Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
مكي اعتبارها جواب (إذا)، والواو زائدة فيها، فيتلخص: أن في جواب (إذا) ثلاثة أوجه.
﴿سَلامٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿طِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿فَادْخُلُوها:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا لكم فادخلوها. (ادخلوها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، والشرط المقدر ومدخوله في محل نصب مقول القول.
﴿خالِدِينَ:﴾ حال منصوب... إلخ.
﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)﴾
الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: المتقون الذين أنعم الله عليهم بدخول الجنة، وفازوا برضا ربهم.
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا في الدنيا: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ،﴾ وانظر ما يقوله الذين اصطفاهم الله من عباده في الآية رقم [٣٤] و [٣٥] من سورة (فاطر). ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ:﴾
أرض الجنة قد أورثوها؛ أي: ملكوها وجعلوا ملوكها، وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون.
تشبيها بحال الوارث، وتصرفه فيما يرث. انتهى. نسفي.
وقال القرطبي: قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أبو العالية، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، وأكثر المفسرين. انتهى. وانظر خسران الكافرين في الآية رقم [١٥]. ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ:﴾ ننزل في الجنة حيث نشاء، ونريد. يقال:
بوأت زيدا مكانا، وبوأت لزيد مكانا، فالأول بمعنى: أنزلت زيدا مكانا كما في هذه الآية، والثاني كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ رقم [٨٧] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ والمبؤّأ المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلا أي: ألزمه إياه وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاري عن أبي هريرة-﵁.
قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت فما معنى قوله: ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت: يكون لكل واحد منهم جنة، لا توصف سعة، وحسنا، وزيادة على الحاجة، فيتبوأ من جنته حيث يشاء، ولا يحتاج إلى غيره. وقيل: إن أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة قبل الأمم، فينزلون فيها حيث شاؤوا، ثم تنزل الأمم بعدهم فيما فضل منها. ولا تنس ما ذكرته من التعبير عن المستقبل بالماضي. ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي: بطاعة الله، وأوامره، واجتناب
стр. 5462
نواهيه، وزواجره. هذا؛ و (نعم) فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وضدها: «بئس» لإنشاء الذم، قال في المختار: نعم منقول من: نعم فلان (بفتح النون، وكسر العين): إذا أصاب النعمة، وبئس منقول من: بئس فلان (بفتح الباء، وكسر الهمزة): إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرفا، وفيهما أربع لغات: نعم، وبئس (بكسر فسكون) وهي أفصحهن، وهي لغة القرآن. ثم نعم، وبئس (بكسر أولهما، وثانيهما) غير أن الغالب في نعم أن يجيء بعدها «ما» كقوله تعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وبئس جاءت بعدها «ما» على اللغة الفصحى، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. واللغة الثالثة: نعم، وبئس (بفتح فسكون) والرابعة:
نعم، وبئس (بفتح فكسر) وهي الأصل فيهما.
ولا بد لهما من شيئين: فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، ويشترط في الفاعل أن يكون مقرونا بأل، كما في قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ،﴾ أو مضافا لمقترن بها، كما في قوله تعالى:
﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وكما في الآية التي الكلام فيها، والقول بفعليتهما إنما هو قول البصريين، والكسائي بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول الرسول ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وقال الكوفيون إلا الكسائي: هما اسمان بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي؛ وقد أخبر بأن امرأته ولدت بنتا له: (والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة) وقول غيره: (نعم السّير على بئس العير) وأوله البصريون على حذف كلام مقدر؛ إذ التقدير: (والله ما هي بولد مقول فيه: نعم الولد) و (نعم السير على عير مقول فيه: بئس العير) والمعتمد في ذلك قول البصريين، ويلزم على قول الكوفيين جر الولد، والعير بسبب الإضافة، والرواية فيهما بالرفع لا غير.
الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة لفظ الجلالة.
﴿صَدَقَنا:﴾ فعل ماض، و (نا): مفعوله الأول، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد.
﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿نَتَبَوَّأُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: (نا)، والرابط: الضمير فقط. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿حَيْثُ:﴾ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب على الظرفية متعلق بالفعل قبله، وأجيز اعتباره مفعولا به، وجملة: ﴿نَشاءُ﴾ مع المفعول المحذوف في محل جر بإضافة (حيث) إليها، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَنِعْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (نعم): فعل ماض جامد لإنشاء المدح.
стр. 5463
﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: هو الجنة، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها؛ إذ هي من كلام الله تعالى.
﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)﴾
الشرح: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ..﴾. إلخ: قال الجمل: لما ذكر ما أعطيه المؤمنون من الدرجات؛ أتبعه بذكر أهل الكرامات، الذين لا شاغل لهم عن العبادات، وبيان مستقرهم في الجنة، وهم الملائكة، فقال صارفا الخطاب لأشرف الخلق؛ لأنه لا يقول بحق هذه الرؤية غيره؛ أي: وترى يا محمد في ذلك اليوم الملائكة؛ أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق. انتهى. ﴿حَافِّينَ﴾ أي: محدقين محيطين بالعرش، مصطفين بحافته، وجوانبه. قال رسول الله ﷺ : «حفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النّار بالشهوات». وقال الفراء وتبعه الزمخشري:
لا واحد ل: ﴿حَافِّينَ﴾ من لفظه، وكأنهما رأيا: أن الواحد لا يكون حافا؛ إذ الحفوف هو الإحداق بالشيء، والإحاطة به. وهذا لا يتحقق إلا في جمع. ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ:﴾ انظر شرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [٤] من سورة (السجدة). أما ﴿حَوْلِ﴾ فهو ظرف مكان لا يتصرف، فهو ملازم للظرفية أبدا، يقال: قعد حوله، وحواله، وحوليه. وحواليه ولا تقل: حواليه (بكسر اللام) وقعد بحياله وحياله؛ أي: بإزائه، وإزاءه.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يقولون: سبحان الله وبحمده. تلذذا بذلك، لا تعبدا، وتكليفا؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم. وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى، وتسبيحه، وتقديسه. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بين الخلائق بإدخال بعضهم الجنة، وإدخال بعضهم النار بالحق، والعدل، ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: على ما قضى بيننا بالحق، والقائلون هم المؤمنون المقضي لهم، أو الملائكة، وطيّ ذكرهم؛ لتعينهم، وتعظيمهم.
هذا؛ والحمد في الآية الأولى على الصدق بالوعد، وإيراث الجنة، وهذا على القضاء بالحق، قال الطيبي: الحمد الأول للتفرقة بين الفريقين بحسب الوعد، والوعيد من السخط والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فتكون الآية الثانية كالتتميم بالنسبة للأولى في إتمام القضاء، وعلى الثاني كالتكميل؛ لأن ذلك القضاء في حق بني آدم، وهذا في حق الملائكة. ويؤيد التأويل الثاني تكرير الحمد في الآيتين، والأول هو الظاهر. والله أعلم بمراده، فلا يرد: ما وجه تكرار حمد المؤمنين؟. انتهى. جمل نقلا من كرخي.
стр. 5464
الإعراب: ﴿وَتَرَى:﴾ الواو: حرف استئناف. (ترى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به. ﴿حَافِّينَ:﴾ حال من ﴿الْمَلائِكَةَ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ حَوْلِ:﴾
متعلقان به، و ﴿حَوْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾
فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من: ﴿الْمَلائِكَةَ﴾. ﴿بِحَمْدِ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: ملتبسين ﴿بِحَمْدِ﴾. قال الثعلبي:
والعرب تدخل الباء أحيانا في التسبيح، وتحذفها أحيانا، قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَقُضِيَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(قضي): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله على أنه نائب فاعله، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٩]، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في محل نصب حال. ﴿وَقِيلَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قيل): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْحَمْدُ:﴾
مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع نائب فاعل (قيل)، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٢]. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم... إلخ، وهذه الإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة:
﴿وَقِيلَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الزمر) بحمد الله وتوفيقه، تفسيرا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 5465
سورة غافر
سورة (غافر): وتسمى سورة (المؤمن) وسورة (الطّول) وهي مكية، وكذا بقية الحواميم مكيات غير آيتين، وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٥٦] و [٥٧]، وعن الحسن إلا قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ رقم [٥٥] وهي خمس وثمانون آية، وألف ومئة، وتسع وتسعون كلمة، وأربعة آلاف وتسعمئة وستون حرفا. انتهى. خازن. وقال القرطبي: وفي مسند الدارمي عن سعد بن إبراهيم، قال: كانت الحواميم تسمى: العرائس. وروي من حديث أنس ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الحواميم ديباج القرآن». وعن ابن مسعود-﵁:
(آل حم ديباج القرآن). وقال الجوهري، وأبو عبيدة: وآل حاميم سور في القرآن. وقال الفراء:
إنما هو كقولك: آل فلان، وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم، قال الكميت: [الطويل]
وجدنا لكم في آل حاميم آية... تأوّلها منّا تقيّ ومعزب
قال أبو عبيدة: هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة: الحواميم فليس من كلام العرب، وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير قياس، وأنشد: [الرجز]
وبالطّواسين الّتي قد ثلّثت... وبالحواميم الّتي قد سبّعت
قال: والأولى أن تجمع ب: ذوات حم، وروي: أن النبي ﷺ قال: «لكلّ شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هنّ روضات حسان، مخضبات متجاورات، فمن أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم». وقال النبي ﷺ : «مثل الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب». ذكرهما الثعلبي، والقرطبي.
وقال ﷺ : «الحواميم سبع، وأبواب النار سبع-انظر الآية رقم [٧٢] من سورة (الزمر) - تجيء كلّ حم منهنّ يوم القيامة على باب من هذه الأبواب، فتقول: لا يدخل النار من كان يؤمن بي، ويقرأني». وقال أبو عبيدة: وحدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزيّنات في النوم، فقال: لمن أنتنّ بارك الله فيكنّ؟! فقلن:
نحن لمن قرأنا نحن الحواميم. فتلخص من مجموع هذه الأخبار: أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى آل حاميم، وتسمى ذوات حاميم، فلها جموع ثلاثة خلافا لمن أنكر الأول منها. تأمل. انتهى. جمل وقرطبي بتصرف.
وهذا؛ وسميت سورة (غافر) لأن الله تعالى ذكر هذا الوصف الجليل، الذي هو من صفات الله الحسنى في مطلع السورة الكريمة؛ حيث قال: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ..﴾. إلخ، وكرر ذكر
стр. 5466
المغفرة في دعوة الرجل المؤمن. قال: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ﴾. وسميت سورة (المؤمن) لذكر قصة مؤمن آل فرعون، كما ستقف عليها-إن شاء الله-مشروحة مبسوطة.
وسميت سورة الطّول؛ لأنها أطول السور المسماة بالحواميم، بل هي أطول السور التي بعدها إلى آخر سور القرآن، ولا يقاربها سورة قط في الطول. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه، أو سميت ب: (الطّول)، وهو الغنى لذكره في الآية رقم [٣].
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١)﴾
الشرح: اختلف في معناه، فقال عكرمة: قال النبي ﷺ : «﴿حم﴾ اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفاتيح خزائن ربك». وقال ابن عباس-﵄ ﴿حم:﴾ اسم الله الأعظم. وعنه:
﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ حروف الرحمن مقطعة. وعنه أيضا: اسم من أسماء الله تعالى أقسم به.
وقال عطاء الخراساني: الحاء: افتتاح اسمه: حميد، وحنان، وحليم، وحكيم، والميم افتتاح اسمه: ملك، ومجيد، ومنان، ومتكبر، ومصوّر. يدل عليه ما روى أنس-﵁: أن أعرابيا سأل النبي ﷺ : ما ﴿حم﴾ فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي ﷺ : «بدء أسماء وفواتح سور». وقال الضحاك، والكسائي: معناه قضي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجّي ﴿حم؛﴾ لأنها تصير:
حمّ (بضم الحاء وتشديد الميم) أي: قضي، ووقع، قال كعب بن مالك-﵁: [الطويل]
فلمّا تلاقينا، ودارت بنا الرّحى... وليس لأمر حمّه الله مدفع
وعنه أيضا: إن المعنى حمّ أمر الله؛ أي: قرب، كما قال الشاعر: [مخلع البسيط]
قد حمّ يومي فسرّ قوم... قوم بهم غفلة ونوم
والمعنى: قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه كيوم بدر، وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف؛ أعربت، فتقول: قرأت ﴿حم،﴾ فتنصب. قال شريح بن أوفى العبسي، قاتل محمد بن طلحة يوم الجمل: [الطويل]
يذكّرني حاميم والرمح شاجر... فهلاّ تلا حاميم قبل التّقدّم
الإعراب: ﴿حم:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذه حم، أو هو مبتدأ خبره ما بعده، أو هو في محل نصب من وجهين: الأول أنه في محل نصب لفعل محذوف، تقديره: أقرأ، أو: اتل ﴿حم﴾ والثاني: أنه منصوب على تقدير حذف حرف القسم، كما تقول: الله لأفعلنّ! والناصب
стр. 5467
فعل محذوف، التقدير: التزمت الله؛ أي: اليمين به. أو هو في محل جر على القسم، وحرف الجر محذوف، وبقي عمله بعد الحذف؛ لأنه مراد، فهو كالملفوظ به، وتقدير الكلام على هذا:
أقسم، وأحلف ب: ﴿حم﴾ وضعف هذا سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-، فقال: وهذا ضعيف؛ لأن ذلك؛ أي: حذف الجار، وإبقاء عمله، من خصائص الجلالة المعظمة، لا يشركها فيه غيرها، ولا محل لها من الإعراب على اعتبارها وأمثالها حروفا مقطعة، أو مختصرة من أسماء.
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾
الشرح: انظر الآية رقم [١] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿تَنْزِيلُ:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه خبر عن ﴿حم؛﴾ لأن ﴿حم﴾ يراد به السورة وبعض القرآن، وتنزيل بمعنى: منزل. والثاني: أن يكون ﴿تَنْزِيلُ﴾ مبتدأ، والخبر متعلق الجار والمجرور: ﴿مِنَ اللهِ﴾. والثالث: أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا تنزيل، أو المتلوّ تنزيل، أو: هذه الحروف تنزيل، ودلت ﴿حم﴾ على ذكر الحروف، و ﴿تَنْزِيلُ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلُ،﴾ أو بمحذوف خبره. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل ثان، وبعضهم يعتبرهما صفتين للفظ الجلالة، ولا أسلمه؛ لأنهما اسمان، وليسا بصفتين.
﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾
الشرح: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ﴾ أي: للمؤمنين، و ﴿الذَّنْبِ﴾ يطلق على مخالفة الله فيما أمر، أو فيما نهى عنه، وهو على درجات، منها الصغائر، ومنها الكبائر، وتفصيلها معروف في محالها، وجمعه: ذنوب بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى: النصيب. قال تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٥٩]: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. و (الذنوب) بفتح الذال أيضا:
الدلو العظيمة قال الراجز: [الرجز]
إنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبى كان له القليب
﴿وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ أيضا للمؤمنين؛ إن تابوا عن ذنوبهم، وإدخال الواو في هذا الوصف لإفادة الجمع للمذنب التائب بين قبول توبته، ومحو ذنبه. انتهى. عمادي. وعبارة البيضاوي: وتوسيط الواو بين الأولين؛ لإفادة الجمع بين محو الذنوب، وقبول التوبة، أو لتغاير الوصفين؛ إذ ربما يتوهم الاتحاد. انتهى. جمل. ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ أي: لمن تمرد، وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى، وبغى. وهذه كقوله تعالى في سورة (الحجر) رقم [٤٩ و ٥٠]:
стр. 5468
﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ يقرن الله هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء، والخوف.
﴿ذِي الطَّوْلِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يعنى: السعة، والغنى. وهو قول مجاهد، وقتادة. وقال زيد الأصم: يعني: الخير الكثير. وقال عكرمة: ذي المن. وقال محمد بن كعب: ذي التفضل. قال الماوردي: والفرق بين المن، والتفضل: أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق، والطّول مأخوذ من الطّول كأنه طال بإنعامه على غيره.
﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا رب غيره، ولا معبود سواه. ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، والماب، فيجازي كل عامل بعمله.
تنبيه: عن يزيد الأصم-رحمه الله تعالى-قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب-﵁-ففقده عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين! تتابع في هذا الشراب! قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، ويتوب الله عليه. فلما بلغ الرجل كتاب عمر-﵁-جعل يقرؤه، ويردده، ويقول:
غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع. فلما بلغ عمر خبره؛ قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة، فسددّوه، ووثقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه. أخرجه ابن أبي حاتم، والحافظ أبو نعيم. انتهى. مختصر ابن كثير، وغيره.
الإعراب: ﴿غافِرِ..﴾. إلخ: في هذه الصفات ثلاثة أوجه: أحدها: أنها كلها صفات الجلالة.
الثاني: أنها كلها أبدال؛ لأن إضافتها غير محضة. الثالث: أن ﴿غافِرِ﴾ و (قابل) نعتان، و ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ:﴾ بدل. انتهى. باختصار عن الجمل نقلا عن السمين. وللزمخشري كلام طويل في هذه الصفات. هذا؛ والإضافة ب: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وفي: ﴿شَدِيدِ الْعِقابِ﴾ من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها. ﴿ذِي:﴾ صفة، أو بدل مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿الطَّوْلِ﴾ مضاف إليه.
﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف، التقدير: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿هُوَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: اعتباره بدلا من اسم: ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع بالابتداء. والثاني:
اعتباره بدلا من: ﴿لا﴾ واسمها؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء. والثالث: اعتباره
стр. 5469
بدلا من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وهو الأولى، والأقوى، والجملة الاسمية يجوز أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا لازمة. وقال أبو البقاء: يجوز أن تكون صفة، ورد هذا لأن الجملة لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن تكون صفة ل: ﴿شَدِيدِ﴾. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بسابقتها، ويجوز فيها أن تكون حالا من الجملة قبلها، وهي حال مؤكدة، مثل: أنت ابني حقا.
﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)﴾
الشرح: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ: أي: ما يخاصم فيها بالتكذيب بها، والإنكار لها. وقد دل على ذلك قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٦]: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، واستنباط معانيها، ورد أهل الزيغ بها؛ فأعظم جهاد في سبيل الله. انتهى. نسفي. ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ أي:
بالتجارات النافقة، والمكاسب المربحة، سالمين غانمين، فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب. هذا؛ وفي سورة (آل عمران) رقم [١٩٦]: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾.
قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٦]: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾. وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن جدالا في القرآن كفر». أخرجه أبو داود. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: سمع رسول الله ﷺ قوما يتمارون، فقال: «إنّما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما الكتاب يصدّق بعضه بعضا، فلا تكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه؛ فقولوه، وما جهلتم منه؛ فكلوه إلى عالمه». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: هاجرت إلى رسول الله ﷺ يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: «إنما هلك من قبلكم باختلافهم في الكتاب». انتهى. خازن. وعن أبي هريرة ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل، ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً»﴾. رواه الترمذي، وابن ماجه. هذا؛ ويبقى ما نقلته عن النسفي صحيحا، ومعمولا به. والله ولي التوفيق.
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يُجادِلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿فِي آياتِ:﴾ متعلقان به، و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿ما يُجادِلُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي:
стр. 5470
من يجوز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها وأمثالها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فلا... إلخ. (لا): ناهية جازمة. ﴿يَغْرُرْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) وقد فك المضعف، ويجوز عدم فكه؛ وقد قرئ به، ولكن الفك أفصح، والكاف مفعول به. ﴿تَقَلُّبُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالمصدر، والجملة الفعلية لا محل لها على جميع الوجوه المعتبرة في الفاء.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل قريش. ﴿قَوْمُ نُوحٍ:﴾ مرت قصة نوح مع قومه مفصلة في كثير من السور. ﴿وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مثل: قوم هود، وقوم صالح، وقوم إبراهيم... إلخ، وانظر شرح ﴿الْأَحْزابُ﴾ في الآية رقم [١١] من سورة (ص). ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: ليقتلوه، ويهلكوه. وقيل: ليأسروه، والأخذ يرد بمعنى: الإهلاك، كقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٢٦]: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ والعرب تسمي الأسير: الأخيذ؛ لأنه مأسور للقتل، وأنشد قطرب قول الشاعر: [الوافر]
فإمّا تأخذوني تقتلوني... وكم من واحد يهوى خلودي
وفي وقت أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما: عند دعائه لهم. الثاني: عند نزول العذاب بهم. ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ليزيلوا. ومنه: مكان دحض؛ أي: مزلقة، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: فأهلكتهم إهلاكا مريعا. ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ أي: عقابي، وإهلاكي لهؤلاء المكذبين، أليس وجدوه حقا، وعاينوه في ذهابهم، وإيابهم إلى بلاد الشام؟!
الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿قَبْلَهُمْ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله.
وقيل: متعلق بمحذوف حال. ولا وجه له. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿قَوْمُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿قَوْمُ﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه، والمفعول محذوف، التقدير: كذبت قوم نوح نوحا. ﴿وَالْأَحْزابُ:﴾ معطوف على: ﴿قَوْمُ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (الأحزاب)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهَمَّتْ:﴾
فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿أُمَّةٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بِرَسُولِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
стр. 5471
﴿لِيَأْخُذُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (همت).
(جادلوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جملة (همت...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿لِيُدْحِضُوا:﴾ مثل: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ في إعرابه، وتأويله، والجار والمجرور متعلقان مع ما قبلهما بالفعل (جادلوا). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عِقابِ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء المحذوفة في محل جر بالإضافة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة ف: ﴿عِقابِ﴾ فاعلها، و (كيف) في محل نصب حال، تقدمت عليها، وعلى فاعلها، والجملة فعلية على الاعتبارين، وهي مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى من العطف على ما قبلها.
﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ (٦)﴾
الشرح: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ:﴾ وجبت، ولزمت؛ مأخوذ من الحق؛ لأنه اللازم. والمعنى:
كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك، وخالفوك يا محمد بطريق الأولى؛ لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك. والله أعلم. انتهى مختصر ابن كثير. ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ..﴾. إلخ: فقد قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ أي: من الكافرين المخالفين أوامر الله من كل أمة في كل عصر، وفي كل مكان. وما أحراك أن تنظر الآية رقم [١٧١] من سورة (الصافات) والتي بعدها، وما هنا بمنزلة المقابلة لما هناك.
الإعراب: ﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ محذوف، التقدير: والأمر كذلك، ثم أخبر بأنه حقت عليهم كلمة الله بالعذاب.
ويحتمل أن يكونا متعلقين بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير:
وجبت كلمة ربك على الذين كفروا من قومك وجوبا كائنا مثل وجوبها على من تقدمهم من الأمم. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿حَقَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿كَلِمَةُ:﴾ فاعل، و ﴿كَلِمَةُ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور
стр. 5472
متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها.
﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء ضمير متصل في محل نصب اسمها. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر (أنّ) وهو مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع بدلا من ﴿كَلِمَةُ﴾ بدل كل من كل، أو بدل الاشتمال على إرادة اللفظ، أو المعنى. انتهى.
بيضاوي. هذا؛ ويجوز اعتبار المصدر مجرورا في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأنهم أصحاب. كما يجوز اعتبار المصدر في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو أنهم أصحاب النار، وقال الفراء: يجوز: (إنّهم) بالكسر على الاسئناف، ولم أر قراءة بالكسر.
هذا؛ ومثل هذه الآية في إعرابها، الآية رقم [٣٣] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وما يشبهها في الآيتين رقم [١٧١ و ١٧٢] من سورة (الصافات).
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ أي: حاملين العرش، والحافين حوله، وهم الكروبيون سادة الملائكة، وأولهم وجودا. وحملهم إياه، وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم له، وتدبيرهم شؤونه. أو كناية عن قربهم من ذي العرش، ومكانتهم عنده، وتوسطهم في نفاذ أمره.
وروي: أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. آمنت وصدقت بكل ما يذكر بشأن الملائكة الكرام.
وفي الحديث: إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا، ويروحوا بالسلام على حملة العرش، تفضيلا لهم على سائر الملائكة. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف من الملائكة قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، يهللون ويكبرون، ومن ورائهم مئة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. انتهى. نسفي.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ:﴾ يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإكرام. وجعل التسبيح أصلا، والحمد حالا؛ لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح. ومعنى ﴿يُسَبِّحُونَ:﴾
ينزهون الله تعالى عما لا يليق بجلاله. والتحميد: هو الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق.
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يصدقون بأنه واحد، لا شريك له، ولا مثل له، ولا نظير له. انتهى.
خازن. وقال: فإن قلت: قدم قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ على قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ ولا يكون
стр. 5473
التسبيح إلا بعد الإيمان. فما فائدة قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ؟﴾ قلت: فائدته التنبيه على شرف الإيمان، وفضله، والترغيب فيه، ولما كان الله محتجبا عنهم بحجب جلاله، وجماله، وكماله؛ وصفهم بالإيمان به.
قال شهر بن حوشب-﵁: حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ أي: رحمتك تسع ذنوبهم، وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم، وأقوالهم، وحركاتهم وسكناتهم. هذا؛ وقال المفسرون: وفي وصف الله تعالى بالرحمة، والعلم -وهو ثناء قبل الدعاء-تعليم العباد أدب السؤال، والدعاء، فهم يبدؤون دعاءهم بأدب، ويستمطرون إحسانه، وفضله، وإنعامه. وتقديم الرحمة؛ لأنها المقصودة بالذات هاهنا.
﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا، وأنابوا، وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخير، وترك المنكرات. ﴿وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ أي:
واحفظهم من عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع المؤلم.
والمعنى: اجعل بينهم، وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة في أمورهم، وتتم نعمتك عليهم بتوفيقهم لعبادتك، وطاعتك فإنك وعدت من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك. وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء، وإن الخلق عبيدك. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. ولا تنس: أنّ في الكلام تغليبا؛ لأن دعاء الملائكة للذكور يشمل الإناث المؤمنات بلا ريب، وهذا التغليب تجده في كثير من الآيات، والألفاظ، مثل: ﴿يُؤْمِنُونَ،﴾ ﴿يَعْمَلُونَ،﴾ ﴿يَدْخُلُونَ..﴾. إلخ.
قال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبد الله يقولون: الملائكة خير من ابن الكوّاء، هم يستغفرون لمن في الأرض، وابن الكوّاء يشهد عليهم بالكفر. قال إبراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرّف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنّة أرجى منها، إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين؛ لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة، وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين؟ وقال خلف بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت:
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله؛ نائما على فراشه؛ والملائكة يستغفرون له!. انتهى. قرطبي.
هذا؛ وابن الكوّاء من الخوارج، وهم كفروا معاوية، وعمرو بن العاص، وأخيرا كفروا عليّا ﵁-وتاريخهم، وقصصهم، وحكاياهم في التاريخ الإسلامي مشهورة مسطورة.
стр. 5474
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿حَوْلَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (من)، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ. وانظر تفصيل الإعراب في الآية رقم [٧٥] من سورة (الزمر)، وجملة: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء منصوب، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَسِعْتَ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، و ﴿كُلَّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿رَحْمَةً:﴾ تمييز محول عن الفاعل؛ إذ التقدير:
وسعت رحمتك وعلمك كل شيء. وقيل: مفعول مطلق عامله «وسع»؛ لأن معناه: رحم، وعلم. والأول أولى، وأقوى، والكلام: ﴿رَبَّنا وَسِعْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: «يقولون: ربنا...» إلخ، والجملة هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، أو هي مفسرة ل: (يستغفرون) والمعنى: لا يأباه. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، انظر الآية رقم [٤]. (اغفر): فعل دعاء، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، تقديره: ذنوبهم. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، أو حاصلا؛ فاغفر... إلخ، وجملة: ﴿تابُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقِهِمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (قهم): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقِهِمْ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (اغفر...) إلخ.
﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾
الشرح: ﴿رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: تكرم، وتفضل عليهم بدخول جنات عدن بسبب ما ذكر في الآية السابقة. وانظر شرح: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ في الآية رقم [٥٠] من سورة (ص). ﴿وَمَنْ﴾
стр. 5475
﴿صَلَحَ..﴾. إلخ: أي: وأدخل من صلح من آبائهم... إلخ: بالإيمان والعمل الصالح، وذلك ليتم سرورهم، وتزول أحزانهم. ومثل هذه الآية في المعنى قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٣]:
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ فأنت ترى: أن الصلاح مشروط لإدخال الآباء، والأزواج، والذرية في الآيتين الكريمتين، ولكن هناك من يقول: إن الصلاح غير مشروط، فقد قال سعيد بن جبير-﵁: يدخل الرجل الجنة، فيقول:
يا رب أين أبي، وجدي، وأمي؟ وأين ولدي، وولد ولدي؟ وأين زوجاتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا كعملك، فيقول: يا رب! كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ..﴾. إلخ إلى: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
هذا؛ وأرى: أن هذه الآيات لا ترد الاعتراض باشتراط الصلاح، ولا تحله، وإنما الذي يحله قوله تعالى في سورة (الطور) [٢١]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾.
إلخ فهذه الآية تشترط الإيمان ولا تشترط الصلاح. والمعنى: ساوينا بين الكل في المنزلة، والدرجة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل، تفضلا منا، ومنة. هذا؛ وقرئ: «(صلح)» بضم اللام، و «(ذريتهم)» بالإفراد.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ:﴾ الغالب، القاهر، القادر، المقتدر؛ الذي لا يمتنع عليه مقدور.
﴿الْحَكِيمُ:﴾ الذي لا يفعل إلا ما تقضيه الحكمة، ومن ذلك الوفاء بالوعد: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ سورة (التوبة) رقم [١١١].
الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى مثل سابقه. (أدخلهم): فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿جَنّاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، و ﴿جَنّاتِ﴾ مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾. ﴿وَعَدْتَهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، وهو المفعول الثاني؛ إذ التقدير: التي وعدتهم إياها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (من): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على أحد الضميرين المنصوبين. والأول أولى، وأقوى.
﴿صَلَحَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة له. ﴿مِنْ آبائِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل العائد على: (من)، ومن بيان لما أبهم فيها.
﴿وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والآية بكاملها في محل نصب مقول للقول المحذوف، الذي رأيت تقديره.
﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية في محل رفع
стр. 5476
خبر (إنّ). هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير فصلا لا محل له، واعتباره توكيدا لاسم (إنّ) على المحل.
وعليهما فالاسمان العظيمان خبران ل: (إنّ)، وجملة: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ تعليل للدعاء، لا محل لها.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾
الشرح: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أي: احفظهم من العذاب الذي يتسبب عن السيئات، وذلك بالتوفيق للطاعات، والحفظ من المعاصي والسيئات على اختلاف أنواعها، ودرجاتها. ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ:﴾ ومن تحفظه من السيئات في الدنيا، وتوفقه للطاعات؛ ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. فكأنهم طلبوا السبب بعد ما سألوا المسبب. ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ:﴾
الإشارة إلى ما ذكر من الرحمة، ووقاية السيئات، وكان ذلك فوزا عظيما؛ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع، وبأفعال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ وانظر (التقوى) في الآية رقم [١٠] من سورة (الزمر).
هذا؛ وانظر شرح ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآية رقم [٣٣] من سورة (الصافات). أما (قهم) فهو فعل دعاء، وصيغته صيغة أمر، فهو من: وقى، يقي اللفيف المفروق، فتحذف فاؤه من المضارع، مثل كل فعل مثال، مثل: وعد، يعد، ووزن، يزن... إلخ، وتحذف لامه في الأمر مع فائه لبنائه على حذف حرف العلة، مثل كل فعل ناقص معتل الآخر، مثل: اسع، وارم... إلخ، فيبقى فعل أمر باللفظ حرفا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطي، يطي، ط، وإذا لم يتصل به ضمير تلحقه هاء السكت، فتقول: فه، له، عه... إلخ.
الإعراب: ﴿وَقِهِمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (قهم): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعوله الأول. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وفي الكلام حذف مضاف، التقدير: وقهم عقاب السيئات. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من):
اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم، أو هو في محل رفع مبتدأ.
﴿تَقِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والفاعل تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف على اعتبار (من) مبتدأ. ﴿السَّيِّئاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب... إلخ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما قبله، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَحِمْتَهُ:﴾ فعل، وفاعل،
стр. 5477
ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر (من) على اعتبارها مبتدأ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين، والجملة الشرطية على الاعتبارين في محل نصب مقول القول للقول المحذوف، الذي رأيت تقديره.
﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أو هو بدل من اسم الإشارة، وعليهما ف: ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز اعتبار الضمير مبتدأ و ﴿الْفَوْزُ﴾ خبره، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة التذييل للكلام السابق. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ صفة: ﴿الْفَوْزُ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ﴾ أي: تناديهم الملائكة حين يدخلون النار، ويرون ما يحل بهم من العذاب الأليم، والعقاب الشديد، ويمقتون أنفسهم، ويبغضونها غاية البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة؛ التي كانت سبب دخولهم النار، فتخبرهم الملائكة عند ذلك بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان، فيكافرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم في هذه الحالة.
قال قتادة، والحسن البصري، ومجاهد، والسدي: المعنى: لمقت أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه، وأبوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين يرون عذاب الله يوم القيامة. انتهى مختصر ابن كثير. ونداء الملائكة لهم إنما هو على سبيل التوبيخ، والتأنيب، والتقريع.
وقيل: المعنى: لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٢٥]: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ وقال الكلبي-نسبة إلى قبيلة بني كلب قبيلة مشهورة، منها زيد بن حارثة الكلبي ﵁ حبّ رسول الله ﷺ : يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه: مقتك يا نفسي! فتقول الملائكة لهم؛ وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا، وقد بعث إليكم الرسل، فلم تؤمنوا أشد من مقتكم اليوم أنفسكم. وقال الحسن البصري: يعطون كتبهم، فإذا نظروا في سيئاتهم؛ مقتوا أنفسهم.
فينادون لمقت الله إياكم في الدنيا؛ إذ تدعون إلى الإيمان، فتكافرون أكبر من مقتكم أنفسكم؛ إذا عاينتم النار. انتهى. جمل. هذا؛ والمقت: أشد البغض، وهو في حق الله تعالى محال، فالمراد منه هنا لازمه، وهو الغضب عليهم، وتعذيبهم، وانظر الآية رقم [٣٥].
стр. 5478
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: كفروا بالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿يُنادَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿لَمَقْتُ:﴾ اللام: لام الابتداء. (مقت): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: لمقت الله أنفسكم، فحذف لدلالة ما بعده عليه.
﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرُ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿أَنْفُسَكُمْ:﴾ مفعول به للمصدر، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿لَمَقْتُ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ل: ﴿يُنادَوْنَ؛﴾ لأنه بمعنى: يقال لهم، والنداء قول. قاله الأخفش. وقال غيره: المعنى: يقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا.
وهذا يعني: أن الجملة في محل نصب مقول القول لقول محذوف، وهذه الجملة مفسرة للفعل:
﴿يُنادَوْنَ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكروا، أو احذروا. وقيل: متعلق بأحد المصدرين السابقين. ورده ابن هشام في المغني، وفنده. ﴿تُدْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿إِلَى الْإِيمانِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. هذا؛ وقال الزمخشري: ﴿إِذْ﴾ للتعليل. ولا وجه له.
﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾
الشرح: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ:﴾ اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، فقال ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والضحاك-﵃: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان حياتان، وموتتان، وهو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨]: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقال السدي وغيره: أميتوا في الدنيا، ثم أحياهم في القبور للسؤال، ثم أميتوا، ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا؛ لأن لفظ الميت، لا ينطلق في العرف على النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال القبر، ولو كان الثواب، والعقاب للروح دون الجسد، فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح-عند
стр. 5479
من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح-لا تموت، ولا تتغير، ولا تفسد، وهو حي لنفسه لا يتطرق إليه موت، ولا غشية ولا فناء. انتهى. قرطبي.
وقال ابن زيد في هذه الآية: خلقهم في ظهر آدم، وأخرجهم، وأحياهم، وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم. ﴿فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا:﴾ اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وندموا؛ حيث لا ينفعهم الندم.
﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل أنت محيينا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك؛ لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا فإنا ظالمون، فأجيبوا: أن لا سبيل إلى عودكم إلى الدار الدنيا. ثم علل ذلك المنع بأن سجاياكم لا تقبل الحق، ولا تقتضيه، بل تمجه، وتنفيه، وهذا المعنى تكرر في سورة (السجدة) رقم [١٢]، وفي سورة (الأنعام) رقم [٢٧]، وفي سورة (المؤمنون) رقم [١٠٧]، وفي سورة (فاطر) رقم [٣٧] انظر شرحها، وتفصيلها في محالها. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿أَمَتَّنَا﴾ و (أحييتنا) وهو من المحسنات البديعية.
هذا؛ وفي الاستفهام يأس، وقنوط، واستحالة مفرطة، كأنهم لفرط ما يكابدونه يتمنون الخروج من هذا الأسى المطبق من الهول المستحكم، ولكن أي تمن هذا؟! إنه تمني من غلب عليه اليأس، والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللا، وتحيرا، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، وهو ما في الآية التالية.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذفت منه أداة النداء منصوب، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَمَتَّنَا:﴾ فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، و (نا) مفعوله. ﴿اِثْنَتَيْنِ:﴾ نائب مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. (اعترفنا): فعل، وفاعل. ﴿بِذُنُوبِنا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا):
في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿إِلى خُرُوجٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم ﴿مِنْ:﴾
حرف جر صلة. ﴿سَبِيلٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول على الاعتبارين، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
стр. 5480
﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾
الشرح: ﴿ذلِكُمْ﴾ أي: الذي أنتم فيه من العذاب. ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسبب أنه؛ أي: الحال والشأن. ﴿إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي: أنكرتم أن تكون الألوهية لله وحده. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا:﴾ وإن دعيتم إلى اللات، والعزى، وأمثالهما من الأصنام؛ آمنتم، وصدقتم بألوهيتها.
﴿فَالْحُكْمُ لِلّهِ﴾ أي: الأمر لله، والحكم له، والعبادة خاصة له؛ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي، والعقاب الأبدي. ﴿الْعَلِيِّ:﴾ المتعالي، والمنزه عن أن يشرك به، ويسوى بغيره.
﴿الْكَبِيرِ:﴾ العظيم على من أشرك، وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاقه العبادة، والمعنى الإجمالي: فالقضاء لله وحده، لا للأوثان، والأصنام، ولا سبيل إلى نجاتكم؛ لأن الله تعالى هو المتعالي على خلقه، العظيم في ملكه؛ الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. هذا؛ ومضمون الآية ردّ، ونفي لما طلبوه من الإعادة إلى الدنيا.
هذا؛ وقيل: إن الخوارج إنما أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله من هذه الآية. وقال قتادة -رحمه الله تعالى-: لما خرج أهل حروراء؛ قال الإمام علي-﵁: من هؤلاء؟ قيل: المحكمون. أي: الذين يقولون: لا حكم إلا لله، فقال كرم الله وجهه: كلمة حق أريد بها باطل. انتهى. نسفي بتصرف. هذا؛ ولا تنس المقابلة في هذه الآية؛ حيث قابل بين التوحيد، والإشراك، والكفر، والإيمان.
الإعراب: ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام، للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِأَنَّهُ:﴾ الباء: حرف جر. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿دُعِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿اللهُ:﴾
نائب فاعله. ﴿وَحْدَهُ:﴾ قال القرطبي: نصب على المصدر عند الخليل، وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. انتهى. أقول: وهو المعتمد، وهو مؤول ب: منفردا، كما هو مقرر في كتب النحو.
والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المرجوح المشهور. ﴿كَفَرْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِنْ:﴾
الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يُشْرَكْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وهو مبني للمجهول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها
стр. 5481
ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و (إن) ومدخولها معطوف على (إذا) ومدخولها فهو في محل رفع مثله. ﴿فَالْحُكْمُ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (الحكم): مبتدأ. ﴿اللهُ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها استئنافية، أو تعليلية. ﴿الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة، وبعضهم يعتبرهما صفتين، ولا أسلمه؛ لأنهما من الأسماء الحسنى، وليسا من صفات الله، كما هو مقرر في علم التوحيد.
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾
الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ أي: دلائل توحيده، وقدرته. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً﴾ أي: وينزل لكم من السماء المطر، الذي تسبب عنه الرزق من الزروع، والثمار، فهو من إطلاق المسبب وإرادة السبب. جمع الله في هذه الآية بين إظهار الآيات، وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان، وهذه الآيات هي السموات، والأرضون، وما فيهما، وما بينهما من الشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والسحاب، والبحار، والأنهار، والعيون، والجبال، والأشجار، وآثار قوم هلكوا.
﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ أي: ما يتعظ بهذه الآيات، فيوحد الله، ويعبده. ﴿إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي:
يرجع إلى طاعة الله وتوحيده، يرجع عن الإنكار بالإقبال عليها، والتفكير فيها، فإن المعاند لا يتذكر، ولا يتعظ.
الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُرِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به أول. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيُنَزِّلُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينزل): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
﴿الَّذِي﴾. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ السَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿رِزْقاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو:
حرف عطف. (ما): نافية. ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنَ:﴾ اسم
стр. 5482
موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿يُنِيبُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
﴿مِنَ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَما يَتَذَكَّرُ..﴾.
إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والعائد في الأولى عائد في الثانية. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من كاف الخطاب فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو فقط. تأمل وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: فاعبدوا الله أيها المؤمنون مخلصين له العبادة، والطاعة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] و [٣] من سورة (الزمر). ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ أي:
ولو غاظ الكافرين عبادتكم، وإخلاصكم لله العبادة، والطاعة، فأخلصوا له تعالى العبادة، وخالفوا الكافرين في مسلكهم، ومذهبهم في حياتهم.
الإعراب: ﴿فَادْعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكر بمن ينيب؛ فاعبدوه أيها المؤمنون مخلصين له دينكم بموجب إنابتكم إليه، وإيمانكم به. انتهى. (ادعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، كما رأيت تقديره، والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به ل: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿وَلَوْ:﴾ الواو: واو الحال. (لو): وصلية.
﴿كَرِهَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْكافِرُونَ:﴾ فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط. وهذا أقوى من اعتبار (لو) شرطية محذوفة الجواب لدلالة ما قبله عليه.
﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥)﴾
الشرح: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ:﴾ عظيم الصفات، بمعنى: مرتفع بعظمته في صفات جلاله، وكماله، ووحدانيته، المستغني عن كل ما سواه، وكل الخلق فقراء إليه. فهو على هذا صفة مشبهة، أو المعنى: رافع درجات الأنبياء، والأولياء والعلماء في الجنة. وهو على هذا صيغة مبالغة محولة عن اسم الفاعل. ﴿ذُو الْعَرْشِ:﴾ صاحبه، وخالقه، ومالكه، ومتصرف فيه.
وتخصيصه بالذكر؛ لأنه أعظم الأجسام المخلوقة فيما يرى العباد. والمقصود: كمال التنبيه على كمال القدرة، فكل ما كان أعظم؛ كانت دلالته على كمال القدرة أقوى، وأدل.
стр. 5483
﴿يُلْقِي الرُّوحَ:﴾ الوحي، والنبوة، وسمي ذلك روحا؛ لأن الناس يحيون بها؛ أي: يحيون من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: ﴿الرُّوحَ﴾ القرآن، قال تعالى:
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾. وعلى هذين الوجهين في الكلام استعارة تصريحية، وهو ما أفاده كلام الزمخشري. وقيل: ﴿الرُّوحَ﴾ جبريل ﵇، قال تعالى في سورة (الشعراء):
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ﴾. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ بأمره وقضائه. ﴿عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ:﴾ وهم الأنبياء، يشاء هو أن يكونوا أنبياء، وليس لأحد فيهم مشيئة، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٤]: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ:﴾ لينذر الله، أو الملقى عليه الوحي، وهو النبي ﷺ ، ويدل عليه قراءة:
«(لتنذر)»، و ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ هو يوم القيامة، يلتقي فيه الخلق، والخالق، والعابد، والمعبود، والظالم، والمظلوم. وقيل: يلتقي فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، وكله صحيح المعنى.
الإعراب: ﴿رَفِيعُ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المذكور في الآية رقم [١٣]، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو رفيع. وقرئ بالنصب على الحال، أو على المدح بفعل محذوف، و ﴿رَفِيعُ﴾ مضاف، و ﴿الدَّرَجاتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، أو من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿ذُو:﴾ يجوز فيه ما جاز ب: ﴿رَفِيعُ﴾ من أوجه، فهو مرفوع، أو منصوب، وعلى الرفع الواو، وعلامة النصب الألف؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُلْقِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز ب: ﴿رَفِيعُ﴾. هذا؛ وأرى جواز اعتبارها حالا من: ﴿ذُو الْعَرْشِ،﴾ وعليه يكون الفاعل عائدا إليه، وهو الرابط. ﴿الرُّوحَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ أَمْرِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرُّوحَ،﴾ على اعتبار «أل» للتعريف، أو بمحذوف صفة له على اعتبارها للجنس، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلى مَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو: على شخص يشاؤه. ﴿مِنْ عِبادِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في ﴿مِنْ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿لِيُنْذِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، أو إلى الموحى إليه، والمفعول الأول محذوف، التقدير: لينذر الناس. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿التَّلاقِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُلْقِي﴾ أيضا.
стр. 5484
﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ (١٦)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ﴾ أي: خارجون من قبورهم، ظاهرون، لا يسترهم شيء من جبل، أو أكمة، أو بناء؛ لكون الأرض يومئذ قاعا صفصفا، ولا ثياب عليهم، وإنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في قول النبي ﷺ : «يحشر الناس حفاة عراة غرلا». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة-﵂.
﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ أي: من ذواتهم، وأعمالهم، وأحوالهم. فإن قلت: الله لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام فما وجه تخصيص هذا اليوم؟ قلت: كانوا يتوهمون في الدنيا: أنهم إذا استتروا بالحيطان، والحجب؛ لا يراهم الله، وتخفى عليه أعمالهم، وهم في ذلك اليوم لا يتوهمون هذا التوهم. انتهى. خازن. ولذا قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [٢٢ و ٢٣]:
﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. فهذا يقال لهم يوم القيامة حين تشهد عليهم جوارحهم بسوء أعمالهم. وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠٨]: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾.
﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ:﴾ وذلك عند فناء الخلق. وقال الحسن: الله السائل، وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه سبحانه، فيقول: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾. وقال النحاس:
وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود-﵁-قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص الله عليها، فيؤمر مناد ينادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا، وتلذذا، ويقوله الكافرون غمّا، وانقيادا، وخضوعا. فأما أن يكون هذا؛ والخلق غير موجودين؛ فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه. والقول صحيح عن ابن مسعود-﵁-وليس هو مما يؤخذ بالقياس، ولا بالتأويل.
قلت: والقول الأول ظاهر جدا؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل متكبر وجبروته، وانقطعت دعاويهم، وأنسابهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض، والأرواح، وطي السماء: أنا الملك؛ أين ملوك الأرض؟ كما تقدم في حديث ابن عمر-﵄. ثم يطوي الأرض بشماله، والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟! وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦٧]. وعند قوله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يكون انقطاع زمن الدنيا، وبعده يكون البعث، والنشر. قال محمد بن كعب القرظي-﵁: قوله سبحانه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يكون بين النفختين حين فني الخلق، وبقي الخالق، فلا يرى غير
стр. 5485
نفسه مالكا، ولا مملوكا، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه، فيقول: ﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ لأنه بقي وحده، وقهر خلقه. انتهى. قرطبي بتصرف بسيط.
أقول: والمعتمد أن ما ذكر إنما يكون بعد النفخة الأولى، وسكون الحركات، وخمود الأصوات، وخلو الأرض من أهلها، والسموات، فلا تحس منهم من أحد، أو تسمع لهم ركزا، ثم يطلع الملك القهار إلى الدنيا، فيقول، وهو أعلم: يا دنيا! أين أنهارك؟ وأين أشجارك؟ وأين أحبابك؟ وأين عمارك؟ أين الملوك، وأبناء الملوك؟ أين الجبابرة وأبناء الجبابرة؟ أين الذين أكلوا رزقي، وتقلبوا في نعمتي، ثم عبدوا غيري؟. ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلا يجيبه أحد، فيقول:
﴿لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾.
هذا؛ و ﴿الْواحِدِ﴾ قال الخطابي في شرحه: هو الفرد الذي لم يزل وحده. وقيل: هو المنقطع عن القرين، والشريك، والنظير، وليس هو كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة؛ لأن ذلك يكثر بانضمام بعضها إلى بعض، والواحد ليس كذلك، فهو الله الواحد؛ الذي لا مثل له، ولا يشبهه شيء في خلقه. ﴿الْقَهّارِ﴾ قال الخطابي: هو الذي قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة، وقهر العباد كلهم بالموت. وقال غيره: هو الذي قهر كل شيء، وذلله، فاستسلم، وانقاد له، ولا تنس أن القهار صيغة مبالغة «قاهر»، وانظر قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٨]: ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ وأجاز ابن هشام اعتباره ظرفا متعلقا بالفعل: ﴿لا يَخْفى﴾. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بارِزُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَى اللهِ مِنْهُمْ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل ﴿يَخْفى،﴾ والجملة الفعلية يجوز فيها أن تكون خبرا آخر للمبتدأ، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿بارِزُونَ،﴾ والرابط: الضمير فقط، وأن تكون مستأنفة، لا محل لها.
﴿لِمَنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿الْمُلْكُ،﴾ وقال أبو البقاء: العامل فيه ﴿لِمَنِ﴾ أو ما يتعلق به الجار. وقيل: هو ظرف ل: ﴿الْمُلْكُ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، كما رأيت في الشرح، والقول ومقوله كلام مستأنف، لا محل له. ﴿اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو كائن لله. ﴿الْواحِدِ الْقَهّارِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢]. هذا؛ وقال أبو البقاء أيضا: وقيل: الوقف على الملك، ثم استأنف، فقال: هو اليوم لله الواحد؛ أي: استقر اليوم لله. انتهى. والأول هو المعتمد.
стр. 5486
﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)﴾
الشرح: ﴿الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ..﴾. إلخ: قال النسفي-رحمه الله تعالى-:
لما قرر: أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك، وهي أن كل نفس تجزى بما كسبت، وعملت في الدنيا من خير، أو شر، وأن الظلم مأمون منه تعالى؛ لأنه جلت قدرته، وتعالت حكمته ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين. انتهى. وفي الكشاف: وعن ابن عباس ﵄: إذا أخذ في حسابهم؛ لم يقل أهل الجنة إلا فيها، ولا أهل النار إلا فيها.
هذا؛ ويقيل من القيلولة، وهي الاستراحة وقت الظهيرة. وفي القرطبي: وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في ساعة واحدة. انتهى. هذا؛ وقال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان).
الإعراب: ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل بعده. ﴿تُجْزى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، و ﴿كُلُّ﴾ مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء كسبته، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: تجزى كل نفس بكسبها، والجملة الفعلية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل: «إنّ».
﴿ظُلْمَ:﴾ اسم ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: تعليلية. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها أيضا.
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ:﴾ خوفهم، الخطاب للنبي ﷺ ، والضمير المنصوب لقومه. ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ:﴾ يوم القيامة، سميت بذلك لقرب وقتها؛ إذ كل ما هو آت قريب، قال تعالى في سورة (النجم): ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (القمر): ﴿اِقْتَرَبَتِ﴾
стр. 5487
السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ هذا؛ وتقول: أزف فلان؛ أي: قرب، قال النابغة الذبياني (وهو الشاهد رقم [٣١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»): [الكامل]
أزف الترحّل غير أنّ ركابنا... لمّا تزل برحالنا، وكأن قد
وكان بعضهم يتمثل، ويقول معترفا بتقصيره بطاعة الله تعالى: [الكامل]
أزف الرّحيل، وليس لي من زاد... غير الذّنوب لشقوتي ونكادي
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ:﴾ وقت تكون القلوب عند الحناجر من شدة الخوف، فإنها ترتفع عن أماكنها، فتلتصق بحلوقهم، فلا تعود، فيستريحوا بالنفس، ولا تخرج، فيستريحوا بالموت، كما قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [١٠] مبينا حالة المؤمنين حينما دوهمت المدينة من جميع جهاتها: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾. انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك. وانظر شرح (القلب) في الآية رقم [٤] منها أيضا.
﴿كاظِمِينَ:﴾ ساكتين، مهمومين، محزونين، ممتلئين غمّا، وحسرة شأن المكروب. ومعنى الآية: أن القلوب تصعد من الصدور لشدة الخوف؛ حتى تبلغ الحناجر، ويحتمل أن يكون ذلك حقيقة، أو مجازا عبر به عن شدة الخوف يوم القيامة، بل هو استعارة تمثيلية لتجسيد الهول في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه. هذا؛ وجمع كاظمين جمع المذكر السالم؛ لأنه من صفات العقلاء مثل: عالمين، وكاتبين.
﴿ما لِلظّالِمِينَ﴾ أي: الكافرين الظالمين أنفسهم بالكفر ومخالفة الله تعالى، وانظر التعبير عن الكافرين بالمجرمين، ونحوه في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿مِنْ حَمِيمٍ:﴾ من صديق، أو قريب مشفق. ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ:﴾ أي: تقبل شفاعته فيهم. وانظر (الشفاعة) في الآية رقم [٤٤] من سورة (الزمر). هذا؛ وانظر شرح (لدى) في الآية رقم [٣٢] من سورة (الروم).
الإعراب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (أنذرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر فيه تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به أول. ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْآزِفَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِذِ﴾ أصل استعماله للماضي، ولكن جاء هنا للمستقبل، فهو مبني على السكون في محل نصب بدلا من: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾. ﴿الْقُلُوبُ:﴾ مبتدأ. ﴿لَدَى:﴾ ظرف مكان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. و ﴿لَدَى﴾ مضاف، و ﴿الْحَناجِرِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها.
﴿كاظِمِينَ:﴾ حال من القلوب منصوب... إلخ، أو من أصحاب القلوب، وهو أولى، والجملة الفعلية: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ..﴾. إلخ لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الواو. ﴿ما:﴾ نافية.
стр. 5488
﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿حَمِيمٍ:﴾
مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال من أصحاب القلوب، ولا وجه له. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): زائدة لتأكيد النفي ﴿شَفِيعٍ:﴾
معطوف على ما قبله على لفظه. ﴿يُطاعُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿شَفِيعٍ،﴾ والجملة الفعلية صفة: ﴿شَفِيعٍ﴾ في محل جر على اللفظ، أو في محل رفع على المحل، وإن اعتبرت ﴿شَفِيعٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، فالجملة الفعلية صفة ثانية لهذا المحذوف.
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾
الشرح: يخبر الله عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها، وحقيرها، صغيرها، وكبيرها، دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس ربهم، فيتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، فإنه يعلم العين الخائنة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر، والسرائر. قال ابن عباس-﵄-في شرح ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ:﴾ هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به، وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا؛ لحظ إليها، فإذا فطنوا؛ غض بصره عنها، فإذا غفلوا؛ لحظ، فإذا فطنوا؛ غض، وقد اطلع الله تعالى من قلبه أنه ودّ لو اطلع على فرجها. انتهى. مختصر ابن كثير. أقول: والمرأة مثل الرجل، لذا فقد أمرها الله بغض بصرها كما أمر الرجل. انظر الآية رقم [٣١] من سورة (النور).
﴿وَما تُخْفِي الصُّدُورُ:﴾ وما تسره من أمانة، وخيانة، أو من الوسوسة. وقيل في شرح ﴿خائِنَةَ الْأَعْيُنِ:﴾ هو أن ينظر إلى أجنبية بشهوة سارقة، ثم يتفكر بقلبه في جمالها، ولا يعلم بنظرته، وفكرته من بحضرته، والله يعلم ذلك كله، ويود لو اختلى بها. والمرأة مثل الرجل في كل ما ذكرته من مسارقة النظر، وتمنّي الخلوة بالرجل، بل إن نظرها إلى الرجل أعمق، وأشفى، وشهوتها أشد، وأقوى، وأية امرأة تنظر إلى الرجل مسارقة إذا دخل دارها مع زوجها، أو أخيها، أو أبيها من شقوق الباب وغيره؟! والواقع يؤيد ذلك. هذا؛ وقال مجاهد: الخيانة هي مسارقة نظر الأعين إلى ما قد نهى الله عنه. وقال الضحاك: هي قول الإنسان: ما رأيت؛ وقد رأى. وقال السدي: إنها الرمز بالعين. وقيل: غير ذلك، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
فائدة:
لما جيء بعبد الله بن أبي سرح إلى رسول الله ﷺ بعد ما اطمأن أهل مكة، وطلب له الأمان عثمان-﵁-صمت رسول الله ﷺ طويلا، ثم قال: «نعم» فلما انصرف قال ﷺ لمن حوله: «ما صمتّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه». فقال رجل من الأنصار:
فهلا أومأت إليّ يا رسول الله، فقال: «إن النبي لا تكون له خائنة الأعين». وعبد الله بن أبي سرح
стр. 5489
كان من كتبة الوحي لرسول الله ﷺ ، ثم ارتد، ولحق بالمشركين، فأهدر الرسول دمه فيمن أهدر يوم فتح مكة، وقد كان السبب في الفتنة العمياء التي تسببت عن مقتل عثمان-﵁.
الإعراب: ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿خائِنَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْأَعْيُنِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب معطوفة على: ﴿خائِنَةَ،﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: والذي، أو: وشيئا تخفيه الصدور، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ فيها أربعة أوجه: أحدها: وهو الظاهر أنها خبر آخر عن ﴿هُوَ﴾ في قوله ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ﴾. الثاني: أنها تعليل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ..﴾. إلخ.
الثالث: أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر، أو المقدر في: ﴿سَرِيعُ الْحِسابِ﴾.
الرابع: أنها في محل نصب حال من لفظ الجلالة، بقوله: ﴿لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾. وأجيز على الوجهين الأخيرين أن تكون تعليلية لا محل لها. انتهى. جمل باختصار كبير. وعلى هذا فالكلام بينها، وبين ما هي مرتبطة به معترض لا محل له. هذا؛ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا حاجة إلى هذه التكلفات، والتعسفات. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾
الشرح: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ:﴾ يحكم بالعدل؛ لأنه المالك الحقيقي، فلا يقضي بشيء إلا وهو حقه. قال ابن عباس-﵄: الله قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة. انتهى. وهو فحوى قوله تعالى في سورة (النجم) رقم [٣١]: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أي: إن الأصنام، والحجارة؛ التي يعبدها كفار قريش لا حكم لها، ولا قضاء. هذا على سبيل التهكم بالأصنام، وعابديها؛ إذ الجمادات، لا يقال في حقها: تقضي أولا تقضي.
﴿إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ:﴾ لأقوالهم. (بصير): بأعمالهم، وتصرفاتهم. وهذا تقرير لما في الآية السابقة، ووعيد للكافرين، والفاسقين، والظالمين بأنه تعالى يسمع ما يقولون، ويبصر ما يعملون، وأنه يحاسبهم على أعمالهم؛ إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ، فيجازي من غض بصره عن المحارم خيرا، ويعاقب من نظر إليها، ومن يضمر السوء في قلبه، ويعزم على مواقعة الفواحش؛ لو قدر عليها.
стр. 5490
الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿يَقْضِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَدْعُونَ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: يدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهُ:﴾ اسمها. هو ضمير فصل لا محل له. ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ خبران ل: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، و ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ خبرين عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو هي تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١)﴾
الشرح: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ: أي: أو لم يمش كفار مكة في نواحي الأرض، وجهاتها؛ ليروا مصارع الأمم؛ التي كذبت رسلها، وما حل بها من الهلاك، والدمار، فيعتبروا بهم؟ وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذبين، وللفاسقين الظالمين بأن الله سيهلكهم كما أهلك من قبلهم، فهو حض لينظروا نظرة تبصر، واعتبار، لا نظرة غفلة، وإهمال، ينظرون إلى مساكن الأمم الماضية، وديارهم، وآثارهم، كيف أهلكهم بذنوبهم، كما قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١] وغيرها كثير: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
هذا؛ وعاقبة كل شيء: آخره، ونتيجته، ومصيره، وماله، ولم يؤنث الفعل ﴿كانَ﴾ لأن ﴿عاقِبَةُ﴾ مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث للفعل، أو لأن (عاقبة) اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهذا باب من أبواب النحو، انظر الشاهد رقم (٩٠١) وما بعده من كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: في الأبدان، كقوم هود وصالح وغيرهم، فإنهم كانوا طوال الأجسام، أقوياء الأبدان، كما هو معروف عنهم. ﴿وَآثاراً فِي الْأَرْضِ:﴾ يريد حصونهم، وقصورهم، وقلاعهم، وعددهم، وما يوصف بالشدة من آثارهم. أو أراد أكثر آثارا. ومنه قول الراعي النميري، وهو الشاهد رقم [٦٦٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
стр. 5491
إذا ما الغانيات برزن يوما... وزجّجن الحواجب والعيونا
هذا؛ وفي سورة (الروم) رقم [٩]: ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم الله إهلاكا فظيعا بسبب كفرهم، ومخالفة أوامر ربهم، وإجرامهم.
﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ:﴾ وما كان لهم أحد يدفع عنهم عذاب الله، ولا يقيهم من عقابه، وانتقامه، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الواو: حرف استئناف، أو هي حرف عطف على محذوف مقدر. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة محذوفة مقدرة قبلها يقتضيها المقام؛ أي: أقعدوا في أماكنهم، ولم يسيروا؟! لا محل لها على الاعتبارين. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو منصوب على إضمار: «أن» على اعتبار الفاء للسببية، وعلامة جزمه، أو نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا يؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، ويكون التقدير:
فهلا حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم؟!. هذا؛ ومثل هذه الآية في جواز اعتبار الفعل مجزوما، أو منصوبا بعد الفاء قول زهير بن أبي سلمى المزني، وهو الشاهد رقم [١٦٧] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ﴾ اسمها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمه. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والهاء في محل جر بالإضافة.
وجملة: ﴿كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت (كان) تامة فالمعنى لا يأباه، ويكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل: ﴿كانَ﴾ وهي بمعنى: حدث، وعلى الاعتبارين: فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. هذا؛ وأجاز مكي الوجهين في (كانوا) في الجملتين التاليتين. ولا وجه له.
﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿قَبْلِهِمْ:﴾
ضمير فصل لا محل له. ﴿أَشَدَّ:﴾ خبر (كان)، وضمير الفصل لا يقع إلا بين معرفتين، وهنا وقع بين معرفة، ونكرة، والذي سوغ ذلك كون النكرة هنا مشابهة للمعرفة من حيث امتناع
стр. 5492
دخول: «أل» عليها؛ لأن أفعل التفضيل المقرون ب: «من» لا تدخل عليه أل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بأشد. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز. ﴿وَأَثارُوا:﴾ معطوف على (قوة) وانظر تقدير الفعل في الشرح. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: (آثارا)، أو بمحذوف صفة له، وجملة: ﴿كانُوا هُمْ أَشَدَّ..﴾.
إلخ بدل من سابقتها. ﴿فَأَخَذَهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذهم): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِذُنُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿قَبْلِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كان) تقدم على اسمها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾
متعلقان ب: ﴿واقٍ﴾ بعدهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿واقٍ:﴾ اسم (كان) مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وإن اعتبرت الجملة مستأنفة؛ فلا محل لها.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ..﴾. إلخ: أي: ذلك العذاب الذي وقع بهم، وأصابهم بسبب:
أنهم كانت تأتيهم رسلهم بالمعجزات الساطعات الواضحات، والآيات الباهرات.
﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: بالله مع هذا البيان، والبرهان. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ﴾ أي: فدمرهم، وأهلكهم.
﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾ أي: إنه تعالى قوي لا يقهر. ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي: عقابه شديد لمن عصاه، وعذابه أليم وجيع لمن خالفه.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. ﴿تَأْتِيهِمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ تنازعه كل من الفعلين السابقين، فكان تطلبه اسما لها، وتأتيهم يطلبه فاعلا له، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، وإذا أعملت أحدهما يجب الإضمار للثاني، قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل
والثاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره
стр. 5493
وأعمل المهمل في ضمير ما... تنازعاه والتزم ما التزما
كيحسنان ويسيء ابناكا... وقد بغى واعتديا عبداكا
﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَأْتِيهِمْ..﴾. إلخ في محل نصب خبر (كانت)، والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَكَفَرُوا:﴾ الفاء: حرف عطف، وجملة (كفروا) مع المتعلق المحذوف معطوفة على جملة: ﴿كانَتْ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قَوِيٌّ:﴾ خبر أول. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبر ثان، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ أي: بالمعجزات الباهرات، وهي التسع المذكورة في قوله تعالى من سورة (الإسراء) رقم [١٠١]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ..﴾. إلخ.
﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ:﴾ وحجة ظاهرة قاهرة. والعطف لتغاير الوصفين، أو للأفراد بين المعجزات، وتفريقها كالعصا تفخيما لشأنها. وقيل: أراد بالسلطان: التوراة. ولا وجه له.
ويجوز أن يراد به: العصا، وإفرادها؛ لأنها أول المعجزات، وأمها، وتعلقت بها معجزات شتّى، كانقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر عند ضربه بها، وانفجار العيون من الحجر كلما ضربه بها، وحراستها له، ومصيرها شمعة تضيء بالليل المظلم، وشجرة خضراء، ورشاء ودلوا وغير ذلك، ويجوز أن يراد ب: (سلطان مبين): المعجزات، وبالآيات: الحجج الدامغات، وأن يراد بهما المعجزات جميعا، فإنها آيات للنبوة، وحجة بينة على ما يدعيه النبي.
قال الصابوني: لما ذكر الله تعالى ما حل بالكفار من العذاب، والدمار؛ أردفه بذكر قصة موسى مع فرعون تسلية لرسول الله ﷺ عما يلقاه من الأذى، والتكذيب، وبيانا لسنة الله تعالى في إهلاك الظالمين، ثم ذكر موقف مؤمن آل فرعون، ونصيحته لقومه، وهي مواقف بطولية، مشرفة في وجه الطغيان. هذا؛ وانظر شرح (سلطان) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الصافات).
هذا؛ وأصل ﴿مُبِينٍ:﴾ (مبين) فهو اسم فاعل من: أبان، يبين الرباعي، فقل في إعلاله:
نقلت كسرة الياء، إلى الباء قبلها بعد سلب سكونها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ومثله قل في إعلال (مهين). هذا؛ واسم الفاعل من: بان الثلاثي: بائن.
стр. 5494
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله.
والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من:
﴿مُوسى﴾ التقدير: ملتبسا بآياتنا، و (نا): في محل جر بالإضافة. (سلطان): معطوف على (آياتنا). ﴿مُبِينٍ:﴾ صفة له.
﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ (٢٤)﴾
الشرح: خص الله هؤلاء بالذكر؛ لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم، ففرعون الملك الذي ادعى الألوهية، وهامان كان وزيرا له، وهو الذي يدبر له شؤونه، وقارون صاحب الأموال والكنوز، فجمعه الله معهما؛ لأن عمله في التكذيب والكفر كأعمالهما. ﴿ساحِرٌ﴾ أي:
فيما أظهره من المعجزات. ﴿كَذّابٌ﴾ أي: فيما يدعيه من النبوة، والرسالة. هذا؛ وفرعون، وهامان كانا من القبط، وقد مرت قصة فرعون مع موسى مفصلة في كثير من السور. أما قارون؛ فكان من بني إسرائيل، فآمن بموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-ثم ارتد عن دينه، وكان ممن نجا مع موسى من الغرق، وعبر البحر معه. وانظر قصته مفصلة في الآية رقم [٧٦] من سورة (القصص) وما بعدها.
الإعراب: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿وَهامانَ وَقارُونَ:﴾
معطوفان على فرعون، وعلامة الجر في الثلاثة الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنها ممنوعة من الصرف للعلمية، والعجمة. (قالوا): فعل، وفاعل، والألف للتفريق. ﴿ساحِرٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو ساحر. ﴿كَذّابٌ:﴾ خبر ثان للمبتدأ المحذوف، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَرْسَلْنا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٢٥)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي: جاءهم موسى-عليه الصلاة، والسّلام-بالنبوة المؤيدة بالمعجزات الظاهرة؛ ﴿قالُوا﴾ أي: فرعون، وحاشيته. ﴿اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ:﴾
قال قتادة-﵁: هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان
стр. 5495
الذكور بعد ولادة موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فلما بعث الله موسى؛ أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم، فيمتنع الناس من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم، فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع، والقمل، والدم، والجراد، والطوفان، كما رأيت في سورة (الأعراف) رقم [١٣٣] ذلك مفصلا.
﴿وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ أي: اتركوا بناتهم أحياء. ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ:﴾ وضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم على كل الكافرين، والمتجبرين. ﴿إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: في ضياع؛ يعني: أنهم قتلوا الصبيان أولا، فما أغنى عنهم شيئا، ونفذ قضاء الله بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم القتل الثاني شيئا، كما لم يغنهم الأول، فضاع كيدهم في الكرتين.
هذا؛ و (نساء) اسم جمع، لا واحد من لفظه، مثل: رهط، ومعشر، ونفر... إلخ؛ لأن مفرده: امرأة، وجمعها في القلة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين، وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا. ويقال لكل واحد من هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وأما المرأة؛ فهي مأخوذة من المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك؛ والأم الأولى حواء سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من حي، وهو آدم، على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في سورة (الزمر) رقم [٦].
فائدة:
آباء: جمع أب، وأصله: أبو، وأبناء: جمع ابن، وأصله بنو. وجمع الأول: آباو، وجمع الثاني أبناء، ونساء: أصله: نساي، فقل في إعلال الثلاثة: تحركت الواو، أو الياء، وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. وقل مثل ذلك في: صحراء، وحمراء، وزرقاء، وبيداء... إلخ.
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لما): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب وهي ظرف زمان بمعنى: حين عند ابن السراج والفارسي وابن جني، وجماعة تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿جاءَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى،﴾ والهاء مفعول به. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بالحق. ﴿مِنْ عِنْدِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: (الحق)؛ أي: كائنا من عندنا، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿جاءَهُمْ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة (لمّا) إليها، على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا؛ لأنها ابتدائية، ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.
стр. 5496
﴿اُقْتُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبْناءَ:﴾ مفعول به، و ﴿أَبْناءَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اُقْتُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:
﴿قالُوا اقْتُلُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كَيْدُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. وقيل:
في محل نصب حال، وهو ضعيف، وعليه يكون الرابط: الواو فقط.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: لملئه، وحاشيته. ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ أي: اتركوني أقتل موسى، فقد قيل: إنه كان إذا هم بقتله كفوه عنه، وقالوا له: ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا قتلته؛ دخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا: أنك عجزت عن معارضته بالحجة. والظاهر: أن فرعون-لعنه الله-قد استيقن: أنه نبي، وأن ما جاء به آيات، وما هو بسحر، ولكن كان قتلا سفاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحسّ بأنه هو الذي يهدم ملكه؟! ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك. هذا؛ وقيل: إنما منعوه من قتله؛ لأنه كان فيهم من يعتقد بقلبه: أنه كان صادقا. هذا، وانظر (دع) في سورة (الأحزاب) [٤٨].
﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم: أنه أرسله إلينا، فيمنعه منا. وقيل: هذا شاهد صدق على فرط خوفه منه، ومن دعوته ربه، وكان قوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ تمويها على قومه، وإيهاما: أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه في الحقيقة إلا ما في نفسه من هول الفزع. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي: يغير ما أنتم عليه من الدين، وكانوا يعبدونه، ويعبدون الأصنام. ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ أي: أو أن يثير الفتن، والقلاقل في بلدكم، ويكثر بسببه الهرج، والمرج، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكرا. يعني: واعظا، يشفق على الناس من موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
قال في الظلال: هل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال عن موسى تلك المقالة؟ أليست بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي كلمة الباطل الكالح في
стр. 5497
وجه الحق الجميل؟! أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث؛ لإثارة الشبهات في وجه الإيمان الهادئ؟! إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق، والباطل، والإيمان، والكفر، والصلاح، والطغيان على توالي الزمان، واختلاف المكان، والقصة قديمة تعرض بين الحين، والحين. انتهى. «صفوة التفاسير» للصابوني.
الإعراب: (قال فرعون): ماض، وفاعله. ﴿ذَرُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَقْتُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تذروني أقتل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والطلب وجوابه في محل نصب مقول القول. (ليدع): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ذَرُونِي،﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول. ﴿أَنْ يُبَدِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى،﴾ والفعل المضارع و (أن) في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْ يُظْهِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾ أيضا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به. هذا؛ ويقرأ «(يظهر)» بفتح الياء من الثلاثي ورفع «(الفساد)» على أنه فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُظْهِرَ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، وجملة:
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.
﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لما سمع-عليه الصلاة، والسّلام-بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي..﴾. إلخ: وفي قوله لقومه، وغيرهم: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه. وقال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ فتشمل استعاذته فرعون، وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض، فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار، وأدل على دناءة صاحبه، وعلى فرط ظلمه، وقال: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ؛﴾ لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر، والتكذيب بالجزاء، وقلة المبالاة بالعاقبة؛
стр. 5498
فقد استكمل أسباب القسوة، والجراءة على الله، وعلى عباده، ولم يترك كبيرة إلا ارتكبها. انتهى.
نسفي.
الإعراب: (قال موسى): ماض، وفاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿عُذْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِرَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿وَرَبِّكُمْ:﴾
معطوف على ما قبله، والكاف وياء المتكلم كلاهما في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿عُذْتُ،﴾ و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلِّ مُتَكَبِّرٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة له. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، فالجملة تصلح لأن تكون صفة ثانية للموصوف المحذوف، وأن تكون في محل نصب حال منه بعد وصفه. ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (يوم) مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ..﴾. إلخ: المعتمد: أنه كان من القبط، وابن عم فرعون، واسمه: شمعان بالشين، أو بالسين. وقيل: حزقيل. وقيل اسمه: حبيب، وليس بشيء؛ لأن حبيب النجار ذكرته في سورة (يس)، ولم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. قال ابن عباس ﵄: وهو الذي نجا مع موسى، ﵇. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-:
هو نفسه الذي أنذر موسى، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى..﴾. إلخ رقم [٢٠] من سورة (القصص). ﴿يَكْتُمُ إِيمانَهُ:﴾ يخفي إيمانه. هذا؛ و «كتم» من باب: نصر، وربما عدي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، واكتتم الشيء: اصفرّ. هذا؛ والكتم، والكتمان: نبت يخضب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم
стр. 5499
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الصديقون: حبيب النّجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الّذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ والثالث: أبو بكر الصّدّيق، وهو أفضلهم». وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٢٥] فإنه جيد جدا.
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بالمعجزات الظاهرات، يعني الآيات التسع إن كان هذا في آخر الأمر، ولكن الظاهر: أن تهديد فرعون، ووعيده بقتل موسى إنما كان في أول الأمر حينما رأى معجزة العصا، وانقلابها حية. وعليه: فالمراد ب: (البينات) معجزة العصا وحدها، وجمعها تعظيما لها، ورفعة لشأنها، أو المراد غيرها معها؛ لأنه اعتقد: أن موسى-﵇-سيجيء بمعجزات كثيرة غيرها.
عن عروة بن الزبير-﵄-قال لعبد الله بن عمرو بن العاص-﵁:
أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله ﷺ ؟ قال: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط لعنه الله، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر-﵁-فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ ، وقال:
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أخرجه البخاري، ومسلم.
وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي ﵁-قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث، فأرادوا قتل رسول الله ﷺ ، فأقبل هذا يجؤه، وهذا يتلتله، فاستغاث النبي ﷺ يومئذ، فلم يغثه أحد إلا أبو بكر-﵁-وله ضفيرتان، فأقبل يجأ هذا، ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ!﴾ والله إنه لرسول الله! فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ، فقال علي كرم الله وجهه: والله ليوم أبي بكر، خير من مؤمن آل فرعون! إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه، وبذل ماله ودمه لله .
﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ:﴾ لم يكن هذا منه لشك منه في رسالة موسى، وصدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف، واستنزالا عن الأذى. والمعنى: إن كان كاذبا عن دعوى الرسالة؛ فضرر كذبه لا يتعداه. ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: وإن كان صادقا في دعواه؛ أصابكم بعض ما وعدكم به من العذاب. إذا من العقل، والرأي الحازم أن تتركوه؛ ونفسه، فلا تؤذوه، ولا تتعرضوا له بسوء، بل اتركوه؛ وشأنه.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أي: لا يوفق إلى طريق الخير من هو متجاوز الحد؛ الذي رسمه له الله تعالى و ﴿كَذّابٌ﴾ يفتري، ويختلق ما لا أصل له، ولو كان موسى كاذبا
стр. 5500
كما تزعمون؛ لكان أمره بينا، يظهر لكل أحد في أقواله، وأفعاله، وهذا نرى أمره سديدا، ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين؛ لما هداه الله، وسدد خطاه، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره، وفعله. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ وقال في البحر: هذا نوع من أنواع علم البيان، يسميه علماؤنا: استدراج المخاطب، وذلك: أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، وقومه على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفى عليهم بها: أنه متعصب له، وأنه من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح، والملاطفة، فقال:
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾ ولم يذكر اسمه، بل قال: رجلا ليوهمهم: أنه لا يعرفه، ثم قال: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ولم يقل: رجلا مؤمنا بالله، أو هو نبي الله؛ إذ لو قال ذلك؛ لعلموا: أنه متعصب له، ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ فقدم الكذب على الصدق موافقة لرأيهم فيه، ثم تلاه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً﴾ ولم يقل: هو صادق، وكذلك قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ولم يقل: كل ما يعدكم، ولو قال ذلك؛ لعلموا: أنه متعصب له، وأنه يصدقه، وأنه يزعم نبوته، ثم أتبعه بكلام يفهم منه: أنه ليس بمصدق له، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ وفيه تعريض بفرعون؛ إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله؛ إذ ادّعى الألوهية، والربوبية. انتهى. صفوة التفاسير.
هذا؛ و ﴿يَكُ﴾ أصله: يكون، فلما دخل الجازم صار: (إن يكون) فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار: (إن يكن) ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من: «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وألا يتصل به ضمير كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
وقال الخنجر بن صخر الأسدي، وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
هذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): «(لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب)» ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
فإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
следующие страницы →