. ومعنى المجيء به ربه: إخلاصه له، كما جاء به متحفا إياه، وحقيقة المجيء بالشيء: نقله من مكانه.
وهذا المعنى لا يتصور فيما نحن فيه، فكان الظاهر: جاء ربه سليم القلب. ففي ﴿جاءَ﴾ استعارة تصريحية، تبعية، شبه إخلاصه قلبه بمجيئه بتحفة في أنه فاز بما يستجلب رضاه. انتهى. جمل نقلا من الشهاب، وزاده. هذا؛ ويحتمل مجيئه إلى ربه وجهين: أحدهما: عند دعائه إلى توحيده، وطاعته. والثاني: عند إلقائه في النار. وقال عوف: فقلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور.
الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْ شِيعَتِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، تقدم على اسمها، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لَإِبْراهِيمَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (إبراهيم): اسم (إنّ) مؤخر. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها؛ لأن الواو عطفت قصة إبراهيم على قصة نوح. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة الاسمية في محل نصب حال من نوح، أو من الضمير العائد عليه؛ فلست مفندا، والرابط: الواو، والضمير، فالمعنى لا يأباه. تأمل. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿شِيعَتِهِ﴾ لما فيه من معنى المتابعة، والمشايعة، أو هو متعلق بمحذوف، أو هو مفعول به لهذا المحذوف المقدر ب: اذكر. وهو قول الزمخشري، وأبي البقاء، وغيرهما. ﴿جاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (إبراهيم).
﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِقَلْبٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿سَلِيمٍ:﴾ صفة:
(قلب). وجملة: ﴿جاءَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها.
стр. 5212
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾
الشرح: في هذه الآية توبيخ لهم، وإنكار على أبيه، وقومه على عبادة من لا يستحق العبادة. والمعنى: ما هذا الذي تعبدونه من الأوثان، والحجارة، والأصنام؟! وانظر ما ذكرته في شرح (أبيه) في الآية رقم [٧٤] من سورة (الأنعام) ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل مما قبلها، أو هو متعلق بالفعل ﴿جاءَ،﴾ أو ب: ﴿سَلِيمٍ﴾. والأول أقوى. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿لِأَبِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَقَوْمِهِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ماذا:﴾ (ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (ذا): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: ما الذي تعبدونه. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركبا مبنيا على السكون في محل نصب مفعولا مقدما، وعليه:
فالجملة فعلية، وعلى الأول فهي اسمية. وعلى الاعتبارين فهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾
الشرح: ﴿أَإِفْكاً:﴾ الإفك: أسوأ الكذب، والأفاك: كثير الإفك، وهو الكذب، قال تعالى في سورة (الجاثية) الآية رقم [٧]: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾. ﴿دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ أي: غير الله تعبدون من أجل الإفك، والكذب، والزور، والبهتان. ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: شيء تظنونه بربكم؛ وقد عبدتم غيره، وقد علمتم: أنه المنعم، والمتفضل على الحقيقة، فكان جديرا بالعبادة، ولكنكم عبدتم الحجارة، والأوثان من دونه.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ:﴾ قال ابن عباس-﵄: كان قومه يتعاطون علم النجوم، فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون، ويتعاملون به، لئلا ينكروا عليه، وذلك: أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم، ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد، ومجمع، فكانوا يدخلون على أصنامهم، ويقربون لها القرابين، ويضعون بين أيديها الطعام، قبل خروجهم إلى عيدهم، وزعموا التبرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم؛ أكلوه، فقالوا لإبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التسليم-: ألا تخرج معنا إلى عيدنا؟ فنظر في النجوم، فقال: إني سقيم. قال ابن عباس-﵄: أي: مطعون،
стр. 5213
وكانوا يفرون من المطعون فرارا عظيما. وقيل: مريض. وقيل: متساقم. وهو من معاريض الكلام. وقيل: إنه خرج معهم إلى عيدهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال: إني سقيم، أشتكي رجلي. انتهى. خازن.
هذا؛ ونقل القرطبي عن الضحاك قوله: معنى (سقيم): سأسقم سقم الموت؛ لأن من كتب عليه الموت يسقم في الغالب، ثم يموت، وهذا تورية وتعريض. وقال الزمخشري: والذي قاله إبراهيم-﵇-معراض من الكلام، ولقد نوى به: أن من في عنقه الموت سقيم، ومنه المثل: كفى بالسلامة داء، وقول لبيد-﵁: [الكامل]
فدعوت ربّي بالسّلامة جاهدا... ليصحّني فإذا السّلامة داء
فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ : قال: «لم يكذب إبراهيم النبيّ قطّ إلاّ ثلاث كذبات: ثنتين منهنّ في ذات الله قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ،﴾ وواحدة في شأن سارّة». رواه مسلم، وغيره. هذا؛ والواحدة في شأن سارّة هي قوله للجبار في مصر حين سأله عنها، فقال له: هذه أختي. هذا؛ وقد سماها الرسول ﷺ كذبات، ومعناه: أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات، ولما كان مفهوم ظاهرا خلاف باطنها، أشفق إبراهيم-على حبيبنا، وشفيعنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-منها بمؤاخذته بها، لذا يعتذر ﵊ عن الشفاعة في الموقف العظيم، يقول: «وإني كذبت ثلاث كذبات». انظر حديث الشفاعة الطويل في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، وقد خرجه البخاري، ومسلم.
قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي:
أنه ﵊ قال: لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات: اثنتين ما حل بهما عن دين الله، وهما قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ،﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ ولم يعد قوله: «هذه أختي» في ذات الله تعالى، وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم ﵇ فيها حظ من صيانة فراشه، وحماية أهله؛ لم يجعلها في ذات الله، وذلك؛ لأنه لا يجعل في جنب الله، وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾. وهذا لو صدر منا لكان لله، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا، والله أعلم. انتهى. قرطبي في سورة (الأنبياء). وقال هنا: فإبراهيم صادق، لكن لما كان الأنبياء لقرب محلهم، واصطفائهم؛ عد هذا ذنبا، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. الآية رقم [٨٢] من سورة (الشعراء).
هذا؛ وقد قال النبي ﷺ : «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب». أي: إن في التعريض ما يمنع المسلم عن الوقوع في الكذب المحرم. فليس إذا في كلام إبراهيم ما يدل على تعمد
стр. 5214
الكذب؛ الذي يخل بعصمة الأنبياء، وإنما هو من التعريض المباح، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
الإعراب: ﴿أَإِفْكاً:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (إفكا): فيه أوجه: أحدها:
أنه مفعول من أجله، أي: أتريدون آلهة دون الله إفكا ف: ﴿آلِهَةً﴾ مفعول به، و ﴿دُونَ﴾ ظرف ل: ﴿تُرِيدُونَ،﴾ وقدمت معمولات الفعل اهتماما بها، وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول لأجله على المفعول به اهتماما به؛ لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك، وباطل، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري. الثاني: أن يكون مفعولا به ب: ﴿تُرِيدُونَ،﴾ ويكون ﴿آلِهَةً﴾ بدلا منه جعلها نفس الإفك مبالغة، فأبدلها منه، وفسره بها، ولم يذكر ابن عطية غيره. الثالثة: أنه حال من فاعل: ﴿تُرِيدُونَ﴾ أي: أتريدون آلهة آفكين، أو ذوي إفك؟ وإليه نحا الزمخشري. قال الشيخ: وجعل المصدر حالا يطرد إلا مع نحو: أما علما فعالم. انتهى. جمل نقلا عن السمين. و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة فعلية على جميع وجوه الإعراب، وهي في محل نصب مقول القول.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿ظَنُّكُمْ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿بِرَبِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالمصدر، وهما مفعوله في المعنى، و (رب) مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة في المعنى، وهي من مقول إبراهيم، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿فَنَظَرَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نظر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم).
﴿نَظْرَةً:﴾ مفعول مطلق. ﴿فِي النُّجُومِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَظْرَةً،﴾ أو بمحذوف صفة لها، وتعليقهما بالفعل جيد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ لأنها من قول الله تعالى، وليست من قول إبراهيم. ﴿فَقالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿سَقِيمٌ:﴾ خبرها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَتَوَلَّوْا:﴾ الفاء: حرف عطف. (تولوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، وهي حال مؤكدة، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
стр. 5215
﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
الشرح: ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال إليهم سرا. وراغ، يروغ، روغا، وروغانا: إذا مال.
وطريق رائغ، أي: مائل، قال صالح بن عبد القدوس: [الكامل]
لا خير في ودّ امرئ متقلّب... حلو اللسان وقلبه يتلهّب
يلقاك بحلف أنه بك واثق... وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللّسان حلاوة... ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
أي: يميل عنك، كما يميل الثعلب في سيره. ﴿فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ:﴾ يخاطب الأصنام استهزاء بها كما يخاطب العقلاء؛ لأنهم أنزلوها بتلك المنزلة في دعائهم لها، وعبادتهم إياها، ومثله:
﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ وقد رأيت أنهم كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام ليأكلوه إذا رجعوا من عيدهم، وإنما تركوه لتصيبه بركة أصنامهم. ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ:﴾ خص الضرب باليمين؛ لأنها أقوى، والضرب بها أشد. قاله الضحاك، والربيع بن أنس، والفراء، وانظر الآية رقم [٢٦]. وقيل: المراد باليمين: اليمين التي حلفها حين قال: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ فجعل تلك الأوثان جذاذا، كما صرحت بذلك سورة (الأنبياء). وكانت اثنين وسبعين صنما، بعضها من حجر، وبعضها من خشب، وبعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من نحاس، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر، وكان في عينيه ياقوتتان تتقدان نورا، وهذا الذي علق الفأس برقبته، وتركه سالما، وعزى إليه تكسير سائر الأصنام؛ حيث قال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾.
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ:﴾ إلى إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بعد أن رجعوا، ورأوا أصنامهم مكسرة محطمة، وسألوا عن كاسرها. انظر المحاورة بينه وبينهم في سورة (الأنبياء). ﴿يَزِفُّونَ:﴾ يسرعون. قاله ابن زيد. وقال قتادة، والسدي: يمشون. وقال يحيى بن سلاّم: يرعدون غضبا. وقال مجاهد: يختالون، وهو مشي الخيلاء، ومنه: أخذ زفاف العروس إلى زوجها. قال الفرزدق: [الطويل]
وجاء قريع الشّول قبل إفالها... يزفّ وجاءت خلفه، وهي زفّف
والزفيف: عدو النعام؛ إذا أسرع، والدفيف طيران الطائر إذا أسرع في الحال؛ التي يكون فيها قريبا من الأرض، ففي الآية الكريمة استعارة الزفيف لسرعة الرجال، يقال: زف الرجل،
стр. 5216
يزف زفيفا: إذا أسرع، وقد استعار الحارث بن حلزة الزفيف لسرعة الناقة بقوله في معلقته رقم [٩ و ١٠]: [الخفيف]
غير أنّي قد أستعين على الهم... م إذا خفّ بالثّويّ النّجاء
بزفوف كأنّها هقلة أم... م رثال دوّيّة سقفاء
﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ:﴾ هذا جواب لقولهم الذي حكاه الله تعالى عنهم في سورة (الأنبياء) رقم [٦٥] ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ والمعنى: أتعبدون أصناما أنتم تنحتونها بأيديكم؟! والنحت: النجر، والبري. والمنحت: ما ينحت به. ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ:﴾ المعنى:
خلقكم، وخلق الأصنام؛ التي تصنعونها بأيديكم من الخشب، ونحوه. وهذا على اعتبار (ما) موصولة، والأحسن اعتبارها مصدرية، فيكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل السنة: أن الأفعال خلق لله ، واكتساب للعباد، وفي هذا إبطال مذهب القدرية، والجبرية، ومذهب المعتزلة أيضا، فقد روى أبو هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال:
«إن الله خالق كلّ صانع وصنعته». ذكره الثعلبي. وخرجه البيهقي من حديث حذيفة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله صنع كلّ صانع وصنعته، فهو الخالق، وهو الصانع سبحانه». انتهى. قرطبي، وللزمخشري كلام طويل في دعم مذهبه الاعتزالي. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٧] من سورة (غافر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم).
﴿إِلى آلِهَتِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم) أيضا، ﴿أَلا:﴾ حرف تحضيض، أو هو حرف توبيخ، وتأنيب.
وقيل: الهمزة حرف استفهام، و (لا) نافية. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَنْطِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الاستفهام، والجملة الاسمية: ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ في محل نصب مقول القول، وقدر بعضهم الكلام كما يلي: فلم ينطقوا، فقال: ما لكم لا تنطقون؟ ﴿فَراغَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (راغ): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). تقديره: «هو». ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ضَرْباً:﴾
حال من الفاعل المستتر. التقدير: فراغ عليهم ضاربا. أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف.
стр. 5217
التقدير: يضرب ضربا. والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من فاعل: (راغ) المستتر.
هذا؛ وأجاز الزمخشري اعتباره مفعولا مطلقا لفعل: (راغ). قال: كأنه قال: فضربهم ضربا؛ لأن «راغ عليهم»، بمعنى: ضربهم، وبقوله قال البيضاوي، والنسفي كعادتهما في اتباعه؛ لأن تفسيريهما مأخوذان من الكشاف بلا ريب. ﴿بِالْيَمِينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ضَرْباً،﴾ أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿فَراغَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، أو هي معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فلم يجيبوا، فراغ... إلخ. ﴿فَأَقْبَلُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أقبلوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَزِفُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجملة: ﴿فَأَقْبَلُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فكسرها، فبلغ قومه من رآه، فأقبلوا... إلخ، والجمل كلها معطوفة على جملة: (راغ...) إلخ لا محل لها مثلها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (إبراهيم). ﴿أَتَعْبُدُونَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي، (تعبدون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أتعبدون الذي، أو شيئا تنحتونه بأيديكم. والمصدرية ضعيفة، وأضعف منها اعتبارها استفهامية. والجملة: ﴿أَتَعْبُدُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال، (الله): مبتدأ.
﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (الله)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وأجيز اعتبارها مستأنفة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): فيها أربعة أوجه: أحدها: أنها بمعنى: الذي، أي: خلق الذي تصنعونه، فالعمل هنا التصوير، والنحت، وعليه ف: (ما) مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على الكاف، وعليه يصح اعتبار (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا تعبدونه. الثاني: اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب معطوف على الكاف. التقدير: خلقكم، وأعمالكم، وجعلها الأشعري دليلا على خلق الله تعالى لأفعال العباد، وهو الحق. والثالث: اعتبار (ما) استفهامية للتوبيخ، وعليه فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، وهذا لا يؤيده المعنى، ولا المحل الإعرابي؛ لأن التقدير: وأي: شيء تعملون؟ والرابع: اعتبار (ما) نافية، التقدير: إن العمل في الحقيقة ليس لكم، فأنتم لا تعملون شيئا. وهذا كالذي قبله لا يؤيده المعنى، ولا المحل الإعرابي أيضا. والأوجه الأربعة قالها السمين، وأنا توسعت في شرحها وإعرابها، وخذ ما يلي:
стр. 5218
قال مكي بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: (ما): في موضع نصب ب: (خلق)، عطف على الكاف والميم في خلقكم، وهي مع الفعل مصدر، أي: والله خلقكم وعملكم، وهذا أليق بها؛ لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ﴾ فأجمع القراء المشهورون وغيرهم على إضافة ﴿شَرِّ﴾ إلى ﴿ما،﴾ وذلك يدل على خلقه للشر كما خلق الخير.
وقد فارق عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة جماعة المسلمين، فقرأ: «(من شرّ ما خلق)» بالتنوين ليثبت أن مع الله خالقا يخلق الشر، تعالى الله عما قاله علوا كبيرا، وقوله إلحاد، والصحيح:
أن الله جل ذكره أعلمنا: أنه خلق الشر، وأمرنا أن نتعوذ منه، وهو خالق الخير بلا اختلاف بين المسلمين، والملحدين، فدل ذلك: أن الله تعالى خلق أعمال العباد كلها، من خير وشر، فيجب أن تكون ﴿ما﴾ والفعل مصدرا، فيكون معنى الكلام إن الله عمّ جميع الأشياء أنها مخلوقة له، قال جل ذكره: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ أي: وعملكم.
وقد قالت المعتزلة: إن (ما) بمعنى: الذي؛ فرارا من أن يقروا بعموم الخلق لله، فإنما أخبر على قولهم أنه خلقهم وخلق الأشياء التي نحتت منها الأصنام، وبقيت الأعمال، والحركات غير داخلة في خلق الله، تعالى الله عن ذلك، بل كل شيء خلق لله وحده، لا خالق لشيء إلا هو، وخلق الله لإبليس-الذي هو الشر كله-يدل على خلق الله لجميع الأشياء كلها، وقد قال تعالى ذكره: ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾. ويجوز أن تكون (ما) استفهاما في موضع نصب ب: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على التحقير لعملهم، والتصغير له. انتهى. بحروفه.
﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: قال قوم إبراهيم ﵇ متشاورين فيما بينهم لما غلبهم بالحجة حسب ما رأيت في سورة (الأنبياء). ﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً:﴾ واملؤوه حطبا، واضرموا فيه النار، ثم ألقوه فيه وهو الجحيم. قال ابن عباس-﵄: بنوا حائطا من حجارة، طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وملؤوه نارا، ثم طرحوه فيه. قال عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: فلما صار في البنيان، قال: حسبي الله، ونعم الوكيل. والألف واللام في (الجحيم) بدل من الضمير العائد إلى البنيان، التقدير: فألقوه في جحيمه؛ أي: في ناره المستعرة، فكانت عليه بردا، وسلاما. ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً﴾ أي: شرا، وهو أن يحرقوه. والكيد: المكر. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ:﴾ المقهورين المغلوبين؛ لأنه لم ينفذ فيه مكرهم، وكيدهم. وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في سورة (الأنبياء)، فإنك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿اِبْنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، ويقال: لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير
стр. 5219
متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿بَنَيْنا،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿بَنَيْنا:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، ﴿فَأَلْقُوهُ:﴾ فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فِي الْجَحِيمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ التقدير: ألقوه مطروحا في الجحيم.
وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَأَرادُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرادوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما؛ لأنه مصدر. ﴿كَيْداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة بالفاء العاطفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ:﴾ فعل ماض ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ:﴾ لما نجاه الله من النار، وخلصه من كيد الكفار؛ هجر قومه، واعتزلهم. والمعنى: إني مهاجر من بلاد قومي إلى حيث أمرني ربي، قال مقاتل -رحمه الله تعالى-: هو أول من هاجر من الخلق مع لوط ابن أخيه، وسارة زوجته إلى الأرض المقدسة، وهي أرض الشام. وقيل: المعنى: إني ذاهب بعملي، وعبادتي، وقلبي، ونيتي. فعلى هذا ذهابه بالعمل لا بالبدن، والواقع يرد هذا قطعا؛ لأنه هاجر ببدنه محافظة على دينه وعبادته.
وقيل: قال هذا قبل إلقائه في النار. ولا وجه له ألبتة، وما بعده، يرده. وقوله هذا كان بعد نجاته من النار. ومعنى ﴿سَيَهْدِينِ:﴾ سير شدني إلى ما فيه صلاحي في ديني، ويوفقني لطاعته وعبادته. والأوجه: أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار.
وقال ذلك ثقة بالله، وتنبيها لقومه على أن الهداية من الله تعالى.
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: ارزقني ولدا من الصالحين يؤنسني في غربتي عن وطني الذي عشت فيه. قال ابن كثير: يعني: أولادا مطيعين، يكونون عوضا من قومه، وعشيرته؛ الذين فارقهم. هذا؛ ولفظ ﴿هَبْ﴾ دليل واضح على أن الولد الصالح هبة، ومنحة من الله للوالدين، فلم يقل ﵊: اعطني، وارزقني، وإنما قال: ﴿هَبْ لِي،﴾ وقال علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه-لابن عباس-﵄-حين هنأه بولده علي
стр. 5220
أبي الأملاك: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب، وموهب. وقال الشاعر الحكيم: [الكامل]
نعم الإله على العباد كثيرة... وأجلّهنّ نجابة الأولاد
هذا؛ فإن قيل: درجات الأنبياء أفضل من درجات الصالحين، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين، فقد تمنى إبراهيم ذلك بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [٨٣] من سورة (الشعراء)، وتمنى ذلك سليمان بقوله: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ رقم [١٩] من سورة (النمل)، وتمنى ذلك يوسف بقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ رقم [١٠١] من السورة المسماة باسمه؟ والجواب: أن الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله، ولا يفعل معصية، ولا يهم بها، وهذه درجة عالية، فإذا كلمة الصلاح ليست بالهيّن.
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ أي: فاستجبنا دعاءه، وبشرناه بغلام يكون حليما في كبره. قال أبو السعود: جمع الله له فيه بشارات ثلاث: بشارة: أنه غلام، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما؛ لأن الصغير لا يوصف بذلك، وهذا الغلام هو إسماعيل، على نبينا، وحبيبنا وعليهم ألف صلاة، وألف سلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم، ﵇، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في كتابهم أن إسماعيل ﵇ ولد ولإبراهيم ست وثمانون سنة، وولد إسحاق، وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة، وعندهم: أن الله ﵎ أمره أن يذبح ابنه الوحيد، وفي نسخة أخرى: بكره، فأقحموا هاهنا كذبا وافتراء إسحاق، ولا يجوز هذا؛ لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق؛ لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب.
قال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ودليلي على أن الذبيح هو إسماعيل من التوراة نفسها؛ إذ إن الذبيح وصف بأنه ابن إبراهيم الوحيد، الذي ليس له سواه؛ إذ سخاوة نفس إبراهيم بولده الوحيد يذبحه امتثالا لأمر ربه له في المنام أدل على امتثال الأمر ونهاية الطاعة، وهذا هو الإسلام بعينه، وإذا رجعنا إلى إسحاق لم نجده وحيدا لإبراهيم في يوم من الأيام؛ لأن إسحاق ولد وعمر إسماعيل نحو (١٤) سنة، كما هو صريح التوراة، وبقي إسماعيل إلى أن مات إبراهيم، وحضر إسماعيل وفاته، ودفنه، وأيضا فإن ذبح إسحاق يناقض الوعد الذي وعد به إبراهيم: أن إسحاق سيكون له نسل، وكذلك فإن مسألة الذبح وقعت في مكة، وإسماعيل هو الذي ذهب به أبوه إلى مكة رضيعا، لا إسحاق، والله أعلم. انتهى. هذا؛ وذكرت لك في سورة (هود) رقم [٧١] أن إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-. قد تزوج غير هاجر، وسارة، وولد له، أولاد غير إسماعيل، وإسحاق.
следующие страницы →