Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
﴿اُقْتُلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَبْناءَ:﴾ مفعول به، و ﴿أَبْناءَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿اُقْتُلُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها، وجملة:
﴿قالُوا اقْتُلُوا..﴾. إلخ جواب (لمّا)، لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿كَيْدُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. وقيل:
في محل نصب حال، وهو ضعيف، وعليه يكون الرابط: الواو فقط.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ أي: لملئه، وحاشيته. ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ أي: اتركوني أقتل موسى، فقد قيل: إنه كان إذا هم بقتله كفوه عنه، وقالوا له: ليس بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك، وما هو إلا ساحر، وإذا قتلته؛ دخلت الشبهة على الناس، واعتقدوا: أنك عجزت عن معارضته بالحجة. والظاهر: أن فرعون-لعنه الله-قد استيقن: أنه نبي، وأن ما جاء به آيات، وما هو بسحر، ولكن كان قتلا سفاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحسّ بأنه هو الذي يهدم ملكه؟! ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك. هذا؛ وقيل: إنما منعوه من قتله؛ لأنه كان فيهم من يعتقد بقلبه: أنه كان صادقا. هذا، وانظر (دع) في سورة (الأحزاب) [٤٨].
﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم: أنه أرسله إلينا، فيمنعه منا. وقيل: هذا شاهد صدق على فرط خوفه منه، ومن دعوته ربه، وكان قوله: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى﴾ تمويها على قومه، وإيهاما: أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه في الحقيقة إلا ما في نفسه من هول الفزع. ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أي: يغير ما أنتم عليه من الدين، وكانوا يعبدونه، ويعبدون الأصنام. ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ أي: أو أن يثير الفتن، والقلاقل في بلدكم، ويكثر بسببه الهرج، والمرج، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكرا. يعني: واعظا، يشفق على الناس من موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
قال في الظلال: هل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال عن موسى تلك المقالة؟ أليست بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي كلمة الباطل الكالح في
стр. 5497
وجه الحق الجميل؟! أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث؛ لإثارة الشبهات في وجه الإيمان الهادئ؟! إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق، والباطل، والإيمان، والكفر، والصلاح، والطغيان على توالي الزمان، واختلاف المكان، والقصة قديمة تعرض بين الحين، والحين. انتهى. «صفوة التفاسير» للصابوني.
الإعراب: (قال فرعون): ماض، وفاعله. ﴿ذَرُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَقْتُلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للطلب، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تذروني أقتل، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿مُوسى:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والطلب وجوابه في محل نصب مقول القول. (ليدع): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى موسى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ذَرُونِي،﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وهي من جملة مقول القول. ﴿أَنْ يُبَدِّلَ:﴾ مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى،﴾ والفعل المضارع و (أن) في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْ يُظْهِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿مُوسى﴾ أيضا. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْفَسادَ:﴾ مفعول به. هذا؛ ويقرأ «(يظهر)» بفتح الياء من الثلاثي ورفع «(الفساد)» على أنه فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يُظْهِرَ﴾ معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مثله، وجملة:
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، لا محل لها مثلها.
﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لما سمع-عليه الصلاة، والسّلام-بما أجراه فرعون من حديث قتله لقومه: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي..﴾. إلخ: وفي قوله لقومه، وغيرهم: ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ بعث لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه. وقال: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ فتشمل استعاذته فرعون، وغيره من الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض، فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر: الاستكبار عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار، وأدل على دناءة صاحبه، وعلى فرط ظلمه، وقال: ﴿لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ؛﴾ لأنه إذا اجتمع في الرجل التكبر، والتكذيب بالجزاء، وقلة المبالاة بالعاقبة؛
стр. 5498
فقد استكمل أسباب القسوة، والجراءة على الله، وعلى عباده، ولم يترك كبيرة إلا ارتكبها. انتهى.
نسفي.
الإعراب: (قال موسى): ماض، وفاعله. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿عُذْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿بِرَبِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة. ﴿وَرَبِّكُمْ:﴾
معطوف على ما قبله، والكاف وياء المتكلم كلاهما في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله. وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿عُذْتُ،﴾ و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلِّ مُتَكَبِّرٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة له. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ صفة لموصوف محذوف، فالجملة تصلح لأن تكون صفة ثانية للموصوف المحذوف، وأن تكون في محل نصب حال منه بعد وصفه. ﴿بِيَوْمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (يوم) مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَقالَ مُوسى..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ..﴾. إلخ: المعتمد: أنه كان من القبط، وابن عم فرعون، واسمه: شمعان بالشين، أو بالسين. وقيل: حزقيل. وقيل اسمه: حبيب، وليس بشيء؛ لأن حبيب النجار ذكرته في سورة (يس)، ولم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. قال ابن عباس ﵄: وهو الذي نجا مع موسى، ﵇. وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-:
هو نفسه الذي أنذر موسى، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى..﴾. إلخ رقم [٢٠] من سورة (القصص). ﴿يَكْتُمُ إِيمانَهُ:﴾ يخفي إيمانه. هذا؛ و «كتم» من باب: نصر، وربما عدي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث، وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، واكتتم الشيء: اصفرّ. هذا؛ والكتم، والكتمان: نبت يخضب به الشعر، ويصنع منه مداد الكتابة. ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]
فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم
стр. 5499
ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم
لو كنت أعلم أنّي ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم
روي عن النبي ﷺ أنه قال: «الصديقون: حبيب النّجار مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون الّذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ والثالث: أبو بكر الصّدّيق، وهو أفضلهم». وانظر ما ذكرته في سورة (يس) رقم [٢٥] فإنه جيد جدا.
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بالمعجزات الظاهرات، يعني الآيات التسع إن كان هذا في آخر الأمر، ولكن الظاهر: أن تهديد فرعون، ووعيده بقتل موسى إنما كان في أول الأمر حينما رأى معجزة العصا، وانقلابها حية. وعليه: فالمراد ب: (البينات) معجزة العصا وحدها، وجمعها تعظيما لها، ورفعة لشأنها، أو المراد غيرها معها؛ لأنه اعتقد: أن موسى-﵇-سيجيء بمعجزات كثيرة غيرها.
عن عروة بن الزبير-﵄-قال لعبد الله بن عمرو بن العاص-﵁:
أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله ﷺ ؟ قال: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط لعنه الله، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر-﵁-فأخذ بمنكبه، ودفعه عن رسول الله ﷺ ، وقال:
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أخرجه البخاري، ومسلم.
وخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي ﵁-قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث، فأرادوا قتل رسول الله ﷺ ، فأقبل هذا يجؤه، وهذا يتلتله، فاستغاث النبي ﷺ يومئذ، فلم يغثه أحد إلا أبو بكر-﵁-وله ضفيرتان، فأقبل يجأ هذا، ويتلتل ذا، ويقول بأعلى صوته: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ!﴾ والله إنه لرسول الله! فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ، فقال علي كرم الله وجهه: والله ليوم أبي بكر، خير من مؤمن آل فرعون! إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه، وبذل ماله ودمه لله .
﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ:﴾ لم يكن هذا منه لشك منه في رسالة موسى، وصدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف، واستنزالا عن الأذى. والمعنى: إن كان كاذبا عن دعوى الرسالة؛ فضرر كذبه لا يتعداه. ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ أي: وإن كان صادقا في دعواه؛ أصابكم بعض ما وعدكم به من العذاب. إذا من العقل، والرأي الحازم أن تتركوه؛ ونفسه، فلا تؤذوه، ولا تتعرضوا له بسوء، بل اتركوه؛ وشأنه.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ أي: لا يوفق إلى طريق الخير من هو متجاوز الحد؛ الذي رسمه له الله تعالى و ﴿كَذّابٌ﴾ يفتري، ويختلق ما لا أصل له، ولو كان موسى كاذبا
стр. 5500
كما تزعمون؛ لكان أمره بينا، يظهر لكل أحد في أقواله، وأفعاله، وهذا نرى أمره سديدا، ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين؛ لما هداه الله، وسدد خطاه، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره، وفعله. انتهى. مختصر ابن كثير.
هذا؛ وقال في البحر: هذا نوع من أنواع علم البيان، يسميه علماؤنا: استدراج المخاطب، وذلك: أنه لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى، وقومه على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفى عليهم بها: أنه متعصب له، وأنه من أتباعه، فجاءهم بطريق النصح، والملاطفة، فقال:
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً﴾ ولم يذكر اسمه، بل قال: رجلا ليوهمهم: أنه لا يعرفه، ثم قال: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾ ولم يقل: رجلا مؤمنا بالله، أو هو نبي الله؛ إذ لو قال ذلك؛ لعلموا: أنه متعصب له، ولم يقبلوا قوله، ثم أتبعه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كاذِباً﴾ فقدم الكذب على الصدق موافقة لرأيهم فيه، ثم تلاه بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً﴾ ولم يقل: هو صادق، وكذلك قال: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ولم يقل: كل ما يعدكم، ولو قال ذلك؛ لعلموا: أنه متعصب له، وأنه يصدقه، وأنه يزعم نبوته، ثم أتبعه بكلام يفهم منه: أنه ليس بمصدق له، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ وفيه تعريض بفرعون؛ إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله؛ إذ ادّعى الألوهية، والربوبية. انتهى. صفوة التفاسير.
هذا؛ و ﴿يَكُ﴾ أصله: يكون، فلما دخل الجازم صار: (إن يكون) فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، فصار: (إن يكن) ثم حذفت النون للتخفيف، ولكثرة الاستعمال. وهذا الحذف جائز، وغير لازم، وله شروط: أن يكون مضارعا ناقصا من: «كان»، وأن يكون مجزوما بالسكون، وأن لا يكون بعده ساكن، وألا يتصل به ضمير كما في الآية الكريمة، وغيرها كثير، وهو وارد في الكلام العربي شعرا، ونثرا، ولا تحذف النون عند فقد الشروط إلا في ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٢٤٤] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى... فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
وقال الخنجر بن صخر الأسدي، وهو الشاهد رقم [٢٤٣] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] فإن لم تك المرآة أبدت وسامة... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
هذا؛ وقرئ شاذا قوله تعالى في سورة (البينة): «(لم يك الذين كفروا من أهل الكتاب)» ولم تحذف النون في قول أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-لجريانه على القاعدة: [الطويل]
دع الخمر تشربها الغواة فإنني... رأيت أخاها مجزئا بمكانها
فإلاّ يكنها، أو تكنه فإنّه... أخوها غذته أمّه بلبانها
стр. 5501
هذا؛ وأما (آل) فأصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: (أأل) ثم أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدا مجانسا لحركة الهمزة الأولى»، وذلك مثل: آدم، وإيمان، وأومن، فإن الأصل: أأدم، وإإمان، وأؤمن، وقلب الهمزة سائغ مستعمل لغة في:
أراق، فإن أصله: هراق، وهو كثير مستعمل في الشعر العربي وغيره، وهذا مذهب سيبويه، وقال الكسائي: أصله: (أول) كجمل من: آل، يؤول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا؛ وقد صغروه على (أهيل) وهو يشهد للأول، وعلى (أويل) وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل (آل) إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف: أهل، يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجام، ولكن أهله، ولا ينتقض بآل فرعون، فإن له شرفا باعتبار الدنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنحاس، وزعم أبو بكر الزبيدي: أنه من لحن العوام، والصحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جد النبي ﷺ : [مجزوء الكامل]
لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصّلي... ب وعابديه اليوم آلك
الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال رجل): ماض، وفاعله. ﴿مُؤْمِنٌ:﴾ صفة:
﴿رَجُلٌ﴾. ﴿مِنْ آلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿رَجُلٌ﴾ إن كان قبطيا، ومتعلقان بالفعل بعدهما إن كان إسرائيليا، و ﴿آلِ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿يَكْتُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿إِيمانَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿يَكْتُمُ إِيمانَهُ﴾ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَجُلٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿وَقالَ رَجُلٌ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَتَقْتُلُونَ:﴾
الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. (تقتلون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله.
﴿رَجُلاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْ يَقُولَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿رَبِّيَ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، و ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لقوله: ربي الله؛ أي: وربكم.
﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَجُلاً،﴾ والكاف مفعول به. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل
стр. 5502
قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَقُولَ﴾ المستتر، أو من: ﴿رَجُلاً،﴾ وساغ ذلك لتقدم الاستفهام عليه، وعلى الوجهين فالرابط: الواو، والضمير. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾
متعلقان بالفعل (جاء)، وتعليقهما بمحذوف حال من (البينات) جيد، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم؛ لأنه فعل شرط، وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه يعود إلى: ﴿رَجُلاً﴾. ﴿كاذِباً:﴾ خبر: ﴿يَكُ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَعَلَيْهِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (عليه): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كَذِبُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو في محل نصب مقول القول ل: (قال). ﴿وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ﴾ هذا الكلام معطوف على ما قبله، فهو مثله في إعرابه ومحله، و ﴿بَعْضُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعِدُكُمْ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والعائد رجوع الفاعل إليه.
﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسم ﴿أَنْ﴾. ﴿رَجُلاً:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿مُؤْمِنٌ:﴾
اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ صلة الموصول لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول الرجل.
﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين في الأرض أرض مصر.
وهذا دليل قطعي على أن الرجل كان قبطيا، ولذلك أضافهم إلى نفسه بقوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه، ونصحه، وهو يريد منهم أن يشكروا الله على نعمته عليهم بالإيمان به، وعبادته، وتصديقه رسوله فيما يدعوهم إليه.
﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ:﴾ من عذابه، وانتقامه. ﴿إِنْ جاءَنا:﴾ وحينئذ لا تغني عنكم هذه الجنود، وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بعذابه، وانتقامه. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾
стр. 5503
لقومه ردا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد: ﴿ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى﴾ أي: ما أقول لكم، وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى-﵇-فيما جاء به من الرسالة، كما قال تعالى في سورة (النمل) رقم [١٤]: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ فقد كذب فرعون، وافترى، وخان رعيته فغشهم، وما نصحهم.
﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق، والصدق، والرشد، وقد كذب أيضا في ذلك. وإن كان قومه قد أطاعوه، واتبعوه. قال الله ﵎ في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٩٧]: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وقال جلت عظمته، وتعالت حكمته في سورة (طه) رقم [٧٩]: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى﴾.
وخذ ما يلي: عن معقل بن يسار-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاشّ رعيّته إلا حرّم الله تعالى عليه الجنة». وفي رواية «فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنّة». رواه البخاري ومسلم.
الإعراب: ﴿يا قَوْمِ:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: (أدعو). (قوم): منادى منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء المحذوفة ضمير في محل جر بالإضافة، وحذف الياء هذه إنما هو بالنداء خاصة؛ لأنه لا لبس فيه، ومنهم من يثبت الياء ساكنة، فيقول: (يا قومي). ومنهم من يثبتها، ويحركها بالفتحة، فيقول: (يا قومي) ومنهم من يقلبها ألفا بعد فتح ما قبلها، فيقول: (يا قوما) ومنهم من يحذف الياء بعد قلبها ألفا، وإبقاء الفتحة على الميم دليلا عليها، فيقول: (يا قوم). قال ابن مالك في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
ويزاد سادسة، وهي لغة القطع: (يا قوم) بضم الميم، ففي الحديث الشريف: «يقول:
يا ربّ! يا ربّ!» وقرئ في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ..﴾. إلخ. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُلْكُ:﴾
مبتدأ مؤخر. ﴿الْيَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿الْمُلْكُ﴾. وقيل: متعلق بالخبر المحذوف، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٦] عن أبي البقاء. ﴿ظاهِرِينَ:﴾ حال من كاف الخطاب منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان ب: ﴿ظاهِرِينَ﴾. ﴿فَمَنْ:﴾
الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة ولا وجه له. (من): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَنْصُرُنا:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من)، و (نا): مفعول به. ﴿مِنْ بَأْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَأْسِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿جاءَنا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، و (نا): مفعوله، والفاعل يعود
стр. 5504
إلى: ﴿بَأْسِ اللهِ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ إذ التقدير: إن جاءنا بأس الله؛ فمن ينصرنا منه؟ هذا؛ والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول؛ لأنه من مقول الرجل المؤمن.
﴿قالَ فِرْعَوْنُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿أُرِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. (ما): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿أَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، ومفعوله محذوف، وهو العائد، واكتفى بمفعول واحد؛ لأنه بصري، والأول مثله إلا أنه تعدى إلى اثنين بواسطة همزة التعدية، وقال أبو البقاء: وهو من الرأي: الذي بمعنى:
الاعتقاد. ولا وجه له، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، التقدير: إلا الذي، أو: إلا شيئا أراه. وجملة: ﴿ما أُرِيكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ معطوفة عليها، فهي مثلها في محل نصب مقول القول، وإعرابها مثلها بلا فارق، وجملة: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠)﴾
الشرح: هذا إخبار من الله- -عن هذا الرجل الصالح: «مؤمن آل فرعون»: أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا، والآخرة، فقال: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ أراد بالأحزاب: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر؛ كيف حل بهم بأس الله، وعقابه، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد، وأراد بيوم الأحزاب: مثل أيامهم، وإنما أفرده؛ لأنه لما أضافه إلى الأحزاب، وفسرهم بما يلي، ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار؛ اقتصر على الواحد من الجمع، وانظر شرح ﴿الْأَحْزابِ﴾ في سورة (ص) رقم [١١].
الإعراب: (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿آمَنَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والمتعلق محذوف، تقديره:
بالله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿إِنِّي:﴾
حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿أَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا.
﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به، و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف إليه، و ﴿يَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿الْأَحْزابِ﴾ مضاف إليه، وجملة:
﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
стр. 5505
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١)﴾
الشرح: ﴿مِثْلَ..﴾. إلخ: أي: إني أخاف عليكم مثل جزاء، وعقوبة قوم نوح، وعاد، وثمود؛ حيث أهلكهم الله بذنوبهم في الدنيا. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: مثل قوم إبراهيم، ولوط، وشعيب وغيرهم. هذا؛ وعاد هم: قوم هود، وثمود هم: قوم صالح، على نبينا، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ..﴾. إلخ: أي: فلا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام. والمعنى: أن تدميرهم، وإهلاكهم كان عدلا منه تعالى؛ لأنهم استحقوه بسبب أعمالهم الخبيثة، وهو أبلغ من قوله تعالى: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ حيث جعل المنفي إرادة ظلم منكّر، ومن بعد عن إرادة ظلم ما لعباده؛ كان عن الظلم أبعد، وأبعد. وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعيد؛ لأن أهل اللغة قالوا: إذا قال الرجل لآخر: لا أريد ظلما لك؛ معناه: لا أريد أن أظلمك.
هذا؛ وانظر الإرادة في الآية رقم [٤] من سورة (الزمر). أما (الدأب) فهو: العادة، والشأن، والحال، وهو أيضا مصدر: دأب في العمل من باب قطع؛ إذا جد واستمر فيه، وهو بمعانيه كلها تفتح الهمزة وتسكن، قال تعالى في سورة (آل عمران) وسورة (الأنفال): ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا..﴾. إلخ، وانظر شرح (مثل) في سورة (يس) رقم [١٥]، وشرح ﴿قَوْمِ﴾ في سورة (الصافات) رقم [٣٠]، وشرح لفظ الجلالة في سورة (ص) رقم [٦٥].
الإعراب: ﴿مِثْلَ:﴾ بدل من سابقه، أو عطف بيان عليه، و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و ﴿دَأْبِ﴾ مضاف إليه، و ﴿قَوْمِ﴾ مضاف، و ﴿نُوحٍ﴾ مضاف إليه. ﴿وَعادٍ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف أيضا مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر معطوف على ما قبله.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمَا:﴾ الواو:
واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة. ﴿اللهُ:﴾ اسم (ما)، أو مبتدأ. ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿ظُلْماً:﴾ مفعول به. ﴿لِلْعِبادِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان ب: ﴿ظُلْماً؛﴾ لأنه مصدر، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (ما)، أو في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما بعده، والرابط: الواو فقط. وقيل: معطوفة على ما قبلها، وعليه فلا محل لها.
﴿وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢)﴾
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ..﴾. إلخ: أي: وقال الرجل المؤمن أيضا. فخوفهم بالعذاب الأخروي بعد أن خوفهم بالعذاب الدنيوي. و ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ هو يوم القيامة، يكثر فيه نداء أصحاب الجنة
стр. 5506
أصحاب النار، وبالعكس. والنداء بالسعادة لأهلها، وبالشقاوة لأهلها، فينادي مناد: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا! وفلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا. وينادي مناد حين يذبح الموت في صورة كبش على الصراط: يا أهل الجنة! خلود لا موت، ويا أهل النار! خلود لا موت. وينادي المؤمن في ذلك اليوم: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ وينادي الكافر، والفاجر، والظالم: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ وينادي بعض الظالمين بعضا بالويل، والثبور، وعظائم الأمور، فيقولون: يا ويلنا هذا يوم الدين. ومنه أن تدعى كل أمة بكتابها، وكل أناس بإمامهم. ومنه أن تنادي الملائكة أصحاب الجنة: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال أمية بن أبي الصلت: [الوافر]
وبثّ الخلق فيها إذ دحاها... فهم سكّانها حتّى التّناد
هذا؛ وقال القرطبي: زاد في الوعظ، والتخويف، وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا..﴾. إلخ رقم [٤٥] الآتية.
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [٣٠] ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿التَّنادِ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للفاصلة، والآية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا.
﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: تولون منهزمين من هول عذاب جهنم. قال المفسرون: إن الكفار، والفجار إذا سمعوا زفير النار؛ أدبروا هاربين، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة يتلقونهم، فيضربون وجوههم، فيرجعون إلى مكانهم، فتتلقفهم جهنم. وهذا معنى قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾. ﴿ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ أي: من مانع يمنعكم من عذاب الله. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٣] من سورة (الزمر) تجد فيها الشرح، والإعلال وافيين.
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾. ﴿تُوَلُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.
﴿مُدْبِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة مؤكدة؛ لأنها من معنى الفعل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم... إلخ. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿عاصِمٍ﴾ بعدهما. ﴿مِنَ:﴾ حرف جر صلة.
﴿عاصِمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال
стр. 5507
المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط. هذا؛ ويجوز اعتبار: ﴿عاصِمٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور: ﴿لَكُمْ﴾ لاعتماده على النفي، ويكون المعنى والتقدير: ما يوجد لكم عاصم من الله، وعليه: فالجملة فعلية، وهي في محل نصب حال، كما في الوجه الأول، وجملة: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي من مقول الرجل المؤمن. وقيل: هي من قول موسى، والأول أقوى وأولى بالاعتبار.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ... :﴾ إلخ: انظر الإعراب في الآية رقم [٢٣] من سورة (الزمر).
﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ..﴾. إلخ: قيل: إن هذا من قول موسى، على نبينا، وعليه ألف سلام وألف صلاة، والمعتمد: أنه من تمام وعظ مؤمن آل فرعون، ذكّرهم قديم عتوهم على الأنبياء، والمراد: بيوسف: الصديق بن يعقوب، فإن فرعونه عاش إلى زمن موسى. قال ابن جريج: هو يوسف بن يعقوب بعثه الله تعالى رسولا إلى القبط بعد موت الملك من قبل موسى بالبينات، وهي الرؤيا. وقال ابن عباس-﵄: هو يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نبيا عشرين سنة. والمعتمد: أن يوسف هو ابن يعقوب، وأن فرعون موسى هو فرعون آخر غير فرعون يوسف. والكلام إنما هو من خطاب الأبناء بما فعل الآباء، كما خاطب اليهود الموجودين في عصر نبينا بما فعل آباؤهم كثيرا وكثيرا. والمراد بالبينات: المعجزات التي ظهرت على يد يوسف الصديق.
وقيل: المراد بها الرؤيا التي رآها يوسف في منامه. وانظر تفصيل ذلك في السورة المسماة باسمه.
﴿فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ﴾ أي: من أمر الدين؛ أي: أسلافكم كانوا في شك؛ لأنهم أطاعوا يوسف لما منحه الله من التمكين في مصر بسبب الوزارة التي أسندت إليه، والجاه العظيم الذي أعطاه الله إياه. ﴿حَتّى إِذا هَلَكَ:﴾ مات. ﴿قُلْتُمْ:﴾ لن يبعث الله من بعده رسولا:
ضموا إلى تكذيب رسالة الصديق تكذيبا في رسالة من يأتي بعده، أو جزموا بأن لا يبعث الله بعده رسولا مع الشك في رسالته. وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي، والتمني من غير حجة، ولا برهان عليه، بل قالوا ذلك ليكون لهم أساسا في تكذيب الرسل؛ الذين يأتون بعده.
﴿كَذلِكَ﴾ أي: مثل ذلك الإضلال. ﴿يُضِلُّ اللهُ﴾ أي: في الكفر، والعصيان، ومخالفة، أوامره. ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ أي: متجاوز في الحد؛ الذي رسمه الله تعالى. ﴿مُرْتابٌ:﴾ شاك فيما تشهد به البينات؛ لغلبة الوهم، والانهماك في الكفر، والمعاصي.
стр. 5508
هذا؛ والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد. والهداية: خلق فعل الاهتداء في العبد. هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وقد يعترض بعض الناس على خلق فعل الضلال في العبد، فيقول:
إذا لا مؤاخذة على العبد! والجواب: أن معنى خلق... إلخ تقدير ضلاله، وهذا التقدير مبني على علم الله الأزلي بأن العبد لو ترك وشأنه؛ لم يختر سوى الكفر والضلال، ولذا قدره الله عليه، هذا بالإضافة إلى اختياره الضلال بعد أن بين الله للناس الخير والشر، والحسن والقبيح، كما قال تعالى في سورة البلد: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: بينا له طريق الخير، والشر. وخذ ما يلي:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله خلق الخلق في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلّ». أخرجه الترمذي. وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٢٩]: ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم، وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف، تقديره: أقسم، واللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿جاءَكُمْ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿يُوسُفُ:﴾
فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، وانظر الآية رقم [٦٢] من سورة (يس). ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿يُوسُفُ،﴾ التقدير: مصحوبا بالبينات. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿زِلْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي شَكٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (زال)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿شَكٍّ،﴾ أو بمحذوف صفة له، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلا بالباء.
﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١٢]. ﴿هَلَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿يُوسُفُ﴾. والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿قُلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿يَبْعَثَ اللهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ وفاعله. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولاً،﴾ كان صفة له، انظر الآية رقم [١٣]. ﴿رَسُولاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ يَبْعَثَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْتُمْ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا،﴾ و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له، والأخفش يعتبر ﴿حَتّى﴾ جارة هنا والمقام يؤيده؛ إذ المعنى: استمر الشك في قلوبكم إلى أن هلك يوسف قلتم... إلخ.
стр. 5509
﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر، و (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يضل الله... إضلالا مثل هذا الضلال.
﴿يُضِلُّ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مُسْرِفٌ:﴾ خبر أول. ﴿مُرْتابٌ:﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها. هذا؛ والآية بكاملها من مقول الرجل المؤمن، والجملة الأخيرة تحتمل أن تكون من مقول الله تعالى، فتكون مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام. والأول أولى.
﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ﴾ أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل، وحجة معهم من الله تعالى. والمراد: فرعون، ومن على شاكلته من الضالين الفاسدين المفسدين في كل زمان، ومكان. ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ:﴾ مقت الله تعالى ذمه لهم، ولعنه إياهم، وإحلال العذاب بهم. وانظر الآية رقم [١٠]. ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: والمؤمنون يبغضون من هذه صفته. هذا؛ والفعل ﴿كَبُرَ﴾ محول إلى صيغة فعل التي هي للذم هنا، وتكون للمدح أيضا، كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ وانظر رقم [٥٥].
﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: كما ختم الله على قلوب هؤلاء المجادلين، كذلك يختم بالضلال على قلب كل متكبر عن الإيمان، متجبر على العباد، حتى لا يعقل الرشاد، ولا يقبل الحق. وإنما وصف القلب بالتكبر، والجبروت؛ لكونه مركزهما، ومحلهما، وهو سلطان الجوارح، والأعضاء، فمتى فسد؛ فسدت كلها، ومتى صلح؛ صلحت كلها، ولهذا قال النبي ﷺ : «ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه؛ ألا وهي القلب». أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي عن النعمان بن بشير-﵄. وهذا الشرح لا يصح إلا على قراءة: «(قلب)» واعتبار (متكبر) صفة له، وهو على هذا يحتاج إلى تقدير محذوف، التقدير: على كل ذي قلب متكبّر، فتجعل الصفة لصاحب القلب. أو التقدير: يطبع الله على كلّ قلب على كلّ متكبر، فحذفت كل الثانية لتقدم ما يدل عليها، وإذا لم يقدر كل لم يستقم المعنى؛ لأنه يصير معناه: أنه يطبع على جميع قلبه، وليس المعنى عليه، وإنما المعنى: أنه يطبع على قلوب المتكبرين الجبارين قلبا قلبا، ومنه قول جارية بن الحجاج الإيادي: [المتقارب]
أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد باللّيل نارا
стр. 5510
يريد: وكل نار. انتهى. قرطبي. هذا؛ والطبع: الختم، وهو التأثير في الطين، ونحوه، فاستعير هنا لعدم فهم القلوب ما يلقى عليها، وإذا طبع على قلب إنسان؛ فلا تؤثر فيه حينئذ الموعظة، ولا تجدي معه النصيحة، قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. والطبع: السجية، والخلق؛ الذي طبع عليه الإنسان، والطبيعة مثله، وجمع الأول:
طباع، وجمع الثاني: طبائع. هذا؛ والطبع: تدنس العرض، وتلطخه، يقال: طبع السيف: إذا دخله الجرب من شدة الصدأ، وطبع الرجل، فهو طبع: إذا أتى عيبا. يقال: نعوذ بالله من طمع يدني إلى طبع؛ أي: إلى دنس. قال ثابت بن قطنة: [البسيط]
لا خير في طمع يدني إلى طبع... وعفّة من قوام العيش تكفيني
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿مِنْ؛﴾ لأنه بمعنى: الجمع. أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم، أو أعني. أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. أو هو في محل رفع مبتدأ خبره ما بعده.
﴿يُجادِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي آياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿آياتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (غير) مضاف، و ﴿سُلْطانٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَتاهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿سُلْطانٍ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿سُلْطانٍ﴾.
﴿كَبُرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير المصدر المفهوم من: ﴿يُجادِلُونَ،﴾ أو هو ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلا زيد، وبئس غلاما عمرو. ﴿مَقْتاً:﴾ تمييز.
﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَقْتاً،﴾ أو بمحذوف صفة له، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿عِنْدَ:﴾ معطوف على ما قبله، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية بعده مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿كَبُرَ مَقْتاً..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه مر ذكره، ومستأنفة على اعتباره تابعا لما بعده، أو منصوبا بفعل محذوف.
﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف، خبر مبتدأ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله بعده، التقدير: يطبع الله... طبعا مثل الطبع الذي يطبعه الله على قلوب الذين يجادلون في آيات الله... إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿يَطْبَعُ اللهُ:﴾ مضارع، وفاعله. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿قَلْبِ﴾ مضاف إليه، و ﴿قَلْبِ﴾ مضاف، و ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ مضاف إليه، وهو في الأصل صفة لموصوف محذوف، التقدير: على كل قلب شخص متكبر.
стр. 5511
﴿جَبّارٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف. هذا؛ وعلى تنوين (قلب) ف: ﴿مُتَكَبِّرٍ﴾ و ﴿جَبّارٍ﴾ صفتان له. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿يَطْبَعُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾ على وجه قاله أبو البقاء، وعليه فالجملة الاسمية: «الأمر كذلك» معترضة بين المبتدأ، والخبر، وعلى الوجه الثاني في تعليق: ﴿كَذلِكَ﴾ فالجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦)﴾
الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما قال مؤمن آل فرعون ما قال، وخاف فرعون أن يتمكن كلام هذا المؤمن في قلوب القوم؛ أوهم: أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن بان له صوابه؛ لم يخفه عنهم، وإن لم يصح؛ ثبتهم على دينهم، فأمر وزيره هامان ببناء الصرح. انتهى. فإسناد البناء، إلى هامان مجاز عقلي؛ لأنه سبب، فهو آمر يأمر، ولا يبني بنفسه، والباني هم الفعلة من العمال.
قال أهل التفسير: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح؛ جمع هامان العمال، والفعلة؛ حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء، سوى الأتباع، والأجراء، وطبخ الأجر، والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير، وأمر بالبناء فبنوه، ورفعوه، وشيدوه؛ حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وأراد الله أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه، ارتقى فرعون فوقه، وأخذ نشابة، ورمى بها نحو السماء، فردت إليه، وهي ملطخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعند مقالته هذه؛ بعث الله جبريل، ﵇، فضرب الصرح بجناحه، فقطعه ثلاث قطع، فوقعت منه قطعة على عسكر فرعون، فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة منه في البحر، وقطعة في المغرب، فلم يبق أحد عمل شيئا فيه إلا هلك. هذا؛ والصرح: القصر الشامخ. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ:﴾ انظر الآية رقم [١٠] من سورة (ص)، ففيها الكفاية.
هذا؛ وأصل الترجي: طلب المحبوب المتوقع حصوله، كقولك: لعل الغائب يقدم. أو للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ سورة (طه) رقم [٤٤]. وأما التمني؛ فهو طلب المستحيل، أو ما فيه العسر، فالأول كقول أبي العتاهية الصوفي: [الوافر]
ألا ليت الشباب يعود يوما... فأخبره بما فعل المشيب
وأما الثاني؛ فهو كقول المعسر الآيس: ليت لي قنطارا من الذهب فأزكّيه. هذا؛ والصرح: بيت واحد يبنى مفردا طولا عاليا شامخا ضخما. وقال في الكشاف: الصرح البناء الظاهر، الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد، اشتقوه من: صرح الشيء: إذا ظهر، وصرّح بما في نفسه: أظهره، وبينه.
الإعراب: (قال): فعل ماض. ﴿فِرْعَوْنُ:﴾ فاعله. (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو.
(هامان): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب: (يا). ﴿اِبْنِ:﴾ فعل أمر مبني على
стр. 5512
حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر، تقديره:
«أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صَرْحاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مع الجملة الندائية قبلها في محل نصب مقول القول. ﴿لَعَلِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿أَبْلُغُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الْأَسْبابَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، وجملة:
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ:﴾ أبوابها، وطرقها. وقيل: الأمور التي تستمسك بها السموات. وفائدة التكرار: أن الثاني بدل من الأول، والشيء إذا أبهم، ثم أوضح؛ كان تفخيما لشأنه، فلما أراد ما أمل بلوغه من أسباب السموات، أبهمها، ثم أوضحها. وما في سورة الفاتحة ليس منك ببعيد. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى:﴾ فأنظر إليه نظر مشرف عليه، توهم اللعين:
أن الله جسم تحويه الأماكن، وكان اللعين يدعي الألوهية، ويرى تحقيقها بالجلوس في مكان مشرف. هذا؛ و ﴿أَسْبابَ﴾ جمع: سبب، و ﴿أَسْبابَ السَّماواتِ:﴾ مراقيها، أو نواحيها، أو أبوابها. والسبب أيضا: الحبل، وما يتوصل به، إلى غيره. وقد جمع زهير بن أبي سلمى بينهما بقوله في معلقته رقم [٥٠]: [الطويل]
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه... وإن يرق أسباب السماء بسلّم
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً:﴾ في دعوى الرسالة، أو في ادعائه إلها دوني، والظن هنا بمعنى:
اليقين؛ أي: وأنا أتيقن: أنه كاذب، وإنما أقول ما أقوله؛ لإزالة الشبهة عمن لا يتيقن ما أتيقنه.
﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ:﴾ ادعاؤه الألوهية، وتعاليه في الأرض، وتمرده على ربه، وطغيانه، وفساده في الأرض. ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: ومنع عن الطريق المستقيم، وهو الهدى، والإيمان بسبب سوء عمله. ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: تدبير الكيد لموسى، وقومه، ومكره الذي اتخذه؛ ليدفع ما جاء به موسى من الحق المبين. ﴿إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ أي: في خسران، وضلال، وضياع، وهلاك، ومنه قوله تعالى في سورة (المسد): ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [١٠٣]: ﴿وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
تنبيه: قرئ «(زيّن)» بالبناء للفاعل على أن الفاعل هو الله، وقرئ بالبناء للمجهول، على أن المزين هو الشيطان، ومن الأول قوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٤]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. ومن الثاني قوله تعالى في سورة (النمل) أيضا رقم [٢٤]:
стр. 5513
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ وقد قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته؛ أي: في الآية الأولى. وقد أسنده إلى الشيطان؛ أي:
في الآية الثانية؟! قلت: بين الإسنادين فرق، وذلك: أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله تعالى مجاز، وله طريقان في علم البيان:
أحدهما: أنه من المجاز الذي يسمى استعارة. والثاني أن يكون من المجاز الحكمي.
فالطريق الأول: أنه لما متعهم بطول العمر، وسعة الرزق، وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم، وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم، وبطرهم، وإيثار الراحة، والترفه، ونفارهم مما يلزمهم فيه من التكاليف الصعبة، والمشاق المتعبة؛ فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة -صلوات الله وسلامه عليهم-في قولهم: ﴿وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾.
والطريق الثاني: أن إمهاله الشيطان، وتخليته؛ حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه؛ لأن المجاز الحكمي يصححه بعض الملابسات. وقيل: هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها زينها الله لهم، فعموا عنها، وضلوا. ويعزى إلى الحسن. انتهى. كشاف. وهذا مبني على مذهبه في الاعتزال.
وأما عند أهل السنة فالمزين في الحقيقة هو الله تعالى، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط، فمن أراد الله شقاوته؛ سلطه عليه؛ حتى يقبل وسوسته، وهذا مبني عند أهل السنة على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله فيه كما قال تعالى في سورة (الصافات) رقم [٩٦]:
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾. وانظر ما ذكرته في شرح هذه الآية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَسْبابَ:﴾ بدل من ﴿الْأَسْبابَ﴾ بدل كل من كل، و ﴿أَسْبابَ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَأَطَّلِعَ:﴾ الفاء: للسببية. (أطلع) فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء في جواب الأمر، أو هو منصوب على التوهم، وهو تقدير الفعل ﴿أَبْلُغُ﴾ منصوبا ب: «أن»؛ لأن خبر «لعل» كثيرا جاء مقرونا ب: «أن» والعطف على التوهم كثير، وإن كان لا ينقاس. أو هو منصوب في جواب الترجي، وهو مذهب الكوفيين. والبصريون لا يجيزونه، وإلى قول الكوفيين نحا الزمخشري، قال: تشبيها للترجي بالتمني. و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لعل بلوغ الأسباب واطلاعا إلى إله موسى حاصلان مني. هذا؛ وأجاز ابن هشام عطفه على الأسباب، وذكر بيت ميسون، وهو الشاهد رقم (٨٦٨) من كتابنا: «فتح القريب المجيب». [الوافر]
للبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وما ذكرته من العطف على التوهم، لا يجوز أدبا مع القرآن الكريم، فالأحسن أن يقال: هو منصوب على المعنى. انظر ما ذكرته في سورة (المنافقون) عند قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ﴾
стр. 5514
الصّالِحِينَ. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع عطفا على ﴿أَبْلُغُ﴾ ومعنى النصب خلاف معنى الرفع؛ لأن معنى النصب: متى بلغت الأسباب اطلعت. ومعنى الرفع: لعلي أبلغ الأسباب، ثم لعلي أطلع بعد ذلك، إلا أن ثم أشد تراخيا من الفاء. انتهى. قرطبي. وفاعل (أطلع) مستتر تقديره: «أنا».
﴿إِلى إِلهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿إِلهِ﴾ مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: واو الحال. (إني): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿لَأَظُنُّهُ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (أظنه): فعل مضارع، والفاعل تقديره:
«أنا»، والهاء مفعول به أول. ﴿كاذِباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (أطلع) المستتر، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَكَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (كذلك): جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: زين لفرعون سوء عمله تزيينا مثل تزيين القول المذكور له. ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِفِرْعَوْنَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿سُوءُ:﴾
نائب فاعله، وهو مضاف، و ﴿عَمَلِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وعلى قراءة الفعل بالبناء للمعلوم فالفاعل يعود إلى (الله)، و ﴿سُوءُ﴾ مفعول به. (صد): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿لِفِرْعَوْنَ﴾. ﴿عَنِ السَّبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. هذا؛ وقرئ: «(وصدّ)» على أنه مصدر معطوف على: ﴿سُوءُ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما):
نافية. ﴿كَيْدُ:﴾ مبتدأ، و ﴿كَيْدُ﴾ مضاف، و ﴿لِفِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، وهذه الإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي تَبابٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من: ﴿لِفِرْعَوْنَ،﴾ فالمعنى لا يأباه، ويكون الرابط: الواو. وإعادة فرعون بلفظه زيادة في التشنيع عليه.
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ:﴾ هو مؤمن آل فرعون: وقيل: هو موسى. وليس بشيء.
﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ:﴾ طريق الهدى، والخير، لا كما قال فرعون في الآية رقم [٢٩] فإنه كاذب في دعواه.
قال الزمخشري: أجمل لهم، ثم فسر، فافتتح بذم الدنيا، وتصغير شأنها؛ لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله، ويجلب الشقاوة في العاقبة،
стр. 5515
وثنى بتعظيم الآخرة، والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن المستقر، وذكر الأعمال سيئها وحسنها، وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين: دعوته إلى دين الله، الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد، الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك، واحتشد. لا جرم أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم، وعبرة للمعتبرين، وهو قوله تعالى في آخر هذه الآيات: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ﴾.
الإعراب: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] و [٣٠]. ﴿اِتَّبِعُونِ:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وبعضهم قرأ بإثباتها مفعول به. ﴿أَهْدِكُمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وعند الجمهور مجزوم بشرط محذوف، التقدير: إن تتبعون؛ أهدكم، والفاعل مستتر تقديره: «أنا» والكاف مفعول به أول. ﴿سَبِيلَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿سَبِيلَ﴾ مضاف، و ﴿الرَّشادِ﴾ مضاف إليه، والكلام: ﴿يا قَوْمِ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ أي: يتمتع بها قليلا، ثم تنقطع، وتزول، وانظر الآية رقم [١٤٨] من سورة (الصافات). ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ أي: الاستقرار، والخلود، ومراده بالدار الآخرة: الجنة، والنار؛ لأنهما لا يفنيان. والمعنى: أن الدنيا فانية منقرضة، لا منفعة فيها، وأن الآخرة باقية دائمة، والباقي خير من الفاني. قال بعض العارفين:
لو كانت الدنيا ذهبا فانيا، والآخرة خزفا باقيا؛ لكانت الآخرة خيرا من الدنيا، فكيف والدنيا خزف، والآخرة ذهب باق؟!
الإعراب: ﴿يا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩]. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿هذِهِ:﴾ اسم إشارة مبني على السكر في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿الْحَياةُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مَتاعٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْآخِرَةَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿دارُ:﴾ خبر المبتدأ، و ﴿دارُ﴾ مضاف، و ﴿الْقَرارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا؛ ف: ﴿دارُ الْقَرارِ﴾ خبر (إنّ)، والآية الكريمة بكاملها من مقول الرجل المؤمن.
стр. 5516
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها:﴾ وهذا من فضله تعالى؛ حيث لا يعاقب في الآخرة إلا بمقدار السيئة التي يعملها العبد عدلا منه تعالى، وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها. والمراد: بالسيئة: الشرك، وغيره من المعاصي والمنكرات؛ التي يرتكبها العبد، وتقييد القرطبي لها بالشرك لا وجه له. وأصل ﴿سَيِّئَةً﴾ (سيوئة) فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً..﴾. إلخ: فهذا تصريح من العلي القدير: أن الأنثى مثل الذكر بالمجازاة على عمل الخير، وكذلك بالمجازاة على عمل الشر، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تصريح بأن العمل الصالح بدون إيمان غير مقبول عند الله، وهذا يسمى في فن البديع احتراسا، والعكس هو الصحيح أيضا بأن الإيمان بدون عمل قد لا يجدي؛ لأن الله تعالى لم يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر العمل الصالح معطوفا عليه، وهو كثير في الآيات القرآنية، لا يعد، ولا يحصى.
﴿فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ أي: أولئك المحسنون العمل يدخلون جنات النعيم، ويعطون جزاءهم بغير تقدير، بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله وكرما، لا يتقدر بجزاء، بل يثيبه الله ثوابا كثيرا لا انقضاء له، ولا نفاد، وبغير ميزان، وبغير مكيال. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾.
الإعراب: ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿عَمِلَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو».
﴿سَيِّئَةً:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يُجْزى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو المفعول الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِثْلَها:﴾
مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول لا محل لها، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة بعدها صلتها، وخبرها جملة: ﴿فَلا يُجْزى..﴾. إلخ، واقترنت بالفاء لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الوجهين مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً:﴾ إعرابه مثل سابقه بلا فارق. ﴿مِنْ ذَكَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم في (من). ﴿أُنْثى:﴾ معطوف على: ﴿ذَكَرٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
стр. 5517
في محل نصب حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها معترضة؛ فلا محل لها. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يَدْخُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿الْجَنَّةَ:﴾
مفعول به، وانظر الآية رقم [٢٦] من سورة (يس)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، وباقي الكلام مثل سابقه. ﴿يُرْزَقُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الضمير فقط. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (غير) مضاف، و ﴿حِسابٍ﴾ مضاف إليه.
﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ﴾ أي: إلى طريق الإيمان الموصل إلى النجاة من النار. ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ﴾ أي: تدعونني إلى الكفر المؤدي إلى النار. والاستفهام للتعجب، كأنه يقول: أتعجب من حالكم هذه، أدعوكم إلى النجاة، والخير، وتدعونني إلى النار، والشر؟! فقد كرر نداءهم في هذه الآيات إيقاظا لهم عن سنة الغفلة، واهتماما بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه، كما كرر إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كلمة: ﴿يا أَبَتِ﴾.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ قلت: فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو، وأما الثالث؛ فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. وانظر شرح (قوم) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الصافات).
الإعراب: ﴿وَيا قَوْمِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿أَدْعُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال الاستفهام. ﴿إِلَى النَّجاةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. (تدعونني): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الظاهر، وهذا لا يصح، إلا بتقدير:
ومالكم تدعونني إلى النار؟ ويضعف أن تكون الجملة حالا بسبب العطف؛ أي: مالي أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلى النار؟! لذا فالمرجح اعتبار الجملة مستأنفة. انتهى. جمل بتصرف كبير.
стр. 5518
﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: تدعونني للكفر بالله، وأن أعبد ما ليس لي علم بربوبيته، وما ليس بإله حقّ، كفرعون، وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكا للإله الحق؟! ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر، والشرك بين: أنه يدعوهم إلى الإيمان بالإله الحق، فقال:
﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ أي: القوي الغالب على أمره القاهر فوق عباده، الغفار لذنوب عباده المؤمنين التائبين المنيبين. هذا؛ وأتى في قوله: ﴿تَدْعُونَنِي﴾ بجملة فعلية ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ﴾ بجملة اسمية ليدل على ثبوت دعوته، وتقويتها. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
الإعراب: ﴿تَدْعُونَنِي:﴾ هذه الجملة بدل مما قبلها، وبيان لها، فمحلها مثلها. ﴿لِأَكْفُرَ:﴾
فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل تقديره: «أنا»، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بِاللهِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. و (أشرك): معطوف على: (أكفر) وفاعله تقديره: «أنا» فهو داخل معه في تقدير المصدرية. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، ويجيز بعضهم تعليقهما بمحذوف حال من ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والجملة الفعلية: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد الضمير المجرور محلا بالباء، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ نكرة موصوفة؛ فالجملة الفعلية صفتها.
﴿وَأَنَا:﴾ الواو: واو الحال. (أنا): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿أَدْعُوكُمْ:﴾ مضارع مرفوع، وفاعله تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿إِلَى الْعَزِيزِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْغَفّارِ:﴾ بدل مما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنَا..﴾. إلخ في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير.
﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿لا جَرَمَ:﴾ انظر الإعراب يتضح لك معناها. ﴿أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: الذي
стр. 5519
تدعونني إلى عبادته، وتقديسه، وتعظيمه من عبادة الأصنام، وألوهية فرعون. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: ليست له استجابة دعوة لأحد في الدنيا، ولا في الآخرة. وقيل:
ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لأن الأصنام لا تدّعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها، ولكن فرعون ادّعى الربوبية؛ حيث قال في سورة (القصص) رقم [٣٨]: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾. ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ:﴾
مرجعنا، ومصيرنا إلى الله بالموت، فيجازي كلاّ بعمله؛ إن خيرا؛ فخير، وإن شرا فشر.
﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ:﴾ المتجاوزين حدود الله بالكفر، وارتكاب المعاصي، واجتراح السيئات، وانتهاك المحرمات. ﴿هُمْ أَصْحابُ النّارِ:﴾ ملازموها، وملاكها لا يخرجون منها، ولا يغادرونها، ومثلهم: أصحاب الجنة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: لفظ ﴿لا جَرَمَ﴾ ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع متلوّ ب: (أنّ) واسمها، ولم يجيء بعدها فعل: أحدها: في هذه السورة، وثلاثة في سورة (النحل) برقم [٢٣] و [٦٢] و [١٠٩] والخامس في سورة (هود) رقم [٢٢] وفي إعرابه أربعة أقوال:
أحدها: وهو مذهب الخليل وسيبويه: أنهما مركبتان من (لا) النافية، و (جرم) وبنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر، وصار معناهما بمعنى: فعل، وهو: (حقّ) فعلى هذا فالمصدر المؤول من «أنّ» واسمها، وخبرها في محل رفع فاعل، فقوله تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّما..﴾. إلخ:
أي: وثبت كون الذي تدعونني إليه. هذا ما نقله السمين عن الخليل، وسيبويه، ونقل مكي عنهما: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى: حقّ في موضع رفع بالابتداء، والمصدر المؤول من (أنّ) واسمها، وخبرها في محل رفع خبر، فاختلف النقل عن الخليل، وسيبويه. رحم الله الجميع برحمته الواسعة، ورحمنا معهم.
الثاني: أن ﴿لا جَرَمَ﴾ بمنزلة: (لا رجل) في كون ﴿لا﴾ نافية للجنس. و ﴿جَرَمَ﴾ اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محل رفع بالابتداء، وما بعدهما خبر: ﴿لا﴾ النافية، وصار معناها: لا محالة أنما تدعونني... إلخ؛ أي: كون دعوتكم إياي، وهذا الوجه عزاه مكي إلى الخليل أيضا.
الوجه الثالث: أن ﴿لا﴾ نافية لكلام متقدم، تكلم به فرعون، وأشياعه، فرد الرجل المؤمن عليهم بقوله: ﴿لا﴾ كما ترد ﴿لا﴾ هذه قبل القسم في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي جرم أن ما تدعونني... إلخ، و ﴿جَرَمَ﴾ فعل ماض معناه كسب، وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، و (أنّ) وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأن ﴿جَرَمَ﴾ يتعدى إذا كان بمعنى: كسب، وعلى هذا فالوقف على قوله ﴿لا﴾ ثم يبتدأ ب: ﴿جَرَمَ﴾ بخلاف ما تقدم. انتهى. جمل. وهذا القول عزاه مكي للزجاج.
стр. 5520
الوجه الرابع: أن معنى: ﴿لا جَرَمَ﴾ لا حدّ، ولا منع، ولا صدّ، ويكون: ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى:
القطع، تقول: جرمت كذا؛ أي: قطعته، فيكون ﴿جَرَمَ﴾ اسم: ﴿لا﴾ مبني معها على الفتح كما تقدم، وخبرها (أنّ) وما في حيزها على حذف حرف الجر؛ أي: لا منع من دعوتكم إياي إليه، فيعود فيه الخلاف المشهور. انتهى. جمل. وهذا القول عزاه مكي للكسائي.
(أنّ): حرف مشبه بالفعل. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب اسمها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والعائد الضمير المجرور محلا ب: (إلى). ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿دَعْوَةٌ﴾ اسمها مؤخر. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿دَعْوَةٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجملة:
﴿لَيْسَ لَهُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر، انظر الإعراب المتقدم لترى محل هذا المصدر.
هذا؛ والمصدر المؤول من: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ﴾ معطوف على ما قبله. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْمُسْرِفِينَ:﴾ اسم (أنّ) منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، و ﴿أَصْحابُ﴾ مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ) والمصدر المؤول معطوف على ما قبله على جميع الاعتبارات فيه، والآية بكاملها من مقول الرجل المؤمن. هذا؛ وأجيز اعتبار الضمير فصلا، وهو غير وجيه.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به، وما نهيتكم عنه، ونصحتكم، فتتذكرون حين لا ينفعكم التذكر، وتندمون حيث لا يفيدكم الندم. ففيه وعيد، وتهديد لهم. ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ:﴾ أتوكل على الله، وأعتمد عليه، وأستعينه، وأستهديه.
وانظر شرح ﴿يَتَوَكَّلُ،﴾ و (التوكل) في الآية رقم [٣٨] من سورة (الزمر). ﴿إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي: عليم وخبير بأحوال العباد، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ، والحكم الصائب.
الإعراب: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفصيحة. ولا وجه له ألبتة. السين:
حرف استقبال. (تذكرون): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿ما:﴾
تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَقُولُ:﴾ مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان
стр. 5521
بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير:
فستذكرون الذي، أو: شيئا أقوله لكم، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: قولي لكم. ﴿وَأُفَوِّضُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (أفوض): فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنا». ﴿أَمْرِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبرها. ﴿بِالْعِبادِ:﴾ متعلقان ب: ﴿بَصِيرٌ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. والآية بكاملها من مقول الرجل المؤمن.
﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا:﴾ فحفظه الله من مكر فرعون، وقومه، وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب به، نجا مع موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
وهذا في الدنيا، وفي الآخرة يكون في أعلى عليين مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ:﴾ وهو الغرق في البحر، ثم النقلة إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا، ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة؛ اجتمعت أرواحهم، وأجسادهم في النار. وانظر الآية التالية.
تنبيه: لما نصح الرجل المؤمن فرعون، وقومه؛ توعدوه بالقتل، ففر هاربا من بينهم، فأرسل فرعون خلفه ألفا من جنوده؛ ليأتوا به، أو ليقتلوه، فأكلت السباع بعضهم، ورجع بعضهم هاربا، فقتل فرعون من رجع عقوبة لهم على عدم قتلهم لذلك الرجل. وفي البيضاوي: أن ذلك الرجل فر منهم إلى جبل، فأتبعه فرعون طائفة من جنوده، فوجدوه يصلي، والوحوش صفوف حوله، فرجعوا رعبا، فقتلهم فرعون. انتهى. هذا؛ والمكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر، فهو ماكر، ومكّار. قال الشاعر: [الطويل]
قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر
وقال زياد بن يسار، وهو الشاهد رقم (١٠٢١) من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] تعلّم شفاء النّفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر
هذا؛ ونسب المكر إلى الله تعالى في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٤٢]: ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ وهو بمعنى: المجازاة، والعقاب، والانتقام. انظره في محاله تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
стр. 5522
الإعراب: ﴿فَوَقاهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (وقاه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿سَيِّئاتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وهو على حذف مضاف، التقدير:
فوقاه الله عقاب ﴿سَيِّئاتِ﴾. و ﴿سَيِّئاتِ﴾ مضاف، و ﴿ما﴾ والفعل بعدها تؤولان بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: سيئات مكرهم. ﴿مَكَرُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية: (وقاه.. إلخ) مستأنفة، لا محل لها، وقبلها كلام كثير مقدر، انظره في الشرح، لذا فالقول: الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق جيد. (حاق):
فعل ماض. ﴿بِآلِ:﴾ متعلقان به، و (آل) مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿سُوءُ:﴾ فاعل (حاق)، و ﴿سُوءُ﴾ مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَحاقَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا:﴾ يعني صباحا ومساء. قال ابن مسعود ﵁: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود، يعرضون على النار في كل يوم مرتين، تغدو، وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون! هذه منازلكم؛ حتى تقوم الساعة. وقيل:
تعرض روح كل كافر على النار بكرة، وعشيا ما دامت الدنيا، ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر، أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.
فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ؛ إن كان من أهل الجنة؛ فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النّار فمن أهل النّار، يقال: هذا مقعدك؛ حتى يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة». متفق عليه.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا..﴾. إلخ: قال ابن عباس-﵄: ألوان من العذاب غير الذي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا. وروى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما أحسن محسن من مسلم، أو كافر إلا أثابه الله تعالى!». قال: قلنا: يا رسول الله! ما إثابة الله الكافر؟ فقال: «إن كان قد وصل رحما، أو تصدّق بصدقة، أو عمل حسنة؛ أثابه الله ﵎ المال، والولد، والصحّة، وأشباه ذلك». أخرجه ابن أبي حاتم والبزار.
هذا؛ ويقرأ بنصب (النّار) وقرئ: «(ادخلوا)» بوصل الهمزة. هذا؛ وقال الجوهري: العشي، والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشية أمس... إلخ وانظر ما ذكرته في الآية
стр. 5523
رقم [١٨] من سورة (الروم) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر شرح ﴿السّاعَةُ﴾ برقم [١٤] منها أيضا، وانظر ما أذكره في الآية رقم [٢٠] من سورة (الأحقاف) بشأن القلب فإنه جيد.
الإعراب: ﴿النّارُ:﴾ بالرفع فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من: ﴿سُوءُ الْعَذابِ﴾. الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو؛ أي: سوء العذاب النار؛ لأنه جواب لسؤال مقدر، و ﴿يُعْرَضُونَ﴾ على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالا من ﴿النّارُ،﴾ ويجوز أن يكون حالا من: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾. الثالث: أن ﴿النّارُ﴾ مبتدأ، وجملة: ﴿يُعْرَضُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبره. وقرئ «(النّار)» منصوبا، وفيها وجهان: أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر، يفسره الفعل بعده من حيث المعنى؛ أي: يصلون النار يعرضون عليها كقوله تعالى في آخر سورة الدهر: ﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾. والثاني: أن ينتصب (النّار) على الاختصاص. قاله الزمخشري، فعلى الأول: لا محل ل: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ لكونه مفسرا، وعلى الثاني: هو حال، كما تقدم. انتهى. جمل نقلا عن السمين.
﴿يُعْرَضُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله. ﴿عَلَيْها:﴾
جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وانظر محل الجملة فيما ذكر آنفا. ﴿غُدُوًّا:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿وَعَشِيًّا:﴾ معطوف عليه. (يوم): فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه متعلق بفعل محذوف، مقدر ب: «يقال». الثاني: أنه متعلق ب: ﴿أَدْخِلُوا﴾ أي: أدخلوا يوم تقوم الساعة.
وعلى هذين الوجهين فالوقف تام على قوله (عشيا). والثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون متعلقا ب: ﴿يُعْرَضُونَ﴾ مثلهما، والوقف على هذا على قوله: ﴿السّاعَةُ،﴾ و (أدخلوا) معمول لقول مقدر؛ أي: يقال لهم: كذا وكذا. انتهى. جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وجملة:
﴿تَقُومُ السّاعَةُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿أَدْخِلُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿آلَ:﴾ مفعول به أول، و ﴿آلَ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه. ﴿أَشَدَّ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الْعَذابِ﴾ مضاف إليه، وهذا على قراءة قطع الهمزة واعتبار الفعل من الرباعي، وأما على وصل الهمزة، واعتبار الفعل من الثلاثي؛ ف: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ منادى بأداة نداء محذوفة، و ﴿أَشَدَّ﴾ مفعول به، وعلى الوجهين فالجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، انظر تقديره فيما تقدم.
﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ﴾ أي: يتخاصم أهل النار فيما بينهم، ومنهم فرعون، وأتباعه. ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ وهم الأتباع. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ وهم القادة، والسادة، والكبراء في الدنيا. ﴿إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر، والضلال.
стр. 5524
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ:﴾ دافعون، أو متحملون عنا قسطا وجزآ من العذاب. والتبع يكون واحدا، ويكون جمعا في قول البصريين، واحده: تابع، وقال الكوفيون: هو جمع، لا واحد له كالمصدر، فلذلك لم يجمع، ولو جمع؛ لقيل: أتباع. ومثل هذه الآية، وتاليتها في المخاصمة، والملاومة الآية رقم [٢١] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
قال الرازي: علم الضعفاء: أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل الرؤساء، وإيلام قلوبهم؛ لأنهم سعوا في إيقاعهم في أنواع الضلالات. هذا؛ و ﴿مُغْنُونَ﴾ اسم فاعل أصله: مغنيون؛ لأنه من: أغنى، يغني الرباعي، فقل في إعلاله: استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، ثم قلبت كسرة النون ضمة لمناسبة الواو. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل وأكرم.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إذ): ظرف لما يستقبل من الزمان هنا مبني على السكون في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا الفعل المقدر. وقال البيضاوي: ويحتمل عطفه على ﴿غُدُوًّا﴾. ﴿يَتَحاجُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذ) إليها. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بما قبلهما.
﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (يقول الضعفاء): مضارع وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها، وفيها تفسير معنى المحاجة. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿تَبَعاً﴾ أو بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما تقدم عليه؛ صار حالا على القاعدة التي رأيتها في الآية رقم [١٣]. ﴿تَبَعاً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل): حرف استفهام. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُغْنُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿نَصِيباً:﴾
مفعول به ل: ﴿مُغْنُونَ﴾ على تضمينه معنى: دافعون. وقيل: منصوب بمحذوف يدل عليه:
﴿مُغْنُونَ﴾ أي: حاملون. وقيل: هو مصدر ل: ﴿شَيْئاً﴾ في قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ أي: هو نائب مفعول مطلق ف: «شيئا» مرادف ل: «غنى» فكذلك ﴿نَصِيباً﴾ مرادف له. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان ب: ﴿نَصِيباً،﴾ أو بمحذوف صفة له، أو
стр. 5525
هما متعلقان ب: ﴿مُغْنُونَ﴾ على اعتبار ﴿نَصِيباً﴾ مصدرا، والجملة الاسمية: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ..﴾.
إلخ استئنافية لا محل لها. وجملة: ﴿إِنّا كُنّا... :﴾ إلخ في محل نصب مقول القول.
﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا:﴾ عن الإيمان، وعن متابعة الرسل، والانقياد لهم، وهم القادة والرؤساء والعظماء في الدنيا. ﴿إِنّا كُلٌّ فِيها﴾ أي: نحن، وأنتم فيها؛ فكيف نغني عنكم؟! ولو قدرنا؛ لأغنينا عن أنفسنا. هذا؛ وقرئ: «(كلا)» على التأكيد لاسم (إن). وأجاز ذلك الكسائي، والفراء، ومنع ذلك سيبويه، والمبرد؛ لأنه لا يجوز عندهما أن يبدل من المضمر هنا؛ لأنه مخاطب، ولا يبدل الظاهر من المخاطب، ولا من المتكلم؛ لأنهما لا يشكلان، فيبدل منهما. هذا نص كلام المبرد، والقراءة ليست سبعية. ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ:﴾
بأن أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، لا معقب لحكمه. وقسم العذاب بين الأتباع، والمتبوعين، والحاكمين، والمحكومين بقدر ما يستحقه كل منهم، كما قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٨]: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿اِسْتَكْبَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنّا:﴾
حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، والتنوين عوض من المضاف إليه؛ إذ التقدير: كلنا. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (كل)، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿حَكَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿الْعِبادِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليلية، وهي في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ﴾ أي: الأتباع، والمتبوعون؛ الذين أودعوا في جهنم بعد أن تحاجوا فيما بينهم، وتلاوموا، بل ولعن بعضهم بعضا، قالوا لخزنة جهنم مستغيثين بهم، ومستنجدين، ومستناصرين: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ..﴾. إلخ؛ أي: اسألوا ربكم، وتوسلوا إليه أن يخفف عنا العذاب ولو يوما واحدا! هذا؛ ووضع ﴿جَهَنَّمَ﴾ موضع الضمير للتهويل، أو لبيان محلهم فيها. وهذا بعد أن ضاقت حيلهم، وعييت بهم عللهم، والمراد: ب: ﴿يَوْماً؛﴾ أي:
стр. 5526
مقدار يوم من أيام الدنيا؛ لأنه ليس في الآخرة ليل، ولا نهار، وانظر دركات النار في الآية رقم [٧١] من سورة (الزمر). هذا؛ والتعبير في الماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق وقوعه.
الإعراب: (قال الذين): ماض، وفاعله. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
﴿لِخَزَنَةِ:﴾ متعلقان ب: (قال)، و (خزنة) مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿اُدْعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يُخَفِّفْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور مجزوم بشرط محذوف مقدر، والفاعل يعود إلى:
﴿رَبَّكُمْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَوْماً:﴾ ظرف زمان، متعلق بالفعل قبله، والمفعول محذوف، التقدير: يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم، ويجوز أن يكون الجار والمجرور ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ في محل المفعول به، و ﴿مِنَ﴾ تبعيضية، ويجوز اعتبار:
﴿يَوْماً﴾ مفعولا به، الأصل: يخفف عنا عذاب يوم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، على حد قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً..﴾. إلخ وعلى هذا: فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿يَوْماً،﴾ والكلام: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. وجملة:
﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة؛ الذين هم خزنة جهنم، قالوا للكافرين الذين استغاثوا بهم، وطلبوا منهم الدعاء على سبيل التوبيخ، والتقريع: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي:
بالحجج الواضحة والبراهين الساطعة، ومثله في سورة (الزمر) رقم [٧١] قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ وفي سورة (الملك) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ..﴾. إلخ رقم [٨].
﴿قالُوا بَلى﴾ أي: قال الكفار: جاءتنا رسلنا بالبينات، ولكن كذبنا. ﴿وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ رقم [٩] من سورة (الملك)، وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في الآية رقم [٨١] من سورة (يس). ﴿قالُوا﴾ أي: الملائكة مجيبين لأهل النار. ﴿فَادْعُوا﴾ أي: أنتم ادعوا، فنحن لا نجترئ على الدعاء؛ إذ لم يؤذن لنا فيه لأمثالكم. وفيه إقناط لهم من الإجابة، ودلالة على الخيبة، وليس فيه رجاء للمنفعة؛ لأن الملائكة المقربين إذا لم يسمع دعاؤهم، فكيف يسمع دعاء الكفار، والظالمين، والمفسدين، والمعتدين؟! ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ أي: في ضياع، وخسار، وتبار.
стр. 5527
فعندئذ يقول بعضهم لبعض: دعونا من الخلق، تعالوا ندع ربنا، فلا أحد أكرم من ربنا! يقولون: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ﴾ فالجواب يكون بما يلي: ﴿قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ الآيات من سورة (المؤمنون) رقم [١٠٧ و ١٠٨ و ١٠٩] وانظر ما أذكره في سورة (الزخرف) رقم [٧٧] وخذ ما يلي:
فعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يلقى على أهل النار الجوع؛ حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع؛ الذي لا يسمن، ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصّون به، فيذكرون:
أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم، وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة يقولون: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ...»﴾. إلخ أخرجه الترمذي، وغيره. انتهى. قرطبي.
أقول: وكله مأخوذ من الآيات القرآنية، قال تعالى في سورة (الغاشية): ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً،﴾ وقال في سورة (محمد) ﷺ الآية رقم [٥١]: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾.
الإعراب: ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. الواو: عاطفة على محذوف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة للتخفيف، كما رأيت في الآية رقم [٢٨]. ﴿تَأْتِيكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به. ﴿رُسُلُكُمْ:﴾ تنازعه الفعلان قبله: ﴿تَكُ﴾ يطلبه اسما له، و ﴿تَأْتِيكُمْ﴾ يطلبه فاعلا له. انظر تفصيل ذلك وشرحه في الآية رقم [٢٢]، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَأْتِيكُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿تَكُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة قبلها، التقدير: ألم تنتهوا، ولم تك تأتيكم... إلخ، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول، وهو قائم مقام كلام كثير. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فَادْعُوا:﴾ الفاء: زائدة، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير:
وإذا كان ذلك حصل؛ فادعوا، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وإنما كانت الجمل الثلاث مستأنفة؛ لأن كل واحدة منهن بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿دُعاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة
стр. 5528
المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿فِي ضَلالٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي محتملة لأن تكون من كلام الخزنة، وأن تكون من كلام الله تعالى إخبارا لنبيه ﷺ ، وهو الأنسب لما بعده، وهو قول الجلال؛ أي: إنها في محل نصب مقول القول لقول محذوف. وقيل في محل نصب حال، ولا يؤيده المعنى البتة.
﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١)﴾
الشرح: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ أي: بالحجة، والظفر، والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال، والقتل، وغير ذلك من العقوبات. ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق لهم من صورة الغلبة امتحانا، فإن العبرة إنما هي بالعواقب، وغالب الأمر، وقد نصرهم الله بالقهر على من عاداهم، وأهلك أعداءهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، فإنه قتل به سبعون ألفا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٧٢] من سورة (الصافات)، وفي سورة (الروم) رقم [٤٧]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: كذلك منصورون بعون الله وفاء بوعده، جلت قدرته، وتعالت حكمته. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ:﴾ المراد بهم من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة، والأنبياء، والعلماء، والمؤمنين، يشهدون للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب. ثم ﴿الْأَشْهادُ﴾ جمع:
شهيد، مثل: شريف، وأشراف. وقال الزجاج: جمع: شاهد، مثل: صاحب، وأصحاب. وقال النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال، ولا يقاس عليه، ولكن ما جاء منه مسموعا أدّي كما سمع، وكان على حذف الزوائد. انتهى. قرطبي. هذا؛ والكثير أن يجمع شاهد على:
شهداء، ولم يجمع على أشهاد إلا في هذه السورة، وفي الآية رقم [١٨] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وقد عدّ محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-في كتابه: (التبيان في علوم القرآن) من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم الوفاء بالوعد في كل ما أخبر عنه، وكل ما وعد الله به عباده، قال: وهذا الوعد ينقسم إلى قسمين: وعد مطلق، ووعد مقيد، فالوعد المطلق كوعده بنصر رسوله، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه، ونصر المؤمنين على الكافرين. وقد تحقق ذلك كله، وذكر مطلع سورة (الفتح) وسورة (النصر) بكاملها، والآية التي نحن بصدد شرحها، ثم قال: ومن الوعد المطلق قوله جل ثناؤه في سورة (الروم) رقم [٤٧]: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقد تحقق نصر المؤمنين في مواطن عديدة: في بدر، والأحزاب، وحنين، وغير ذلك من المعارك العظيمة؛ التي شهدها تاريخ الإسلام. وذكر آيات (الأنفال) ثم قال: ومن الوعد المطلق أيضا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ..﴾. رقم [٣٣] من سورة (التوبة) ورقم [٢٨] من سورة (الفتح)، ورقم [٩] من سورة (الصف).
стр. 5529
أما الوعد المقيد فهو ما كان فيه شرط، كشرط التقوى، أو شرط الصبر، أو شرط نصرة دين الله، وما شابه ذلك، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ رقم [٧] من سورة محمد ﷺ ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ رقم [٢ و ٣] من سورة (الطلاق) وبعدها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾. وقد وعد المؤمنين بالنصر بشرط الصبر، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٥]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..﴾. إلخ. انتهى. بتصرف كبير مني.
الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لَنَنْصُرُ:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(ننصر) فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿رُسُلَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على: ﴿رُسُلَنا،﴾ وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل (ننصر). ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَيَوْمَ:﴾ ظرف زمان معطوف على الجار والمجرور قبله، التقدير: لننصر رسلنا في الحياة الدنيا وفي يوم القيامة، وجملة: ﴿يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ في محل جر بإضافة (يوم) إليها، وجملة: ﴿لَنَنْصُرُ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والقائل هو الله تعالى، كما رأيت في الجملة السابقة.
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: عذرهم لو اعتذروا. وهذا جواب عما يقال:
إن ما في هذه الآية يدل على أنهم يذكرون الأعذار؛ إلا أنها لا تنفعهم، وقال في سورة (المرسلات) رقم [٣٦]: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فما وجه الجمع بين ما هنا، وهناك؟ وتقرير الجواب: أن ما هناك لا يدل إلا على أنهم ليس عندهم عذر مقبول نافع، وهذا يصدق بأن لا يتعذروا أصلا، فلا منافاة بينهما، إن كان سلب النفع لانتفاء أصل المعذرة، وأما إن كان سلب النفع مبنيا على أنهم يذكرون الأعذار، ولكنها لا تنفعهم؛ فيحتاج في دفع التناقض إلى اعتبار تعدد الأوقات، فإن يوم القيامة يوم طويل، فجاز أن يعتذروا في وقت، ولا يعتذروا في وقت آخر بأن يمنعوا من الكلام بأن يقال لهم: اخسؤوا فيها، ولا تكلمون! انتهى. زاده. وعبارة الكرخي قوله: (معذرتهم): عذرهم أشار إلى أن المعذرة، والعذر معناهما واحد، وعدم نفع المعذرة؛ لأنها باطلة، أو لأنه لا يؤذن لهم، فيعتذرون، فالآية من نفي المقيد، والقيد. انتهى.
جمل بتصرف. وانظر ما أذكره في سورة (فصلت) رقم [٢٤].
هذا؛ ويقرأ الفعل: ﴿لا يَنْفَعُ﴾ بالتاء؛ لأن الفاعل هو (معذرة) وهو مؤنث مجازي، وما كان منه؛ يجوز تأنيث فعله، وتذكيره، والمعذرة: الاعتذار، فهي مصدر ميمي من: عذره: رفع عنه
стр. 5530
اللوم، والمؤاخذة، والذنب، أو: قبل عذره. وانظر التعبير عن الكافرين بالظالمين، ونحوه في الآية رقم [٥٩] من سورة (يس). ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أي: الطرد، والإبعاد من رحمة الله تعالى.
﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ أي: جهنم يصلونها وبئس المصير، وسوء العاقبة! وانظر (اللعن) في الآية رقم [٦٨] من سورة (الأحزاب).
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من سابقه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَنْفَعُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الظّالِمِينَ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء. ﴿مَعْذِرَتُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿وَلَهُمُ:﴾
الواو: واو الحال. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿اللَّعْنَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الظّالِمِينَ،﴾ والرابط: الواو، والضمير، وما بعدها معطوف عليها. وقيل: الجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ولا وجه له قطعا.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى:﴾ ما يهتدي به في الدين من المعجزات، والصحف، والشرائع، والأحكام. ﴿وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ:﴾ التوراة، والزبور، والإنجيل؛ إذ الكتاب جنس يشمل الكل. ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ أي: في الكتاب الذي، أورثهم الله إياه هداية لهم من الضلالة، وفيه تذكير لهم؛ إن كانوا من ذوي العقول السليمة والفطر المستقيمة، وخص أولي الألباب بالذكر؛ لأنهم هم الذين إذا ذكروا؛ يتذكرون، وإذا وعظوا؛ يتعظون. وانظر شرح (أولي الألباب) في الآية رقم [٢٩] من سورة (ص).
هذا؛ و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب، ومعناه بالعبرانية: صفوة الله، أو عبد الله، ف: «إسرا» هو العبد، أو الصفوة، و «إيل» هو الله، ويعقوب هو ابن إسحاق بن إبراهيم، وقد ولد يعقوب في حياة جده إبراهيم، وحياة جدته سارة، قال تعالى في سورة (هود) في الآية رقم [٧١]:
﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وهو النافلة التي امتن الله بها على إبراهيم بقوله: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ ولقد وجدت في كثير من المراجع الموجودة لديّ: أن يعقوب كان توأما مع أخ له اسمه عيصو في بطن واحد، فعند خروجهما من بطن أمهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيصو ليعقوب: إن لم تدعني أخرج قبلك؛ وإلا خرجت من جنبها! فتأخر يعقوب شفقة على أمه، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين. والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 5531
أما ﴿هُدىً﴾ فأصله: هديا، أو: هدي، بضم الهاء، وفتح الدال. وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار: ﴿هُدىً،﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا فلا يوجد ما يدل عليها، وقل مثل هذا في كل اسم مقصور جرد من أل، والإضافة ونون. هذا؛ وانظر شرح: (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس).
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾ انظر الآية رقم [٢٣] فالإعراب واحد. ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَأَوْرَثْنا:﴾ الواو: حرف عطف.
﴿وَأَوْرَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة.
﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم لا محل لها. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿هُدىً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. هذا؛ وقال القرطبي. ﴿هُدىً﴾ بدل من: ﴿الْكِتابَ﴾ ويجوز بمعنى: هو ﴿هُدىً،﴾ وليسا بشيء يعتد به. (ذكرى): معطوف على ما قبله. ﴿لِأُولِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين قبلهما على التنازع، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لإحداهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و (أولي) مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه.
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)﴾
الشرح: لما بين الله تعالى: أنه ينصر رسله، وينصر المؤمنين في الدنيا، والآخرة، وضرب المثل في ذلك بحال موسى؛ خاطب بعد ذلك محمدا ﷺ بقوله: فاصبر. أي: على أذى قومك كما صبر موسى-﵇-على أذى فرعون. قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر. انتهى. جمل. نقلا من تفسير الخطيب.
﴿فَاصْبِرْ﴾ أي: يا محمد على أذى قومك، كما صبر من قبلك. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي:
بالنصر، والعزة، والسيادة، كما نصر موسى، وغيره من الرسل على أقوامهم، والله سبحانه لا يخلف وعده. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: وأقبل على أمر دينك، وتدارك فرطاتك، كترك الأولى، والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر، وإظهار الأمر. انتهى.
стр. 5532
بيضاوي. وقال القرطبي: قيل: واستغفر لذنب أمتك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك. على رأي: من يجوز الصغائر على الأنبياء، ومن قال: لا تجوز؛ قال: هذا تعبد للنبي ﷺ بالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَآتِنا ما وَعَدْتَنا﴾ والفائدة: زيادة الدرجات، وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. انتهى.
وهذا الأخير لا وجه له؛ لأن النبي ﷺ معصوم قبل النبوة، وبعدها.
وجملة القول: قد تمسك بهذه الآية، وأمثالها من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء، وقالوا: لو لم يقع من الرسول ﷺ ذنب؛ لما أمر بالاستغفار، والجواب: أن درجة الرسول ﷺ أعلى الدرجات، ومنصبه أشرف المناصب، فلعلو درجته، وشرف منصبه، وكمال معرفته بالله ، فما وقع منه على وجه التأويل، أو الاجتهاد، كما في أسرى بدر، وإذنه في التخلف للمنافقين عن غزوة تبوك، وغير ذلك من أمور الدنيا، فإنه ذنب بالنسبة إلى منصبه العظيم، وجاهه الكريم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وذلك بالنسبة إلى منازلهم العالية، ودرجاتهم الرفيعة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ: أي: داوم على التسبيح، والتحميد لربك في جميع الأوقات.
والمراد منه: الأمر بالمواظبة على ذكر الله، وألا يفتر اللسان عنه؛ حتى يصبح في زمرة الملائكة الأبرار؛ الذين ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء) والمراد بالتسبيح: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به. هذا؛ والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه عام لسائر المكلفين. وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم، الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم-وهو وقت الحياة من موت النوم-بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله ، وأما وقت العشي، وهو آخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله . هذا؛ وقيل: إن المراد بالتسبيح في هذين الوقتين الصلوات الخمس، أقول: وهن من أعظم التسبيح.
هذا؛ والإبكار من طلوع الشمس إلى الضحوة الكبرى، ومثله: بكرة (بضم الباء، وسكون الكاف). هذا؛ ويقابل العشي بالغدو كما في الآية رقم [٤٦] كما يقابل بالغداة: كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٨]: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ كما يقابل الغدو بالآصال، وهو جمع: أصيل، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٣٦]: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ ومثله في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٥] وسورة (الرعد) رقم [١٥] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 5533
الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك قد وقع للأنبياء قبلك؛ فاصبر على أذى قومك، وتأس بهم.
(اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، كما رأيت تقديره، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِذَنْبِكَ:﴾ متعلقان به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (سبح): أمر، وفاعله أنت. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بحمد، وانظر الآية الأخيرة من سورة (الزمر)، و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ متعلقان بالفعل سبح.
﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ..﴾. إلخ: عام في كل مجادل مبطل؛ وإن نزلت في مشركي مكة؛ الذين كانوا يجادلون بالباطل؛ ليدحضوا به الحق. وقيل: هم اليهود، كانوا يقولون للنبي ﷺ : لست صاحبنا، بل هو المسيح بن داود (يريدون الأعور الدجال) يبلغ سلطانه البر، والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك، فهم ينتظرونه كما ينتظر المسلمون المهدي، وعيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر الآية رقم [٣٥] السابقة.
﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ﴾ أي: لا يوجد في صدورهم، وقلوبهم إلا كبر، وتكبر عن الإيمان بك، والانقياد لك، فهم يريدون الرياسة، والزعامة، وأن لا يكون أحد فوقهم، ولذلك عادوك يا محمد! ودفعوا آياتك؛ خيفة أن تتقدمهم، وأن تترأس عليهم، وأن يكونوا تحت يدك، وأمرك، ونهيك؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة. أو أرادوا أن تكون لهم النبوة دونك حسدا، وبغيا. ويدل عليه ما حكاه الله من قولهم: ﴿لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (الأحقاف).
﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي: ببالغي مرادهم من الرياسة، أو النبوة، أو دفع آيات الحق بالباطل، بل ما يرومونه من ذلك ليس بحاصل لهم، بل الحق الذي جئت به هو المرفوع، وقولهم، وقصدهم، ومرادهم هو الموضوع. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: فالتجئ وتحصن بالله من
стр. 5534
كيدهم، ولا تعبأ بهم، فإن الله يدفع عنك شرهم، وينصرك عليهم، ويعلي دينك، ويرفع شأنك.
وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، لا يعزب عنه شيء من ذلك.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وانظر الآية رقم [٣٥] فالإعراب واحد في الباقي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى:
«ما». ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كِبْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَتاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿بِبالِغِيهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (بالغيه): خبر ﴿ما﴾ مجرور لفظا، منصوب محلا. وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مهملة؛ فالضمير مبتدأ، و (بالغيه) خبره، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، وحذفت النون على الاعتبارين للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿كِبْرٌ﴾ وهو أولى من اعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة. والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر رقم [٤]. (استعذ): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم؛ فاستعذ بالله من كيدهم، وشرهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٨] فهو مثله بلا فارق إفرادا وجملة.
﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾
الشرح: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ:﴾ أي: لخلق الله للسموات، والأرض، وإنشاؤهما وابتداعهما على غير مثال سبق أعظم من خلق الناس أجمعين، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر، وأهون؟! والغرض من ذلك الاستدلال على البعث؛ لأن الإله الذي خلق السموات، والأرض مع عظمهما قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها. فمن قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى، قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٣٣]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾
стр. 5535
﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأشق بحسب عادة الناس في مزاولة الأعمال من أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الصغير، وإن كان بالنسبة إلى الله تعالى لا تفاوت بين الصغير، والكبير، وقال تعالى في سورة (الروم) رقم [٢٧]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية.
الإعراب: ﴿لَخَلْقُ:﴾ اللام: لام الابتداء. (خلق): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ خَلْقِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرُ،﴾ و ﴿لَخَلْقُ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف أيضا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل.
﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و ﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له قطعا.
﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾
الشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الجاهل، والعالم، والكافر، والمؤمن.
فهذا مثل ضربه الله لهما؛ أي: فكما لا يتساوى الأعمى مع البصير؛ فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في الظلام. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ حيث شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق، وعدم الاهتداء على الكافر، واستعار البصير للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أي: لا يستوي المحسن، والمسيء، فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث، وزيادة (لا) في المسيء؛ لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل، والكرامة.
﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: إن الذين يتذكرون إذا ذكروا، ويتعظون إذا وعظوا قليلون. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء بالغيبة لمناسبة ما قبله، ويقرأ بالتاء على الخطاب التفاتا من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ، وإظهار العنف الشديد، والإنكار البليغ. وانظر فوائد الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧].
следующие страницы →