← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

أما ﴿هُدىً﴾ فأصله: هديا، أو: هدي، بضم الهاء، وفتح الدال. وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف والتنوين، الذي يرسم ألفا في حالة النصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار: ﴿هُدىً،﴾ وإنما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء الأصلية المحذوفة بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا فلا يوجد ما يدل عليها، وقل مثل هذا في كل اسم مقصور جرد من أل، والإضافة ونون. هذا؛ وانظر شرح: (نا) في الآية رقم [٣٤] من سورة (يس). الإعراب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى﴾ انظر الآية رقم [٢٣] فالإعراب واحد. ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَأَوْرَثْنا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَأَوْرَثْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بَنِي:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جواب القسم لا محل لها. والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿هُدىً:﴾ مفعول لأجله، أو هو حال منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. هذا؛ وقال القرطبي. ﴿هُدىً﴾ بدل من: ﴿الْكِتابَ﴾ ويجوز بمعنى: هو ﴿هُدىً،﴾ وليسا بشيء يعتد به. (ذكرى): معطوف على ما قبله. ﴿لِأُولِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بأحد الاسمين قبلهما على التنازع، أو هما متعلقان بمحذوف صفة لإحداهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، و (أولي) مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)﴾ الشرح: لما بين الله تعالى: أنه ينصر رسله، وينصر المؤمنين في الدنيا، والآخرة، وضرب المثل في ذلك بحال موسى؛ خاطب بعد ذلك محمدا ﷺ بقوله: فاصبر. أي: على أذى قومك كما صبر موسى-﵇-على أذى فرعون. قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر. انتهى. جمل. نقلا من تفسير الخطيب. ﴿فَاصْبِرْ﴾ أي: يا محمد على أذى قومك، كما صبر من قبلك. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي: بالنصر، والعزة، والسيادة، كما نصر موسى، وغيره من الرسل على أقوامهم، والله سبحانه لا يخلف وعده. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أي: وأقبل على أمر دينك، وتدارك فرطاتك، كترك الأولى، والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنه تعالى كافيك في النصر، وإظهار الأمر. انتهى.

стр. 5532

بيضاوي. وقال القرطبي: قيل: واستغفر لذنب أمتك، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك. على رأي: من يجوز الصغائر على الأنبياء، ومن قال: لا تجوز؛ قال: هذا تعبد للنبي ﷺ بالدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَآتِنا ما وَعَدْتَنا﴾ والفائدة: زيادة الدرجات، وأن يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. انتهى. وهذا الأخير لا وجه له؛ لأن النبي ﷺ معصوم قبل النبوة، وبعدها. وجملة القول: قد تمسك بهذه الآية، وأمثالها من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء، وقالوا: لو لم يقع من الرسول ﷺ ذنب؛ لما أمر بالاستغفار، والجواب: أن درجة الرسول ﷺ أعلى الدرجات، ومنصبه أشرف المناصب، فلعلو درجته، وشرف منصبه، وكمال معرفته بالله ، فما وقع منه على وجه التأويل، أو الاجتهاد، كما في أسرى بدر، وإذنه في التخلف للمنافقين عن غزوة تبوك، وغير ذلك من أمور الدنيا، فإنه ذنب بالنسبة إلى منصبه العظيم، وجاهه الكريم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وذلك بالنسبة إلى منازلهم العالية، ودرجاتهم الرفيعة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ..﴾. إلخ: أي: داوم على التسبيح، والتحميد لربك في جميع الأوقات. والمراد منه: الأمر بالمواظبة على ذكر الله، وألا يفتر اللسان عنه؛ حتى يصبح في زمرة الملائكة الأبرار؛ الذين ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء) والمراد بالتسبيح: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به. هذا؛ والخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنه عام لسائر المكلفين. وإنما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم، الذي هو أخو الموت، فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم-وهو وقت الحياة من موت النوم-بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله ، وأما وقت العشي، وهو آخر النهار، فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت، فيستحب له أن يستقبله بالذكر؛ لأنه حالة تشبه الموت، ولعله لا يقوم من تلك النومة، فيكون موته على ذكر الله . هذا؛ وقيل: إن المراد بالتسبيح في هذين الوقتين الصلوات الخمس، أقول: وهن من أعظم التسبيح. هذا؛ والإبكار من طلوع الشمس إلى الضحوة الكبرى، ومثله: بكرة (بضم الباء، وسكون الكاف). هذا؛ ويقابل العشي بالغدو كما في الآية رقم [٤٦] كما يقابل بالغداة: كما في قوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٨]: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ كما يقابل الغدو بالآصال، وهو جمع: أصيل، قال تعالى في سورة (النور) رقم [٣٦]: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ ومثله في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٥] وسورة (الرعد) رقم [١٥] والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 5533

الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك قد وقع للأنبياء قبلك؛ فاصبر على أذى قومك، وتأس بهم. (اصبر): أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، كما رأيت تقديره، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر: (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَاسْتَغْفِرْ:﴾ أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِذَنْبِكَ:﴾ متعلقان به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. (سبح): أمر، وفاعله أنت. ﴿بِحَمْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: ملتبسا بحمد، وانظر الآية الأخيرة من سورة (الزمر)، و (حمد) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ متعلقان بالفعل سبح. ﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ..﴾. إلخ: عام في كل مجادل مبطل؛ وإن نزلت في مشركي مكة؛ الذين كانوا يجادلون بالباطل؛ ليدحضوا به الحق. وقيل: هم اليهود، كانوا يقولون للنبي ﷺ : لست صاحبنا، بل هو المسيح بن داود (يريدون الأعور الدجال) يبلغ سلطانه البر، والبحر، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله، فيرجع إلينا الملك، فهم ينتظرونه كما ينتظر المسلمون المهدي، وعيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وانظر الآية رقم [٣٥] السابقة. ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ﴾ أي: لا يوجد في صدورهم، وقلوبهم إلا كبر، وتكبر عن الإيمان بك، والانقياد لك، فهم يريدون الرياسة، والزعامة، وأن لا يكون أحد فوقهم، ولذلك عادوك يا محمد! ودفعوا آياتك؛ خيفة أن تتقدمهم، وأن تترأس عليهم، وأن يكونوا تحت يدك، وأمرك، ونهيك؛ لأن النبوة تحتها كل ملك ورياسة. أو أرادوا أن تكون لهم النبوة دونك حسدا، وبغيا. ويدل عليه ما حكاه الله من قولهم: ﴿لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (الأحقاف). ﴿ما هُمْ بِبالِغِيهِ﴾ أي: ببالغي مرادهم من الرياسة، أو النبوة، أو دفع آيات الحق بالباطل، بل ما يرومونه من ذلك ليس بحاصل لهم، بل الحق الذي جئت به هو المرفوع، وقولهم، وقصدهم، ومرادهم هو الموضوع. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ..﴾. إلخ: أي: فالتجئ وتحصن بالله من

стр. 5534

كيدهم، ولا تعبأ بهم، فإن الله يدفع عنك شرهم، وينصرك عليهم، ويعلي دينك، ويرفع شأنك. وقد حقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهو السميع لأقوال العباد، البصير بأفعالهم، وأحوالهم، وحركاتهم، وسكناتهم، لا يعزب عنه شيء من ذلك. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وانظر الآية رقم [٣٥] فالإعراب واحد في الباقي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿فِي صُدُورِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كِبْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿ما:﴾ نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿أَتاهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿ما﴾. ﴿بِبالِغِيهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (بالغيه): خبر ﴿ما﴾ مجرور لفظا، منصوب محلا. وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مهملة؛ فالضمير مبتدأ، و (بالغيه) خبره، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد، وحذفت النون على الاعتبارين للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة ﴿كِبْرٌ﴾ وهو أولى من اعتبارها حالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة. والرابط: الضمير المجرور محلا بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاسْتَعِذْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة، وانظر رقم [٤]. (استعذ): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منهم؛ فاستعذ بالله من كيدهم، وشرهم. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [٨] فهو مثله بلا فارق إفرادا وجملة. ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ:﴾ أي: لخلق الله للسموات، والأرض، وإنشاؤهما وابتداعهما على غير مثال سبق أعظم من خلق الناس أجمعين، فمن قدر على خلقهما مع عظمهما كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر، وأهون؟! والغرض من ذلك الاستدلال على البعث؛ لأن الإله الذي خلق السموات، والأرض مع عظمهما قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها. فمن قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى، قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٣٣]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾

стр. 5535

﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾. وقوله تعالى: ﴿أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأشق بحسب عادة الناس في مزاولة الأعمال من أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الصغير، وإن كان بالنسبة إلى الله تعالى لا تفاوت بين الصغير، والكبير، وقال تعالى في سورة (الروم) رقم [٢٧]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ:﴾ انظر الآية رقم [٢٩] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية. الإعراب: ﴿لَخَلْقُ:﴾ اللام: لام الابتداء. (خلق): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ خَلْقِ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَكْبَرُ،﴾ و ﴿لَخَلْقُ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف أيضا. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسمها، و ﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له قطعا. ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: الجاهل، والعالم، والكافر، والمؤمن. فهذا مثل ضربه الله لهما؛ أي: فكما لا يتساوى الأعمى مع البصير؛ فكذلك لا يتساوى المؤمن المستنير بنور القرآن، والكافر الذي يتخبط في الظلام. ففي الكلام استعارة تصريحية؛ حيث شبه الله الكافر بالأعمى، والمؤمن بالبصير بجامع ظلام الطريق، وعدم الاهتداء على الكافر، واستعار البصير للمؤمن بطريق الاستعارة التصريحية. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ أي: لا يستوي المحسن، والمسيء، فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت، وهي فيما بعد البعث، وزيادة (لا) في المسيء؛ لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل، والكرامة. ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: إن الذين يتذكرون إذا ذكروا، ويتعظون إذا وعظوا قليلون. هذا؛ ويقرأ الفعل بالياء بالغيبة لمناسبة ما قبله، ويقرأ بالتاء على الخطاب التفاتا من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ، وإظهار العنف الشديد، والإنكار البليغ. وانظر فوائد الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧].

стр. 5536

هذا؛ والفعل ﴿يَسْتَوِي﴾ من الأفعال التي لا تكتفي بواحد، فلو قلت: استوى زيد؛ لم يصح فمن ثمّ لزم العطف على الفاعل، أو تعدده. ولا تنس المطابقة، والمقابلة بين الضدين في هذه الآية، وهي من المحسنات البديعية. وقال الجمل نقلا عن السمين: واعلم: أن التقابل يجيء على ثلاث طرق: إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه، كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾. رقم [٢٤] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والثالثة: أن يقدم مقابل الأول، ويؤخر مقابل الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ..﴾. إلخ رقم [١٩] وما بعدها من سورة (فاطر)، وكل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. انتهى. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يَسْتَوِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْبَصِيرُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع معطوف على ما قبله. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿الْمُسِيءُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ:﴾ لقد ذكر ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغني اللبيب في هذه الجملة وأمثالها إعرابا، فأنا أنقله لك باختصار، فقال: ﴿ما﴾ محتملة لثلاثة أوجه: أحدها: الزيادة، فتكون لمجرد تقوية الكلام، فتكون حرفا باتفاق، و ﴿قَلِيلاً﴾ بمعنى: النفي، وإما لإفادة التقليل، مثلها في: (أكلت أكلا مّا) وعلى هذا يكون تقليلا بعد تقليل. الثاني: النفي، و ﴿قَلِيلاً﴾ نعت لمصدر محذوف، أو لظرف محذوف؛ أي: تذكرا قليلا، أو زمانا قليلا. الثالث: أن تكون مصدرية، وهي وصلتها فاعل ب: (قليل)، و ﴿قَلِيلاً﴾ حال معمول لمحذوف، وعليه المعنى: أي: ذكروا فأخروا قليلا تذكرهم. أجازه ابن الحاجب، ورجح معناه على غيره. انتهى. بتصرف كبير. ولم يذكر إعراب ﴿قَلِيلاً﴾ على الوجه الأول، وذكر سليمان الجمل الوجه الأول، واعتبر ﴿قَلِيلاً﴾ نعتا لمصدر محذوف مثل اعتباره في الوجه الثاني، وذكر أبو البقاء الوجه الثاني، وقال: التقدير: فما يتذكّرون قليلا، ولا كثيرا. وجملة: ﴿قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ﴾ مستأنفة، أو

стр. 5537

تعليلية، لا محل لها على الاعتبارين. وهذا الإعراب مأخوذ من إعراب ابن هشام لقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ﴾ وهي الآية رقم [٨٨] من سورة (البقرة). ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها:﴾ لا شك في مجيئها لوضوح الدلالة على جوازها، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها؛ لأنه لا بد من جزاء؛ لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ:﴾ لا يصدقون بها، ولا يعترفون، ولا يقرون بوقوعها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به، كما قال تعالى في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾. قال الفخر الرازي: والمراد بأكثر الناس: الكفار الذين ينكرون البعث، والقيامة. انتهى. صفوة التفاسير. أقول: والأكثرية الساحقة من المسلمين في هذه الأيام لا يصدقون بيوم القيامة، ولا يقرون بوقوعه، وأكبر شاهد على ذلك أعمالهم الخبيثة، وأفعالهم الشنيعة؛ التي قد لا يقدم عليها كثير من الكفار. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٩] من سورة (الزمر). هذا؛ و (الريب): الشك، تقول: رابني هذا الأمر: أوقعني في شك، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها. قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». خرجه الترمذي، والنسائي، عن الحسن بن علي-﵄. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿السّاعَةَ:﴾ اسمها. ﴿لَآتِيَةٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (آتية): خبر ﴿إِنَّ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَيْبَ:﴾ اسم مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿لا﴾. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ،﴾ واعتبارها في محل نصب حال من الضمير المستتر في: (آتية) غير مستبعد. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف مشبه بالفعل. ﴿أَكْثَرَ:﴾ اسم (لكنّ)، و ﴿أَكْثَرَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ مع المتعلق المحذوف في محل رفع خبر (لكنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ:﴾ وحدوني، واعبدوني؛ أتقبل عبادتكم، وأغفر لكم ذنوبكم. وقيل: هو الذكر، والدعاء، والسؤال. وهو الموافق لصريح اللفظ، ولما روى النعمان بن بشير-﵄-قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الدّعاء هو

стр. 5538

العبادة، ثم قرأ: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ..﴾. إلخ». وقال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه أيضا، أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وعن عبادة بن الصامت ﵁-أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أعطيت أمتي ثلاثا، لم تعط إلا للأنبياء: كان الله تعالى إذا بعث النبيّ، قال: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمّة: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وكان الله إذا بعث النبيّ قال: ما جعل عليك في الدّين من حرج، وقال لهذه الأمة: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وكان الله إذا بعث النبيّ جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على النّاس». ذكره الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول». وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمة! قيل لها: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أمرهم بالدعاء، ووعدهم الاستجابة، وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال مثل قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فها هنا شرط. انتهى. قرطبي بتصرف. وجملة القول: أمرنا الله بالدعاء، ووعدنا الإجابة، كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٦]: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾. وقال جل شأنه في سورة (الأعراف) رقم [٥٥]: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ والنبي ﷺ حثنا على الدعاء، ورغبنا فيه حتى جعله رأس العبادة، ومخ الطاعة. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدّين، ونور السموات والأرض». رواه الحاكم. وعن عائشة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة». رواه الطبراني، والحاكم. وعن أنس-﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «الدعاء مخّ العبادة». رواه الترمذي. وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله من فضله، فإنّ الله يحبّ أن يسأل. وأفضل العبادة انتظار الفرج». رواه الترمذي. هذا؛ وإن للدعاء شروطا، وآدابا، وأركانا يجب توافرها لتحقيق الإجابة. وخذ ما يلي: مرّ إبراهيم بن أدهم-رحمه الله تعالى-بسوق البصرة، فاجتمع إليه الناس، وقالوا: يا أبا إسحاق! ما لنا ندعو، فلا يستجاب لنا؟! قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء: عرفتم الله، فلم تؤدوا حقه. زعمتم أنكم تحبون رسول الله، وتركتم سنته. قرأتم القرآن، فلم تعملوا به. أكلتم نعم الله، فلم تؤدوا شكرها. قلتم: الشيطان عدوكم، فلم تخالفوه. قلتم: الجنة حق، فلم تعملوا لها. قلتم: النار حق، ولم تهربوا منها. قلتم: الموت حق، ولم تستعدوا له. انتبهتم من النوم، فاشتغلتم بعيوب الناس، ونسيتم عيوبكم. ودفنتم موتاكم، ولم تعتبروا. هذا؛ وقال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف قال الله تعالى: ﴿اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقد يدعو الإنسان كثيرا، فلا يستجاب له؟! قلت: للدعاء شروط: منها: الإخلاص في الدعاء،

стр. 5539

وأن لا يدعو؛ وقلبه لاه مشغول بغير الدعاء، وأن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة للإنسان، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم. فإن كان الدعاء بهذه الشروط؛ كان حقيقا بالإجابة، فإما أن يعجلها له، وإما أن يؤخرها له إلى الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها. يدل عليه ما روي عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل يدعو الله بدعاء إلاّ استجيب له، فإمّا أن يعجّل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعاه؛ ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم، أو يستعجل». قالوا: يا رسول! وكيف يستعجل؟ قال: يقول: «دعوت ربّي فما استجاب لي». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. انتهى. بتصرف. وعن أبي سعيد الخدري-﵁-أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث، إمّا أن يعجّل له دعوته، وإمّا أن يدّخرها له في الآخرة، وإمّا أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذا نكثر! قال: «الله أكثر». رواه أحمد، والحاكم، وغيرهما. هذا؛ لا تنس: أن لفظ رجل يشمل المرأة، ولفظ مسلم يشمل المسلمة، فالمرأة مثل الرجل في كل مأمور به، ومنهي عنه. هذا؛ وقال الغزالي-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مرد له؟ فاعلم: أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم، فيتدافعان، فكذلك الدعاء، والبلاء. قال الرسول ﷺ : «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع ممّا نزل، وممّا لم ينزل، وإنّ البلاء لينزل، فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة». أخرجه الطبراني، والحاكم عن عائشة-﵂. وليس من شرط الاعتراف بالقضاء ألا يحمل السلاح، وألا يسقي الأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ رقم [١٠١] من سورة (النساء)، فقدر الله تعالى الأمر، وقدر سببه. انتهى. بتصرف. هذا؛ وقد تعدى الفعل: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ باللام، وقد عدّي بنفسه في قول كعب بن سعد الغنوي في رثاء أخيه: [الطويل] وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى... فلم يستجبه عند ذاك مجيب والفرق بين الآية والبيت: أن هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه، وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب له دعاءه، وأما البيت؛ فمعناه: لم يستجب دعاءه (على حذف المضاف). هذا؛ والسين والتاء زائدتان؛ لأن (استجاب) بمعنى: أجاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي:﴾ انظر الكبر، والتكبر في الآية رقم [٦٠] من سورة (الزمر)، وانظر شرح العبادة في الآية رقم [٦٠] من سورة (يس). ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ:﴾ هذا وعيد، لا بد أن ينفذ

стр. 5540

في حق المتكبرين عن عبادة الله، وطاعته، والإعراض عن دعاء الله، وسؤال العبد حوائجه من الله إعراض عن طاعته، وعبادته؛ لأن الدعاء رأس العبادات، وروح الطاعات، كما رأيته سابقا. ﴿داخِرِينَ:﴾ صاغرين، حقيرين، ذليلين. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨] من سورة (الصافات). الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (قال): فعل ماض. ﴿رَبُّكُمُ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿اُدْعُونِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿أَسْتَجِبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه في جواب الأمر، وهو عند الجمهور جواب شرط محذوف، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا». ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكلام في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَنْ عِبادَتِي:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿سَيَدْخُلُونَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يدخلون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مفعول به. ﴿داخِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿سَيَدْخُلُونَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: جعله للهدوء، والاستقرار بالنوم، والراحة مع أزواجكم، وأولادكم؛ ليزول التعب، والكلال، والسكون، والهدوء بعد اضطراب، واستقرار بعد حركة. ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ أي: مضيئا؛ لتهتدوا به في قضاء حوائجكم. أو: جعلنا شمسه مضيئة للإبصار، فيكون المعنى مبصرا فيه بالضوء؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه، فهو من إسناد الحدث إلى زمانه، فهو مجاز عقلي، مثل: ليله قائم، ونهاره صائم. هذا؛ وفي الكلام حذف، وتقدير؛ إذ التقدير: الله الذي جعل لكم الليل مظلما؛ لتسكنوا فيه، وجعل لكم النهار مبصرا؛ لتتحركوا فيه، وتسعوا إلى معايشكم. فحذف من أحدهما ما أثبته في الآخر، ويسمى هذا احتباكا في الكلام. هذا؛ ولا تنس: أن ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: خلق، فلذا تعدى إلى مفعول واحد فقط، والفرق بين: خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التضمين. وانظر شرح ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿النَّهارَ﴾ في الآية رقم [٣٧] من سورة (يس).

стр. 5541

﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ:﴾ لم يقل: المفضّل، أو المتفضّل؛ لأن المراد: تنكير الفضل، وأن يجعل فضلا، لا يوازيه فضل، وذلك إنما يكون بالإضافة. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ:﴾ لم يقل: ولكن أكثرهم؛ حتى يتكرر ذكر الناس؛ لأن في هذا التكرير تخصيصا لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكافرون فضل الله، ولا يشكرونه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ وانظر شرح (الناس) في الآية رقم [٢٧] من سورة (الزمر). هذا؛ والفضل، والفاضلة، والإفضال، وجمعهما: فضول وفواضل. هذا؛ والفعل: شكر، يشكر يتعدى بنفسه، وبحرف الجر. تقول: شكرت الله، وشكرت له، كما تقول: نصحت زيدا، ونصحت له، وقوله تعالى: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ مثل قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [١٣]: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. والشكر: صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله. ومن أسماء الله تعالى: الشكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدرجات، ويعطي بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿لِتَسْكُنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ،﴾ أو هما متعلقان ب: «مظلما» الذي رأيت تقديره في الشرح. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالنَّهارَ:﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿مُبْصِراً:﴾ معطوف على «مظلما» الذي رأيت تقديره، ومتعلقه محذوف، وهذا يفيد: أن مظلما و ﴿مُبْصِراً﴾ مفعول ثان، أو هما حال من الليل، والنهار. وجملة: ﴿جَعَلَ لَكُمُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿لَذُو:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ذو): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذو) مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان ب: ﴿فَضْلٍ؛﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ تعليل لما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والجملة الاسمية: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ..﴾. إلخ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها، وانظر إعراب مثلها في الآية رقم [٥٩]. هذا؛ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ..﴾. إلخ مذكورة في كثير من السور بحروفها.

стр. 5542

﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿ذلِكُمُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: ذلكم الله المميز بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد هو الله ربكم، فاعبدوه، وأخلصوا له العبادة، والتوحيد. ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ:﴾ في هذه الدنيا، لم يشركه أحد في خلق أي شيء. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ المتفرد بالإيجاد، والإعدام، والإحياء، والإماتة، والإعزاز، والإذلال، والإغناء، والإفقار، الجامع لهذه الصفات من الإلهية، والربوبية، وخلق الأشياء كلها. ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل، وعن عبادته، وتوحيده إلى عبادة غيره مما لا ينفع، ولا يضر؟! هذا؛ وأصل الإفك: قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب: أفاك؛ لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، وهو بهذا المعنى من الباب الرابع، ومصدره: إفك، كعلم، ويغلب مجيء فعله بالبناء للمجهول، ويكون بمعنى: الصرف كما في هذه الآية وغيرها كثير، وقال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ ومصدره: أفك كضرب، وهو من الباب الثاني. وقد يجيء بالبناء للمعلوم، كما في قوله تعالى من سورة (الشعراء) رقم [٤٥]: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [٢٢] من سورة (الأحقاف): ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ و ﴿يَأْفِكُونَ﴾ في سورة (الشعراء) بمعنى: الكذب، و (تأفكنا) في سورة (الأحقاف) بمعنى: الصرف. الإعراب: ﴿ذلِكُمُ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿اللهُ:﴾ خبر أول. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ خبر ثان، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿خالِقُ:﴾ خبر ثالث، و ﴿خالِقُ﴾ مضاف، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٣]، والجملة الاسمية في محل رفع خبر رابع. خذ هذا الإعراب: وقد جوز اعتبار لفظ الجلالة خبرا واحدا، وما بعده بدل منه، كما جوز اعتبار لفظ الجلالة بدلا من اسم الإشارة، والخبر ما بعده. هذا، وهذا الكلام مذكور بحروفه في سورة (الأنعام) رقم [١٠٢]. والجملة الاسمية: ﴿ذلِكُمُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَأَنّى:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أنى): اسم استفهام بمعنى: كيف، مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرتها للمكان كما هو أصل معناها فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بالفعل بعدها، ويكون المعنى: فإلى أين تؤفكون.

стр. 5543

﴿تُؤْفَكُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، ومتعلقه محذوف. انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وثابتا؛ فأين تذهبون، وتصرفون عن الحق؟! والكلام كله مستأنف لا محل له. ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ..﴾. إلخ: المعنى: كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل، كذلك يؤفك... إلخ، أو المعنى: كل من جحد بآيات الله، ولم يتأملها، ولم يطلب الحق أفك، كما أفكوا؛ أي: كما صرفوا عن الحق. وهذه تسلية للنبي ﷺ . والمعنى: لا تحزن يا محمد على إنكار قومك؛ فإن من قبلهم فعل ذلك. هذا؛ والجحد: الإنكار، والتكذيب، والكفر، وقلة الخير. وجحده حقه، وجحده بحقه، وبابه: قطع. الإعراب: ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: أفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون إفكا كائنا مثل إفك قومك يا محمد! لأن المضارع بمعنى: الماضي. ﴿يُؤْفَكُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع نائب فاعل. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، وآيات مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: «يجحدون بآيات الله» في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً﴾ أي: جعل لكم الأرض مستقرا في حياتكم وبعد مماتكم. أو المعنى: جعلها ثابتة مستقرة غير متحركة مضطربة، قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٦١]: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً..﴾. إلخ. ﴿وَالسَّماءَ بِناءً:﴾ سقفا مرفوعا كالقبة، وفي سورة (البقرة) رقم [٢٢]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً﴾. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ:﴾ بأن خلقكم منتصبي القامة، بادي البشرة، متناسبي الأعضاء، والتخطيطات، متهيئين لمزاولة الصنائع، واكتساب الكمالات. قال

стр. 5544

الزمخشري: لم يخلق الله حيوانا أحسن صورة من الإنسان. انتهى. وصدق الله إذ يقول في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أي: من أنواع اللذائذ، والمستلذات، والمشتهيات من الماكل، والمشارب والملابس. والطيبات: ما يستلذ من المباحات. وقيل: الحلال الصافي القوام، فالحلال: ما لا يعصى الله فيه، والصافي: ما لا ينسى الله فيه، والقوام: ما يمسك النفس، ويحفظ العقل. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: ذلكم ربكم الذي فضلكم على كثير من المخلوقات، وميزكم عليهم، وأكرمكم بأشياء كثيرة. ﴿فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي: تنزه الله عن كل ما لا يليق به. وقال الخازن: تمجد، وتعظم، وارتفع. وفي سورة (الفرقان): تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير وزيادته، أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته، وأفعاله، وهي كلمة تقديس وتعظيم، لم تستعمل إلا لله وحده، وهو ملازم للماضي، لا يأتي منه مضارع، ولا أمر، قال الطّرمّاح: [الطويل] تباركت لا معط لشيء منعته... وليس لما أعطيت يا ربّ مانع هذا؛ ونقل الجمل عن الخطيب في شرح الآية ما يلي: لما كانت دلائل وجوده تعالى، إما أن تكون من الآفاق، وهي أقسام، وذكر منها أحوال الليل، والنهار، كما تقدم؛ بين منها أيضا هنا الأرض، والسماء، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً..﴾. إلخ مع كونها في غاية الثقل، ولا ممسك لها سوى قدرة الله، والسماء على علوها وسعتها مع كونها أفلاكا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل، والنهار، والإظلام، والإضاءة. ثم ذكر دلائل النفوس، وهي دلائل أحوال البدن على وجود الصانع القادر الحكيم، فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ..﴾. إلخ. انتهى. الإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً:﴾ الإعراب مثل الآية رقم [٦١] بلا فارق. ﴿وَصَوَّرَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ معطوفة عليها أيضا. ﴿وَرَزَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها أيضا، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ انظر الآية رقم [٦٢]. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. (تبارك): فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿رَبُّ:﴾ صفة، أو بدل من لفظ الجلالة، و ﴿رَبُّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها أيضا.

стр. 5545

﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ أي: الباقي الذي لا يموت، الحي الحياة الحقيقية التي لا انقضاء لها، والحي هو المدرك الفعال لما يريد، وهذه إشارة إلى العلم التام، والقدرة التامة. ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:﴾ انظر الآية رقم [٣] من سورة (الزمر) ففيها الكفاية. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ وعن ابن عباس-﵄: من قال: لا إله إلاّ الله؛ فليقل على أثرها: الحمد لله ربّ العالمين. الإعراب: ﴿هُوَ الْحَيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، وجملة: ﴿إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر ثان، وانظر إعرابها في الآية رقم [٣]. والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَادْعُوهُ:﴾ الفاء: أراها الفصيحة. (ادعوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم؛ إذ التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا فادعوه. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء، وفاعله مستتر فيه؛ لأنه جمع اسم فاعل. ﴿إِلهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعوله، والكلام بجملته معطوف على ما قبله. ﴿الْحَمْدُ:﴾ مبتدأ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿رَبِّ:﴾ صفة لفظ الجلالة، أو بدل منه، و ﴿رَبِّ﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف يقع حالا من واو الجماعة، التقدير: قائلين: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب للنبي ﷺ . ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إن الله تعالى نهاني أن أعبد هذه الآلهة؛ التي تعبدونها من دون الله. وكانوا قد دعوه إلى عبادتهم، وإلى آلهتهم التي يقدسونها، ويعظمونها. وفي ذلك زجر لهم، وقطع لآمالهم في أن يعود الرسول ﷺ لتقديس آلهتهم، وتعظيمها؛ مع أنه لم يعترف بها منذ نشأته. ﴿لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي﴾ أي: حين جاءتني الآيات الواضحات من عند ربي. والبينات هي:

стр. 5546

أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفا بصفات الجلال، والعظمة، وصريح العقل يشهد: أن العبادة لا تليق إلا به، وأن جعل الحجارة المنحوتة، والأخشاب المصورة شركاء له في المعبودية مستنكر في بديهة العقل. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي: أن أخضع، وأذل، وأنقاد لله وحده، وأن أخلص له ديني، وأن أطهر نفسي من عبدة غيره. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الزمر)، وانظر جمع ما لا يعقل في رقم [٤٣] منها. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها: ﴿نُهِيتُ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿أَعْبُدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنا». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به. والجملة الفعلية بعده صلته، والعائد محذوف، التقدير: الذين تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في الموصول، و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف بمعنى: حين مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿نُهِيتُ﴾. ﴿جاءَنِي:﴾ ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها. ﴿مِنْ رَبِّي:﴾ متعلقان بالفعل (جاء)، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْبَيِّناتُ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: نهيت عن عبادة الذين... إلخ، أو هو مفعول ثان على التوسع بإجراء المتعدي إلى واحد، إلى مفعولين، وجملة: ﴿نُهِيتُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأُمِرْتُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمرت): ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ في محل نصب مفعول به ثان للفعل: (أمر)، أو هو منصوب بنزع الخافض، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أمرت بالإسلام. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢] من سورة (الزمر) تجد ما يسرك. ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (رب) مضاف، و: ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه... إلخ، وجملة: ﴿وَأُمِرْتُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها: ﴿نُهِيتُ..﴾. إلخ فهي في محل رفع خبر مثلها. هذا؛ ومفعول ﴿أُسْلِمَ﴾ محذوف، التقدير: أسلم أمري له، أو: أسلم، وأخلص توحيدي له.

стр. 5547

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ الشرح: لما استدل على ثبوت الإله بأربع من دلائل الآفاق، وهي: الليل، والنهار، والأرض، والسماء، وبثلاث من دلائل الأنفس، وهي: التصوير، وحسن الصورة، ورزق الطيبات؛ ذكر من دلائل الأنفس كيفية تكون البدن من ابتداء كونه نطفة إلى آخر الشيخوخة، والموت، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ..﴾. إلخ. انتهى. جمل نقلا من زاده. وفي مختصر ابن كثير: أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له، وعن أمره، وتدبيره، وتقديره يكون ذلك كله. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ أي: خلق أباكم آدم، أو خلق أصلكم من تراب على تقدير مضاف، وهو خلق غير مباشر، وهناك خلق مباشر؛ أي: إن كل إنسان خلق من تراب، وذلك إذا عرفنا: أنه خلق من النطفة، والنطفة منشؤها من الدم، والدم مستمد من الأغذية، والأشربة على اختلافها، وتنوعها، وكلها مستخرجة من الأرض، والتراب، وكل ذلك معلوم، ومعروف. ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ مني، من النطف، وهو الصب، وأصلها: الماء القليل، ويكون من الرجل، والمرأة، والجمع نطاف، ونطف. والنطفة: الماء الصافي قلّ، أو كثر. ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ:﴾ قطعة من الدم جامدة، وذلك: أن النطفة تصير بعد أربعين يوما من استقرارها في الرحم دما غليظا، والعلقة دويبة سوداء تعيش في الأرض الرطبة، والجمع: علق، وفي سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ وخذ ما يلي: فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق: «أنّ خلق أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثمّ يبعث الله ملكا، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ، وسعيد، ثمّ ينفخ فيه الرّوح، فو الذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة؛ حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار؛ حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». أخرجه البخاري ومسلم. ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً:﴾ وفي سورة (الحج): ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ و ﴿طِفْلاً﴾ بمعنى: أطفالا، والتوحيد لإرادة الجنس، أو على تأويل كل واحد منكم، وأيضا: فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد، قال الشاعر: [الكامل]

стр. 5548

يا عاذلاتي لا تردن ملامتي... إنّ العواذل لسن لي بأمير لم يقل: بأمراء. وقال المبرد: هو اسم يستعمل مصدرا، كالرضا، والعدل، فيقع على الواحد، وعلى الجمع. قال الله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ هذا؛ والطفل: ولد كل وحشية، والمطفل: ذات الطفل من الإنسان، والحيوان، والوحش، والجمع: مطافل، ومطافيل، والآية من سورة (النور) رقم [٣١] انظر شرحها هناك. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ:﴾ منتهى الشباب، وشدته، وقوته، وهو ثلاث وثلاثون سنة على المعتمد. وقيل: الأشد ما بين ثمانية عشر عاما، إلى ثلاثين، وهو ما يفسر به في حق اليتيم في كثير من الآيات: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ الآية رقم [٣٤] من سورة (الإسراء). ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً﴾ أي: يبقيكم؛ لتصيروا شيوخا. هذا؛ والأشد عند سيبويه جمع، واحده شدّة. وقال الكسائي: واحده شدّ، وزعم أبو عبيد: أنه لا واحد له من لفظه عند العرب. وفي القاموس: وهو جمع لا واحد له، أو هو واحد جاء على بناء الجمع. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ:﴾ من قبل بلوغ الشيخوخة، أو بلوغ الأشد. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾ أي: الأجل المحتوم لانقضاء آجالكم، وأعماركم. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: ولكي تعقلوا، وتفهموا دلائل قدرته تعالى، وتؤمنوا بأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، وانظر شرح: ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٦٧] من سورة (الصافات). قال الإمام الفخر: رتب الله تعالى عمر الإنسان على ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشد، والشيخوخة، وهذا ترتيب مطابق للعقل، فإن الإنسان في أول عمره يكون في النماء، والنشوء، وهو المسمى بالطفولة، إلى أن يبلغ إلى كمال النشوء من غير أن يحصل له ضعف، وهذا بلوغ الأشد، ثم يبدأ بالتراجع، ويبدأ فيه الضعف والنقص، وهذه مرتبة الشيخوخة. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٦٨]: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٥٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾. انظر شرح الآيتين في محالهما. هذا؛ وانظر شرح «الشيخ» في الآية رقم [٢٣] من سورة (القصص). الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ تُرابٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، تقديره: مبتدئا، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ،﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿يُخْرِجُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ والكاف مفعول به. ﴿طِفْلاً:﴾ حال من الكاف، وهو مؤول بالجمع كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة

стр. 5549

الصلة، لا محل لها مثلها، والمضارع مؤول بالماضي للمناسبة. ﴿لِتَبْلُغُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَشُدَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: يبقيكم؛ لتبلغوا أشدكم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿لِتَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب مثل سابقه، والواو اسمه. ﴿شُيُوخاً:﴾ خبره، و ﴿لِتَكُونُوا﴾ بعد التأويل معطوف على ما قبله، أو الجار والمجرور متعلقان بمحذوف، التقدير: ويبقيكم لتكونوا شيوخا، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمِنْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (منكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (الأحزاب)، فهو يشبه ما هنا. ﴿يُتَوَفّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى، والجملة الاسمية معترضة على اعتبار ما بعدها معطوفا على ما قبله، ومستأنفة على اعتباره متعلقا بمحذوف، التقدير: ويبقيكم؛ لتبلغوا أجلا، وهو معطوف على محذوف، التقدير: ويبقيكم؛ لتعيشوا؛ ولتبلغوا. ﴿أَجَلاً:﴾ مفعول به. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلاً﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَلَعَلَّكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لعلكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وهو يفيد أن (لعل) للتعليل. ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: الله هو القادر على الإحياء، والإماتة، والإيجاد، والإعدام. ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً﴾ أي: أراد أمرا من الأمور. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: احدث، فيحدث من غير كلفة، ولا معاناة مشقة، ولا تعب. وكل ذلك من كمال قدرته على الإحياء، والإماتة، والإيجاد والإعدام، وسائر ما ذكر من الأفعال الدالة على قدرته. وهذا تمثيل لكمال قدرته، وتصوير لسرعة وجودها من غير أن يكون هناك أمر ومأمور، فلا يحتاج في تكوين ما يريد إلى عدة، وتجشم كلفة. والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق، من حيث: إنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد، والمواد. ولا تنس الطباق بين ﴿يُحْيِي﴾ و (يميت).

стр. 5550

تنبيه: قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في مغنيه: قد يعبر بالفعل عن إرادته، وأكثر ما يكون بعد أداة الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ رقم [٩٨] من سورة (النحل)، و ﴿إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ رقم [٦] من سورة (المائدة)، ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ذكرت هذه الآية في كثير من السور، و ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ رقم [٤٢] من سورة (المائدة)، و ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ رقم [١٢٦] من سورة (النحل)، ﴿إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ رقم [٩] من سورة (المجادلة)، و ﴿إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا..﴾. إلخ رقم [١٢] من سورة (المجادلة)، وفي الحديث الصحيح قال الرسول ﷺ : «إذا أتى أحدكم الجمعة؛ فليغتسل». فهو يريد-رحمه الله تعالى-أن المعنى: إذا أردت القراءة؛ إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ إذا أراد قضاء أمر، إن أردت الحكم، إن أردتم العقاب؛ فعاقبوا؛ إذا أردتم المناجاة؛ فلا؛ إذا أردتم مناجاة الرسول؛ إذا أردتم الطلاق؛ إذا أراد أحدكم إتيان الجمعة؛ فليغتسل. الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير: يحيي الأموات، ويميت الأحياء. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الموصول. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على القول المرجوح المشهور. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية (إنما) ... إلخ جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجمل الاسمية قبله، لا محل له مثلها. ﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون) تام، وفاعله يعود إلى: ﴿أَمْراً،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها، وهذا القول يعزى لسيبويه. وقيل: إنّ (يكون) معطوف على ﴿يَقُولُ﴾ وهو يعزى للزجاج، والطبري. وقيل: هو معطوف على (كن) من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى. جمل من سورة (البقرة). هذا؛ وقرأ ابن عامر بالنصب على أن الفعل منصوب، ب: «أن» مضمرة بعد الفاء السببية. وضعّفه أبو البقاء. وأقول: لا يمكن سبك مصدر من: «أن» المضمرة، والفعل المضارع، وعطفه على مصدر متصيد من الفعل السابق؛ إذ لا يقال: يقول له: ليكن حدوث فحدوث. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. وهذا التركيب ذكر في سورة (البقرة) رقم [١١٧]، وفي سورة (آل عمران) رقم [٤٧]، وفي سورة (مريم) رقم [٣٥]، وفي سورة (النحل) رقم [٤٠].

стр. 5551

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ:﴾ ألم تنظر نظر تبصر واعتبار. ﴿إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ:﴾ في القرآن ﴿أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ كيف يجادلون فيه، ويصرفون عنه، فلم يهتدوا به؟! فهو تعجيب من أحوالهم الشنيعة، وآرائهم الركيكة، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن، وبسائر الكتب، والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك، كما أن ما سبق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ..﴾. إلخ بيان لابتناء جدالهم على معنى فاسد، لا يكاد يدخل تحت الوجود، فلا تكرار فيه؛ أي: انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آيات الله الواضحة الموجبة للإيمان بها، الزاجرة عن الجدال فيها؛ كيف يصرفون عنها بالكلية. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. وقال النسفي: ذكر الجدال في هذه السورة في ثلاثة مواضع، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام، أو ثلاثة أصناف، أو للتأكيد. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، وانظر تقدير المصدر في الشرح. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُجادِلُونَ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام بمعنى: «كيف؟» مبني على السكون في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرتها للمكان-كما هو أصل معناها-فتكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلقة بما بعدها، ويكون المعنى: فأين تصرفون؟ ﴿يُصْرَفُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ﴾ أي: بالقرآن، أو بجنس الكتب السماوية. ﴿وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا:﴾ من سائر الكتب، أو الوحي، أو الشرائع. وانظر شرح (الرسل) في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ:﴾ فيه تهديد شديد ووعيد أكيد من الله تعالى لهؤلاء المكذبين، كما قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. هذا؛ وصيغة الماضي للدلالة على التحقق، كما أن صيغة المضارع في الصلة الأولى للدلالة على تجدد المجادلة، وتكرارها.

стр. 5552

تنبيه: قال أكثر المفسرين: نزلت الآية في القدرية. قال ابن سيرين: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية؛ فلا أدري فيمن نزلت؟! وقال أبو قبيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلا الذين يجادلون الذين آمنوا. وقال عقبة بن عامر-﵁: قال النبي ﷺ : «نزلت هذه الآية في القدرية». ذكره المهدوي. انتهى. قرطبي. وهل وجدت طائفة القدرية في عهد النبي ﷺ ؟ وهذا مما يضعف هذا الحديث، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدلا من الموصول قبله، أو عطف بيان عليه، أو نعتا له، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، وعلى هذه الأوجه فجملة: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ مستأنفة سيقت للتمهيد، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وجملة: ﴿كَذَّبُوا بِالْكِتابِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَبِما:﴾ جار ومجرور معطوفان على قوله: ﴿بِالْكِتابِ﴾ و (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالباء. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿أَرْسَلْنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (سوف): حرف تسويف واستقبال، وهي للتأكيد. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للتعميم، وانظر محل الجملة فيما سبق. ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ الشرح: ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ:﴾ ف: ﴿إِذِ﴾ بمعنى: «إذا» وهذا جواب عن اعتراض، حاصله: أن (سوف) للاستقبال، و ﴿إِذِ﴾ للماضي، فهو مثل قولك: سوف أصوم أمس. ومحصل الجواب أن ﴿إِذِ﴾ هنا مستعملة في الاستقبال، مكان: «إذا»، وسوغ استعمالها أن هذا لما كان من أخبار الله تعالى، وهي مقطوع بوقوعها، فكأنها وقعت، فعبر فيها بما هو للماضي مع كون المعنى على الاستقبال، واستعمال ﴿إِذِ﴾ بمعنى: إذا هنا نظير عكسه في قوله تعالى في سورة (الجمعة): ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً..﴾. إلخ انتهى. من الخطيب. وهذا على اعتبار ﴿إِذِ﴾ ظرفا متعلقة بالفعل السابق، وأجاز السمين اعتباره مفعولا له. كما جوز أن تكون منصوبة ب: اذكر مقدرا؛ أي: اذكر لهم وقت ﴿الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ ليخافوا وينزجروا، فهذه ثلاثة أوجه، خيرها أوسطها. انتهى. جمل بتصرف. هذا؛ و ﴿الْأَغْلالُ﴾ جمع غل، يقال: في رقبته غل من حديد، ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غل قمل، وأصله: أن الغل كان يتخذ من جلد، وعليه شعر، فيقمل، والغل والغلة: حرارة العطش، وكل ذلك بضم الغين، وهو بكسرها بمعنى: الحقد، ورحم الله من يقول: [البسيط]

стр. 5553

يا طالب العيش في أمن وفي دعة... رغدا بلا قتر صفوا بلا رنق خلّص فؤادك من غلّ ومن حسد... الغلّ في القلب مثل الغلّ في العنق هذا؛ وقال التيمي: لو أن غلا من أغلال جهنم وضع على جبل؛ لوهصه حتى يبلغ الماء الأسود. هذا؛ و (السلاسل) جمع: سلسلة، وهي معروفة. قال الراغب: وتسلسل الشيء: اضطرب، كأنه تصور منه تسلسل متردد فتردّد لفظه تنبيه على تردّد معناه. وماء سلسل: متردد في مقره. انتهى. وخذ قوله تعالى في سورة (الحاقة) في حقّ من يأخذ كتابه بشماله بعد أن يدعو بالثبور وعظائم الأمور: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ ﴿يُسْحَبُونَ:﴾ يجرون بها في الحميم أي: في جهنم، قاله الجلال. وقال الخطيب: أي: الماء الحار، الذي يكسب الوجوه سوادا، والأعراض عارا، والأرواح عذابا، والأجسام نارا. وقال القرطبي: الحميم: المتناهي في الحر. ﴿ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ أي: يطرحون فيها، فيكونون وقودا لها؛ قاله مجاهد. يقال: سجرت التنور، أي: أوقدته، وسجرته: ملأته، ومنه قوله تعالى في سورة (الطور): ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ أي: المملوء. فالمعنى على هذا: تملأ بهم النار. وقال الشاعر يصف وعلا: [المتقارب] إذا شاء طالع مسجورة... ترى حولها النّبع والسّمسما أي: عينا مملوءة. والمراد: أنه يعذبون بأنواع من العذاب، وينقلون من بعضها إلى بعض، كما قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ،﴾ وقال في سورة (الدخان): ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. الإعراب: ﴿إِذِ:﴾ ظرف مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ أو هو مفعول به ل: ﴿يَعْلَمُونَ،﴾ أو هو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا المقدر. ﴿الْأَغْلالُ:﴾ مبتدأ. ﴿فِي أَعْناقِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذ) إليها، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَالسَّلاسِلُ:﴾ معطوف على: ﴿الْأَغْلالُ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: السلاسل في أرجلهم، فيكون العطف عطف جملة على جملة مثلها. ﴿يُسْحَبُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية فيها ثلاثة أوجه: أحدها: الاستئناف. الثاني: أنها في محل رفع خبر: (السلاسل). الثالث: أنها في محل نصب حال من الضمير المجرور محلا بالإضافة، والتقدير على الأول: يسحبون بها. وعلى الثاني: مسحوبين بها. هذا؛ ويقرأ بنصب السلاسل، وفتح ياء يسحبون على أن: (السلاسل) مفعول به مقدم، وعليه: فالجملة الفعلية في محل نصب حال، لا غير.

стр. 5554

هذا؛ وقرئ بجر: (السلاسل). وهي قراءة شاذة، ووجهه: أنه محمول على المعنى؛ لأن المعنى: أعناقهم في الأغلال، والسلاسل، فيكون في الكلام قلب؛ لأن الأعناق هي التي توضع في الأغلال. ومثله: قولهم: عرضت الناقة على الحوض. وانظر رقم [٣٤] من سورة (الأحقاف) للكلام على القلب. وقال الزجاج: المعنى: وفي السلاسل يسحبون، وهذا يعني: أنه معطوف على الحميم. قال ابن الأنباري: والخفض على هذا المعنى غير جائز. قال مكي: وهو لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض لا يتقدم على المعطوف عليه، لا يجوز: مررت؛ وزيد بعمرو، ويجوز في المرفوع، تقول: قام وزيد عمرو، ويبعد في المنصوب، لا يحسن: رأيت وزيدا عمرا، أقول: خذ قول حسان بن ثابت-﵁-في هجاء هند وزوجها أبي سفيان، وهو يؤيد العطف في المنصوب: [الكامل] لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر ﴿فِي الْحَمِيمِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿فِي النّارِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والجملة الفعلية: «يسجرون في النار» معطوفة على ما قبلها على جميع الاعتبارات فيها. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: يقال لهم، ويقولون: ضلوا، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وقد ذكرته لك مرارا. وانظر إعلال ﴿قِيلَ﴾ في الآية رقم [٤٥] من سورة (يس). ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وهذا تقريع، وتوبيخ، والمراد: أين الأصنام، والمعبودات الباطلة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟! ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أي: غابوا عنا فلم نرهم، وانظر شرح: (ضل) في الآية رقم [٧١] من سورة (الصافات). ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ أي: بل تبين لنا: أنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم، فإنهم ليسوا شيئا يعتد به، كقولك: حسبته شيئا فلم يكن، وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأنّ عبادتهم الأصنام كانت باطلة، فلم تغن عنهم شيئا. وقال بعض المفسرين: جحدوا عبادة الأصنام، وإنما فعلوا ذلك لحيرتهم واضطرابهم، وخذ قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٢٣]: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ:﴾ حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة، أو يضلهم عن آلهتهم؛ حتى لو تطالبوا؛ لم يتصادفوا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿قِيلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَيْنَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على

стр. 5555

الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُشْرِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: أين الذي كنتم تشركون به، والجملة الاسمية هذه في محل رفع نائب فاعل ﴿قِيلَ﴾. وانظر ما ذكرته في سورة (الصافات) رقم [٣٥] ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب المحذوف؛ الذي رأيت تقديره، و (من) بيان لما أبهم في الموصول. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، وجملة: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم)، واسمه ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿نَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل تقديره: «نحن»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿نَكُنْ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وبني ﴿قَبْلُ﴾ على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَمْ نَكُنْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿كَذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يضل الله الكافرين إضلالا مثل إضلال قومك. ﴿يُضِلُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، وهي من قول الله تعالى. ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾ الشرح: ﴿ذلِكُمْ..﴾. إلخ: أي: تقول لهم الملائكة: ذلكم العذاب بما كنتم تفرحون بالمعاصي. يقال لهم ذلك توبيخا؛ أي: إنما نزل بكم من العذاب ما نزل بسبب: أنكم كنتم تظهرون في الدنيا السرور بالمعصية، وكثرة المال، وكثرة الأولاد، والصحة، والمنصب، والجاه. وقيل: إن فرحهم بما عندهم: أنهم قالوا للرسل: نحن نعلم: أنا لا نبعث، ولا نعذب. وكذا قال مجاهد في قوله : ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. رقم [٨٣] الآتية. ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ:﴾ قال مجاهد وغيره: أي: بما تبطرون، وتأشرون. هذا؛ وروى خالد عن ثور، عن معاذ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يبغض البذخين الفرحين، ويحبّ كلّ قلب حزين، ويبغض أهل بيت لحمين، ويبغض كل حبر سمين». فأما أهل بيت لحمين فالذين يأكلون لحوم الناس بالغيبة، وأما الحبر السمين: فالمتحبر بعلمه، ولا يخبر بعلمه الناس، يعني: المستكثر من علمه،

стр. 5556

ولا ينتفع به الناس. ذكره الماوردي، وقد قيل في اللّحمين: إنهم الذين يكثرون أكل اللحم، ومنه قول عمر-﵁: اتقوا هذه المجازر، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر، ذكره المهدوي، والأول قول سفيان الثوري. انتهى. قرطبي. هذا؛ والفرح لذة في القلب بإدراك المحبوب، وأكثر ما يستعمل في اللذات البدنية، وقد ذم الله الفرح في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ سورة (القصص) رقم [٧٦]، وقوله جلت قدرته: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ رقم [١٠] من سورة (هود)، ولكنه مطلق فإذا قيد الفرح لم يكن ذمّا؛ لقوله تعالى في حق الشهداء رقم [١٧٠] من سورة (آل عمران): ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ..﴾. إلخ، وقال سبحانه في سورة (يونس) رقم [٥٨]: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: برحمته، وجوده، وإحسانه. وقال تعالى في سورة (الروم) رقم [٤]: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ﴾. الإعراب: ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية، تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي في الأصل في محل نصب مقول القول للقول الذي رأيت تقديره في الشرح. وإعراب ﴿كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مثل إعراب: ﴿كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ بلا فارق بينهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب، والتأويل، والتعليق، والتقدير بلا فارق. ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ تنبيه: لا أرى مزيدا للكلام في هذه الآية على ما ذكرته في الآية رقم [٧٢] من (الزمر) شرحا، وإعرابا، وهي في محل نصب مقول القول للقول الذي رأيت تقديره قبل الآية السابقة. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ الشرح: ﴿فَاصْبِرْ﴾ أي: فاصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، فإن وعد الله بتعذيبهم كائن لا محالة، وهذا تسلية من الله لنبيه ﷺ ، ووعد له بالنصر على أعدائه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٥]. ﴿فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: من القتل، أو الأسر. وقد وقع ذلك في حياته ﷺ ،

стр. 5557

فإن الله تعالى قد أقر عينه يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة، وسائر جزيرة العرب في حياته، ووعد أصحابه ملك كسرى، وقيصر على لسانه، وقد حقق الله ذلك لأصحابه بعد وفاته ﷺ . ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ:﴾ قبل أن ترى تحقيق ذلك. ﴿فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ:﴾ يوم القيامة؛ أي: فننتقم منهم أشد الانتقام، ونحوه قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٤١]: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾. تنبيه: (إمّا): أصلها: إن ما «إن» الشرطية، و «ما» الزائدة، فأفادت التوكيد؛ لأن معنى «إن» في الأصل: الشك، فزال هذا المعنى بسبب «ما»؛ ولذا أكد الفعل بعدها بنون التوكيد الثقيلة. وذكر ابن هشام في المغني أن توكيد الفعل بعدها قريب من الواجب، وذكر آيات كثيرة؛ الفعل المضارع مؤكد فيها بنون التوكيد. وأضيف: أنه قرئ قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٢٦]: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ بدون تأكيد الفعل بنون التوكيد. الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا للكافرين في الآخرة؛ فاصبر على أذى قومك، وتأسّ بمن سلف قبلك من الأنبياء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمتعلق محذوف، كما رأيت تقديره في الشرح، والكلام مستأنف لا محل له على الوجهين المعتبرين بالفاء. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿وَعْدَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَقٌّ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. ﴿فَإِمّا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إمّا): (إن): حرف شرط جازم، و (ما): صلة. ﴿نُرِيَنَّكَ:﴾ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف لا محل له، وهو في محل جزم فعل الشرط، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿نَعِدُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف وهو العائد؛ إذ التقدير: نعدهم إياه، والجملة هذه صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿نُرِيَنَّكَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: فذاك حاصل، ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ:﴾ معطوف على نرينك، فهو مثله في إعرابه. ﴿فَإِلَيْنا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط المقدر قبل: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. (إلينا): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية جواب للشرط المقدر قبل: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾. وهذا الكلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. هذا؛ وقال البيضاوي-رحمه لله تعالى-: ويجوز أن يكون-أي: جملة (إلينا يرجعون) -جوابا لهما؛ أي: للشرطين: المذكور والمقدر،

стр. 5558

بمعنى: إن نعذبهم؛ في حياتك، أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب. ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ:﴾ انظر تفصيل ذلك في الآية رقم [١] من سورة (الأحزاب). ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أي: ذكرنا قصصهم، وأخبارهم في القرآن، وهم خمسة وعشرون، والباقي لم نقصهم عليك فيه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾. ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أي: ما صح وما استقام لرسول. وهذا التعبير: ﴿وَما يَنْبَغِي﴾ ﴿وَما كانَ﴾ ونحوهما معناه: الحظر، والمنع، لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يجوز، كما في هذه الآية، وربما كان لامتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٦٠]: ﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ وربما كان لامتناع العلم بامتناعه شرعا، كقوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٧٩]: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ..﴾. إلخ. وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الفجر في الجماعة، ونحو ذلك. ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي: أن يأتي بمعجزة إلا بأمر الله، وتقديره، فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته، وإرادته كسائر القسم، ليس لأحد منهم اختيار في إيثار بعضها، والاستبداد بإتيان المقترح بها. ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: قضاؤه وحكمه بنزول العذاب. ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ أي: حكم بإنجاء المحق المطيع لربه، وتعذيب المبطل العاصي لخالقه، ورازقه. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ:﴾ المعاندون للحق، السادرون في شهوات الغي بعد ظهور الآيات، الذين يجادلون بالباطل، ويقترحون المعجزات على سبيل التعنت، وكانوا طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن يفجر لهم في أرض مكة عيونا، وأنهارا. هذا؛ وختم الله هذه الآية بقوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ وختم آخر السورة بقوله: ﴿الْكافِرُونَ﴾ لأن الأول متصل بقوله: ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾ ونقيض الحق، هو الباطل، والثاني متصل بإيمان غير نافع، ونقيض الإيمان الكفر. المعنى الإجمالي للآية: إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : أنت كالرسل من قبلك، وقد ذكرنا حال بعضهم لك، ولم نذكر حال الباقين، وليس منهم أحد أعطاه الله آيات معجزات؛ إلا وقد جادله

стр. 5559

قومه، وكذبوه فيها، فصبروا. وكانوا أبدا يقترحون على أنبيائهم إظهار المعجزات الزائدة على ما أتوا به عنادا، وعبثا، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله، والله سبحانه علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره، ولم يقدح في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة على ما أتيت به لمّا لم يكن إظهارها حاصلا؛ لا جرم لم تظهرها. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. هذا؛ والقصص: تتبع الأثر، يقال: قص فلان أثر فلان؛ أي: تتبعه ليعرف أين ذهب؟ ومنه قوله تعالى حكاية عن قول أم موسى في سورة (القصص) رقم [١١]: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره، وإنما سميت الحكاية قصة؛ لأن الذي يقص الحديث، يذكر تلك القصة شيئا فشيئا. قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ رقم [١٠٠]. تنبيه: لقد قص الله علينا من قصص الأنبياء، والمرسلين في كتابه المبين ما فيه عظة، وعبرة للمؤمنين، وأرشدنا إلى مواطن العظة، والعبرة في حياة كل رسول؛ لنقتدي بهم في سيرتهم العطرة، وأخلاقهم الطاهرة، وليكونوا مصابيح تضيء للناس طرق السعادة، والفلاح. قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ رقم [١١١] وقد ذكرت قصص الأنبياء في سور عديدة، فجاءت مكررة بحسب الظاهر، ولكن هذا التكرار له حكمته البالغة، وإشارته الدقيقة، فإنه يدل على إعجاز القرآن الكريم، وعلى أنه حقا كتاب منزل من عند الله. فإن أبلغ البلغاء، وأفصح الفصحاء يستحيل عليه إذا كتب قصة مرة واحدة أن يكتبها مرة أخرى بألفاظ غير الأولى مع المحافظة على متانة الأسلوب، وفصاحة الألفاظ، وبلاغة التعبير، ولا بد أن يرى الفرق بين الأسلوبين واضحا كل الوضوح، أما القرآن الكريم فقد تفنن في سرد القصص بنفس تلك الفصاحة، والبيان، والروعة، والإتقان، فجاءت القصة فيه مكررة معبرة عن معنى واحد، ولكن بألفاظ أخرى، وعبارات مختلفة، فسبحان القادر على كل شيء، الذي أنزل كتابه المعجز تبيانا لكل شيء، وهدى، ورحمة لقوم يؤمنون. انتهى. «النبوة والأنبياء» للصابوني. بتصرف. الإعراب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً:﴾ انظر الآية رقم [٣٤] فالإعراب لا يتغير. ﴿مِنْ قَبْلِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة رسلا، والكاف في محل جر بالإضافة، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب الظاهر، والمتعارف عليه في مثل هذا التركيب، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور: ﴿مِنْهُمْ﴾

стр. 5560

مبتدأ، و ﴿مِنْ﴾ هي الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: فبعض الرسل من قصصنا، وجمع الضمير يؤيد ذلك، ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ رقم [١١٠] من سورة (آل عمران) فعطف (أكثرهم) على (منهم) يؤيد أن معناه: بعضهم، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظ: «منهم» بما هو مبتدأ، أعني: لفظة: «بعضهم» وهذا ممّا يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث جمع: ليث، وهو السبع. لا ترام: لا تقصد. قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كل شيء. هذا؛ وقد قال أبو البقاء: هذا الإعراب في هذه الآية فقط، وأجاز الوجه الأول، ولكنه اعتبر ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة ﴿رُسُلاً﴾ و ﴿مِنْ﴾ فاعلا بالجار والمجرور، وبه قال الجمل نقلا من كرخي، والجملة الاسمية على ما قدمته من الإعراب في محل نصب صفة ﴿رُسُلاً،﴾ أو هي مستأنفة، لا محل لها. ﴿قَصَصْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: الذي، أو: شخص قصصنا عليك ذكره. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. وقيل: حرف عطف. (ما) نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِرَسُولٍ:﴾ متعلقان ب: ﴿كانَ،﴾ والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ يَأْتِيَ﴾ في محل رفع اسم كان، التقدير: وما كان لرسول الإتيان. ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ و (إذن:) مضاف. و (الله) مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. وانظر سورة (الشورى) الآية رقم [٥١]. هذا؛ وقيل: الجار والمجرور: ﴿لِرَسُولٍ﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ تقدم على اسمها، والمصدر المؤول في محل رفع اسمها المؤخر، والجار والمجرور: ﴿بِإِذْنِ﴾ استثناء من أعم الأحوال. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١٢]. وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قُضِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. وقيل: نائب الفاعل مستتر، تقديره: «هو» أي: الأمر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ﴿وَخَسِرَ:﴾ فعل ماض. ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية وهو مستعار للزمانية هنا، وقال السمين: لا يحتاج لهذا؛ بل يصح إبقاؤه على أصله. انتهى. متعلق بالفعل قبله، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْمُبْطِلُونَ:﴾ فاعل: (خسر) مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا)، لا محل لها مثله.

стр. 5561

﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾ الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ:﴾ خلق، وسخر، وانظر الآية رقم [٦١]. و ﴿الْأَنْعامَ:﴾ المراد بها ما يؤكل من الحيوانات، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، فمنها ما يركب، ومنها ما يؤكل، فالإبل تركب، وتؤكل، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار، والترحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة. والبقر تؤكل، ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض. والغنم تؤكل، ويشرب لبنها. والجميع تجز أصوافها، وأشعارها، وأوبارها، فيتخذ منها الأثاث، والثياب، والأمتعة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧١] من سورة (يس) وما بعدها، فالبحث هناك ضاف كاف. الإعراب: ﴿اللهُ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْأَنْعامَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِتَرْكَبُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. (منها): متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: «جعل لكم الأنعام مسخرة للركوب». ﴿وَمِنْها:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو في المعنى معطوف على قوله: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾ إذ المعنى جعل الأنعام للركوب، وللأكل منها. وخذ ما يلي: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: لم قال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْها﴾ ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها﴾ ولم يقل: لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع؟ أو: هلا قال: منها تركبون، ومنها تأكلون، وتبلغون عليها حاجة في صدوركم؟ قلت: في الركوب في الحج، والغزو، وفي بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد؛ لإقامة دين، أو طلب علم، وهذه أغراض دينية، إما واجبة، أو مندوب إليها، مما يتعلق به إرادة الحكيم، وأما الأكل، وإصابة المنافع؛ فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته. انتهى. وقد رد على الزمخشري المعلق على الكشاف بقوله: والجواب الصحيح: أن المقصود المهم من الأنعام، والمنفعة المشهورة فيها إنما هي الركوب، وبلوغ الحوائج عليها بواسطة الأسفار، والانتقال في ابتغاء الأوطار، فلذلك ذكرهما هنا مقرونين باللام، الدالة على التعليل والغرض، وأما الأكل، وبقية المنافع، كالأصواف، والأوبار، والألبان، وما يجري مجراها؛ فهي؛ وإن كانت حاصلة منها؛ فغير خاصة بها خصوص الركوب، والحمل، وتوابع ذلك، بل

стр. 5562

الأكل بالغنم خصوصا الضأن أشهر، فلذلك اختيرت الضحايا منها على الغنم، فلذلك جردت هذه المنافع بالإخبار عن وجودها فيها غير مقرونة بما يدل على أنها المقصود. انتهى. ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ أي: في الأنعام منافع، وهو ما ذكر من الأصواف، والأشعار، والألبان، والنسل، وغير ذلك. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: ما ذكر من حمل الأثقال، والتنقل في الأسفار. هذا؛ و ﴿حاجَةً﴾ هي ما يحتاج إليه. وتجمع على: حاج، وحوج (بوزن عنب) وحوائج على غير قياس، وحاجات، قال الشاعر: [الطويل] أرى الدّهر إلاّ منجنونا بأهله... وما صاحب الحاجات إلاّ معذّبا وهذا هو الشاهد رقم [١١٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» و «المنجنون» الدولاب الذي يستقى عليه. و: «الدهر»: الزمان. ﴿وَعَلَيْها:﴾ على الأنعام. ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ:﴾ الحمل على الأنعام في البر، والحمل على الفلك في البحر، وإنما قال (على الفلك) ولم يقل: في الفلك؛ للمزاوجة؛ أي: للمشاكلة، وتغيير النظم في الأكل؛ لأنه في حيز الضرورة. وقيل: لأنه يقصد به التعيش، والتلّذذ. والركوب، والمسافرة عليها قد يكونان لأغراض دينية واجبة ومندوبة، أو للفرق بين العين والمنفعة. انتهى. بيضاوي. وقال الجمل نقلا من أبي السعود: فالجواب: أن كلمة (على) للاستعلاء، والشيء الذي يوضع على الفلك، كما يصح أن يقال: وضع فيه؛ صح أن يقال: وضع عليه. ولما صح الوجهان، كانت لفظة: (على) أولى، حتى تتم المزاوجة في قوله: ﴿وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. الإعراب: ﴿وَلَكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿فِيها:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو هما متعلقان ب: ﴿مَنافِعُ﴾ بعدهما. ﴿مَنافِعُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها في المعنى؛ إذ المعنى: ولتنتفعوا بها. ﴿وَلِتَبْلُغُوا:﴾ معطوف على ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ وهو مثله في الإعراب، والتأويل، والتقدير. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حاجَةً:﴾ مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿حاجَةً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. (عليها): جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿تُحْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، وهو في المعنى معطوف على ما قبله؛ إذ المعنى: ولتبلغوا عليها... ولتحملوا عليها وعلى الفلك.

стр. 5563

﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ الشرح: ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ:﴾ دلائله الدالة على كمال قدرته، وفرط رحمته، والمراد: ما ذكر في الأرض، والسماء، وفي الأنفس من دلائل قدرته. ﴿فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ أي: فأي آية من تلك الآيات تنكرون؟ فإنها لظهورها، ووضوح أمرها لا تقبل الإنكار. هذا؛ وقال الجلال: وتذكير (أي): أشهر من تأنيثه. انتهى. فلذلك لم يقل: فأية آيات الله؟ لأن التفرقة بين المذكر، والمؤنث في الأسماء الجامدة نحو: حمار، وحمارة غريب، وهي في: (أي) أغرب لإبهامها. انتهى. نقلا من أبي السعود. هذا؛ وقد ورد تأنيثها كثيرا، ومنه قول الكميت وهو الشاهد رقم [١] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] بأيّ كتاب، أم بأيّة سنة... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب الإعراب: ﴿وَيُرِيكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يريكم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول، والفعل معطوف على ما قبله في المعنى؛ إذ المعنى: وليريكم. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَيَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أيّ): مفعول به مقدم، و (أيّ): مضاف، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف إليه، و ﴿آياتِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿تُنْكِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ الشرح: لا أرى حاجة ماسة للمزيد من الكلام على هذه الآية بأكثر مما ذكرته في الآية رقم [٢١] من هذه السورة. ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فلم ينفعهم ما جمعوه من الأموال، وما شيدوه من الدور، والقصور، والقلاع، والحصون شيئا، ولا دفع عنهم العذاب فتيلا. الإعراب: ﴿أَفَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي إنكاري. الفاء: حرف استئناف، أو هي عاطفة على مقدر. أي: أعجزوا فلم... إلخ، (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَسِيرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء. ﴿فَيَنْظُرُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم على اعتبار الفاء عاطفة، أو هو منصوب على اعتبارها

стр. 5564

للسببية، و «أن» مضمرة بعدها، وعلامة جزمه، أو نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى اعتبار الفعل منصوبا يؤول مع «أن» المضمرة الناصبة له بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيد من الفعل السابق، ويكون التقدير: فهلاّ حصل منهم سير في الأرض، فنظر في عاقبة الذين من قبلهم؟! هذا؛ ومثل هذه الآية في جواز اعتبار الفعل مجزوما، أو منصوبا بعد الفاء قول زهير بن أبي سلمى المزني، وهو الشاهد رقم (١٦٧) من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل] ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾ تقدم عليها، وعلى اسمها، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسمها، و ﴿عاقِبَةُ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿كانَ﴾ تامة؛ فالمعنى لا يأباه، ويكون ﴿عاقِبَةُ﴾ فاعلها، و ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب حال من: ﴿عاقِبَةُ،﴾ والعامل ﴿كانَ﴾ وهي بمعنى: حدث، وعلى الاعتبارين فالجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعول الفعل قبلها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿أَكْثَرَ:﴾ خبر (كان). ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَكْثَرَ،﴾ وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَشَدَّ:﴾ معطوف على: ﴿أَكْثَرَ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز. (آثارا): معطوف على ﴿قُوَّةً﴾ أو هو على تقدير: أكثر آثارا، والمعنى: يؤيده. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (آثارا). ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿أَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين: مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: ما أغنى عنهم الذي، أو: شيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبار ﴿فَما﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: ما أغنى عنهم كسبهم. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿فَما﴾ استفهامية في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: أي شيء أغنى... إلخ؟ ﴿كانُوا:﴾ ماض ناقص، والواو اسمه، وجملة: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان). ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ:﴾ بالمعجزات الواضحات، والحجج الدامغات. ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ:﴾ يريد الله علمهم بأمور الدنيا، ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى

стр. 5565

في سورة (الروم) رقم [٧]: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ فلما جاءتهم الرسل بعلوم الديانات، وهي أبعد شيء من علمهم، لبعثها على رفض الدنيا، والظلف عن الملاذ، والشهوات؛ لم يلتفتوا إليها، وصغروها، واستهزؤوا بها، واعتقدوا: أنه لا علم أنفع، وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به. أو علم الفلاسفة، والدهريين، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله؛ دفعوه، وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، وعن سقراط: أنه سمع بموسى على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقيل له: لو هاجرت إليه، فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. أو المراد: فرحوا بما عند الرسل من العلم، فرح ضحك منه، واستهزاء به، كأنه قال: استهزؤوا بالبينات، وبما جاؤوا به من علم الوحي فرحين مرحين، ويدل عليه قوله: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾. أو الفرح للرسل؛ أي: الرسل لما رأوا جهلهم، واستهزائهم بالحق، وعلموا سوء عاقبتهم، وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم، وشكروا الله عليه، وحاق بالكافرين جزاء جهلهم، واستهزائهم. انتهى. نسفي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] الآتية. هذا؛ وفي الآية الكريمة فن التهكم، وهو في اصطلاح البيانيين: الاستهزاء، والسخرية من المتكبرين لمخاطبتهم بلفظ الإجلال في موضع التحقير، والبشارة في موضع التحذير، والوعد في موضع الوعيد، والعلم في موضع الجهل، تهاونا من القائل بالمقول له، واستهزاء به، قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ الآية رقم [٦٦] من سورة (النمل)، وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون: لا نبعث، ولا نعذب، وفي قوله تعالى حكاية عن قول الكافر المنكر للحساب، والجزاء، والبعث رقم [٥٠] من سورة (فصلت): ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى،﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ رقم [٣٦] من سورة (الكهف). وكانوا يفرحون بذلك، ويدفعون به البينات، وعلم الأنبياء، وهذا صريح قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ رقم [٥٣] من سورة (المؤمنون)، وما أحسن قول الحماسي: [الوافر] أتاني من أبي أنس وعيد... فثلّ تغيّظ الضّحاك جسمي ثل: أهلك، والتغيظ: الغيظ، والحنق، والغضب، وكنى عن أبي أنس بالضحاك، الذي كان ملكا قصدا للسخرية، والاستهزاء به. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿رُسُلُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رُسُلُهُمْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة

стр. 5566

(لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿فَرِحُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله. (حاق): فعل ماض ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَلَمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما: ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا رَأَوْا﴾ أي: أبصر، ورأى الأقوام الذين كذبوا الرسل. ﴿بَأْسَنا﴾ أي: العذاب الشديد، وعاينوا أهواله، ومقدماته، كالذي حصل من قوم صالح، وهود، والذي حصل من فرعون عند معاينة الغرق. ﴿قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ:﴾ لا شريك له. ﴿وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ:﴾ مع الله، والمراد: كفرهم بالأصنام التي عبدوها طوال حياتهم؛ حيث تبين: أنها لم تنفعهم شيئا. ولم تغن عنهم من الله شيئا. هذا؛ وإعلال: ﴿رَأَوْا﴾ مثل إعلال (نادوا) من سورة (ص) رقم [٣]. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿رَأَوْا:﴾ ماض مبني على الفتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، وقل في الجملة الفعلية ما رأيته في الآية السابقة قبلها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وساغ ذلك لتأويله ب: «منفردا»، وجملة: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله. (كفرنا): فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على

стр. 5567

السكون، و (نا): اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا بِهِ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكَفَرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿فَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ: أي: فلم يكن ينفعهم الإيمان حين شاهدوا العذاب، أو شاهدوا مقدماته، وأهواله. ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ أي: إن سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة العذاب. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ:﴾ الكافرون خاسرون في كل وقت، ولكن خسارتهم أكبر، وندامتهم أعظم، وخيبتهم أشد عند معاينة العذاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨]. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٢]: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً،﴾ وقال في سورة (الإسراء) رقم [٧٧]: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾. هذا؛ والبأس: العذاب الشديد. والبأس: شدة الحرب. قال تعالى في حق المنافقين في سورة (الأحزاب) رقم [١٨]: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ومؤنثه: البأساء. وتفسر بالجوع، والفقر. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٧]: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. هذا؛ والبؤس (بضم الباء) المكروه، والضيق، ومؤنثه البؤسى. هذا؛ وضد البأساء: النعماء، وضد البؤسى: النعمى، وضد البأس: الخير بأنواعه. و ﴿خَلَتْ:﴾ أصله: خلا، فلما اتصلت به تاء التأنيث، صار خلات، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وانظر شرح (السنة) في الآية رقم [٦٢]: من سورة (الأحزاب). تنبيه: وفائدة ترادف الفاآت في هذه الآيات: أن ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ نتيجة قوله: (كانوا أكثر منهم)، و ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ كالبيان، والتفسير لقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ كقولك: رزق زيد المال، فمنع المعروف، فلما يحسن إلى الفقراء. ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: فكفروا ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ آمنوا. وكذلك ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله. والله أعلم. انتهى. نسفي. وقال الجمل نقلا من أبي السعود: الأولى لبيان عاقبة كثرتهم، وشدة قوتهم؛ أي: إن عاقبتها خلاف وضد ما كانوا يؤملونه منها، وهو نفعها، فلم يترتب عليها، بل ترتب عدمه، كقولك: وعظته، فلم يتعظ. والثانية تفسير وتفصيل ما أجمل وأبهم من عدم الإغناء. والثالثة لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعا لما قبلها، واقعا عقيبه؛ لأن مضمون قوله: ﴿فَلَمّا﴾

стр. 5568

جاءَتْهُمْ... إلخ: أنهم كفروا، فكأنه قيل: فكفروا، ثم لما رأوا بأسنا؛ آمنوا. والرابعة للعطف على «آمنوا» كأنه قيل: فآمنوا، فلم ينفعهم؛ لأن النافع هو الإيمان الاختياري. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو الفاآت كلها للعطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة، كما رأيت في الآية رقم [٢٨]. ﴿يَنْفَعُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ يجوز أن يكون اسما ل: (كان)، وفاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ ضمير مستتر يعود إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكُ﴾ تقدم عليه. ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ وفي (كان) ضمير الشأن، وأنه لا يكون من باب التنازع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: ما المانع من اعتباره من باب التنازع؟ كما رأيت في الآية رقم [٢٢]؟ هذا؛ وقد أحال الجمل على قوله تعالى: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،﴾ رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف)، والذي ذكره في هذه الآية أربعة أوجه: أحدها: ما ذكرته من التنازع. الثاني: أن اسم (كان) ضمير عائد على (ما) الموصولة، و (يصنع) مسند لفرعون، والجملة خبر (كان) والعائد محذوف، التقدير: ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون. الثالث: أن تكون (كان) زائدة، و (ما) مصدرية. والتقدير: ما يصنع فرعون؛ أي: صنعه. قال الجمل: وينبغي أن يجيء هذا الوجه أيضا وإن كانت (ما) موصولة اسمية على أن العائد محذوف، تقديره: ودمرنا الذي يصنعه فرعون. الرابع: أن (ما) مصدرية أيضا، و (كان) ليست زائدة، بل ناقصة، واسمها ضمير الشأن والأمر، والجملة من قوله: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ خبر (كان)، فهي مفسرة للضمير. انتهى. جمل هناك. هذا؛ وأرى: أن الآية هنا وفي رقم [٢٢] لا تشاكلان آية (الأعراف) ألبتة؛ لأنها ذكر فيها (ما) قبل الفعل، وهي موصولة، أو مصدرية، كما هو ظاهر، ولم تذكر في الآيتين في هذه السورة وهذا بون جدير بالاعتبار للتفريق بين ما هنا، وهناك. هذا؛ والهاء مع الفعل في محل نصب مفعول به، ومع الاسم في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (ينفع). ﴿رَأَوْا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها. ﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف؛ أي: سن الله ذلك سنة، و ﴿سُنَّتَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في

стр. 5569

محل نصب صفة ﴿سُنَّتَ اللهِ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿الَّتِي﴾ هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي عِبادِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿سُنَّتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل له. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ في الآية رقم [٧٨] وهي هنا مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من ﴿عِبادِهِ﴾ والرابط: الواو فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (غافر) بحمد الله وتوفيقه تفسيرا وإعرابا.

стр. 5570

سورة فصّلت سورة (فصلت) أو سورة: (حم السجدة)، والأول أولى؛ لتتميّز عن السورة المسماة ب: (السجدة) فقط، كما تسمى سورة (المصابيح) وهي مكية في قول الجميع، وهي أربع وخمسون آية، وسبعمئة وست وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف، وثلاثمئة وخمسون حرفا، وانظر الكلام على الحواميم في أول سورة (غافر)، ففيه الكفاية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ الشرح: ﴿حم:﴾ انظر شرحه في أول سورة (غافر). وانظر شرح ﴿تَنْزِيلٌ﴾ في الزمر رقم [١]. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ إنما خصّ هذان الوصفان بالذكر؛ لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين للدواء، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته، واللطف بخلقه. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. أقول: وإطلاق لفظ الوصف على الاسمين الكريمين ليس مسلما؛ لأنهما من الأسماء الحسنى بلا ريب، وهما في حقه بمعنى: المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى: المحسن بجلائل النعم، والثاني: بمعنى: المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما هنا وفي البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم الجليلة، وقد يوصف بالرحيم: المخلوقون، وأما الرحمن؛ فلا يسمى به إلا الله تعالى، ومن أطلقه على مسيلمة الكذاب فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا الإعراب: ﴿حم:﴾ انظر ما ذكرته من أوجه إعرابه في الآية رقم [١] من سورة (غافر). ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ مبتدأ. وخبره ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ..﴾. إلخ، وهذا عند البصريين، وساغ الابتداء به لوصفه بما بعده. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار: هذا؛ أي: إنه خبر لمبتدأ محذوف. وقيل: هو مبتدأ آخر، و ﴿كِتابٌ﴾ خبره، وسوغ الابتداء به، وهو نكرة وصفه بما بعده، أو هو
следующие страницы →