← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

(لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها؛ لأنها ابتدائية على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿فَرِحُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية جواب (لمّا)، لا محل لها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿عِنْدَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله. (حاق): فعل ماض ﴿بِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿فَلَمّا:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: وحاق بهم استهزاؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (لمّا) لا محل لها مثله. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما: ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان). ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا رَأَوْا﴾ أي: أبصر، ورأى الأقوام الذين كذبوا الرسل. ﴿بَأْسَنا﴾ أي: العذاب الشديد، وعاينوا أهواله، ومقدماته، كالذي حصل من قوم صالح، وهود، والذي حصل من فرعون عند معاينة الغرق. ﴿قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ:﴾ لا شريك له. ﴿وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ:﴾ مع الله، والمراد: كفرهم بالأصنام التي عبدوها طوال حياتهم؛ حيث تبين: أنها لم تنفعهم شيئا. ولم تغن عنهم من الله شيئا. هذا؛ وإعلال: ﴿رَأَوْا﴾ مثل إعلال (نادوا) من سورة (ص) رقم [٣]. الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٢٥]. ﴿رَأَوْا:﴾ ماض مبني على الفتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، وقل في الجملة الفعلية ما رأيته في الآية السابقة قبلها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَحْدَهُ:﴾ حال من لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وساغ ذلك لتأويله ب: «منفردا»، وجملة: ﴿آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (لما) لا محل لها، و (لما) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على ما قبله. (كفرنا): فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل جر. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على

стр. 5567

السكون، و (نا): اسمه. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُشْرِكِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كُنّا بِهِ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿وَكَفَرْنا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ الشرح: ﴿فَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ: أي: فلم يكن ينفعهم الإيمان حين شاهدوا العذاب، أو شاهدوا مقدماته، وأهواله. ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ أي: إن سنة الله قد جرت في الأمم الخالية بعدم قبول الإيمان عند معاينة العذاب. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ:﴾ الكافرون خاسرون في كل وقت، ولكن خسارتهم أكبر، وندامتهم أعظم، وخيبتهم أشد عند معاينة العذاب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٨]. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٢]: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً،﴾ وقال في سورة (الإسراء) رقم [٧٧]: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾. هذا؛ والبأس: العذاب الشديد. والبأس: شدة الحرب. قال تعالى في حق المنافقين في سورة (الأحزاب) رقم [١٨]: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ ومؤنثه: البأساء. وتفسر بالجوع، والفقر. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٧٧]: ﴿وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. هذا؛ والبؤس (بضم الباء) المكروه، والضيق، ومؤنثه البؤسى. هذا؛ وضد البأساء: النعماء، وضد البؤسى: النعمى، وضد البأس: الخير بأنواعه. و ﴿خَلَتْ:﴾ أصله: خلا، فلما اتصلت به تاء التأنيث، صار خلات، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وانظر شرح (السنة) في الآية رقم [٦٢]: من سورة (الأحزاب). تنبيه: وفائدة ترادف الفاآت في هذه الآيات: أن ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ نتيجة قوله: (كانوا أكثر منهم)، و ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ كالبيان، والتفسير لقوله: ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ﴾ كقولك: رزق زيد المال، فمنع المعروف، فلما يحسن إلى الفقراء. ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ تابع لقوله: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾ كأنه قال: فكفروا ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ آمنوا. وكذلك ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله. والله أعلم. انتهى. نسفي. وقال الجمل نقلا من أبي السعود: الأولى لبيان عاقبة كثرتهم، وشدة قوتهم؛ أي: إن عاقبتها خلاف وضد ما كانوا يؤملونه منها، وهو نفعها، فلم يترتب عليها، بل ترتب عدمه، كقولك: وعظته، فلم يتعظ. والثانية تفسير وتفصيل ما أجمل وأبهم من عدم الإغناء. والثالثة لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعا لما قبلها، واقعا عقيبه؛ لأن مضمون قوله: ﴿فَلَمّا﴾

стр. 5568

جاءَتْهُمْ... إلخ: أنهم كفروا، فكأنه قيل: فكفروا، ثم لما رأوا بأسنا؛ آمنوا. والرابعة للعطف على «آمنوا» كأنه قيل: فآمنوا، فلم ينفعهم؛ لأن النافع هو الإيمان الاختياري. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، أو الفاآت كلها للعطف. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه السكون على النون المحذوفة، كما رأيت في الآية رقم [٢٨]. ﴿يَنْفَعُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿إِيمانُهُمْ:﴾ يجوز أن يكون اسما ل: (كان)، وفاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ ضمير مستتر يعود إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿يَكُ﴾ تقدم عليه. ويجوز أن يرتفع بأنه فاعل ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ وفي (كان) ضمير الشأن، وأنه لا يكون من باب التنازع. انتهى. جمل نقلا عن السمين. أقول: ما المانع من اعتباره من باب التنازع؟ كما رأيت في الآية رقم [٢٢]؟ هذا؛ وقد أحال الجمل على قوله تعالى: ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،﴾ رقم [١٣٧] من سورة (الأعراف)، والذي ذكره في هذه الآية أربعة أوجه: أحدها: ما ذكرته من التنازع. الثاني: أن اسم (كان) ضمير عائد على (ما) الموصولة، و (يصنع) مسند لفرعون، والجملة خبر (كان) والعائد محذوف، التقدير: ودمرنا الذي كان هو يصنعه فرعون. الثالث: أن تكون (كان) زائدة، و (ما) مصدرية. والتقدير: ما يصنع فرعون؛ أي: صنعه. قال الجمل: وينبغي أن يجيء هذا الوجه أيضا وإن كانت (ما) موصولة اسمية على أن العائد محذوف، تقديره: ودمرنا الذي يصنعه فرعون. الرابع: أن (ما) مصدرية أيضا، و (كان) ليست زائدة، بل ناقصة، واسمها ضمير الشأن والأمر، والجملة من قوله: ﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ خبر (كان)، فهي مفسرة للضمير. انتهى. جمل هناك. هذا؛ وأرى: أن الآية هنا وفي رقم [٢٢] لا تشاكلان آية (الأعراف) ألبتة؛ لأنها ذكر فيها (ما) قبل الفعل، وهي موصولة، أو مصدرية، كما هو ظاهر، ولم تذكر في الآيتين في هذه السورة وهذا بون جدير بالاعتبار للتفريق بين ما هنا، وهناك. هذا؛ والهاء مع الفعل في محل نصب مفعول به، ومع الاسم في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿فَلَمْ يَكُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، أو هي مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿لَمّا:﴾ ظرف بمعنى: «حين» مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (ينفع). ﴿رَأَوْا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بَأْسَنا:﴾ مفعول به، و (نا): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (لمّا) إليها. ﴿سُنَّتَ:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف؛ أي: سن الله ذلك سنة، و ﴿سُنَّتَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في

стр. 5569

محل نصب صفة ﴿سُنَّتَ اللهِ﴾. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿الَّتِي﴾ هي حرف لا محل له، والفاعل يعود إلى ﴿الَّتِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي عِبادِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والكلام: ﴿سُنَّتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل له. ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ في الآية رقم [٧٨] وهي هنا مستأنفة، أو هي في محل نصب حال من ﴿عِبادِهِ﴾ والرابط: الواو فقط. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (غافر) بحمد الله وتوفيقه تفسيرا وإعرابا.

стр. 5570

سورة فصّلت سورة (فصلت) أو سورة: (حم السجدة)، والأول أولى؛ لتتميّز عن السورة المسماة ب: (السجدة) فقط، كما تسمى سورة (المصابيح) وهي مكية في قول الجميع، وهي أربع وخمسون آية، وسبعمئة وست وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف، وثلاثمئة وخمسون حرفا، وانظر الكلام على الحواميم في أول سورة (غافر)، ففيه الكفاية. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ الشرح: ﴿حم:﴾ انظر شرحه في أول سورة (غافر). وانظر شرح ﴿تَنْزِيلٌ﴾ في الزمر رقم [١]. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:﴾ إنما خصّ هذان الوصفان بالذكر؛ لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين للدواء، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشئ عن رحمته، واللطف بخلقه. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. أقول: وإطلاق لفظ الوصف على الاسمين الكريمين ليس مسلما؛ لأنهما من الأسماء الحسنى بلا ريب، وهما في حقه بمعنى: المحسن، أو مريد الإحسان، لكن الأول بمعنى: المحسن بجلائل النعم، والثاني: بمعنى: المحسن بدقائق النعم، وإنما جمع بينهما هنا وفي البسملة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يطلب منه النعم الحقيرة، كما ينبغي أن يطلب منه النعم الجليلة، وقد يوصف بالرحيم: المخلوقون، وأما الرحمن؛ فلا يسمى به إلا الله تعالى، ومن أطلقه على مسيلمة الكذاب فقد تعنت حيث قال فيه: [البسيط] وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا الإعراب: ﴿حم:﴾ انظر ما ذكرته من أوجه إعرابه في الآية رقم [١] من سورة (غافر). ﴿تَنْزِيلٌ:﴾ مبتدأ. وخبره ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ..﴾. إلخ، وهذا عند البصريين، وساغ الابتداء به لوصفه بما بعده. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار: هذا؛ أي: إنه خبر لمبتدأ محذوف. وقيل: هو مبتدأ آخر، و ﴿كِتابٌ﴾ خبره، وسوغ الابتداء به، وهو نكرة وصفه بما بعده، أو هو

стр. 5571

خبر عن ﴿حم؛﴾ لأنه يراد به السورة وبعض القرآن، و ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بمعنى: منزل. ﴿مِنَ الرَّحْمنِ﴾ متعلقان ب: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿الرَّحِيمِ:﴾ بدل مما قبله. ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ الشرح: ﴿كِتابٌ:﴾ المراد به: القرآن العظيم، وانظر شرحه في أول سورة (الزمر). ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ:﴾ بينات، وفسرت. وقال البيضاوي: ميزت باعتبار اللفظ، والمعنى، وفي الخطيب: فصلت آياته؛ أي: ميزت، وجعلت تفاصيل في معان مختلفة، فبعضها وصف ذات الله تعالى، وصفات التنزيه، والتقديس، وشرح كمال قدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، وعجائب أحوال خلقه من السموات، والكواكب، وتعاقب الليل، والنهار، وعجائب أحوال النبات، والحيوان، والإنسان. وبعضها في المواعظ، والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق، ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وتواريخ الماضين، وبالجملة فمن أنصف؛ علم: أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. انتهى. جمل. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا:﴾ اختلف هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: أن فيه من غير العربية، مثل: (سجّيل، والمشكاة، واليمّ، وإستبرق)، ونحو ذلك. وهذا هو الصحيح المختار؛ لأن هؤلاء أعلم من أبي عبيدة بلسان العرب، وكلا القولين صواب، إن شاء الله تعالى. وجه الجمع بينهما: أن هذه الألفاظ لما تكلمت بها العرب، ودارت على ألسنتهم بسهولة؛ صارت عربية فصيحة، وإن كانت غير عربية في الأصل، وانظر شرح القرآن في سورة (الزمر) رقم [٢٧]. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أن القرآن منزل من عند الله، أو يعلمون: أن الله إله واحد في التوارة، والإنجيل، أو يعلمون العربية، فيعجزون عن مثله، ولو كان غير عربي؛ لما علموه. انتهى. قرطبي بتصرف. الإعراب: ﴿كِتابٌ:﴾ بدل من: ﴿تَنْزِيلٌ،﴾ أو خبر بعد خبر، أو خبر عن ﴿تَنْزِيلٌ،﴾ أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا كتاب. ﴿فُصِّلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿آياتُهُ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع صفة: ﴿كِتابٌ﴾. ﴿قُرْآناً:﴾ حال من: ﴿كِتابٌ﴾ وساغ ذلك لوصفه بالجملة الفعلية، أو حال من: ﴿آياتُهُ،﴾ وهي حال إما مقصودة و ﴿عَرَبِيًّا﴾ صفة لها، أو حال منها، أو حال أخرى من: ﴿كِتابٌ﴾ أو هو حال موطئة، و ﴿عَرَبِيًّا﴾ هي الحال المقصودة. انتهى. جمل. وقال القرطبي: في نصبه وجوه. قال الأخفش: هو نصب على المدح. وقيل: هو على إضمار فعل؛ أي: اذكر قرآنا عربيا. وقيل: على إعادة الفعل؛ أي: فصلنا قرآنا عربيا. وقيل: على حال؛ أي: فصّلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا. انتهى. ﴿لِقَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فُصِّلَتْ،﴾ أو

стр. 5572

ب: ﴿تَنْزِيلٌ﴾. وقال الزمخشري: والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده. انتهى. وجملة: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل جر صفة: ل: (قوم)، وانظر تقدير المفعول في الشرح. ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿بَشِيراً:﴾ للمؤمنين العاملين بطاعة الله. ﴿وَنَذِيراً:﴾ للكافرين، والفاسقين المخالفين لأوامر الله، المنتهكين حرماته. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أعرض أكثر قريش عن تدبر القرآن، وقبوله. ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ:﴾ سماع تأمل وطاعة، وسماع قبول، وانتفاع. هذا؛ والفعل: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ من الأفعال الصوتية، إن تعلق بالأصوات؛ تعدى إلى مفعول واحد، وإن تعلق بالذوات تعدى إلى اثنين، الثاني منهما جملة فعلية مصدرة بمضارع من الأفعال الصوتية، مثل قولك: سمعت فلانا يقول كذا. وهذا اختيار الفارسي. واختار ابن مالك، ومن تبعه أن تكون الجملة الفعلية في محل نصب حال؛ إن كان المتقدم معرفة، وصفة إن كان نكرة، مثل قولك: سمعت رجلا يقول كذا. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿بَشِيراً﴾ و (نذيرا). الإعراب: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً:﴾ حالان من ﴿آياتُهُ﴾. وقيل: من ﴿كِتابٌ﴾. وقيل: من الضمير المنوي في ﴿قُرْآناً﴾ والعامل فيه: ﴿فُصِّلَتْ﴾. وقيل: هما نعتان ل: ﴿قُرْآناً﴾. هذا؛ وقرأ زيد بن علي برفعهما على النعت ل: ﴿كِتابٌ،﴾ أو على أنه خبر ابتداء مضمر؛ أي: هو بشير، ونذير، وهي قراءة شاذة بلا ريب. ﴿فَأَعْرَضَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أعرض): فعل ماض. ﴿أَكْثَرُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿فُصِّلَتْ..﴾. إلخ. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف، وسبب. (هم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ مع المفعول المحذوف في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، ومتسببة عنها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأكرم. ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: كفار قريش. ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ:﴾ ﴿أَكِنَّةٍ﴾ جمع كنان وهو الغطاء، وهو الوعاء الجامع المحيط بالشيء، وهو غير الكن (بكسر الكاف) فإنه يجمع على: أكنان، كما في قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٨١]: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً﴾. والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى التوحيد المفهوم من المقام. وقال الجمل: قالوا ذلك عند دعوته إياهم إلى القرآن، والعمل بما فيه. انتهى. فيكون الضمير قد عاد إلى مذكور.

стр. 5573

﴿وَفِي آذانِنا وَقْرٌ﴾ أي: صمم، وأصله: الثقل، وقرئ بكسر الواو. هذا؛ وفي سورة (الأنعام) رقم [٢٥] وأيضا في سورة (الإسراء) رقم [٤٦] قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾. وفي سورة (الكهف) رقم [٥٧]: ﴿إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾. ﴿وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ:﴾ مانع يمنع من قبول ما تدعونا إليه، وهذا المانع هو الخلاف في الدين. وقيل: إن أبا جهل-لعنه الله-غطى رأسه بثوب، وقال: يا محمد! بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه بالنبي ﷺ ، و (من) للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم، ومنه بحيث استوعب المسافة المتوسطة بين الفريقين، ولم يبق فراغ. والمقصود المبالغة بالتباين المفرط، فلذلك جيء ب: (من) وهذا كله تمثيل لنبو قلوبهم عن تقبل الحق، واعتقاده، كأنها في غلف، وأغطية، تمنع من نفوذه فيها، ومج أسماعهم له، كأن بها صمما عنه، ولتباعد المذهبين، والدينين، كأن بينهم وما هم عليه وبين رسول الله ﷺ ، وما هو عليه حجابا ساترا، وحاجزا منيعا من جبل، ونحوه، فلا تلاقي، ولا ترائي. هذا؛ وفي كل ذلك استعارة تصريحية، ليس هناك على الحقيقة شيء مما قالوه، وإنما أخرجوا هذا الكلام مخرج الدلالة على استثقالهم ما يسمعونه من قوارع القرآن، وجوامع البيان، فكأنهم من شدة الكراهية له قد صمّت أسماعهم عن فهمه، وقلوبهم عن علمه. ﴿فَاعْمَلْ﴾ أي: على طريقتك، واستمر على دينك. ﴿إِنَّنا عامِلُونَ:﴾ ثابتون على طريقتنا مستمرون على ديننا. وقيل: المعنى: اعمل في هلاكنا، فإنا عاملون في هلاكك. وقيل: المعنى: فاعمل في إبطال أمرنا، فإننا عاملون في إبطال أمرك. وهو تهديد منهم للنبي ﷺ . وانظر تهديد الله، ووعيده لهم في الآية رقم [٣٩] من سورة (الزمر) وما يشار إليه فيها. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿قُلُوبُنا:﴾ مبتدأ، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿فِي أَكِنَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَكِنَّةٍ﴾ حملا على المعنى؛ لأن معنى ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ محجوبة عن سماع ما تدعونا إليه، ولا يجوز أن يكون نعتا ل: ﴿أَكِنَّةٍ﴾ فإن الأكنة الأغشية، وليست الأغشية مما تدعونا إليه. انتهى. أبو البقاء. وفي زاده: في الكلام حذف. تقديره: قلوبنا في أكنة تمنعنا من فهم ما تدعونا إليه. فحذف المضاف. انتهى. جمل. ﴿تَدْعُونا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و (نا): مفعوله. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور ب: (إلى)، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: (أعرض...) إلخ. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف عطف. (في آذاننا): متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿وَقْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. (من بيننا): متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿وَبَيْنِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة.

стр. 5574

﴿حِجابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَاعْمَلْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (اعمل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، ومتعلقه محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا» التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا وواقعا؛ فاعمل... إلخ. ﴿آذانِنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها ﴿عامِلُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية، تعليل للأمر، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ الشرح: أي: قل يا محمد لأولئك المشركين: لست إلا بشرا مثلكم خصني الله بالرسالة، والوحي، وأنا داع لكم إلى توحيد خالقكم، وموجدكم؛ الذي قامت الأدلة العقلية والشرعية على وحدانيته، ووجوده، فلا داعي إلى تكذيبي. هذا؛ وفي النسفي تبعا للزمخشري: هذا جواب لقولهم: قلوبنا في أكنة، ووجهه: أنه قال لهم: إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إلي دونكم، فصحت نبوتي بالوحي إليّ، وأنا بشر، وإذا صحت نبوتي؛ وجب عليكم اتباعي. وفيما يوحى إليّ: أن إلهكم إله واحد. وهذا الكلام مذكور بحروفه في آخر سورة (الكهف). ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ أي: توجهوا إلى الله بالتوحيد، وإخلاص العبادة، غير ذاهبين يمينا، ولا شمالا، ولا ملتفتين إلى ما يسول لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء، والشفعاء، واطلبوا حوائجكم منه وحده، وتوجهوا بالدعاء له، وانظر الاستقامة في الآية رقم [٣٠] الآتية. ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أي: من ذنوبكم، وشرككم. ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ:﴾ من فرط جهالتهم، واستخفافهم بالله؛ حيث اتخذوا له ندا من الحجارة، ونحوها. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَشَرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿مِثْلُكُمْ:﴾ صفة ﴿بَشَرٌ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، وهذه الإضافة لم تفده تعريفا، فلذا نعتت النكرة به. ﴿يُوحى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿إِلهُكُمْ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلهٌ:﴾ خبره. ﴿واحِدٌ:﴾ صفة له. هذا؛ والمصدر المؤول من: ﴿أَنَّما إِلهُكُمْ..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل

стр. 5575

﴿يُوحى،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿بَشَرٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَاسْتَقِيمُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (استقيموا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلَيْهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم على مثال ما رأيت في الآية السابقة. (استغفروه): أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والكلام كله في محل نصب مقول القول. ﴿وَوَيْلٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ويل): مبتدأ، وساغ الابتداء به؛ لأنه بمعنى: الدعاء. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧)﴾ الشرح: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي: لا يفعلون الخير، ولا يتصدقون، ولا ينفقون في طاعة الله، ولا يعطون الزكاة لمستحقيها، ولا يقرون بوجوبها. قال القرطبي: قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء. وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه. انتهى. وفيه دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ أي: كفروا بالبعث، والنشور، وكذبوا بالحساب، والجزاء. قال الصاوي: وإنما خص منع الزكاة، وقرنه بالكفر بالآخرة؛ لأن المال شقيق الروح، فإذا بذله الإنسان في سبيل الله، كان دليلا على قوته، وثباته في الدين، واستقامته، وصدق نيته، ألا ترى إلى قوله في سورة (البقرة) رقم [٢٦٥]: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يثبتون أنفسهم على الإيمان، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، فقويت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب، وجوهدوا من قبل الصديق-﵁-وفي هذه الأيام يبيع المسلم دينه، وشرفه، وكرامته في سبيل جمع المال من أي طريق كان! وفي الآية بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها؛ حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. وهذه الآية هي التي احتج بها الصديق على الفاروق-﵄-حينما اعترض عليه في عزمه على محاربة مانعي الزكاة مع المرتدين، وسوّاهم فيهم. وعن أنس بن مالك-﵁-قال: أتى رجل من تميم إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني ذو مال كثير، وذو أهل، وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع؟ وكيف أنفق؟ فقال له رسول الله ﷺ : «تخرج زكاة مالك، فإنها طهرة تطهّرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حقّ المسكين، والجار، والسائل».

стр. 5576

الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدلا من المشركين، أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، تقديره: أذم الذين، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْتُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله. ﴿الزَّكاةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (هم): مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له، أفاد التوكيد ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ واعتبار الضمير الثاني مبتدأ ثانيا ضعيف جدا جدا، ولا يؤيده المعنى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ الشرح: لما ذكر الله حال الكفار، وما أعد لهم من المقت، والنكال؛ أردفه بذكر حال المؤمنين الصادقين، وما أعد لهم من الخير العميم، والفضل الكبير، وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك في الآية رقم [٥٥] من سورة (يس). هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان يسمى: احتراسا، انظر سورة (غافر) [٤٠]. ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: غير مقطوع، مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته. ومنه قول ذي الإصبع العدواني: [البسيط] إنّي لعمرك ما بابي بذي غلق... على الصديق، ولا زادي بممنون وعنه أيضا، ومقاتل: غير منقوص. ومنه: المنون؛ أي: الموت؛ لأنها تنقص منة الإنسان؛ أي: قوته وعمره، وقاله قطرب، وأنشد قول زهير من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان: [البسيط] فضل الجياد على الخيل البطاء فلا... يعطي بذلك ممنونا، ولا نزقا وقال مجاهد: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير محسوب. وقيل: غير ممنون عليهم به؛ أي: ممتن به عليهم. قال السدي: نزلت الآية في الزمنى، والمرضى، والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة؛ كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه، وخذ في تأييد ذلك ما يلي: فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد، أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاري وأبو داود، وعن عبد الله بن عمر ﵄-عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض؛ قيل للملك الموكّل به: اكتب له مثل عمله؛ إذا كان طليقا، حتى أطلقه، أو أكفته إليّ». رواه الإمام أحمد.

стр. 5577

الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وعند التأمل يتبين لك: أن ﴿الصّالِحاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: عملوا الأعمال الصالحات. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة له. و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف. و ﴿مَمْنُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ أي: في مقدار يومين، أو بنوبتين، وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون. ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً:﴾ شركاء في العبادة، فكيف يجوز جعل هذه الحجارة الحقيرة أندادا له مع أنه تعالى هو الذي خلق الأرض في مقدار يومين؟! ﴿ذلِكَ﴾ أي: الذي خلق الأرض في يومين. ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ أي: هو رب العالمين، خالقهم، ورازقهم، وهو المستحق للعبادة، لا الأصنام المنحوتة من الخشب، والحجر، وغير ذلك. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَإِنَّكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. (إنكم): حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿لَتَكْفُرُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (تكافرون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنَّكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. (تجعلون): فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنْداداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَتَكْفُرُونَ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ، مستأنفة، لا محل لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿رَبُّ:﴾ خبر المبتدأ، و (رب) مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين

стр. 5578

في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ (١٠)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ:﴾ جبالا ثوابت، وفي غيرها من الآيات: ﴿رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ و ﴿رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِها:﴾ مرتفعة عليها، ليظهر للنظار ما فيها من وجوب الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطلاب. فإن قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِها؟﴾ أجيب بأنه تعالى لو جعل لها رواسي من تحتها لتوهم: أنها التي أمسكتها عن النزول، ولكنه تعالى جعل هذه الجبال الثقال فوقها ليرى الإنسان بعينه: أن الأرض، والجبال الثقال مفتقرة إلى ممسك، وحافظ، وما هو إلا الله الفاعل القادر، المختار. ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أي: في الأرض بكثرة الخيرات الحاصلة فيها، وهو ما خلق فيها من البحار، والأنهار، والأشجار، والثمار، والزروع، وخلق جميع أصناف الحيوانات، وكل ما يحتاج إليه. ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها:﴾ قال محمد بن كعب القرظي: قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق، والأبدان؛ أي: أقواتا تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من الأقطار، فأضاف القوت إلى الأرض، لكونه متولدا من تلك الأرض حادثا فيها، وذلك؛ لأن الله تعالى جعل كل بلدة معدة لنوع من الأشياء المطلوبة، حتى إن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة، وبالعكس، فصار هذا المعنى سببا لرغبة الناس في التجارات، واكتساب الأموال، لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جميع ما تقدم من إبداعها، وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة واحدة على مقدار لا يتعداه، ومنهاج بديع دبّره في الأزل، وارتضاه، وقدره، فأمضاه، لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلا، وإنما ينقص توصلهم، أو توصل بعضهم إليه، فلا يجد حينئذ ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته. انتهى. نقلا من الخطيب. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ﴾ أي: في تمام أربعة أيام؛ أي: باليومين اللذين خلق فيهما الأرض، ولولا هذا التقدير لكانت الأيام ثمانية: يومان في الأول. وهو خلق الأرض في يومين، ويومان في الأخير، وهو قوله: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وأربعة في الوسط. ﴿سَواءً﴾ أي: استوت الأيام الأربعة استواء، لا تزيد، ولا تنقص. ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ أي: هذا الحصر في أربعة أيام تامة للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها. أو الجار والمجرور متعلقان ب: (قدّر)؛ أي: قدر فيها الأقوات للطالبين لها.

стр. 5579

تنبيه: فإن قيل: لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها ضعف خلق السموات مع كون السماء أكبر من الأرض، وأكثر مخلوقات، وعجائب؟ قلت: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين، ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل في المنة على ساكنيها، والاعتناء بشأنهم، وشأنها، وأيضا زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمتاعب، والمجاهدات، والمجادلات، والمعالجات. وقال أبو البقاء: لعل زيادة مدة الأرض على مدة السماء جريا على ما يتعارف من أن بناء السقف أخف من بناء البيت. فإن قيل: الله تعالى قادر على خلق الكل في قدر لمحة البصر، فما الحكمة في تقدير هذه المدة؟ أجيب بأن هذا تعليم لعباده كيفية التأني في الأمور، وتدريبا لهم على السكينة، والبعد عن العجلة في الأمور. انتهى. جمل. وأنا أقول: الله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَجَعَلَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، تقديره: «هو». ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَواسِيَ:﴾ مفعول به. وقيل: الجار، والمجرور: ﴿فِيها﴾ في محل المفعول الثاني تقدم على الأول، ولا وجه له. ﴿مِنْ فَوْقِها:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿رَواسِيَ،﴾ وهو أولى من تعليقهما بالفعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ولا يجوز عطفها على جملة: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ..﴾. إلخ للفاصل بأجنبي عن جملة الصلة، وهو جملة: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ..﴾. إلخ، كلهم قالوا هذا، ويجاب عن هذا بأن اعتبار الجملة: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ..﴾. إلخ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين لا يمنع؛ لأن الاعتراض كثيرا ما يقع بين المتعاطفات، وهو معروف ومشهور، وجملة: ﴿وَبارَكَ فِيها:﴾ معطوفة أيضا على ما قبلها، وكذا جملة: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿فِي أَرْبَعَةِ:﴾ متعلقان بالفعل: (قدر)، و ﴿أَرْبَعَةِ﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه. ﴿سَواءً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: استوت سواء؛ أي: استواء، والجملة هذه في محل جر صفة: ﴿أَيّامٍ،﴾ وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: في محل نصب حال من الضمير في ﴿أَقْواتَها،﴾ وفي شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: ﴿سَواءً﴾ حال من: ﴿أَرْبَعَةِ،﴾ وساغ ذلك لتخصصه بإضافته ل: ﴿أَيّامٍ،﴾ قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] ولم ينكّر غالبا ذو الحال إن... لم يتأخّر أو يخصّص أو يبن من بعد نفي أو مضاهيه كلا... يبغ امرؤ على امرئ مستسهلا هذا؛ وقرئ ﴿سَواءً﴾ بالجر على أنه صفة صريحة، كما قرئ بالرفع، على تقدير: «هي سواء». وتعود الجملة الاسمية إلى اعتبارها صفة: ﴿أَيّامٍ﴾ وهما قراءتان شاذتان. ﴿لِلسّائِلِينَ:﴾ متعلقان بالفعل (قدر)، أو هما متعلقان ب: ﴿سَواءً،﴾ أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا

стр. 5580

الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض، وما فيها. والجملة الاسمية على هذا التقدير مستأنفة، لا محل لها. وقال مكي: ومن رفع ﴿سَواءً﴾ ف: ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ الخبر، وليس بشيء يعتد به. ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾ أي: عمد إلى خلقها، وقصد لتسويتها، والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٩]: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ،﴾ أو هو من صفات الذات، من قولهم: استوى إلى مكان كذا؛ إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره، ومعناه هنا، وفي سورة (البقرة) غير معناه في سورة (الرعد) رقم [٢] وفي سورة (السجدة) رقم [٤] وفي سورة (طه) رقم [٥]. انظر شرح هذه الآيات في محالها. ﴿وَهِيَ دُخانٌ:﴾ ذلك الدخان كان بخار الماء. قيل: كان العرش قبل خلق السموات، والأرض على الماء، فلما أراد الله تعالى أن يخلق السموات، والأرض؛ أمر الريح، فضربت الماء، فارتفع منه بخار كالدخان، فخلق منه السماء، ثم أيبس الماء، فخلقه أرضا واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبعا، قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٠]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾. هذا؛ والدخان: ما ارتفع من لهب النار، ويستعار لما يرى من بخار الأرض عند جدبها، وقياس جمعه في القلة: أدخنة، وفي الكثرة: دخيان، مثل: غراب، وأغربة، وغربان، وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ من باب التشبيه الصوري؛ لأن صورتها صورة الدخان في رأي العين. هذا؛ وما في هذه الآية يؤيد ما اكتشف في هذا العصر من أن مادة الكون بدأت غازا منتشرا خلال الفضاء بانتظام، وأن المجموعات الفلكية خلقت من تكاثف الغاز، فالقرآن صور مصدر خلق هذا الكون بالدخان، وهو الشيء الذي يفهمه العرب من الأشياء الملموسة، أيكون في مقدور أميّ منذ أربعة عشر قرنا أن يدرك هذا في وقت كان الناس لا يعرفون شيئا عن هذا الكون، وخفاياه؟! وكذلك قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٠]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً..﴾. إلخ يؤيد العلم الحديث الذي قرر أن الكون كان شيئا واحدا متصلا من غاز، ثم انقسم إلى سدائم، وعالمنا الشمسي كان نتيجة تلك الانقسامات. وانظر ما ذكرته هناك في تفسير هذه الآيات عن ابن عباس وغيره، وصدق الله رب العالمين؛ إذ يقول: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ كل ذلك دليل قوي على أن القرآن وحي إلهي مصداقا لقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾. قال الخازن: فإن قلت: هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل خلق السماء، وقوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ رقم [٣٠] مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق

стр. 5581

السماء، فكيف الجمع بينهما؟ قلت: الجواب المشهور: أنه تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء بعدها، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض، ومدها. وجواب آخر: وهو أن يقال: إن خلق السماء مقدم على خلق الأرض. فعلى هذا يكون معنى الآية: خلق الأرض في يومين، وليس الخلق عبارة عن الإيجاد، والتكوين فقط، بل هو عبارة عن التقدير أيضا، فيكون المعنى: قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء، فعلى هذا يزول الإشكال. والله أعلم بالحقيقة. انتهى. هذا؛ وقال البيضاوي: والظاهر: أن ﴿ثُمَّ﴾ لتفاوت ما بين الخلقين، لا للتراخي في المدة، لقوله في سورة (النازعات) الآية رقم [٣٠]: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها. انتهى. ﴿فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ أي: بسبب ما خلقت فيكما من التأثير، والتأثر، وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة، والكائنات المتنوعة. أو المعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل، والوصف، ائتي يا أرض قرارا، ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مقبية سقفا لهم، ومعنى الإتيان: الحصول، والوقوع، كما تقول: أتى عمله مرضيا، وقوله: ﴿طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ لبيان تأثير قدرته فيهما، وإن امتناعهما من تأثير قدرته محال، كما تقول لمن تحت يدك: لتفعلنّ هذا؛ إن شئت، أو أبيت، ولتفعلنّه طوعا، أو كرها، ولم يقل: طائعتين على اللفظ، أو طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات، وأرضون؛ لأنهن لما جعلن مخاطبات، ومجيبات، ووصفهن بالطوع، والكره؛ قيل: ﴿طائِعِينَ﴾ في موضع طائعات، كقوله تعالى: ﴿السّاجِدِينَ﴾ ولا تنس: الطباق بين ﴿طَوْعاً﴾ و ﴿كَرْهاً﴾. هذا؛ وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما: أنه قول تكلم به تعالى حقيقة. الثاني: أنها قدرة ظهرت منه لهما، فقامت مقام الكلام في بلوغ المراد. وفي قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ وجهان أيضا: أحدهما: أنه ظهور الطاعة منهما؛ حيث انقادا، وأجابا، فقام مقام قولهما. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد الله تعالى. هذا؛ وانظر عرض الأمانة على السموات، والأرض، والجبال، وردها في الآية رقم [٧٢] من سورة (الأحزاب). هذا؛ وفي الكلام استعارة تمثيلية، ويجوز أن يكون من الاستعارة التخييلية بعد أن تكون الاستعارة في ذاتهما مكنية، كما تقول: نطقت الحال بدل: دلّت، فيجعل الحال كالإنسان الذي يتكلم في الدلالة، والبرهان، ثم يتخيل له النطق الذي هو من لازم المشبه به، وينسب إليه. انتهى. جمل بتصرف. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِسْتَوى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (جعل فيها...) إلخ. ﴿إِلَى السَّماءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَهِيَ:﴾ والواو: واو الحال، والجملة الاسمية: (هي دخان) في

стр. 5582

محل نصب حال من: ﴿السَّماءِ،﴾ والرابط: الواو، والضمير. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلِلْأَرْضِ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿اِئْتِيا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿طَوْعاً:﴾ حال من ألف الاثنين. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَرْهاً:﴾ معطوف على ما قبله، فهما مصدران في موضع الحال، وجملة: ﴿فَقالَ لَها..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿قالَتا:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، وحركت بالفتح لالتقائها ساكنة مع ألف الاثنين؛ التي هي الفاعل. ﴿أَتَيْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿طائِعِينَ:﴾ حال من: (نا) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ الشرح: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ:﴾ فخلقهن خلقا إبداعيا، وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة. والضمير المنصوب يرجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه. ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ غير الأيام الأربعة؛ التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات، والأرض، وما بينهما في ستة أيام، كما قال تعالى في سورة (السجدة) رقم [٤]: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: في ستة أوقات، أو في مقدار ستة أيام، فإن اليوم المتعارف عليه زمان طلوع الشمس إلى غروبها لم يكن حينئذ، وما نقله القرطبي عن مجاهد: «ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون» لا أراه قويا. هذا؛ وفي خلق الأشياء مدرّجا مع القدرة على خلقها دفعة واحدة: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ دليل للاختيار، واعتبار للنظار، وحث على التأني في الأمور. هذا؛ وما ذكر من أن الله تعالى ابتدأ الخلق يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة عصرا، فخلق الأرض في يومين: الأحد، والاثنين، وقدّر فيها أقواتها في يومين: الثلاثاء والأربعاء، والسموات في يومين: الخميس والجمعة، كل ذلك لم يثبت وإن أسنده القرطبي إلى عبد الله بن سلام-﵁-وقاتل الله اليهود، فإنهم يقولون: استراح ربنا يوم السبت. فلذا اختاروه للراحة، والعبادة. ﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها:﴾ قال قتادة والسدي: خلق فيها شمسها، وقمرها، ونجومها، وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار، وجبال البرد، والثلوج. وهو قول ابن عباس-﵄-وقال: ولله في كل سماء بيت تحج إليه، وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء ما أراده، وما أمره به فيها. انتهى. قرطبي.

стр. 5583

﴿وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ أي: بالكواكب تضيء في الليل، كأنها مصابيح كهربائية تتلألأ. ﴿وَحِفْظاً﴾ أي: وحفظناها حفظا من الشياطين الذين يسترقون السمع. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] و [٧] من سورة (الصافات). ﴿ذلِكَ﴾ أي: الذي ذكر من صنعه، وخلقه. ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ:﴾ القوي القاهر الغالب على أمره. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ البليغ في العلم، والعليم بمواقع الأمور. هذا؛ وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلم. انظر الالتفات في سورة (الصافات) رقم [١٣٧]. تنبيه: قال الشيخ أبو المنصور-رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه، فهو مفعول لا محالة. انتهى. والماضي: قضى، والمصدر: قضاء بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه (قضي) بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ومصدره: (قضيا) بالتحريك، كطلب طلبا، فتحركت الياء فيه أيضا، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار: قضاء ممدودا، وجمع القضاء: أقضية، كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر -وهو الشاهد (١٧٩) من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرمل] وجهك البدر لا بل الشمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أقول ويكون بمعنى: الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً،﴾ وبمعنى: العلم، تقول: قضيت بكذا؛ أي: أعلمتك به. وبمعنى: الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ،﴾ وبمعنى: الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ،﴾ وبمعنى: الإرادة، وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبمعنى: الموت كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧)﴾. وبمعنى: الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ، وبمعنى: الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وبمعنى: الخلق، كما في الآية التي نحن بصدد شرحها. وبمعنى: بلوغ المراد، والأرب، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾. وبمعنى: وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها مما عليه من ديون. انتهى. قسطلاني شرح البخاري بتصرف، وأضيف: أنه يكون بمعنى: أوحينا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر، فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء، وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك. فقال الرجل:

стр. 5584

قضى الله ذلك عليّ. فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. الإعراب: ﴿فَقَضاهُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قضاهن): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به ثان على اعتبار قضاهن بمعنى: صيرهن، وهو قول الجلال، وحال على التفسير الذي رأيته. وقال الزمخشري: تمييز على اعتبار الضمير مبهما مفسرا ب: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وقال مكي: بدل من الضمير المنصوب، والمعتمد الحالية، و ﴿سَبْعَ﴾ مضاف، و ﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي يَوْمَيْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَأَوْحى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿سَماءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَمْرَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَزَيَّنَّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة لها مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿بِمَصابِيحَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وهي علة تقوم مقام علتين من موانع الصرف، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي معطوفة على ما قبلها، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم كما رأيت. ﴿وَحِفْظاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: وحفظناها حفظا. وقيل: مفعول لأجله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَقْدِيرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْعَزِيزِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الْعَلِيمِ:﴾ بدل من: ﴿الْعَزِيزِ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أي: كفار قريش عن الإيمان بالله بعد هذا البيان. ﴿فَقُلْ:﴾ يا محمد: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً..﴾. إلخ أي: أخوفكم، وأحذركم عذابا شديدا، وهلاكا مستأصلا لكم مثل العذاب؛ الذي وقع بعاد قوم هود، وثمود قوم صالح. والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وقد ذكرته لك مرارا، وتكرارا، وانظر الكلام على هاتين القبيلتين مفصلا في سورة (الأعراف) و (هود) و (الشعراء). تنبيه: قال محمد بن كعب القرظي-﵁: حدثت: أن عتبة بن ربيعة كان سيدا حليما، قال يوما، وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى محمد، فأكلمه، وأعرض عليه أمورا، لعله يقبل منا بعضها،

стр. 5585

فنعطيه، ويكف عنا-وذلك حين أسلم حمزة-﵁-ورأوا أصحاب النبي ﷺ يزيدون، ويكثرون-قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم إليه، وكلمه. فقام عتبة؛ حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا بن أخي! إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة، والنسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاستمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها. فقال ﷺ : «قل يا أبا الوليد!». فقال: يا بن أخي! إن كنت تريد بما جئت به مالا؛ جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا؛ سودناك علينا، وإن كان الذي بك رئيا تراه، لا تستطيع رده؛ طلبنا لك الطب، أو لعل هذا شعر جاش به صدرك، فنعذرك، فإنكم يا بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا يقدر عليه أحد، حتى إذا فرغ؛ قال له رسول الله ﷺ : «أقد فرغت يا أبا الوليد؟!». قال نعم، قال: «فاستمع مني». قال: فافعل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم مضى فيها يقرأ، فلما سمعها عتبة؛ أنصت، وألقى يده خلف ظهره، معتمدا عليها، يستمع منه؛ حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة، فسجد، ثم قال: أسمعت يا أبا الوليد؟! فأنت وذاك. وفي رواية البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله-﵄: قرأ رسول الله ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ..﴾. إلخ فأمسك عتبة على في النبي ﷺ ، وناشده الرحم أن يكف... إلخ ما جاء فيها، ولم يرجع إليهم، وذهب إلى أهله... إلخ. وفي هذه الرواية: رجع عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به! فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟! قال: ورائي: أني سمعت قولا، والله ما سمعت بمثله قط، ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة! يا معشر قريش أطيعوني، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه. فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب؛ فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب؛ فملكه ملككم، وعزه عزكم، وأنتم أسعد الناس به! قالوا: سحرك والله محمد يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأيي، فاصنعوا ما بدا لكم. انتهى. خازن. وهذه القصة تروى بروايات أخرى مع اختلاف في بعض العبارات، والمغزى واحد، والنتيجة واحدة لا تتغير، وانظر ما يشبه هذا مما ذكرته بشأن الوليد بن المغيرة في سورة (المدثر) إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَعْرَضُوا:﴾ ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف كما رأيت تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أَنْذَرْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿صاعِقَةً:﴾ مفعول به ثان،

стр. 5586

والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقُلْ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِثْلَ:﴾ صفة ﴿صاعِقَةً،﴾ و ﴿مِثْلَ﴾ مضاف، و ﴿صاعِقَةً﴾ مضاف إليه، و ﴿صاعِقَةً:﴾ مضاف، و ﴿عادٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَثَمُودَ:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث؛ لأن المراد به القبيلة، وهي مؤنثة. ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤)﴾ الشرح: ﴿إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ:﴾ الضمير المنصوب واقع على: ﴿عادٍ وَثَمُودَ﴾ والجمع باعتبار الجمعية التي في القبيلتين من حيث الأفراد، والمراد بالرسل: هود، وصالح، ومن قبلهما من الرسل، لكن مجيء هود، وصالح لهاتين القبيلتين حقيقي، ومجيء من قبلهما لهاتين القبيلتين على ضرب من التسمح، على تنزيل مجيء كلامهم، ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم، فإن هودا، وصالحا كانا داعيين لهاتين القبيلتين إلى الإيمان بهما، وبجميع الرسل ممن جاء قبلهما. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ أتوهم من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كل جهة، أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة، وكل من اللفظين يحتملهما، أو من قبلهم، ومن بعدهم؛ إذ قد بلغهم خبر المتقدمين، وأخبرهم هود، وصالح عن المتأخرين، داعين، إلى الإيمان بهم أجمعين، ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة، كقوله تعالى في سورة (النحل) [١١٢]: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ﴾. انتهى. بيضاوي بحروفه. هذا؛ والتعبير عن الأمام والخلف بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ كثير في القرآن الكريم وإن اختص كل موضع بتفسير حسب مقتضيات الأحوال، وإختلافها، فمثلا قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ في الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء)، ومثلها في سورة (سبأ) رقم [٩] يفسر بغير ما في آية (طه) رقم [١١٠] وكلتاهما تخالفان معنى قوله تعالى: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية رقم [٦٤] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام، وهكذا، وكله يخرج على الاستعارة. ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا:﴾ إرسال الرسل، أو لو شاء ربنا إنزال ملائكة بالرسل إلى الإنس؛ لأنزل إليهم بها ملائكة. ﴿فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ:﴾ فيه تغليب المخاطب على الغائب، فغلبوا هودا

стр. 5587

وصالحا على من قبلهما من الرسل، فكأنهم قالوا: فإنا كافرون بكما، وبمن دعوتمونا إلى الإيمان به قبلكما من الرسل. هذا؛ وقوله تعالى حكاية عن قول الكفرة: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. انتهى. نسفي. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل (أنذرتكم) كما تقول: لقيتك إذا كان كذا، ويجوز أن يكون صفة ل: ﴿صاعِقَةً﴾ أو حالا من ﴿صاعِقَةً﴾ الثانية. انتهى. أبو البقاء. وقال الجمل نقلا عن السمين: ظرف ل: ﴿صاعِقَةً﴾ الثانية، فهو منصوب بها؛ لأنها بمعنى: العذاب. انتهى. وقال البيضاوي: حال من ﴿صاعِقَةِ عادٍ﴾ ولا يجوز جعله صفة ل: ﴿صاعِقَةً﴾ أو ظرفا ل: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ لفساد المعنى. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ ماض ومفعوله. ﴿الرُّسُلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الرُّسُلُ﴾ وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ:﴾ معطوفان على ما قبلهما. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): يجوز فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون هي المخففة من الثقيلة، التقدير: أنه؛ أي: الحال، والشأن، و (لا) ناهية. الثاني: أنها هي المصدرية التي تنصب المضارع، و (لا) نافية. الثالث: أن تكون مفسرة؛ لأن مجيء الرسل يتضمن قولا بالمعنى، و (لا) ناهية. ﴿تَعْبُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن) وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (أن) والمضارع في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بعدم عبادة أحد إلا الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿جاءَتْهُمُ،﴾ وعلى الوجه الأول، والثالث فالفعل مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، وعلى الوجه الأول فالجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، و (أن) واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف على مثال ما رأيت في الوجه الثاني. وعلى الوجه الثالث؛ فالجملة الفعلية مفسرة للفعل: (جاء) لا محل لها. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ مفعول به، وانظر سورة (الأحقاف) رقم [٢١]. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿رَبُّنا:﴾ فاعله، و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمفعول محذوف، كما رأيت في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَنْزَلَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أنزل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رَبُّنا﴾.

стр. 5588

﴿مَلائِكَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنّا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب. وقيل: هي الفصيحة. وليس بشيء. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كافِرُونَ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر بالباء. ﴿أُرْسِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط الضمير المجرور محلا بالباء. ﴿كافِرُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية معطوفة، ومفرعة عما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: فتعظموا فيها على أهلها، أو استعلوا فيها، واستولوا على أهلها بغير استحقاق للاستعلاء، والاستيلاء. هذا؛ وجمع الضمير باعتبار أفراد القبيلة. ﴿وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً:﴾ اغتروا بقوة أجسامهم، وشوكتهم، وذلك: أنهم كانوا ذوي أجسام طوال: وخلق عظيم. فعن ابن عباس-﵄: أن أطولهم كان مئة ذراع، وأقصرهم كان ستين ذراعا، وبلغ من قوتهم: أن الرجل منهم كان ينزع الصخرة، فيقلعها بيده. وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) وغيرها. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً:﴾ قدرة؛ فإنه قادر بالذات، مقتدر على ما لا يتناهى، قوي على ما لا يقدر عليه غيره، وإنما يقدر العبد بإقدار الله، فالله إذا أقدر. ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أي: وكانوا يجحدون آيات القرآن، أو يجحدون المعجزات الباهرة، والحجج الساطعة. قال الرازي: إنهم كانوا يعرفون: أنها حق، ولكنهم جحدوها، كما يجحد المودع الوديعة. هذا؛ والجحد: الإنكار والتكذيب، والكفر، وهو أيضا قلة الخير، وجحده حقه، وجحده بحقه، وبابه: قطع. الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد. أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فعاد... إلخ، فأنيبت (أما) مناب (مهما يك من شيء) فصار فأما عاد فاستكبروا. وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لأنها علقته على أمر متيقن.

стр. 5589

﴿عادٌ:﴾ مبتدأ. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (استكبروا): ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و (غير) مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. (قالوا): ماض، وفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبره. ﴿مِنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار. الواو: في مثل ذلك عاطفة على محذوف، التقدير: أنسوا، ولم ينظروا نظرة تفكر واعتبار. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة لفظ الجلالة. ﴿خَلَقَهُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿هُوَ أَشَدُّ:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿مِنْهُمْ:﴾ متعلقان ب: ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿قُوَّةً:﴾ تمييز، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول: ﴿يَرَوْا،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله: أولم يروا... إلخ، والجملة هذه معترضة بين الجمل المتعاطفة. ﴿وَكانُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بما بعدهما، و (نا): في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿وَكانُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ الشرح: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ أي: ريحا باردة شديدة البرد، أو شديدة الصوت، والهبوب، فمن الأول قول الحطيئة: [البسيط] المطعمون إذا هبّت بصرصرة... والحاملون إذا استودوا على النّاس استودوا: سئلوا الدية. ومن الثاني؛ (أي: شدة الصوت) قوله تعالى في سورة (الذاريات)

стр. 5590

[٢٩]: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ..﴾. إلخ ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ:﴾ مشؤومات من النحس بمعنى: الشؤم، وهو ضد السعد. قال الشاعر: [الطويل] سواء عليه أيّ حين أتيته... أساعة نحس تتّقى أم بأسعد؟ وقيل: متتابعات، كقوله تعالى في سورة (القمر) الآية رقم [١٩]: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ كنّ آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء، وذلك قوله تعالى في سورة (الحاقة) الآية رقم [٧]: ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى﴾ قال ابن عباس-﵄: ما عذّب قوم إلا في يوم الأربعاء. هذا؛ وفي يوم الأربعاء أرسل الله الرياح العاتية على جيش قريش يوم الأحزاب، وكان الرسول ﷺ قد دعا، وسأل الله من فضله في ذلك اليوم بقوله: «يا صريخ المكروبين! يا مجيب المضطرّين! اكشف همّي، وغمّي، وكربي، فإنّك ترى ما نزل بي، وبأصحابي!». وكان ذلك بين الظهر، والعصر، فاستجيب له ﷺ . ومن ثمّ كان جابر بن عبد الله-﵄-يدعو في مهماته في ذلك اليوم، في ذلك الوقت، كان يتحرى ذلك اليوم. وأما الأحاديث التي جاءت بذم يوم الأربعاء، فمحمولة على آخر أربعاء في الشهر، فإن في ذلك اليوم ولد فرعون، وادعى الربوبية، وأهلكه الله فيه، وهو اليوم الذي أصيب فيه أيوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-. انتهى. زيني دحلان بتصرف، وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) رقم [٧١]. هذا؛ وكان هلاكهم في أواخر فصل الشتاء، ولا تزال هذه الأيام إلى عصرنا هذا موسما للمطر، ويطلق عليها: «أيام العجوز» وانظر سورة (القمر) رقم [١٩]. ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ:﴾ الذل، والهوان، وهو مقابل لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: إن ما نزل بهم من الخزي، والهوان كان في الحياة الدنيا. وانظر شرح ﴿يُخْزِيهِ﴾ في سورة (الزمر) رقم [٤٠]، وشرح ﴿الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ برقم [٢٦] منها. ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى..﴾. إلخ أي: ولعذابهم في الآخرة أعظم خزيا، وأشد إهانة من عذاب الدنيا؛ لأنه دائم مستمر، لا غاية له ينتهي عندها، بخلاف عذاب الدنيا؛ فإنه ينقطع، وليس لهم ناصر يدفع عنهم عذاب الآخرة، كما لم ينصروا في الدنيا. هذا؛ وأضاف (العذاب) إلى ﴿الْخِزْيِ﴾ وهو الذي على قصد وصفه به؛ لقوله: ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى﴾ وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة. هذا؛ وانظر شرح (الريح) في سورة (الروم) رقم [٤٦]، وانظر إذاقة العذاب في سورة (الصافات) رقم [٣٨]. الإعراب: ﴿فَأَرْسَلْنا:﴾ الفاء: حرف عطف. (أرسلنا): فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿رِيحاً:﴾ مفعول به. ﴿صَرْصَراً:﴾ صفة ﴿رِيحاً﴾. ﴿فِي أَيّامٍ:﴾ متعلقان بالفعل

стр. 5591

قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِيحاً،﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿نَحِساتٍ:﴾ صفة: ﴿أَيّامٍ،﴾ وجملة: ﴿فَأَرْسَلْنا..﴾. إلخ معطوفة على الجمل السابقة، فهي في محل رفع مثلها. ﴿لِنُذِيقَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان. وهو مضاف، و ﴿الْخِزْيِ﴾ مضاف إليه. ﴿فِي الْحَياةِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أرسلنا). ﴿وَلَعَذابُ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: لام الابتداء. (عذاب): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَخْزى:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير في الجملة المعطوفة عليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُنْصَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ الشرح: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ﴾ أي: قبيلة ثمود. هذا؛ ويقرأ بالرفع، والنصب، ومنونا، وعدمه في الحالين، والتنوين على إرادة «الحي»، وعدمه على إرادة «القبيلة». ﴿فَهَدَيْناهُمْ:﴾ قال ابن عباس ﵄: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير، والشر، وذلك بنصب الآيات التكوينية، وإرسال الرسل، وإنزال الآيات التشريعية. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى:﴾ فاختاروا الضلالة على الإيمان، والمعاصي على الطاعات فاستعار ﴿الْعَمى﴾ للضلالة بجامع عدم الاهتداء في كل منهما، واستعار الإيمان إلى ﴿الْهُدى﴾ بجامع الاهتداء في كل منهما. ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ:﴾ الذل، والصغار، والهوان، وكان ذلك بالصيحة، والرجفة؛ التي رأيت شرحها في سورة (الأعراف) رقم [٧٨]. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من شركهم، وتكذيبهم صالحا. فإن قيل: كيف يجوز للرسول ﷺ أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد، وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمته ﷺ ، وقد صرح الله تعالى بذلك في سورة (الأنفال) رقم [٣٣]: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وقد جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة الأنواع المذكورة. فالجواب: أنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد، وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة، وأن السبب الموجب للعذاب واحد؛ فربّما يكون العذاب النازل بهم من جنس

стр. 5592

ذلك العذاب، وإن كان أقل درجة، وهذا القدر يكفي في التخويف. انتهى. جمل نقلا عن كرخي. أقول: قد حذر الرسول ﷺ أمته، وأنذرها من وقوع جميع أنواع البلاء التي نزلت في الأمم السابقة في آخر الزمان؛ إذا خرجت عن طاعة الله، وارتكبت المعاصي، والمنكرات، واتبعت وحي الشيطان. وخذ ما يلي: فعن أبي أمامة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يبيت قوم من هذه الأمّة على طعم، وشرب، ولهو، ولعب، فيصبحوا قد مسخوا قردة، وخنازير، وليصيبهم خسف، وقذف؛ حتى يصبح الناس فيقولون: خسف الليلة ببني فلان، وخسف الليلة بدار فلان خواصّ، ولترسلنّ عليهم حجارة من السّماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها، وعلى دور، ولترسلنّ عليهم الريح العقيم، الّتي أهلكت عادا على قبائل فيها، وعلى دور بشريهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الرّبا، وقطيعتهم الرحم، (وخصلة نسيها جعفر)». رواه أحمد مختصرا، وابن أبي الدنيا، والبيهقي. وروي عن علي بن أبي طالب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة؛ حلّ بها البلاء». قيل: ما هنّ يا رسول الله؟! قال: «إذا كان المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل زوجته، وعقّ أمّه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شرّه، وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتّخذت القينات، والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أوّلها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا، أو مسخا». رواه الترمذي، والحديثان موجودان في «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري. الإعراب: ﴿وَأَمّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أما): معطوفة على ما قبلها وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما. ﴿ثَمُودُ:﴾ مبتدأ، وعلى قراءته بالنصب فهو منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿فَهَدَيْناهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (هديناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، على قراءة ثمود بالرفع، ومفسرة لا محل لها على قراءته بالنصب. (استحبوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَمى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف. ﴿عَلَى الْهُدى:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿فَأَخَذَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿صاعِقَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. و ﴿صاعِقَةُ﴾ مضاف. ﴿الْعَذابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْهُونِ:﴾ صفة: ﴿الْعَذابِ﴾. وقيل: بدل منه، وليس بشيء. ﴿بِما:﴾

стр. 5593

جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أخذ)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: بالذي، أو: بشيء كانوا يكسبونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بكسبهم. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْسِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والكلام: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ مع صالح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام- أي: من تلك الصاعقة التي نزلت بثمود، وكانوا أربعة آلاف، خرج بهم صالح-﵊-بعد هلاك قومه من فلسطين إلى حضر موت. وانظر ما ذكرته في سورة (الأعراف) رقم [٧٧] إن أردت الزيادة، وأيضا ما ذكرته في سورة (هود) رقم [٦٧] ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أي: يخافون عقاب الله، وغضبه، ويرجون رحمته وثوابه. الإعراب: ﴿وَنَجَّيْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، وجملة: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ:﴾ معطوفة عليها لا محل لها مثلها، وجملة: ﴿وَنَجَّيْنَا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها، واعتبارها مستأنفة أقوى معنى. ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ الشرح: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ..﴾. إلخ: يحبس أولهم على آخرهم؛ لئلا يتفرقوا، ثم يساقون، ويدفعون إلى النار. هذا؛ والحشر: الجمع، والمراد: بأعداء الله: الكفار مطلقا الأولين، والآخرين. هذا؛ ويقرأ الفعل: «(نحشر)» بالنون ونصب «(أعداء)» أيضا. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب. قال الشماخ: [الرجز] وكم وزعنا من خميس جحفل... وكم حبونا من رئيس مسحل وقال قتادة: ﴿يُوزَعُونَ﴾ أي: يرد أولهم على آخرهم. انتهى. هذا؛ والوازع في الحرب: الموكل بالصفوف، يزع من تقدم منهم، والوازع: الرادع، والزاجر. قال الشاعر: [الطويل] ولا يزع النّفس اللجوج عن الهوى... من النّاس إلاّ وافر العقل كامله

стр. 5594

ومن هذا قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٩١٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصّبا... وقلت: ألمّا أصح والشّيب وازع وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: لا بد للناس من وازع. أي: من سلطان يكفهم، ويردعهم. وذكر ابن القاسم، قال: حدثنا مالك: أن عثمان بن عفان-﵁-قال: ما يزع الإمام أكثر ممّا يزع القرآن. والمحفوظ: إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن. وشرح الجملتين واضح إن شاء الله تعالى. الإعراب: ﴿وَيَوْمَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (يوم): ظرف زمان مفعول به لفعل محذوف، أو هو ظرف متعلق بذلك المحذوف، التقدير: اذكر لقومك المعاندين حال الكفار في القيامة لعلهم يرتدعون، ويزجرون. ﴿يُحْشَرُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿أَعْداءُ:﴾ نائب فاعله، وعلى قراءته بالنون فالفاعل مستتر تقديره: «نحن»، و (أعداء) مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿إِلَى النّارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿فَهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿يُوزَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محلّ جر مثلها. ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿حَتّى إِذا ما جاؤُها﴾ أي: النار، والمراد: بها: موقف الحساب، والتعبير عنه بالنار، إما للإيذان بأنها عاقبة حشرهم، وأنهم على شرف دخولها، وإما؛ لأن حسابهم يكون على شفيرها. وإنما كان هذا هو المراد؛ لأن الشهادة المذكورة إنما تكون عند الحساب، لا بعد تمام السؤال، والجواب، وسوقهم إلى النار نفسها. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. هذا؛ ومناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله تعالى لما ذكر قصة عاد، وثمود، وما أصابهم من العقوبة في الدنيا بطغيانهم، وإجرامهم؛ ذكر هنا ما يصيب الكفار عامة في الآخرة من العذاب، والدمار؛ ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر، والتحذير عن ارتكاب المعاصي، والكفر بنعم الله. انتهى. صفوة التفاسير. ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ..﴾. إلخ: وحد الله السمع في هذه الآية، وأمثالها دون الأبصار، والجلود؛ لأمن اللبس، ولأنه في الأصل مصدر، يقال: سمعت الشيء سماعا، وسمعا، والمصدر لا يجمع؛ لأنه اسم جنس يقع على القليل، والكثير، فلا يحتاج فيه إلى تثنية، أو جمع. وقيل: وحد السمع؛ لأن مدركاته نوع واحد، وهو الصوت، ومدركات غيره مختلفة.

стр. 5595

فإن قيل: ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس خمسة: وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس؟ أجيب بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه؛ لأن إدراك الذوق إنما يتأتى حينما يصير طرف اللسان مماسا لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير الأنف مماسا لجرم المشموم، فكانا داخلين في جنس اللمس. انتهى. جمل. وقال ابن عباس-﵄: المراد من شهادة الجلود: شهادة الفروج، وهو من باب الكنايات. هذا؛ وفي كيفية هذه الشهادة ثلاثة أقوال: أولها: أن الله تعالى يخلق الفهم، والقدرة، والنطق في هذه الجوارح، فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه. ثانيها: أن الله تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات، والحروف الدالة على تلك المعاني. ثالثها: أن يظهر في تلك الأعضاء أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان. وتلك الأمارات تسمى: شهادات، كما يقال: العالم يشهد بتغيرات أحواله على حدوثه. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. ثم قال: وفي الكرخي: بأن ينطقها الله تعالى كإنطاق اللسان، فتشهد، وليس نطقها بأغرب من نطق اللسان عقلا، وإيضاحه: أن البنية ليست شرطا للحياة، والعلم، والقدرة، فالله تعالى قادر على خلق العقل، والقدرة، والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء. انتهى. والله أعلم. الإعراب: ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿ما:﴾ صلة. ﴿جاؤُها:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المرجوح المشهور. ﴿شَهِدَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمْعُهُمْ:﴾ فاعله، وما بعده معطوف عليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿شَهِدَ﴾ وباقي الإعراب مثل: ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الآية رقم [١٧]. وجملة: ﴿شَهِدَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. هذا؛ ويعتبر الأخفش ﴿إِذا﴾ في مثل هذه الآية مجرورة ب: ﴿حَتّى،﴾ وقد رده ابن هشام في المغني، وعلى كلّ، فهي غاية لمحذوف، التقدير: حشروا حتى إذا جاؤوها. ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ:﴾ المراد جميع الأعضاء؛ التي تشهد عليهم، فالمراد: المعنى الأعم، والتعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع، وقد ذكرته لك مرارا. ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ هذا سؤال توبيخ، وتعجيب من هذا الأمر الغريب؛ لكونها ليست مما ينطق،

стр. 5596

ولكونها كانت في الدنيا مساعدة لهم على المعاصي، فكيف تشهد الآن عليهم، فلذلك استغربوا شهادتها، وخاطبوها بصيغة خطاب العقلاء؛ لصدور ما يصدر من العقلاء عنها، وهو الشهادة المذكورة. انتهى. جمل. ﴿قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي..﴾. إلخ: أي: من الحيوان، والمعنى: أن نطقنا ليس بعجيب من قدرة الله؛ الذي قدر على إنطاق كل حيوان. ولا تنس: أن جمع ضمائر هذه الأعضاء جمع المذكر السالم إنما هو لمخاطبتها، وجوابها مثل العقلاء. ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: ركب فيكم الحياة بعد أن كنتم نطفا في الأصلاب، فمن قدر على ذلك؛ قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وإليه وحده تردون بعد موتكم بالبعث، والحشر، والنشور. هذا؛ وقد قال ابن كثير: هذا حال الكفار، والمنافقين يوم القيامة حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فقد روى مسلم-﵀-في صحيحه عن أنس بن مالك-﵁-قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون ممّ أضحك؟». قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ربّه يوم القيامة، يقول: ربّ ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: إنّي لا أجيز عليّ إلاّ شاهدا من نفسي! فيقول الله ﵎: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم الله على فيه، ويقول لأركانه: انطقي! فتنطق بأعماله، ثم يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكنّ، وسحقا! فعنكنّ كنت أناضل». وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة-﵁-وهو حديث يوم القيامة الطويل، وفيه: ثمّ يقال له: «الآن نبعث عليك شاهدنا، ويتفكّر في نفسه من ذا الذي يشهد عليه؟ فيختم الله على فيه، ويقول لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي، فينطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله؟ وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه». انتهى. قرطبي، وابن كثير. ثم قيل في سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم يقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ رقم [٢٣] من سورة (الأنعام) فختم الله على أفواههم؛ حتى تنطق جوارحهم. قاله أبو موسى الأشعري-﵁. الثاني: ليعرفهم أهل الموقف، فيتميزون منهم. قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق؛ لخروجه مخرج الإعجاز؛ وإن كان يوما لا يحتاج إلى إعجاز. الرابع: ليعلم: أن أعضاءه التي كانت أعوانا في حقه، صارت عليه شهودا في حق ربه، انتهى. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِجُلُودِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف جر. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل جر باللام، والاستفهام للتوبيخ، والتأنيب، وحذفت ألف

стр. 5597

(ما) فرقا بين الخبر، والاستخبار، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿شَهِدْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَنْطَقَنَا:﴾ ماض، و (نا): مفعوله. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة لفظ الجلالة، وجملة: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والكاف مفعول به. ﴿أَوَّلَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. و ﴿أَوَّلَ﴾ مضاف، و ﴿مَرَّةٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، والضمير. وهذا على اعتباره من تمام كلام الجلود، ومستأنفة، لا محل لها، إن لم تكن كذلك أي: من كلام الله، أو كلام الملائكة. ﴿وَإِلَيْهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (إليه): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي معطوفة على الجملة الفعلية وحدها. فتكون في محل رفع مثلها. ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ..﴾. إلخ أي: تستخفون عن جوارحكم عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة، وما ظننتم: أن أعضاءكم تشهد عليكم أمام الله يوم القيامة. وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق ألاّ يمر عليه لحظة إلا وعليه رقيب. ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: من أعمالكم، فلذلك جادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم، قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي، فأحسن: [الكامل] العمر ينقص والذنوب تزيد... وتقال عثرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب واحد... رجل جوارحه عليه شهود؟ والمرء يسأل عن سنيه، فيشتهي... تقليلها وعن الممات يحيد فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر، كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم: قريشيّ، وختناه ثقفيان، أو ثقفيّ، وختناه قرشيان،

стр. 5598

فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا؛ سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا؛ لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا؛ سمعه كله. فقال عبد الله: فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. قال: هذا حديث حسن صحيح، قال الثعلبي: والثقفي: عبد يا ليل، وختناه: ربيعة، وصفوان بن أمية. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. و (ما): نافية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَسْتَتِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية: (هو خلقكم...) إلخ على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿أَنْ يَشْهَدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول منهما في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: من أن يشهد، ويسمى مثل ذلك في محل نصب بنزع الخافض؛ لأن الفعل قبله لا يتعدى بنفسه. والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، أو المصدر المؤول في محل نصب مفعول لأجله؛ أي: لأجل أن يشهد. أو مخافة أن يشهد. وقيل: هو في محل نصب مفعول به على تضمين الفعل قبله معنى الظن. وفيه بعد. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿سَمْعُكُمْ:﴾ فاعل ﴿يَشْهَدَ﴾ وما بعده معطوف عليه، والكاف في محل جر بالإضافة، ولا صلة للتوكيد. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لكن): حرف استدراك مهمل، لا عمل له. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيراً،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف صفة له، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: لا يعلم كثيرا من الذي، أو من شيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب: (من) التقدير: من عملكم، و ﴿أَنْ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (ظن)، والجملة الفعلية: ﴿وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ..﴾. إلخ أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. ﴿أَرْداكُمْ:﴾ أهلككم، وأدخلكم جهنم. وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن ألاّ يذهب عنه، ولا يزل عن

стр. 5599

ذهنه: أن عليه من الله عينا كالئة، ورقيبا مهيمنا؛ حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب، وأحسن احتشاما، وأوفر تحفظا، وتصونا منه مع الملأ، ولا يتبسط في سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. انتهى. كشاف. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أي: فخسرتم سعادتكم، وأنفسكم؛ حيث دخلتم النار. وانظر ﴿الْخُسْرانُ﴾ في سورة (الزمر) رقم [١٥]. هذا؛ والفعل (أصبحتم) بمعنى: صرتم، وليس المراد التوقيت بالصبح. وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الزمر). هذا؛ وقال النبي ﷺ : «لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله، فإن قوما أساؤوا الظنّ بربهم، فأهلكهم». فذلك قوله تعالى: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ..﴾. إلخ هذا؛ وفي الحديث القدسي الطويل الذي يرويه أبو هريرة-﵁-عن النبي ﷺ ، عن رب العزة، وخرجه الستة ما عدا أبا داود: «أنا عند ظنّ عبدي بي...» إلخ. هذا؛ والظن نوعان: ظن ينجي، وظن يردي، فالأول: هو أن يظن العبد بربه خيرا، ويحسن ظنّه به، ويقرن ذلك بالعمل الصالح، والخوف منه تعالى، ومراقبته، والوقوف على حدوده، فيحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم. والثاني: هو أن يظن العبد بربه خيرا، ولكنه لا يؤدي لله حقا، ولا يعرف للرسول ﷺ واجبا، فهذا هو الظن الكاذب، الذي يقول الله فيه: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ..﴾. إلخ. وقال الحسن البصري ﵀: إن قوما ألهتهم الأمانيّ حتى خرجوا من الدّنيا؛ وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي. وكذب! ولو أحسن الظن؛ لأحسن العمل، وتلا الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها. وقال عمر بن الخطاب-﵁-في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصيّ، ولا يتوبون منها، ويتكلون على المغفرة؛ حيث خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ الآية. انتهى. قرطبي. وخذ ما يلي بمناسبة هذه الآية منه أيضا: فعن معقل بن يسار-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ليس من يوم يأتي على ابن آدم، إلا ينادي فيه: يا بن آدم! أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا؛ أشهد لك به غدا، فإني لو قد مضيت؛ لم ترني أبدا. ويقول الليل مثل ذلك». ذكره أبو نعيم الحافظ، وقال محمد بن بشير، فأحسن: [الطويل] مضى أمسك الأدنى شهيدا معدّلا... ويومك هذا بالفعال شهيد فإن تك بالأمس اقترفت إساءة... فثنّ بإحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير منك إلى غد... لعلّ غدا يأتي وأنت فقيد الإعراب: ﴿وَذلِكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذلكم): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿ظَنُّكُمُ:﴾ خبر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع

стр. 5600

بدلا من: ﴿ظَنُّكُمُ،﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿أَرْداكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى: ﴿ظَنُّكُمُ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿ظَنُّكُمُ،﴾ والرابط: الضمير فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، و «قد» مقدرة، التقدير: ذلكم ظنكم مرديا إياكم. هذا وجه، والوجه الثاني: اعتبار: (ذلكم) مبتدأ، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلا منه، و ﴿الَّذِي﴾ نعت له، والخبر جملة: ﴿أَرْداكُمْ﴾. والوجه الثالث: اعتبار اسم الإشارة مبتدأ، وما بعده أخبارا عنه متتالية. انتهى. جمل. وقال أبو البقاء العكبري: (ذلكم) مبتدأ، و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و ﴿الَّذِي﴾ نعت للخبر، أو خبر بعد خبر، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ خبر آخر. ويجوز أن يكون الجميع صفة، أو بدلا، و ﴿أَرْداكُمْ﴾ الخبر، ويجوز أن يكون: ﴿أَرْداكُمْ﴾ حالا، و «قد» معه مرادة. انتهى. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي ظننتموه. ﴿بِرَبِّكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَصْبَحْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (أصبح)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ:﴾ قال الجمل: من المعلوم: أنه لا خلاص لهم من النار؛ صبروا، أو لم يصبروا؛ فما وجه التقييد؟ وأجيب بأن فيه إضمارا، تقديره: فإن يصبروا، أو لا يصبروا؛ فالنار مثوى لهم على كل حال. انتهى. نقلا من كرخي. وقال البيضاوي: ونظيره قوله تعالى في سورة (إبراهيم) الآية رقم [٢١] حكاية أهل النار: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ﴾. وقول القرطبي: فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار؛ فالنار مثوى لهم، نظيره: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ رقم [١٧٥] من سورة (البقرة). وإن يستعتبوا في الدنيا، وهم مقيمون على كفرهم، فما هم من المعتبين، لم يقل به أحد من المفسرين، ولا وجه له؛ لأن هذا الكلام متعلق بأحوال الآخرة. ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: إن يسألوا أن يرضوا ربهم؛ فما هم فاعلون لفوات الوقت، والفرصة؛ لأنهم دعوا إليه في الدنيا؛ حيث ندبهم الله في كثير من الآيات إلى التوبة، والطاعة، وحثهم في كثير من الآيات على الاستغفار، والإيمان به. من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني، فأرضيته. وجملة القول، لا يقال لهم يوم القيامة: ارضوا ربكم بتوبة، وطاعة. ومثله في سورة (الجاثية) رقم [٣٥]: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (النحل) الآية رقم [٨٤]: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقال تعالى في

стр. 5601

سورة (الروم) الآية رقم [٧٥]: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وخذ قول أبي الأسود الدؤلي، وهو الشاهد رقم [٩٦٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] فألفيته غير مستعتب... ولا ذاكر الله إلاّ قليلا هذا؛ والاستعتاب طلب العتاب، والمعتبة: هي الغلظة والموجدة التي يجدها الإنسان في نفسه على غيره، والرجل إنما يطلب العتاب من خصمه ليزيل ما في نفسه عليه من الموجدة والغضب، ويرجع إلى الرضا عنه، وإذا لم يطلب من خصمه العتاب دل ذلك على أنه ثابت على غضبه عليه، قال النابغة الذبياني: [الطويل] فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٢]: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ وفي المصباح المنير: عتب عليه عتبا من باب: ضرب، وقتل، ومعتبا أيضا: لامه في سخط، فهو عاتب. وعتّاب مبالغة، وبه سمّي، ومنه عتّاب بن أسيد الصحابي-﵁. وعاتبه معاتبة، وعتابا. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة. وأعتبني: الهمزة للسلب؛ أي: أزال الشكوى، والعتاب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبى: الاسم من الإعتاب. انتهى. جمل من سورة (الروم). وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنّ أحدكم الموت، إمّا محسنا فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب». رواه البخاري ومسلم. قال الزمخشري في سورة (الروم): فإن قلت: كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين في بعضها؟ قلت: أما كونهم غير مستعتبين؛ فهذا معناه؛ أي: ما تقدم، وأما كونهم غير معتبين فمعناه: أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جني عليهم، فهم عاتبون على الجاني، غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله؛ أي: يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. انتهى. والله أعلم. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿يَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَالنّارُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (النار): مبتدأ. ﴿مَثْوىً:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَثْوىً،﴾ أو بمحذوف صفة له، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محل لها.

стр. 5602

﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ مثل سابقه في إعرابه. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (ما) على اعتبارها حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو في محل نصب خبر (ما) والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، لا محل له مثله. ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ﴾ أي: هيأنا. وقال الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي: قدرنا لمشركي مكة. يقال: هذان ثوبان قيضان: إذا كانا متكافئين، والمقايضة: المعاوضة، وأرى: أن المعنى الأول أولى بالاعتبار، ومثله قوله تعالى في سورة (الزخرف) رقم [٣٦]: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. قال ابن كثير: يذكر الله تعالى: أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته، وكونه، وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس، والجن. ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ من أمر الدنيا، فحسنوه لهم؛ حتى آثروه على الآخرة، واتبعوا الشهوات. ﴿وَما خَلْفَهُمْ﴾ أي: من أمر الآخرة، حسنوا لهم ما بعد مماتهم، ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة: أن لا بعث، ولا حساب، ولا جزاء. وانظر ما ذكرته في سورة (غافر) رقم [٣٤] و [٣٧]. وقال الزجاج: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا بعث، ولا جنة، ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا، بأن الدنيا قديمة، ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك. قال القشيري: إذا أراد الله بعبد سوآ؛ قيض الله له إخوان سوء، وقرناء سوء يحملونه على المخالفات، ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وأشر منه النفس، وبئس القرين يدعوه اليوم إلى ما فيه الهلاك، ويشهد عليه غدا. وإذا أراد الله بعبد خيرا؛ قيض له قرناء خير، يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها. وروي عن أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبده شرا، قيّض له قبل موته شيطانا، فلا يرى حسنا إلاّ قبّحه عنده، ولا قبيحا إلاّ حسّنه عنده». وعن عائشة-﵂ «إذا أراد الله بالوالي خيرا؛ جعل له وزير صدق؛ إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه».

стр. 5603

وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبيّ، ولا استخلف من خليفة؛ إلاّ كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضّه عليه، والمعصوم من عصمه الله». هذا؛ ولا تنس المرأة السوء، والولد السوء، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى في سورة التغابن رقم [١٤] و [١٥]. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: كلمة العذاب. انظر ما ذكرته في سورة (ص) رقم [٨٤ و ٨٥]. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ في بمعنى: «مع» فالمعنى: هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: المعنى: في جملة أمم. ومثله قول عروة بن أذينة: [المنسرح] إن تك عن أحسن الصّنيعة مأ... فوكا ففي آخرين قد أفكوا يريد: فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد، ومعنى البيت: إن لم توفق للإحسان، فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك أيضا. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مضت قبل أهل مكة. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ:﴾ حيث كفروا بربهم، وعملوا مثل أعمالهم، فأهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق يقيهم نزول العذاب بهم. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ:﴾ أعمالهم في الدنيا، وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة. الإعراب: ﴿وَقَيَّضْنا:﴾ الواو: حرف استئناف. (قيضنا): فعل، وفاعل. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قُرَناءَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فَزَيَّنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): معطوف على ما قبله. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَحَقَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (حق): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقَوْلُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فِي أُمَمٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المجرور في: ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى: ﴿أُمَمٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من:

стр. 5604

﴿أُمَمٍ﴾ بعد وصفه بما تقدم، أو بمحذوف صفة ثانية له. ﴿وَالْإِنْسِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿خاسِرِينَ:﴾ خبر (كان) منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وجملة: ﴿كانُوا خاسِرِينَ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها تعليلية. ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من أهل مكة. ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ:﴾ لا تنصتوا، ولا تصغوا له. ﴿وَالْغَوْا فِيهِ:﴾ اللغو: الساقط من الكلام، الذي لا طائل تحته. قال العجاج: [الرجز] أستغفر الرحمن ذا التّعظم... من اللّغا ورفث التّكلّم والمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات، والهذيان. كان بعضهم يوصي بعضا إذا رأيتم محمدا يقرأ؛ فعارضوه بالرجز، والشعر، وما أشبه ذلك؛ حتى يختلط عليه ما يقول، وتشوشوا عليه، وتغلبوه على قراءته. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ أي: تغلبونه على قراءته فلا يفهم ما يقول. هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن من الفجار، والفساق في هذه الأيام؛ الذين يجلسون في المقاهي على موائد الملاهي، والمشروبات، وشرب الدخان، وكذلك الذين يجلسون في المجتمعات، ويخوضون في أعراض الناس، ويتكلمون بالغيبة، والنميمة، والهذر والنذر من الكلام ومن هذا ما يحصل في المأتم، حيث تفتح المسجلات على باب المتوفى، والصوت يدوي في الطريق وفي دار المتوفى، والمعزون مشغولون بما ذكرت، فلا حول، ولا قوة إلا بالله، والله يقول في سورة (الأعراف) رقم [٢٠٣]: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. هذا؛ و (الغوا فيه): هذه قراءة الجماعة، وهي من: لغي يلغى؛ أي: فهو يائي، وقرئ شاذا: «(والغوا فيه)» بضم الغين، وهي من: لغا يلغو؛ أي: فهو واوي. هذا؛ واللغو: ما ينبغي أن يلغى، ويطرح. خذ قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٧٢] في مدح عباد الرحمن: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً،﴾ وقوله تعالى في مدح مؤمني أهل الكتاب من سورة (القصص) رقم [٥٥]: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. الإعراب: ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا تَسْمَعُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛

стр. 5605

لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿لِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما مفعوله في المعنى، والهاء مقحمة بين الجار والمجرور حرف لا محل له. ﴿الْقُرْآنِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿وَالْغَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (الغوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها، وجملة: ﴿تَغْلِبُونَ﴾ في محل رفع خبرها، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، وجملة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الشرح: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً:﴾ يجوز أن يراد بالذين كفروا هؤلاء اللاغون، والآمرون لهم باللغو خاصة، ويجوز أن يراد بهم جميع الكفار، وهو الأولى. وانظر إذاقة العذاب في الآية رقم [٣١] من سورة (الصافات). ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ:﴾ ولنعاقبنهم. ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ:﴾ والمعنى: لنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم؛ التي عملوها في الدنيا، وأسوأ الأعمال الشرك. وفي الجمل نقلا عن كرخي: ولنجزينهم أقبح جزاء عملهم، وهو الشرك، وذكروا: أن إضافة ﴿أَسْوَأَ﴾ ليست إضافة أفعل إلى ما أضيف إليه، لقصد الزيادة عليه، ولكن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، فالمراد: سيئه؛ إذ لا يختص جزاؤهم بأسوأ عملهم. وحاصله: أن الإضافة للتخصيص، والمضاف للزيادة المطلقة. وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند كلام الله المجيد خاضعا، خاشعا، متفكرا، متدبرا، وتهديد، ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارئ، ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة القرآن المجيد، وتأمل في هذا التغليظ، والتشديد، واشهد لمن عظّمه، وأجلّ قدره، وألقى إليه السمع؛ وهو شهيد بالفوز العظيم. انتهى. بحروفه. الإعراب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: إن استمروا على ذلك؛ فلنذيقن. اللام: واقعة في جواب قسم محذوف. (نذيقن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة؛ التي هي حرف، لا محل له، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَذاباً:﴾
следующие страницы →