Полный текст (7 463 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والعدالة، والثّناء عليهم، ما عدا الّذين برز نفاقهم، فهم مغضوب عليهم، محرومون من رحمة الله، ورضوانه، ويكونون في أعمق واد من أودية جهنّم.
تنبيه: في الآية الكريمة التفاتات كثيرة: منها: التفات من التكلّم بقوله: ﴿فَضَّلْنا﴾ إلى الغيبة بقوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ،﴾ ثم منه إلى التكلّم بقوله: ﴿وَآتَيْنا،﴾ ﴿وَأَيَّدْناهُ﴾ ثمّ منه إلى الغيبة بقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ..﴾. إلخ، وللالتفات فوائد كثيرة: منها تطرية الكلام، وصيانة السّمع عن الضّجر، والملال؛ لما جبلت عليه النّفوس من حبّ التنقّلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فوائده العامّة، ويختصّ كلّ موضع بنكت، ولطائف باختلاف محلّه، كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حيث السّامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصّصه بالمواجهة.
الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الرُّسُلُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه.
﴿فَضَّلْنا:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، ﴿عَلى بَعْضٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وجوّز السفاقسي، وأبو البقاء اعتبار ﴿الرُّسُلُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الرُّسُلُ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، وهذا غير متعارف عليه في مثل هذا التّركيب.
﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخر. ﴿كَلَّمَ اللهُ:﴾ فعل ماض، وفاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: منهم الذي، أو:
شخص كلّمه الله، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه والمشهور في مثل هذه الجملة، ولا أعتمده، والأصحّ: أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ، و ﴿مَنْ:﴾ هي الخبر؛ لأنّ (﴿مَنْ﴾) الجارة دالة على التبعيض؛ أي: وبعضهم من كلمه الله، وجمع الضمير يؤيّده، ويؤيده قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١١٠]: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ،﴾ ف (أكثرهم) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المائدة) [٦٦]: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ؛﴾ ف (كثير) معطوف على مضمون ﴿مِنْهُمْ﴾ وخذ قول الحماسي: [الكامل]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت، وضمّ حبل الحاطب
هذا؛ وليوث: جمع: ليث، وهو السّبع، لا ترام: لا تقصد، قمشت: جمعت من هنا وهناك، والمراد: رذالة الناس، والقمش: الرديء من كلّ شيء، والجملة الاسمية: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ:﴾ هذه تحتمل أن تكون مستأنفة لا محلّ لها، وأن تكون بدلا من جملة ﴿فَضَّلْنا..﴾.
стр. 597
إلخ، قال بعض المتأخرين: هذا مردود؛ لأنّ الاسمية لا تبدل من الفعلية، قال ابن هشام: ولم يقم دليل على امتناع ذلك. (﴿رَفَعَ﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿بَعْضَهُمْ:﴾ مفعول به، ﴿دَرَجاتٍ:﴾ مفعول به ثان، وكان في الأصل مجرورا بحرف جر، فلمّا حذف الجار وصل إليه الفعل بنفسه، ويسمّى مثل ذلك منصوبا بنزع الخافض، وقيل: هو حال، ولا وجه له، وقيل:
هو مفعول مطلق وهو غريب، وجملة: (﴿رَفَعَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها. (﴿آتَيْنا﴾): فعل وفاعل. ﴿عِيسَى:﴾ مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿اِبْنَ:﴾ صفة عيسى، أو بدل منه. و ﴿اِبْنَ﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث المعنوي ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وجملة:
﴿وَآتَيْنا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها. (أيدناه): فعل، وفاعل، ومفعول به، ﴿بِرُوحِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (روح) مضاف، و ﴿الْقُدُسِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿وَأَيَّدْناهُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿شاءَ اللهُ:﴾
فعل ماض وفاعله، ومفعوله محذوف، التقدير: ألا يقتتلوا، ونحوه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِقْتَتَلَ الَّذِينَ:﴾ فعل ماض وفاعله، والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ يجوز أن يكونا متعلقين بالفعل قبلهما، ويجوز اعتبارهما بدلا ممّا قبلهما بإعادة حرف الجر. ﴿مَا:﴾
مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتِ:﴾ فاعله، و ﴿مَا﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. والتقدير: من بعد مجيئهم البينات. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنِ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له.
﴿اِخْتَلَفُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها مثله.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (منهم ﴿مَنْ آمَنَ﴾) إعراب هذه الجملة مثل إعراب الجملة السابقة، والتي بعدها مثلها أيضا، والجملتان الاسميتان مستأنفتان لا محل لهما ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا:﴾ مثل إعراب سابقتها بلا فارق بينهما. ﴿وَلكِنِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنِ﴾) حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿مَا:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصولة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به.
﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (﴿مَا﴾) أو صفتها، والعائد
стр. 598
أو الرابط محذوف، التقدير: يفعل الذي، أو: شيئا يريده، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (﴿لكِنِ﴾)، والجملة الاسمية معطوفة على جواب (﴿لَوْ﴾) لا محل لها مثله.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ (٢٥٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدقتم الله ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان؛ الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عما نهى عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو نهي.
﴿أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ:﴾ الإنفاق: بذل المال، وهو يشمل الواجب، مثل الزكاة، والكفارات على جميع أنواعها، واختلاف مراتبها، والمندوب؛ أي: صدقات التطوّع، قال ابن جريج، وسعيد بن جبير-رحمهما الله تعالى-: هذه الآية تجمع الزّكاة المفروضة، والتطوّع. هذا؛ والفعل الماضي: أنفق، وهو رباعي الحروف، مضارعه: يؤنفق، ويكون ثلاثيّا: نفق، قاله الزّمخشري-رحمه الله تعالى-: ﴿مِمّا رَزَقْناكُمْ:﴾ صريح بأنّ المال الذي بيد العبد إنّما هو من فضله تعالى، وكرمه، وجوده، والعبد موكل على المال وكالة، كما قال تعالى في سورة (الحديد): ﴿وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ:﴾ المراد به يوم القيامة. ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ أي: ولا شراء، والمعنى لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال، ولو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبا، لا يقبل. ﴿وَلا خُلَّةٌ:﴾
ولا صداقة، ولا مودة، وهي بضم الخاء، وهي أيضا ما خلا من النبات، يقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها، والخلة بالفتح: الفقر، والحاجة، وهي أيضا الخمرة الحامضة، وهي بكسر الخاء نبات معروف، تنظف به الأسنان من آثار الطّعام، وهي أيضا ما يبقى بين الأسنان.
هذا؛ والخلّة بالضم: الخليل، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ لأنّه في الأصل مصدر قولك:
خليل بيّن الخلّة. هذا، والخليل هو الصّديق الّذي صفت مودّته، فتجد من خلاله مثل ما يجد من خلالك، ويسعى لمصلحتك، كما يسعى لمصلحته، بل قد يؤثرك على نفسه، ويبذل روحه من أجلك، كما قال ربيعة بن مقروم الضّبيّ: [الوافر]
أخوك أخوك من تدنو وترجو... مودّته، وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي... وزاد سلاحه منك اقترابا
стр. 599
وهو معدوم في هذا الزّمن؛ الذي فسد أهله، وصاروا خلّا ودودا، كما قال القائل: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ ودود... فقالوا: النّاس من خلّ ودود
فقلت: أليس فيهم ذو وفاء؟ ... فقالوا: كان ذلك في الجدود
احفظ البيتين، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي، بل صار وجوده مستحيلا، كما قال: [الكامل]
قد قيل: إنّ المستحيل ثلاثة... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
وقال الآخر: [الوافر]
سألت النّاس عن خلّ وفيّ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ... فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
وممّا هو جدير بالذكر: أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة، خذ قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة (إبراهيم) رقم [٢٢] وفي سورة (ق) أيضا.
وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «الرّجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ولقد أحسن من قال: [السريع]
من لم تكن في الله خلّته... فخليله منه على خطر
﴿وَلا شَفاعَةٌ﴾ أي: ولا يقبل منها شفاعة، كما في الآية رقم [٤٨]. والشّفاعة: التوسّل، وابتغاء الخير، والذي يكون منه التوسّل يسمّى الشّفيع، والشفاعة في الدّنيا تكون حسنة، وتكون سيئة، فالأولى هي التي روعي فيها حقّ مسلم، أو دفع بها عنه شر، أو جلب إليه خير، وابتغي بها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدّ من الحدود، ولا في حق من حقوق العباد، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، وقيل: الشفاعة الحسنة هي الدّعوة للمسلم؛ لأنّها بمعنى الشّفاعة إلى الله تعالى، فعن النبي ﷺ قال: «من دعا لأخيه بظهر الغيب، استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك» فذلك النصيب الذي ذكر الله بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ رقم [٨٥] من سورة (النساء)، وروى مسلم عن أمّ الدّرداء-﵄، قالت: حدّثني سيّدي: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب. قالت الملائكة: ولك بمثله».
ولا ريب: أنّ المراد بالشفاعة في هذه الآية الشّفاعة يوم القيامة، والشّفاعة العظمى مختصة بنبينا ﷺ ثمّ يتلوها شفاعات أخر، كما هو معلوم من الدين، وأحكامه، وهو مذهب أهل الحقّ، والسّنّة، والجماعة.
стр. 600
وأنكر المعتزلة الشّفاعة، وخلّدوا أهل الكبائر من المسلمين الّذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأنّ من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيين هم الّذين تنالهم شفاعة الشّافعين من الملائكة، والنبيين، والشهداء، والصالحين، قال ابن المنير المعلّق على الكشّاف: أما من جحد الشفاعة؛ فهو جدير ألا ينالها، وأمّا من آمن بها، وصدّقها، وهم أهل السّنّة، والجماعة؛ فأولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم: أنها تنال العصاة من المذنبين، وإنّما ادّخرت لهم في الآخرة.
أقول: والأحاديث في الشّفاعة كثيرة مشهورة، وفي كتب الأحاديث مسطورة، والدّليل القرآنيّ يوحي بأنّ أقواما تنالهم الشّفاعة، كما أنّه يصرّح بأن أقواما لا تنالهم بكفرهم، وعظيم جرائمهم، وهو كثير.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار، مثل قوله تعالى في سورة (غافر): ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ،﴾ وفي الآية رقم [٤٨]: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ،﴾ قلنا: ليست هذه الآية عامة في كلّ ظالم، والعموم لا صيغة له، فلا تعمّ هذه الآيات كلّ من يعمل سوءا، وكلّ نفس، وإنّما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك، وانظر قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧٩]: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ تجد ما يسرك ويثلج صدرك، وقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد ب (نفس) في الآية رقم [٤٨] النّفس الكافرة، لا كلّ نفس. انتهى بتصرف.
بعد هذا؛ المعنى للآية الكريمة: أنفقوا من المال الّذي رزقناكموه من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرّطتم، والخلاص من عذابه؛ إذ لا بيع فيه؛ فتحصّلون ما تنفقون، أو تفتدون به من العذاب، ولا خلّة؛ حتّى يعينكم عليه أخلاّؤكم، أو يسامحوكم به، ولا شفاعة إلا لمن أذن له الرّحمن ورضي له قولا؛ حتّى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطّ ما في ذممكم، والمراد ب: ﴿وَالْكافِرُونَ:﴾ المانعون للزّكاة، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩٧]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ مكان من لم يحج؛ وإيذانا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار بقوله تعالى:
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ رقم [٦ - ٧] سورة (فصلت). انتهى. بيضاوي بتصرف كبير، فلم يبق لما قاله عطاء بن دينار، والحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ،﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، فلم يبق لقوله معنى، ولا فائدة.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾) منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾) وها: حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه حينئذ يجب نصب
стр. 601
المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ رفع بدلا من (أيّ) أو عطف بيان عليه. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها؛ ﴿أَنْفِقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعله، والجملة فعلية لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف، التّقدير: أنفقوا شيئا كائنا ممّا... إلخ، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما على أنّهما مفعول به؛ لأنّ (من) للتبعيض، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿رَزَقْناكُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أنفقوا من الذي، أو من شيء رزقناكموه. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿أَنْفِقُوا﴾ أيضا. ﴿أَنْ يَأْتِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والمصدر المؤول منهما في محل جر بإضافة ﴿قَبْلِ﴾ إليه. ﴿يَوْمٌ:﴾ فاعل ﴿يَأْتِيَ﴾.
﴿لا:﴾ نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿بَيْعٌ:﴾ اسم ﴿لا﴾. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾. ﴿لا:﴾ صلة في الموضعين، و ﴿خُلَّةٌ﴾ و ﴿شَفاعَةٌ:﴾ معطوفان على ﴿بَيْعٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، وإن اعتبرت (﴿لا﴾) عاملة فيهما، فخبرها محذوف في الموضعين لدلالة خبر الأولى عليه. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿لا﴾) مهملة لا محل لها ف: ﴿بَيْعٌ﴾ يكون مبتدأ، خبره: الجار والمجرور: ﴿فِيهِ،﴾ ويجوز فيهما بعده الوجهان اللّذان ذكرتهما في حال عمل (﴿لا﴾) عمل «ليس» وهما عطف ﴿خُلَّةٌ﴾ و ﴿شَفاعَةٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هما مبتدءان، وخبرهما محذوف لدلالة خبر الأول عليه، كما أجيز إعمال (﴿لا﴾) فيهما عمل «ليس» فهذه ثلاثة أوجه في ﴿خُلَّةٌ﴾ و ﴿شَفاعَةٌ﴾ على رفع بيع، ومثل الآية الكريمة قول عبيد بن حصين الرّاعي النّميري، وهو الشّاهد رقم [٣٠١] من كتابنا: «فتح رب البريّة»: [البسيط]
وما هجرتك حتّى قلت معلنة... لا ناقة لي في هذا، ولا جمل
هذا؛ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو الأسماء الثلاثة بالفتح من غير تنوين، وخرجت هذه القراءة على إعمال ﴿لا﴾ الأولى عمل «إنّ». و ﴿بَيْعٌ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، و ﴿فِيهِ﴾ متعلقين بمحذوف خبرها، والواو حرف عطف، و ﴿لا:﴾ صلة لتأكيد النفي في الموضعين، و ﴿خُلَّةٌ﴾ و ﴿شَفاعَةٌ:﴾ معطوفان على بيع، ويجوز اعتبار ﴿لا﴾ عاملة في الثلاثة، والجار والمجرور: ﴿فِيهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر الأولى، وخبر الثانية والثالثة محذوفان؛ لدلالة خبر الأولى عليهما. هذا؛ ويجوز في غير القرآن: لا بيع فيه ولا خلّة؛ ببناء الأول على الفتح، ورفع الثاني، وشواهده في كتب النّحو قول الشّاعر، وهو الشاهد رقم [٣٠٢] من كتابنا فتح رب البريّة: [الكامل]
هذا-لعمركم-الصّغار بعينه... لا أمّ لي، إن كان ذاك ولا أب
стр. 602
ويجوز أن تبني الأول، وتنصب الثاني؛ وتنوّنه، وشواهده في كتب النّحو قول الآخر، وهو الشّاهد رقم [٣٠٤] من كتابنا فتح ربّ البريّة: [السريع]
لا نسب اليوم، ولا خلّة... اتّسع الخرق على الرّاقع
ويجوز في غير القرآن أيضا أن ترفع الأول، وتبني الثاني، وشواهده في كتب النحو قول أميّة ابن أبي الصّلت، وهو الشاهد رقم [٣٠٣] من كتابنا المذكور: [الوافر]
فلا لغو ولا تأثيم فيها... وما فاهوا به أبدا مقيم
وهذه الأوجه كلّها تجري في الجملة: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». وخذ قول ابن مالك ﵀ في ألفيته مقرّرا جميع الوجوه الّتي ذكرتها، وزيادة: [الرجز]
وركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة، والثاني اجعلا
مرفوعا أو منصوبا، أو مركّبا... وإن رفعت أوّلا لا تنصبا
بعد هذا فجملة: ﴿لا بَيْعٌ..﴾. إلخ في محل رفع صفة ﴿يَوْمٌ،﴾ والرابط: الضمير المجرور ب (في) وما بعدها معطوف عليها، إما جملة، أو إفرادا، كما رأيت تفصيله. (﴿الْكافِرُونَ﴾): مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الظّالِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر الأول. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا لا محل له، ﴿الظّالِمُونَ﴾ خبر (﴿الْكافِرُونَ﴾) وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام أفادت التهديد والوعيد لمانعي الزّكاة، والصدقات.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾
الشرح: هذه الآية سيدة آي القرآن، وأعظم آية، نزلت ليلا، ودعا النّبيّ ﷺ زيد بن ثابت ﵁، فكتبها، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، ترغّب في قراءتها في جميع الأحوال، في دبر الصّلوات الخمس، وعند النّوم، وفي الصّباح، والمساء، وهي حفظ من الشياطين، والمردة، والسحرة، والمعتدين، والظّالمين، أكتفي بما يلي:
عن أبيّ بن كعب-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟» قال: قلت: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فضرب في صدري،
стр. 603
وقال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» أخرجه مسلم، وغيره، وزاد الترمذيّ الحكيم في روايته:
«فو الّذي نفسي بيده إنّ لهذه الآية لسانا، وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش».
ومن حديث أبي ذر-﵁-الطويل، قال: سألت رسول الله ﷺ : أيّ آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ..﴾. إلخ.
وقال ابن عباس ﵄: أشرف آية في القرآن آية الكرسيّ، قال بعض العلماء:
لأنّه يكرّر فيها اسم الله تعالى بين مضمر، وظاهر ثماني عشرة مرّة.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ إخبار بأنّه سبحانه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذّات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإنما تخلفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه، قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٦٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تسمّى أحد (﴿اللهُ﴾) غير (﴿اللهُ﴾)؟ وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين، وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي الرّحمن، والواقعة. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحيّ في نفسه؛ الذي لا يموت أبدا، القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره، وهما اسمان من أسماء الله الحسنى، وأصل ﴿الْحَيُّ:﴾
الحيي بياءين متحركتين، فسكنت الأولى، ثمّ أدغمت في الثانية، وأصل ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القيووم؛ لأنّه من: قام بالأمر يقوم، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، قال الشّاعر: [الخفيف]
إنّ ذا العرش للّذي يرزق النّا... س وحيّ عليهم قيّوم
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص، ولا غفلة، ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، شهيد على كلّ شيء، لا يغيب عن علمه شيء في الأرض، ولا في السّماء، وهو السّميع العليم، و (السّنة) بكسر السين: النّعاس في قول الجميع، قال عديّ بن الرقاع العاملي: [الكامل]
وسنان أقصده النّعاس فرنّقت... في عينه سنة، وليس بنائم
وفرّق المفضل بينهما، فقال: السّنة في الرأس، والنّعاس في العين، والنّوم في القلب، وبالجملة: السّنة والنعاس فتور يعتري الإنسان، ولا يفقد معه عقله، والمراد بهذه الآية: أنّ الله تعالى لا يدركه خلل، ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال، والأصل في ﴿سِنَةٌ﴾ وسنة؛ حذفت الواو، كما حذفت من يسن الماء والأصل: وسن، يسن؛ مثل: وعد، يعد. هذا؛ والوسن أيضا النّعاس، قال المتنبّي أبو الطّيب: [البسيط]
أبلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني... وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
стр. 604
وهذا هو الشاهد رقم [٩٦٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب».
هذا؛ والنّوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين: فترة طبيعية، تعتري الإنسان، وتتعطّل حواسّه بها، وأمّا نوم القلب؛ فهو تعطيل القوى المدركة، والثّاني لم يقع منه ﷺ ؛ لأنّ قلبه لا ينام، كما في حديث الصّحيحين عنه ﷺ : أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» ورحم الله البوصيري؛ إذ يقول: [البسيط]
لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم
وهذا، والمنام مصدر بمعنى النّوم، أو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأنّ مفعلا يصلح لهذا كلّه. هذا وقدمت السّنة بالذّكر؛ لأنّها سابقة في الوجود على النّوم، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: والنّاس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة-﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى على المنبر، قال: وقع في نفس موسى: هل ينام الله جلّ ثناؤه، فأرسل الله إليه ملكا. فأرّقه ثلاثا، ثمّ أعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ، فينحّي إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، قال: ضرب الله له مثلا: أن لو كان ينام؛ لم تمتسك السّماء والأرض، ولا يصحّ هذا الحديث، ضعفه غير واحد، منهم البيهقيّ. انتهى. قرطبي.
وفي مختصر ابن كثير عن ابن عباس-﵄: أنّ بني إسرائيل، قالوا: يا موسى! هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله! فناداه ربّه : يا موسى! سألوك هل ينام ربّك؟ خذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلمّا ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش، فضبطهما حتّى إذا كان آخر الليل؛ نعس، فسقطت الزّجاجتان، فانكسرتا، فقال:
يا موسى لو كنت أنام؛ لسقطت السّماوات والأرض، فهلكت، كما هلكت الزّجاجتان في يديك، فأنزل الله على نبيه ﷺ آية الكرسي، رواه ابن أبي حاتم.
أقول: خذ قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٤١]: ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنّه جيد، والحمد لله!.
﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ ﴿لَهُ:﴾ أي: بالملك التام، الجميع خلقا، وعبيدا في قهره، وتحت سلطانه، وقد ذكر ما فيهما دونهما للردّ على المشركين العابدين لبعض الكواكب، الّتي في السّماء، والأصنام الّتي في الأرض، يعني: فلا تصلح أن تعبد؛ لأنها مملوكة لله، مخلوقة له، والتعبير ب ﴿ما﴾ التي لغير العاقل، للتغليب وفيه ردّ على المشركين الذين قالوا عن الأصنام ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ:﴾ الاستفهام معناه النفي، وفيه ردّ لزعم المشركين: أنّ الأصنام تشفع لهم، وهو كقوله تعالى في سورة (النّجم): ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي﴾
стр. 605
شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى وكقوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى﴾ وهذا من عظمة الله، وجلاله، وكبريائه ؛ حيث لا يجرؤ أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في قول النبيّ ﷺ في حديث الشّفاعة:
«آتي تحت العرش، فأخرّ ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفّع».
﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ:﴾ الضمير يعود إلى الخلق المعبّر عنهم ب ﴿ما؛﴾ والمعنى:
يعلم الله ما هو حاضر، وشاهد لهم، وهو الدّنيا وما فيها، وما خلفهم، أي: أمامهم من أمر الآخرة، ويجوز أن يكون المعنى ﴿ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ:﴾ أمر الآخرة، ﴿وَما خَلْفَهُمْ:﴾ أمر الدّنيا؛ لأنّ الإنسان مستقبل للآخرة، مستدبر للدنيا، فهو دليل قاطع على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها.
﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ أي: لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما أعلمهم الله إياه على ألسنة الرّسل، أو المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته، وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ:﴾ يقال: فلان وسع الشيء سعة: إذا احتمله، وأطاقه، وأمكنه القيام به، وأصل الكرسيّ في اللغة: من تركّب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكرّاسة لتركيب بعض أوراقها على بعض، والكرسيّ في العرف: اسم لما يقعد عليه، وسمّي به لتركيب خشباته بعضها على بعض، واختلفوا في الكرسيّ هنا على أربعة أقوال:
أحدها: أنّ الكرسيّ هو العرش نفسه، قاله الحسن البصري؛ لأنّ العرش، والكرسي اسم للسّرير؛ الذي يصحّ التمكّن عليه.
الثاني: أنّ الكرسيّ غير العرش، وهو أمامه، وهو فوق السّماوات السّبع، ودون العرش، قال السّدّي رحمه الله تعالى: إنّ السموات والأرض في جوف الكرسيّ كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسيّ في جنب العرش كحلقة في فلاة، وعن ابن عباس-﵄: إنّ السموات السّبع في الكرسيّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس.
القول الثالث: إنّ الكرسي هو الاسم الأعظم؛ لأنّ العلم يعتمد عليه، كما أنّ الكرسي يعتمد عليه، وقال ابن عباس: كرسيّه: علمه، وهو قول ثان له، ورجّحه الطبري، قال: ومنه الكرّاسة التي تضمّ العلم، ومنه قيل للعلماء: كراسي؛ لأنّهم يعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض، قال الشاعر: [الطويل]
يحفّ بهم بيض الوجوه وعصبة... كراسيّ بالأحداث حين تنوب
стр. 606
أي: علماء بحوادث الأمور.
القول الرابع: المراد بالكرسيّ: الملك، والسّلطان، والقدرة؛ لأنّ الكرسيّ موضع السلطان، والملك، فلا يبعد أن يكنى عن الملك بالكرسيّ على سبيل المجاز. انتهى. خازن.
هذا وقد قال الرسول ﷺ : «ما السّماوات السّبع في الكرسيّ إلاّ كدراهم سبعة ألقيت في ترس»، وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذرّ-﵁، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ ما أنزل الله عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي». ثمّ قال: «يا أبا ذرّ ما السّماوات السبع مع الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على الحلقة». أخرجه البيهقيّ، وغيره، وذكر: أنّه صحيح، وهذا من الأمور المغيّبة، التي يجب على المسلم الإيمان بها، والتّسليم بحقائقها، ولا مجال للعقل فيها، والسّؤال عن ذلك ب «كيف» ونحوها يحدث بلبلة في عقله، واضطرابا في إيمانه.
﴿وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما:﴾ ولا يثقل عليه، ولا يصعب حفظهما، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ:﴾ المتعالي عن الصفات التي لا تليق به. ﴿الْعَظِيمُ:﴾ بمعنى عظيم القدر، والخطر، والشرف، وقيل: هو بمعنى المعظم، وأنكره بعضهم، فقالوا: لو كان بمعنى معظم؛ لوجب أن لا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق، وبعد فنائهم؛ إذ لا معظّم له حينئذ.
قال الزّمخشري في كشافه: فإن قلت: لم فضّلت هذه الآية؛ حتى ورد فيها ما ورد، منه قوله ﷺ : «ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر، ولا ساحرة أربعين ليلة، يا عليّ علّمها ولدك، وأهلك، وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها».
وعن عليّ-﵁: سمعت نبيّكم ﷺ على أعواد هذا المنبر، وهو يقول: «من قرأ آية الكرسيّ في دبر كلّ صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنّة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلاّ صدّيق، أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه، أمّنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره، والأبيات حوله».
وتذاكر الصّحابة-رضوان الله عليهم-أفضل ما في القرآن، فقال لهم عليّ كرّم الله وجهه: أين أنتم من آية الكرسيّ؟! ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عليّ! سيّد البشر آدم، وسيد العرب محمّد، ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيّد الرّوم صهيب، وسيّد الحبشة بلال، وسيّد الجبال الطّور، وسيّد الأيام الجمعة، وسيّد الكلام القرآن، وسيّد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسيّ».
قلت: كما فضلت سورة الإخلاص من اشتمالها على توحيد الله تعالى، وتعظيمه؛ وتمجيده، وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من ربّ العزة، فما كان ذكرا له، كان أفضل من سائر الأذكار، وبهذا يعلم: أن شرف العلوم، وأعلاها عند الله منزلة علم أهل العدل، والتوحيد، ولا يغرنّك عنه كثرة أعدائه، قال الشاعر: [البسيط]
стр. 607
إنّ العرانين تلقاها محسّدة... ولن ترى للئام النّاس حسّادا
فهو يعني: علم أهل العدل، والتوحيد: علم الاعتزال، ويعني بالعرانين: شيعة المعتزلة، كما هو دأبه في نصرة مذهبهم، ويروى: أنّه رجع عن هذا المذهب قبل وفاته، وترك نصرته عفا الله عنا، وعنه.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إن». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له.
﴿هُوَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول: كونه بدلا من اسم ﴿لا﴾ على المحل؛ إذ محله الرفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿الْحَيُّ﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحيّ، وحسّن حذفه توالي اللفظ ب ﴿هُوَ﴾ مرّتين، الثالث: أن يكون خبرا ثانيا، لقوله: ﴿اللهُ﴾ أخبر عنه أولا بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وذلك عند من يرى تعدّد الخبر مختلفا في الإفراد، والجملة، الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائيّ، فإنّه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشّرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الْقَيُّومُ:﴾ يجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من ﴿الْحَيُّ﴾ فلست مفندا، بل هو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، والجملة الاسمية ﴿اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَأْخُذُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿سِنَةٌ:﴾ فاعله. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. ﴿لا﴾ صلة لتأكيد النفي. ﴿نَوْمٌ:﴾ معطوف على ﴿سِنَةٌ،﴾ والجملة الفعلية تحتمل ثلاثة أوجه: أن تكون في محلّ رفع خبر ثالث للمبتدإ، وأن تكون في محلّ نصب حال من الضمير المستتر في ﴿الْقَيُّومُ،﴾ وأن تكون مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي:﴾ ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع خبره.
﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿ذَا،﴾ أو هو بدل منها.
هذا؛ وجوز أن يكون ﴿مَنْ ذَا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَشْفَعُ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، وقيل: الظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَشْفَعُ﴾ المستتر. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال، والهاء في محل جرّ بالإضافة.
стр. 608
﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول معطوف على ما قبله. ﴿خَلْفَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾):
نافية. ﴿يُحِيطُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِشَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ عِلْمِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف صفة (شيء)، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿بِما:﴾ بدل من قوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾ كما تقول: ما مررت بأحد إلا بزيد، و (﴿ما﴾) تحتمل الموصولة والموصوفة. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا بالذي، أو: بشيء شاءه، وجملة: ﴿وَلا يُحِيطُونَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿وَسِعَ:﴾ فعل ماض. ﴿كُرْسِيُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿السَّماواتِ:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه ملحق بجمع المؤنث السالم، ﴿وَالْأَرْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿وَسِعَ..﴾. إلخ تحتمل ما ذكرت من أوجه. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يَؤُدُهُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعوله. ﴿حِفْظُهُما:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، (﴿هُوَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ:﴾
خبران للمبتدإ، والجملة الاسمية تحتمل الأوجه الثلاثة التي ذكرت فيما مضى قبلها، بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ كل جملة في الآية الكريمة مستقلة، ويجوز الوقف على آخرها.
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾
الشرح: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ..﴾. إلخ المعنى: لا تكرهوا أحدا على الدّخول في دين الإسلام، فإنّه بيّن واضح، وجليّ؛ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه، وبصره، فإنّه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا. هذا، والدّين اسم لجميع ما يتعبّد به الله تعالى. هذا، والدّين يطلق على العادة، والشأن، والحال، كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٠]: [الطويل]
كدينك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
стр. 609
هذا، والدّين أيضا: الملّة، والشريعة، ومنه قوله تعالى في سورة (يوسف) رقم [٧٦]: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ،﴾ ويوم الدين: يوم الجزاء والحساب، ومنه: كما تدين تدان، أي: كما تفعل تجازى. هذا؛ والدّين بفتح الدال القرض المؤجّل، وجمع الأول:
أديان: وجمع الثاني: ديون وأدين. هذا؛ والدّينونة: القضاء، والحساب. والدّيانة: اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ:﴾ يقال: تبين الشيء وبان، وأبان، واستبان كلّه بمعنى واحد، وهو لازم. وقد يستعمل بعضها متعدّيا، ﴿الرُّشْدُ:﴾ الاهتداء، والاستقامة على طريق الحقّ، وضدّه: الغيّ، والضّلال، يقال: رشد، يرشد، رشدا، ورشد، يرشد، رشدا، فالأول من الباب الأول، والثاني من الباب الرّابع.
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ:﴾ هو الأصنام، أو الشيطان، أو الكاهن، وكلّ رأس في الضلالة وداع إليه، وهو يطلق على المفرد، والجمع، والمذكر، والمؤنث، واشتقاقه من: طغى، يطغى، أو من: طغا يطغو: إذا تجاوز الحدّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ويجمع على: طواغيت، ولم يرد في القرآن الكريم بلفظ الجمع، والكفر بالطاغوت:
عدم الرضا به، وعدم الانقياد له. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي: فقد تمسّك بالدّين بأقوى سبب، والعروة في الأصل موضع شدّ اليد، وأصل المادة تدل على التعلّق، ومنه: عروته إذا ألمحت به متعلقا به، واعتراه الهمّ تعلّق به. ﴿الْوُثْقى:﴾ تأنيث الأوثق، وهي للتفضيل، كفضلى تأنيث الأفضل، وجمع الوثقى: الوثق، مثل: الفضلى، والفضل، وفي الآية تشبيه، والمشبه به:
الإيمان، وقيل: استعارة تمثيلية؛ حيث شبه المستمسك بدين الإسلام بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيح.
﴿لا انْفِصامَ:﴾ لا انقطاع لها، والانفصام في اللغة: الانكسار من غير بينونة، والفصم: كسر مع بينونة، وفي صحيح الحديث عن عائشة-﵂: «فيفصم عنه- ﷺ -الوحي؛ وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا». وخذ قوله تعالى في سورة (لقمان): ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾. هذا؛ ولما كان الكفر بالطّاغوت، والإيمان بالله ما ينطق به اللسان، ويعتقده القلب؛ حسن قوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ﴾ من أجل النّطق، ﴿عَلِيمٌ:﴾ من أجل المعتقد.
تنبيه: خذ سبب الآية الكريمة فيما يروى عن ابن عباس-﵄-قال: كانت المرأة من الأنصار قبل الإسلام لا يعيش لها ولد، فكانت تنذر: لئن عاش لها ولد؛ لتهوّدنّه، فإذا عاش جعلته في اليهود، فجاء الإسلام، وفيهم منهم، فلمّا أجليت بنو النضير، كان فيهم عدد من أولاد الأنصار، فأرادوا استردادهم، وقالوا: هم أبناؤنا، وإخواننا، فنزلت الآية الكريمة، فقال رسول الله ﷺ : «قد خيّر أصحابكم فإن اختاروكم؛ فهم منكم، وإن اختاروهم؛ فأجلوهم معهم».
وقيل: كان لرجل من الأنصار، يقال له: أبو الحصين ابنان متنصّران قبل الإسلام، ثم قدما المدينة المنوّرة في نفر من النّصارى يحملون الزيت. فلزمهما أبوهما، وقال: لا أدعكما حتّى
стр. 610
تسلما، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال الأب: يا رسول الله! أيدخل بعضي النار؛ وأنا أنظر إليه؟! فنزلت الآية الكريمة، فخلّى سبيلهما، وقيل: نزلت في أهل الكتاب؛ إذا قبلوا بذل الجزية، لم يكرهوا على الإسلام. انتهى. خازن.
هذا واختلف في هذه الآية، فقيل: إنّها منسوخة؛ لأنّ النبي ﷺ أكره العرب على الإسلام، وقاتلهم، ولم يرض منهم إلا الإسلام، فنسختها الآية في سورة التّوبة، وفي سورة التّحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وقال الرسول ﷺ : «أمرت أن أقاتل النّاس؛ حتّى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها؛ عصموا منّي دماءهم وأموالهم...».
وقيل: إنّها ليست بمنسوخة، وإنّما نزلت في أهل الكتاب خاصّة، وأنّهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية، والذين يكرهون: أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فهم الّذين نزل فيهم: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ﴾ والحجّة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه، قال:
سمعت عمر بن الخطاب-﵁-يقول لعجوز نصرانيّة: أسلمي أيتها العجوز؛ تسلمي، إنّ الله بعث محمدا بالحقّ، قالت: أنا عجوز، والموت إليّ قريب، فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ..﴾. إلخ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِكْراهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِي الدِّينِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض. ﴿الرُّشْدُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْغَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تَبَيَّنَ،﴾ وهما في محل نصب مفعول به، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الرُّشْدُ﴾ والجملة الفعلية مفيدة للتعليل، لا محل لها، ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿بِالطّاغُوتِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَيُؤْمِنْ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، ﴿فَقَدِ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق مثل سابقه. ﴿اِسْتَمْسَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد. ﴿بِالْعُرْوَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْوُثْقى:﴾ صفة (العروة) مجرورة مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: هو الجملتان، وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لا انْفِصامَ لَها:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ،﴾ وهي في محل جر صفة ثانية ل (عروة)، أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والرابط على الاعتبارين الضمير، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾
معترضة في آخر الكلام، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين.
стр. 611
﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾
الشرح: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أي: متولّي أمورهم، وناصرهم على أعدائهم. هذا؛ ويكثر قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ فالولي: من يتولّى شئون غيره، والنّصير: المعين والمساعد، والفرق بينهما أنّ الولي قد يضعف عن النّصرة، والمعاونة، والنّصير قد يكون أجنبيّا من المنصور، فبينهما عموم، وخصوص من وجه. هذا؛ والولي لله: العارف بالله تعالى على حسب ما يمكن المواظبة على الطّاعات، المعرض على الانهماك في اللّذات والشّهوات. وفيه وجهان: أحدهما: أنّه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، فعلى هذا هو من يتولّى الله حفظه، ورعايته، فلا يكله إلى غيره، ونفسه طرفة عين، كما قال تعالى:
﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ،﴾ والوجه الثاني: أنّه فعيل مبالغة من فاعل، كرحيم، وعليم، بمعنى:
راحم، وعالم، فعلى هذا هو من يتولّى عبادة الله تعالى، من غير أن يتخلّلها عصيان، أو فتور، وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أنّه من شرط النّبيّ أن يكون معصوما، فكلّ من كان للشرع عليه اعتراض؛ فليس بوليّ، بل هو مغرور مخادع، ذكره الإمام أبو القاسم القشيري، وغيره من أئمة الطّريقة، رحمهم الله تعالى من شرح ألفاظ الزبد للشّيخ أحمد بن حجازي الفشني، رحمه الله تعالى، وربنا يقول في الحديث القدسيّ: «من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب» انظر الآية رقم [٢٧٩] الآتية.
﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾ الظلمات: جمع ظلمة، وهي الكفر، والجهل، والظلم، ونحو ذلك، وإنّما جمعها لتعدّد فنون الضّلال، والمعاصي. ﴿النُّورِ:﴾ الهدى، والإيمان، وإنّما لم يجمع؛ لأن الإيمان واحد لا يتعدّد بخلاف الضّلال، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٥٣]: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]
الطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد
والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحقّ رقّاد
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ المراد به الجمع، ولذا قرئ: (الطّواغيت)، وفسر بكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وسائر رءوس الضّلالة في كلّ زمان، ومكان.
стр. 612
﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ:﴾ في معنى هذا الإخراج قولان: إما في مقابلة الأول، أو فيمن آمن من اليهود بالنّبي ﷺ قبل وجوده، وبعثته، كما رأيته فيما سبق في الآية رقم [٨٩] ثمّ كفر به بعد بزوغ فجر الإسلام. هذا؛ وإنّ في الكلام استعارة؛ حيث استعير لفظ الظّلمات للكفر، وما يتعلق به، والجامع بينهما عدم الاهتداء، واستعير لفظ النّور للإيمان بجامع الاهتداء في كلّ منهما. ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ:﴾ جعل الله الكفار أصحاب النار، بمعنى مالكيها بملازمتهم لها، وعدم انفكاكهم عنها، وقل مثله في ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾. ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ:﴾
مقيمون، ماكثون، لا محيد لهم عنها، ولا محيص، قال رسول الله ﷺ : «أمّا أهل النّار، الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون، ولكن أقوام أصابتهم النّار بخطاياهم، فأماتتهم إماتة حتّى إذا صاروا فحما أذن لهم في الشّفاعة» رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة-﵁، والمذكورون في آخر الحديث هم عصاة المسلمين يدخلون النار، ويعذّبون على حسب جرائمهم، ثمّ يخرجون منها حمما ثمّ يدخلون الجنة.
هذا و ﴿أَصْحابُ﴾ جمع: صاحب، ويكون بمعنى المالك كما هنا، ويكون بمعنى الصّديق، ويجمع أيضا على صحب، وصحاب، وصحابة، وصحبة، وصحبان، ثم يجمع أصحاب على أصاحيب، والصّحابيّ: هو من اجتمع مع الرّسول ﷺ في حياته ولو ساعة بشرط أن يكون مسلما موحّدا، فإن اجتمع بالنبي ﷺ وجالسه في حياته وهو غير مؤمن ثمّ آمن به بعد وفاته، مثل كعب الأحبار؛ فيقال عنه: تابعي.
الإعراب: ﴿اللهُ وَلِيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، و ﴿وَلِيُّ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنُوا:﴾
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿يُخْرِجُهُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وجوز الاستئناف، وهو ضعيف. ﴿مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ:﴾
كلاهما متعلقان بالفعل ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ مبتدأ أول، وجملة: ﴿كَفَرُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلته، ﴿أَوْلِياؤُهُمُ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الطّاغُوتُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الَّذِينَ،﴾ والجملة الاسمية هذه معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، الأولى بالاستئناف، والثانية بالإتباع. ﴿يُخْرِجُونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بسابقتها. ﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ:﴾ كلاهما متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل لها، ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه من إضافة جمع اسم
стр. 613
الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ،﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل ﴿أُولئِكَ،﴾ والأول أقوى؛ لأنّ لها نظائر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٢٥٨)﴾
الشرح: لما ذكر الله تعالى الإيمان بالله وصفاته القدسية العلية، وذكر ولايته للمؤمنين، وولاية الطاغوت للكافرين؛ ذكر هنا نموذجا عن تحكم الطغيان في نفوس الكفرة المعاندين، ومجادلتهم في وحدانية الله، فذكرها هنا قصصا ثلاثة: الأولى في بيان إثبات الخالق الحكيم، والثانية، والثالثة في إثبات الحشر، والبعث بعد الفناء.
﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ أو لكل أحد، والاستفهام تعجب وتشويق إلى استماع ما بعده إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو استفهام تقرير إن كان المخاطب يعلم بحال المذكورين، ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجب.
﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ:﴾ هو النّمرود بن كوش، بن كنعان، بن سام، بن نوح النبي، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كان ملك زمانه، وهو أوّل من وضع التاج على رأسه، وتجبّر في الأرض، وادّعى الرّبوبية، وهو صاحب النّار، والبعوضة، وكان هلاكه كما يلي:
طلب المحاربة مع الله تعالى، ففتح الله عليه بابا من البعوض، فستروا عين الشّمس، وأكلوا عسكره، ولم يتركوا إلا العظام بعد أن أكلوا لحومهم، وشربوا دماءهم، ودخلت واحدة منها في دماغه، فأكلته؛ حتّى صارت مثل الفأرة، فكان أرحم الناس به من يجمع له يديه، ثمّ يضرب بهما رأسه، فبقي في ذلك أربعين يوما، وقيل: أربعين سنة، ثم انفجر رأسه وخرجت، وهي تقول: هذا جزاء من يحارب الله، وكان ملكه فيما ذكروا أربعمائة عام.
وفي قصص هذه المحاجة روايتان:
стр. 614
إحداهما: أنّهم خرجوا إلى عيد لهم، فتخلف إبراهيم ودخل على أصنامهم، فكسرها، فلما رجعوا، وتساءلوا من كسرها؟ قال لهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟!﴾ فقالوا: فمن تعبد؟ قال: أعبد ربّي الذي يحيي ويميت.
والثانية: أن نمرود كان يحتكر الطّعام، فكان إذا أتى أحد يمتار سأله: من ربّك؟ فيقول:
أنت، فيميره، فخرج إبراهيم ﵇ إليه ليميره الطّعام لأهله، فقال له: من ربك؟ قال: ربي الّذي يحيي، ويميت... إلخ، فردّه بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله، فمرّ على كثيب رمل أعفر، فملأ غرارتين منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلمّا أتى أهله؛ وضع متاعه، فنام، فقامت زوجته سارة ﵍ إلى رحله، ففتحته، فإذا هو طعام أجود ما رآه أحد، فصنعت منه خبزا، فلما استيقظ قرّبته إليه، فقال لها ﵇: من أين هذا؟ قالت: من الطعام الذي جئت به، فعلم: أن الله قد رزقه ذلك بقلب الرّمل قمحا، فحمد الله تعالى.
﴿أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾ أي: طغى، وتجبّر؛ لأنّ الله آتاه الملك، وكان الأحرى به أن يشكر الله، ويعبده، قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران؛ فأمّا المؤمنان؛ فسليمان بن داود وإسكندر ذو القرنين، وأما الكافران؛ فنمرود، وبختنصر. وقيل:
كلاهما ولد زنى، وجدا لقيطين عند الأصنام، فبختنصر حقيقة لقيط، فاسمه مركب من: بخ:
بمعنى ابن بالفارسية، وتنصّر: اسم الصّنم، فمعناه: ابن الصنم.
﴿إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ:﴾ هذا الكلام كان جوابا للنمرود اللّعين لمّا قال له: من تعبد؟ ﴿قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي: بالقتل، والعفو، فدعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر. ﴿قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ:﴾ هذا من إبراهيم ﵊ انتقال إلى حجة أوضح، فإنّه لمّا رآه غبيّا أحمق؛ قال له هذا الكلام، والمعنى:
إذا كنت كما تدّعي من أنك تحيي، وتميت، فالّذي يحيي، ويميت هو الّذي يتصرف بالوجود، في خلق ذراته، وتسخير كواكبه، وحركاته، فهذه الشمس تبدو كلّ يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت، فائت بها من المغرب؟.
﴿فَبُهِتَ:﴾ أفحم، وأخرس، وتحيّر، ودهش، وهذا الفعل من الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمجهول، والمعنى فيها للمعلوم. هذا؛ ويقال: بهت الرّجل، وبهت، وبهت، إذا انقطع، وسكت متحيّرا، وورد في الخبر: «أنّ الله تعالى قال: وعزّتي، وجلالي! لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أنّي القادر على ذلك». هذا وبين ﴿يُحْيِي﴾ و (﴿يُمِيتُ﴾) وبين ﴿الْمَشْرِقِ﴾ و ﴿الْمَغْرِبِ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
هذا؛ و ﴿الْمَشْرِقِ:﴾ موضع شروق الشمس، و ﴿الْمَغْرِبِ:﴾ موضع غروبها، وفي سورة (الرحمن): ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أي: مشرقي الشّتاء، والصيف، ومغربيهما، وفي سورة
стр. 615
(المعارج): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ فقد جمع المشرق والمغرب، كما ترى باعتبار مشارق الشّمس ومغاربها في السّنة، وهي ثلاثمائة وستون، تشرق كلّ يوم في واحد منها، وكذا تغرب في واحد منها. هذا؛ وفي تقديم المشرق على المغرب في جميع حالاته يوحي بأفضليته عليه، وكان من حقّ المشرق والمغرب، فتح العين، وهي الراء فيهما؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان إذا أخذ أحدهما من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها، وأيضا جاء كثير بكسر العين، وهو مذكور في كتب اللغة، والنحو، من ذلك: المسجد والمنبت، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر، والتحقيق أنها أسماء نوعية غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح.
﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ:﴾ لا يرشدهم، ولا يوفقهم إلى حجّة يدحضون بها حجج أهل الحق عند المحاجّة، والمخاصمة، وفي الآية الكريمة دليل على جواز مناظرة الكفار، والملحدين؛ لإظهار الحقّ، وفي القرآن الكريم، والسّنة المطهّرة من هذا كثير لمن تأمّله، انظر آية المباهلة في سورة (آل عمران) رقم [٦١].
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وانظر الشرح. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، وهو لازم لأنّه بمعنى تنظر، تعدّى بحرف الجر. ﴿إِلَى الَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿حَاجَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى النمرود، وهو غير مذكور، ولكنّه مفهوم من المقام، كما في قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ،﴾ وفي سورة (القيامة):
﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ فإن الفاعل في الآيتين الرّوح، ولم يتقدّم لها ذكر، وأيضا قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ومثل هذه الآيات في الشّعر كثير، أكتفي بقول حاتم الطّائي: [الطويل]
لعمرك ما يغني الثّراء عن امرئ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر
﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي رَبِّهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿حَاجَّ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿آتاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل نصب ب ﴿أَنْ،﴾ والهاء في محل نصب مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْمُلْكَ:﴾ مفعول به ثان:
و ﴿أَنْ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير:
لإتيانه الملك، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿حَاجَّ،﴾ وفي محل نصب بنزع الخافض عند
стр. 616
سيبويه. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿حَاجَّ﴾ أو ب (أتى)، وقيل: بدل من المصدر المؤول، وليس بشيء؛ لأنّ الظرف غير المصدر، إلا أن تقدر ﴿إِذْ﴾ بمعنى «أن» المصدرية. انتهى. عكبري. وقال الجلال: بدل من ﴿حَاجَّ﴾ بدل اشتمال؛ لأنّ وقت القول المذكور يشتمل على المحاجّة، وعلى غيرها؛ لأنّه أوسع منها. انتهى. جمل.
﴿قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء: صلة، وقال الجمل: والفاء في جواب شرط مقدر، أي: إن كنت قادرا كقدرة الله؛ فإنّ الله... إلخ، وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى -: أو دخلت الفاء إيذانا بتعلّق هذا الكلام بما قبله، والمعنى: إذا ادعيت الإحياء، والإماتة، ولم تفهم؛ فالحجّة أنّ الله يأتي بالشّمس، هذا هو المعنى. أقول: اعتبار الفاء الأولى صلة، والثانية الفصيحة هو الأولى، والأقوى. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿يَأْتِي:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾.
﴿بِالشَّمْسِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم، إن كان الشرط المقدر «إن» ولا محل لها إن كان الشرط المقدر «إذا». ﴿مِنَ الْمَشْرِقِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فَأْتِ:﴾ الفاء: هي الفصيحة على المعتمد. (ائت): فعل أمر مبني على حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره:
أنت. بها: جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْمَغْرِبِ:﴾ متعلقان به أيضا، والجملة الفعلية لا محل لها كما رأيت، وهي من جملة مقول القول.
﴿فَبُهِتَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (بهت): فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الَّذِي:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَفَرَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿الظّالِمِينَ:﴾
صفة ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، أو مستأنفة لا محلّ لها على الاعتبارين.
تنبيه: ذكرت لك في الإعراب: أنّ مفعول ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ و ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ محذوف، وفيه وفي أمثاله قال ابن هشام في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثّابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأنّ الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه ما ذكر في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ،﴾ وقوله تعالى في الآية رقم [١٨٧] في هذه السورة وفي سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا..﴾. إلخ، وقوله تعالى في سورة (الدّهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾.
стр. 617
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَاُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَاُنْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾
الشرح: ﴿أَوْ كَالَّذِي..﴾. إلخ: التقدير عند الكسائي، والفراء: هل رأيت كالّذي حاجّ إبراهيم في ربه؟ أو كالذي مر على قرية؟ وقال المبرد: المعنى: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو كالّذي مرّ على قرية؟ فأضمر في الكلام: من هو. انتهى. قرطبي. وقيل: الكاف مزيدة، وتقدير الكلام: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو الذي مرّ على قرية؟. انتهى.
بيضاوي. وهو فحوى قول الزّمخشري: ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل:
أرأيت كالّذي حاجّ إبراهيم؟ أو كالّذي مرّ على قرية؟ وتخصيص الكلام بحرف التشبيه؛ لأن المنكر للإحياء كثير، والجاهر بكيفيته أكثر من أن يحصى بخلاف مدّعي الرّبوبية.
والذي مرّ هو عزير بن شرخيا، وهو من سبط هارون بن عمران. ﴿عَلى قَرْيَةٍ:﴾ هي بيت المقدس حين خرّبه بختنصر بعد سليمان بن داود، على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام، وانظر ما ذكرته في أول سورة (الإسراء). وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف المذكورون في الآية رقم [٢٤٣]، وليس بشيء. هذا؛ والقرية اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وهو يطلق على المدينة الكبيرة وعلى غيرها، كيف لا؟ وقد جعل الله جل ذكره مكة المكرمة أم القرى في قوله تعالى شأنه في الآية رقم [٩٢] من سورة (الأنعام): ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها،﴾ كما تطلق على الضّيعة الصغيرة، وهي مأخوذة من: قريت الماء في المكان: جمعته، وفي القاموس المحيط: القرية بكسر القاف وفتحها، والنسبة إليها قرويّ، وقرئيّ، والفتح أقوى.
﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها:﴾ خالية، ساقطة حيطانها على سقوفها، فوقف متنكرا فيما آل إليه أمرها بعد العمارة العظيمة، والزخرفة الجميلة؛ التي صنعها سليمان فيها. ﴿قالَ أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها:﴾ وذلك لما رأى من دثورها، وشدّة خرابها، وإحياؤها إنما هو بعمارتها، وتشييدها، ووجود السكان فيها، وخوت الدار، وخويت: لا سكان فيها، ومنه قوله تعالى في سورة (النمل) رقم [٥٢]: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا،﴾ وقوله هذا تلهّف على مدينته التي عهد فيها أهله، وأحبته، ثمّ رآها خرابا يبابا، وعلى كلّ فموت القرية هو موت سكانها، فهو مجاز مرسل من قبيل إطلاق المحل، وإرادة الحال.
стр. 618
﴿فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ:﴾ قبض روحه، وتركه جثّة هامدة لا حراك فيها، والعام: السنة، والحول، وجمعه: أعوام. ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ:﴾ أحياه بردّ روحه إليه. ويحكى في قصص هذه الآية: أنّ الله تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها، ويجدّ في ذلك حتّى كان كمال عمارتها بعث القائل، وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، ورجع بنو إسرائيل إليها، فلمّا أحياه الله، فكان أوّل شيء أحياه فيه عيناه لينظر بها إلى صنع الله، كيف يحيي الله بدنه، فلمّا استوى قائما سويّا، قال الله له بواسطة الملك: ﴿كَمْ لَبِثْتَ:﴾ كم نمت، ومكثت في هذه الحال؟ قال: لبثت يوما أو بعض يوم؛ وذلك أنّه مات أوّل النهار، ثم بعثه في آخر النّهار. فلما رأى الشمس عصرا ظنّ: أنها شمس ذلك اليوم، ومثله ما ذكر الله في شأن أهل الكهف: ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ﴿قالَ:﴾ أي الملك لعزيز. ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ أي: مكثت ميتا مائة عام كاملة. ﴿فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي: إن شككت في ذلك؛ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغيّر بمرور الزمن، وكان معه عنب، وتين، وعصير، فوجدها على حالها لم تفسد، والهاء في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ أصلية، أو هاء السكت، واشتقاقه من السّنة على الوجهين؛ لأنّ لامها هاء؛ لأن الأصل سنهة، والفعل سانهت، يقال: سانهت فلانا، أي:
عاملته سنة، أو واو لأن الأصل سنوة، والفعل سانيت. قال النّحاس: أصح ما قيل فيه: أنه من السّنة، أي لم تغيره السّنون، ويحتمل أن يكون من السّنة، وهي الجدب، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ وانظر الإعراب. هذا؛ ولم يثنّ فاعله مع كونه عائدا على الطعام والشراب؛ لأحد أمرين: إما لكونهما متلازمين، فصارت كالشيء الواحد، وهو الغذاء، وإما لأنّ الضمير يعود إلى الشراب فقط، وثمّ جملة أخرى مقدرة حذفت لدلالة هذه عليها، والتقدير: انظر إلى طعامك لم يتسنه، وإلى شرابك لم يتسنه. انتهى. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أي: دليلا على البعث، والحشر، والنشور بعد الموت.
﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها:﴾ نحييها، أو نرفع بعضها فوق بعض، ونركبه عليه، والنشز: المرتفع من الأرض، والارتفاع، ومنه المرأة النشوز، والناشز: وهي المرتفعة عن موافقة زوجها، قال تعالى: ﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ ومنه قوله تعالى في سورة (المجادلة):
﴿وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا،﴾ وقال الشاعر: [الطويل]
ترى الثّعلب الحوليّ فيها كأنّه... إذا ما علا نشزا حصان مجلّل
﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً:﴾ الكسوة ما وارى الجسد من الثياب، واستعيرت هنا لما أنشئ من اللحم الذي غطى العظم، وهي استعارة جيدة، وحسنة. ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ:﴾ لمّا اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه، ﴿قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ: قال: أيقنت وعلمت علم مشاهدة أنّ الله قادر، ومقتدر لا يعجزه شيء.
стр. 619
هذا والحمار معروف، يكون وحشيّا، ويكون أهليّا، وأنثاه: أتان، ويقال: حمارة أيضا، ويجمع على حمير، وحمر، وحمور، وحمرات، وكلّها للكثرة، ويجمع جمع قلّة على أحمرة، قال الرّاعي النّميري، أو القتال الكلابي، وهو الشّاهد رقم [٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
هنّ الحرائر، لا ربّات أحمرة... سود المحاجر، لا يقرأن بالسّور
ولفظ ﴿الْحَمِيرَ﴾ ورد في سورة (النّحل)، وفي سورة (لقمان) ولفظ ﴿حُمُرٌ﴾ ورد في سورة (المدثّر)، ولفظ المفرد ذكر في هذه السورة والحمار الأهلي يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرّة واحدة، وبحدّة السمع، وللناس في مدحه وذمّه أقوال متباينة، وقد أطال الدّميري الكلام فيه.
بعد هذا اذكر: أن بني إسرائيل لمّا بالغوا في الفساد؛ سلّط الله عليهم بختنصر البابلي ملك الفرس، فسار إليهم في ستمائة ألف راية، فخرّب بيت المقدس الذي بناه سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وجعل بني إسرائيل أثلاثا: ثلثا قتله، وثلثا أقرّه بالشام، وثلثا سباه، وكان هذا الثلث مائة ألف فقسمه بين الملوك الذين كانوا معه، وكان عزير من جملة السّبي، فلمّا خلص من السبي، وجاء إلى بيت المقدس، ورآها على تلك الحالة، قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ وكان راكبا على حمار، دخلها، وطاف بها فلم ير أحدا، وكان إذ ذاك غالب أشجارها حاملا ثمره، فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب، فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلّة، وفضل العصير في زقّ أو ركوة، ثم ربط حماره بحبل قوي وثيق، وألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع روحه، وأمات حماره، وبقي عصيره وتينه المعبّر عنه بالطعام عنده، وذلك ضحى، ومنع لحمه من السّباع، والطير.
فلما مضى من وقت موته سبعون سنة أرسل الله ملكا من الملائكة إلى ملك من ملوك فارس، يقال له: بوشك، وكان صالحا، وقال له: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك، فتعمر بيت المقدس، حتى يعود كما كان، فسار بجنوده حتى أتاه، فعمره، وصار أحسن ما كان، ورد الله من بقي من بني إسرائيل إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمروه في ثلاثين سنة، وكثروا أحسن ممّا كانوا، وأعمى الله العيون عن العزير هذه المدّة، فلم يره أحد، فلما مضت المئة أحيا الله تعالى منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثمّ أحيا الله تعالى جسده، وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره، وعظامه بيض متفرقة، فسمع صوتا من السّماء: أيتها العظام البالية! إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض، ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا، فكان كذلك، ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تحيا، فقام الحمار بإذن الله، ثم نهق. انتهى. خازن.
هذا وقال الأعمش: جعل الله عزيرا موضع آية: أنّه جاء شابّا على حاله يوم مات، فوجد الأبناء والحفدة شيوخا، وروي عن عليّ-﵁: أنّ عزيرا خرج من أهله، وخلّف امرأته
стр. 620
حاملا، وله خمسون سنة، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه، فرجع إلى أهله، وهو ابن خمسين سنة، وله ولد من مائة سنة، فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة، وروي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: لمّا أحيا الله عزيرا ركب حماره، فأتى محلّته، فأنكر الناس، وأنكروه، فوجد في منزله عجوزا عمياء كانت أمة لهم، خرج عنهم عزير، وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: هذا منزل عزير؟ فقالت:
نعم، ثمّ بكت، وقالت: فارقنا عزير منذ كذا، وكذا سنة، قال: فأنا عزير، قالت: إن عزيرا فقدناه منذ مائة سنة، قال: فالله أماتني مائة سنة، ثم بعثني، قالت: فعزير كان مستجاب الدّعوة للمريض، وصاحب البلاء، فيفيق، فادع الله يرد عليّ بصري! فدعا الله، ومسح على عينيها بيده، فصحّت مكانها كأنّها نشطت من عقال: قالت: أشهد أنّك عزيز، ثم انطلقت إلى بني إسرائيل، وفيهم ابن العزير شيخ ابن مائة وثمانية وعشرين سنة، وبنو بنيه شيوخ، فقالت: يا قوم! هذا عزير: فأقبل إليه ابنه مع الناس، وقال: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فنظرها فإذا هو عزير.
وقيل: لما رجع عزير إلى قريته، وكان بختنصر قد أحرق التّوراة، فكان يحفظها في صدره، فلمّا قال لهم: أنا عزير، فلم يصدقوه، فقال: أنا عزير، وقد بعثني الله إليكم لأجدّد لكم توراتكم، قالوا: فأملها علينا، فأملاها عليهم من ظهر قلبه، فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت إلا أنّه ابنه، وانظر ما ذكرته في سورة (التوبة) رقم [٣٠].
تنبيه: قاتل الله اليهود أنى يؤفكون، فقد حدثهم النبي ﷺ بأحاديث ما هو من صميم عقائدهم، وبأمور من تاريخهم، وبأشياء كثيرة من مفاسدهم، لا يعلم ذلك إلا المهرة فيهم، والنبي ﷺ كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتصل بواحد من علمائهم، فمن أين أتى بذلك؟ إن هو إلا وحي يوحى.
خاتمة بل فائدة: لم يحفظ التوراة غيبا سوى أربعة: موسى وهارون، ويوشع بن نون وعزير، بينما يوجد من أمة محمد ﷺ في كل زمان الألوف من حفظة القرآن غيبا والحمد لله!.
الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كَالَّذِي:﴾ الكاف اسم بمعنى «مثل» مبني على الفتح في محل نصب، انظر تقديره في الشرح، والكاف مضاف، و (الذي): اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، وقيل: الكاف صلة، و (الذي) معطوف على مثله في الآية السابقة، انظر الشرح أيضا. ﴿مَرَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلته، لا محل لها، ﴿عَلى قَرْيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَهِيَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هِيَ﴾): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خاوِيَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَلى عُرُوشِها:﴾ متعلقان ب ﴿خاوِيَةٌ،﴾ و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿قَرْيَةٍ،﴾ وهي نكرة، وكان الواجب أن تكون صفة على القاعدة: «الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال» والمعارض في ذلك الواو، فإنّها لا تعترض بين الصّفة والموصوف، خلافا للزمخشري وأبي البقاء، وإنما توسّطت الواو في رأي الزمخشري لتأكيد لصوق
стр. 621
الصّفة بالموصوف، وهذا الذي أجازه أبو البقاء هنا، والزّمخشري في الآية الكريمة: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ رقم [٤] من سورة (الحجر) هو رأي ابن خيران وسائر النحويين يخالفونه، ومثل هذه الآية رقم [٢١] والشاهد على هذه المسألة في مغني اللبيب قول قيس بن ذريح، وهو الشاهد رقم [٧٩٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
مضى زمن، والنّاس يستشفعون بي... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع؟
وقد أغرب الجمل في اعتبارها حالا من فاعل ﴿مَرَّ،﴾ كما أغرب أبو البقاء كلّ الغرابة باعتبار الجار والمجرور بدلا من ﴿عَلى قَرْيَةٍ،﴾ وقدّر تقديرات لا وجه لها بعد أن ذكر تعليقهما ب ﴿خاوِيَةٌ﴾ وهو الوجه الصحيح لا غير. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى عزير المعبر عنه ب: (الذي ﴿مَرَّ﴾). ﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزّمانية متعلق بالفعل بعده، وهو بمعنى: متى، أو هو في محل نصب حال من ﴿هذِهِ﴾ إن كان بمعنى:
كيف. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿هذِهِ:﴾
الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذه): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به.
﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويحتمل تعليقه بمحذوف حال من ﴿هذِهِ،﴾ و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿مَوْتِها:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها؛ لأنّها بمنزلة جواب لسؤال مقدر. ﴿فَأَماتَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أماته): فعل ماض، والهاء مفعول به.
﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ، لا محلّ لها مثلها ﴿مِائَةَ﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره: فأماته، فلبث مائة عام؛ لأنّ الإماتة سلب الحياة، وهي لا تمتدّ. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿بَعَثَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ أو إلى الملك. ﴿كَمْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل بعده، وتمييزه محذوف التقدير: كم يوما، كم شهرا... إلخ. ﴿لَبِثْتَ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى عزير. ﴿لَبِثْتَ:﴾ فعل وفاعل. ﴿يَوْماً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف.
﴿بَعْضَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو ظرف مثله، و ﴿بَعْضَ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿لَبِثْتَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ أو إلى الملك. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف.
﴿لَبِثْتَ:﴾ فعل وفاعل، ﴿مِائَةَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿عامٍ:﴾
стр. 622
مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: ما لبثت يوما أو بعض يوم، بل لبثت مائة عام، وهذا الكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَانْظُرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (انظر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت.
﴿إِلى طَعامِكَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَشَرابِكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَتَسَنَّهْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه السكون، أو حذف حرف العلة، وهو الألف، والهاء للسكت، وانظر الشرح، والفاعل تقديره: هو، وانظر الشرح أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (﴿شَرابِكَ﴾)، وجملة:
(انظر...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: إذا لم يحصل لك طمأنينة في أمر البعث؛ فانظر، والشرط المقدر، ومدخوله في محل نصب مقول القول، وجملة: (﴿اُنْظُرْ إِلى حِمارِكَ﴾) معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي من جملة مقول القول.
﴿وَلِنَجْعَلَكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِنَجْعَلَكَ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر، تقديره: نحن، والكاف مفعول به أول. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به ثان.
﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿آيَةً،﴾ و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور معطوفان على محذوف، والمحذوف متعلق بمحذوف، وتقدير الكلام: فعلنا ما فعلنا من إحيائك بعد ما ذكر لتعاين ما استبعدته من الإحياء بعد دهر طويل، ولنجعلك... إلخ، والكلام كلّه معترض بين الجمل المتعاطفة؛ لا محلّ له.
والجملة: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة مقول القول أيضا.
﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من الهاء الواقعة مفعولا به.
﴿نُنْشِزُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: نحن، و (ها) مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بدل اشتمال من ﴿الْعِظامِ،﴾ التقدير: انظر إلى العظام كيفية نشزها، وهو إعراب ابن هشام في مغني اللبيب، وبعضهم يعتبر الجملة الفعلية في محل نصب سدّت مسدّ المفعول به للفعل (انظر) المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، ومثل هذه الآية كثير في القرآن الكريم، كما في سورة (الفرقان) رقم [٤٥]، وفي سورة الغاشية، ومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نَكْسُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، و (ها) مفعول به أول. ﴿لَحْماً:﴾ مفعول به ثان:
والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي مثلها في التركيب، والتأويل.
﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول:
حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السراج، والفارسي، وابن جنّي،
стр. 623
وجماعة، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿تَبَيَّنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل ضمير يعود إلى الإحياء، التقدير:
فلمّا تبيّن له ذلك، وانظر ما يأتي. ﴿لَهُ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَبَيَّنَ،﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وفي محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى عزير. ﴿أَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿أَنَّ:﴾
حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي ﴿أَعْلَمُ..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. وقال الجمل: معطوف على مقدر يستدعيه المقام، كأنّه قيل: فأنشزها الله تعالى، وكساها لحما، فنظر إليها، فتبيّن له كيفية الإحياء، فلمّا تبين له ذلك؛ قال... إلخ، وهذا كما ترى حلّ معنى، بعد هذا؛ قال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: اعتبر الكلام من باب التنازع، حيث قال: وفاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ مضمر، تقديره: فلمّا تبين له: أن الله على كل شيء قدير؛ قال: أعلم أنّ الله على كل شيء قدير. فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني، وضربت زيدا، وشرحه: أن الفعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ يطلب فاعلا، و ﴿أَعْلَمُ﴾ يطلب مفعولا، وكلاهما تنازعا المصدر المؤول، ويصلح أن يكون فاعلا ل: ﴿تَبَيَّنَ﴾ ومفعولا ل ﴿أَعْلَمُ،﴾ وعبارة السمين: وفي فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ قولان: أحدهما مضمر يفسره سياق الكلام، تقديره: فلمّا تبين له كيفية الإحياء، التي استغربها، وقدّره الزمخشري: فلمّا تبين له ما أشكل عليه؛ يعني: من أمر الإحياء، والأول أولى؛ لأن قوة الكلام تدلّ عليه بخلاف الثاني، والثاني-وبه بدأ الزمخشري-: أن تكون المسألة من باب التنازع، وشرحها ما قدّمته، والله وليّ التوفيق، ولم يرتض ابن هشام هذا التّنازع، فقد قال: الصّواب: أنّ فاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ ضمير مستتر، إمّا للمصدر، أي: فلمّا تبين له تبين، أو لشيء دلّ عليه الكلام؛ أي: فلمّا تبيّن له الأمر، أو: ما أشكل عليه.
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى:﴾ اختلفوا في سبب هذا السّؤال من إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فقيل: إنّه مرّ على دابّة ميتة، وهي جيفة
стр. 624
حمار، وقيل: بل كانت حوتا ميتا بساحل البحر، فرآها وقد توزّعها دواب البحر والبر، فإذا مدّ البحر جاءت الحيتان، فأكلت منها، وإذا جزر البحر جاءت السّباع، فأكلت منها، فإذا ذهبت السّباع جاءت الطّير، فأكلت منها، فلما رأى إبراهيم ﵇ ذلك تعجّب منها، وقال: يا ربّ إني قد علمت: أنّك تجمعها من بطون السّباع، وحواصل الطّير، وأجواف الدّواب، فأرني كيف تحييها؛ لأعاين ذلك، فأزداد يقينا! فعاتبه ربه بقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ أي: توقن، وتصدّق بقدرتي.
﴿قالَ بَلى﴾ أي: يا ربّ قد علمت، وصدّقت، وآمنت. هذا؛ و ﴿بَلى﴾ حرف جواب ك «نعم» و «جير» و «أجل» و «جلل» و «إي» إلا أنّ «بلى» جواب لنفي متقدّم وإبطال ونقض وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام أم لا، فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد؟ فتقول: بلى قد قام، وقوله:
أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى، أي: هو قائم، قال تعالى في سورة الأعراف رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.
﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: سألتك ليسكن قلبي، ويستقرّ عند المعاينة، والمشاهدة، ولهذا قال الرسول ﷺ : «ليس الخبر كالمعاينة» رواه ابن عباس، ﵄. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم، إذ قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعي». رواه البخاريّ، ومسلم. فمعناه:
لو كان شاكا لكنّا أحقّ بالشكّ منه، ونحن لا نشكّ، فإبراهيم ﵇ أحرى ألا يشك.
والسؤال كان عن حالة الإحياء؛ لأنّ السؤال ب «كيف» إنّما يكون عن حالة شيء موجود متقرّر الوجود عند السّائل، والمسئول، فأراد إبراهيم ﵇ بهذا السؤال أن يترقّى من علم اليقين إلى عين اليقين، والهمزة في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ليست للاستفهام، وإنّما هي ألف إيجاب، وتقرير، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ،﴾ ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾ وقال جرير في مدح بني أميّة، وهو الشاهد رقم [١١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الوافر]
ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟
﴿قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ:﴾ يقرأ بكسر الصّاد، ومعناه: قطّعهنّ، ومزّقهنّ، وقرئ بضمّها، ومعناه: أملهنّ، واضممهنّ. وقد قرئ بضم الصّاد وتشديد الرّاء مضمومة، ومفتوحة، والمعنى: اجمعهن إليك لتتأمّلهنّ، وتعرف صفاتهنّ، لئلا يلتبس عليك أمرهنّ بعد الإحياء، فأخذ طاووسا، وديكا، وغرابا، وحمامة-ومنهم من ذكر النّسر بدل الحمامة-فذبحهنّ، وقطّعهنّ، وخلط لحمهنّ، وجعلهنّ على أربعة جبال، وقيل: سبعة، وأمسك رءوسهنّ بيده، وقال لهنّ:
تعالين بإذن الله، فجعل كلّ جزء يطير إلى الآخر، حتّى صارت جثثا، ثم أقبلن نحوه، فانضممن إلى رءوسهن، وإبراهيم ﵇ ينظر إليهنّ.
стр. 625
قيل: إنّما أخذ إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-الطيور الأربعة دون غيرها، ولم يعينها له ربّه؛ لأنّ في الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حبّ الزينة والجاه، وفي النّسر: إشارة إلى شدّة الشّغف بالأكل، وفي الدّيك إشارة إلى شدّة الشغف بحب السّفاد، وفي الغراب إشارة إلى شدّة الحرص، ففي هذه الطّيور مشابهة لما في الإنسان من جميع هذه الأوصاف، وفيه إشارة إلى أنّ الإنسان إذا ترك هذه الصفات الذّميمة؛ ارتقى أعلى الدرجات في الجنّة، وفاز بما يتمنّاه فيها.
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً:﴾ مسرعات مشيا، أو طيرانا، ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ:﴾ قويّ لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، فما شاء كان بلا مانع؛ لأنّه القاهر لكلّ شيء، وما لم يشأ لم يكن.
﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله، وأحكامه، وقضائه، وقدره. بعد هذا: أما ﴿الطَّيْرِ﴾ فهو اسم جنس جمعي، مثل: خيل، وغنم، وقيل: بل هو جمع طائر، مثل: صحب، وصاحب، ويصحّ إطلاقه على المفرد، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث، وجمع الطير: طيور، وأطيار، مثل: فرخ، وفروخ، وأفراخ. وقال قطرب، وأبو عبيدة: قد يقع الطّير على الواحد، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٤٩]: ﴿فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ،﴾ وطائر الإنسان: عمله الذي قلّده، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٣]: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ والطير أيضا: الاسم من التطيّر، ومنه قولهم: لا طير إلاّ طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله. انتهى مختار الصّحاح.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وقيل: مفعول به لهذا الفعل المحذوف. ﴿قالَ إِبْراهِيمُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلّم المحذوفة للتّخفيف، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، وياء المتكلّم المحذوفة في محلّ جرّ بالإضافة، وفي مثل هذا المنادى لغات أخرى: فتح الباء مع حذف الياء: (ربّ)، وإثبات الياء وإسكانها: (يا ربّي)، وإثبات الياء وفتحها: (يا ربّي)، وإثبات الياء وقلبها ألفا: (يا ربّا). قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
واجعل منادى صحّ إن يضف ليا... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
وهناك لغة سادسة: بضم الباء والقطع عن الإضافة (يا ربّ)، وبها قرئ قوله تعالى حكاية عن قول يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: (﴿قالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾).
﴿أَرِنِي:﴾ فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محلّ نصب حال من الموتى، والعامل الفعل ﴿تُحْيِ،﴾ وهو فعل
стр. 626
مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: أنت. ﴿الْمَوْتى:﴾
مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان للفعل قبلها، التقدير: أرني كيفيّة إحياء الموتى، وقد علّق الفعل عن العمل بها بسبب الاستفهام، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والكلام: ﴿وَإِذْ قالَ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله في الآية السابقة، فهو يتضمّن عطف قصّة على قصّة كما هو ظاهر.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، ﴿أَوَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وعتاب.
الواو: حرف عطف على محذوف، التقدير: أشككت، ولم تؤمن؟. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والفاعل تقديره: أنت، والمتعلق محذوف، التقدير: بي، وبقدرتي، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿إِبْراهِيمُ﴾. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول، وبعدها جملة محذوفة انظر الشرح. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، (﴿لكِنْ﴾):
حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿لِيَطْمَئِنَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿قَلْبِي:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة، والفعل (يطمئن) في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: سألتك ذلك لاطمئنان قلبي، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المقدّرة بعد ﴿بَلى،﴾ والكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة (﴿قالَ..﴾.) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، ﴿فَخُذْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (خذ): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَرْبَعَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الطَّيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَرْبَعَةً،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: إذا أردت مشاهدة ذلك؛ فخذ أربعة من الطير، والكلام كله في محل نصب مقول القول، وجملة ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَصُرْهُنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صرهنّ): فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
قال ابن هشام: وهذا لا يصحّ إذا فسر (صرهن) ب «قطعهنّ» وإنّما تعلقه ب «خذ»، وأمّا إن فسر ب «أملهنّ» فالتعلق به، وعلى الوجهين يجب تقدير مضاف، أي: إلى نفسك، وانظر التنبيه الآتي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله:
أنت. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿جَبَلٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُنَّ:﴾
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿جُزْءاً،﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اُدْعُهُنَّ:﴾ فعل أمر
стр. 627
مبني على حذف حرف العلة، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل تقديره: أنت، والهاء مفعول به، والنون حرف دال على جماعة الإناث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿يَأْتِينَكَ:﴾ فعل مضارع مبني على السكون، وهو في محل جزم جواب الأمر، ونون النسوة فاعله، والكاف مفعول به. ﴿سَعْياً:﴾ حال بمعنى: ساعيات، وقيل: مفعول مطلق للفعل قبله؛ لأنّ السعي، والإتيان متقاربان، فكأنّه قال: يأتينك إيتاء. ﴿وَاعْلَمْ:﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿اِعْلَمْ﴾): فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ:﴾ خبران ل ﴿أَنَّ،﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سدّ مسد مفعولي (﴿اِعْلَمْ﴾)، والكلام كله في محل نصب مقول القول.
تنبيه: قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ..﴾. إلخ وقوله في سورة (القصص): ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ،﴾ فقال ابن هشام-طيّب الله ثراه-في هذه الآيات: وهذا كلّه يتخرّج على التعلّق بمحذوف، كما قيل في اللام في: «سعيا لك»، وإما على حذف مضاف، التقدير: فصرهنّ إلى نفسك، واضمم إلى نفسك جناحك... إلخ، وذلك لأنّه لا يتعدّى فعل المضمر إلى ضميره المتّصل إلا في باب «ظنّ» وأورد قول الأعور الشنّي، وهو الشاهد رقم [٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب]
هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها
وأيضا الشاهد رقم [٢٦٧] و [٢٦٨] من كتابنا المذكور.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى في الآيات السابقة: أنّ الناس فريقان: أولياء الله، وهم المؤمنون، وأولياء الطّاغوت، وهم الكافرون، ثمّ أعقبه بذكر نموذج للإيمان، ونموذج للطغيان؛ ذكر هنا ما يرغب في الإنفاق في سبيل الله، وخاصّة في أمر الجهاد لأعداء الله.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ..﴾. إلخ هو على حذف مضاف، التّقدير: مثل نفقة الذين ينفقون ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، وفي وجوه الخير التي يحبّها، ويرضاها، والمراد هنا: الجهاد؛ إذ لا يذكر في القرآن لفظ القتال أو الجهاد إلا ويقرن بكلمة ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ،﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من الجهاد بالنفس، والمال غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا حبّ السيطرة، أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ:﴾ الحبة
стр. 628
اسم جنس لكلّ ما يزرعه ابن آدم، ويقتاته، وأشهر ذلك البرّ، فكثيرا ما يراد بالحبّ، ومنه قول المتلمّس، وهو الشاهد رقم [١٤٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه... والحبّ يأكله في القرية السّوس
وحبّة القلب: سويداؤه، والحبّة بكسر الحاء: بذور البقول ما ليس بقوت، والحبّة بضم الحاء: الحبّ والمحبّة، يقال: نعم، وحبّا، وكرامة، والحبّ بكسر الحاء: الحبيب. ﴿أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ أي: أخرجت ساقا تشعب منه سبع شعب في كلّ واحدة منها سنبلة، وهذا مشاهد في الذّرة، والدّخن، وفي القمح في الأراضي الخصبة، والسّنبلة، والسّبلة بمعنى واحد. وأسند الله تعالى الإنبات إلى الحبّة، لمّا كانت من الأسباب، كما يسند إلى الأرض والماء، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى، فهو إسناد مجازي، ويسمّى المجاز العقلي، وفي الآية تشبيه مرسل مجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.
﴿وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أي: يزيد على سبعمائة، فيكون مثل المتصدّق مثل الزّارع، إن كان حاذقا في عمله، والبذر جيدا، والأرض خصبة يكون الزّرع أكثر، فكذلك المتصدّق إذا كان صالحا، مخلصا، والمال من حلال، ووضعه عند المستحقّ، فيصير الثواب أكثر، والأجر أعظم، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله إلاّ الطّيّب، فإنّ الله يقبلها بيمينه، ثمّ يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فلوّه حتّى تكون مثل الجبل» رواه الشيخان، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠] ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾.
﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والرزق والجود والعطاء، وهو واسع الفضل والرحمة، وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الّذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعال عباده، ما يغيب عنه منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾.
تنبيه: استدل بهذه الآية على أن اتّخاذ الزرع من أجلّ الحرف التي يتخذها الناس، والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله بها المثل لنفقة المؤمن في سبيل الله، فقال جل ذكره: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو بهيمة، أو إنسان إلا كان له صدقة» والزراعة من فروض الكفاية، فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها، وما كان في معناها من غرس الأشجار، حكي عن المعتضد العباسي: أنه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب-﵁-في المنام، فناولني المسحاة، وقال: خذها فإنّها مفاتيح خزائن الأرض، وروت عائشة-﵂-عن النبي ﷺ قال: «التمسوا الرّزق في خبايا الأرض».
стр. 629
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف-﵄، وذلك: أنّ رسول الله ﷺ لمّا حثّ على الصّدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك؛ جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله! كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربّي، فقال له رسول الله ﷺ : «بارك الله لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت!» وقال عثمان-﵁: يا رسول الله! عليّ جهاز من لا جهاز له، وجاء بمال كثير، فقال الرسول ﷺ : «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض!».
الإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ جرّ بالإضافة، وهناك مضاف محذوف، انظر تقديره في الشرح. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾
مفعول به، والهاء في محل جرّ بالإضافة، ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (مثل):
مضاف، و ﴿حَبَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْبَتَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿حَبَّةٍ﴾ والجملة الفعلية صفة ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿سَنابِلَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى المجموع، وهي علّة تقوم مقام علتين من موانع الصّرف. ﴿فِي كُلِّ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿سُنْبُلَةٍ:﴾ مضاف إليه، ﴿مِائَةُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿حَبَّةٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿سَنابِلَ﴾. هذا؛ وجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة ﴿سَنابِلَ﴾ و ﴿مِائَةُ﴾ فاعلا بالجار والمجرور، ولكن الأوّل أشهر.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿يُضاعِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والمفعول محذوف، التقدير: الأجر والثواب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (من) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة صلة الموصول، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ ذكرت لك في الآية السابقة: أنّ الآيات نزلت في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف-﵄. ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا:﴾ المنّ
стр. 630
هو: ذكر الصّنيعة، وتعداد النّعمة، والمنّان من بني آدم، هو الذي يعطي العطاء، ثم يذكّر من أعطاه، ويعدّد له ما فعله من الخير، مثل أن يقول له: أعطيتك كذا، وفعلت لك كذا، وصنعت معك كذا، وهو تكدير، وتعيير تنكسر منه القلوب، لذا كان مذموما، يمحق الثواب، ويبطله، بل ويغضب الله تعالى، كما بيّنت الآية الكريمة، التي نحن بصدد شرحها، قال عبد الرحمن بن زيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا، ورأيت أنّ سلامك يثقل عليه؛ فلا تسلّم عليه، والعرب تمدح بترك المنّ، وكتم المعروف، وتذمّ على إظهاره، والمنّ به، قال قائلهم في المدح بترك المنّ: [الرمل]
زاد معروفك عندي عظما... أنّه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته... وهو في العالم مشهور كبير
وقال قائلهم يذم المنّان بالعطاء: [الطويل]
أتيت قليلا ثم أسرعت منّة... فنيلك ممنون لذاك قليل
وقال آخر: [الطويل]
وإنّ امرأ أسدى إليّ صنيعة... وذكرنيها مرّة للئيم
وقال آخر: [البسيط]
أفسدت بالمنّ ما أسديت من حسن... ليس الكريم إذا أسدى بمنّان
وفي نوابغ الكلم: صنوان: من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضنّ، وفيها: طعم الآلاء أحلى من المنّ، وهو أمر من اللأواء مع المنّ، والمنّ لا يليق إلا في جانب الله تعالى؛ لأنه المتفضل بما يملكه حقيقة، وغيره لا ملك له حقيقة، فلا يليق به المنّ، كيف لا؟ وقد سمّى نفسه سبحانه: المنان.
﴿أَذىً:﴾ هو أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم، أو يسمعهم كلاما يجرح به كرامتهم.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ:﴾ ثواب أعمالهم، ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ العنديّة عنديّة تشريف، لا عنديّة مكان.
﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ:﴾ في الآخرة، ولا فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ:﴾ على ما خلفوه من الأموال والأولاد؟ ولا على ما فاتهم من الحياة الدنيا، وزهرتها، فلا يأسفون عليها؛ لأنهم صاروا إلى نعيم دائم لا يزول.
تنبيه (بل فائدة): لم يقترن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ هنا بالفاء، واقترن بها في الآية رقم [٢٧٤] الآتية، وأيضا في الآية رقم [٦٢]، والفرق بينهما: أنّ الموصول هنا لم يضمّن معنى الشرط بخلافه ثمّة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 631
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُتْبِعُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول.
﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الّذي، أو: شيئا أنفقوه، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ثم لا يتبعون إنفاقهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿مَنًّا﴾ مفعول به ثان.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَذىً:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف، أو ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من المبتدأ، التقدير: فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم، وهو غير مسلّم له؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحاة، وعلى رأسهم سيبويه؛ لأن الحال تبين هيئة الفاعل، أو المفعول، ولو قال: متعلّق بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، لسلم له و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، أو هي صلة لتأكيد النفي، ولا يجوز إعمالها إعمال ليس؛ لأنها تكرّرت ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين فيها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): مهملة مثل ما قبلها. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.
﴿يَحْزَنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. هذا؛ وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» التي لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع، والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة، لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأنّ (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا، ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك:
стр. 632
(﴿وَلا خَوْفٌ﴾) بمعنى ليس. انتهى. قرطبي. وقد ذكرت لك: أنها إذا تكررت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل «ليس»، تأمّل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾
الشرح: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ:﴾ كلام حسن، وردّ على السائل جميل، وقيل: عدة حسنة تعده بها. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: تستر عليه خلّته، وفقره، ولا تهتك ستره، وقيل: هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حال ردّه، وقد قال الرّسول ﷺ : «الكلمة الطيّبة صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». أخرجه مسلم، فيتلقّى السّائل بالبشر، والتّرحيب، ويقابله بالطلاقة، والتقريب؛ ليكون مشكورا؛ إن أعطى، ومعذورا؛ إن منع. وقد قال بعض الحكماء: الق صاحب الحاجة بالبشر، فإن عدمت شكره؛ لم تعدم عوزه، وحكى ابن لنكك: أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها، وظهر له ضجر، فقال: [الكامل]
لا تدخلنّك ضجرة من سائل... فلخير دهرك أن ترى مسئولا
لا تجبهن بالرّدّ وجه مؤمّل... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا
تلقى الكريم فتستدلّ ببشره... وترى العبوس على اللّئيم دليلا
واعلم بأنّك عن قليل صائر... خبرا فكن خبرا يروق جميلا
﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ المغفرة هنا السّتر للخلّة، وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوما بكلام فصيح، فقال له قائل: ممّن الرّجل؟ فقال له: اللهمّ غفرا، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل: المعنى: تجاوز عن السّائل إذا ألحّ، وأغلظ، وجفى خير من التصدّق عليه مع المنّ والأذى، ويجوز أن يكون المعنى: وغفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنّون بها على النّاس.
﴿يَتْبَعُها أَذىً:﴾ بالمنّ، والتعيير، أو بالكلام الجافي القاسي، ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ أي: مستغن عن صدقة العباد، وهو الغني الكامل الغنى الذي لا يحتاج إلى أحد. ﴿حَلِيمٌ:﴾ أي: يحلم، ويغفر، ويصفح، ويتجاوز عن المنّان بعطيته، والمؤذي للسّائل بقوله، وفعله، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، قال الحليمي-رحمه الله تعالى-في معنى (الحليم): إنّه الذي لا يحبس إنعامه وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنّه يرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البرّ المتّقي، وقد يقيه الآفات، والبلايا، وهو غافل، لا يذكره، فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يدعوه، ويسأله، وقال أبو سليمان الخطّابي: (الحليم): ذو الصّفح، والأناة؛ الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستخفّه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا
стр. 633
يستحقّ الصّافح من العجز اسم (الحليم)، إنّما (الحليم) الصّفوح مع القدرة على الانتقام، المتأنّي الّذي لا يعجّل بالعقوبة.
الإعراب: ﴿قَوْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مَعْرُوفٌ:﴾ صفة له. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ صَدَقَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يَتْبَعُها:﴾ فعل مضارع. و (ها):
مفعول به. ﴿أَذىً:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، (الله) مبتدأ. ﴿غَنِيٌّ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها.
هذا؛ وقال أبو البقاء، والقرطبي، ومكّي أوجها أخر في الإعراب: منها اعتبار خبر ﴿قَوْلٌ﴾ محذوفا، التقدير: قول معروف أولى، أو أمثل من غيره. وقال القرطبيّ: قال النحاس: ويجوز أن يكون ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خبر ابتداء محذوف، أي: الذي أمرتم به قول معروف، وعليه ف ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ..﴾. إلخ: مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وما قدّمته من الإعراب أقوى، وأولى، وهو ما في شرح ابن عقيل، والله وليّ التوفيق، وبه أستعين.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ..﴾. إلخ: المراد: ثواب صدقاتكم. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم الله من صاحبها: أنّه يمنّ ويؤذي بها؛ فإنها لا تقبل.
وقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة، فهو لا يكتبها، وقال بعض البلغاء: من منّ بمعروفه؛ سقط شكره، ومن أعجب بعمله؛ حبط أجره. قال أبو بكر الورّاق، فأحسن: [مجزوء الرجز]
أحسن من كلّ حسن... في كلّ وقت وزمن
صنيعة مربوبة... خالية من المنن
وقد وردت أحاديث شريفة بالنهي عن المنّ في الصّدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذرّ ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وعن أبي الدّرداء-﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة عاقّ، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذّب بقدر». رواه ابن مردويه، وأخرجه أحمد، وابن ماجة.
стр. 634
﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ:﴾ مثّل الله تعالى الّذي يمنّ، ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ينفق؛ ليقال: جواد، وليثنى عليه بأنواع الثناء، والرّياء: شرك كما صرحت به الأحاديث الشّريفة الكثيرة، وخذ ما يلي:
عن شدّاد بن أوس-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقيّ.
وعن محمود بن لبيد-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر» قالوا: ما الشرك الأصغر؟ يا رسول الله! قال: «الرّياء، يقول الله إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدّنيا، فانظروا: هل تجدون عندهم جزاء». رواه الإمام أحمد، والبيهقيّ.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎:
أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري؛ تركته وشركه». أخرجه مسلم.
﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ أي: الإيمان الحقيقي. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّانيّ.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ:﴾ الصّفوان: الحجر الأملس الكبير، قال الأخفش: وهو جمع، واحده: صفوانة، وقيل: هو اسم جنس كالحجر، وجمعه: صفي، ففيه تشبيه تمثيلي؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدّد. ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ:﴾ على ذلك الصّفوان تراب يستره، ويغطيه. ﴿فَأَصابَهُ وابِلٌ:﴾ مطر شديد نزل عليه. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً:﴾ أملس، لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق، والمرائي، والمنّان بصدقته، يؤذي النّاس بمنّه، وتعييره، فيرى الناس: أن لهؤلاء أعمالا في الظاهر، كما يرى التّراب على الصّفوان، فإذا جاء المطر الشّديد؛ أذهبه، وأزاله، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم، وتضمحلّ لأنّها لم تكن لله تعالى، كما أذهب المطر ما على الصّفوان من التّراب. هذا؛ والمطر أوّله رشّ، ثمّ طشّ، ثمّ طلّ، ثم هطل، ثم وابل، ثمّ جود، والوابل: المطر الشديد الغزير، قال النّابغة الذبياني: [الطويل]
فلا زال قبر بين بصرى وجاسم... عليه من الوسميّ جود ووابل
فينبت حوذانا وعوقا منوّرا... سأتبعه من خير ما قال قائل
﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أي: لا يقدرون على ثواب شيء ممّا عملوا في الدنيا، وواو الجماعة عائدة على المنّان، والمؤذي، والمرائي، وقيل: عائدة على (الّذي)، وجمع الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ الآية رقم [٦٩] من سورة
стр. 635
(التوبة)؛ لأن المراد به الجنس، أو الجمع، أو الفريق، كما أنّ الضمائر الأربعة السّابقة له باعتبار اللفظ، ومثل هذه الآية الكريمة الآية رقم [١٧] من هذه السّورة، ومثل الآيات قول الأشهب بن زميلة النّهشلي، وهو الشّاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والمكرّر برقم [٩٥٦] لكلام فيه، وهو: [الطويل]
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ إلى الخير، والهدى، والرشاد، وفيه تعريض بأنّ الرّياء، والمنّ، والأذى مع إنفاق المال من صفات الكفّار، ولا بدّ للمؤمن إن أراد النّجاة من غضب الله أن يتجنّب هذه الصفات الذّميمة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها): حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أي)، أو عطف بيان عليه.
﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُبْطِلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿صَدَقاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ﴿بِالْمَنِّ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَذى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير: لا تبطلوا... إبطالا مثل الذي، وهذا ليس مذهب سيبويه، رحمه الله تعالى، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السابق، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، ومثله في مغني اللّبيب لابن هشام، لذا فالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الّذي... إلخ، فهذا التقدير لا حذف فيه.
﴿يُنْفِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الّذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة له، لا محلّ لها. ﴿مالَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿رِئاءَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: اعتباره صفة لمصدر محذوف، التقدير: إنفاقا رئاء النّاس، ومفعولا لأجله، وحالا، التقدير: مرائيا الناس، والأوّل ضعيف، و ﴿رِئاءَ:﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى
следующие страницы →