Полный текст (7 463 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَمْوالَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُتْبِعُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول.
﴿أَنْفَقُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الّذي، أو: شيئا أنفقوه، وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ثم لا يتبعون إنفاقهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿مَنًّا﴾ مفعول به ثان.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَذىً:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها.
﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، ﴿أَجْرُهُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف، أو ب ﴿أَجْرُهُمْ﴾ لأنه مصدر، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون في موضع الحال من المبتدأ، التقدير: فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم، وهو غير مسلّم له؛ لأن مجيء الحال من المبتدأ لا يجيزه كثير من النحاة، وعلى رأسهم سيبويه؛ لأن الحال تبين هيئة الفاعل، أو المفعول، ولو قال: متعلّق بمحذوف خبر ثان للمبتدإ، لسلم له و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية: ﴿لَهُمْ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها على الاعتبارين، ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية مهملة، أو هي صلة لتأكيد النفي، ولا يجوز إعمالها إعمال ليس؛ لأنها تكرّرت ﴿خَوْفٌ:﴾ مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره، ويجوز تعليقهما ب ﴿خَوْفٌ﴾ لأنه مصدر، أو بمحذوف صفة له، وعليهما فالخبر محذوف، تقديره: حاصل، أو موجود، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها على الوجهين فيها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): مهملة مثل ما قبلها. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.
﴿يَحْزَنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. هذا؛ وقرأ جماعة: («فلا خوف») بفتح الفاء على اعتبار (﴿لا﴾) عاملة عمل «إنّ» التي لنفي الجنس، والاختيار عند النحويين الرفع، والتنوين على الابتداء؛ لأنّ الثاني معرفة، لا يكون فيه إلا الرّفع؛ لأنّ (﴿لا﴾) لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا، ليكون الكلام من وجه واحد، ويجوز أن تكون (لا) في قولك:
стр. 632
(﴿وَلا خَوْفٌ﴾) بمعنى ليس. انتهى. قرطبي. وقد ذكرت لك: أنها إذا تكررت؛ أهملت، أي: لا تعمل عمل «ليس»، تأمّل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾
الشرح: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ:﴾ كلام حسن، وردّ على السائل جميل، وقيل: عدة حسنة تعده بها. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: تستر عليه خلّته، وفقره، ولا تهتك ستره، وقيل: هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حال ردّه، وقد قال الرّسول ﷺ : «الكلمة الطيّبة صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق». أخرجه مسلم، فيتلقّى السّائل بالبشر، والتّرحيب، ويقابله بالطلاقة، والتقريب؛ ليكون مشكورا؛ إن أعطى، ومعذورا؛ إن منع. وقد قال بعض الحكماء: الق صاحب الحاجة بالبشر، فإن عدمت شكره؛ لم تعدم عوزه، وحكى ابن لنكك: أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها، وظهر له ضجر، فقال: [الكامل]
لا تدخلنّك ضجرة من سائل... فلخير دهرك أن ترى مسئولا
لا تجبهن بالرّدّ وجه مؤمّل... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا
تلقى الكريم فتستدلّ ببشره... وترى العبوس على اللّئيم دليلا
واعلم بأنّك عن قليل صائر... خبرا فكن خبرا يروق جميلا
﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ المغفرة هنا السّتر للخلّة، وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي، وقد سأل قوما بكلام فصيح، فقال له قائل: ممّن الرّجل؟ فقال له: اللهمّ غفرا، سوء الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل: المعنى: تجاوز عن السّائل إذا ألحّ، وأغلظ، وجفى خير من التصدّق عليه مع المنّ والأذى، ويجوز أن يكون المعنى: وغفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنّون بها على النّاس.
﴿يَتْبَعُها أَذىً:﴾ بالمنّ، والتعيير، أو بالكلام الجافي القاسي، ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ﴾ أي: مستغن عن صدقة العباد، وهو الغني الكامل الغنى الذي لا يحتاج إلى أحد. ﴿حَلِيمٌ:﴾ أي: يحلم، ويغفر، ويصفح، ويتجاوز عن المنّان بعطيته، والمؤذي للسّائل بقوله، وفعله، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، قال الحليمي-رحمه الله تعالى-في معنى (الحليم): إنّه الذي لا يحبس إنعامه وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكنّه يرزق العاصي، كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البرّ المتّقي، وقد يقيه الآفات، والبلايا، وهو غافل، لا يذكره، فضلا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يدعوه، ويسأله، وقال أبو سليمان الخطّابي: (الحليم): ذو الصّفح، والأناة؛ الذي لا يستفزّه غضب، ولا يستخفّه جهل جاهل، ولا عصيان عاص، ولا
стр. 633
يستحقّ الصّافح من العجز اسم (الحليم)، إنّما (الحليم) الصّفوح مع القدرة على الانتقام، المتأنّي الّذي لا يعجّل بالعقوبة.
الإعراب: ﴿قَوْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿مَعْرُوفٌ:﴾ صفة له. ﴿وَمَغْفِرَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ صَدَقَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يَتْبَعُها:﴾ فعل مضارع. و (ها):
مفعول به. ﴿أَذىً:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، (الله) مبتدأ. ﴿غَنِيٌّ حَلِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها.
هذا؛ وقال أبو البقاء، والقرطبي، ومكّي أوجها أخر في الإعراب: منها اعتبار خبر ﴿قَوْلٌ﴾ محذوفا، التقدير: قول معروف أولى، أو أمثل من غيره. وقال القرطبيّ: قال النحاس: ويجوز أن يكون ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خبر ابتداء محذوف، أي: الذي أمرتم به قول معروف، وعليه ف ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ..﴾. إلخ: مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، وما قدّمته من الإعراب أقوى، وأولى، وهو ما في شرح ابن عقيل، والله وليّ التوفيق، وبه أستعين.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ..﴾. إلخ: المراد: ثواب صدقاتكم. قال جمهور العلماء في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم الله من صاحبها: أنّه يمنّ ويؤذي بها؛ فإنها لا تقبل.
وقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة، فهو لا يكتبها، وقال بعض البلغاء: من منّ بمعروفه؛ سقط شكره، ومن أعجب بعمله؛ حبط أجره. قال أبو بكر الورّاق، فأحسن: [مجزوء الرجز]
أحسن من كلّ حسن... في كلّ وقت وزمن
صنيعة مربوبة... خالية من المنن
وقد وردت أحاديث شريفة بالنهي عن المنّ في الصّدقة، ففي صحيح مسلم عن أبي ذرّ ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». وعن أبي الدّرداء-﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة عاقّ، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذّب بقدر». رواه ابن مردويه، وأخرجه أحمد، وابن ماجة.
стр. 634
﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ:﴾ مثّل الله تعالى الّذي يمنّ، ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ينفق؛ ليقال: جواد، وليثنى عليه بأنواع الثناء، والرّياء: شرك كما صرحت به الأحاديث الشّريفة الكثيرة، وخذ ما يلي:
عن شدّاد بن أوس-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من صام يرائي؛ فقد أشرك، ومن صلّى يرائي؛ فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي؛ فقد أشرك». رواه البيهقيّ.
وعن محمود بن لبيد-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر» قالوا: ما الشرك الأصغر؟ يا رسول الله! قال: «الرّياء، يقول الله إذا جزى النّاس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدّنيا، فانظروا: هل تجدون عندهم جزاء». رواه الإمام أحمد، والبيهقيّ.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎:
أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري؛ تركته وشركه». أخرجه مسلم.
﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ أي: الإيمان الحقيقي. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ هو آخر أيام الدّنيا، فيه الحشر، والنشر، والحساب، والجزاء، ودخول أهل الجنّة الجنّة بالفضل الإلهيّ، ودخول أهل النّار النّار بالعدل الربّانيّ.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ:﴾ الصّفوان: الحجر الأملس الكبير، قال الأخفش: وهو جمع، واحده: صفوانة، وقيل: هو اسم جنس كالحجر، وجمعه: صفي، ففيه تشبيه تمثيلي؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدّد. ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ:﴾ على ذلك الصّفوان تراب يستره، ويغطيه. ﴿فَأَصابَهُ وابِلٌ:﴾ مطر شديد نزل عليه. ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً:﴾ أملس، لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق، والمرائي، والمنّان بصدقته، يؤذي النّاس بمنّه، وتعييره، فيرى الناس: أن لهؤلاء أعمالا في الظاهر، كما يرى التّراب على الصّفوان، فإذا جاء المطر الشّديد؛ أذهبه، وأزاله، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم، وتضمحلّ لأنّها لم تكن لله تعالى، كما أذهب المطر ما على الصّفوان من التّراب. هذا؛ والمطر أوّله رشّ، ثمّ طشّ، ثمّ طلّ، ثم هطل، ثم وابل، ثمّ جود، والوابل: المطر الشديد الغزير، قال النّابغة الذبياني: [الطويل]
فلا زال قبر بين بصرى وجاسم... عليه من الوسميّ جود ووابل
فينبت حوذانا وعوقا منوّرا... سأتبعه من خير ما قال قائل
﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أي: لا يقدرون على ثواب شيء ممّا عملوا في الدنيا، وواو الجماعة عائدة على المنّان، والمؤذي، والمرائي، وقيل: عائدة على (الّذي)، وجمع الضمير، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ الآية رقم [٦٩] من سورة
стр. 635
(التوبة)؛ لأن المراد به الجنس، أو الجمع، أو الفريق، كما أنّ الضمائر الأربعة السّابقة له باعتبار اللفظ، ومثل هذه الآية الكريمة الآية رقم [١٧] من هذه السّورة، ومثل الآيات قول الأشهب بن زميلة النّهشلي، وهو الشّاهد رقم [٣٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والمكرّر برقم [٩٥٦] لكلام فيه، وهو: [الطويل]
وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد
﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ إلى الخير، والهدى، والرشاد، وفيه تعريض بأنّ الرّياء، والمنّ، والأذى مع إنفاق المال من صفات الكفّار، ولا بدّ للمؤمن إن أراد النّجاة من غضب الله أن يتجنّب هذه الصفات الذّميمة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها): حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أي)، أو عطف بيان عليه.
﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تُبْطِلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (لا)، وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿صَدَقاتِكُمْ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، ﴿بِالْمَنِّ:﴾ متعلّقان بالفعل قبلهما. ﴿وَالْأَذى:﴾ معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿كَالَّذِي:﴾ جار ومجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا للفعل قبله، التقدير: لا تبطلوا... إبطالا مثل الذي، وهذا ليس مذهب سيبويه، رحمه الله تعالى، وإنّما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السابق، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصّفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، ومثله في مغني اللّبيب لابن هشام، لذا فالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الّذي... إلخ، فهذا التقدير لا حذف فيه.
﴿يُنْفِقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الّذي، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة له، لا محلّ لها. ﴿مالَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿رِئاءَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: اعتباره صفة لمصدر محذوف، التقدير: إنفاقا رئاء النّاس، ومفعولا لأجله، وحالا، التقدير: مرائيا الناس، والأوّل ضعيف، و ﴿رِئاءَ:﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُؤْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى
стр. 636
(الذي) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة له.
﴿فَمَثَلُهُ:﴾ الفاء: حرف استئناف، (مثله): مبتدأ، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿كَمَثَلِ:﴾
متعلّقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وقيل: معطوفة على جملة الصّلة، فلا محل لها أيضا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿تُرابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر صفة ﴿صَفْوانٍ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف صفة ﴿صَفْوانٍ﴾ و ﴿تُرابٌ﴾ فاعلا بمتعلّقه، فهو وجه جيّد لا غبار عليه.
(أصابه): فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿وابِلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، فهي في محلّ جرّ مثلها. (تركه): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿وابِلٌ،﴾ والهاء مفعول به أوّل. ﴿صَلْداً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقْدِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿عَلى شَيْءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ،﴾ و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. وجملة:
﴿كَسَبُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير:
على شيء من الّذي، أو: من شيء كسبوه من الأعمال، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محلّ جرّ ب (من)، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿شَيْءٍ﴾ التقدير:
من كسبهم. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ، ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثّقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿الْقَوْمَ:﴾
مفعول به. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة له منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾
الشرح: ﴿وَمَثَلُ..﴾. إلخ: وهذا مثل آخر ضربه الله لنفقة المؤمن الكامل الإيمان، المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله، وطلبا لرحمته، وكرمه، وجوده، ﴿وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقا، ويقينا، قاله ابن عباس-﵄، وقال مجاهد، والحسن البصري: معناه: وأنهم يتثبّتون أين يضعون صدقاتهم، وقال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت، فإن كان ذلك لله؛ أمضاه، وإن خالطه شكّ؛ أمسك، أقول: وينبغي أن يخص بصدقته الأبرار المتّقين، ويبحث عن الفقراء المتعفّفين، ويخصّ أرحامه الفقراء بشيء من صدقاته، فقد قال الرسول ﷺ : «الصدقة
стр. 637
على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة» أخرجه النّسائيّ، والترمذيّ عن سليمان بن عامر-﵁.
وروي: أنّ أم المؤمنين ميمونة-﵂-أعتقت جارية في سبيل الله، فقال لها سيّد الخلق، الناطق بالصّدق ﷺ : «أمّا إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك».
وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه، منعه الله فضله يوم القيامة» أخرجه الطّبرانيّ. هذا؛ وقد قال تعالى في سورتي (الإسراء) و (الروم): ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ،﴾ وقال زهير في معلّقته، انظر شرحها وإعرابها في كتابنا: «فتح الكبير المتعال»: [الطويل]
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم
﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ:﴾ الجنّة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار الكثيفة حتى تغطّيها، وتستر ما فيها، فهي مأخوذة من لفظ: الجنّ، والجنين، لاستتارهم. ﴿أَصابَها وابِلٌ:﴾
نزل عليها مطر شديد، والرّبوة: المكان المرتفع عن الأرض؛ لأنّ ما ارتفع من الأرض عن سيل الماء والأودية؛ كان ثمرها أحسن، وأزكى، إذا كان لها من الماء ما يرويها، فإذا كانت الأرض بهذه الصّفة؛ كثر ريعها، وحملت أشجارها. قال الأعشى في معلّقته رقم [١٢] انظر شرحها وإعرابها في كتابنا فتح الكبير المتعال: [البسيط]
ما روضة من رياض الحزن معشبة... خضراء جاد عليها مسبل هطل
أراد بالحزن: ما غلظ، وارتفع من الأرض. ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ أي: فأعطت ثمرتها مثلين، قيل: إنّها حملت في سنة من الرّيع ما يحمله غيرها في سنتين. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ:﴾ تأكيد منه تعالى لمدح هذه الرّبوة، فإنها إن لم يصبها وابل فإنّ الطلّ يكفيها، وينوب مناب الوابل في إخراج الثّمرة ضعفين، وذلك لكرم الأرض، وطيبها، والطّلّ: المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف، وقال قوم، منهم مجاهد: الطّلّ: النّدى، فشبّه الله نموّ نفقات هؤلاء المخلصين الّذين يربّي الله لهم صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل، بنمو نبات الحبة بالرّبوة الموصوفة، بخلاف الصّفوان الذي ينكشف عنه ترابه، فيبقى صلدا.
وخرّج مسلم، وغيره عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب-ولا يقبل الله إلا الطّيّب-فإنّ الله يقبلها بيمينه، ثمّ يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوّه حتى تكون مثل الجبل». ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ تحذير من الرياء، وترغيب في الإخلاص؛ أي: فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية، فيجازي كلّ إنسان بما يستحق. وقرئ الفعل بالياء أيضا، كأنّه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض.
стр. 638
هذا وفي قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ:﴾ تشبيه تمثيليّ؛ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدّد، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾.
هذا و (مثل) بفتح الميم والثاء بمعنى: مثل، ومثيل، وشبه، وشبيه. ومثل: اسم متوغّل في الإبهام، لا يتعرّف بإضافته إلى الضّمير، وغيره من المعارف، ولذلك نعتت به النّكرة في قوله تعالى حكاية عن قول فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون)، ويوصف به المفرد، والمثنى، والجمع، تذكيرا، وتأنيثا، كما في الآية الكريمة، وتستعمل على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى الشبيه، كما في الآية الكريمة، والثاني:
بمعنى نفس الشيء، وذاته، كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى)، والثالث: زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية رقم [١٣٧] من هذه السورة، أي: بما آمنتم.
وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-فهو القول السائر بين الناس، والذي فيه غرابة من بعض الوجوه، والممثل بمضربه؛ أي: الحالة الأصلية التي ورد الكلام فيها، وما أكثر الأمثال في اللّغة العربية، علما بأنّ الأمثال لا تغيّر، تذكيرا، وتأنيثا، إفرادا، وتثنية، وجمعا، بل ينظر فيها دائما إلى مورد المثل، أي: أصله، مثل (الصّيف ضيّعت اللّبن) فإنّه يضرب لكلّ من فرّط في تحصيل شيء في أوانه، ثم طلبه بعد فواته.
هذا؛ وأصاب فلانا البلاء: وقع عليه، وأصابهم المطر: نزل عليهم، كما في هذه الآية وسابقتها، وتقول: أصاب السّهم، يصيب، فلم يخطئ هدفه، وأصاب الرجل في قوله، أو في رأيه: أتى الصواب. ويأتي «أصاب» بمعنى: قصد، وأراد، قال تعالى في حق سليمان-على نبينا وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾.
قال الشاعر: [المتقارب]
أصاب الكلام، فلم يستطع... فأخطا الجواب لدى المفصل
فائدة: قال مكيّ بن أبي طالب القيسيّ-رحمه الله تعالى-في التركيب ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها﴾ ونحوه: دخلت (إن) على (لم) ليرتدّ الفعل إلى أصله في لفظه، وهو الاستقبال؛ لأنّ «لم» تردّ لفظ المستقبل إلى معنى المضي، و «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، فلمّا صارت «لم» ولفظ المستقبل بعدها بمعنى الماضي؛ ردتها «إن» إلى الاستقبال؛ لأن «إن» ترد الماضي إلى معنى الاستقبال. انتهى.
الإعراب: (﴿مَثَلُ﴾): مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وهناك مضاف محذوف؛ إذ التقدير: ومثل نفقة الذين. و ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع
стр. 639
مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿أَمْوالَهُمُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر في موضع الحال، واستحسن لعطف (﴿تَثْبِيتاً﴾) عليه، و ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و ﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿مَرْضاتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، ﴿وَتَثْبِيتاً:﴾ معطوف على ما قبله، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان ب (﴿تَثْبِيتاً﴾) والهاء في محل جر بالإضافة، كمثل: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و (﴿مَثَلُ﴾) مضاف، و ﴿جَنَّةٍ:﴾ مضاف إليه.
﴿بِرَبْوَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿جَنَّةٍ﴾)، والجملة الاسمية: (﴿مَثَلُ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها.
﴿أَصابَها:﴾ فعل ماض، و (ها): مفعول به، ﴿وابِلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿جَنَّةٍ﴾ أو صفة (ربوة)؛ لأنّ الجنة بعض الرّبوة، ويجوز أن تكون في محل نصب حال من ﴿جَنَّةٍ﴾ يعد وصفها بما تقدّم. (آتت): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهي محذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والفاعل يعود إلى (الجنّة)، والمفعول الأول محذوف، التقدير: فآتت صاحبها. ﴿أُكُلَها:﴾ مفعول به ثان، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿ضِعْفَيْنِ﴾ حال من ﴿أُكُلَها﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه مثنّى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُصِبْها:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، و (ها): مفعول به. ﴿وابِلٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفية. ﴿فَطَلٌّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط، (طلّ): مبتدأ، خبره محذوف، التقدير: فطلّ يكفيها، أو خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالذي يصيبها طلّ، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و (إنّ) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾ الآتي، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
بالذي، أو: بشيء تعملونه بصير، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر، التقدير: بعملكم بصير. ﴿بَصِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لا محلّ لها، الغرض منها: التّهديد، والوعيد.
стр. 640
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾
الشرح: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ:﴾ الخطاب لكلّ عاقل يتأتّى له التفكّر، والاعتبار، والاتعاظ، والمعنى: أيحبّ، ويتمنّى أحدكم مثل ما ذكر في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ:﴾ بستان فيه الأشجار المختلفة، التي من جملتها النّخيل، والأعناب، وخصّ الله هذين النّوعين بالذّكر لشرفهما، وكثرة منافعهما، و ﴿نَخِيلٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنّه اسم جمع، واحده: نخلة، والثاني: جمع: نخل؛ الذي هو اسم جنس، و (﴿أَعْنابٍ﴾) جمع: عنب؛ الذي هو اسم جنس جمعي، مثل: تمر، ويفرّق بينه وبين واحده بالتاء، وهي عنبة، وتمرة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت أشجار النّخيل، والعنب، وكذلك من تحت القصور. ﴿لَهُ﴾ أي: لأحدكم. ﴿فِيها:﴾ في الجنة المذكورة. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ:﴾ من كل أنواع الثّمار غير النخيل، والأعناب، وهذا يدلّ على أنّ تلك الجنّة احتوت على سائر أنواع الأشجار، والثمار، ﴿وَأَصابَهُ الْكِبَرُ:﴾ أدركه الشيخوخة، والعجز، والهرم. ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ:﴾
أولاد صغار لا يقدرون على الكسب لضعفهم، وعجزهم. ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ:﴾ رياح شديدة عاتية. ﴿فِيهِ نارٌ:﴾ ملتهبة شديدة. ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرقت النار تلك الجنّة بما فيها.
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ..﴾. إلخ: أي: مثل هذا البيان الواضح في هذا المثل الرائع الحكيم يبين الله لكم دلائل قدرته في كتابه الحكيم؛ لكي تتفكروا، وتتدبّروا بما فيها من العبر والعظات، وتنزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ رقم [٤٣] من سورة (العنكبوت)، وفي الآية الكريمة استعارة تمثيلية، وهي تشبيه حال بحال لم يذكر فيه سوى المشبه به فقط، وقامت قرائن تدلّ على إرادة التشبيه، وانظر التفكر في (آل عمران) رقم [١٩١]. بعد هذا: في الآية الكريمة مثل ضربه الله تعالى لعمل المنافق، والمرائي، والمنّان، يقول: مثل عمل هؤلاء في حسنه كحسن جنّة، ينتفع بها صاحبها، فلما كبر، وضعف، وصار له أولاد صغار ضعاف أصاب جنته إعصار شديد، فيه نار، فأحرقتها، وهو أحوج ما يكون إليها، فحصل في قلبه من الغمّ، والحسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لكبره، وضعفه، وضعف أولاده، فهو لا يجد ما يعود به على أولاده، وهم لا يجدون ما يعودون به عليه، فبقوا جميعا متحسّرين، عجزة، لا حيلة لهم، فكذلك حال من أتى يوم القيامة بأعمال حسنة، ولم يقصد بها وجه الله تعالى، فيبطلها الله؛ وهو في غاية الحاجة إليها، حين لا مستعتب له، ولا توبة، وخذ ما يلي: فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 641
«يؤتى يوم القيامة بصحف مختّمة، فتنصب بين يدي الله تعالى، فيقول الله ﵎: ألقوا هذه، واقبلوا هذه، فتقول الملائكة: وعزّتك وجلالك ما رأينا إلاّ خيرا، فيقول الله : إنّ هذا كان لغير وجهي، وإنّي لا أقبل إلاّ ما ابتغي به وجهي» رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ، والبزار.
وقال عبيد بن عميرة: قال عمر-﵁-يوما لأصحاب رسول الله ﷺ : فيمن ترون نزلت هذه الآية: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ..﴾. إلخ؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر-﵁، وقال: قولوا: نعلم، أو: لا نعلم، فقال ابن عباس-﵄: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين! فقال عمر: قل يا بن أخي، ولا تحقر نفسك، فقال: ضرب الله مثلا لعمل، قال:
لأيّ عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشّيطان، فعمل بالمعاصي؛ حتّى أحرق أعماله كلّها، أخرجه البخاري. انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار (﴿يَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾): مضارع، وفاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب (أن). ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم على نقصانه، ومتعلقان به على تمامه.
﴿جَنَّةٌ﴾ اسم ﴿تَكُونَ﴾ مؤخّر، أو فاعل به، والمصدر المؤوّل: من: ﴿أَنْ تَكُونَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿أَيَوَدُّ..﴾. إلخ مستأنفة في الإعراب، ومتّصلة بما قبلها في المعنى. ﴿مِنْ نَخِيلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة جنة. ﴿وَأَعْنابٍ:﴾ معطوف على ما قبله.
﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان به. و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿جَنَّةٌ﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، وأجاز مكيّ اعتبارها في محل نصب خبر ﴿تَكُونَ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. هذا؛ والمبتدأ محذوف والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلِّ﴾ متعلقان بمحذوف صفة، وتقدير الكلام: له فيها ثمر، أو: رزق كائن من كل الثمرات، والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز في الجملة الفعلية التي قبلها من اعتبارات، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿الثَّمَراتِ﴾ مضاف إليه.
﴿وَأَصابَهُ﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَصابَهُ﴾): فعل ماض، والهاء مفعوله. ﴿الْكِبَرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ باللاّم، وهي على تقدير «قد» قبلها، والرابط الواو، والضمير، وهي حال متداخلة. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ذُرِّيَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿ضُعَفاءُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، وقال الجمل: هي حال من الضمير المنصوب،
стр. 642
فتكون حالا متداخلة أيضا، وجملة: ﴿فَأَصابَها إِعْصارٌ﴾ معطوفة على صفة الجنّة، قاله أبو البقاء، يعني: على قوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ وما بعده. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿نارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة ﴿إِعْصارٌ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف صفة ﴿إِعْصارٌ،﴾ واعتبار ﴿نارٌ﴾ فاعلا في الجار والمجرور.
﴿فَاحْتَرَقَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نارٌ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (أصابها ﴿إِعْصارٌ﴾) فهي من جملة صفة (﴿جَنَّةٌ﴾) أيضا.
﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. و (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلّقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: يبين الله دلائل قدرته، وفوائد حكمته تبيينا مثل تبيينه حال أعمال المنافقين والمرائين والمنّانين، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ اللهُ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم.
﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَتَفَكَّرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الخطاب، والرابط: الضمير فقط، وبعضهم يعتبرها للتعليل لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ انظر الآية رقم [٢٥٤]، وهو خطاب لجميع أمة محمد ﷺ ، وإن كان سبب النزول خاصّا كما ستعرفه. ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ:﴾ المراد به الحلال كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٩٢]: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ هذا وظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة الذهب، والفضة، وعروض التجارة؛ لأنّ ذلك يوصف بأنّه مكتسب، وجمهور العلماء على وجوب الزكاة في مال التّجارة، دليل ذلك ما روي عن سمرة بن جندب-﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإخراج الصدقة من الذي يعدّ للبيع. أخرجه أبو داود.
وعن أبي عمرو بن خماس: أن أباه، قال: مررت بعمر بن الخطاب-﵁، وعلى عنقي أدمة أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا خماس؟ فقلت: ما لي غير هذا، وأهب في القرظ، قال: ذاك مال فضع، فوضعتها، فحسبها، فأخذ منها الزكاة.
стр. 643
فإذا حال الحول على عروض التّجارة، قوّمت، فإن بلغت قيمتها النّصاب أخرج منها ربع العشر. وخذ ما يلي:
عن المقدام-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله، داود كان يأكل من عمل يده» أخرجه البخاريّ.
وعن عائشة: أن رسول الله ﷺ ، قال: «إنّ أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإنّ أولادكم من كسبكم» أخرجه الترمذيّ، والنسائي.
﴿وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ:﴾ ظاهر الآية يدلّ على وجوب الزّكاة في كل ما خرج من الأرض من النبات، ممّا يزرع الآدميون، لكن جمهور العلماء خصّصوا هذا العموم، فأوجبوا الزكاة في النّخيل والكروم، وفيما يقتات، ويدّخر من الحبوب، وأوجب أبو حنيفة ﵁ الزكاة في كلّ ما يقصد من نبات الأرض، كالفواكه، والبقول، والخضراوات، كالبطيخ، والقثاء، والخيار، ونحو ذلك، دليل الجمهور ما روي عن معاذ-﵁: أنّه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات، وهي البقول: فقال: «ليس فيها شيء» أخرجه الترمذيّ، وقال الزهريّ، والأوزاعيّ، ومالك: تجب الزكاة في الزّيتون، وتجب في الثّمار عند بدوّ الصلاح، وهو أن يحمرّ البسر، ويصفرّ وقت الإخراج بعد الاجتناء، والجفاف، وفي الحبوب عند الاشتداد، ووقت الإخراج بعد الدراس، والتصفية.
﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: ولا تقصدوا الرديء من أموالكم. ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي:
من الخبيث، عن البراء بن عازب-﵁-قال: نزلت الآية فينا معشر الأنصار؛ كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين، فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع؛ أتى القنو، فضربه بعصاه، فسقط البسر، أو التمر، فيأكل، وكان الناس ممّن لا يرغب في الخير، فيأتي بالقنو، فيه الشّيص، والحشف، وبالقنو قد انكسر، فيعلقه، فأنزل الله تعالى الآية.
﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: لو أنّ أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى؛ لم يأخذه إلا على إغماض، وحياء؛ فكيف تؤدّون منه حق الله تعالى؟! قال البراء-﵁: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده، أخرجه الترمذي. هذا؛ والإغماض في اللغة: غض البصر، وإطباق الجفن، والمراد به هنا: التجوّز والمساهلة؛ لأنّ الإنسان إذا رأى ما يكره؛ أغمض عينيه؛ لئلا يرى ذلك، ففي الكلام مجاز مرسل، أو استعارة، ومن ذلك قول الطرماح: [الخفيف]
لم يفتنا بالوتر قوم وللذّ... لّ أناس يرضون بالإغماض
وقد يحتمل أن يكون منتزعا من تغميض العين؛ لأنّ الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه، قال الشاعر: [الطويل]
стр. 644
إلى كم وكم أشياء منك تريبني؟ ... أغمّض عنها العين ليست بذي عمى
وإمّا من قول العرب: أغمض الرجل: إذا أتى غامضا من الأمر. هذا ﴿وَلَسْتُمْ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين، إذ أصله: ليس: بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأنّ التخفيف بالتّسكين في الجامد أسهل من القلب، فلمّا اتصل بضمير رفع متحرك؛ سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيقنوا: ﴿أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ:﴾ عن نفقاتكم، فلم يأمركم بها لاحتياجه إليها، بل لنفعكم بها، واحتياجكم لثوابها، فينبغي لكم أن تتحروا فيها الطيب، والرسول ﷺ قال: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبا...» إلخ الحديث أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁، ويراد بالطيب في هذه الحديث الحلال، كما يراد منه الجيد، وذكرت لك في الآية رقم [٢٦٥] قوله ﷺ : «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب...» إلخ. ﴿حَمِيدٌ:﴾ محمود على أفعاله، وعلى كلّ حال من التعذيب، والإثابة، والخير، والشر، وهو سبحانه مستحقّ للحمد في ذاته، محمود، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ:﴾ انظر إعراب مثل هذه الكلمات في الآية رقم [٢٦٤]. ﴿مِنْ طَيِّباتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: أنفقوا شيئا كائنا من طيبات، أو هما متعلقان بالفعل قبلهما على أنهما مفعول به؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، و ﴿طَيِّباتِ:﴾ مضاف، و ﴿ما﴾ في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿كَسَبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: طيبات الذي، أو: طيبات شيء كسبتموه، وعلى اعتبار ﴿ما﴾ مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: طيبات كسبكم. ﴿وَمِمّا:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿مِمّا﴾): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وهناك محذوف، تقديره: ومن طيبات ما أخرجنا، و (ما) تحتمل الموصولة والموصوفة، وهي في محل جر بإضافة ذلك المحذوف إليها. ﴿أَخْرَجْنا:﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وتقدير الكلام: ومن طيبات الذي، أو: شيء أخرجناه لكم. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المقدر الواقع مفعولا به.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَيَمَّمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الْخَبِيثَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَنْفِقُوا..﴾. إلخ لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما. وأجيز
стр. 645
تعليقهما ب ﴿الْخَبِيثَ﴾ أو بمحذوف حال منه، والأول أقوى. ﴿تُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْخَبِيثَ،﴾ والرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (﴿مِنْ﴾) وهو مما يقوي التعليق به، وعلى التعليق ب ﴿الْخَبِيثَ﴾ فتحتاج الجملة إلى تقدير رابط، التقدير: تنفقونه.
﴿وَلَسْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَسْتُمْ﴾): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، ﴿بِآخِذِيهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (آخذيه):
خبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعلامة الجر اللفظي، والنصب المحلي الياء نيابة عن الكسرة، والفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (﴿لَسْتُمْ..﴾.) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تُغْمِضُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إلا بإغماضكم، والجار والمجرور متعلقان ب (آخذيه) وأجاز أبو البقاء اعتبار المصدر المؤول في محل نصب على الحال، والعامل فيه (آخذيه) والمعنى:
لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَنْفِقُوا..﴾. إلخ وما عطف عليها، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها.
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾
الشرح: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ:﴾ يخوّفكم من الفقر، وانظر الآية رقم [٢٧١] الآتية. هذا؛ والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيّد بالموعد ما هو، فقد يقدر بالخير، وبالشرّ، كالبشارة، لكنّ الوعيد لا يكون إلا بالشرّ. هذا و (يعد) أصله: يوعد فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلّم، والمخاطب قياسا عليه. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ:﴾ بالبخل، ومنع الزّكاة، والصّدقة. قال الكلبيّ:
كلّ فحشاء في القرآن فهي الزنى إلا هذا الموضع، وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن البخل صفة مذمومة عند كلّ أحد، فلا يستطيع الشّيطان أن يحسّن له البخل إلا بتلك المقدّمة، وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ..﴾. إلخ. هذا والفعل (﴿يَأْمُرُكُمْ﴾) وما فيه «أمر» يتعدّى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وقال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي
стр. 646
-﵁، وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]
أمرتك الخير، فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وتارة يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكان، ووزن، قال الشاعر: وهو الشّاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا فتح ربّ البرية: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد، إليه الوجه والقبل
وقد تحذف الهمزة من أمره، فتقول: مر، كما تحذف من أمر: أخذ، يأخذ، فتقول: خذ، وتحذف من أمر: أكل يأكل، فتقول: كل، والأصل: اؤمر، وأؤخذ، واؤكل، فحذفت الهمزتان من الأفعال الثلاثة لاجتماع الضّمّات، وقد قالوا: اؤمر أؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه اؤمر في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف)، وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة (لقمان).
﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ:﴾ لذنوبكم، وسترا لعيوبكم، وخلفا لما تنفقون زائدا عن الأصل، ورزقا حسنا. ﴿وَفَضْلاً:﴾ كرما، وجودا منه تعالى، فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرّزق، والخلف. ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦١] ففيها الكفاية، وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ للشّيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشّيطان فإيعاد بالشرّ، وتكذيب بالحقّ، وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، فمن وجد ذلك؛ فليعلم: أنّه من الله تعالى، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى؛ فليتعوّذ بالله من الشّيطان، ثمّ قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذيّ، والنّسائي، وغيرهما.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ : «لا يخرج رجل شيئا من الصّدقة حتّى يفكّ عنها لحيي سبعين شيطانا». أخرجه الإمام أحمد.
طرفة: يروى: أنّ واعظا ذكر هذا الحديث في مجلس وعظه. فتحمّس أحد السّامعين، وقال: أنا أفك لحيي سبعين شيطانا السّاعة، فذهب إلى بيته، فملأ ذيله من القمح، أو الشعير، فتعلّقت به زوجته، وأخذت تتلتله، وتقول له: الله يساعدنا نحن كذا.. نحن كذا حتى ألقت ما في ذيله في العتبة، فرجع خائبا، فقال له الواعظ: ما لك؟ فقال: غلبت سبعين شيطانا، فجاءت أمّهم، فغلبتني.
هذا؛ والشيطان: اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كلّ نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشيطان بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي﴾
стр. 647
﴿بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ انظر شرحها هناك، وقال الرسول ﷺ لأبي ذرّ الغفاري-﵁: «يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجنّ». قال: أو للإنس شياطين؟ قال: «نعم». ولا تنس أنّ لكلّ واحد من بني آدم شيطانا بدليل قول النبي ﷺ لعائشة-﵂، وقد رآها غضبى: «أجاءك شيطانك؟» قالت: أولي شيطان؟ قال: «نعم؛ ما من أحد إلاّ وله شيطان» قالت:
وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا؛ إلاّ أنّني أعانني الله عليه فأسلم، فلا يأمر إلاّ بخير». يروى بضم الميم وفتحها. هذا والشيطان: واحد الشياطين، مأخوذ من: شطن: إذا بعد، والنّون أصلية، فهو مصروف على هذا، وسمّي الشّيطان شيطانا لبعده عن الحقّ، وتمرّده عليه، قال جرير: [البسيط]
أيّام يدعونني الشّيطان من غزل... وهنّ يهوينني إذ كنت شيطانا
وقيل: مأخوذ من شاط: إذا احترق، وشاط: بطل، فالنون زائدة، وعليه فهو غير مصروف، و «شطن» من باب: قعد، و «شاط» من باب: ضرب. هذا؛ واشتاط الرّجل: إذا احتد غضبا، واشتاط: إذا هلك، قال الأعشى في معلقته رقم [٦٤]: [البسيط]
قد نخضب العير في مكنون فائله... وقد يشيط على أرماحنا البطل
ويقوي الاعتبار الأول، ويضعف الثاني: أنّ سيبويه-رحمه الله تعالى-حكى: أنّ العرب تقول: تشيطن فلان: إذا فعل أفعال الشياطين، فهذا بيّن أنه تفيعل من: شطن، ولو كان من شاط؛ لقالوا: تشيّط.
الإعراب: ﴿الشَّيْطانُ:﴾ مبتدأ. ﴿يَعِدُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿الْفَقْرَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَأْمُرُكُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الشَّيْطانُ،﴾ والكاف مفعول به.
﴿بِالْفَحْشاءِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، والجملة الاسمية: (﴿اللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً﴾): معطوفة على سابقتها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿مِنْهُ:﴾
جار ومجرور متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةً﴾. ﴿وَفَضْلاً:﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةً،﴾ وقد حذف متعلقه لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين.
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)﴾
الشرح: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ:﴾ قال ابن عباس-﵂: يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله، وقال مجاهد
стр. 648
رحمه الله تعالى: الحكمة ليست بالنبوة، ولكنّه العلم، والفقه، والقرآن، وقال أبو العالية-رحمه الله تعالى-: الحكمة: خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة. وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود-﵁، مرفوعا عن أنس قال ﷺ : «رأس الحكمة مخافة الله». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٩] فإنّه جيد، والحمد لله!.
﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أي: يريد الله من عباده ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ..﴾. إلخ، أي: من أعطي، ومنح الحكمة؛ فقد أعطي الخير الكثير لمصير صاحبها إلى السّعادة الأبدية، لذا فأصل الحكمة:
المنع، ومنه: حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها من النفور، والجماح، قال الشاعر: [الكامل]
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ أي: وما يتّعظ، وينتفع بما وعظه الله، وأصل الفعل: يتذكر، فقلبت التاء ذالا، ثمّ أدغمتا. ﴿إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي: أصحاب العقول السليمة والقلوب الفاهمة، ولا واحد له من لفظه، وإنّما واحده «ذي» المضاف إن كان مجرورا، و «ذا» المضاف إن كان منصوبا، و «ذو» المضاف إن كان مرفوعا، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ جمع: لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمّي بذلك لأحد وجهين: إمّا لبنائه من: لبّ بالمكان: أقام به، وإمّا من: اللّباب، وهو الخالص من كلّ شائبة. هذا؛ واللبيب: العاقل الفاهم، والجمع: ألباء، والأنثى: لبيبة، وجمعها: لبيبات، ولبائب، واللّب: خالص كلّ شيء.
الإعراب: ﴿يُؤْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبني على السّكون في محلّ نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفته، والعائد أو الرابط محذوف، إذ التقدير: الذي، أو شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية: ﴿يُؤْتِي..﴾. إلخ: في محل نصب حال من لفظ الجلالة في الآية السابقة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: واو الحال، ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْتَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: هو يعود إلى ﴿مَنْ﴾ وهو المفعول الأول.
﴿الْحِكْمَةَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط «قد»: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره (هو) يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، وهو المفعول الأول. ﴿خَيْراً:﴾ مفعول به ثان. ﴿كَثِيراً:﴾ صفة له، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشّرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل:
الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ في محل نصب حال من مفعول ﴿يَشاءُ﴾ المحذوف، والرابط: الواو فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
стр. 649
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يَذَّكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم.
و ﴿أُولُوا﴾ مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة السابقة على الوجهين المعتبرين فيها، أو هي مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام. لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)﴾
الشرح: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ قليلة، أو كثيرة، طاعة، أو معصية، سرّا، وعلانية، واجبة كالزّكاة، والكفّارات على اختلاف أنواعها، أو غير واجبة كصدقة التّطوّع. ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ:﴾ بشرط، أو بغير شرط، في طاعة، أو في معصية، وفّيتم به، أم لم توفّوا به. ﴿فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ:﴾ لا يخفى عليه، وهو مجازيكم به، وإنّما وحّد الضمير مع أنّه عائد على النّفقة، والمنذر، أي: فلم يقل: يعلمهما؛ لأنّ ردّ الضمير على الثاني منهما، فهو كقوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٢]: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ وقوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٢]: ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ،﴾ وقيل: إن الكناية عادت على ما في قوله: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ﴾ لأنّها اسم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ رقم [٢٣١]، كما أنشد سيبويه لامرئ القيس وهو في معلقته: [الطويل]
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها... لما نسجتها من جنوب وشمأل
قال ابن عطية رحمه الله تعالى: ووحد الضمير في ﴿يَعْلَمُهُ،﴾ وقد ذكر شيئين من حيث أراد: ما ذكر، أو نصّ. ﴿وَما لِلظّالِمِينَ﴾ أي: الواضعين الصدقة في غير موضعها، وقيل: الذين يريدون بصدقاتهم الرياء، والسمعة، وقيل: هم الذين يتصدّقون بالمال الحرام، وقيل: لمن منع الزكاة، أو صرف المال في معاصي الله. ﴿مِنْ أَنْصارٍ:﴾ من أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى، ففيه وعيد شديد، وتهديد عظيم، وخذ ما يلي:
فعن عائشة-﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله؛ فلا يعصه». أخرجه البخاري.
وعن ابن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من نذر نذرا لم يسمّه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا لا يطيقه؛ فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا، فأطاقه فليف به» أخرجه أبو داود.
وعن عمران بن حصين-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم». أخرجه النّسائيّ.
стр. 650
وعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ نهى عن النذر، وقال: «إنّه لا يأتي بخير، وإنّما يستخرج به من البخيل» متفق عليه.
وعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «إنّ النّذر لا يقرّب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدّره له، ولكن النّذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج». أخرجه مسلم.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يكون سبب النّهي عن النذر كون الناذر يصير ملتزما مالا، فيأتي به تكلّفا من غير نشاط، أو يكون سببه كونه يأتي على سبيل المعاوضة عن الأمر الّذي طلبه، فينقص أجره، وشأن العبادة أن تكون متمحّضة لله تعالى، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون النّهي؛ لكونه قد يظنّ بعض الجهلة أنّ النذر يردّ القدر، أو يمنع من حصول المقدور، فنهي عنه خوفا من اعتقاد ذلك، وسياق الحديث يؤكّد هذا.
وقوله في بعض روايات الحديث: «إنّه لا يأتي بخير»، «إنه لا يردّ شيئا من القدر» وقوله:
«فيخرج بذلك من البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» معناه: أنّه لا يأتي بهذه القربة تطوعا محضا مبتدأ، وإنّما يأتي بها في مقابلة شيء يريده، كقوله: إن شفى الله مريضي؛ فلله عليّ كذا، ونحو ذلك ممّا يحصل بالنّذر، والله أعلم! انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محلّ نصب مفعول به مقدّم لفعل شرطه. ﴿أَنْفَقْتُمْ:﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾). و ﴿مِنْ:﴾ بيان لما أبهم فيها.
﴿مِنْ نَذْرٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة ب ﴿أَوْ﴾ على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾
اسمها. ﴿يَعْلَمُهُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، والشرط ومدخوله كلام مستأنف لا محل له.
هذا وجوز اعتبار (﴿ما﴾) موصولة مبنية على السكون في محلّ رفع مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أنفقتموه، والجار والمجرور ﴿مِنْ نَفَقَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف من العائد المحذوف، العائد على (﴿ما﴾)، والجملة الاسمية: (إن...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة، لا محل لها، كما في الوجه الأول.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لِلظّالِمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿أَنْصارٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة
стр. 651
على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجرّ الزائد. هذا؛ وهناك من يجيز اعتبار ﴿أَنْصارٍ﴾ فاعلا بالجار والمجرور قبله لاعتماده على النفي، ولم يذكر تعليق الجار والمجرور، فهما متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وما يوجد للظالمين أنصار. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿ما﴾) نافية حجازية تعمل عمل ليس، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب خبرها مقدّما، و ﴿أَنْصارٍ﴾ اسمها مؤخر، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محلّ نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، أو معترضة اعتراضا تذييليّا في آخر الكلام، لا محلّ لها على الوجهين.
﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أي: تجهروا بها، وتظهروها، والصّدقة: ما يخرجه المسلم من ماله على وجه القربة، فيدخل فيه الزّكاة الواجبة، وصدقة التطوّع. ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي: فنعمت الخصلة هي، فهذا ثناء على الجهر بها، وإظهارها. ﴿وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ:﴾ فهذا حكم على أنّ الإخفاء خير من الجهر بها، ولذلك قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف؛ فاستره، وإذا اصطنع إليكم فانشروه. قال دعبل الخزاعي في ممدوحيه: [المتقارب]
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم... وإن أنعموا أنعموا باكتتام
وقال سهل بن هارون: [البسيط]
خلّ إذا جئته يوما لتسأله... أعطاك ما ملكت كفّاه واعتذرا
يخفي صنائعه، والله يظهرها... إنّ الجميل إذا أخفيته ظهرا
وقال العبّاس عم النبي ﷺ -﵁: لا يتمّ المعروف إلا بثلاث خصال: تعجيله، وتصغيره، وستره، فإذا عجّلته؛ هنيته، وإذا صغّرته؛ عظّمته، وإذا سترته؛ أتممته، وقال بعض الشعراء، فأحسن: [الرمل]
زاد معروفك عندي عظما... أنّه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته... وهو عند النّاس مشهور خطير
قال ابن عباس-﵄: جعل الله صدقة السرّ في التطوّع تفضل علانيتها، يقال:
بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرّها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفا، قال: وكذلك جميع الفرائض، والنّوافل في الأشياء كلّها، أي: في الصّلاة، والصّوم، وغيرهما.
стр. 652
هذا واتّفق العلماء على أنّ كتمان صدقة التطوع أفضل، وإخفاؤها خير من إظهارها؛ لأنّ ذلك أبعد من الرياء، وأقرب إلى الإخلاص، وفي صدقة السرّ أيضا فائدة ترجع إلى الفقير الآخذ، وهي: أنّه إذا أعطي في السر؛ زال عنه الذل والانكسار، وإذا أعطي في العلانية يحصل له الذلّ والانكسار، ويدلّ على أن صدقة السرّ أفضل ما روي عن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه: إمام عادل، وشابّ نشأ في طاعة الله تعالى، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله تعالى، اجتمعا على ذلك، وتفرّقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه من خشية الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة، فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». أخرجاه في الصّحيحين، وفي الحديث أيضا: «صدقة السّرّ تطفئ غضب الربّ ».
وأما الزّكاة الواجبة فالجهر بها أفضل من الإسرار لأمرين: أولهما: ليقتدى بفاعلها، وثانيهما: لئلا يتّهم بمنعها، ولا سيما إن كان ظاهر الغنى.
﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ يمحو، ويزيل، أو يعفو، ويصفح، وأصل التكفير في اللغة: التغطية، والسّتر، ويقرأ الفعل بالياء والنون، وبالرّفع وبالجزم عطفا على جملة جواب الشرط، والسيئات: هي المعاصي، والمخالفات التي يفعلها العبد، ومفردها: سيئة. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعني: لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والخبير من أسماء الله الحسنى، وهو العالم بكنه الشيء وحقيقته من غير شك، والخبير في صفة المخلوقين إنّما يستعمل في نوع من العلم، وهو الّذي يوصل إليه بالاجتهاد، والفكر، والله تعالى منزّه عن ذلك كلّه.
هذا؛ و «نعم» فعل ماض لإنشاء المدح، و «بئس» فعل ماض لإنشاء الذم، قال في المختار:
نعم: منقول من: نعم فلان-بفتح النون وكسر العين-: إذا أصاب النّعمة، و «بئس» منقول من:
«بئس» بفتح الباء، وكسر الهمزة: إذا أصاب بؤسا، فنقلا إلى المدح، والذم، فشابها الحروف، فلم يتصرّفا، وفيهما أربع لغات: «نعم، وبئس» بكسر، وسكون، وهي أفصحهن، ثم «نعم، وبئس» بكسر أولهما، وثانيهما، غير أن الغالب في (نعم) أن يتصل بها (ما) كما في الآية التي نحن بصدد شرحها، وكما في قوله تعالى في الآية رقم [٥٨] من سورة (النساء): ﴿نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ و «بئس» اتصلت بها (ما) على اللغة الفصحى، كما في قوله تعالى في الآية رقم [٩٠]: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ..﴾. إلخ، والآية رقم [٩٣]: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ..﴾. إلخ، والآية رقم [١٥٠] من سورة الأعراف: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي..﴾. إلخ، واللغة الثالثة: «نعم، وبأس» بفتح، وسكون، والرابعة: (نعم، وبئس) بفتح وكسر، وهي الأصل فيهما، ولا بدّ لهما من شيئين:
فاعل، ومخصوص بالمدح، أو الذم، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
فعلان غير متصرّفين... نعم وبئس رافعان اسمين
стр. 653
مقارني ال أو مضافين لما... قارنهما كنعم عتبى الكرما
ويرفعان مضمرا يفسّره... مميّز كنعم قوما معشره
والقول بفعليتهما إنّما هو قول البصريّين، والكسائي، بدليل دخول تاء التأنيث عليهما في قول النبيّ ﷺ : «من توضّأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» وقال الكوفيون إلا الكسائيّ: هما اسمان، بدليل دخول حرف الجر عليهما في قول أعرابي، وقد أخبر بأنّ امرأته ولدت بنتا له: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرّها سرقة، وقول آخر: نعم السّير على بئس العير، وأوّله البصريون على حذف كلام مقدّر، التقدير: والله ما هي بولد مقول فيه:
نعم الولد، ونعم السّير على عير مقول فيه: بئس العير، والمعتمد في ذلك قول البصريّين.
هذا ويجب في فاعلهما أن يكون مقترنا بال، أو مضافا لمقترن بها، أو ضميرا مميزا بنكرة، أو كلمة «ما» فالأول: كما في قوله تعالى: «نعم المولى ونعم النّصير»، والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ،﴾ والثالث: مثل قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً،﴾ والرابع: كما في الآية التي بين أيدينا، وهذا شرح لأبيات ابن مالك.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿الصَّدَقاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية لا محل؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، ﴿فَنِعِمّا:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشّرط، (نعم): فعل ماض جامد دال على إنشاء المدح، وفاعله ضمير مستتر، و (ما): نكرة تامّة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل نصب على التمييز، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدّم، و ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ مؤخر، ويجوز أن تكون خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: الممدوحة هي، والجملة: (نعما ﴿هِيَ﴾) سواء أكانت اسمية، أم فعلية في محل جزم جواب الشّرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحل محلّ المفرد.
﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم، ﴿تُخْفُوها:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والواو فاعله، و (ها) مفعول به. ﴿وَتُؤْتُوهَا:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، وعلامة الجزم فيهما حذف النّون، والواو فاعله، و (ها) مفعول به أوّل. ﴿الْفُقَراءَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها على نحو ما سبق. هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿تُؤْتُوهَا﴾): منصوبا ب «أن» مضمرة بعد الواو. على القاعدة: «وإذا» عطف مضارع على فعل الشرط بالواو، أو بالفاء، يجوز اعتباره مجزوما، أو منصوبا ب «أن» مضمرة بعد الواو ﴿فَهُوَ:﴾
الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم
стр. 654
جواب الشرط عند الجمهور... إلخ. و (﴿يُكَفِّرُ﴾): فعل مضارع، وفاعله يعود إلى (﴿اللهُ﴾) فعلى قراءته بالجزم معطوف على جواب الشرط، وعلى قراءته بالرّفع، فهو مع فاعله في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكفر. أو: فنحن نكفر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها وانظر ما أذكره في الآية رقم [٢٨٥] الآتية. ﴿عَنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿مِنْ سَيِّئاتِكُمْ:﴾ قيل: ﴿مِنْ﴾ زائد في الإيجاب، و ﴿سَيِّئاتِكُمْ:﴾ مفعول به، وهذا على مذهب الأخفش، وعند سيبويه المفعول محذوف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة له، التقدير: يكفر شيئا كائنا من سيئاتكم. وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما على أن ﴿مِنْ:﴾ للتبعيض، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة صلة (ما)، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: بالذي، أو: بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير: بعملكم. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية:
(﴿اللهُ..﴾.) إلخ مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، الغرض منها الحثّ على الصّدقات، والتّرغيب في الإخلاص.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾
الشرح: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ:﴾ الخطاب للنّبي ﷺ ، ويعمّ كلّ مسلم، والمعنى: لا يجب عليك أن تجعل الناس مؤمنين مهديين، وإنّما عليك الإرشاد، والنّصح بالمعروف، والحث على محاسن الأعمال، والنّهي عن القبائح. ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ:﴾ فهذا تصريح بأن الهداية من الله تعالى، يخصّ بها من يشاء من عباده، وفيه ردّ على القدريّة، وطوائف من المعتزلة كما تقدّم.
هذا وروى سعيد بن جبير-﵁-مرسلا عن النبي ﷺ في سبب نزول الآية الكريمة: أنّ المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلمّا كثر فقراء المسلمين، قال رسول الله ﷺ : «لا تتصدّقوا إلاّ على أهل دينكم»، فنزلت الآية الكريمة مبيحة للصّدقة على من ليس من دين الإسلام، فأمر ﷺ بعدها بالصّدقة على كلّ سائل من أيّ دين. رواه ابن أبي حاتم.
وروى ابن عباس-﵄: أنّه قال: كان ناس من الأنصار لهم قرابات من المشركين، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية. رواه
стр. 655
النّسائيّ. هذا، والمعتمد: أنّ هذه الصّدقة التي أبيح إعطاؤها لغير المسلمين، إنّما هي صدقة التطوّع، وأما المفروضة؛ فلا يجزئ دفعها لكافر، لقول النبي ﷺ : «أمرت أن آخذ الصّدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم». وقال الرّسول ﷺ لمعاذ-﵁: «خذ الصّدقة من أغنيائهم، وردّها على فقرائهم».
هذا وقال ابن العربي: فأمّا المسلم العاصي؛ فلا خلاف: أنّ صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصّلاة، والصّيام، فلا تدفع إليه الصّدقة؛ حتّى يتوب، وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها؛ لدخولهم في اسم المسلمين.
﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: الأجر، والثواب لكم، فلا تمنّوا على أحد، ولا تنفقوا الخبيث من أموالكم، فهو مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله! ما منّا أحد إلاّ ماله أحبّ إليه! قال: «فإنّ ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر». أخرجه البخاريّ.
هذا وقد حكي: أنّ بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف، ثمّ يحلف: أنّه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك، فيقول: إنّما فعلت مع نفسي، ويتلو: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. وخذ قوله تعالى في آخر سورة (المزمّل): ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾.
هذا؛ والمراد ب: ﴿خَيْرٍ﴾ في هذه الآية في الموضعين: المال، قال تعالى في سورة العاديات: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ،﴾ ويكون الخير بمعنى: الطّعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (القصص) رقم [٢٤]:
﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ،﴾ ويكون بمعنى القوّة، كما في قوله تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ ويكون بمعنى العبادة والطاعة، كما في قوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ ويكون بمعنى الوحي، كما في قوله تعالى في الآية رقم [١٠٥] من هذه السّورة: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وأخيرا: يكون بمعنى المطر، قال الشّاعر-وهو الشّاهد رقم [٢٠٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت... لهم فلا زال عنها الخير مجدودا
﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ:﴾ طلب مرضاته تعالى، ورضوانه، قال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله؛ فلا عليك ما كان عمله، والمعنى: أنّ المتصدق إذا تصدّق ابتغاء وجه الله؛ فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: البرّ أو فاجر، أو مستحقّ، أو غيره؟ وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية، والحديث المخرّج
стр. 656
في الصحيحين، عن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية، فأصبح النّاس يتحدّثون: تصدّق الليلة على زانية! فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فوضعها في يد غنيّ، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق اللّيلة على غنيّ! فقال: اللهمّ لك الحمد على غنيّ! لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدّق الليلة على سارق! فقال:
اللهمّ لك الحمد على زانية! وعلى غنيّ، وعلى سارق، فأتي (في المنام) فقيل له: أمّا صدقتك فقد قبلت، أما الزّانية فلعلّها أن تستعفف عن زناها، وأمّا الغنيّ فلعلّه يعتبر، فينفق ما أعطاه الله، وأمّا السّارق فلعلّه يستعفف عن سرقته».
﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ:﴾ فهذه الجملة تأكيد، وبيان لما قبلها، وهي تفيد فائدة زائدة، وهي: أنّ ثواب الإنفاق يدّخر للمنفقين يوم القيامة، ولا يبخسون منه شيئا، فيكون ذلك البخس ظلما لهم، ومثل هذا يسمّى في علم المعاني إطنابا، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدّم. ﴿هُداهُمْ:﴾ اسمها مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، فيكون المفعول محذوفا، أو لمفعوله، فيكون الفاعل محذوفا، وهو أقوى، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلكِنَّ:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لكِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر (﴿لكِنَّ﴾) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَنْ:﴾
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يهدي الذي، أو: شخصا يشاء هدايته.
(﴿ما﴾): اسم شرط مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و ﴿مَنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ:﴾ الفاء:
واقعة في جواب الشرط. (لأنفسكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو لأنفسكم، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية:
﴿وَما تُنْفِقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، ﴿وَما:﴾ الواو: واو الاعتراض.
(﴿ما﴾): نافية. ﴿تُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية معترضة بين المتعاطفتين لا محل لها، وقال البيضاوي: حال، أو عطف على ما قبله، والأول لا وجه له، والثاني لا يصحّ إلا على قول من يعتبر النفي بمعنى النّهي.
стр. 657
﴿إِلاَّ:﴾ حرف استثناء، أو حرف حصر. ﴿اِبْتِغاءَ﴾ قال الجمل: هو استثناء من أعمّ العلل؛ أي: والمعنى: لا تنفقوا أموالكم لغرض إلا لهذا الغرض. انتهى. و ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و ﴿وَجْهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿وَجْهِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهَ:﴾ مضاف إليه.
﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ انظر ما قبله، فهو مثله. ﴿يُوَفَّ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، ونائب الفاعل، تقديره: (هو) يعود إلى ﴿خَيْرٍ﴾. ﴿إِلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها ومؤكدة لها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها.
﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾
الشرح: ﴿لِلْفُقَراءِ..﴾. إلخ: قال السّدي-رحمه الله تعالى-: المراد بهم فقراء المهاجرين من قريش، وغيرهم، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر، وكانوا يأوون إلى صفّة في المسجد، قال أبو ذرّ-﵁: كنت من أهل الصّفّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ ، فيأمر كل رجل فينصرف برجل، ويبقى من بقي من أهل الصّفة، عشرة، أو أقل، فيؤتى النّبيّ ﷺ بعشائه، فنتعشى معه، فإذا فرغنا قال رسول الله ﷺ : ناموا في المسجد، وانظر في الآية [٢٦٧] ما ذكره البراء بن عازب-﵁، وكانوا رضوان الله عليهم في المسجد ضرورة، وكانوا يأكلون من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين؛ استغنوا عن تلك الحال، فخرجوا، ثمّ ملكوا، وتأمّروا، ثم ذكر الله من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب العطف، والشفقة عليهم، فقال جل ذكره: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ حبسوا، ومنعوا عن التصرف في معايشهم خوف العدو، لكون البلاد كلها كفرا مطبقا، وهذا في صدر الإسلام، فقلّتهم وضعفهم يمنعان من الاكتساب بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم
стр. 658
إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة، فبقوا فقراء، وهو فحوى قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرا للتسبب في طلب المعاش، والضرب في الأرض: هو السّفر، قال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٠١]: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ،﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (المزمل): ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾.
هذا والحصر: المنع، والحبس، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهو يحتمل أن يكون من الرباعي «أحصر» ومن الثلاثي «حصر» وقال أبو عبيدة، والكسائي: أحصر بالمرض، وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس على العكس؛ فحصر بالمرض، وأحصر بالعدو، وقالت طائفة: يقال: أحصر فيهما جميعا من الرباعي، حكاه أبو عمر، والصحيح أنهما يستعملان فيهما، وهو ما قدمته أولا، قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:
الأكثر من أهل اللغة على أن حصر في العدو، وأحصر في المرض، وأصل الكلمة من الحبس، ومنه: الحصير للذي يحبس نفسه على البوح بسره، والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات القش إلى بعض، هذا، ويقال: ألحف، وأحنى، وألحّ في المسألة سواء، قال بشار بن برد الأعمى: [الرجز]
الحرّ يلحى، والعصا للعبد... وليس للملحف مثل الرّدّ
واشتقاق الإلحاف من اللّحاف، سمي بذلك لاشتماله على وجود الطّلب في المسألة، كاشتمال اللحاف من التغطية، أي: هذا السائل يعمّ الناس بسؤاله، فيلحفهم بذلك، ومنه قول ابن أحمر: [الوافر]
فظلّ يحفّهنّ بقفقفيه... ويلحفهنّ هفهافا ثخينا
يصف ذكر النعام، يحضن بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللحاف، وهو رقيق مع ثخنه.
هذا والحصير: الملك؛ لأنه كالمحبوس من وراء حجاب، قال لبيد-﵁: [الكامل]
وقماقم غلب الرّقاب كأنّهم... جنّ لدى باب الحصير قيام
والإلحاف في المسألة مع الغنى عنها حرام، لا يحلّ، فقد روى أبو هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «من سأل النّاس أموالهم تكثّرا، فإنّما يسأل جمرا، فليستقلّ أو ليستكثر» أخرجه مسلم.
وعن ابن عمر-﵄: أن النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم» أخرجه البخاريّ، ومسلم.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ﴾ أي: بحالهم. ﴿أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: إنّهم من تركهم السؤال، والتوكل على الله، والقناعة، والرضا بقضاء الله، وقدره يظنّهم الجاهل بحالهم أغنياء. هذا؛
стр. 659
والفعل: حسب، يحسب من باب: تعب في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون السين في المضارع، ومع الماضي أيضا على غير قياس، وقد قرئ المضارع بفتح السين وكسرها من البابين: الرابع، والسادس، والمصدر: الحسبان بكسر الحاء. وحسبت المال حسبا من باب قتل بمعنى: أحصيته عددا.
﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ:﴾ السّيما بالقصر: العلامة، وقد تمدّ، فيقال: السيماء، والسّمة أيضا:
العلامة التي يعرف بها الشيء، واختلفوا في معناها، فقيل: هي الخضوع، والتواضع. وقيل: هي أثر الجهد من الحاجة، والفقر. وقيل: هي صفرة ألوانهم من الجوع، ورثاثة ثيابهم من الضرّ، وسوء الحال. ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ أي: لا يسألون الناس أبدا، وقيل: إن سألوا لا يلحّون بالسؤال، وإنما يسألون برفق وتلطف، ولا يكلّفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل، وله ما يغنيه عن المسألة؛ فقد ألحف في المسألة، والخطاب للرسول ﷺ ، أو لكلّ أحد، وخذ ما يلي:
فعن ابن عباس-﵄-قال: وقف رسول الله ﷺ يوما على أصحاب الصّفّة، فرأى فقرهم، وجهدهم، وطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصّفة! فمن بقي من أمّتي على العنت الذي أنتم عليه، راضيا بما فيه، فإنّه من رفقائي في الجنّة»، وقال ﷺ : «إنّ الله يحبّ الحييّ الحليم المتعفّف، ويبغض البذيء السّائل الملحف». وعن أبي هريرة-﵁:
أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس المسكين الّذي تردّه اللّقمة واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان، ولكن المسكين الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل النّاس» رواه البخاريّ ومسلم، وغيرهما، وعنه أيضا: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس الغنى عن كثرة المال والعرض، ولكن الغنى غنى النّفس» متفق عليه.
وقال الإمام أحمد عن رجل من مزينة: أنه قالت له أمّه: ألا تنطلق، فتسأل رسول الله ﷺ ، كما يسأله النّاس! قال: فانطلقت أسأله، فوجدته قائما يخطب، وهو يقول: «ومن استعفّ أعفّه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل النّاس، وله عدل خمس أواق؛ فقد سأل النّاس إلحافا» فقلت بيني وبين نفسي: لنا ناقة لهي خير من خمس أواق، ولغلامي ناقة أخرى، فهي خير من خمس أواق، فرجعت، ولم أسأل.
وعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل، وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا، أو خموشا، أو كدوحا في وجهه» قالوا: يا رسول الله! وما غناه؟ قال: «خمسون درهما أو حسابها من الذّهب»، أخرجه أبو داود، والترمذي، والنّسائي، والإمام أحمد.
فالرّسول ﷺ يريد من المسلم أن يكون عزيز النفس، مرفوعها، لذا نفّر من السّؤال، والمسألة، ورغّب في العمل، فعن الزبير بن العوام-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 660
«لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره، فيبيعها، فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل النّاس، أعطوه، أم منعوه» رواه البخاريّ، وغير ذلك كثير، وخذ ما يلي:
عن الأصمعي-رحمه الله تعالى-قال: مررت في بعض سكك الكوفة، فإذا برجل قد خرج من حشّ، على كتفه جرّة، وهو يقول: [الطويل]
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وحقّك لم تكرم على أحد بعدي
[الوافر]
لنقل الصّخر من قلل الجبال... أحبّ إليّ من منن الرّجال
يقول النّاس: كسب فيه عار... وكلّ العار في ذلّ السّؤال
فقلت له: إكرامها بمثل هذا؟! قال: نعم، واشفني عن سؤلي، فقلت: إذا سألته، ثم قال:
صنع الله بك، وترك، فقلت: قد عرفني، فأسرعت فصاح بي وأنشد: [الطويل]
وأكرم نفسي إنّني إن أهنتها... وجدّك لم تكرم على أحد بعدي
بقي أن تعرف: لو أعطي الإنسان شيئا لم يسأله ماذا يفعل؟ فخذ الجواب مما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ : «من آتاه الله شيئا من هذا المال من غير أن يسأله، فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه». ورواته محتج بهم في الصحيح.
وعن عابد بن عمرو-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «من عرض له من هذا الرّزق شيء من غير مسألة، ولا إشراف نفس، فليتوسّع به في رزقه، فإن كان غنيّا، فليوجّهه إلى من هو أحوج إليه منه». رواه أحمد، والطبراني، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.
الإعراب: ﴿لِلْفُقَراءِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
الصدقات للفقراء، أو هما متعلقان بفعل محذوف، التقدير: أدوا زكاة أموالكم للفقراء، وقيل:
متعلقان بقوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في الآية السابقة. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة (الفقراء) أو بدل منه، ويجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير:
أعني الذين، كما يجوز اعتباره خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، وهذان الاعتباران على القطع. ﴿أُحْصِرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مجاهدين في سبيل، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿ضَرْباً:﴾ مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وقيل: مستأنفة وهو ضعيف.
стр. 661
﴿يَحْسَبُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْجاهِلُ:﴾ فاعله. ﴿أَغْنِياءَ:﴾ مفعول به ثان.
﴿مِنَ التَّعَفُّفِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية قل فيها مثل سابقتها. ﴿تَعْرِفُهُمْ:﴾
فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنت، والهاء مفعول به. ﴿بِسِيماهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والهاء في محل جر بالإضافة.
وقل في الجملة مثل ما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْئَلُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله، ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، التقدير: لا يسألون الناس شيئا، وقل في الجملة الفعلية مثل ما قبلها.
﴿إِلْحافاً:﴾ فيه ثلاثة أوجه: مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: يلحفون إلحافا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، ومفعول لأجله، أي لا يسألون الناس لأجل الإلحاف، وحال، تقديره: لا يسألون ملحفين. انتهى. نقلا من السمين. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ:﴾ انظر إعرابه في الآية السابقة، مع ملاحظة: أنّ جواب الشرط محذوف، التقدير: فهو يجازيكم به، والجملة الشرطية بكاملها تحتمل العطف على ما في الآية السابقة، والاستئناف، والاعتراض في آخر الكلام الغرض منه الترغيب في الإنفاق، وخصوصا على المتعفّفين الذين لا يسألون الناس. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ بعدهما. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليلية لا محل لها، وهذا أولى من اعتبارها جوابا للشرط المتقدّم.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة في أبي بكر الصديق-﵁-حين تصدّق بأربعين ألف درهم: عشرة في الليل، وعشرة في النّهار، وعشرة بالسرّ، وعشرة بالعلانية، وقيل: نزلت في عليّ كرم الله وجهه تصدق بأربعة دراهم، ولم يكن يملك غيرها، تصدّق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرّا، وبدرهم جهرا، وكون ما ذكر سببا لنزولها لا يقتضي خصوص الحكم به، بل العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهذا يقال في كلّ الآيات القرآنية، التي نزلت بسبب ما.
وروي عن ابن عباس-﵄: أنّها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله، وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «هم أصحاب الخيل»، وقد ذكر الله ذلك صراحة في قوله:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية رقم [٦٠] من سورة (الأنفال) انظر شرحها هناك تجد ما يسرك ويثلج صدرك، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية.
стр. 662
هذا وفي الآية إشارة إلى أنّ صدقة السرّ أفضل من صدقة العلانية؛ لأنّه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار، وقدّم السرّ على العلانية، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧١].
والجملة في الآية الكريمة مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات؛ حتّى إنّ النفقة على الأهل تدخل في ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص-﵁:
أنّ رسول الله ﷺ ، قال له: «وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ أجرت عليها حتّى ما تجعل في في امرأتك» رواه البخاريّ، ومسلم. وعن ابن مسعود-﵁، عن النّبيّ ﷺ ، قال: «إذا أنفق الرّجل على أهله نفقة، وهو يحتسبها؛ كانت له صدقة»، رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ. هذا؛ وبين الليل والنّهار، وبين السرّ والعلانية طباق لفظيّ، وهو من المحسّنات البديعية.
هذا؛ و (ينفقون) ماضيه: نفق، قال الزمخشري رحمه الله تعالى: إنّ كلّ ما فاؤه نون وعينه فاء، يدلّ على معنى الخروج والذّهاب، مثل: نفق، ونفخ، ونفذ، ونفش... إلخ.
هذا، والمال قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: ما يملك من الذّهب، والفضة، ثم أطلق على كلّ ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنث، وأنشد لحسّان-﵁: [البسيط]
المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال
وعن الفضل الضّبيّ: المال عند العرب الصّامت، والناطق، فالصّامت: الذهب، والفضة، والجواهر، والناطق: البعير، والبقرة، والشاة فإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو النّاطق، وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضياع، والدور، وقد قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي-﵁-في ذلك: [البسيط]
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
هذا، و (الليل) فهو واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على: ليال، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، وشبه، ومشابه، وحاجة، وحوائج، وذكر، ومذاكر، وكأنّ: ليلى في القياس جمع ليلاة، وقد استعملوا ذلك في الشّعر، وأنشد ابن الأعرابي، وهو الشاهد رقم [٦٦] من كتاب: «فتح القريب المجيب»: [الرجز]
يا ويحه من جمل ما أشقاه... في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه
واللّيل الشرعي: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر: هو من غروب الشمس إلى طلوعها، والنّهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع
стр. 663
العذاب، والسّراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر-بضمتين-كسحاب، وسحب، وفي القليل: أنهر، وقال ابن فارس: النّهر معروف، والجمع: أنهر، وأنهار، ويقال: إنّ النهار يجمع على نهر، قال الشاعر: [الرجز]
لولا الثّريدان هلكنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر
والنّهار: من طلوع الفجر، أو: من طلوع الشمس على ما تقدّم في نهاية اللّيل إلى غروب الشمس، وقد يطلق عليهما اسم اليوم، كما تراه في الآية رقم [٢٠٣] هذا والليل يطلق على الحبارى، أو فرخها، وفرخ الكروان، والنّهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
الإعراب: الذين ينفقون أموالهم: انظر الآية رقم [٢٦٢]. ﴿بِاللَّيْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿وَالنَّهارِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً:﴾ حال بمعنى مسرّين ومعلنين، قال أبو البقاء: وهما مصدران في موضع الحال، وقد أغرب البيضاوي-رحمه الله تعالى-في قوله:
وقيل: الفاء للعطف، والخبر محذوف؛ أي: ومنهم الذين، ولذلك جوّز الوقف على ﴿وَعَلانِيَةً،﴾ (لهم ﴿أَجْرُهُمْ..﴾.) إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥)﴾
الشرح: لمّا ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزّكوات، المتفضّلين بالبرّ، والصدقات لذوي الحاجات، والقرابات في جميع الأحوال، والأوقات، وحضّهم على أن يكون ما يتصدّقون به، من الكسب الطّيب؛ ذكر هنا ما يقابل ذلك، وهو الرّبا: الكسب الخبيث، الّذي هو شحّ، ودنس، بينما الصّدقة عطاء، وسماحة، وطهارة، يظهر الفارق بوضوح بين الكسب الطيب وثمرته، وبين الكسب الخبيث ونتيجته، فكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء، فقال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ أي: الآخذون الرّبا، وإنّما ذكر الله الأكل؛ لأنه أعظم منافع المال؛ لأنّ المال لا يؤكل، إنّما يصرف في المأكول، ثمّ يؤكل، ولأنه دالّ على الجشع، وهو
стр. 664
أشد الحرص، ويلحق به اللباس، والكسوة، والادّخار، والإنفاق على العيال، وجميع منافعه.
والرّبا في اللغة: الزيادة، يقال: ربا الشّيء يربو: إذا زاد، وكثر، ونما، قال تعالى في سورة (الحجّ) رقم [٥]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. وفي الشرع: مقابلة عوض بآخر مجهول التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد، أو مع تأخير في العوضين، أو أحدهما، وهو حرام قطعا بجميع أنواعه.
﴿لا يَقُومُونَ:﴾ يعني من قبورهم يوم القيامة، ﴿إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أي:
يصرعه، وأصل الخبط: الضرب، والوطء على غير هدى، واستواء، يقال: ناقة خبوط، التي تضرب الأرض بقوائمها، وتطأ الناس بأخفافها، ومنه قولهم: يخبط خبط عشواء؛ للرّجل الذي يتصرّف في الأمور على غير اهتداء، وتمييز وتدبّر، قال زهير في معلّقته: [الطويل]
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب... تمته، ومن تخطئ يعمّر، فيهرم
﴿مِنَ الْمَسِّ:﴾ من الجنون، يقال: مسّ الرّجل، فهو ممسوس: إذا كان به جنون، قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصّرع من جهة الجنّ، وزعم: أنّه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مسّ.
وقد روى النّسائيّ عن أبي اليسر-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ يدعو، فيقول:
«اللهمّ إنّي أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا!» وعن أنس-﵁ عن النبي ﷺ : أنّه كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الجنون، والجذام، والبرص، وسيّئ الأسقام، والمسّ، والجنون!» رواه أبو داود.
وروي في حديث الإسراء: «فانطلق بي جبريل، فمررت برجال كثير، كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، منضّدين على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيّا، فيقبلون مثل الإبل المهيومة، فيتخبّطون الحجارة، والشّجر، لا يسمعون، ولا يعقلون، فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون؛ قاموا، فتميل بهم بطونهم، فيصرعون، ثم يقوم أحدهم، فيميل به بطنه، فيصرع، فلا يستطيعون، براحا؛ حتى يغشاهم آل فرعون، فيطئونهم مقبلين، ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدّنيا والآخرة، وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم السّاعة أبدا، فإنّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الرّبا ﴿لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ»﴾. أخرجه البغويّ بسند الثعلبي عن أبي سعيد الخدري-﵁.
(ذلك) أي: العذاب الذي نزل بهم بسبب قولهم في الدّنيا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أي:
بالحلّ، والإباحة، وذلك: أنّ أهل الجاهلية، كان أحدهم إذا حل أجل دينه على غريمه يطالبه
стр. 665
به، فيقول الغريم لصاحب الحقّ: زدني في الأجل، حتّى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك، وكانوا يقولون: سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالرّبح، أو عند المحلّ لأجل التأخير، فكذّبهم الله تعالى، وردّ عليهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾. هذا؛ ولم يقل: إنّما الرّبا مثل البيع، مع أن الكلام في الرّبا لا في البيع؛ لأنّه جيء به على طريقة المبالغة، ويسمّى التشبيه المقلوب، وهو أعلى مراتب التشبيه؛ حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به، والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع، ولكنّه بلغ من اعتقادهم في حل الرّبا أن جعلوه أصلا يقاس عليه، فشبهوا به البيع، والتشبيه المقلوب باب واسع من أبواب النّحو، انظر كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وخذ منه قول رؤبة بن العجّاج وهو الشاهد رقم [١١٨٧] منه: [الرجز]
ومهمه مغبرة أرجاؤه... كأنّ لون أرضه سماؤه
﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا:﴾ أي: وأحل الله لكم الأرباح في التّجارة بالبيع، والتجارة، وحرّم الرّبا الذي هو زيادة المال لأجل تأخير الأجل، وذلك لأنّ الله تعالى خلق الخلق فهم عبيده، وهو مالكهم يحكم فيهم بما شاء، ويستعبدهم بما يريد، وليس لأحد أن يعترض عليه في شيء ممّا أحلّ، أو حرّم، وإنما على كافة الخلق الطّاعة، والتسليم لحكمه، وأمره، ونهيه.
﴿فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: فمن بلغه وعظ من الله، وزجر بالنّهي عن الرّبا، وإنما ذكر الفعل؛ لأنّ الموعظة من المؤنث المجازي، ولأنّ الوعظ، والموعظة شيء واحد. ﴿فَانْتَهى:﴾
عن أكل الربا. ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ:﴾ تقدّم أخذه قبل التحريم، لا يسترد منه ما أخذه بعقد الربا.
﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ﴾ يعني: بعد النّهي، إن شاء عصمه؛ حتى يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله؛ حتى يعود إلى أكل الرّبا. وقيل: معناه: وأمره إلى الله فيما يأمره، وينهاه، ويحلّ له، ويحرم عليه، وليس له من أمر نفسه شيء، والمعنى في حق المسلم: فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ إلى أكل الرّبا بعد التّحريم، والنّهي. ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ،﴾ والآية تفيد تخليد آكل الرّبا في النار، وهذا مع الاستحلال؛ لأنّهم بالاستحلال صاروا كافرين؛ لأن من أحلّ ما حرّم الله- -فهو كافر، فلذا استحقّ الخلود، وبهذا تبيّن: أنّه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفاسقين في النّار.
هذا وبين (﴿أَحَلَّ﴾) و (﴿حَرَّمَ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية؛ أما الحرام في الأصل فهو كلّ ممنوع، والحرمات كلّ ممنوع منك ممّا بينك وبين غيرك. وقولهم: لفلان بي حرمة؛ أي:
أنا ممتنع من مكروهه، وحرمة الرّجل محظورة به من غيره، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فالمحروم: هو الممنوع من المال، والتلذّذ به، والإحرام بالحجّ، والعمرة: هو المنع من أمور معروفة في الفقه الإسلاميّ.
стр. 666
هذا وروى أبو داود-رحمه الله تعالى-عن عبد الله بن عمر-﵄، قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم».
وفسر أبو عبيدة الهرويّ «العينة» فقال: هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقلّ من الثمن الّذي باعها به، وسمّيت: عينة لحضور النقد لصاحب العينة، وذلك: أنّ العين هو المال الحاضر، والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. انتهى. قرطبي. وهي مذمومة، وحيلة لأكل الرّبا، ولذلك اعتبرها الرّسول ﷺ من الأمور الّتي تغضب الله تعالى، وتكون سببا لتسليط الذّلّ على المسلمين وإهانتهم حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى دينهم.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الرِّبا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقُومُونَ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿يَتَخَبَّطُهُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ متعلقان ب ﴿لا يَقُومُونَ،﴾ وقال أبو البقاء: متعلقان بالفعل ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، وتقدير الكلام:
لا يقومون إلا قياما مشابها قيام الّذي... إلخ.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة.
﴿الْبَيْعُ:﴾ مبتدأ. ﴿مِثْلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الرِّبا﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْبَيْعُ،﴾ والرابط: الواو. وإعادة (﴿الْبَيْعُ﴾) بلفظه للبيان،
стр. 667
والوضوح، وهي على تقدير «قد» قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال من ﴿الرِّبا﴾ والرابط: الواو. وإعادة ﴿الرِّبا﴾ بلفظه للبيان، والوضوح أيضا.
﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، والهاء مفعول به. ﴿مَوْعِظَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَوْعِظَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿سَلَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الاسمية: (له ﴿ما سَلَفَ﴾) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مِنَ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿مِنَ﴾) اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿جاءَهُ..﴾. إلخ صلته، والجملة الاسمية: (له ﴿ما سَلَفَ﴾) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَمْرُهُ:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿أَمْرُهُ﴾): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها.
﴿وَمَنْ عادَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَنْ عادَ﴾): إعراب الكلمتين مثل ما قبلهما.
﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾
مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وعلى اعتبار (من) موصولا؛ فهي في محل رفع خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل (أولئك)، والأول أقوى.
﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾
الشرح: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ أي: ينقصه، ويهلكه، ويذهب ببركته، قال ابن عباس-﵄: لا يقبل الله منه صدقة، ولا حجّا، ولا جهادا، ولا صلة رحم، بل ويعاقبه عليه،
стр. 668
قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال أيضا: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ وقال ابن مسعود-﵁: «الرّبا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ». وفي مسند الإمام أحمد يرويه ابن مسعود عن النبي ﷺ .
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ:﴾ يزيدها، ويكاثرها، ويضاعفها، ويبارك فيها، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلاّ الطيب، إلا أخذها الرّحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفّ الرّحمن حتّى تكون أعظم من الجبل، كما يربّي أحدكم فلوّه، أو فصيله» أخرجه مسلم، وتقدّم ما يشبهه برواية البخاريّ.
﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ يعني: كلّ مصرّ على كفره، مقيم عليه، مستحلّ لأكل الرّبا، ﴿أَثِيمٍ:﴾ متماد في الإثم، وقيل: المراد: الكفار ويحتمل أن يكون راجعا إلى مستحل الرّبا، و (الأثيم): يرجع إلى من يفعله مع اعتقاد التّحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين، وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: «لعن رسول الله ﷺ : آكل الرّبا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء»، رواه أحمد، وغيره، وعدّ الرّسول ﷺ أكل الرّبا من الكبائر السّبع، والسّبع الموبقات، والأحاديث المنفرة من الرّبا كثيرة مشهورة، ومسطورة، وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينّ على النّاس زمان، لا يبقى منهم أحد إلاّ آكل الرّبا، فإن لم يأكله؛ أصابه من غباره» رواه أبو داود، وابن ماجة.
تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية، لم يتعرّض لها المفسرون، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشّمول خاصّة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم ولم آخذ كلّ الدّراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ) وإن وقع النفي في حيزها، اقتضى السّلب عن كلّ فرد، كقول النبي ﷺ لمّا قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ ومثلها في سورة (الحديد) رقم [٢٣]، وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ،﴾ وما في الآية التي نحن بصدد شرحها حيث وقعت ﴿كُلَّ﴾ في حيز النفي، فتفيد: أن المنفي الشّمول، وأنّ البعض ثابت له المحبّة من الله. والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنّما يعوّل عليها عند عدم المعارض، وهو موجود هنا؛ إذ دلّ الدّليل، والإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشّريفة الكثيرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يَمْحَقُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الرِّبا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُرْبِي:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿يُرْبِي﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل
стр. 669
يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿الصَّدَقاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿كَفّارٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: كلّ شخص كفّار. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، والحالية، من لفظ الجلالة، وهو الأقوى، والرابط: الواو، وإعادة اسم الجلالة بلفظه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله، ورسوله، واليوم الآخر... إلخ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها، والتي منها تحريم الرّبا بأنواعه. هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها يوحي بأنّ العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بدون عمل، وهو ما أفاده قول الرّسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمّى مثل هذا في علم المعاني: احتراسا.
﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ:﴾ خصّ الصّلاة والزكاة بالذّكر، وقد تضمّنها عمل الصّالحات تشريفا لهما، وتنبيها على قدرهما؛ إذ هما رأس الأعمال: الصّلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.
ومعنى (﴿أَقامُوا الصَّلاةَ﴾): أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصّلاة. هذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتّسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وبيّن الله تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصائب الصّبر، والصّلاة، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الآية رقم [١٥٣]، وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة؛ هذا؛ والصلاة من العبد معناها: التضرّع والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرّحمة، وإنزال البركات.
وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأحزاب).
стр. 670
﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أدّوها، والإيتاء: الإعطاء، يقال: آتيته: أعطيته، قال الله تعالى، حكاية عن قول المنافق في سورة (التّوبة) رقم [٧٥]: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وأتيته بالقصر من غير مد بمعنى: جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ، ومنه الحديث ولآتينّ رسول الله ﷺ فلأخبرنّه. هذا؛ وأصل آتوا «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان:
الياء والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار «آتوا». ويقال في إعلاله أيضا: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (آتاوا) فاجتمع ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: آتوا، وبقيت الفتحة على التاء دليلا على الألف المحذوفة، وما ذكرته يجري في إعلال كلّ فعل ناقص، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا، هذا، وتحرك واو الجماعة بالضّمة إذا لقيها ساكن، كما في هذه الآية (آتوا) ولم تحرك بالكسرة؛ لأنّ الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره؛ ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: «لو اجتهدت؛ لنجحت». وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: ضمت؛ لأنّ الضّمة هنا أخفّ من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: غير ذلك.
هذا والزكاة في اللغة التطهير والإصلاح والنماء والمدح، يقال: زكا الزرع والمال، يزكو، إذا كثر وزاد، وسمي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه حيث ينمو بالبركة، قال تعالى في سورة سبأ رقم [٣٩]: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ كما يقال: زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق، الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس، وقد قال تعالى في سورة التوبة رقم [١٠٣] ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾.
والزكاة في الشرع: اسم لما يخرج من مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة الّتي بني عليها الإسلام، ومن ثمّ يكفر جاحدها على الإطلاق، أو في القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصدّيق-﵁، وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وزكاة الفطر لا يوجد نصّ صريح في القرآن عليها، إلا ما تأوّله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى،﴾ وتحدّثت عنها بعونه تعالى عند الكلام على آي الصيام.
هذا وأضيف: أنّ الزكاة قرينة الصّلاة، فقد روي: أنّ أعرابيّا جاء إلى ابن عباس-﵄، فقال له: يا بن عباس! أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن، علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدّين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصّلاة إلى الزّكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عبّاس-﵄: ذلك لتعلم أنّ الصلاة، والزّكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس، ورضي الله عن الصدّيق الذي سوّى
следующие страницы →