← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

هذا وروى أبو داود-رحمه الله تعالى-عن عبد الله بن عمر-﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم؛ حتى ترجعوا إلى دينكم». وفسر أبو عبيدة الهرويّ «العينة» فقال: هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمّى، ثم يشتريها منه بأقلّ من الثمن الّذي باعها به، وسمّيت: عينة لحضور النقد لصاحب العينة، وذلك: أنّ العين هو المال الحاضر، والمشتري إنّما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. انتهى. قرطبي. وهي مذمومة، وحيلة لأكل الرّبا، ولذلك اعتبرها الرّسول ﷺ من الأمور الّتي تغضب الله تعالى، وتكون سببا لتسليط الذّلّ على المسلمين وإهانتهم حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى دينهم. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿يَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿الرِّبا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَقُومُونَ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿يَقُومُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل. ﴿يَتَخَبَّطُهُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ متعلقان ب ﴿لا يَقُومُونَ،﴾ وقال أبو البقاء: متعلقان بالفعل ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، وتقدير الكلام: لا يقومون إلا قياما مشابها قيام الّذي... إلخ. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿الْبَيْعُ:﴾ مبتدأ. ﴿مِثْلُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الرِّبا﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْبَيْعُ،﴾ والرابط: الواو. وإعادة (﴿الْبَيْعُ﴾) بلفظه للبيان،

стр. 667

والوضوح، وهي على تقدير «قد» قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي في محل نصب حال من ﴿الرِّبا﴾ والرابط: الواو. وإعادة ﴿الرِّبا﴾ بلفظه للبيان، والوضوح أيضا. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: هو، والهاء مفعول به. ﴿مَوْعِظَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب ﴿مَوْعِظَةٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَلَهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (له): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿سَلَفَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والجملة الاسمية: (له ﴿ما سَلَفَ﴾) في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مِنَ﴾) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (﴿مِنَ﴾) اسما موصولا مبتدأ، فجملة: ﴿جاءَهُ..﴾. إلخ صلته، والجملة الاسمية: (له ﴿ما سَلَفَ﴾) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة لا محل لها. ﴿وَأَمْرُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَمْرُهُ﴾): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جزم مثلها. ﴿وَمَنْ عادَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مَنْ عادَ﴾): إعراب الكلمتين مثل ما قبلهما. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وعلى اعتبار (من) موصولا؛ فهي في محل رفع خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة، لما فيه من معنى الفعل، والرابط: الضمير فقط، وجوز اعتبارها خبرا ثانيا ل (أولئك)، والأول أقوى. ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ الشرح: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ أي: ينقصه، ويهلكه، ويذهب ببركته، قال ابن عباس-﵄: لا يقبل الله منه صدقة، ولا حجّا، ولا جهادا، ولا صلة رحم، بل ويعاقبه عليه،

стр. 668

قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال أيضا: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ وقال ابن مسعود-﵁: «الرّبا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ». وفي مسند الإمام أحمد يرويه ابن مسعود عن النبي ﷺ . ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ:﴾ يزيدها، ويكاثرها، ويضاعفها، ويبارك فيها، فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلاّ الطيب، إلا أخذها الرّحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفّ الرّحمن حتّى تكون أعظم من الجبل، كما يربّي أحدكم فلوّه، أو فصيله» أخرجه مسلم، وتقدّم ما يشبهه برواية البخاريّ. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ يعني: كلّ مصرّ على كفره، مقيم عليه، مستحلّ لأكل الرّبا، ﴿أَثِيمٍ:﴾ متماد في الإثم، وقيل: المراد: الكفار ويحتمل أن يكون راجعا إلى مستحل الرّبا، و (الأثيم): يرجع إلى من يفعله مع اعتقاد التّحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين، وخذ ما يلي: فعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: «لعن رسول الله ﷺ : آكل الرّبا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء»، رواه أحمد، وغيره، وعدّ الرّسول ﷺ أكل الرّبا من الكبائر السّبع، والسّبع الموبقات، والأحاديث المنفرة من الرّبا كثيرة مشهورة، ومسطورة، وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينّ على النّاس زمان، لا يبقى منهم أحد إلاّ آكل الرّبا، فإن لم يأكله؛ أصابه من غباره» رواه أبو داود، وابن ماجة. تنبيه: في الآية الكريمة مسألة بيانية، لم يتعرّض لها المفسرون، وهي ما إذا وقعت «كلّ» في حيز النفي؛ كان النفي موجها إلى الشّمول خاصّة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك: (ما جاء كلّ القوم ولم آخذ كلّ الدّراهم، وكلّ الدّراهم لم آخذ) وإن وقع النفي في حيزها، اقتضى السّلب عن كلّ فرد، كقول النبي ﷺ لمّا قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة يا رسول الله؟!: «كلّ ذلك لم يكن». وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ،﴾ ومثلها في سورة (الحديد) رقم [٢٣]، وقوله تعالى في سورة (ن): ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ،﴾ وما في الآية التي نحن بصدد شرحها حيث وقعت ﴿كُلَّ﴾ في حيز النفي، فتفيد: أن المنفي الشّمول، وأنّ البعض ثابت له المحبّة من الله. والجواب عن الآيات: أن دلالة المفهوم إنّما يعوّل عليها عند عدم المعارض، وهو موجود هنا؛ إذ دلّ الدّليل، والإجماع على تحريم الاختيال، والفخر، والحلف، والكفر مطلقا، ومستند هذا الإجماع الأحاديث الشّريفة الكثيرة، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَمْحَقُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الرِّبا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُرْبِي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يُرْبِي﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل

стр. 669

يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿الصَّدَقاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُلَّ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿كَفّارٍ:﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: كلّ شخص كفّار. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، والجملة الاسمية تحتمل العطف على ما قبلها، والاستئناف، والحالية، من لفظ الجلالة، وهو الأقوى، والرابط: الواو، وإعادة اسم الجلالة بلفظه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بالله، ورسوله، واليوم الآخر... إلخ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها، والتي منها تحريم الرّبا بأنواعه. هذا؛ وعطف العمل الصالح على الإيمان في الآية الكريمة وغيرها يوحي بأنّ العمل قرين الإيمان، وقد لا يجدي الإيمان بدون عمل، وهو ما أفاده قول الرّسول ﷺ : «الإيمان والعمل قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه» كما أنّ الإيمان مشروط لقبول العمل الصالح، ويسمّى مثل هذا في علم المعاني: احتراسا. ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ:﴾ خصّ الصّلاة والزكاة بالذّكر، وقد تضمّنها عمل الصّالحات تشريفا لهما، وتنبيها على قدرهما؛ إذ هما رأس الأعمال: الصّلاة في أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال. ومعنى (﴿أَقامُوا الصَّلاةَ﴾): أدّوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها، وسجودها، وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلّى، ولا يقال: أقام الصّلاة. هذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال، وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتّسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. هذا؛ وبيّن الله تعالى: أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب، والمصائب الصّبر، والصّلاة، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ الآية رقم [١٥٣]، وكان الرسول ﷺ إذا حزبه أمر؛ فزع إلى الصلاة؛ هذا؛ والصلاة من العبد معناها: التضرّع والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرّحمة، وإنزال البركات. وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأحزاب).

стр. 670

﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ أدّوها، والإيتاء: الإعطاء، يقال: آتيته: أعطيته، قال الله تعالى، حكاية عن قول المنافق في سورة (التّوبة) رقم [٧٥]: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وأتيته بالقصر من غير مد بمعنى: جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ، ومنه الحديث ولآتينّ رسول الله ﷺ فلأخبرنّه. هذا؛ وأصل آتوا «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار «آتوا». ويقال في إعلاله أيضا: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (آتاوا) فاجتمع ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: آتوا، وبقيت الفتحة على التاء دليلا على الألف المحذوفة، وما ذكرته يجري في إعلال كلّ فعل ناقص، مثل: نجا، ورمى، وسعى، ودعا، وغزا، هذا، وتحرك واو الجماعة بالضّمة إذا لقيها ساكن، كما في هذه الآية (آتوا) ولم تحرك بالكسرة؛ لأنّ الكسرة لا تناسبها، وقيل: حركت بالضم دون غيره؛ ليفرق بين الواو الأصلية وبين واو الجماعة في نحو قولك: «لو اجتهدت؛ لنجحت». وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة، وقيل: ضمت؛ لأنّ الضّمة هنا أخفّ من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو، وقيل: غير ذلك. هذا والزكاة في اللغة التطهير والإصلاح والنماء والمدح، يقال: زكا الزرع والمال، يزكو، إذا كثر وزاد، وسمي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه حيث ينمو بالبركة، قال تعالى في سورة سبأ رقم [٣٩]: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ كما يقال: زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة والإغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق، الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي ﷺ سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس، وقد قال تعالى في سورة التوبة رقم [١٠٣] ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾. والزكاة في الشرع: اسم لما يخرج من مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة الّتي بني عليها الإسلام، ومن ثمّ يكفر جاحدها على الإطلاق، أو في القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع عن أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصدّيق-﵁، وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة)، وزكاة الفطر لا يوجد نصّ صريح في القرآن عليها، إلا ما تأوّله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى،﴾ وتحدّثت عنها بعونه تعالى عند الكلام على آي الصيام. هذا وأضيف: أنّ الزكاة قرينة الصّلاة، فقد روي: أنّ أعرابيّا جاء إلى ابن عباس-﵄، فقال له: يا بن عباس! أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن، علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدّين، فقل لي بربك: لماذا قرن الله الصّلاة إلى الزّكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عبّاس-﵄: ذلك لتعلم أنّ الصلاة، والزّكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس، ورضي الله عن الصدّيق الذي سوّى

стр. 671

بين المرتدّين ومانعي الزكاة في المحاربة، والقتال، كما هو معلوم ومشهور، وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي، ﵀: [الكامل] أقم الصّلاة لوقتها بشروطها... فمن الضّلال تفاوت الميقات وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن... منه الأجلّ لأوجه الصّدقات في الأقربين وفي الأباعد تارة... إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات هذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى في غير هذا الموضع-: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث، فرّق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة، من قال: أطيع الله ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ،﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة، ولا أوتي الزكاة، والله يقول: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ». انتهى. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَعَمِلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، لا محل لهما أيضا. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مؤنث سالم، وهو صفة لموصول محذوف. ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٢٦٢] ففيها الكفاية، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [٢٥٤] ففيها الكفاية، فالله يأمر عباده المؤمنين بتقواه، وينهاهم عمّا يقرّبهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، والمعنى: خافوا الله، وراقبوه فيما تفعلون، ﴿وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإنذار. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدقين بما شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا، وغير ذلك. وقد ذكروا: أنّ هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عمير، من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلمّا جاء الإسلام، ودخلوا جميعا في الإسلام؛ طلبت ثقيف أن تأخذه منهم. فتشاوروا، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدّي الربا في الإسلام، فكتب عتّاب ابن أسيد والي مكة بعد فتحها إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ ،

стр. 672

فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الرّبا، فتركوه كلّهم. ذكره ابن جريج، ومقاتل، والسدّيّ. وخذ ما يلي: فعن عبادة بن الصامت-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد». أخرجه مسلم، رحمه الله تعالى. فنصّ رسول الله ﷺ على جريان الرّبا في هذه الأشياء الستّة. هذا وأما (ذر) فهو بمعنى: أعرض، واترك، والمستعمل من هذه المادة: المضارع، والأمر فقط، ومثله: (دع) ومضارعه: يدع، فكلا المادتين ناقص التصرّف، وهما بمعنى الترك والإعراض، وقد سمع سماعا نادرا الماضي منهما. فقالوا: ودع ووذر بوزن وضع، إلا أن ذلك شاذ في الاستعمال؛ لأن العرب كلهم إلا قليلا منهم أميت هذا الماضي من لغاتهم، وليس المعنى: أنهم لم يتكلموا به البتة، بل تكلموا به دهرا، ثمّ أماتوه بإهمالهم استعماله، فلمّا جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب؛ وجدوه مماتا، إلا ما سمع منه سماعا نادرا، فقد قرئ قوله تعالى في سورة (الضّحى): («ما ودعك ربّك وما قلى») بالتّخفيف، وقال الشاعر: [الطويل] وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراف المثقّفة السّمر وقال آخر: [الرمل] ليت شعري يا خليلي ما الّذي... نما له في الحبّ حتّى ودعه وقال الرسول ﷺ : «دعوا الحبشة ما ودعوكم». وسمع المصدر منه في قوله ﷺ : «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو لأحرّقنّ عليهم بيوتهم» أي: عن تركهم إيّاها، وسمع منه اسم الفاعل، واسم المفعول في أبيات من الشعر، قال خفاف بن ندبة-﵁: [الطويل] إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع وواعد مصدّق هذا رأي أكثر النّحاة. وقال محبّ الدين الخطيب شارح شواهد الكشّاف-رحمه الله تعالى-: فقد رويت هذه الكلمة، أي: (دع) عن أفصح العرب-يقصد النّبيّ ﷺ -ونقلت عن طريق القراء، فكيف تكون إماتة؟ وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة، وأضيف: إن كثيرا من النّحاة يقولون في ماضي: (عم ويعم) ما قيل في ماضي (دع، وذر) وخذ قول امرئ القيس وهو الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٨٥] من كتابنا فتح ربّ البرية: [الطويل] ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟ وهل يعمن من كان أحدث عهده... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال؟

стр. 673

الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾)، و (ها): حرف تنبيه لا محلّ له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه ولا يقال ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنّه حينئذ يجب نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من (أيّ) أو عطف بيان عليه. ﴿آمَنُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها، والجملة بعدها معطوفة عليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿بَقِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد أو الرابط، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، ﴿مِنَ الرِّبا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر. و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في ﴿ما،﴾ ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها. ﴿مُؤْمِنِينَ:﴾ خبر ﴿كُنْتُمْ:﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم مؤمنين؛ فاتقوا الله وذروا... إلخ، والجملة الشرطية لا محل لها كالجمل الّتي قبلها. ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ الشرح: بالإضافة لما ذكرته من سبب نزول الآيات، قيل: نزلت في العباس، وعثمان ﵄، وكانا قد أسلفا في التّمر، فلما كان وقت الجذاذ؛ قال صاحب التّمر لهما: إن أنتما أخذتما حقّكما لم يبق ما يكفي عيالي، فهل لكما أن تأخذا النّصف، وتؤخرا النصف، وأضعف لكما، ففعلا، فلمّا حلّ الأجل طلبا منه الزّيادة، فبلغ ذلك النّبي ﷺ ، فنهاهما، وأنزل الله هذه الآيات، فسمعا، وأطاعا. وأخذا رءوس أموالهما، وقال الرسول ﷺ في حجّة الوداع فيما رواه جابر-﵁-من إفراد مسلم رحمه الله تعالى: «ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد، فقتله بنو هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا؛ ربا عبّاس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كلّه».

стр. 674

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا:﴾ فإن لم تتركوا الرّبا، وتمتثلوا أمر الله، وأمر رسوله بذلك، وانظر ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها﴾ في الآية رقم [٢٦٥]. ﴿فَأْذَنُوا:﴾ فاعلموا، وأيقنوا، ويقرأ: («فآذنوا») بمد الهمزة وكسر الذال، ومعناه: فأعلموا غيركم. والفعل على القراءتين مأخوذ من الأذان، وهو الإعلام في اللّغة. ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ:﴾ محاربة الله للمرابي في النار يوم القيامة، فعن ابن عبّاس-﵄. قال: يقال لآكل الرّبا يوم القيامة: خذ سلاحك للحرب، ومحاربة الرّسول ﷺ له بالسّيف في الدّنيا، وهذا يقتضي أن يقاتل المرابي حتّى ينتهي عن الرّبا، ويعلن توبته، وقتاله كقتال البغاة. يروى: أن أصحاب الرّبا حين نزلت الآية الكريمة؛ قالوا: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، واكتفوا برءوس أموالهم، وأعلنوا توبتهم. ﴿لا تَظْلِمُونَ:﴾ غرماءكم بأخذ الزيادة على رأس المال. ﴿وَلا تُظْلَمُونَ:﴾ أنتم من قبلهم بالمطل، والنقصان، ويفهم منه: أنهم إن لم يتوبوا؛ فليس لهم رأس مالهم، وهو سديد على ما قلناه؛ إذ المصرّ على التّحليل مرتدّ، وماله فيء. انتهى. بيضاوي. تنبيه: لم يؤذن الله أحدا بالمحاربة غير آكل الرّبا، والمؤذي لأولياء الله الصّالحين، وخذ ما يلي: فقد روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى قال: من عادى لي وليّا، فقد آذنته بالحرب... إلخ». هذا والولي: هو الذي لم يفعل كبيرة، ولم يصرّ على صغيرة. هذا؛ ويقرأ الفعل: («ما بقي») بسكون الياء، ومثل هذا يرد في الشعر العربي، قال جرير في عبد الملك بن مروان، وهو الشاهد رقم [١١٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط] هو الخليفة فارضوا ما رضي لكمو... ماضي العزيمة ما في حكمه جنف وقال عمر بن أبي ربيعة، وهو الشاهد رقم [٣٤٧] من الكتاب المذكور: [البسيط] كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركمو... يا أشبه النّاس كلّ النّاس بالقمر إنّي لأجذل أن أمسي مقابله... حبّا لرؤية من أشبهت في الصّور الشاهد فيهما تسكين ياء (رضي) وياء (أمسي) مع أنّ الواجب تحريكها بالفتحة. هذا؛ وقرأ الحسن: («ما بقى») بالألف، وهي لغة طيّئ، ومنه قول الشاعر: [الطويل] لعمرك لا أخشى التّصعلك ما بقى... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وقيل: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ وهو في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي.

стр. 675

﴿فَأْذَنُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشّرط. (ائذنوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَرَسُولِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُبْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، والمتعلّق محذوف. ﴿فَلَكُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (لكم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿رُؤُسُ:﴾ مبتدأ مؤخر، وهو مضاف، و ﴿أَمْوالِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، والجملة الشرطية معطوفة على ما قبلها. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿تَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الضمير فقط. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ الشرح: ﴿وَإِنْ كانَ..﴾. إلخ: بعد خضوع أصحاب الدّيون لأمر الله، وأمر رسوله، حيث رضوا برءوس أموالهم، وتجاوزوا عن الرّبا، كما رأيت في الآية السابقة؛ طالبوا المدينين برءوس أموالهم، وألحّوا في الطّلب، فشكا المدينون الإعسار، وطلبوا الإمهال، والإنظار، فأبوا، فنزلت الآية الكريمة الّتي توجب الإنظار إلى اليسار، والسّعة، وتحثّ على الصدقة بإسقاط بعض الدّيون عن المعسرين، أو بإبرائهم منها، والإسقاط، أو الإبراء سنّة، وهو أفضل من الإمهال، وهو واجب، وهذا من المستثنيات من قاعدة: «الواجب أفضل من المندوب»، ومنه ابتداء السّلام سنّة، وهو أفضل من الردّ مع كونه واجبا، هذا، وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، انظر الالتفات في الآية رقم [٢٥٣]. هذا والعسرة: الضيق المالي، والفقر، والحاجة. والنّظرة: الإمهال، والانتظار، ومنه قوله تعالى في الآية رقم [١٠٤]: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا،﴾ وقال علقمة الفحل: [الطويل] فإنّكما إن تنظراني ساعة... من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب وقال عمرو بن كلثوم في معلّقته رقم [٢٠]: [الوافر]

стр. 676

أبا هند فلا تعجل علينا... وأنظرنا نخبّرك اليقينا ﴿إِلى مَيْسَرَةٍ:﴾ إلى زمن اليسار، وهو ضدّ الإعسار، وهو وجدان المال الذي يؤديه في دينه. ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدّين، فتتركوا رءوس أموالكم للمعسر خير لكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ أنّ التصدق خير لكم وأفضل؛ لأنّ فيه الثناء الجميل في الدّنيا، والثّواب الجزيل في العقبى، وخذ ما يلي: عن أبي قتادة-﵁: أنه طلب غريما له، فتوارى عنه، ثمّ وجده، فقال: إنّي معسر، قال: فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة؛ فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه»، أخرجه مسلم. وعن أبي اليسر-﵁-قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: «من أنظر معسرا، أو وضع عنه؛ أظلّه الله يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه» أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان فيمن قبلكم تاجر يداين النّاس، فإن رأى معسرا؛ قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلّ الله أن يتجاوز عنّا، فتجاوز الله عنه» متّفق عليه. الإعراب: ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض تام بمعنى: وجد، وحدث، مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿ذُو:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و ﴿عُسْرَةٍ:﴾ مضاف إليه. هذا؛ وقيل: ﴿كانَ﴾ ناقصة، وتكلف تقدير خبر لها، ولا داعي لهذا التكلّف. وقرئ: («كان ذا عسرة») وعليه فهي ناقصة، واسمها محذوف، التقدير: كان المدين ذا عسرة، و (ذا) خبرها منصوب، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وعلى كلّ فجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. هذا؛ ومن ورود «كان» تامة في الشّعر العربي قول الشاعر: [الطويل] فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي... إذا كان يوم ذو كواكب أشحب ﴿فَنَظِرَةٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (نظرة): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالواجب نظرة، أو مبتدأ خبره محذوف، التقدير: فعليكم نظرة، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، و (﴿إِنْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله لا محلّ له مثله. ﴿إِلى مَيْسَرَةٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (نظرة)، أو ب (نظرة). ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: واو الحال، (أن): حرف مصدري ونصب. ﴿تَصَدَّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا:﴾ في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبره. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾

стр. 677

وتقدير الكلام: صدقاتكم، أو تصدقكم خير لكم، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من تاء الفاعل في الآية السابقة، فلست مفندا، وهي حال مقدرة، والرابط: الواو والضمير، ويكون ما بينهما كلاما معترضا بين الحال وصاحبها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، التقدير: تعلمون: أنه خير، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كُنْتُمْ﴾ والجملة الفعلية لا محل لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كنتم تعلمون: أنه خير؛ فافعلوه، ونحو ذلك، والجملة الشرطية معترضة في آخر الكلام لا محل لها، الغرض منها الحثّ على الصّدقة، والتصدّق. ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ الشرح: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ خافوا، واحذروا، وأصله: اتّوقيوا، فأبدل من الواو تاء، ثمّ أدغمت التاء في التاء، وسكنت الياء بعد حذف ضمتها، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فصار (﴿اِتَّقُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. ﴿يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ:﴾ هو يوم القيامة الذي يحاسب الله فيه الناس على أعمالهم. ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ:﴾ تجزى كلّ نفس جزاء عملها. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص حسنة، أو زيادة سيّئة، وهذه الجملة تأكيد لما قبلها. روي عن ابن عبّاس-﵄: أنّها آخر آية نزل بها جبريل ﵇، وقال للرّسول ﷺ : ضعها في رأس المائتين والثّمانين من سورة البقرة، وعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقيل: أحدا وثمانين، وقيل: سبعة أيام، ثمّ توفي يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة الشّريفة، والآية تتضمّن الوعيد، والتهديد؛ ليستعدّ المؤمن ليوم الرّحيل من هذه الدّنيا الفانية. الإعراب: ﴿وَاتَّقُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿يَوْماً:﴾ مفعول به. ﴿تُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو نائب فاعله. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿يَوْماً،﴾ والرابط الضمير المجرور محلاّ ب (في). ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿تُرْجَعُونَ،﴾ وجملة: (﴿اِتَّقُوا..﴾.) إلخ معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢٧٨] لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿تُوَفّى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به

стр. 678

ثان. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا كسبته، وإن اعتبرت (﴿ما﴾) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: توفى كلّ نفس كسبها، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿تُرْجَعُونَ..﴾. إلخ فهي في محل نصب مثلها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ،﴾ وجمع الضمير لعوده على ﴿كُلُّ،﴾ والرابط: الواو والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ الشرح: لمّا ذكر الله تعالى الربا، وبيّن ما فيه من قبح وشناعة؛ لأنّه زيادة مقتطعة من عرق المدين، ولحمه، وهو كسب خبيث يمقته الإسلام، ويحرمه؛ أعقبه بذكر القرض الحسن بلا فائدة. وذكر الأحكام الخاصة بالدّين، والتّجارة والرّهن، وكلّها طريقة شريفة لتنمية المال، وزيادته بما فيه صلاح الفرد، والمجتمع. وآية الدين أطول آيات القرآن على الإطلاق مما يدلّ على عناية الإسلام بالنّظم الاقتصادية، وقد قال ابن جرير الطّبري عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه: أن أحدث القرآن بالعرش آية الدّين.

стр. 679

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ:﴾ قال ابن عباس-﵄: لمّا حرم الله الرّبا؛ أباح السّلم، وقال: أشهد أن السّلف المضمون إلى أجل مسمّى، قد أحلّه الله في كتابه، وأذن فيه. هذا وهي تتناول جميع المداينات إجماعا، وقال خويز منداد: إنّها تضمنت ثلاثين حكما. ﴿بِدَيْنٍ:﴾ تأكيد مثل قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وحقيقة الدّين عبارة عن كل معاملة، كان أحد العوضين فيها نقدا، والآخر في الذّمّة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدّين ما كان غائبا، قال الشاعر: [الوافر] لترم بي المنايا حيث شاءت... إذا لم ترمني في الحفرتين إذا ما أوقدوا حطبا ونارا... فذاك الموت نقدا غير دين ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: معين معلوم، قال ابن المنذر: دلّ قوله تعالى على أنّ السّلم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلّت السّنّة على مثل معنى كتاب الله، فقد ثبت: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، وهم يستلفون في الثّمار السّنتين، والثلاث، فقال رسول الله ﷺ : «من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس-﵄. وجوز المالكية السّلم إلى الحصاد، والجذاذ؛ لأن ذلك يختصّ بوقت، وزمن معلوم. ﴿فَاكْتُبُوهُ:﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة، والحفظ، فأمر العباد أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم، قال ابن جريج-رحمه الله تعالى-: من ادّان فليكتب، ومن ابتاع، فليشهد؛ فقد روى الإمامان: الحافظ ابن مردويه، والحاكم في مستدركه عن النبي ﷺ ، قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيّئة الخلق فلم يطلّقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلا مالا، فلم يشهد» قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وقال قتادة-﵀-ذكر لنا أنّ أبا سليمان المرعشي، كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعا إلى أجل، فلم يشهد، ولم يكتب، فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربّه، فلم يستجب له؛ لأنه قد عصى ربّه. ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة، ولا نقصان، ومن غير تقديم أجل، أو تأخيره. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون. ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ:﴾ ولا يمتنع كاتب من كتابة وثيقة بين المتداينين. واختلف في وجوب الكتابة على الكاتب، والشهادة على الشاهد، فأحسن ما قيل: إنه فرض

стр. 680

كفاية، وهو قول الشّعبي، فإن لم يوجد إلا واحد، وجب عليه ذلك، وقيل: هو على النّدب، والاستحباب، وذلك؛ لأن الله تعالى لمّا علمه الكتابة، وشرّفه بها، استحبّ له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم، ويشكر تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه، وهو المعتمد، ودليل ذلك: أنه يجوز له أن يتقاضى أجرا على كتابته، ولو كانت واجبة؛ لا يجوز له أخذ الأجرة عليها. هذا؛ و ﴿يَأْبَ:﴾ من الإباء، وهو الامتناع، أو أشدّه، وإباء الله: قضاؤه ألا يكون الأمر، أو عدم قضائه أن يكون، قال تعالى في سورة (التّوبة) رقم [٣٢]: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾. ويكون متعدّيا إن كان بمعنى: كره، ولازما إن كان بمعنى: امتنع، وهذا الفعل يتضمّن النفي، والإيجاب؛ لأنه بمعنى: لا يقبل إلا... إلخ. هذا؛ وأبى، يأبى من الباب الثالث شاذّ؛ لأنه لم يكن عينه أو لامه حرفا من حروف الحلق، ولم يجئ منه إلا قلى، يقلى، وغسى، يغسى، وجبى، يجبى، وعسى، يعسى. ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ أي: يلقي الذي عليه الحق، ويقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحقّ، فيذكر قدره، وجنسه، وصفة الأجل، ونحو ذلك. والإملال، والإملاء: لغتان فصيحتان معناهما واحد، تقول: أمللت، وأمليت. وجاء القرآن باللّغتين. ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليخف ربّه في إملائه على الكاتب. ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي: ولا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئا في الإملاء، فيكون جحودا لبعض حقّه. ﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً﴾ أي: جاهلا بالإملاء، وقيل: هو الطفل الصغير. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: السفيه: هو المبذر، المفسد لماله، ودينه. هذا، والسّفه: سخافة العقل. ومن ركب متن الباطل كان سفيها، فكل هذه المعاني يجوز إطلاقها على السّفه، والسّفيه. وانظر (سفه) في الآية رقم [١٣٠]. ﴿أَوْ ضَعِيفاً:﴾ صبيّا، أو شيخا عاجزا. هذا؛ والبذيء اللسان يسمى: سفيها؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهّال الناس، وأصحاب، العقول الخفيفة، والعرب تطلق السّفه على ضعف العقل تارة، وعلى ضعف البدن أخرى، قال الشاعر: [السريع] نخاف أن تسفه أحلامنا... ويجهل الدّهر مع الحالم وقال ذو الرّمّة: [الطويل] مشين كما اهتزّت رماح تسفّهت... أعاليها مرّ الرّياح النّواسم ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ أي: لا يقدر على الإملاء لخرس، أو جهل باللغة، أو لعيّه، أو جهله بأداء الكلام، أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب، أو يجهل بما له، أو عليه، فهؤلاء كلّهم لا يصحّ إقرارهم وإملاؤهم، فلا بدّ من أن يقوم غيرهم مقامهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ أي: ولي كلّ واحد من هؤلاء المحجور عليهم؛ لأنّه يقوم مقامه في صحة الإقرار،

стр. 681

والإملاء؛ وقال ابن عباس ﵄: المراد بالوليّ صاحب الدّين، يعني إن عجز الذي عليه الحق من الإملاء فليملل صاحب الحقّ؛ لأنه أعلم بحقه. ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ الاستشهاد: طلب الشهادة، وهي سنّة على المعتمد، رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية، والبدنية، والحدود، وجعل في كلّ فنّ شهيدين إلا في الزنى فإنّهم أربعة. و (﴿شَهِيدٌ﴾) بناء مبالغة، وقوله: (﴿رِجالِكُمْ﴾) نصّ في رفض شهادة الكفّار والصّبيان، والنّساء. والكفار يشهد بعضهم لبعض، وعلى بعض. وأمر الله بالاستشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة. ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ:﴾ فشهادة المرأتين تقوم مقام شهادة الرجل الواحد، وهذا إنّما يكون في الأموال، وما يقصد به المال عند الشافعي، وبما عدا الحدود، والقصاص عند أبي حنيفة، وأما الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء فتكفي شهادة أربع نسوة، وقد بين الله سبحانه السّبب بجعل شهادة المرأتين مقابل شهادة الرجل الواحد بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى:﴾ فالمرأة يغلب عليها النسيان، حتى لو نسيت إحداهما ذكرتها الأخرى، فتقول: حضرنا مجلس كذا، وسمعنا كذا، فيحصل بذلك الذكرى، وقد جعل ذلك من نقص العقل، كما قال مسلم رحمه الله تعالى عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ : أنه قال: «يا معشر النّساء! تصدّقن وأكثرن الاستغفار، فإنّي رأيتكنّ أكثر أهل النّار». فقالت امرأة منهنّ جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل، ودين أغلب لذي لبّ منكنّ» قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدّين؟ قال: «أمّا نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث اللّيالي لا تصلّي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدّين». وعن أبي سعيد-﵁، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في أضحى، أو في فطر. فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النّساء! تصدّقن، فإنّي أريتكنّ أكثر أهل النّار» فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكنّ» قلن: وما نقصان عقلنا، وديننا يا رسول الله؟ قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرّجل؟» قلن: بلى! قال: «فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ، ولم تصم؟» قلن: بلى! قال: «فذلك من نقصان دينها». ومن قول علي-﵁-في وصف النّساء: يتظلّمن، وهنّ الظّالمات، ويتمنّعن وهنّ الراغبات، لو صنعت مع إحداهنّ الخير الدّهر كلّه، ثم رأت ما يغير خاطرها، تقول: ما رأيت خيرا قطّ، وهذا تفسير لقول الرسول ﷺ : «تكفرن العشير». ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ أي: لا يمتنع الشهداء عن تحمّل الشّهادة إذا دعوا إلى تحمّلها، وذكرت آنفا: أن تحمّل الشهادة فرض كفاية. هذا، وفسر قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ﴾

стр. 682

﴿الشُّهَداءِ﴾ أي: ممن ترضون دينه، وخلقه، وأمانته، وهو ما يعبر عنه بالعدالة، وهي الاعتدال في الأحوال الدينية، وذلك يتمّ بأن يكون مجتنبا للكبائر، محافظا على مروءته، وغير مصرّ على الصغائر، ظاهر الأمانة غير مغفل هذا، وإذ قد شرط الله تعالى الرضا، والعدالة في المداينة، فاشتراطها عند الأئمّة في النّكاح أولى، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إنّ النّكاح ينعقد بشهادة فاسقين. ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ﴾ أي: لا تملّوا أن تكتبوا الحقّ على أيّ حال كان من القلّة، والكثرة إلى أجله، قال الأخفش: يقال: سئمت، أسأم، سأما، وسآمة وسآما، وسأمة وسأما، قال زهير في معلقته رقم [٥٨]: [الطويل] سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش... ثمانين حولا-لا أبا لك-يسأم ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ:﴾ أعدل. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ:﴾ أصح، وأحفظ. ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا:﴾ وأقرب إلى اليقين وعدم الريبة؛ لأنكم ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم. ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً..﴾. إلخ؛ أي: إذا كان البيع الحاضر يدا بيد؛ فلا حاجة إلى الكتابة لانتفاء المحذور، وهو التنازع، ومعنى ﴿تُدِيرُونَها:﴾ تعاطيها يدا بيد. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ..﴾. إلخ: فلا بأس ولا مؤاخذة. ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ:﴾ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقا، ناجزا، أو كالئا؛ لأنه أبعد من وقوع الاختلاف، وهو أمر ندب بلا شكّ، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضّحاك. قال: وقد باع النبي ﷺ وكتب، وقد باع ولم يشهد، واشترى، ورهن درعه عند يهودي، ولم يشهد، ولو كان الإشهاد واجبا؛ لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ:﴾ يحتمل الفعل البناء للفاعل، والبناء للمفعول، فالمعنى على الأول: لا يدخل الكاتب، والشاهد الضّرر على صاحب الحق، والمدين بزيادة أو نقص. وعلى الثاني: لا يدخل الضرر من صاحب الحق والمدين على الكاتب، والشهيد، بأن يدعى الشّاهد إلى الشهادة، والكاتب إلى الكتابة، وهما مشغولان؛ فإن اعتذرا بعذرهما؛ أخرجهما وآذاهما، وقال: خالفتما أمر الله. ونحو هذا من القول الفظ، فيضربهما. هذا؛ وعلى الأول فأصل الفعل: (يضارر) وعلى الثاني، فأصله: (يضارر) بفتح الراء الأولى، والأول بكسرها، ومثله قوله تعالى في الآية رقم [٢٣٣]: ﴿لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾. (﴿إِنْ تَفْعَلُوا﴾) يعني: المضارّة ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: معصية. فعن سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-قال: فالكاتب، والشاهد يعصيان بالزيادة، والنقصان، وذلك في الكذب المؤذي في الأموال، والأبدان، وفيه إبطال الحق، وكذلك إذايتهما إذا كانا مشغولين معصية، وخروج عن الصّواب من حيث المخالفة لأمر الله.

стр. 683

﴿وَاتَّقُوا اللهَ..﴾. إلخ: وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه، أي: يجعل في قلبه نورا يفهم به ما يلقى إليه، وقد يجعل الله في قلبه فرقانا؛ أي: فيصلا يفصل به بين الحق والباطل، ومنه قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٢٩]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً..﴾. إلخ. هذا وكرّر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث؛ لإدخال الرّوعة في القلوب، وتربية المهابة في النفوس. فائدة: العلم نوعان: كسبيّ، ووهبيّ، أما الأول؛ فيكون تحصيله بالاجتهاد، والمثابرة والمذاكرة، وأما الثاني؛ فطريقه: تقوى الله، والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾. وهذا العلم يسمّى العلم اللّدنّي، قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٦٦]: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ وهو العلم النافع الذي يهبه الله لمن يشاء من عباده المتقين، وإليه أشار الإمام الشّافعي رحمه الله تعالى بقوله: [الوافر] شكوت إلى وكيع سوء حفظي... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأنّ العلم نور... ونور الله لا يهدى لعاصي تنبيه: الآية الكريمة في بيع السّلم، أو السّلف عبارتان في معنى واحد، وقد جاء في حديث النبي ﷺ ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب: السّلم؛ لأن السّلف يقال على القرض، والسّلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهي النبي ﷺ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص ﷺ فيه؛ لأنه لمّا كان بيع معلوم في الذمّة، كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة واحد من المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثّمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبّانها لينفقه عليها، فظهر: أن بيع السلم من المصالح الحاجيّة، وقد سمّاه الفقهاء: بيع المحاويج، وللسّلم شروط متفق عليها، ومختلف فيها، وهي تسعة، ستّة في المسلم فيه، وثلاثة في رأس مال السّلم. أما الستة التي في المسلم فيه؛ فأن يكون في الذمّة، وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدّرا، وأن يكون مؤجّلا، وأن يكون الأجل معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الأجل، وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم فأن يكون معلوم الجنس، وأن يكون مقدّرا، وأن يكون نقدا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وهذه الشروط في المذهب المالكي، وخذها في المذهب الشافعي، وهي ما يلي: قال أبو شجاع رحمه الله تعالى: ويصحّ السّلم حالا، ومؤجّلا فيما تكامل فيه خمسة شرائط: أن يكون مضبوطا بالصّفة، وأن يكون جنسا لم يختلط فيه غيره، ولم تدخله النار لإحالته، وأن لا يكون معينا، ولا من معين. ثمّ لصحة المسلم فيه ثمانية شرائط، وهو أن يصفه بعد ذكر جنسه، ونوعه

стр. 684

بالصفات؛ التي يختلف بها الثّمن، وأن يذكر قدره بما ينفي الجهالة وإن كان مؤجّلا ذكر وقت محله، وأن يكون موجودا عند الاستحقاق في الغالب عنه، وإن يذكر موضع قبضه، وأن يكون الثمن معلوما، وأن يتقابضا قبل التفرق، وأن يكون عقد السّلم ناجزا، لا يدخله خيار الشرط. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [٢٧٨] فإعرابها مثله. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿تَدايَنْتُمْ:﴾ فعل وفاعل. ﴿بِدَيْنٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلى أَجَلٍ:﴾ متعلقان به أيضا، وقيل: متعلقان بمحذوف صفة (دين)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح. ﴿مُسَمًّى:﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها، ﴿فَاكْتُبُوهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿إِذا،﴾ (اكتبوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله. والهاء مفعوله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محل له؛ لأنه مبتدأ كالجملة الندائية قبله، ﴿وَلْيَكْتُبْ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كاتِبٌ:﴾ فاعله. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان ب ﴿كاتِبٌ:﴾ أو بمحذوف صفة له، وقيل: الباء زائدة، و (العدل) مفعول به، والأول أولى بالاعتبار، والجملة الفعلية: ﴿وَلْيَكْتُبْ..﴾. إلخ معطوفة على جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها مثله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يَأْبَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها. ﴿كاتِبٌ:﴾ فاعله. ﴿أَنْ يَكْتُبَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى ﴿كاتِبٌ،﴾ و ﴿أَنْ يَكْتُبَ:﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، إن كان ﴿يَأْبَ﴾ بمعنى يكره؛ أي: يكره الكتابة، وفي محل نصب بنزع الخافض إن كان بمعنى: يمتنع؛ أي: يمتنع من الكتابة، وجملة: ﴿وَلا يَأْبَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما): مصدرية. ﴿عَلَّمَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف. ﴿اللهُ:﴾ فاعل. و (ما) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: أن يكتب كتابة كائنة مثل تعليم الله له، ويجوز اعتبار (ما) اسما موصولا مجرورا بالكاف، ويكون التقدير أن يكتب كتابة كائنة مثل الّتي علمه الله إيّاها، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدّم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها.

стр. 685

﴿فَلْيَكْتُبْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليكتب): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، والفاعل يعود إلى ﴿كاتِبٌ،﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: (ليكتب...) إلخ، وهي مؤكدة لها. ﴿وَلْيُمْلِلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة، لا محل لها. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صلة الموصول، و ﴿الْحَقُّ:﴾ فاعلا بالجار والمجرور؛ أي: بمتعلقه، التقدير: ليملل الّذي استقر عليه الحق. ﴿وَلْيَتَّقِ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى الّذين. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿رَبَّهُ:﴾ بدل منه، أو عطف بيان عليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿وَلا يَبْخَسْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. (﴿مِنْهُ﴾): جار ومجرور متعلقان به. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. هذا؛ ويجوز تعليق الجار والمجرور ﴿مِنْهُ﴾ بمحذوف حال من ﴿شَيْئاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع اسم ﴿كانَ﴾. ﴿عَلَيْهِ الْحَقُّ:﴾ مثل سابقه بلا فارق. ﴿سَفِيهاً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿أَوْ ضَعِيفاً:﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الذي، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿سَفِيهاً،﴾ التقدير: أو كان غير مستطيع. ﴿أَنْ يُمِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والفاعل يعود إلى الذي. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع توكيد للفاعل المستتر، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به. ﴿فَلْيُمْلِلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليملل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿وَلِيُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل، أو إضافة الصفة المشبهة للمفعول، والفاعل مستتر تقديره: هو. ﴿بِالْعَدْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز اعتبار الباء زائدة، فيكون العدل مفعولا به مجرورا لفظا، منصوبا محلاّ، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد، والجملة الشرطية مفرعة، ومعطوفة على ما قبلها لا محلّ لها أيضا.

стр. 686

﴿وَاسْتَشْهِدُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (استشهدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿شَهِيدَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِنْ رِجالِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف صفة ﴿شَهِيدَيْنِ،﴾ والأولى تعليقهما ب ﴿شَهِيدَيْنِ؛﴾ لأنه مبالغة اسم فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُونا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لَمْ،﴾ وهو في محل جزم فعل الشرط، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وألف الاثنين اسمه. ﴿رَجُلَيْنِ:﴾ خبره منصوب... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها مثل ما تقدّم. ﴿فَرَجُلٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (رجل): مبتدأ. ﴿وَامْرَأَتانِ:﴾ معطوف عليه مرفوع مثله، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿مِمَّنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (رجل ﴿وَامْرَأَتانِ﴾) أي: كائنون من، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: من الذين ترضونهم. ﴿مِنَ الشُّهَداءِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا به. هذا؛ وخبر المبتدأ محذوف؛ إذ التقدير: يشهدون. هذا؛ وجوز اعتبار (رجل ﴿وَامْرَأَتانِ﴾) خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: فالمستشهد رجل... إلخ، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط... إلخ، وعليه فالجملة الجوابية فعلية. تأمّل. و (﴿أَنْ﴾) ومدخولها كلام معطوف ومفرع عما قبله، لا محل لها من الإعراب. ﴿تَضِلَّ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ والمصدر المؤول منهما في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بضلال، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وتعدّد النساء لأجل ضلال إحداهما، وهذا كلام محمول على المعنى، التقدير: وتعدّد النساء لأن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلّت. أو لضلالها. انتهى عكبري بتصرف كبير. أقول: ولا مانع من اعتبار تعدّد المقدّر فعلا ماضيا، والنّساء المقدّر أيضا فاعلا به، والجار والمجرور «لضلال» متعلقين بالفعل الماضي، فتكون الجملة فعلية. هذا؛ وقال مكي: الجار والمجرور متعلقان بالفعل «يشهدون» المقدّر خبرا، واعتبر اللام المقدرة للعاقبة مثل قوله عبد الله بن الزّبعرى: وهو الشاهد رقم [٣٨٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [المتقارب] فإن يكن الموت أفناهم... فللموت ما تلد الوالده وأرى أن لا وجه له. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعل ﴿تَضِلَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم والألف حرفان دالان على التثنية.

стр. 687

﴿فَتُذَكِّرَ:﴾ معطوف على ﴿تَضِلَّ﴾ منصوب مثله. ﴿إِحْداهُما:﴾ فاعله. ﴿الْأُخْرى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. هذا؛ وقرئ: (﴿أَنْ﴾) بكسر الهمزة على أنها حرف شرط جازم، ويكون ﴿تَضِلَّ﴾ فعل الشرط مجزوما، وحرك بالفتحة على قاعدة المضعّف، كما يقرأ («تذكر») بالرفع على أن الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهي تذكر، والجملة الاسمية هذه في محل جزم جواب الشرط، على حد قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٩٥]: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ،﴾ والجملة الشرطية: ﴿أَنْ تَضِلَّ..﴾. إلخ فيها معنى التعليل. وقال القرطبيّ، ومكيّ: في محل رفع صفة (﴿اِمْرَأَتانِ﴾). هذا؛ وأقول: إن معنى القراءتين يختلف فالفتح على معنى التعليل، والكسر على معنى: إن وقع ضلال فالضلال منتظر. ومثل ذلك قول الفرزدق، وهو الشاهد رقم [٢٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» حيث يروى بفتح الهمزة وكسرها، وخذه: [الطويل] أتغضب إن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا، ولم تغضب بقتل ابن حازم؟ ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ:﴾ انظر مثله فيما تقدّم، والجملة الفعلية معطوفة على ما تقدّم. ﴿إِذا:﴾ انظر إعرابها في أول الآية. ﴿ما:﴾ صلة. ﴿دُعُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، على المشهور المرجوح، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إذا ما دعوا للشهادة فلا يأبوا تحملها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿إِذا﴾ مجردة من الشرطية فتكون ظرفا متعلقا بالفعل قبلها، ولا تحتاج إلى جواب. ﴿وَلا تَسْئَمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به. ﴿صَغِيراً:﴾ حال من الضمير المنصوب، وقيل: خبر ل «كان» محذوفة، وليس بشيء. ﴿كَبِيراً:﴾ معطوف عليه. ﴿إِلى أَجَلِهِ﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، أي: مستقرّا في ذمّة المدين إلى وقت حلوله، وقيل: متعلقان بالفعل قبلهما، ولا وجه له لعدم استمرار الكتابة إلى أجله؛ إذ تنتهي في زمن يسير، قاله أبو حيان، وهو في مغني اللّبيب، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ذلِكُمْ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَقْسَطُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿أَقْسَطُ،﴾ و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَقْوَمُ﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِلشَّهادَةِ:﴾ متعلقان ب (﴿أَقْوَمُ﴾)، وفيه وفي سابقه ضمير مستتر هو فاعل لهما.

стр. 688

﴿وَأَدْنى:﴾ معطوف على (﴿أَقْوَمُ﴾) مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذّر. ﴿أَلاّ:﴾ (أن) حرف ناصب. (لا): نافية. ﴿تَرْتابُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، وعلامة نصبه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أدنى في عدم الرّيب والشّكّ. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ تَكُونَ:﴾ فعل مضارع ناقص منصوب ب ﴿أَنْ،﴾ واسمه محذوف لعلمه من المقام؛ إذ التقدير: إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة. وقال الزمخشري رحمه الله تعالى: التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب: [الطويل] بني أسد هل تعلمون بلاءنا؟ ... إذا كان يوما ذا كواكب أشفعا أي: إذا كان اليوم يوما. هذا؛ ويقرأ برفع («تجارة») على أنّ ﴿تَكُونَ﴾ تام بمعنى تحصل، أو تقع، و («تجارة») فاعله، و («حاضرة») صفة تجارة، والمصدر من (﴿أَنْ تَكُونَ﴾) في محل نصب على الاستثناء من الجنس؛ لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة، واستثنى منها التجارة الحاضرة، والتقدير: إلا في حال حضور التجارة، وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: المصدر المؤول في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، والأول أصوب. ﴿تُدِيرُونَها:﴾ فعل مضارع، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب، أو في محل رفع صفة ثانية ل ﴿تِجارَةً﴾ ويجوز أن تكون في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم. هذا؛ وقيل: الجملة في محل نصب خبر ﴿تَكُونَ﴾ على رفع (﴿تِجارَةً﴾) واعتبار الفعل ناقصا. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (ليس) مقدم. ﴿جُناحٌ:﴾ اسمها مؤخر. ﴿أَلاّ تَكْتُبُوها:﴾ إعرابه مثل: ﴿أَلاّ تَرْتابُوا﴾ والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: في عدم الكتابة، والجار والمجرور متعلقان ب ﴿جُناحٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. وجملة: ﴿فَلَيْسَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة من قوله: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً..﴾. إلخ، والسببية فيها واضحة، أفاده سليمان الجمل، أي: تسبب عن ذلك رفع الجناح في عدم الكتابة. ﴿وَأَشْهِدُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِذا:﴾ انظر مثلها في أول الآية ﴿تَبايَعْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إذا تبايعتم؛ فأشهدوا، ويجوز أن تكون ظرفا مجردا عن الشرطية، فلا تحتاج إلى جواب، ويكون المعنى: افعلوا الشهادة وقت التبايع. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿يُضَارَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وحركت الراء بالفتحة للخفّة. ﴿كاتِبٌ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: لا يضار كاتب أحد المتداينين، وهذا على اعتبار الفعل مبنيّا

стр. 689

للمعلوم، وعلى اعتباره مبنيّا للمجهول، ف ﴿كاتِبٌ:﴾ نائب فاعله، وعلى فك الفعل فالجزم ظاهر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿شَهِيدٌ:﴾ معطوف على ﴿كاتِبٌ﴾. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أَنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: المضارة، والجملة الفعلية لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿فُسُوقٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿بِكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿فُسُوقٌ﴾)، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ﴾ في محل جزم جواب الشرط، و (إنّ) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر وفاعله. (الله) منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: وهو يعلمكم الله، والجملة الاسمية في محل نصب حال من لفظ الجلالة. هذا ورجّح الاستئناف على الحالية. ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ الشرح: لما ذكر الله تعالى النّدب إلى الإشهاد، والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان؛ عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرّهن، ونصّ من أحوال العذر على السّفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيّما في ذلك الوقت لكثرة الغزو. ويدخل في ذلك بالمعنى كلّ عذر، فربّ وقت يتعذّر فيه الكاتب في الحضر، كأوقات أشغال الناس، وباللّيل، وأيضا فالخوف على خراب ذمّة الغريم عذر، يوجب طلب الرهن، ولا سيما في هذا الزمن. وقد رهن النّبيّ ﷺ درعه عند يهوديّ طلب منه سلف الشّعير، فقال: إنما يريد محمد أن يذهب بمالي، فقال ﷺ : «كذب إنّي لأمين في الأرض، أمين في السّماء، ولو ائتمنني لأدّيت، اذهبوا إليه بدرعي» فمات، ودرعه ﷺ مرهونة عند اليهوديّ بثلاثين صاعا من شعير لأهله. أخرجه النّسائيّ من حديث ابن عباس-﵄، وفي الصحيحين عن عائشة، وأنس ما يشبه ذلك، واسم اليهودي: أبو الشّحم. هذا وفي النّفس من هذا الرّهن شيء، ما الذي ألجأ الرّسول ﷺ إلى ذلك، والمسلمون فدوه بأرواحهم، وأموالهم، وعند وفاته ﷺ كان بعض المسلمين أثرياء، كعثمان وعبد الرحمن بن

стр. 690

عوف، وكثير من الأنصار كانوا على جانب عظيم من الثّراء. فكيف رضي المسلمون بهذا الرّهن، ولا سيّما بعد أن تفوه اليهوديّ بما تفوّه به، لا أجد تفسيرا لذلك؛ إلا أن النبي ﷺ أراد أن يضرب مثلا لحلّ معاملة أهل الكتاب بالبيع، والشّراء، والرّهن، وغير ذلك من أنواع المعاملات. والله أعلم. هذا؛ والرهن: احتباس العين وثيقة بالحقّ، ليستوفى الحقّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم. وهو في اللّغة بمعنى الدّوام، والثبوت، والاستمرار. هذا؛ وبما أن الرّهن وثيقة لوفاء الدّين، لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون، فقد أخرج الدّارقطني عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغلق الرّهن، ولصاحبه غنمه وعليه غرمه»، المعنى: لصاحبه منفعته، وعليه نفقته، ومصروفه. قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا: أنّ لبن الرهن، وظهره للرّاهن. هذا وغلق الرّهن في يد مرتهنه: إذا لم يفتكّ. قال الشاعر: [الطويل] أجارتنا من يجتمع يتفرّق... ومن يك رهنا للحوادث يغلق وقال زهير بن أبي سلمى: [البسيط] وفارقتك برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأمسى الرّهن قد غلقا ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي: فإن كان الّذي عليه الحقّ أمينا عند صاحب الحقّ، ولم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به. ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ المعنى: فليؤد المدين الّذي عليه الحقّ، والذي كان أيضا في ظنّ الدّائن، الذي هو صاحب الحقّ أمينا، ﴿أَمانَتَهُ﴾ أي: حقّه، وسمى الدّين: أمانة-وإن كان مضمونا-لائتمانه عليه؛ حيث أمن من جحوده، فلم يكتب، ولم يشهد عليه، ولم يأخذ منه رهنا، وهذا حثّ للمدين على أن يكون عند حسن ظنّ الدائن الذي ائتمنه، وأن يؤدي إليه حقّه، الذي ائتمنه عليه. ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ أي: المدين في أداء الحقّ عند حلول الأجل من غير مماطلة، ولا جحود، بل يعامله معاملة حسنة، كما أحسن ظنّه فيه، وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أخذ أموال النّاس، يريد أداءها؛ أدّى الله عنه، ومن أخذ أموال النّاس يريد إتلافها؛ أتلفه الله». رواه البخاريّ، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا!. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله وكيلا! قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمّى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبه يقدم عليه للأجل الذي أجّله، فلم يجد

стр. 691

مركبا، فأخذ خشبة، فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبها، ثمّ زجّج موضعها، ثمّ أتى بها البحر، فقال: اللهم إنّك تعلم أنّي تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا! فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا! فرضي بك، وإنّي جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإنّي أستودعكها! فرمى بها في البحر؛ حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا الخشبة الّتي فيها المال، فأخذها حطبا لأهله، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه! قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الذي بعثته في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدا»، رواه البخاريّ معلقا مجزوما، والنّسائي، وغيره مسندا. ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أي: إذا دعيتم إلى إقامتها، وأدائها، وذلك لأنّ الشاهد متى امتنع من إقامة الشّهادة، وكتمها؛ فقد أبطل بذلك حقّ صاحب الحقّ، فلهذا نهى عن كتمان الشهادة! وبالغ في الوعيد عليه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي: فاجر قلبه، وإنما أضيف الإثم إلى القلب؛ لأن الأفعال من الدّواعي، والصّوارف إنما تحدث في القلب، فلمّا كان الأمر كذلك؛ أضيف الإثم إلى القلب، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان الشّهادة، فإنّه تعالى، قال: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله من ذلك! انتهى. خازن. وقال النسفي-رحمه الله تعالى-: وإنّما أسند إلى القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؛ لأنّ كتمان الشهادة إنّما يضمرها في القلب، ولا يتكلّم بها، فلمّا كان إثما مقترفا مكتسبا بالقلب؛ أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، كما تقول: هذا مما أبصرته عيني، وممّا سمعته أذني، وممّا عرفه قلبي، ولأن القلب رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإن فسدت؛ فسد الجسد كلّه، فكأنه قيل: فقد تمكّن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان منه، ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسّيئات، الإيمان، والكفر، وهما من أفعال القلوب؟! وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب؛ فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب، وعن ابن عباس-﵄-قال: أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وشهادة الزّور، وكتمان الشّهادة، وهو مأخوذ من قول الرسول ﷺ وهو ما يلي: فعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من كتم شهادة إذا دعي إليها، كان كمن شهد بالزّور» رواه البخاريّ.

стр. 692

وعن أبي بكر-﵁، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثا): الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزّور، ألا وشهادة الزّور، وقول الزور، وكان متكئا فجلس، فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت!» رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ. هذا وقال تعالى حكاية عن قول الشّاهدين العدلين: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ رقم [١٠٦] من سورة (المائدة). هذا؛ ولا تنس: أنّ الله تعالى قد قرن شهادة الزور بعبادة الأوثان، والأصنام، قال جلّ ذكره في سورة الحج رقم [٣٠]: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ:﴾ فيه تهديد، ووعيد للذين لا يقومون بأداء الشّهادة على وجهها. الإعراب: (إن): حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿عَلى سَفَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان)، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كاتِباً:﴾ مفعول به، وفي الجملة الفعلية ثلاثة أوجه: أحدها: أنها معطوفة على جملة فعل الشرط، الثاني: أنها عطف على خبر (كان)، الثالث: أنها في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وأضعفها أولها، وأقواها ثانيها. ﴿فَرِهانٌ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (رهان): خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فالوثيقة رهان، أو هو مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: فرهان مقبوضة تستوثقون بها، وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. و (إن) ومدخولها كلام معطوف على ما في الآية السابقة. (إن): حرف شرط جازم. ﴿أَمِنَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. ﴿بَعْضُكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْضاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها... إلخ، ﴿فَلْيُؤَدِّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليؤد): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله. ﴿اُؤْتُمِنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلته، لا محل لها. ﴿أَمانَتَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية: (ليؤد...) إلخ في محل جزم جواب الشرط... إلخ، و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف، لا محل له على الاعتبارين، وجملة: ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿رَبَّهُ:﴾ بدل مطابق من لفظ الجلالة، أو عطف بيان عليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.

стр. 693

﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَكْتُمُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الشَّهادَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْتُمْها:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾)، والهاء مفعول به. ﴿فَإِنَّهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿آثِمٌ:﴾ خبر (إنّ). ﴿قَلْبُهُ:﴾ فاعل ب ﴿آثِمٌ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، وجوز اعتبار ﴿آثِمٌ﴾ خبرا مقدما، و ﴿قَلْبُهُ:﴾ مبتدأ مؤخرا، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ). هذا؛ وجوز اعتبار ﴿آثِمٌ﴾ مبتدأ، و ﴿قَلْبُهُ﴾ فاعلا سادا مسد خبره، ويحصل جملة في محل رفع خبر (إنّ)، كما جوز اعتبار ﴿قَلْبُهُ﴾ بدلا من ﴿آثِمٌ،﴾ بدل البعض من الكل، أو بدلا من الضمير المستتر في ﴿آثِمٌ،﴾ وهذان ضعيفان. هذا؛ وقرئ بنصب: («قلبه») على أنّه مفعول ب ﴿آثِمٌ﴾ وقال ابن هشام في المغني: والصّواب: أنه مشبه بالمفعول به لحسن وجهه أو بدل من اسم (إنّ) وعلى جميع الوجوه فجملة: (إنه...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط، وقيل: جملة الجواب، وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، و ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٢٧١]. خاتمة: قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لمّا أمر الله تعالى بالكتب والإشهاد، وأخذ الرّهان؛ كان ذلك نصّا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال، وتنميتها، وردّا على الجهلة المتصوفة، ورعاعها الّذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم، ولا يتركون كفاية لأنفسهم، وعيالهم، ثمّ إذا احتاج، وافتقر عياله؛ فهو إما أن يتعرّض لمنن الإخوان، أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدّنيا، وظلمتهم، وهذا الفعل مذموم منهيّ عنه، قال أبو الفرج الجوزي: ولست أعجب من المتزهدين الّذين فعلوا هذا مع قلّة علمهم، إنما أتعجب من أقوام لهم علم، وعقل: كيف حثّوا على هذا، وأمروا به مع مضادّته للشّرع، والعقل، وممّا يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها، قال ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد... إلخ» الحديث بطوله أخرجه أبو داود، وغيره عن سعيد بن زيد-﵁. أقول: وليت متصوفة هذه الأيام يفعلون ما فعل أولئك، ولكنّهم بالعكس؛ انكبّوا على الدنيا، وأخذوا يسلبون، وينهبون، ويجرون في ركاب الظّالمين. ويتكلّمون باسم الدّين الحنيف، يحسّنون القبيح، ويقبّحون الحسن. واتخذوا اللّحى، والعمائم مصيدة للدّنيا، إلا من رحم ربّك، وحفظه وتولاه، ولا حول، ولا قوة إلا بالله!.

стр. 694

﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ الشرح: ﴿لِلّهِ ما فِي..﴾. إلخ؛ أي: كلّ ما فيهما ملك لله تعالى خلقا، وعبيدا، وفي ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنّهم أكثر، وقال الجمل: في هذه الآية استدلال على قوله: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ،﴾ فاستدلّ بسعة ملكه على سعة علمه. ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ تظهروا ما في أنفسكم من السّوء، والعزم عليه. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ:﴾ تسرّوه في قلوبكم، وضمائركم. هذا؛ وما يخطر على البال، وتتحدّث به النفس له مراتب خمسة: القصد، والهاجس، والخاطر، وهمّ، وعزم، فنظمها بعضهم في قوله: [البسيط] مراتب القصد خمس هاجس ذكروا... وخاطر فحديث النّفس فاستمعا يليه همّ فعزم كلّها رفعت... سوى الأخير، ففيه الأخذ قد وقعا في الآية الكريمة أقوال كثيرة، أكتفي بقولين: الأوّل: أنها منسوخة بالآية التالية قاله كثير من الصحابة والتابعين، وذلك: أنّه لمّا نزلت اشتد ذلك على الصّحابة، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم جثوا على الرّكب، وقالوا: يا رسول الله! كلّفنا من الأعمال ما نطيق: الصّلاة، والصّيام، والجهاد، والصّدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا، وعصينا؟! بل قولوا: سمعنا، وأطعنا، غفرانك ربّنا وإليك المصير» فلمّا أقرّ بها القوم، وذلّت بها ألسنتهم؛ أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ..﴾. إلخ، فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾. القول الثاني: أنّها محكمة غير منسوخة، والله يحاسب خلقه على ما عملوا من عمل، وعلى ما لم يعملوه ممّا ثبت في نفوسهم، وأضمروه، ونووه، وأرادوه، فيغفر للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر، والنّفاق، ذكره الطّبريّ عن قوم، فقد روي عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس-﵄: أنه قال: لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول: «إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم، فأمّا المؤمنون، فيخبرهم، ثمّ يغفر لهم، وأمّا أهل الشّكّ والرّيب؛ فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله: ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ..﴾. إلخ، وهو قوله : ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ من الشكّ، والنّفاق، وقال الضحاك: يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسرّه؛ ليعلم: أنّه لم يخف عليه، وفي الخبر: «إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى فيه

стр. 695

السّرائر، وتخرج الضمائر، وأن كتّابي لم يكتبوا إلاّ ما ظهر من أعمالكم، وأنا المطّلع على ما لم يطّلعوا، ولم يخبروه، ولم يكتبوه، فأنا أخبركم به، وأحاسبكم عليه، فأغفر لمن أشاء، وأعذّب من أشاء، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين». وهذا أصحّ ما في الباب. انتهى قرطبي. وروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك: أنه قال: هي محكمة، لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك، واحتجّ على أنّه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنّه تعالى قد يحاسب، ويغفر، وقد يحاسب، ويعاقب بالحديث الذي رواه قتادة عن صفوان بن محرز-﵁، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر-﵄، وهو يطوف؛ إذ عرض له رجل، فقال: يا بن عمر! ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النّجوى؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدنو المؤمن من ربّه حتّى يضع عليه كنفه، فيقرّره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربّ أعرف-مرّتين-حتّى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ. قال: فإنّي قد سترتها عليك في الدّنيا، وإنّي أغفرها لك اليوم» قال: فيعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه، وأمّا الكفار، والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الأشهاد: ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ رواه مسلم رحمه الله تعالى. هذا؛ وبين ﴿تُبْدُوا﴾ و ﴿تُخْفُوهُ﴾ وبين (يغفر) و (﴿يُعَذِّبُ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية. الإعراب: ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي وجد، أو سيوجد. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتقديره. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تُبْدُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون نيابة عن السّكون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في أنفسكم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُخْفُوهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله... إلخ، والهاء مفعول به. ﴿يُحاسِبْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعول به. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿فَيَغْفِرُ:﴾ يقرأ هذا الفعل بالجزم، والنّصب، والرفع، فالجزم بالعطف على جواب الشرط، والنصب على إضمار «أن» بعد الفاء على اعتبارها للسّببية، وعليه، فتؤوّل «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من الفاعل السّابق، والرفع على الاستئناف؛

стр. 696

أي: على اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يغفر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وفاعل (يغفر) على جميع الاعتبارات يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ وما ذكرته في الآية الكريمة من وجوه الإعراب مقرّر في القواعد النّحوية كما يلي: «إذا عطف مضارع بالواو أو بالفاء على فعل الشرط يجوز جزمه، ونصبه، وإذا عطف على الجواب مضارع بالواو، أو بالفاء يجوز جزمه، ونصبه، ورفعه»، وخذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز] والفعل من بعد الجزا إن يقترن... بالفا أو الواو بتثليث قمن وجزم أو نصب لفعل إثر فا... أو واو ان بالجملتين اكتنفا ومن شواهده الشّعرية قول الشّاعر: [الوافر] فإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع النّاس والشّهر الحرام وتأخذ بعده بذناب عيش... أحبّ الظّهر، ليس له سنام ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (من): تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو: لشخص يشاؤه. ﴿وَيُعَذِّبُ:﴾ معطوف على (يغفر) رفعا، ونصبا، وجزما، وباقي الإعراب مثل سابقه، ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام مبينة لكمال قدرته جلّ علاه، لا محلّ لها. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ الشرح: ﴿آمَنَ:﴾ صدق. ﴿الرَّسُولُ:﴾ محمّد ﷺ . ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ:﴾ أي: من القرآن، وتعاليم السّماء النازل بها الوحي. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: آمنوا بما آمن به محمّد ﷺ . ﴿كُلٌّ:﴾ أي: كلّهم. ﴿آمَنَ بِاللهِ:﴾ بأنّه واحد أحد، فرد صمد، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لا إله غيره، ولا رب سواه. ﴿وَمَلائِكَتِهِ:﴾ أي بوجودهم، وأنّهم معصومون مطهّرون، وأنّهم السّفرة الكرام البررة، وأنّهم الوسائط بين الله وبين رسله. ﴿وَكُتُبِهِ:﴾ أي: بأنّ الكتب المنزلة من عند الله هي وحي من الله إلى رسله، وأنّها حقّ، وصدق من عند الله من غير شكّ، ولا ارتياب، وأنّ القرآن لم

стр. 697

يحرّف، ولم يبدّل، ولم يغيّر، وأنّه مشتمل على المحكم، والمتشابه، وأنّ محكمه يكشف عن متشابهه. ﴿وَرُسُلِهِ:﴾ بأنّهم رسل الله إلى عباده، وأمناؤه على وحيه، وأنّهم معصومون، وأنّهم أفضل الخلق، وأنّ بعضهم أفضل من بعض بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ الآية رقم [٢٥٣]. ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ:﴾ كما فعل اليهود والنّصارى حيث أنكر اليهود نبوّة عيسى ﵇، ثم أنكروا مع النّصارى نبوّة محمد ﷺ ، أمّا نحن؛ فنؤمن بجميع الرّسل من لدن آدم إلى عهد حبيبنا، وشفيعنا محمّد ﷺ . ﴿وَقالُوا سَمِعْنا﴾ أي: سماع قبول فيما يأمرنا الله به. ﴿وَأَطَعْنا﴾ أي: وأطعناه فيما ألزمنا به من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلّمنا لله فيما أمرنا به، ونهانا عنه. ﴿غُفْرانَكَ﴾ أي: نسألك غفرانك يا ربنا! ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: قالوا: إليك يا ربنا مرجعنا، ومآلنا، ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ففيه إقرار بالبعث والجزاء. فقد روى البغويّ بغير سند عن حكيم بن جابر: أنّ جبريل الأمين ﵇، قال للنّبيّ ﷺ : «إنّ الله أثنى عليك، وعلى أمّتك، فسل تعطه!» فسأل... إلى آخر السّورة. الإعراب: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والجملة الفعلية صلتها، أو صفتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿مِنْ رَبِّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من نائب الفاعل العائد إلى (ما)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ:﴾ يحتمل أن يكون معطوفا على الرسول، والوقف عليه، وأن يكون مبتدأ، والوقف على ﴿رَبِّهِ﴾ فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ، والمضاف إليه محذوف، التقدير: كلهم. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿كُلٌّ﴾ باعتبار لفظه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة: ﴿كُلٌّ آمَنَ:﴾ مستأنفة على اعتبار المؤمنون معطوفا على ما قبله، وهي في محل رفع خبره على اعتباره مبتدأ، والرابط الضمير الذي قدرته. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ هذه الأسماء معطوفة على لفظ الجلالة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُفَرِّقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، التقدير: يقول، أو يقولون، وهذه الجملة في محل نصب حال من ﴿كُلٌّ﴾. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿أَحَدٍ:﴾ مضاف إليه ﴿مِنْ رُسُلِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿أَحَدٍ﴾. (قالوا): ماض مبني على الضم،

стр. 698

والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل وفاعل، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَطَعْنا:﴾ فعل، وفاعل، والمفعول محذوف أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمَنَ..﴾. إلخ. ﴿غُفْرانَكَ:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: اغفر غفرانك، أو هو مفعول به ثان لفعل محذوف، التقدير: نسألك غفرانك، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية على الوجهين في محل نصب مقول القول. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء. (ونا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول أيضا. (﴿إِلَيْكَ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على محذوف، التقدير: منك المبتدأ، وإليك المصير، والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾ الشرح: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها:﴾ التكليف: ما فيه كلفة، وقد يكون فيه مشقّة، وتكلّفت الأمر: تجشمته، وهذا نصّ على أنّ الله تعالى لا يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلوب، أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلّف، وفي مقتضى إدراكه، ومقدوره، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر، وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة-﵁-قال: ما وددت: أنّ أحدا ولدتني أمّه إلا جعفر بن أبي طالب ﵁، فإنّي تبعته يوما، وأنا جائع، فلمّا بلغ منزله؛ لم يجد فيه سوى نحي سمن قد بقي فيه أثارة، فشقّه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السّمن، والرّبّ (دبس التمر إذا طبخ) وهو يقول: [البسيط] ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها... ولا تجود يد إلاّ بما تجد وقال ابن عباس-﵄-في رواية عنه: هم المؤمنون خاصّة، وسّع الله عليهم أمر دينهم، ولم يكلفهم ما لا يستطيعون، كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ،﴾ وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته

стр. 699

بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصّحابة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي: هو وإن حاسب، وسأل؛ لكن لا يعذب إلا بما يملك الشّخص دفعه، فأمّا ما لا يملك دفعه من وسوسة النّفس، وحديثها؛ فهذا لا يكلّف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السّيئة من الإيمان. فعن أبي هريرة-﵁-قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوه، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به، قال: «وقد وجدتموه؟!» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» أخرجه مسلم، وسئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: «تلك صريح الإيمان» أخرجه مسلم أيضا. هذا وذكرت الجملة: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ في سورة (الأنعام) رقم [١٥٢] بعد نهي، وأمرين، وذكرت في سورة (الأعراف) رقم [٤١] بعد ذكر الإيمان، والعمل الصالح؛ ليبين الله: أن المطلوب من التكاليف والأعمال الصالحة ما سهل فعله، وما فيه عسر، ومشقّة فلسنا مكلّفين بفعله، وغير مؤاخذين بتركه، والوسع: الطاقة، والقدرة. ﴿لَها ما كَسَبَتْ:﴾ الضمير يعود إلى النفس. و ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الخير ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من الشر، أي: لا ينتفع بطاعتها أحد غيرها، ولا يتضرّر بمعاصيها غيرها، وتخصيص الكسب بالخير، والاكتساب بالشّرّ؛ لأن الاكتساب فيه اعتمال، والشر تشتهيه النفس، وتنجذب إليه، فكانت أجدّ في تحصيله، بخلاف الخير. انتهى. بيضاوي. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وجاءت العبارة في الحسنات ب ﴿لَها﴾ من حيث هي بما يفرح المرء بكسبه، ويسرّ بها، فتضاف إلى ملكه، وجاءت السّيئات ب (﴿عَلَيْها﴾) من حيث هي أثقال، وأوزار، ومتحمّلات صعبة، وهذا كما تقول: لي مال، وعليّ دين، وكرّر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ قال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-: ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي ما تكتسب دون تكلّف بها؛ إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى، ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة؛ إذ كاسبها يتكلّف في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالى، ويتخطّاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا لهذا المعنى، وفي الجملتين ما يسمّى بالطباق المعنوي، وهو من المحسّنات البديعيّة. ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ أي: لا تؤاخذنا؛ إن حصل منا تفريط، أو تقصير بحقّك بسبب نسيان، أو خطأ، لا عن عمد، كما آخذت غيرنا، وقد تكرّم الله على هذه الأمة؛ حيث رفع عنها ذلك؛ فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» رواه ابن ماجة، وابن حبان، وعن أمّ الدرداء ﵂-عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله تجاوز لأمّتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنّسيان،

стр. 700

والاستكراه» وطلب رفع المؤاخذة اعتراف بنعمة الله علينا، وقد كانت الأمم السابقة تؤاخذ بالخطإ، والنّسيان. ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً..﴾. إلخ: الإصر: الأمر الغليظ الصعب، ومنه قول النابغة: [البسيط] يا مانع الضّيم أن يغشى سراتهم... والحامل الإصر عنهم بعد ما عرفوا هذا وسميت التكاليف الشّاقّة إصرا؛ لأنّها تثقل كاهل صاحبها، ومنه قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧] ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ كما يسمى العهد والميثاق إصرا؛ لأنّه ثقيل، ومنه قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٨١]: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾. ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا:﴾ المراد به ما كلّف به بني إسرائيل من قتل النفس في التّوبة، وإخراج ربع المال في الزّكاة، وقرض موضع النّجاسة، ومن أصاب ذنبا أصبح؛ وذنبه مكتوب على باب داره، ونحو ذلك من الأثقال، والآصار الّتي فرضت عليهم: كانوا يبتعدون عن المرأة في أيام حيضها، وإذا جمعوا الغنائم لم يأكلوها، بل تنزل نار من السّماء، فتأكلها، لذا دعاهم الله إلى الإيمان بمحمّد ﷺ ؛ ليخفّف عنهم هذه الأحكام الشّاقة، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٥٧]: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. هذا؛ والإصرار: العهد، قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٨١]: ﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾. ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي: من التّكاليف الشّاقّة، أو من العقوبات، والمصائب، والشّدائد التي لا نستطيع حملها، وقيل: هيجان الغلمة، والعزوبة، وقيل: هو الفرقة، والقطيعة، وقيل: هو حديث النفس، والوسوسة، كما تقدم. ﴿وَاعْفُ عَنّا﴾ أي: تجاوز عن ذنوبنا، وسيئاتنا. ﴿وَاغْفِرْ لَنا:﴾ استر علينا ذنوبنا، ولا تفضحنا، والغفر: الستر. ﴿وَارْحَمْنا:﴾ تغمّدنا برحمتك التي تنجّينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك، وسخطك إلا من رحمته، وأصل الرّحمة: رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ولهذا وصف بها الله تعالى، فليس يراد إلا الإحسان المجرد، والتفضّل على العباد دون الرقّة، وقيل: إنّ طلب العفو هو أن يسقط عنه عقاب ذنوبه، وطلب المغفرة هو أن يستر عليه صونا له من الفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عنّي، فاستره عليّ، فإذا عفا الله عن العبد، وستره، وتعطّف عليه بالرّحمة-التي هي الإنعام والإحسان-فإنه يفوز بالنعيم والثواب. ﴿أَنْتَ مَوْلانا:﴾ ولينا، وناصرنا، ومتولّي أمورنا. ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي: الجاحدين؛ الذين عبدوا غيرك، وجحدوا وحدانيتك، وكذّبوا برسالة نبيك ﷺ . تنبيه: ورد في فضل سورة البقرة أحاديث ترغّب في قراءتها، وتنوّه بشأنها، وهناك أحاديث تخصّ آية الكرسي بمزيد من الفضل، وأحاديث تنوّه بشأن هاتين الآيتين اللتين ختم الله بهما هذه السورة الكريمة، أذكر منها ما رواه عبد الله بن عمر-﵄، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 701

يقول: «أنزل الله عليّ آيتين من كنوز الجنّة، ختم بهما سورة البقرة، من قرأهما بعد العشاء مرّتين أجزأتاه عن قيام اللّيل»، وقيل: «كفتاه من شرّ الشّيطان، فلا يكون له عليه سلطان» رواه مسلم. وعن أبي ذرّ-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه؛ الّذي تحت العرش، فتعلّموهنّ، وعلّموهنّ نساءكم، وأبناءكم، فإنّهما صلاة، وقرآن، ودعاء» رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، وقال الإمام عليّ ﵁: ما أظنّ أنّ أحدا عقل، وأدرك الإسلام ينام حتّى يقرأهما، وروي عن النبي ﷺ قال: «أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز، تحت العرش، لم يؤتهنّ نبيّ قبلي». الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُكَلِّفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به أوّل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: لا يكلف الله نفسا عبادة، وعليه ف ﴿وُسْعَها﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلا بوسعها، والأول أقوى، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل له. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْساً،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيء كسبته، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخّر، التقدير: لها كسبها، وهي مستأنفة كما رأيت، واعتبارها صفة ﴿نَفْساً﴾ بعيد. ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها لا محلّ لها مثلها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تُؤاخِذْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ والفاعل مستتر تقديره: أنت، و (نا) مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَسِينا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. و (نا) فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن نسينا؛ فلا تؤاخذنا، وجملة: ﴿أَخْطَأْنا﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام لا محل له كالجملة الندائية. هذا؛ ويستشهد بهذا الكلام على مجيء (نا) مشتركة بين الرفع، والنصب، والجر. ﴿رَبَّنا:﴾ هذه الجملة الندائية معترضة بين الجمل المتعاطفة لإظهار مزيد الضراعة، والالتجاء إلى الربّ الكريم، وقل مثل ذلك في الثالثة، وجملة: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً﴾ معطوفة على جملة: ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ وهي مثلها في محلّها، وإعرابها، ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه. وجر.

стр. 702

(ما): مصدرية. ﴿حَمَلْتَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: على الذين وجدوا من قبلنا. (ونا) في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: ولا تحمل علينا إصرا حملا كائنا مثل حمله. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة مجرورة بالكاف، وجملة: ﴿حَمَلْتَهُ﴾ صلته، ويكون التقدير: مثل الذي حملته، وهذا ليس مذهب سيبويه-رحمه الله تعالى- وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السّابق، وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة. وليس هذا منها، ومثله في المغني لابن هشام. ﴿رَبَّنا:﴾ مثل سابقتها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): دعائية. ﴿تُحَمِّلْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا، والفاعل تقديره: أنت، و (نا) مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿طاقَةَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لَنا،﴾ أو متعلقان بمحذوف خبر ثان. (اعف): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ومثلها ﴿وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا﴾. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مَوْلانا:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من: إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين لا محل لها، وإن اعتبرتها مفيدة للتعليل؛ فتكون الفاء بعدها مفيدة للسببية المحضة، وهي عاطفة على رأي ابن هشام، وعلى رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وأرى: أنها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كنت مولانا، فانصرنا... إلخ، واعتبار الفاء للسببية هو مفاد كلام الجمل، نقلا عن السّمين. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. انتهت سورة البقرة بعون الله تعالى وتوفيقه شرحا وإعرابا والحمد لله ربّ العالمين

стр. 703

سورة آل عمران بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هي مدنية، وهي مائتا آية، وثلاثة آلاف، وأربعمائة وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفا، وخمسمائة، وعشرون حرفا. انتهى خازن. هذا؛ وسميت السّورة ب (آل عمران) لورود ذكر قصّة تلك الأسرة الفاضلة (آل عمران) والد مريم أم عيسى، وما تجلّى فيها من مظاهر القدرة الإلهية بولادة مريم البتول، وابنها عيسى ﵉، وقد ورد في بيان فضل هذه السورة الكريمة ما يلي: فعن النواس بن سمعان-﵁-قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله؛ الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة، وآل عمران». مسلم. وعن أبي أمامة الباهلي-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزّهراوين: البقرة، وآل عمران، فإنّهما يأتيان يوم القيامة، كأنّهما غمامتان، أو غيابتان-أو: كأنهما فرقان من طير-تحاجّان عن أصحابهما. اقرءوا سورة (البقرة) فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». أخرجه مسلم. قال معاوية بن سلام: بلغني: أنّ البطلة: السّحرة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ انظر ما ذكرته في أول سورة البقرة ففيه الكفاية. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ الشرح: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ إخبار بأنه سبحانه المنفرد بالألوهيّة لجميع الخلائق. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحقّ لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل عنه؛ أعطى، وإنّما تخلّفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدّعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه. قال تعالى في سورة (مريم) رقم [١٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تسمّى أحد الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي (الرّحمن)، و (الواقعة).

стр. 704

﴿الْحَيُّ﴾ أي: الذي لا يموت أبدا. ﴿الْقَيُّومُ﴾ أي: بغيره. فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره. وهما اسمان من أسماء الله الحسنى. وأصل ﴿الْحَيُّ:﴾ الحيي بياءين متحركتين. فسكنت الأولى، ثم أدغمت في الثانية، وأصل ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القيووم؛ لأنه من قام بالأمر، يقوم، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، قال الشّاعر: إنّما العرش للّذي يرزق النّا... س وحيّ عليهم قيّوم هذا؛ و ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القائم بذاته، والقائم بتدبير الخلق، ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم، ومعادهم. نبيه: قال المفسّرون، وأصحاب السّير: أنزلت هذه الآية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله ﷺ ، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، وهم: العاقب: واسمه: عبد المسيح، وهو أميرهم، وصاحب مشورتهم؛ الذي لا يصدرون إلا عن رأيه. والسّيد، واسمه: الأيهم، وهو عالمهم القائم بمالهم، وصاحب رحلهم، الذي يقوم بأمر طعامهم، وشرابهم. وأبو حارثة بن علقمة، وهو أسقفّهم، وحبرهم، وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه، واجتهاده في دينه. فدخلوا مسجد رسول الله ﷺ حين يصلّي العصر، وعليهم ثياب الحبرات؛ جبب، وأردية، يقول من رآهم من أصحاب النبي ﷺ : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : «دعوهم». فصلّوا إلى المشرق. فلمّا فرغوا كلّم السيد، والعاقب رسول الله ﷺ ، فقال لهما رسول الله ﷺ : «أسلما». قالا: أسلمنا قبلك، قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولدا، وعبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير». قالا: إن لم يكن عيسى ولدا لله، فمن أبوه؟! وخاصموه جميعا في عيسى، ﵊، فقال ﷺ : «ألستم تعلمون: أنّ ربّنا حيّ لا يموت، وأنّ عيسى يأتي عليه الموت؟!» قالوا: بلى! قال: «ألستم تعلمون: أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء، يحفظه، ويرزقه؟» قالوا: بلى! قال: «فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟». قالوا: لا! قال: «ألستم تعلمون: أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السّماء؟!». قالوا: بلى! قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما علم؟!» قالوا: لا!. قال: «ألستم تعلمون: أن ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف شاء، وربّنا لا يأكل، ولا يشرب؟!» قالوا: بلى! قال: «ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه، كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثمّ غذّي، كما يغذّى الصّبيّ، ثمّ كان يطعم، ويشرب، ويحدث؟!» قالوا: بلى! قال: «فكيف يكون إلها، كما زعمتم؟!». فسكتوا، فأنزل الله صدر سورة (آل عمران)

стр. 705

إلى بضع وثمانين آية منها. زاد بعضهم، فقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّ عيسى كلمة الله، وروح منه؟ قال: بلى! قالوا: حسبنا، ثمّ أبوا إلا جحودا إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة المذكورة في الآية [٦١] الآتية. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأوّل: كونه بدلا من اسم (﴿لا﴾) على المحل؛ إذ محله الرّفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء عند سيبويه، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿الْحَيُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها أن يكون بدلا من: ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحيّ، وحسن حذفه توالي اللفظ ب ﴿هُوَ﴾ مرتين، والثالث: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: ﴿اللهُ﴾ أخبر عنه أولا بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وذلك عند من يرى تعدّد الخبر مختلفا بالإفراد، والجملة، الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشّرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الْقَيُّومُ:﴾ يجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من: ﴿الْحَيُّ﴾ فلست مفندا، وهو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. والجملة الاسمية: ﴿اللهُ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها. هذا، وقال مكي: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ و ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال من: ﴿اللهُ﴾ وقيل: من المضمر في: ﴿نَزَّلَ﴾ تقديره: الله نزل عليك الكتاب متوحدا بالربوبية، وقيل: هو بدل من موضع ﴿لا إِلهَ،﴾ ثمّ قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ:﴾ نعتان ل ﴿اللهُ﴾ ﵎. وكلّ ما قاله غير جار على سنن العربية. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ الشرح: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ:﴾ قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بالنسبة للقرآن الكريم، وقال: (﴿أَنْزَلَ﴾) بالنسبة للتّوراة؛ لأن الأول يفيد التكثير، مرّة بعد مرّة، وهو ما اتصف به القرآن؛ لأنه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه الشّعر، والخطابة، بخلاف التوراة والإنجيل، فإنّهما نزلا دفعة واحدة. ونزول القرآن مفرّقا كان ممّا يريب الكافرين، كما حكى الله سبحانه عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبيّن سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان).
следующие страницы →