Полный текст (7 463 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بسنّيّ، ولا بدعيّ. ومطلقة مفروض لها، غير مدخول بها ذكرها الله تعالى في الآية التالية.
ومطلقة مدخول بها، غير مفروض لها، ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ رقم [٢٤] من سورة (النساء). فذكر الله تعالى في هذه الآية، والتي بعدها مطلقة قبل المسيس، وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس، وبعد الفرض، فجعل للأولى المتعة، وجعل للثانية نصف الصّداق؛ لما لحق الزّوجة من دحض العقد، ووصم الحلّ الحاصل للزوج بالعقد، وقابل المسيس بالمهر الواجب. انتهى. قرطبي بتصرف.
وإن وقع الموت قبل الفرض، فخذه بما يلي: عن ابن مسعود-﵁: أنّه سئل عن رجل تزوّج امرأة لم يفرض لها، ولم يدخل بها؛ حتّى مات. فقال: لها مثل صداق نسائها، لا وكس، ولا شطط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي-﵁، فقال: قضى رسول الله ﷺ في بروع بنت واشق امرأة منّا، مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود، ﵁. وقال عليّ، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر-﵃: لها الميراث، ولا صداق لها، وعليها العدّة. وهو قول الشّافعيّ. وروي عنه: أنّه رجع بمصر عن هذا القول.
هذا؛ واختلف في المتعة، هل هي واجبة لكل مطلّقة، أم هي على سبيل النّدب؟ والمعتمد الوجوب؛ فقد روى الثعلبيّ: أنّ رجلا من الأنصار، عقد على امرأة من بني حنيفة، ولم يسمّ لها مهرا، ثم طلّقها قبل أن يمسّها، فنزلت الآية الكريمة، فقال له النبيّ ﷺ : «متّعها؛ ولو بقلنسوتك».
وروى الدّارقطنيّ عن سويد بن غفلة، قالت: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن عليّ-﵄-فلمّا أصيب عليّ، وبويع الحسن بالخلافة، قالت: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال:
يقتل عليّ، وتظهرين الشماتة؟! اذهبي فأنت طالق ثلاثا! قال: فتلفّعت بساجها، وقعدت؛ حتّى انقضت عدّتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقيّة ما بقي لها من صداقها، فقالت: [الطويل]
متاع قليل من حبيب مفارق
فلمّا بلغه قولها؛ بكى، وقال: لولا أني سمعت جدّي-أو: حدثني أبي: أنه سمع جدي- يقول: «أيّما رجل طلّق امرأته ثلاثا مبهمة، أو ثلاثا عند الأقراء؛ لم تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره؛ لراجعتها». وخاب الّذين يقولون: لفظ الثلاث لا يقع إلا واحدة!.
الإعراب: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة فيما تقدّم. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله.
﴿النِّساءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ مصدرية ظرفية زمانية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: زمن عدم المسيس، والفرض، وقيل: هي شرطية مقدّرة ب «إن» فتكون من باب اعتراض الشرط على
стр. 562
الشرط، ويكون الثاني قيدا في الأول، كما في قولك: إن تأتني، إن تحسن إليّ؛ أكرمك. أي:
إن تأتني محسنا إليّ. والمعنى: إن طلقتموهن غير ماسّين لهنّ. وهذا المعنى أقعد من الأوّل.
انتهى جمل بتصرّف.
هذا؛ ويظهر لي وجه بعيد: أنّ ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى «اللاتي» واستعمال: ﴿ما﴾ للعاقلات هنا لمعنى دقيق لطيف، وهو أنّ المرأة ملك الرّجل، كسائر ما يملك من غير العاقلين؛ لسببين: الأوّل: أنّ للرجل قوامة على المرأة بسبب الإنفاق عليها، قال تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ رقم [٣٤] من سورة (النساء) والثاني: أنّ الرّجل يملك رقبة المرأة بعقدة النكاح التي بينهما، كما ستراه في الآية التالية، وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ..﴾. إلخ.
﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والنون في الجميع حرف دالّ على جماعة الإناث، والجملة الفعلية محلّها بحسب معنى (﴿ما﴾). ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تَفْرِضُوا:﴾ مضارع معطوف على ما قبله، فهو مجزوم مثله، والواو فاعله. هذا، واعتبره البيضاوي تبعا للزمخشري: أنّ الفعل منصوب ب «أن» مضمرة بعد (أو). وأنّ المعنى: إلا أن تفرضوا. أو: حتى تفرضوا، وعليه ينتفي الجناح عن المطلّق على الأوّل بانتفاء الجماع، أو الفرض، وعلى الثاني بانتفاء الجماع فقط؛ إذ لو مسّ، أو فرض؛ لزم الكلّ، أو النصف. انتهى جمل نقلا عن كرخي. ﴿لَهُنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق.
﴿وَمَتِّعُوهُنَّ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، واقعة جوابا لشرط غير جازم، وتقدير الكلام: إذا طلقتم النساء قبل المسيس، والفرض؛ فلا تعطوهنّ المهر، ومتعوهنّ. ﴿عَلَى الْمُوسِعِ:﴾ متعلقان بمحذوف خير مقدّم. ﴿قَدَرُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية، قيل:
مستأنفة، وقيل: في محل نصب حال، وعليه: فتحتاج إلى تقدير رابط؛ أي: على الموسع منكم قدره، والجملة الثانية: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ معطوفة عليها. ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، أو للفعل المذكور.
﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَتاعاً﴾. ﴿حَقًّا:﴾ صفة: ﴿مَتاعاً،﴾ وقيل: مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو أولى. ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
стр. 563
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ..﴾. إلخ: لمّا ذكر الله تعالى حكم المفوضة في الآية السّابقة، وهي التي لم يسمّ لها مهر حال العقد عليها، كما رأيت؛ أتبعه بحكم المسمّى لها مهر. ومعنى:
﴿تَمَسُّوهُنَّ:﴾ تجامعوهن. ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً:﴾ سمّيتم لهن مهرا. ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ أي: فلهنّ نصف المهر المسمّى.
ومذهب الشافعي-رحمه الله تعالى-: أنّ الخلوة من غير مسيس، لا توجب إلا نصف المهر المسمّى؛ لأن المسيس، إمّا حقيقة في المسّ باليد، أو جعل كناية عن الجماع، وأيّهما كان فقد وجد الطلاق قبله. وقال أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-: الخلوة الصحيحة تقرّر المهر. ومعنى الخلوة الصحيحة: أن يخلو بها، وليس هناك مانع حسّيّ، ولا شرعيّ، فالحسّيّ: نحو الرّتق، والقرن، أو يكون معهما ثالث. والشّرعي: نحو الحيض، والنفاس، وصوم الفرض، وصلاة الفرض، والإحرام، سواء كان فرضا، أو نفلا. والآية حجّة لمذهب الشافعي.
قال شريح القاضي-رحمه الله تعالى-: لم أسمع: أنّ الله تعالى ذكر في كتابه بابا، ولا سترا، فإن زعم: أنّه لم يمسّها؛ فلها نصف الصّداق. وقال ابن عباس-﵄: إذا خلا بها، ولم يمسّها؛ فلها نصف المهر. هذا؛ ولو مات أحد الزّوجين بعد التّسمية، وقبل المسيس، فلها المهر كاملا، وعليها العدّة، إن كان الزوج هو الميت بالاتفاق، وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (النساء).
﴿إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني: النساء المطلقات، والمعنى: إلا أن تترك المرأة المطلقة نصيبها من الصّداق، فتهبه للزوج، فيعود جميع الصداق له، بشرط أن تكون العافية بالغة عاقلة راشدة، بخلاف التي في حجر أب، أو وصيّ، فلا يجوز وضعها لشيء من صداقها، ولا خلاف فيه.
﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ:﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّه ولي المرأة، وهو قول ابن عباس ﵄-وكثير من التّابعين، وبه قال الشافعي في القديم، والإمام مالك قال به أيضا.
والقول الثاني: أنه الزّوج، وهو قول عليّ، وابن عباس في الرواية الأخرى، وجبير بن مطعم ﵃-وكثير من التابعين، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد، وجمهور الفقهاء.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى:﴾ الخطاب للأزواج، والزّوجات، وفيه تغليب الذكور على الإناث، ومثله ما بعده. ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ:﴾ المعروف، والإحسان لا تهملوه، بل
стр. 564
استعجلوه بينكم، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الفضل: إتمام الرّجل الصداق كلّه، أو ترك المرأة النصف الّذي لها. عن عليّ-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتينّ على النّاس زمان عضوض، يعضّ المؤمن على ما في يديه»؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ «شرار يبايعون كلّ مضطرّ». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ. وقد نهى الرسول ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك فضل؛ فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكا إلى هلاكه، فإنّ المسلم أخو المسلم، لا يحزنه، ولا يحرمه.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ فيه وعد للمحسن، ووعيد للمسيء؛ أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم. وعن جبير بن مطعم-﵁: أنه تزوج امرأة، ثمّ طلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل لها الصّداق، وقال: أنا أحق بالعفو. وعنه: أنه دخل على سعد بن أبي وقاص ﵁-فعرض عليه بنتا له، فتزوّجها، فلمّا خرج طلّقها، وبعث إليها بالصّداق كاملا، فقيل له: لم تزوجتها؟ فقال: عرضها عليّ، فكرهت ردّه. قيل له: لم بعثت إليه بالصّداق، قال:
فأين الفضل؟ والمراد بالتزوج بالاثنتين: إجراء عقد النكاح. وفي هذه الأيام حدّث ولا حرج عن ظلم المرأة، وأكل حقوقها، وتعسّفها، وامتهانها.
الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولدت واو الإشباع، والهاء مفعول به، والنون فيه، وفيما بعده حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿أَنْ تَمَسُّوهُنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾)، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿فَرِيضَةً:﴾ مفعول به، وقيل: مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من الهاء، والرابط: على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿فَنِصْفُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (نصف): مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليكم، أو: فلهن نصف، أو هو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب نصف، وقرئ بالنّصب على تقدير: فأدّوا النصف، (نصف): مضاف، و (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السكون في محل جر بالإضافة.
﴿فَرَضْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: نصف الذي، أو: شيء فرضتموه، والجملة الاسمية: ﴿فَنِصْفُ..﴾. إلخ: في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها.
стр. 565
﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، أو: استثناء. ﴿إِنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يَعْفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، التي هي فاعله، وهو في محل نصب ب ﴿إِنْ﴾ و ﴿إِنْ﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والتقدير: فنصف ما فرضتم إلا في حال عفوهنّ، أو عفو الزوج، فلا تنصيف حينئذ.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَعْفُوَا:﴾ معطوف على ما قبله، فهو منصوب تبعا لمحلّه، ومؤوّل مثله بمصدر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿بِيَدِهِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عُقْدَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿النِّكاحِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا:﴾ الواو: واو الحال. ﴿تَعْفُوا:﴾ مضارع منصوب ب (﴿إِنْ﴾) وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول منهما في محل رفع مبتدأ.
﴿أَقْرَبُ:﴾ خبره. ﴿لِلتَّقْوى﴾ متعلقان ب ﴿أَقْرَبُ﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب حال ممّا قبله؛ لأن الخطاب للأزواج، والزوجات على سبيل التغليب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف استئناف. ﴿تَنْسَوُا:﴾
فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله.
﴿الْفَضْلَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿الْفَضْلَ﴾ والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿إِنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ انظر إعراب مثلهما فيما تقدم، وهي مفيدة للتعليل، أو هي مستأنفة.
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)﴾
الشرح: توسطت هاتان الآيتان الآمرتان بالمحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزّوجين عند الطّلاق، أو الافتراق لحكمة عالية، وهي: أنّ الله تعالى لمّا أمر بالعفو، والتسامح، وعدم نسيان الفضل بعد الطّلاق؛ بيّن، بل وحثّ على المحافظة على الصّلاة؛ لأنّها أعظم وسيلة إلى نسيان هموم الدّنيا، وأكدارها، ولهذا كان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر شديد؛ فزع إلى الصّلاة، وقال: «أرحنا بلال، أرحنا بلال». فالطّلاق، وما ينتج عنه يولّد الشّحناء، والبغضاء، والصّلاة تدعو إلى الإحسان، والتّسامح، وتنهى عن الفحشاء، والمنكر، وذلك أفضل وسيلة لتربية النفس الإنسانيّة، فلا ريب: أنّها عماد الدين،
стр. 566
ورأس الإيمان، واليقين. هذا؛ وانظر ما ذكرته في آية الدّعاء المقحمة بين آيات الصّيام؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ﴾ أي: الخمس، فيأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها، وإتمام ركوعها، وسجودها، وخشوعها، كما ثبت في الصّحيحين عن ابن مسعود-﵁-قال: سألت رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله! أيّ العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثمّ أي؟، قال: «ثم بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال:
«الجهاد في سبيل الله». هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (المعارج): ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ ثم ذكر ثماني صفات، وقال في العاشرة: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾. وقال أبو البقاء: في ﴿حافِظُوا﴾ معنى لا يوجد في: احفظوا، وهو تكرير الحفظ.
﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطى:﴾ تأنيث الأوسط، ووسط الشيء: أعدله، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ انظر شرحها هناك، فإنّه جيد. والحمد لله!
وقال أعرابي يمدح النبي ﷺ : [البسيط]
يا أوسط النّاس طرّا في مفاخرهم... وأكرم النّاس أمّا برّة وأبا
وإفراد الصّلاة الوسطى بالذّكر، وقد دخلت في عموم الصّلوات تشريفا لها. واختلف فيها على عشرة أقوال، والمعتمد: أنّها صلاة العصر لأحاديث صحيحة وردت في ذلك، خرّجها مسلم، وأنصّها حديث ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الصّلاة الوسطى صلاة العصر». أخرجه الترمذيّ. وعن عليّ-﵁: أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب، وفي رواية: يوم الخندق: «ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن الصّلاة الوسطى حتّى غابت الشّمس». وفي رواية أخرى: «شغلونا عن الصّلاة الوسطى؛ صلاة العصر». وزاد في أخرى: «ثمّ صلاّها بين المغرب، والعشاء». أخرجاه في الصّحيحين، والإمام أحمد أخرجه كذلك.
وعن ابن مسعود-﵁، قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر، حتى احمرّت الشّمس-أو: اصفرت-فقال رسول الله ﷺ : «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم، وقبورهم نارا». أو: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا». وقد خصّت صلاة العصر بمزيد من التأكيد، والأمر بالمحافظة عليها، والتغليظ لمن ضيّعها، ويدلّ على ذلك ما روي عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة، فقال في يوم ذي غيم: بكّروا بصلاة العصر. فإن النّبيّ ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله». رواه البخاريّ، وغيره.
وعن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ ، قال: «الّذي تفوته صلاة العصر؛ فكأنّما وتر
стр. 567
أهله، وماله». رواه الستّة، ومالك أيضا. ومعنى وتر: أي: نقص، وسلب أهله، وماله. وقال ﷺ : «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب».
﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ:﴾ مطيعين خاضعين خاشعين في الصّلاة، وغيرها. والقنوت: أن تذكر الله قائما. والقنوت: طول القيام. قاله ابن عمر-﵄-وقرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾. وقال النبي ﷺ : «أفضل الصّلاة طول القنوت». أخرجه مسلم، وغيره، وقال الشاعر: [الرمل]
قانتا لله يدعو ربّه... وعلى عمد من النّاس اعتزل
وقال السّدّيّ-رحمه الله تعالى-: قانتين: ساكتين، دليله: أنّ الآية نزلت في المنع من الكلام في الصّلاة، وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام، وهذا هو الصحيح؛ لما رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود-﵁-قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ ، وهو في الصلاة، فيردّ علينا، فلمّا رجعنا من عند النّجاشي؛ سلّمنا عليه، فلم يردّ علينا، فقلنا: يا رسول الله! إنّا كنّا نسلّم عليك في الصلاة، فتردّ علينا! فقال: «إنّ في الصّلاة لشغلا». وروى زيد بن أرقم؛ قال: كنّا نتكلّم في الصّلاة يكلّم الرّجل صاحبه؛ وهو إلى جنبه في الصّلاة، حتّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسّكوت، ونهينا عن الكلام. ومن القنوت أيضا: طول الرّكوع، والسّجود، وغضّ البصر، والهدوء في الصّلاة، وخفض الجناح، والخشوع فيها. وكان العلماء إذا قام:
أحدهم يصلّي؛ يهاب الرّحمن أن يلتفت، أو يقلّب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا إلا ناسيا. خازن.
الإعراب: ﴿حافِظُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النّون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿عَلَى الصَّلَواتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والآية معترضة كما بيّنته في الشرح.
﴿وَالصَّلاةِ:﴾ معطوف على ما قبله عطف خاص على عام. ﴿الْوُسْطى:﴾ صفة الصلاة مجرور مثله، وعلامة جره الكسرة المقدرة على الألف للتعذّر. (﴿قُومُوا﴾): فعل أمر مثل سابقه.
﴿لِلّهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما. ﴿قانِتِينَ﴾ حال من واو الجماعة. هذا؛ وجوز تعليق ﴿لِلّهِ﴾ ب: ﴿قانِتِينَ﴾ والمعنى لا يأباه.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾
الشرح: لما أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصّلوات، والقيام بحدودها، وشدّد الأمر بتأكيدها؛ ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال، والتحام الحرب. فقال جلّ ذكره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ..﴾. إلخ؛ المعنى: إن لم يمكنكم أن
стр. 568
تقوموا قانتين موفين حدود الصّلاة من إتمام الركوع، والسجود، والخضوع، والخشوع؛ لخوف عدوّ، أو سيل، أو خوف سبع؛ فصلّوا مشاة على أرجلكم، أو ركبانا على دوابّكم، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، ولا تهملوها أصلا.
وصلاة الخوف قسمان، أو نوعان: أحدهما: أن يكون في حال القتال، وهو المراد بهذه الآية. والثاني في غير حال القتال، وهو المذكور في سورة النّساء في قوله تعالى: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ رقم [١٠٢].
(رجالا): جمع: راجل. ﴿أَوْ رُكْباناً:﴾ جمع راكب، فإذا التحم القتال، ولم يكن لأحد تركه؛ فمذهب الشّافعي: أنّهم يصلون ركبانا على الدّواب (على السّيارات، والدّبابات، والطّيارات)، ومشاة على الأرجل، والأقدام، إلى القبلة، وإلى غير القبلة، يومئون بالرّكوع، والسّجود، ويكون السجود أخفض من الرّكوع، ويحترزون عن الصّياح، فإنّه لا حاجة إليه، وقال أبو حنيفة: لا يصلّي الماشي، بل يؤخر الصّلاة، ويقضيها؛ لأنّ النبي ﷺ أخّر الصّلاة يوم الخندق، فصلّى الظّهر، والعصر، والمغرب بعد ما غربت الشّمس، فيجب علينا الاقتداء به في ذلك. واحتجّ الشّافعيّ-رحمه الله تعالى-بهذه الآية، وأجيب عمّا ذكر يوم الخندق بأنه لم يكن نزل حكم صلاة الخوف، فلمّا نزلت الآية الكريمة لم يؤخر النّبيّ ﷺ بعد ذلك صلاة قطّ. هذا؛ ومالك يقول بقول الشّافعي، وأمّا الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-فصلاة الخوف عنده تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث؛ الذي رواه مسلم عن ابن عباس-﵄-قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعا، وفي السّفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، وتأوّل الشّافعيّ هذا بأنّ المراد به ركعة مع الإمام، وركعة أخرى يأتي بها منفردا.
ولعلّك تدرك معي أهميّة الصّلاة في الدّين بأنّها لم تسقط في عذر من الأعذار، لا في السّفر، ولا في المرض، وجد الماء، أم لم يوجد، ولا في شدّة الحرب، فيجب أن تصلّى بأية كيفية كانت، وعلى أيّة حالة حصلت، وقد شدّد النبيّ ﷺ في طلبها، واعتبر من تركها عمدا كافرا. وخذ ما يلي:
عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الرّجل وبين الكفر ترك الصّلاة». رواه مسلم، وأحمد. وعن بريدة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة، فمن تركها؛ فقد كفر». رواه أحمد، وأبو داود، والنّسائيّ، والترمذيّ. وغير ذلك كثير.
﴿فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ﴾ أي: أقيموا الصّلاة كما أمرتم، فأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها. ﴿كَما عَلَّمَكُمْ..﴾. إلخ؛ أي: مثل ما أنعم الله عليكم، وهداكم
стр. 569
للإيمان، وعلّمكم ما ينفعكم في الدّنيا، والآخرة، فقابلوه بالشّكر، والذّكر، كقوله تعالى بعد ذكر صلاة الخوف في الآية رقم [١٠] من سورة (النساء): ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ..﴾. إلخ.
﴿كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ:﴾ قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علّمكم من الشّرائع، وكيف تصلّون في حال الخوف، وفي حال الأمن.
هذا؛ وبين ﴿خِفْتُمْ﴾ وبين: ﴿أَمِنْتُمْ﴾ طباق، وهو من المحسنات البديعية. وقال أبو السّعود-رحمه الله تعالى-: في إيراد هذه الشّرطية بكلمة (إن) المنبئة عن عدم تحقّق وقوع الخوف، وقلّته، وإيراد الثانية بكلمة (إذا) المنبئة عن تحقّق وقوع الأمن، وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في جواب الثانية من الجزالة، ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار. انتهى جمل نقلا منه.
هذا؛ وأشرح قوله، وأوضّحه بما يلي: (إن) تفيد الشّكّ في المعنى، وتجزم في اللّفظ، و (إذا) بالعكس تجزم في المعنى، ولا تجزم في اللفظ، ولذا ألغز بعضهم بقوله: [الكامل]
سلّم على شيخ النّحاة وقل له... عندي سؤال من يجبه يعظّم
أنا إن شككت رأيتموني جازما... وإذا جزمت فإنّني لم أجزم
الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن) حرف شرط جازم. ﴿خِفْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرِجالاً:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (رجالا): حال عامله محذوف، التقدير: فصلوا رجالا. وهو جمع: راجل كما رأيت، فهو مشتق، وليس جامدا، والجملة المقدّرة هذه في محل جزم جواب الشّرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف ومفرّع عمّا قبله، لا محل له.
﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿أَمِنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومتعلقه محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَاذْكُرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (اذكروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التّعظيم، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محلّ لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محلّ له مثله.
﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): تحتمل الموصولة، والمصدرية.
﴿عَلَّمَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعوله، فعلى اعتبار: (ما) موصولة فالجملة الفعلية صلتها، والعائد محذوف، التقدير: كالّذي علّمكم إيّاه، وعلى اعتبارها
стр. 570
مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور على الاعتبارين متعلّقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا.
التقدير: اذكروا الله ذكرا كائنا مثل الذي علمكموه. أو: كائنا مثل تعليمه إياكم.
وعلى التقدير الأوّل ثبت المفعول الثاني. تأمّل. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف حرف تعليل؛ فالجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ويكون التقدير: اذكروا الله لتعليمه إيّاكم، فيكون مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٩٨]: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾. ما: اسم موصول بدل من (ما) الأوّل على اعتبارها موصولة، ومفعول ثان للفعل (علم) على اعتبار الأولى مصدرية. ﴿لَمْ:﴾
حرف نفي، وجزم. ﴿تَكُونُوا:﴾ مضارع ناقص مجزوم بلم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف خبره، والجملة الفعلية صلة (ما)، والعائد محذوف، وهو مفعول: ﴿تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾
الشرح: ذهب جماعة من المفسّرين في تأويل هذه الآية: أنّ المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى عنها حولا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت؛ لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر، والعشر، ونسخت النفقة بالرّبع، والثّمن في سورة (النساء). قاله ابن عباس وغيره، قال البخاري: قال ابن الزبير-﵁: قلت لعثمان بن عفان-﵁: هذه الآية في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً..﴾. إلخ؛ قد نسختها الآية رقم [٢٣٤]، فلم تكتبها، ولا تدعها؟! قال: يا بن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. فأجابه بأنّ هذا أمر توفيقي، لا يجوز تغييره، ولا إبداله. فأخزى الله الذين يقولون: إنّ عثمان حرّف القرآن، وغيّر فيه!.
فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدّمة المتأخرة؟ قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة، وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ رقم [١٤٢] مع قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ﴾ رقم [١٤٤]. انتهى كشاف.
﴿وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ﴾ أي: فيجب أن يعين لهنّ ما يكفيهن نفقة عام كامل من مال الزّوج المتوفّى. ﴿غَيْرَ إِخْراجٍ:﴾ قال عطاء ﵀: إن شاءت؛ اعتدت في بيت زوجها، وسكنت في وصيتها، وإن شاءت؛ خرجت، ولا وصية لها، لقول الله تعالى: ﴿فَلا جُناحَ﴾
стр. 571
﴿عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ فهي مخيّرة، ولا تجبر على الخروج من بيت المتوفّى عنها.
﴿مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ هو مثل قوله تعالى فيما سبق: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الذي لا ينكره الشرع الشريف من التزيّن، والتطيّب، والتّعرّض للخطاب. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ:﴾ قوي، وغالب، وقاهر، ينتقم ممّن يخالف أوامره. ﴿حَكِيمٌ:﴾ فيما دبّر، وقضى، وحكم. ففيه وعيد، وتهديد، لا يصلح محلّه:
﴿(غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ كما رأيت فيما تقدّم.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُتَوَفَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وجملة: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْواجاً:﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَصِيَّةً:﴾
مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: يوصون وصية، وقدّر الجلال، فليوصوا وصية، وعليه ف (﴿وَصِيَّةً﴾) مفعول به للمقدّر. وعلى الاعتبارين فالجملة المقدرة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. هذا؛ ويقرأ: («وصيّة») بالرفع على أنّها مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: عليهم وصية، أو على أنها خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب وصية، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: (الذي). ﴿لِأَزْواجِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة وصية، أو هما متعلقان بها على اعتبارها مصدرا، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَتاعاً﴾ بدل من (الوصية) أو صفة لها على نصبها، وقيل: حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، أي: متمتّعات. وقيل: مفعول ثان لفعل محذوف، التقدير: ويعطوهنّ متاعا، وهذه الجملة معطوفة على المقدّرة قبلها. ﴿إِلَى الْحَوْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَتاعاً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿غَيْرَ:﴾
حال من (أزواجهم) أو صفة: ﴿مَتاعاً﴾ أو بدل منه، وقيل: نائب مفعول مطلق، وهو ضعيف، ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿إِخْراجٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع. (إن ﴿خَرَجْنَ..﴾.) إلخ:
انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية رقم [٢٣٤]، مع ملاحظة أنّ الشّرط هنا هو (إن). ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ هذه الجملة معترضة في آخر الكلام الغاية منها التّهديد، والوعيد.
﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾
الشرح: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ:﴾ قد بيّن الله في الآية رقم [٢٣٦] المتعة، وقدرها، وقد رأيت فيما سبق: أنّ هذه المتعة إنّما تتبع حال الزّوج المطلّق ضيقا، وسعة، وهو تأويل قوله تعالى هنا: ﴿بِالْمَعْرُوفِ،﴾ وقد فسّر النسفي كلمة: ﴿مَتاعٌ﴾ بنفقة العدّة. وهو غير مسلّم له: فمتعة المطلقة زيادة على نفقة العدّة. ﴿حَقًّا﴾ أي: وجبت وجوبا، وقد رأيت فيما سبق: أنّها واجبة، وغير واجبة. هذا؛ وقد قال الخازن: لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ..﴾. إلخ؛
стр. 572
قال رجل من المسلمين: إذا فعلت أحسنت، وإن لم أرد لم أفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ..﴾. إلخ، فجعل المتعة لهنّ بلام التّمليك. انتهى. فيكون المتأخر ناسخا للسّابق. هذا؛ وقال زيد بن أسلم: هو نسخ محض. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِلْمُطَلَّقاتِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.
﴿مَتاعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿حَقًّا:﴾
مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: حقّ ذلك حقّا، والجملة الفعلية هذه في محل رفع صفة ثانية ل ﴿مَتاعٌ،﴾ والصفة الأولى متعلّق ب: (المعروف). ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾
الشرح: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدّم من أحكام المطلّقات، والعدد.
﴿يُبَيِّنُ..﴾. إلخ: هذا وعد من العليم الحكيم بأنّه سيبين لعباده من الدّلائل، والأحكام ما يحتاجون إليه في دنياهم، وآخرتهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون، وتتدبّرون، فتستعملون العقل فيها.
الإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وتقدير الكلام: يبيّن الله لكم آياته تبيينا مثل هذا التبيين.
والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للتبيين، لا محلّ لها.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾
الشرح: مناسبة الآيات الآتية لما قبلها: لمّا ذكر الله تعالى أحكام الأسرة بالتّفصيل، والتّنظيم التي تربط بين أفرادها، وذكر طرق إصلاحها باعتبار: أنّها النواة، واللّبنة؛ التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل؛ ذكر بعدها أحكام الجهاد، وذلك لحماية العقيدة، وصيانة
стр. 573
المقدّسات، وتأمين البيئة الصّالحة للأسرة المسلمة، التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها، ولا خلود إلا ببقاء الحقّ، وأنصاره، ولهذا أمر الله تعالى بالقتال، وضرب عليه الأمثال بالأمم السّابقة، وكيف جاهدت في سبيل الحق، وانتصرت القلّة مع إيمانهم على الكثرة، والتزامهم له، وجهادهم في سبيله.
﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ ، أو لكلّ أحد، والاستفهام تعجّب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام، وتقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ:﴾ جمع: ألف، وهو جمع كثرة، ويجمع أيضا على آلاف، وهو جمع قلّة.
واختلف في عددهم، فقيل: هم سبعون ألفا. وقيل غير ذلك. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ خوف الموت، وفرارا منه. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ فماتوا. ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ:﴾ أعاد الله إليهم أرواحهم، بعد موتهم.
﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ:﴾ صاحب كرم، وجود، وإنعام؛ حيث يذكر لهم من القصص ما فيه عبرة لمن يعتبر، ويتذكّر. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ فضل الله، وإنعامه.
تنبيه: المراد بما في الآية الكريمة أهل قرية «داوردان» قرية قبل واسط، وقع فيها طاعون، فخرجوا هاربين، فأماتهم الله، ثمّ أحياهم؛ ليعتبروا! ويتيقّنوا: أن لا مفرّ من قضاء الله تعالى، وقدره. أو هم قوم من بني إسرائيل، دعاهم ملكهم إلى الجهاد، ففرّوا خوف الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام، ثمّ أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل، وهو الخليفة الثالث من خلفاء موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. ويقال له: ذو الكفل؛ لأنه تكفّل سبعين نبيّا، وأنجاهم من القتل، فقد مرّ فيهم، وهم موتى، فتعجب من حالهم، فأوحى الله إليه أن ناد: قوموا بإذن الله.
فنادى، فقاموا يقولون: سبحانك اللهم، وبحمدك، لا إله إلا أنت. وفائدة القصّة تشجيع المسلمين على الجهاد، والتّعرّض للشّهادة، وحثّهم على التوكّل، والاستسلام للقضاء. انتهى.
بيضاوي بتصرّف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٣] فإنّه جيد. والحمد لله!.
وفي هذه القصّة عبرة، ودليل على أنّه لا يغني حذر من قدر، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنّ هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء طلبا لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، ثمّ أحياهم.
وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها. وقال مجاهد: إنّهم لما أحيوا؛ رجعوا إلى قومهم، يعرفون: أنّهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما؛ حتى ماتوا لآجالهم؛ التي كتبت لهم. وفيه ردّ على من يقول: كيف أميت هؤلاء مرّتين في الدّنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الدخان)؟ قيل: إن موتهم، وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النّبيّ،
стр. 574
ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات. فلا يقاس عليها. وفي هذه الآية احتجاج على اليهود، ومعجزة عظيمة لنبيّنا ﷺ حيث أخبرهم بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحّة ذلك.
هذا؛ وأخرج أبو عيسى الترمذيّ عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد-﵄:
أنّ النبيّ ﷺ ذكر الطّاعون: فقال: «بقيّة رجز، أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع في أرض؛ وأنتم فيها؛ فلا تخرجوا منها، وإذا وقع في أرض، ولستم بها؛ فلا تهبطوا عليها». وبمقتضى هذا عمل عمر، والصّحابة-رضوان الله عليهم-لما رجعوا من «سرغ» -موضع في الشام-حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف-﵁-بالحديث على ما هو مشهور في الموطّأ، وغيره، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجّا عليه لمّا قال له حين رجع عمر من فلسطين، وكان طاعون عمواس: أفرارا من قدر الله؟! فقال عمر-﵁: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.
المعنى: لا محيص للإنسان عمّا قدّره الله له، وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرّز من المخاوف، والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقّي من المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت واديا، له عدوتان، إحداها خصبة، والأخرى جدبة؟ أليس إن رعيت الخصبة؛ رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة؛ رعيتها بقدر الله؟! ثم رجع-﵁-من موضعه ذلك إلى المدينة المنورة.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وانظر الشرح. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، وهو لازم؛ لأنّه بمعنى: «تنظر» تعدى بحرف الجر. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿خَرَجُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ:﴾ الواو: واو الحال.
(﴿هُمْ أُلُوفٌ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير. ﴿حَذَرَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، من: إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
(قال): فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مُوتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَرَجُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَحْياهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فماتوا، فأحياهم.
стр. 575
﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو، نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو) مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿فَضْلٍ﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل.
﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَشْكُرُونَ:﴾ في محل رفع خبر (﴿لكِنَّ﴾)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾
الشرح: في هذه الآية خطاب لأمّة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٩٠] فإنّه جيد والحمد لله! وقيل:
الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل. ﴿وَاعْلَمُوا:﴾ أيقنوا، واعتقدوا. ﴿سَمِيعٌ:﴾ لأقوالكم.
﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم وأحوالكم، فيجازيكم عليها. فيه وعد لمن بادر للجهاد في سبيل الله، ووعيد لمن تخلّف عنه، والاسمان صيغتا مبالغة، كما لا يخفى، وكما أنّ الحذر لا يغني من القدر؛ فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرب أجلا، ولا يبعده.
الإعراب: ﴿وَقاتِلُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿قاتِلُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، تقديره: الكفار ونحوه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فأطيعوا الله، وقاتلوا... إلخ، والجملة المحذوفة تقع في التقدير جوابا لشرط محذوف، وتقدير الكلام: وإذا كان الموت واقعا على كل حال؛ فأطيعوا الله، وقاتلوا... إلخ ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. (﴿اِعْلَمُوا﴾): فعل أمر وفاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران لها. و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (﴿اِعْلَمُوا﴾). تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾
الشرح: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ:﴾ إقراض الله مثل لتقديم العلم الذي يطلب به ثوابه، والقرض: اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، قال لبيد-﵁: [الرمل]
وإذا جوزيت قرضا فاجزه... إنّما يجزي الفتى ليس الجمل
стр. 576
وقال الزجّاج: القرض في اللغة: البلاء الحسن، والبلاء السيئ. قال أميّة بن أبي الصّلت: [البسيط]
كلّ امرئ سوف يجزى قرضه حسنا... أو سيّئا، ومدينا مثل ما دانا
وقال آخر: [المتقارب]
تجازى القروض بأمثالها... فبالخير خيرا وبالشّرّ شرّا
وطلب القرض في هذه الآية وأمثالها إنّما هو تأنيس، وتقريب للنّاس بما يفهمون، والله هو الغنيّ الحميد، لكنّه تعالى شبّه إعطاء المؤمنين المال، وإنفاقهم في الدّنيا الذي يرجون ثوابه بالقرض، كما شبّه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنّة بالبيع والشراء، كما ذكر الله بقوله:
﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ الآية رقم [١١١] من سورة (التوبة)، وكما كنى الله عن الفقير بنفسه العلية المنزّهة عن الحاجات ترغيبا في الصّدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدّسة عن النقائص والآلام، ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى: «يا بن آدم مرضت فلم تعدني، استطعمتك فلم تطعمني، استسقيتك فلم تسقني، وقال: يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنّك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». أخرجه البخاريّ، ومسلم، وهذا كلّه خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به. ويجب على المستقرض ردّ القرض؛ لأنّ الله تعالى بيّن: أنّ من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله، بل يردّ الثواب قطعا، وأبهم الجزاء، وقد بيّن الله تعالى في الآية رقم [٢٦١] الآتية: أنّ النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر، وقال هاهنا: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً﴾ وهذا لا نهاية له.
وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنّة مكتوبا: الصّدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت لجبريل: ما بال القرض أفضل من الصّدقة؟ قال: لأنّ السّائل يسأل، وعنده ما يكفيه، والمستقرض لا يستقرض إلاّ من حاجة». أخرجه ابن ماجة، وفي رواية: «ما بال القرض أفضل من الصّدقة، وهو يعود، والصّدقة لا تعود؟!». ولكن في هذه الأيام القرض ضال إلا ما ردّه الله، وذلك لسوء معاملة الناس.
هذا وقال العلماء في القرض بمعنى الصّدقة: لا يكون القرض حسنا حتى تجتمع فيه أوصاف عشرة، وهي: أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجلّ المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن لا تتبعها بالمنّ، والأذى، وأن تقصد بها وجه الله، ولا ترائي بها النّاس، وأن تستحقر ما تعطي؛ وإن كان كثيرا، وأن يكون من أحبّ أموالك إليك، وأ لا ترى عزّ نفسك، وذلّ الفقير، وخذ ما يلي:
стр. 577
عن عبد الله بن مسعود-﵁، قال: لمّا نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ..﴾. إلخ قال أبو الدحداح-﵁: يا رسول الله! إن الله ليريد منّا القرض؟! قال: «نعم يا أبا الدّحداح». قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربّي حائطي، قال: وحائطه فيه ستمائة نخلة، وأم الدّحداح وعيالها فيه، قال: فجاء أبو الدّحداح، فناداها: يا أمّ الدّحداح! قالت: لبيك! قال: اخرجي، فقد أقرضته ربّي عزّ، وجلّ، فقالت الزّوجة الصّالحة: ربح بيعك، وبارك الله لك فيما اشتريت! فقال النبيّ ﷺ : «كم من عذق رداح، ودار فياح لأبي الدّحداح في الجنّة». هذا و ﴿قَرْضاً﴾ مصدر جاء بخلاف المصدر، كقوله تعالى في سورة (نوح): ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾. ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً:﴾ كثرة لا يقدرها، ولا يعرفها إلا الله، و ﴿أَضْعافاً﴾ جمع: ضعف، وهو بكسر الضاد وسكون العين مثل الشّيء، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله، هذا هو الأصل في الضّعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس للزيادة حدّ، فيقال: هذا ضعف هذا، أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا، ويقال: أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته، فمعناه ضممت إليه مثله فصاعدا، وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في سورة (الأحزاب) رقم [٣٠] ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ وفي الآية رقم [٦٩] من سورة (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ﴾ وفي الآية رقم [٤٠] من سورة (النساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ هذا وللضّعف بفتح الضاد والضّعف بكسرها، والضّعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]
في الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف، وهو شاكي الضّرّ
﴿يَقْبِضُ:﴾ يمسك الرزق عمّن يشاء ابتلاء، (﴿يَبْصُطُ﴾): يوسّعه لمن يشاء امتحانا، وهو يقرأ بالسين والصاد، وبينهما طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
الإعراب: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي:﴾ ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿ذَا﴾ أو هو بدل منها. هذا؛ وجوز أن يكون ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبره. ﴿يُقْرِضُ:﴾ فعل مضارع. والفاعل يعود إلى من ﴿اللهَ﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿قَرْضاً:﴾
مفعول مطلق، وقيل: مفعول به، ﴿حَسَناً:﴾ صفته. ﴿فَيُضاعِفَهُ:﴾ الفاء: هي السببية.
(يضاعفه): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء. والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لَهُ:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَضْعافاً:﴾ حال، وقيل: مفعول مطلق، وقيل: مفعول ثان لتضمّن المضاعفة معنى التصيير. ﴿كَثِيرَةً:﴾ صفة أضعافا، و «أن» المضمرة والفعل المضارع
стр. 578
في تأويل مصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفعل السابق، التقدير: من ذا الذي يحصل منه قرض لله، فمضاعفه له. هذا ويقرأ الفعل بالرّفع، فيكون في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يضاعفه، والجملة الاسمية مستأنفة على حدّ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ في كثير من الآيات. (﴿اللهَ﴾): مبتدأ. ﴿يَقْبِضُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾)، والجملة الفعلية في محل رفع خبره. (﴿يَبْصُطُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾) أيضا، ومفعوله محذوف مثل سابقة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (﴿إِلَيْهِ﴾):
جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٢٤٦)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ انظر مثله في الآية رقم [٢٤٣] ﴿الْمَلَإِ:﴾ الجماعة الأشراف، والوجهاء، سمّوا بذلك؛ لأنّهم يملئون القلوب مهابة، والعيون حسنا، وبهاء، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ أي: بزمن طويل. ﴿إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ:﴾ انظره فيما يأتي. ﴿اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً:﴾ عيّن لنا أميرا ينظّم أمورنا، ونقاتل معه عدوّنا. ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ: المعنى: إني أتوقّع جبنكم في القتال؛ إن فرض عليكم، وندبتم إليه، فأدخل ﴿هَلْ﴾ على فعل التوقّع، مستفهما عمّا هو المتوقع عنده تقريرا، وتثبيتا.
﴿تَوَلَّوْا:﴾ هربوا، وولّوا الأدبار: ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر.
﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ:﴾ هذا وعيد، وتهديد لهم على ظلمهم بترك الجهاد، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدّعة، والرّفاهية تتمنّى الحرب أوقات الرّاحة، فإذا حضرت؛ جبنت، وولّت الأدبار، وعن هذا المعنى نهى النّبيّ ﷺ بقوله: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم؛ فاثبتوا». رواه الأئمة.
تنبيه: سبب طلب بني إسرائيل من نبيهم ما ذكر في الآية الكريمة: أنه مات موسى-على نبينا، وعليه ألف سلام-وخلفه يوشع بن نون، أقام فيهم أمر الله، وحكم بالتوراة، ثمّ خلفه كالي بن يوقنا، ثمّ حزقيل المذكور في الآية رقم [٢٤٣] ثم إلياس، ثم اليسع، ثم ظهر لهم
стр. 579
أعداؤهم العمالقة بزعامة جالوت، فقاتلوهم، وغلبوا على كثير من أرضهم، وسبوا كثيرا منهم، ولم يكن لهم إذ ذاك نبي يدبر أمورهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى فولدت غلاما، فسمّته شمويل، ومعناه بالعربية: إسماعيل، وعرف بابن العجوز، وإنّما قيل له ذلك؛ لأن أمه كانت سألت الله الولد، وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها، فلما كبر سلمته التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم، فلما كبر نبأه الله تعالى، وأرسله إليهم، فقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل معه في سبيل الله، وكان قوام بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة أنبيائهم، فكان الملك هو يسيّر الجموع، والنبي يرشده، ويقيم أمره. انتهى.
خازن. بتصرف.
الإعراب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٤٣]. ﴿مِنْ بَنِي:﴾
متعلقان بمحذوف حال من الملأ، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ فهي حال متداخلة، أو بمحذوف حال من ﴿الْمَلَإِ﴾ فتكون حالا متعدّدة، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿إِذْ:﴾ قال أبو البقاء: بدل من ﴿بَعْدِ﴾ لأنهما زمانان، وأما الجمل تبعا للجلال فعلّقه بمحذوف مضاف إلى الملأ، وقدّره: ألم تر إلى قصة الملأ. وهو قول ابن هشام في المغني، فهو على الأول مبني على السكون في محل جر، وعلى الثاني في محل نصب. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض وفاعله والألف للتفريق. ﴿لِنَبِيٍّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَهُمُ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (نبي).
﴿اِبْعَثْ:﴾ فعل أمر والتماس، وفاعله: أنت. ﴿لَنا:﴾ متعلقان به. ﴿مَلِكاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِبْعَثْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿نُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، وفاعله مستتر تقديره: نحن، وقد قرئ بالرفع والياء: («يقاتل») على أن تكون جملته في محل نصب صفة ملكا، كما قرئ بالرّفع، والنون على الاستئناف. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى النبي. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿عَسَيْتُمْ:﴾
فعل ماض مفيد للترجي والتوقع، مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط.
﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعل ﴿كُتِبَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط
стр. 580
محذوف، التّقدير: إن كتب عليكم القتال؛ فلا تقاتلون. ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف مصدري ونصب.
(لا) نافية. ﴿تُقاتِلُوا:﴾ مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والمصدر المؤول من «أن» والفعل المضارع في محل نصب خبر ﴿عَسَيْتُمْ،﴾ والجملة الشرطية معترضة بين اسم (عسى) وخبرها، وجملة: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله. ﴿وَما لَنا:﴾ الواو: حرف عطف على محذوف، التقدير: أيّ غرض لنا في ترك القتال، وقد عرض لنا ما يوجبه، ويحثّ عليه. وهذا تقدير البيضاوي، وهو حلّ معنى كما ترى. وقال الجمل، وأبو البقاء: دخلت الواو لتدلّ على ربط هذا بما قبله. (﴿ما﴾):
اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿لَنا﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري ونصب. (لا): نافية. ﴿نُقاتِلْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل تقديره نحن، والمصدر المؤول منهما في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير:
وما لنا في ترك القتال، والجار والمجرور متعلقان ب (﴿ما﴾) لتضمنها معنى الفعل: «استفهم». وقال أبو البقاء: متعلقان بالخبر المحذوف، الذي تعلّق به ﴿لَنا،﴾ وقال الأخفش: (أن) زائدة، والجملة حال، تقديره: وما لنا غير مقاتلين، مثل قوله تعالى حكاية على قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا،﴾ وقد أعمل (﴿إِنْ﴾) وهي زائدة. انتهى. والكلام: ﴿وَما لَنا..﴾. إلخ كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها؛ لأنّها بمنزلة جواب عن الكلام السابق. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال.
﴿أُخْرِجْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، و (نا) في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿نُقاتِلْ﴾ المستتر، والرابط الواو والضمير. ﴿مِنْ دِيارِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَأَبْنائِنا:﴾ معطوف على ما قبله، و (نا) في محل جر بالإضافة، وهذا ظاهر الإعراب، وفي المعنى لا بدّ من تقدير فعل، أي: وأبعدنا من أبنائنا.
﴿فَلَمّا﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول:
حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الْقِتالُ:﴾ نائب فاعله. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿أَلاّ:﴾ أداة
стр. 581
استثناء. ﴿قَلِيلاً:﴾ منصوب على الاستثناء. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿قَلِيلاً﴾. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:
واو الاعتراض. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره. ﴿بِالظّالِمِينَ:﴾ متعلقان بما قبله. والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ استئنافية، الغرض منها الوعيد والتهديد كما رأيت.
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ:﴾ اختار لكم طالوت ملكا. ﴿طالُوتَ:﴾ اسم أعجمي مثل: داود، وجالوت، وجمعها: طواليت، ودواويد، وجواليت، وهي ممنوعة من الصرف، ولو سمّيت رجلا بطاوس وراقود؛ لصرفت وإن كانا أعجميين، والفرق بين هذا وبين الأوّل أنك تقول: الطاوس، فتدخل الألف واللام، فيمكّن في العربية، ولا يمكّن هذا في ذاك. وذلك: أنه لمّا سأل الله إرسال ملك لهم، أرسل الله له عصا، وقرنا فيه دهن القدس، وقيل له: إنّ صاحبك الذي يكون ملكا هو من يكون طوله طول هذه العصا، وانظر إلى القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل عليكم رجل، فانتشر الدّهن الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه بالدّهن، وملّكه عليهم، واسمه: طالوت، فدخل طالوت. فوجد فيه ما ذكر، فقال له: أنت ملك بني إسرائيل الّذي أمرني ربّي أن أملكك عليهم.
فقال: أو لم تعلم: أنّ سبطي أدنى من سبط ملوك بني إسرائيل؟! قال: بلى! والله يؤتي ملكه من يشاء.
﴿قالُوا:﴾ أي: بنو إسرائيل لمّا قال لهم نبيهم: إنّ ملكهم طالوت: ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا﴾ أي: كيف يملكنا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟!﴾ فهو استبعاد، واستغراب لما قال لهم النبي، وبيّنوا له السبب؛ بأنّه ليس من بيت الملوك، وبأنّه فقير، وإنّما قالوا ذلك؛ لأنّ طالوت كان راعيا، أو سقاء، أو دبّاغا. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ:﴾ اختاره لكم ملكا، وليس الأمر لي. ﴿وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: منحه قوّة في العلم الّذي هو ملاك الإنسان، وقوّة في الجسم الذي هو معينه في الحروب، وعدّته عند اللّقاء.
هذا؛ وقد كان طالوت من سبط بنيامين، ولم تكن فيهم النبوّة والملك، وإنّما كانت النبوة في أولاد لاوي بن يعقوب، والملك في أولاد يهوذا، وكان فيهم من السّبطين خلق يومئذ. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ، لمّا استبعدوا تملكه؛ ردّ عليهم نبيّهم ذلك بأمور أربعة: الأول: أن الله هو الذي
стр. 582
اختاره ملكا عليهم، وهو أعلم بالمصالح، الثاني: أنّ الله منحه من العلم ما يجعله أهلا لذلك؛ ليتمكّن بالعلم من معرفة الأمور السياسيّة، ومنحه من قوة الجسم، وطوله؛ ليكون أعظم خطرا في القلوب، وأقوى على مكابدة الحروب، الثالث: أن الله تعالى مالك الملك على الإطلاق، فله أن يختصّ بملكه من يشاء، الرابع: أن الله واسع الفضل يوسع على الفقير، ويغنيه، عليم بمن يليق بالملك. انتهى. بيضاوي بتصرّف، وانظر شرح ﴿واسِعٌ﴾ في الآية رقم [١١٥].
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، ﴿نَبِيُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال، ﴿بَعَثَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿لَكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان به. ﴿طالُوتَ:﴾ مفعول به. ﴿مَلِكاً:﴾ حال من ﴿طالُوتَ﴾ أو هو مفعول ثان على تضمين ﴿بَعَثَ﴾ معنى: أرسل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿قالَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام وتعجب، مبني على السكون في محل نصب حال، عامله ما بعده، وقال القرطبيّ: في محل نصب على الظرف، ولا وجه له. ﴿يَكُونُ:﴾ فعل مضارع ناقص.
﴿لَهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿الْمُلْكُ:﴾ اسمه مؤخر. هذا؛ وجوز اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تامّا، فيكون ﴿لَهُ﴾ متعلقين به، و ﴿الْمُلْكُ﴾ فاعله، ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان ب: ﴿الْمُلْكُ﴾. وقال أبو البقاء: في محل نصب حال من ﴿الْمُلْكُ،﴾ والأول أقوى، وجملة: ﴿أَنّى يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿نَحْنُ﴾): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَحَقُّ:﴾ خبره، ﴿بِالْمُلْكِ مِنْهُ:﴾ كلاهما متعلقان ب ﴿أَحَقُّ﴾ لأنه اسم تفضيل، والجملة اسمية في محل نصب حال من (نا) المجرورة ب (على) والرابط الواو والضمير. ﴿وَلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لَمْ﴾): حرف نفي وقلب وجزم، ﴿يُؤْتَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿طالُوتَ﴾ وهو المفعول الأول. ﴿سَعَةً:﴾ مفعول ثان. ﴿مِنَ الْمالِ:﴾ متعلقان ب ﴿سَعَةً﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الفعلية ﴿وَلَمْ يُؤْتَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وجملة: ﴿قالَ إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿نَبِيُّهُمْ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ:﴾
اسمها. ﴿اِصْطَفاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والهاء مفعول به. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل
стр. 583
لها. ﴿وَزادَهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿زادَهُ﴾): فعل ماض والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والهاء مفعول به أول، ﴿بَسْطَةً:﴾ مفعول به ثان، ﴿فِي الْعِلْمِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَسْطَةً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَالْجِسْمِ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها.
﴿وَاللهُ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (﴿اللهَ﴾): مبتدأ. ﴿يُؤْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾). ﴿مُلْكَهُ:﴾ مفعول به أول، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان.
﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهَ﴾)، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنَ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية: ﴿يُؤْتِي..﴾.
إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وجملة: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ معترضة في آخر الكلام، مؤكدة لما قبلها.
﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ:﴾ بعد أن طلبوا علامة دالة على ملك طالوت. ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي: علامة تمليك طالوت عليكم. ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ:﴾ كان من خشب الشّمشاذ بكسر الشين، وهو الذي تتخذ منه الأمشاط، وكان مموها بالذّهب، طوله ثلاثة أذرع، وعرضه ذراعان، وكان عند آدم ﵇ فيه صور جميع الأنبياء فقد رآها آدم كلها، ثم توارثه أولاده إلى أن وصل إلى موسى، على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام، فكان يضع فيه التوراة، ومتاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم توارثه بنو إسرائيل بعده، وكانوا إذا اختلفوا في شيء؛ تحاكموا إليه، فيكلّمهم، ويحكم بينهم، وكانوا إذا خرجوا للقتال؛ يقدّمونه بين أيديهم، وكانوا معدّين جماعة لحمله، ثم يقاتلون العدو، فإذا سمعوا صيحة استيقنوا بالنّصر، فلما عصوا الله، وأفسدوا في الأرض؛ سلّط الله عليهم العمالقة، فغلبوهم على التابوت، وسلبوه، وجعلوه في موضع البول، والغائط، فلمّا أراد الله أن يملك طالوت؛ سلط الله عليهم البلاء، حتى إنّ كلّ من بال عنده ابتلي بالبواسير، وهلكت من بلادهم خمس مدائن، فعلم الكفار: أن ذلك بسبب استهانتهم بالتّابوت، فأخرجوه، فاحتملته الملائكة، وأتت به بني إسرائيل، كما ذكرت الآية الكريمة.
﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ طمأنينة لقلوبكم بسببه، فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت.
стр. 584
ونظيره قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٤٠]: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: أنزل عليه ما سكن به قلبه، وقال وهب بن منبه: السكينة: روح من الله تتكلّم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم، ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ..﴾.
إلخ: وهي نعل موسى وعصاه، وعمامة هارون، وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ورضاض ألواح التوراة التي تكسّرت حين ألقاها موسى عند عودته من جبل الطور، ورأى قومه قد عبدوا العجل، فغضب، وألقى ألواح التوراة، فتكسرت، فنزع منها ما كان صحيحا، وأخذ رضاض ما تكسر، فجعله في التابوت. ولفظ (﴿آلُ﴾) مقحم، فإن المراد موسى وهارون أنفسهما، وقيل: بل المراد أنبياء بني إسرائيل من بعدهما، والأول أقوى، ومثله في آل عمران رقم [٣٣].
﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً..﴾. إلخ: أي: في إتيان التابوت لعلامة واضحة على تمليك طالوت عليكم.
وهذا يحتمل أن يكون من تمام كلام النبي، وأن يكون ابتداء خطاب من الله تعالى.
فحملته الملائكة بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فأقروا بملكه، وتسارعوا إلى الجهاد معه، فاختار من شبابهم سبعين ألفا، وكان من جملتهم داود النبي قيل منحه النبوة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: (﴿قالَ﴾): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلّقان به. ﴿نَبِيُّهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿آيَةَ:﴾
اسمها، وهو مضاف، و ﴿مُلْكِهِ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَأْتِيَكُمُ:﴾
فعل مضارع منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ والكاف مفعول به. ﴿التّابُوتُ:﴾ فاعله، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه بمعنى: يجيئكم، و ﴿إِنَّ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿سَكِينَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿التّابُوتُ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿سَكِينَةٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (﴿بَقِيَّةٌ﴾): معطوف على ﴿سَكِينَةٌ﴾. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (﴿بَقِيَّةٌ﴾)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَرَكَ آلُ:﴾ ماض وفاعله، و ﴿آلُ:﴾ مضاف، و ﴿مُوسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف التقدير: من الذي، أو: من شيء تركه آل موسى. ﴿آلُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿هارُونَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿تَحْمِلُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به، ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من ﴿التّابُوتُ﴾.
стр. 585
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء، (آية):
اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (آية). والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. والتاء اسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبره منصوب وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فإن في ذلك... إلخ، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول.
﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ (٢٤٩)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ:﴾ خرج من بلده بالشّباب الّذين اختارهم لقتال العمالقة، وكان الوقت قيظا، فسلكوا مفازة، وسألوا الله أن يجري لهم نهرا. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ:﴾ مختبركم. ﴿بِنَهَرٍ:﴾ ليظهر منكم المطيع والعاصي، وهذا النهر ممتد بين فلسطين والأردن، ويسمّى نهر الشريعة، ويقرأ بفتح الهاء، وسكونها، ويجمع على أنهر، ونهر، ونهور.
﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: من شرب من النهر فليس من أشياعي، وأتباعي. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي:﴾ ومن لم يذقه؛ فإنه منّي، أي: من أشياعي، وأتباعي، وإنّما علم ذلك بالوحي إن كان نبيا، كما قيل، أو بإخبار النبيّ شمويل، ولم يقل: ومن لم يشربه؛ لأنّه من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرّروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللّغات، فلا عبرة بقدح من يقول: لا يقال: طعمت الماء. هذا وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة-﵁:
أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «من حمل علينا السّلاح فليس منّا، ومن غشّنا فليس منّا». هذا وقال النابغة الذبياني يخاطب به عيينة بن حصن الفزاري: [الوافر]
إذا حاولت في أسد فجورا... فإنّي لست منك ولست منّي
﴿إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: اكتفى بغرفة، وهذه الغرفة كفته، فلم يعطش بعدها، بخلاف الذي شرب كثيرا فإنه لم يرو. ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ أي: شرب أكثرهم كثيرا،
стр. 586
واكتفى القليل بغرفة. هذا؛ والاغتراف: الأخذ من الشيء باليد، وبآلة، ومنه الغرفة، ﴿غُرْفَةً:﴾
بضم الغين وفتحها قراءتان ولغتان، ورحم الله عمرو بن العلاء الذي كان يطلب دليلا لغويّا على قراءة الفتح، فوجده في قول أمية بن أبي الصّلت، وهو الشاهد رقم [٥٥٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]
ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال
بفتح فاء (فرجة) فقد روي: أنه-رحمه الله تعالى-هرب من الحجّاج إلى اليمن، فسمع أعرابيّا يوما ينشد القصيدة التي منها هذا البيت، وقد فتح فاء (فرجة) فقال: ما وراءك يا أعرابي؟! قال: مات الحجّاج، فقال-رحمه الله تعالى-: والله فلم أدر بأيهما أفرح؟ أبموت الحجّاج أم بقوله (فرجة)؛ لأنّي كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في سورة البقرة: ﴿إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ يريد فتح الغين من (غرفة). كما فتحت الفاء في (فرجة)، هذا، وقال عليّ-﵁: الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن: [البسيط]
لا يدلفون إلى ماء بآنية... إلاّ اغترافا من الغدران بالرّاح
وقال الرسول ﷺ : «من شرب بيده، وهو يقدر على إناء، يريد به التّواضع، كتب الله له بعدد أصابعه حسنات، وهما إناء عيسى ابن مريم ﵉؛ إذ طرح القدح، فقال: أفّ هذا مع الدّنيا» أخرجه ابن ماجة، من حديث ابن عمر-﵄.
﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ أي: قطع النهر هو والذين اقتصروا على الغرفة.
﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنَا..﴾. إلخ: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده، فلم يقطعوا النهر معه، واسودت شفاههم، وغلبهم العطش، فلم يرووا، وجبنوا. ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ:﴾ قال الذين شربوا قليلا، وجاوزوا معه النهر، وامتلأت قلوبهم إيمانا، ويقينا، وصرامة، وشجاعة؛ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ..﴾. إلخ: كثير من الجماعات القليلة قد غلبت الكثيرة بإرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد، وإنّما النّصر من عند الله العزيز الحكيم، وفي قولهم هذا- رضوان الله عليهم-تحريض على القتال، واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربّه، ووثق به.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، لكن الأعمال القبيحة، والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدّام اليسير من العدو، كما شاهدناه غير مرّة، وذلك بما كسبت أيدينا، وقد قال الرسول ﷺ : «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟!» فالأعمال فاسدة، والضّعفاء مهملون، والصّبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة، قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ﴾
стр. 587
﴿اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ،﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال) رقم [٤٥]. فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي غير موجودة فينا، فإنا لله، وإنا إليه راجعون على ما أصابنا، وحلّ بنا، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه؛ لظهور الفساد، ولكثرة الطّغيان، وقلّة الرشاد، حتّى استولى العدوّ شرقا وغربا، برّا، وبحرا، وعمّت الفتن، وعظمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم الله.
﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي: بالمعونة، أو الهداية، والتوفيق، والرعاية، والسّداد، هذا، ومعية الله على نوعين: عامّة، وخاصة، فالأولى لكل الناس، وهي معيّة بالعلم، والقدرة، والإحاطة.
والثانية للمؤمنين المتّقين، والمحسنين، وهي الحفظ، والنصر، والتأييد، والمعونة، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ،﴾ وقال جل ذكره: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٤٦]. ﴿فَصَلَ طالُوتُ﴾ ماض وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبار (لمّا) ظرفا.
﴿بِالْجُنُودِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: هو، يعود إلى ﴿طالُوتُ﴾. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ:﴾ اسمها، ﴿مُبْتَلِيكُمْ:﴾ خبر. ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود إلى ﴿اللهَ﴾. ﴿بِنَهَرٍ:﴾ متعلقان باسم الفاعل، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿شَرِبَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو. ﴿مِنْهُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في الأصل صفة لمفعول به محذوف، التقدير: شرب ماء منه. الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه مستتر يعود إلى (من) أيضا. ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) والجملة في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهي مبتدأ، وجملة: ﴿شَرِبَ مِنْهُ﴾ صلته، وجملة: (ليس ﴿مِنِّي﴾) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة اسمية على الاعتبارين، وهي في محل نصب مقول القول أيضا، ولا يخفى عليك إعراب ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ إفرادا، وجملة، وهي معطوفة عليها فمحلّها مثلها.
стр. 588
﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مستثنى من (﴿مَنْ﴾) الأولى، وهو قول ابن هشام في «المغني». ﴿اِغْتَرَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: هو. ﴿غُرْفَةً:﴾ مفعول مطلق، وقيل: مفعول به، والأول على قراءته بفتح الغين، والثاني على قراءته بضم الغين، قاله ابن هشام في «المغني». ﴿بِيَدِهِ:﴾ متعلقان ب (﴿غُرْفَةً﴾)، أو بمحذوف صفة لها، وجوز تعليقهما بالفعل قبلهما، وجملة ﴿اِغْتَرَفَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿قَلِيلاً﴾ مستثنى ب (﴿إِلاّ﴾). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿قَلِيلاً،﴾ ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): مثل ما قبلها. ﴿جاوَزَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿طالُوتُ﴾ والهاء مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للضمير المستتر. (﴿الَّذِينَ﴾): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على الضمير المستتر. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة ﴿جاوَزَهُ..﴾.
إلخ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها... إلخ. ﴿قالُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق.
﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿طاقَةَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب.
﴿لَنَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾). ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان. ﴿بِجالُوتَ﴾ متعلّقان بالخبر المحذوف، أو بخبر ثالث، فيكون الخبر قد تعدّد، وهو شبه جملة، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية والعجمة، ﴿وَجُنُودِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا طاقَةَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿قالَ الَّذِينَ:﴾ ماض وفاعله. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والميم في الجميع حرف دال على جماعة الذكور. ﴿مُلاقُوا:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، وهو مضاف، و ﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي ﴿يَظُنُّونَ،﴾ ﴿كَمْ:﴾ خبرية بمعنى كثير، مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. وجوّز البيضاوي اعتبارها استفهامية. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة، ﴿فِئَةٍ:﴾ تمييز ل: ﴿كَمْ﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿قَلِيلَةٍ:﴾ صفة ﴿فِئَةٍ﴾ على اللّفظ. ﴿غَلَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء
стр. 589
للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿فِئَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿كَمْ،﴾ والجملة الاسمية ﴿كَمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فِئَةٍ:﴾ مفعول به. ﴿كَثِيرَةً:﴾ صفة ﴿فِئَةٍ﴾. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال، والأول أولى. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهَ﴾): مبتدأ.
﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة إن كانت من كلام الله تعالى أخبر بها عن حال ﴿الصّابِرِينَ،﴾ ومعطوفة على ما قبلها إن كانت من مقول (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾).
﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَلَمّا بَرَزُوا:﴾ ظهروا، ودنوا منهم، ومنه سمّيت المبارزة في الحرب لظهور كلّ قرن إلى صاحبه. (جالوت): اسم ملك العمالقة، ويقال: إنّ البربر من نسله. ﴿قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً:﴾ اصبب علينا، فيه استعارة تمثيلية، حيث شبّه حالهم، والله تعالى يفيض عليهم، ويتكرّم بالصّبر بحال الماء يصب، ويفرغ على الجسم، فيعمّه كلّه، ظاهره، وباطنه، فيلقي في القلب بردا، وسلاما، وهدوءا، واطمئنانا. هذا؛ وقد دعا أولئك القوم بثلاث دعوات، تفيد أسباب النّصر، فقالوا: أولا: ربنا أفض علينا صبرا يعمّنا في جمعنا، وفي خاصّة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ أي: ثبتنا في ميدان الحرب، ولا تجعل للفرار سبيلا إلى قلوبنا. وهي الدّعوة الثانية. ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي: انصرنا على من كفر بك، وكذّب رسلك، وهي الدعوة الثالثة.
وكان الرسول ﷺ إذا لقي العدو يقول: «اللهم بك أصول، وأجول». ويقول أيضا عند لقاء الأعداء: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من شرورهم، وأجعلك في نحورهم».
الإعراب: ﴿وَلَمّا﴾ الواو: حرف عطف. (لمّا): انظر مثلها فيما تقدّم. ﴿بَرَزُوا:﴾ فعل ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿لِجالُوتَ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. وقيل:
متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، وهو ضعيف. وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَجُنُودِهِ:﴾ معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَفْرِغْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. ﴿عَلَيْنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿صَبْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في
стр. 590
محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها معطوف على ما قبله. (﴿ثَبِّتْ﴾): فعل دعاء، وفاعله تقديره: أنت. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَقْدامَنا:﴾ مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة. (﴿اُنْصُرْنا﴾): فعل دعاء. وفاعله مستتر فيه، و (نا) مفعول به، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة ﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله... إلخ.
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١)﴾
الشرح: ﴿فَهَزَمُوهُمْ:﴾ غلب جيش طالوت جيش العمالقة، وانتصروا عليهم بأمر الله تعالى وإرادته، ومعونته. ﴿داوُدُ﴾ ابن إيشا، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبينا وعليهم ألف صلاة وألف سلام. وهو من أهل بيت المقدس، وكان إيشا أبو داود في عسكر طالوت مع ستّة من بنيه، وكان داود سابعهم، وهو صغير يرعى الغنم، فأوحى الله إلى شمويل أنّ داود بن إيشا هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار، دعاه كلّ واحد منها أن يحمله، وقالت له: إنّك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته، ورمى بها جالوت، فقتله، وزوّجه طالوت ابنته، وروي: أنّه حسده، وأراد قتله، ثمّ تاب.
﴿جالُوتَ:﴾ هو جبار العمالقة، من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ثلاثمائة رطل.
﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: جمع الله لداود الملك بعد طالوت والنبوة بعد شمويل، ولم يجتمعا لغير داود، وابنه سليمان، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام.
﴿وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ:﴾ من صنعة الدّروع، وكلام الطّير، والدّواب وغير ذلك، وقد دام ملك طالوت أربعين سنة، وكانت مدّة ملك داود بعد طالوت سبع سنين، وقد ألان الله لداود الحديد حتّى صار في يده كالعجين، كما ذكر الله في سورة (سبأ) كما علّمه الله فهم منطق الطير، والبهائم على جميع أشكالها، وأصنافها، وسخّر له الجبال يسبّحن معه بالعشي والإشراق.
﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ..﴾. إلخ: في هذا الكلام تأويلات، وتفسيرات، خذها فيما يلي:
الأول: عام، وهو: أنّ الله يدفع الناس بتولية بعضهم البعض الآخر؛ أي: يجعل البعض حكاما، والبعض الآخر محكومين، فالحاكم ينصف المظلوم من الظّالم، ويكبح جماح الأشرار، والمعتدين، ويعطي لكلّ ذي حقّ حقّه، وهذا ما نراه في الحكومات القائمة في كلّ زمان، ومكان، ولا سيّما في الحكومات الديمقراطية الّتي لا تسلّط للفرد فيها على الجماعة؛ حتى ولو كانت كافرة، وهو كثير، ومشاهد في زمننا هذا.
стр. 591
الثاني: وهو معزيّ لابن عباس-﵄، وهو أنّ الله تعالى يدفع المشركين بجنود المسلمين. ولولا وجود مسلمين مجاهدين؛ لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخرّبوا المساجد والبلاد، وأهلكوا العباد، ونشروا في الأرض الفساد، وهذا أيضا كثير ومشاهد في زمننا هذا وفي الأزمان الغابرة، وهو كقوله تعالى في سورة (الحج): ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً﴾.
الثالث: وهو خاصّ، وهو معنويّ غير مشاهد، ولا محسوس، وهو: أنّ الله يدفع بالمؤمنين، والأبرار البلاء عن الفسّاق، والفجّار. ومعنى ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ:﴾ لهلك من فيها بنزول البلاء عاجلا. روى الإمام أحمد بن حنبل-رحمه الله تعالى-عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله ليدفع بالمسلم الصّالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء»، ثمّ قرأ الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، وروي عن النبي ﷺ قال: «إنّ لله ملائكة تنادي كلّ يوم: لولا عباد ركّع، وأطفال رضّع، وبهائم رتّع؛ لصبّ عليكم العذاب صبّا» أخذ بعضهم المعنى، فقال: [الرجز]
لولا عباد للإله ركّع... وصبية من اليتامى رضّع
ومهملات في الفلاة رتّع... صبّ عليكم العذاب الأوجع
هذا، وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم؟ فقيل: هم الأبدال، وهم أربعون رجلا كلّما مات واحد بدّل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق، وروي عن عليّ-﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الأبدال يكونون بالشّام، وهم أربعون رجلا، كلّما مات منهم رجل، أبدل الله مكانه رجلا، يسقى بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء، ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء». ذكره التّرمذي الحكيم في نوادر الأصول.
وخرج أيضا عن أبي الدرداء-﵁، قال: إنّ الأنبياء كانوا أوتادا للأرض، فلمّا انقطعت النّبوّة؛ أبدل الله مكانهم قوما من أمّة محمد ﷺ ، يقال لهم: الأبدال، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم، ولا صلاة، ولكن بحسن الخلق، وصدق الورع، وحسن النّيّة، وسلامة القلوب لجميع المسلمين، والنّصيحة لهم، ابتغاء مرضاة الله، بصبر، وحلم، ولبّ، وتواضع في غير مذلّة، فهم خلفاء الأنبياء، قوم اصطفاهم الله لنفسه، واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صدّيقا، منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم، خليل الرّحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض، والبلايا عن النّاس، وبهم يمطرون. وبهم يرزقون، ولا يموت الرجل منهم حتّى يكون قد أنشأ من يخلفه. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 592
الإعراب: ﴿فَهَزَمُوهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هزموهم): فعل ماض، وفاعله، ومفعوله.
﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (إذن) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الواقعة جوابا ل: (لمّا) في الآية قبل السابقة، لا محل لها مثلها. ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ:﴾
ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا، ﴿وَآتاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول، ﴿اللهِ:﴾ فاعله، ﴿الْمُلْكَ:﴾ مفعول به ثان، ﴿وَالْحِكْمَةَ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿وَعَلَّمَهُ:﴾ فعل ماض ومفعوله، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهِ﴾ أيضا، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو: من شيء يشاؤه.
﴿وَلَوْلا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْلا﴾): حرف امتناع لوجود. ﴿دَفْعُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به للمصدر، ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ بدل من الناس بدل بعض من كل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِبَعْضٍ:﴾
متعلقان بالمصدر ﴿دَفْعُ﴾ على أنهما مفعوله الثاني، أفاده أبو البقاء، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَفَسَدَتِ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْلا﴾)، (فسدت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْلا﴾) لا محلّ لها، و (لولا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿ذُو:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه.
﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿فَضْلٍ،﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على (﴿لَوْلا﴾) ومدخولها، لا محلّ لها مثله.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾
الشرح: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدّم ذكره من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ إلى هنا، والمعنى: إنّ ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة، والقصص العجيبة، الّتي وقعت في بني إسرائيل، هي من آيات الله، وأخباره المغيبة، التي أوحاها إليك
стр. 593
بالحق بواسطة جبريل الأمين. ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ في هذه الجملة ثلاثة مؤكّدات: واو الحال، وإنّ، ولام الابتداء، تؤكّد للرّسول ﷺ : أنّه من جملة المرسلين، والدّليل هو إخباره الناس بهذه القصص القديمة من غير أن يعرفها بقراءة كتب، ولا استماع أخبار من إذاعات، وغيرها، ومن غير أن يدرس في الجامعات، ويحمل الإجازات والدكتوراة.
الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿آياتُ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾
مضاف إليه، ﴿نَتْلُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره: نحن، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿آياتُ اللهِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيها من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿آياتُ﴾ بدلا من اسم الإشارة، واعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والأول أقوى؛ لأنّ إبدال الاسم من اسم الإشارة يجب أن يكون مقرونا بال كما هو معروف، ويؤيد الوجه الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً،﴾ ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، وهذا يعني: أنها حال متداخلة. ﴿وَإِنَّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿إِنَّكَ﴾): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ:﴾ اللام: لام الابتداء زحلقت إلى الخبر كراهة توالي مؤكّدين. هذا؛ وإنّ (من ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾) متعلقان بمحذوف خبر إن وعلامة الجر الياء... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الكاف في ﴿عَلَيْكَ﴾ والرابط الواو والضمير، وهذا يعني: أنّها حال متكررة.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اِخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اِقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)﴾
الشرح: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ:﴾ لم يقل: «ذلك» مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة. ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي: خصصنا بمنقبة ليست لغيره. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ﴾ أي: كلمه الله بغير واسطة كموسى؛ حيث كلّمه ربه على جبل الطور، وكمحمد ﷺ حين كلّمه ربّه في ليلة الإسراء، والمعراج، وهذا تفصيل للتفضيل، ويسمى في البلاغة التقسيم. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ:﴾ المراد به سيّد الخلق، وحبيب الحق، نبينا المعظم ﷺ ؛ حيث رفعه درجات على غيره، بعموم الدّعوة، وختم النبوة، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات الكثيرة، التي من أهمّها القرآن الكريم
стр. 594
المعجزة الخالدة، ولم يصرّح باسمه الكريم لتفخيم شأنه، كأنه العلم المتعيّن لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، ولا تنس ما في الآية من الالتفات الذي أذكره، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نبيّ من الأنبياء إلاّ وقد أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» متّفق عليه.
وعن جابر بن عبد الله-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة، فليصلّ، وأحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة». متّفق عليه.
﴿وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ:﴾ الحجج الدّامغات، والمعجزات الباهرات، وهي: إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الميّت، وغير ذلك ممّا ذكر في آل عمران، وسورة المائدة.
﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ:﴾ قوّيناه بجبريل ﵇، رواه أبو مالك، وأبو صلاح عن ابن عباس-﵄، ومعمر بن قتادة، وقال حسّان-﵁: [الوافر]
وجبريل رسول الله فينا... وروح القدس ليس به خفاء
قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: إنّما سمّي جبريل: روح القدس؛ لأنّ القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف، وقال الرّازي-رحمه الله تعالى-: وما يدلّ على أنّ روح القدس جبريل، قوله تعالى في سورة (النّحل): ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وقال النّحاس-رحمه الله تعالى-: سمّي جبريل روحا، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمّي عيسى روحا لهذا. هذا؛ والقدس:
الطّهر، وعيسى مأخوذ من العيس، وهو بياض يخالطه شقرة، قاله أبو البقاء، أما مريم فهي بالعبرية بمعنى الخادم، ثمّ سمّي به كثير من النّساء، ومريم في لسان العرب هي الّتي تكره مخالطة الرّجال، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم ابنة عمران، وقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم هي التي تحبّ مخالطة الرجال، ولا تفجر، وهذا يناقض ما قبله، قال الشاعر: [الطويل]
وزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير
فقلت لها أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت: نعم من أنت؟ قلت لها: زير
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ المراد به ما وقع ويقع بين أتباع الرّسل من الاختلافات، والمنازعات التي تؤدّي في كثير من الأحيان إلى الحروب الطّاحنة، وبيّن ربنا جلّت
стр. 595
قدرته، وتعالت حكمته: أن ما يقع إنّما هو بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ ﴿لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ:﴾ بالله، ورسله، وكتبه، وملائكته، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ أي: بعد نبيه حيث ترك تعاليمه، وخالف أمره، كما فعل اليهود، والنصارى بعد موسى، وعيسى، وغيرهما، وكما فعل كثير من المسلمين، ويفعلون.
وفي قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ تفصيل للاختلاف، مثل سابقه، وبين ﴿آمَنَ﴾ و ﴿كَفَرَ﴾ طباق. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا:﴾ كرره للتأكيد، أي: لو شاء الله ألا يقتتلوا؛ لم يقتتلوا؛ إذ لا يجري في ملكه إلا ما يوافق مشيئته، وهذا يبطل قول المعتزلة، فإنّهم يقولون: شاء أن لا يقتتلوا، فاقتتلوا، وقد صفع ابن المنير الزّمخشريّ صفعة لطيفة على حيله، وتحيله. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ:﴾
أثبت الله لنفسه الإرادة، كما هو مذهب أهل السنة، يعني: أنّ الله تعالى يوفق من يشاء لطاعته والإيمان به فضلا منه، ورحمة، ويخذل من يشاء عدلا منه، لا اعتراض عليه في ملكه، وفعله.
سأل رجل عليّا-﵁-عن القدر، فقال: طريق مظلم، فلا تسلكه، فأعاد السؤال، فقال: بحر عميق، فلا تلجه، فأعاد السؤال، فقال: سرّ الله قد خفي عليك، فلا تفتشه.
تنبيه: أثبتت الآية الكريمة التفاضل بين الرّسل، كما أثبته الله في سورة (الإسراء) بقوله:
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ وهذا مشكل، والأحاديث الثابتة بأنّ النبيّ ﷺ قال: «لا تخيّروا بين الأنبياء» و «لا تفضّلوا بين أنبياء الله». رواه الشّيخان عن أبي هريرة-﵁-بلفظ: استبّ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال اليهوديّ: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فلطم المسلم بيده وجه اليهودي... إلخ، وفي ذلك أجوبة:
الأول: أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتّفضيل.
القول الثاني: أن الرسول ﷺ بين أنه سيد ولد آدم، وأنّ القرآن ناسخ للمنع من التفضيل.
القول الثالث: أنّ الرسول ﷺ أراد بقوله: «لا تخيّروني على موسى» وقوله: «لا يقل أحد:
أنا خير من يونس بن متّى» التواضع.
القول الرابع: أنّ النبي ﷺ نهى عن الخوض في ذلك؛ لأنّه يؤدّي إلى الجدال، وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقلّ احترامهم لبعض الأنبياء عند المماراة.
القول الخامس: أن التفضيل تابع للتفاوت في الفضائل النّفسانية التي وهبها الله لكلّ واحد، ولهذا اشتهر منهم أولو العزم، الّذين تحمّلوا المتاعب، والمصاعب فما وهنوا، وما استكانوا لما أصابهم في سبيل الله، وعلى ما تقدّم فلا تفاضل من جهة النّبوة، التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها.
وهكذا القول في الصّحابة إن شاء الله الذين اشتركوا في الصّحبة، ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب، والوسائل، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكلّ شملتهم الصّحبة،
стр. 596
والعدالة، والثّناء عليهم، ما عدا الّذين برز نفاقهم، فهم مغضوب عليهم، محرومون من رحمة الله، ورضوانه، ويكونون في أعمق واد من أودية جهنّم.
تنبيه: في الآية الكريمة التفاتات كثيرة: منها: التفات من التكلّم بقوله: ﴿فَضَّلْنا﴾ إلى الغيبة بقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ،﴾ ثم منه إلى التكلّم بقوله: ﴿وَآتَيْنا،﴾ ﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ ثمّ منه إلى الغيبة بقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ..﴾. إلخ، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النّفوس من حبّ التنقّلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فوائده العامّة، ويختصّ كلّ موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حيث السّامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.
الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الرُّسُلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.
﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وجوّز السفاقسي، وأبو البقاء اعتبار ﴿الرُّسُلُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرُّسُلُ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، وهذا غير متعارف عليه في مثل هذا التّركيب.
﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كَلَّمَ اللهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: منهم الذي، أو:
شخص كلّمه الله، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه والمشهور في مثل هذه الجملة، ولا أعتمده، والأصحّ: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مَنْ:﴾ هي الخبر؛ لأنّ (﴿مَنْ﴾) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: وبعضهم من كلمه الله، وجمع الضمير يؤيّده، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ،﴾ ف (أكثرهم) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) [٦٦]: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ؛﴾ ف (كثير) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ﴾ وخذ قول الحماسي: [الكامل]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب
هذا؛ وليوث: جمع: ليث، وهو السّبع، لا ترام: لا تقصد، قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كلّ شيء، والجملة الاسمية: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ:﴾ هذه تحتمل أن تكون مستأنفة لا محلّ لها، وأن تكون بدلا من جملة ﴿فَضَّلْنا..﴾.
стр. 597
إلخ، قال بعض المتأخرين: هذا مردود؛ لأنّ الاسمية لا تبدل من الفعلية، قال ابن هشام: ولم يقم دليل على امتناع ذلك. (﴿رَفَعَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول به ثان، وكان في الأصل مجرورا بحرف جر، فلمّا حذف الجار وصل إليه الفعل بنفسه، ويسمّى مثل ذلك منصوبا بنزع الخافض، وقيل: هو حال، ولا وجه له، وقيل:
هو مفعول مطلق وهو غريب، وجملة: (﴿رَفَعَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها. (﴿آتَيْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿عِيسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿اِبْنَ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه. و ﴿اِبْنَ﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:
﴿وَآتَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. (أيدناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿بِرُوحِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (روح) مضاف، و ﴿الْقُدُسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَأَيَّدْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾
فعل ماض وفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ألا يقتتلوا، ونحوه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِقْتَتَلَ الَّذِينَ:﴾ فعل ماض وفاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ يجوز أن يكونا متعلقين بالفعل قبلهما، ويجوز اعتبارهما بدلا ممّا قبلهما بإعادة حرف الجر. ﴿مَا:﴾
مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ فاعله، و ﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. والتقدير: من بعد مجيئهم البينات. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنِ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له.
﴿اِخْتَلَفُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها مثله.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منهم ﴿مَنْ آمَنَ﴾) إعراب هذه الجملة مثل إعراب الجملة السابقة، والتي بعدها مثلها أيضا، والجملتان الاسميتان مستأنفتان لا محل لهما ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا:﴾ مثل إعراب سابقتها بلا فارق بينهما. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنِ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مَا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿مَا﴾) أو صفتها، والعائد
стр. 598
أو الرابط محذوف، التقدير: يفعل الذي، أو: شيئا يريده، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (﴿لكِنِ﴾)، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها مثله.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عما نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو نهي.
﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ:﴾ الإنفاق: بذل المال، وهو يشمل الواجب، مثل الزكاة، والكفارات على جميع أنواعها، واختلاف مراتبها، والمندوب؛ أي: صدقات التطوّع، قال ابن جريج، وسعيد بن جبير-رحمهما الله تعالى-: هذه الآية تجمع الزّكاة المفروضة، والتطوّع. هذا؛ والفعل الماضي: أنفق، وهو رباعي الحروف، مضارعه: يؤنفق، ويكون ثلاثيّا: نفق، قاله الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ:﴾ صريح بأنّ المال الذي بيد العبد إنّما هو من فضله تعالى، وكرمه، وجوده، والعبد موكل على المال وكالة، كما قال تعالى في سورة (الحديد): ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: ولا شراء، والمعنى لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال، ولو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا، لا يقبل. ﴿وَلا خُلَّةٌ:﴾
ولا صداقة، ولا مودة، وهي بضم الخاء، وهي أيضا ما خلا من النبات، يقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها، والخلة بالفتح: الفقر، والحاجة، وهي أيضا الخمرة الحامضة، وهي بكسر الخاء نبات معروف، تنظف به الأسنان من آثار الطّعام، وهي أيضا ما يبقى بين الأسنان.
هذا؛ والخلّة بالضم: الخليل، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنّه في الأصل مصدر قولك:
خليل بيّن الخلّة. هذا، والخليل هو الصّديق الّذي صفت مودّته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضّبيّ: [الوافر]
أخوك أخوك من تدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا
стр. 599
وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الذي فسد أهله، وصاروا خلّا ودودا، كما قال القائل: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا: النّاس من خلّ ودود
فقلت: أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال: [الكامل]
قد قيل: إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
وممّا هو جدير بالذكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [٢٢] وفي سورة (ق) أيضا.
وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «الرّجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ولقد أحسن من قال: [السريع]
من لم تكن في الله خلّته... فخليله منه على خطر
﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ أي: ولا يقبل منها شفاعة، كما في الآية رقم [٤٨]. والشّفاعة: التوسّل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى الشّفيع، والشفاعة في الدّنيا تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حقّ مسلم، أو دفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من الحدود، ولا في حق من حقوق العباد، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدّعوة للمسلم؛ لأنّها بمعنى الشّفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب الذي ذكر الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء)، وروى مسلم عن أمّ الدّرداء-﵄، قالت: حدّثني سيّدي: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب. قالت الملائكة: ولك بمثله».
ولا ريب: أنّ المراد بالشفاعة في هذه الآية الشّفاعة يوم القيامة، والشّفاعة العظمى مختصة بنبينا ﷺ ثمّ يتلوها شفاعات أخر، كما هو معلوم من الدين، وأحكامه، وهو مذهب أهل الحقّ، والسّنّة، والجماعة.
стр. 600
وأنكر المعتزلة الشّفاعة، وخلّدوا أهل الكبائر من المسلمين الّذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأنّ من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيين هم الّذين تنالهم شفاعة الشّافعين من الملائكة، والنبيين، والشهداء، والصالحين، قال ابن المنير المعلّق على الكشّاف: أما من جحد الشفاعة؛ فهو جدير ألا ينالها، وأمّا من آمن بها، وصدّقها، وهم أهل السّنّة، والجماعة؛ فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم: أنها تنال العصاة من المذنبين، وإنّما ادّخرت لهم في الآخرة.
أقول: والأحاديث في الشّفاعة كثيرة مشهورة، وفي كتب الأحاديث مسطورة، والدّليل القرآنيّ يوحي بأنّ أقواما تنالهم الشّفاعة، كما أنّه يصرّح بأن أقواما لا تنالهم بكفرهم، وعظيم جرائمهم، وهو كثير.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار، مثل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ،﴾ وفي الآية رقم [٤٨]: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ،﴾ قلنا: ليست هذه الآية عامة في كلّ ظالم، والعموم لا صيغة له، فلا تعمّ هذه الآيات كلّ من يعمل سوءا، وكلّ نفس، وإنّما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك، وانظر قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد ب (نفس) في الآية رقم [٤٨] النّفس الكافرة، لا كلّ نفس. انتهى بتصرف.
بعد هذا؛ المعنى للآية الكريمة: أنفقوا من المال الّذي رزقناكموه من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرّطتم، والخلاص من عذابه؛ إذ لا بيع فيه؛ فتحصّلون ما تنفقون، أو تفتدون به من العذاب، ولا خلّة؛ حتّى يعينكم عليه أخلاّؤكم، أو يسامحوكم به، ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرّحمن ورضي له قولا؛ حتّى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطّ ما في ذممكم، والمراد ب: ﴿وَالْكافِرُونَ:﴾ المانعون للزّكاة، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩٧]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مكان من لم يحج؛ وإيذانا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار بقوله تعالى:
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ رقم [٦ - ٧] سورة (فصلت). انتهى. بيضاوي بتصرف كبير، فلم يبق لما قاله عطاء بن دينار، والحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ،﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، فلم يبق لقوله معنى، ولا فائدة.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾) منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾) وها: حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب
следующие страницы →