← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

يقول: «أنزل الله عليّ آيتين من كنوز الجنّة، ختم بهما سورة البقرة، من قرأهما بعد العشاء مرّتين أجزأتاه عن قيام اللّيل»، وقيل: «كفتاه من شرّ الشّيطان، فلا يكون له عليه سلطان» رواه مسلم. وعن أبي ذرّ-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه؛ الّذي تحت العرش، فتعلّموهنّ، وعلّموهنّ نساءكم، وأبناءكم، فإنّهما صلاة، وقرآن، ودعاء» رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاريّ، وقال الإمام عليّ ﵁: ما أظنّ أنّ أحدا عقل، وأدرك الإسلام ينام حتّى يقرأهما، وروي عن النبي ﷺ قال: «أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز، تحت العرش، لم يؤتهنّ نبيّ قبلي». الإعراب: ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُكَلِّفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿نَفْساً:﴾ مفعول به أوّل. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وُسْعَها:﴾ مفعول به ثان، وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: لا يكلف الله نفسا عبادة، وعليه ف ﴿وُسْعَها﴾ منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلا بوسعها، والأول أقوى، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل له. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْساً،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيء كسبته، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل رفع مبتدأ مؤخّر، التقدير: لها كسبها، وهي مستأنفة كما رأيت، واعتبارها صفة ﴿نَفْساً﴾ بعيد. ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها لا محلّ لها مثلها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تُؤاخِذْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ والفاعل مستتر تقديره: أنت، و (نا) مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَسِينا:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط. و (نا) فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن نسينا؛ فلا تؤاخذنا، وجملة: ﴿أَخْطَأْنا﴾ معطوفة على ما قبلها، وهي مثلها في إعرابها، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام لا محل له كالجملة الندائية. هذا؛ ويستشهد بهذا الكلام على مجيء (نا) مشتركة بين الرفع، والنصب، والجر. ﴿رَبَّنا:﴾ هذه الجملة الندائية معترضة بين الجمل المتعاطفة لإظهار مزيد الضراعة، والالتجاء إلى الربّ الكريم، وقل مثل ذلك في الثالثة، وجملة: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً﴾ معطوفة على جملة: ﴿لا تُؤاخِذْنا﴾ وهي مثلها في محلّها، وإعرابها، ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه. وجر.

стр. 702

(ما): مصدرية. ﴿حَمَلْتَهُ:﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِنا:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: على الذين وجدوا من قبلنا. (ونا) في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف واقع مفعولا مطلقا، التقدير: ولا تحمل علينا إصرا حملا كائنا مثل حمله. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿ما﴾ موصولة مجرورة بالكاف، وجملة: ﴿حَمَلْتَهُ﴾ صلته، ويكون التقدير: مثل الذي حملته، وهذا ليس مذهب سيبويه-رحمه الله تعالى- وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل السّابق، وإنّما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة. وليس هذا منها، ومثله في المغني لابن هشام. ﴿رَبَّنا:﴾ مثل سابقتها، ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): دعائية. ﴿تُحَمِّلْنا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا، والفاعل تقديره: أنت، و (نا) مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿طاقَةَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق ﴿لَنا،﴾ أو متعلقان بمحذوف خبر ثان. (اعف): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره أنت. ﴿عَنّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ومثلها ﴿وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا﴾. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مَوْلانا:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من: إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفين لا محل لها، وإن اعتبرتها مفيدة للتعليل؛ فتكون الفاء بعدها مفيدة للسببية المحضة، وهي عاطفة على رأي ابن هشام، وعلى رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وأرى: أنها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كنت مولانا، فانصرنا... إلخ، واعتبار الفاء للسببية هو مفاد كلام الجمل، نقلا عن السّمين. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. انتهت سورة البقرة بعون الله تعالى وتوفيقه شرحا وإعرابا والحمد لله ربّ العالمين

стр. 703

سورة آل عمران بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هي مدنية، وهي مائتا آية، وثلاثة آلاف، وأربعمائة وثمانون كلمة، وأربعة عشر ألفا، وخمسمائة، وعشرون حرفا. انتهى خازن. هذا؛ وسميت السّورة ب (آل عمران) لورود ذكر قصّة تلك الأسرة الفاضلة (آل عمران) والد مريم أم عيسى، وما تجلّى فيها من مظاهر القدرة الإلهية بولادة مريم البتول، وابنها عيسى ﵉، وقد ورد في بيان فضل هذه السورة الكريمة ما يلي: فعن النواس بن سمعان-﵁-قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله؛ الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة، وآل عمران». مسلم. وعن أبي أمامة الباهلي-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزّهراوين: البقرة، وآل عمران، فإنّهما يأتيان يوم القيامة، كأنّهما غمامتان، أو غيابتان-أو: كأنهما فرقان من طير-تحاجّان عن أصحابهما. اقرءوا سورة (البقرة) فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». أخرجه مسلم. قال معاوية بن سلام: بلغني: أنّ البطلة: السّحرة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ انظر ما ذكرته في أول سورة البقرة ففيه الكفاية. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ الشرح: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ:﴾ إخبار بأنه سبحانه المنفرد بالألوهيّة لجميع الخلائق. ﴿اللهُ:﴾ علم على الذات الواجب الوجود، المستحقّ لجميع المحامد، وهو اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل عنه؛ أعطى، وإنّما تخلّفت الإجابة في بعض الأحيان عند الدّعاء به لتخلّف شروط الإجابة، الّتي أعظمها أكل الحلال. ولم يسمّ به أحد سواه. قال تعالى في سورة (مريم) رقم [١٥]: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: هل تسمّى أحد الله غير الله؟! وقد ذكر في القرآن الكريم في ألفين وثلاثمائة وستين موضعا، علما بأنّه لم يذكر في سورتي (الرّحمن)، و (الواقعة).

стр. 704

﴿الْحَيُّ﴾ أي: الذي لا يموت أبدا. ﴿الْقَيُّومُ﴾ أي: بغيره. فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيّ عنها، ولا قوام لها بدون أمره. وهما اسمان من أسماء الله الحسنى. وأصل ﴿الْحَيُّ:﴾ الحيي بياءين متحركتين. فسكنت الأولى، ثم أدغمت في الثانية، وأصل ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القيووم؛ لأنه من قام بالأمر، يقوم، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، قال الشّاعر: إنّما العرش للّذي يرزق النّا... س وحيّ عليهم قيّوم هذا؛ و ﴿الْقَيُّومُ:﴾ القائم بذاته، والقائم بتدبير الخلق، ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم، ومعادهم. نبيه: قال المفسّرون، وأصحاب السّير: أنزلت هذه الآية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله ﷺ ، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم، وهم: العاقب: واسمه: عبد المسيح، وهو أميرهم، وصاحب مشورتهم؛ الذي لا يصدرون إلا عن رأيه. والسّيد، واسمه: الأيهم، وهو عالمهم القائم بمالهم، وصاحب رحلهم، الذي يقوم بأمر طعامهم، وشرابهم. وأبو حارثة بن علقمة، وهو أسقفّهم، وحبرهم، وكان ملوك الروم يكرمونه لما بلغهم عن علمه، واجتهاده في دينه. فدخلوا مسجد رسول الله ﷺ حين يصلّي العصر، وعليهم ثياب الحبرات؛ جبب، وأردية، يقول من رآهم من أصحاب النبي ﷺ : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : «دعوهم». فصلّوا إلى المشرق. فلمّا فرغوا كلّم السيد، والعاقب رسول الله ﷺ ، فقال لهما رسول الله ﷺ : «أسلما». قالا: أسلمنا قبلك، قال: «كذبتما يمنعكما من الإسلام دعواكما لله ولدا، وعبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير». قالا: إن لم يكن عيسى ولدا لله، فمن أبوه؟! وخاصموه جميعا في عيسى، ﵊، فقال ﷺ : «ألستم تعلمون: أنّ ربّنا حيّ لا يموت، وأنّ عيسى يأتي عليه الموت؟!» قالوا: بلى! قال: «ألستم تعلمون: أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء، يحفظه، ويرزقه؟» قالوا: بلى! قال: «فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟». قالوا: لا! قال: «ألستم تعلمون: أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السّماء؟!». قالوا: بلى! قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما علم؟!» قالوا: لا!. قال: «ألستم تعلمون: أن ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف شاء، وربّنا لا يأكل، ولا يشرب؟!» قالوا: بلى! قال: «ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته أمّه، كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثمّ غذّي، كما يغذّى الصّبيّ، ثمّ كان يطعم، ويشرب، ويحدث؟!» قالوا: بلى! قال: «فكيف يكون إلها، كما زعمتم؟!». فسكتوا، فأنزل الله صدر سورة (آل عمران)

стр. 705

إلى بضع وثمانين آية منها. زاد بعضهم، فقالوا: يا محمد! ألست تزعم: أنّ عيسى كلمة الله، وروح منه؟ قال: بلى! قالوا: حسبنا، ثمّ أبوا إلا جحودا إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة المذكورة في الآية [٦١] الآتية. الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِلهَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف، تقديره: موجود. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر لا محل له. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل فيه ثلاثة أوجه: الأوّل: كونه بدلا من اسم (﴿لا﴾) على المحل؛ إذ محله الرّفع على الابتداء، والثاني: كونه بدلا من ﴿لا﴾ وما عملت فيه؛ لأنها وما بعدها في محل رفع بالابتداء عند سيبويه، والثالث: كونه بدلا من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، وهو الأقوى. ﴿الْحَيُّ:﴾ يجوز فيه أربعة أوجه: أحدها أن يكون بدلا من: ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الحيّ، وحسن حذفه توالي اللفظ ب ﴿هُوَ﴾ مرتين، والثالث: أن يكون خبرا ثانيا لقوله: ﴿اللهُ﴾ أخبر عنه أولا بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وذلك عند من يرى تعدّد الخبر مختلفا بالإفراد، والجملة، الرابع: أن يكون صفة للضمير، وذلك عند الكسائي، فإنه يجيز وصف الضمير الغائب بصفة مدح، فهو يشترط هذين الشّرطين: أن يكون غائبا، وأن تكون الصفة صفة مدح. ﴿الْقَيُّومُ:﴾ يجري فيه ما جرى في سابقه، وإن اعتبرته بدلا من: ﴿الْحَيُّ﴾ فلست مفندا، وهو الأقوى؛ لأنهما اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى على المعتمد. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. والجملة الاسمية: ﴿اللهُ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها. هذا، وقال مكي: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ و ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ابتداء وخبر في موضع الحال من: ﴿اللهُ﴾ وقيل: من المضمر في: ﴿نَزَّلَ﴾ تقديره: الله نزل عليك الكتاب متوحدا بالربوبية، وقيل: هو بدل من موضع ﴿لا إِلهَ،﴾ ثمّ قال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ:﴾ نعتان ل ﴿اللهُ﴾ ﵎. وكلّ ما قاله غير جار على سنن العربية. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ الشرح: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ:﴾ قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بالنسبة للقرآن الكريم، وقال: (﴿أَنْزَلَ﴾) بالنسبة للتّوراة؛ لأن الأول يفيد التكثير، مرّة بعد مرّة، وهو ما اتصف به القرآن؛ لأنه نزل مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال على ما نرى عليه الشّعر، والخطابة، بخلاف التوراة والإنجيل، فإنّهما نزلا دفعة واحدة. ونزول القرآن مفرّقا كان ممّا يريب الكافرين، كما حكى الله سبحانه عنهم بقوله: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فبيّن سبحانه الحكمة من ذلك بقوله: ﴿كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ الآية رقم [٣٢] من سورة (الفرقان).

стр. 706

هذا؛ و ﴿الْكِتابَ﴾ في اللغة: الضم، والجمع، وسمّيت الجماعة من الجيش كتيبة لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطّة واحدة، كما سمّي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضمّ الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتّبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب وفصول، ومسائل غالبا. وقد أكثر الشّعراء في مدح الكتاب. وبالجملة: فالكتاب هو نعم الذّخر، والشّغل، والحرفة، جليس لا يضرّك، ورفيق لا يملّك، يطيعك باللّيل طاعته بالنّهار، ويطيعك في السّفر طاعته في الحضر، إن ألفته على الأيام؛ خلّد ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين النّاس قدرك. وإن أردت الزّيادة؛ فانظر الآية رقم [١٠١] من سورة (البقرة). ﴿بِالْحَقِّ:﴾ الحق: خلاف الباطل، وضدّه، قال الراغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الدّار في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحقّ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحقّ. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة: حقّ، ولذلك يقال: فعل الله كله حقّ، نحو الموت، والحساب... إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حقّ، وللفعل والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق، ويقال: أحققت ذا، أي: أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. انتهى بغدادي. ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني: لما قبله من الكتب المتقدّمة المنزلة على الأنبياء، والمرسلين، فهي تصدّقه بما أخبرت به، وبشّرت في قديم الزمان، وهو يصدّقها؛ لأنّه وافق ما أخبرت به، وبشّرت من الوعد من الله بإرسال محمّد ﷺ ، وإنزال القرآن الكريم. هذا؛ وقوله: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من مجاز الكلام، وذلك: أنّ (ما ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾): أمامه فقيل: كلّ شيء تقدّم على الشّيء: هو بين يديه لغاية ظهوره، واشتهاره. هذا؛ والتوراة: هي الكتاب الذي أنزل على موسى، ﵊. والتوراة معناها: الضّياء، والنور، مشتقّة من: ورى الزند: إذا خرجت ناره، وأصلها: تورية على وزن تفعلة، التاء زائدة، وتحرّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقيل: التوراة مأخوذة من التّورية، وهي: التعريض بالشيء، والكتمان لغيره، فكان أكثر التّوراة معاريض، وتلويحات من غير تصريح، وإيضاح. هذا قول المؤرّج، والجمهور على القول الأوّل، لقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ هذا؛ وأنّثت التوراة نظيرة لموماة، ودوداة، ونحوها في كلام العرب. ويجمع التوراة على: توار. والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزل على عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، يذكّر، ويؤنّث، فمن أنّث؛ أراد الصحيفة، ومن ذكّر؛ أراد الكتاب، وهو الأكثر. ويجمع على أنا جيل، وهو مشتقّ من النّجل، وهو الأصل، كأنه أصل الدّين يرجع إليه، ويؤتمّ به، ومنه سمي الولد، والنّسل: نجلا لخروجه من والديه، كما قال الشاعر: [الطويل]

стр. 707

إلى معشر لم يورث اللّؤم جدّهم... أصاغرهم، وكلّ فحل لهم نجل ويقال: لعن الله ناجليه، يعني: والديه؛ إذ كانا أصله. ويقال: [مجزوء الوافر] وبئس النّجل ما نجلا هذا وقد يسمّى القرآن: إنجيلا أيضا، كما روي في قصّة موسى-على نبيّنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: أنه قال: «يا ربّ! أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم، فاجعلهم أمّتي. فقال الله- -له: تلك أمة أحمد يا موسى!» وإنّما أراد بالأناجيل القرآن، هذا والإنجيل خال من الأحكام، والتّشريع، وكلّ ما فيه حكم، ومواعظ؛ لذا فالنّصارى عيال علينا في كثير من الأحكام، وخاصّة المواريث، وقد دخل الإنجيل التّحريف، والتزييف، كما دخلا التّوراة، وما إنجيل متّى، ومرقس... إلخ إلا من اختراعهم، وابتداعهم. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل تنزيل القرآن. ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي: لقوم موسى، وعيسى، أو لجميع الناس، فيكون حالا من الكتب الثلاثة: القرآن، والتوراة، والإنجيل. هذا؛ وأصل ﴿هُدىً:﴾ هديا، أو هدي، بضم الهاء، وفتح الدال، وتحريك الياء منونة، فقلبت الياء ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان: الألف، والتنوين الذي يرسم ألفا في حالة النّصب بحسب الأصل، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: ﴿هُدىً﴾ وإنّما أتوا بياء أخرى لتدل على الياء المحذوفة، بخلاف ما إذا لم يأتوا بها، وقالوا: هدا، فلا يوجد ما يدل عليها. وهذا الإعلال يجري في كل اسم مقصور مجرد من ال، والإضافة. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ يعني: الفارق بين الحقّ، والباطل. قيل: أراد به القرآن، وإنّما أعاده تعظيما لشأنه، ومدحا؛ لكونه فارقا بين الحقّ، والباطل، وقيل: إنّما أعاد ذكره؛ ليتبيّن: أنه تعالى أنزله بعد التوراة، والإنجيل، ليجعله فارقا بين ما اختلف فيه اليهود، والنصارى في أمر عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام، وقيل: المراد الكتب الثلاثة؛ لأنّها كلّها هدى للناس، ومفرّقة بين الحلال، والحرام، والحق، والباطل، والغيّ، والرّشاد بما يذكره الله من الحجج البينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه، ويوضحه، ويفسّره ويقرّره، ويرشد إليه، وينبه عليه. الإعراب: ﴿نَزَّلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والرابط الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْكِتابَ﴾ أي: ملتبسا بالحقّ. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال ثانية منه. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة أيضا. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف

стр. 708

صفتها، التقدير: مصدقا للّذي، أو لشيء يوجد بين يديه، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، ﴿يَدَيْهِ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنّى صورة، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة. هذا؛ وابن هشام-رحمه الله تعالى-يعتبر اللاّم-في مغنيه-زائدة، ويسمّيها: «لام التقوية» فإذا (ما) مجرورة لفظا منصوبة محلاّ. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (البروج): ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ وفي سورة (المعارج). ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ وفي سورة (الأنبياء): ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. وأورد ابن هشام قول حاتم الطائيّ، وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري-﵁-وهو الشّاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، وفاعله تقديره: هو. ﴿التَّوْراةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها. ﴿وَالْإِنْجِيلَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿مِنْ قَبْلُ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. وقيل: مبني على الضم في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ لقطعه عن الإضافة لفظا، لا معنى ﴿هُدىً:﴾ حال من: ﴿التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ولم يثنّ؛ لأنه مصدر، ويجوز أن يكون حالا من الإنجيل، ودلّ على حال للتوراة محذوفة، كما يدلّ أحد الخبرين على الآخر، وهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿هُدىً﴾ أو بمحذوف صفة له ﴿وَأَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾. ﴿الْفُرْقانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٤)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي: جحدوا آيات القرآن، ولم يؤمنوا بها. هذا؛ (وآيات ﴿اللهِ﴾) جمع: آية، وهي في الأصل: العلامة الظاهرة، وتقال للمصنوعات في هذا الكون من حيث إنّها تدل على وجود الصّانع، وعلمه، وقدرته، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٦٤]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال في هذه السورة رقم [١٩٠]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ..﴾. إلخ، كما يقال لكلّ طائفة من القرآن، كما في هذه الآية، كما تطلق على المعجزة الخارقة للعادة، مثل انشقاق القمر، ونحوه، وتطلق على الموعظة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾. كما تطلق، ويراد بها العبرة، والاعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ..﴾. إلخ رقم [١٣] الآتية. ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ:﴾ في الدنيا بسبب كفرهم بالسّيف، والقتل، والجلاء، وغير ذلك، وفي الآخرة بالخلود في النار وبئس القرار! ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ:﴾ قويّ غالب على أمره، فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده، ووعيده. ﴿ذُو انْتِقامٍ:﴾ صاحب عقوبة شديدة لمن عصاه،

стр. 709

لا يقدر على مثلها أحد. والنقمة عقوبة المجرم، وقد تكون ظلما، وعدوانا، قال تعالى في سورة (الأعراف) في الآية رقم [١٢٦] حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (البروج): ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يقال: نقم من كذا: إذا أنكره، وانتقم منه: إذا كافأه، والفعل نقم، ينقم من باب: ضرب. ونقم، ينقم من باب فهم، يفهم، وعلم يعلم. قال أبو جهل الخبيث في غزوة بدر، التي كانت فيها خيبته، وخزيه-وهو الشاهد رقم [٦٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] ما تنقم الحرب العوان منّي... بازل عامين حديث سنّي لمثل هذا ولدتني أمّي الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿شَدِيدٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ ولم تقترن الجملة الاسمية بالفاء لشدّة ارتباط الكفر بالعذاب، فلا حاجة إلى رابط، هذا وجوز اعتبار الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا بمتعلقه. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ:﴾ خبر أول. ﴿ذُو:﴾ خبر ثان مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و ﴿اِنْتِقامٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، الغرض منها التّهديد، والوعيد، فلا محلّ لها. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ..﴾. إلخ: أي: لا يغيب عن علمه شيء، فهو العالم بما كان، وما يكون؛ فكيف يكون عيسى إلها، أو ابن إله؟! ... وهل تخفى عليه هذه الأشياء. وقدّم ذكر الأرض على السماء ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، والمراد بما في الأرض، وبما في السماء من كلّيّ، وجزئيّ. وخصّهما بالذّكر؛ لأنّ الحسّ البشري لا يتجاوزهما، هذا وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنّها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. وقل مثله في إعلال «بناء» ونحوه من «صحراء، وحمراء، وزرقاء». هذا؛ والسّماء يذكر، ويؤنث، وهو كل ما علاك، فأظلّك، ومنه قيل لسقف البيت: سماء. والسماء يطلق على المطر، يقال: ما زلنا نطأ السّماء حتى أتيناكم. قال معاوية بن مالك: [الوافر]

стр. 710

إذا نزل السّماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالسماء المطر، ثمّ أعاد الضمير عليه في: رعيناه بمعنى النبات. وهذا يسمّى في فن البديع بالاستخدام. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْءٌ:﴾ فاعل يخفى، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿شَيْءٌ﴾. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): زائدة لتأكيد النفي. ﴿فِي السَّماءِ:﴾ معطوفان على ما قبلها. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ الشرح: ﴿هُوَ﴾ أي: الله. ﴿الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ:﴾ يخلقكم، فالتّصوير: جعل الشيء على صورة، والصّورة هيئة يكون عليها الشّيء بالتّأليف. والأرحام: جمع: رحم، وهو موضع الجنين في بطن المرأة، وغيرها من الحيوانات. ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي: من الصّور المختلفة المتفاوتة في الخلقة، من ذكورة، وأنوثة، وبياض، وسواد، وحسن، وقبح، وقصر، وطول، وسلامة، وعاهة، إلى غير ذلك من السّعادة، والشّقاء. وخذ ما يلي: فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصّادق المصدوق: «إنّ أحدكم يجمع في بطن أمّه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقيّ، أو سعيد، ثمّ ينفخ فيه الرّوح، فإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة، فيدخل الجنّة، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة، حتّى ما يكون بينه، وبينها إلاّ ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النّار، فيدخل النّار». رواه البخاريّ [٣٣٣٢]، هذا؛ وانظر الآية رقم [٥] من سورة (الحج) والآية رقم [١٢] وما بعدها من سورة (المؤمنون) وانظر آية التوحيد في الآية رقم [٢٨] و [٢٩] من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان-﵁: أنّ يهوديّا قال للنبي ﷺ : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبيّ، أو رجل، أو رجلان، قال: «ينفعك إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ فقال النبي ﷺ : «ماء الرّجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرّجل منيّ المرأة؛ أذكرا بإذن الله تعالى، وإذا علا مني المرأة منيّ الرّجل آنثا بإذن الله». الحديث رقم [٣١٥] [٣٤]. هذا؛ والآية وسابقتها واردتان على النّصارى، وذلك: أنّ عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-كان يخبر بالغيب، فيقول: أكلت في دارك كذا، وصنعت كذا، وأنّه أحيا

стр. 711

الميت، وأبرأ الأكمه، والأبرص، وخلق من الطّين طيرا، فادّعت النصارى فيه الإلهية، وقالوا: ما قدر على ذلك إلا أنّه إله. فردّ الله تعالى عليهم بذلك، وأخبر: أنّ الإله المستحقّ لهذا الاسم هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السّماء، وأنّه المصور في الأرحام كيف يشاء، وأنّ عيسى ﵇ صوّره الله في الرّحم، فنبه بكونه مصورا في الرّحم على أنّه عبد مخلوق كغيره، وأنّه يخفى عليه ما لا يخفى على الله، عزّ، وجلّ. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي: لا خالق، ولا مصوّر إلا الله، وذلك دليل وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصوّرا، وهو مصوّر. ﴿الْعَزِيزُ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغالب. ﴿الْحَكِيمُ:﴾ المحكم، أو ذو الحكمة. هذا؛ ولا يصلح مكان الاسمين الكريمين هنا: (الغفور الرحيم) ونحوهما. الإعراب: ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السّكون في محل رفع خبره. ﴿يُصَوِّرُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله، وهو العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي الْأَرْحامِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من فاعل ﴿يَشاءُ﴾ بعده. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ أو من مفعوله، هذا وذكر الجمل نقلا عن السّمين: أنّ ﴿كَيْفَ﴾ أداة شرط وتعليق، وذكره ابن هشام في المغني، وذكرته أنا في سورة (الغاشية)، وأرى: أنّ تعليق الجملة بحرف جرّ محذوف-التقدير: يصوركم في الأرحام بكيفية يشاؤها-هو الأولى، والأقوى. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ:﴾ انظر الآية رقم [٢] فالإعراب مثله، والجملة هنا مستأنفة لا محلّ لها. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)﴾ الشرح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ:﴾ القرآن. والخطاب لسيّد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ . ﴿مِنْهُ:﴾ من القرآن. ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ:﴾ مبيّنات، مفصّلات، واضحات الدّلالة، أحكمت عبارتها من احتمال التأويل، والاشتباه، وحفظت من الإجمال، والاحتمال، سمّيت: محكمة من الإحكام، كأنّه تعالى أحكمها، فمنع الخلق من التّصرّف فيها؛ لظهورها، ووضوح معناها. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ:﴾ أصله؛ الذي يرجع إليه في الأحكام، ويعمل به في الحلال، والحرام، فلا يحتجن إلى تأويل. والقياس: أمهات بالجمع، فأفرد إما لأنّ المعنى: كلّ واحدة منهنّ، وإما

стр. 712

لأنّ مجموع الآيات بمنزلة أمّ واحدة، وكلام الله كلّه شيء واحد. قال الشّريف الرضي: هذه استعارة، والمراد بها: أنّ هذه الآيات جماع الكتاب، وأصله، فهي بمنزلة الأم له، وكأنّ سائر القرآن يتبعها، أو يتعلق بها، كما يتعلّق الولد بأمّه، ويفزع إليها في مهمّة. انتهى صفوة التفاسير. ﴿وَأُخَرُ:﴾ جمع أخرى، ولم يصرف (﴿أُخَرُ﴾) لأنّه معدول به عن الآخر. ﴿مُتَشابِهاتٌ:﴾ لا يفهم معناها، كالحروف المقطعة الموجودة في أوائل السّور، ومنه قوله تعالى في سورة (الفتح): ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (طه) وغيرها: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥)، ومنه وقت قيام السّاعة، وخروج يأجوج، ومأجوج، والدّجال، ونزول عيسى ﵇ وجعله كله محكما بقوله تعالى في أول سورة هود: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أي: في النّظم، والرّصف، وأنّه حقّ من عند الله، وأنّه ليس فيه عيب قطعا، وجعله متشابها بقوله تعالى في سورة (الزّمر): ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ بمعنى: يشبه بعضه بعضا في الحسن، والصّدق، والفصاحة، والبلاغة، والتّناسب بدون تعارض، ولا تناقض، وفي تركيب النّظم، وصحة المعنى، والدّلالة على المنافع العامّة. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ:﴾ ميل عن الحقّ، ومنه: زاغت الشّمس عن كبد السماء، وزاغت الأبصار. وهذه الآية تعمّ كلّ طائفة من كافر، وزنديق، وجاهل، وصاحب بدعة؛ وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة-رحمه الله تعالى-: إن لم يكونوا الحرورية، وأنواع الخوارج؛ فلا أدري من هم؟ نعم منهم الزّنادقة، والقرامطة الطاعنون في القرآن، ومن على شاكلتهم من الباطنيين الذين يقولون: للقرآن ظاهر، وباطن، فيقولون: القرآن محرّف، ومبدّل. وخرّج مسلم-رحمه الله تعالى-عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ..﴾. إلخ، ثم قال: «إذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الّذين سمّاهم الله؛ فاحذروهم». وأثبت أبو أمامة-﵁: أنّهم الخوارج. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفرّقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وسائرهم في النّار، ولتزيدنّ عليهم هذه الأمّة، واحدة في الجنّة، وسائرهم في النّار». ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون بالمتشابه الّذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأمّا المحكم؛ فلا نصيب لهم فيه؛ لأنّه دامغ لهم، وحجّة عليهم. ﴿اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: طلب الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم: أنّهم يحتجّون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجّة عليهم، لا لهم، كما لو احتجّ النّصارى بأنّ القرآن نطق بأن عيسى روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ وبقوله تعالى في هذه السّورة: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ﴾

стр. 713

آدَمَ... إلخ رقم [٥٩]. ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون، ويشتهون. ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: لا يعلم تفسير المتشابه، ومعناه الحقيقي إلا الله وحده. وقيل: يجوز أن يكون للقرآن تأويل، استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، كالحروف المقطّعة إلخ. انظره فيما سبق. ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي: الثابتون في العلم. وهم الذين أتقنوا علمهم؛ بحيث لا يدخل في علمهم شكّ، والرّسوخ: الثبوت في الشّيء، وكلّ ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن يرسخ الجبل، والشّجر في الأرض. قال الشاعر: [الطويل] لقد رسخت في الصّدر منّي مودّة... لليلى أبت آياتها أن تغيّرا هذا؛ وقال ابن أبي حاتم بسنده: حدّثنا عبيد الله بن يزيد-وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ : أنسا، وأمامة، وأبا الدرداء ﵃: أنّ رسول الله ﷺ سئل عن الرّاسخين في العلم، فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عفّ بطنه، وفرجه، فذلك من الرّاسخين في العلم». وقال ابن المنذر في تفسيره عن نافع بن يزيد: الرّاسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذلّلون له في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحتقرون من دونهم. هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استعارة، والمراد بها: المتمكنون في العلم تشبيها برسوخ الشيء الثقيل في الأرض الخوّارة، وهذا أبلغ من قوله: والثابتون في العلم. هذا؛ والراسخ في العلم من وجد من العلم في علمه أربعة أشياء: التّقوى فيما بينه وبين الله تعالى، والتواضع فيما بينه وبين النّاس، والزّهد فيما بينه وبين الدّنيا، والمجاهدة فيما بينه وبين النّفس. ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ قال ابن عباس-﵄: سمّاهم راسخين في العلم بقولهم: ﴿آمَنّا بِهِ﴾ فرسوخهم في العلم هو الإيمان به، وقال عمر بن عبد العزيز-﵁: في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ يعني: المحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ، وما علمنا به، وما لم نعلم، ونحن معتقدون في المتشابه بالإيمان به، ونكل معرفته إلى الله تعالى، وفي المحكم يجب علينا الإيمان به، والعمل بمقتضاه. ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦٩] من سورة (البقرة). تنبيه: فإن قيل: القرآن نزل لإرشاد العباد، فهلا كان كلّه محكما؟! والجواب: أنّه نزل بألفاظ العرب، وعلى أسلوبهم، وكلامهم على ضربين: الموجز الذي لا يخفى على سامع. هذا هو الضّرب الأول، والثاني: المجاز، والكنايات، والإرشادات، والتلويحات. وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل الله القرآن على الضّربين. ليتحقّق عجزهم، فكأنه قال: عارضوه بأيّ الضّربين شئتم. ولو نزل كلّه محكما؛ لقالوا: هلاّ نزل بالضّرب المستحسن عندنا.

стр. 714

وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: الحكمة في ذلك-والله أعلم-أن يظهر فضل العلماء؛ لأنه لو كان كلّه واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض، وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا، يجعل بعضه واضحا، وبعضه مشكلا، ويترك للجثوة موضعا؛ لأنّ ما هان وجوده؛ قلّ بهاؤه. انتهى. وقال الإمام أحمد-﵀-بسنده: سمع رسول الله ﷺ قوما يتدارءون، فقال: «إنّما هلك من قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنّما أنزل كتاب الله ليصدّق بعضه بعضا، فلا يكذّبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه؛ فقولوا آمنّا به، وما جهلتم؛ فكلوه إلى عالمه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠٩] من سورة (البقرة)؛ تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿هُوَ الَّذِي:﴾ مبتدأ، وخبر. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُحْكَماتٌ:﴾ صفة: ﴿آياتٌ﴾ والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿الْكِتابَ﴾. هذا؛ ويجوز اعتبار مضمون: ﴿مِنْهُ﴾ مبتدأ؛ لأنّه بمعنى: بعضه، و ﴿آياتٌ﴾ خبره، وتبقى الجملة حالا من الكتاب، والرابط الضمير فقط على الاعتبارين. ﴿هُنَّ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿أُمُّ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابَ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع صفة: ﴿آياتٌ﴾. ﴿وَأُخَرُ:﴾ معطوف على آيات عطف مفرد على مفرد. ﴿مُتَشابِهاتٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد. أمّا كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون. وأمّا كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبّع مواقعها. وأمّا كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقّق الجواب، وتفيد: أنّه واقع لا محالة؛ لكونها علّقته على أمر متيقّن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿زَيْغٌ:﴾ فاعل متعلّق الجار والمجرور؛ إذ التقدير: الذين يوجد في قلوبهم زيغ. هذا؛ ويجوز اعتبار الجار والمجرور متعلّقين بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿زَيْغٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿فَيَتَّبِعُونَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). ﴿فَيَتَّبِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محلّ لها؛ لأنها معطوفة، ومفرّعة عما قبلها، وكذا لو اعتبرتها مستأنفة. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿تَشابَهَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ما﴾ وهو العائد. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَشابَهَ﴾ المستتر،

стр. 715

و (من) بيان لما أبهم في ﴿ما﴾. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و ﴿الْفِتْنَةِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع. ﴿تَأْوِيلِهِ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿تَشابَهَ﴾ المستتر، والرابط الواو، والضمير. ﴿وَالرّاسِخُونَ:﴾ قال مجاهد وحده: معطوف على لفظ الجلالة، واحتجّ له بعض أهل اللّغة. فقال: معناه: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: آمنا. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وعائشة-﵃: مستأنف على أنه مبتدأ، والوقف التام على لفظ الجلالة. ﴿فِي الْعِلْمِ:﴾ متعلقان ب (﴿الرّاسِخُونَ﴾). ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال على قول مجاهد، وفي محل رفع خبر: (﴿الرّاسِخُونَ﴾) على قول ابن عباس... إلخ، ومثل هذه الآية الكريمة قول الشاعر: [مجزوء الكامل] الرّيح تبكي شجوها... والبرق يلمع في الغمامه ف «البرق» يجوز اعتباره مبتدأ، والجملة بعده خبره، ويجوز عطفه على الريح، والجملة في محل نصب حال منه. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كُلٌّ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه مجرور، و (نا): في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يَذَّكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولُوا﴾ مضاف، و ﴿الْأَلْبابِ﴾ مضاف إليه. والجملة الاسمية مستأنفة، أو هي معترضة في آخر الكلام، لا محل لها على الاعتبارين، وفيها مدح للرّاسخين في العلم بجودة الذّهن، وحسن النّظر. ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٨)﴾ الشرح: هذه الآية من دعاء الراسخين في العلم، ويجوز أن يكون المعنى: قل يا محمد! ويقال: إزاغة القلب: فساد، وميل عن الحقّ، والدين. وهل كانوا يخافون-وقد هدوا-أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ والجواب: لعلّهم سألوا إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال، فيعجزوا عنه. وقال ابن كيسان-رحمه الله تعالى-: سألوا أن لا يزيغوا، فيزيغ الله

стр. 716

قلوبهم. مثل قوله تعالى في سورة (الصف): ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ومعنى: ﴿لا تُزِغْ﴾ إلخ: ثبتنا على هدايتك؛ إذ هديتنا، وألا نزيغ فنستحقّ أن تزيغ قلوبنا، وروى الترمذيّ من حديث شهر بن حوشب-﵁-قال: قلت لأمّ سلمة-﵂: يا أم المؤمنين! ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ : «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك». فقلت: يا رسول الله! ما أكثر دعاءك: يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: «يا أمّ سلمة! إنّه ليس آدميّ إلاّ وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ». وهذه الآية، وأمثالها حجّة على المعتزلة، ومن نحا نحوهم في قولهم: إنّ الله لا يضلّ العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله؛ لمّا جاز أن يدعى في دفع ما لا يجوز عليه فعله. وروي: أنّ أمّ سلمة-﵂-سألت النبي ﷺ أن يعلّمها دعوة تدعو بها لنفسها، فقال: قولي: «اللهمّ ربّ محمد النبيّ اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلاّت الفتن». ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً:﴾ امنحنا، وتكرّم علينا برحمة من عندك تفضلا، وتكرما لا عن سبب منّا، ولا عمل. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ:﴾ الهبة: العطية الخالية من الأعواض، والأغراض، و ﴿الْوَهّابُ:﴾ صفة الله تعالى؛ الذي يعطي كلّ أحد على قدر استحقاقه، وخالية ممّا ذكره. وهو المتفضل بما ينعم على عباده، لا يجب عليه شيء. هذا؛ و (لدن) بمعنى: عند، وفيها إحدى عشرة لغة، أفصحها إثبات النون ساكنة، وهي لغة القرآن الكريم، وهي بجميع لغاتها معناها: أول غاية زمان، أو مكان، وقلّما تفارقها «من» الجارة لها، فإذا أضيفت إلى الجملة؛ تمحضت للزّمان؛ لأن ظروف المكان لا يضاف منها إلى الجملة إلا «حيث». ويجوز تصدير الجملة بحرف مصدري لمّا لم يتمحض (لدن) في الأصل للزّمان، وإذا أضيفت للضّمير؛ وجب إثبات النّون؛ لأنه لا يقال: لده، ولا: لدك. فائدة: قال مكيّ بن أبي طالب القيسي-رحمه الله تعالى-: ونداء الربّ قد كثر حذف (يا) النداء منه في القرآن الكريم. وعلّة ذلك: أنّ في حذف (يا) من نداء الربّ تعالى، فيه معنى التعظيم له، والتنزيه، وذلك: أنّ النداء فيه ضرب من معنى الأمر، لأنّك إذا قلت: يا زيد! فمعناه: تعال يا زيد، أدعوك يا زيد. فحذفت (يا) من نداء الرب؛ ليزول معنى الأمر، وينقص؛ لأنّ (يا) تؤكّده، وتظهر معناه، فكان في حذف (يا) التعظيم، والإجلال، والتنزيه للربّ تعالى، فكثر حذفها في القرآن الكريم، والكلام العربيّ في نداء الربّ لذلك المعنى. انتهى. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة. من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تُزِغْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾ والفاعل مستتر، تقديره: أنت. ﴿قُلُوبَنا:﴾ مفعول به، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿إِذْ﴾ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿هَدَيْتَنا:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿إِذْ﴾

стр. 717

إليها، والغالب، والكثير أن تحذف الجملة المضافة إليها: ﴿إِذْ﴾ ويعوّض عنها تنوين: ﴿إِذْ﴾ مثل قوله تعالى في سورة الواقعة: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾. ﴿وَهَبْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر. ﴿لَدُنْكَ:﴾ اسم مبني على السكون في محل جر ب ﴿مِنْ﴾ والجار والمجرور متعلقان ب (﴿هَبْ﴾) أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَحْمَةً﴾ كان صفة له، فلمّا قدّم عليه صار حالا، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿رَحْمَةً:﴾ مفعول به، والآية الكريمة في محل نصب مقول قول الراسخين في العلم. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿أَنْتَ:﴾ فيه ثلاثة أوجه: الأول أن يكون توكيدا لاسم (إنّ) على المحل، والثاني: أن يكون ضمير فصل لا محل لها من الإعراب، وعلى هذين الوجهين ف ﴿الْوَهّابُ﴾ خبر (إنّ) والثالث: أن يكون في محل رفع مبتدأ، و ﴿الْوَهّابُ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (إنّ) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ﴾ إلخ تعليل للدعاء، وهي من جملة قول الرّاسخين أيضا. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)﴾ الشرح: الآية الكريمة من بقية دعاء الراسخين في العلم، وذلك: أنّهم طلبوا من الله تعالى أن يثبت قلوبهم على الحقّ، وأن يمنحهم الهداية، والرّحمة، وذلك من مصالح الدين، والدنيا، ثم إنّهم أتبعوا ذلك بقولهم: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ..﴾. إلخ، ومعناه: إنّا نوقن إنك جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم: أنّ وعدك حقّ، لا شكّ فيه، وأنّك لا تخلف الميعاد. فهو كقوله في سورة (النساء) رقم [٨٧]: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾. هذا؛ و (الريب): الشكّ، تقول: رابني هذا الأمر، أي: أوقعني في ريبة، أي: في شكّ، وحقيقة الريبة: قلق النفس، واضطرابها، قال الرسول ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ عن الحسن بن عليّ سبط رسول الله ﷺ وريحانته، ﵁. وقد يستعمل الرّيب في التّهمة، قال جميل بن معمر العذريّ: [الطويل] بثينة قالت يا جميل أربتني... فقلت كلانا يا بثين مريب واستعمل أيضا في الحاجة، كما قال كعب بن مالك-﵁: [الوافر] قضينا من تهامة كلّ ريب... وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا هذا؛ و ﴿الْمِيعادَ﴾ بمعنى الموعد، والوعد، ويحتمل الزّمان، والمكان، وأصله: موعاد. قلبت الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها. ومثله: ميثاق، وميزان... إلخ.

стр. 718

الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ إعرابه مثل ما قبله. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿جامِعُ:﴾ خبر (إنّ) وهو مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ متعلّقان ب ﴿جامِعُ﴾. ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» ﴿رَيْبَ:﴾ اسمها مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (﴿لا﴾) والجملة الاسمية في محل جرّ صفة (يوم). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخْلِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمِيعادَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والآية الكريمة بكاملها من مقول قول الرّاسخين، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ (١٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله، ورسوله. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ إلخ. لن تنفع، ولن تدفع عنهم أموالهم، ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، وفي معناه قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٧]: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾. وأيضا قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥٥] ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ وانظر الآية رقم [١١٦]. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الإشارة إلى الذين كفروا، على اختلاف مللهم، ونحلهم. ﴿هُمْ وَقُودُ النّارِ:﴾ بفتح الواو؛ أي: ما توقد به النّار، وأما بضمها فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح، والضم يجري في الآلة، والمصدر، وكذا يقال في الوضوء، والسّحور، والطّهور، ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، والمراد في الآلة: ما توقد به، وبالمصدر الفعل، والحدث. ويقرأ بفتح الواو وضمّها. هذا؛ والمال قال فيه ابن الأثير: المال في الأصل: كلّ ما يملك من الذّهب، والفضّة، ثمّ أطلق على كلّ ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنّها كانت أكثر أموالهم، وقال الجوهريّ: ذكر بعضهم: أنّ المال يؤنّث، وأنشد لحسّان ﵁: [البسيط] المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضّبيّ: المال عند العرب: الصّامت، والناطق، فالصّامت: الذّهب، والفضّة، والجواهر، والنّاطق: البعير، والبقرة، والشّاة، فإذا قلت عن بدويّ: كثر ماله؛ فهو الناطق، وإذا قلت عن حضريّ: كثر ماله؛ فهو الصّامت. هذا؛ والنّشب يطلق على المال الثابت، كالضّياع،

стр. 719

والدّور. قال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي-﵁-في ذلك-وهو في فتح القريب المجيب رقم [٥٩٧] وفي كتابنا: «فتح رب البرية» رقم [٤٨٥] -: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا؛ وقد قال الرّسول ﷺ : «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنّما كان كذلك؛ لأنّ الإيمان متعلّق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثّلثان، فإذا انضمّ إليه القلب؛ فقد ذهب الكلّ. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محلّ نصب اسمه. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تُغْنِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وقرأ الحسن: («يغني») بالياء، وسكون الياء الآخرة للتخفيف، وأنشد الفرّاء: [الرجز] كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق... أيدي جوار يتعاطين الورق ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَمْوالُهُمْ:﴾ فاعل. ﴿تُغْنِيَ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيهما في محل جرّ بالإضافة. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُغْنِيَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول مطلق، أو نائب عنه، وجوز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة الّتي ذكرتها مرارا. (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمْ:﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب أو هو مبتدأ مبني على السكون في محل رفع. ﴿وَقُودُ:﴾ خبر: (﴿أُولئِكَ﴾): أو هو خبر الضّمير، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر (﴿أُولئِكَ﴾) و ﴿وَقُودُ﴾ مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)﴾ الشرح: ﴿كَدَأْبِ﴾ الدأب: العادة، والشّأن، والحال. وهو أيضا مصدر: دأب في عمله يدأب، دأبا، ودءوبا: إذا وجد، واستمرّ فيه. وهو من باب: قطع. وهو بمعانيه كلّها تفتح الهمزة، وتسكن، قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦] [الطويل] كدأبك من أمّ الحويرث قبلها... وجارتها أمّ الرّباب بمأسل

стр. 720

والدائبان: الليل، والنهار، والشمس، والقمر. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾. والمعنى: اعتاد كفار قريش، ومن على شاكلتهم من العرب الكفر، والإعنات للنبي ﷺ كما اعتاد آل فرعون ومن معه قبلهم من الكافرين من إعنات الأنبياء. والمراد ب ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ قوم ثمود، وقوم نوح، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. وقال ابن عباس ﵄: المعنى كصنيع آل فرعون... إلخ. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا:﴾ يحتمل أن يكون المراد بالآيات: المعجزات، وأن يكون المراد الآيات الكونية المنصوبة للدّلالة على الوحدانية، كما قال تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ:﴾ فأهلكهم الله بسبب كفرهم، وعنادهم، وشقاقهم. ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ:﴾ شديد الأخذ، والانتقام ممّن يخالف أوامره، ونواهيه. هذا؛ و ﴿آلِ:﴾ أصله: أهل، فأبدلت الهاء همزة ساكنة، فصار: «أأل» ثمّ أبدلت الهمزة الثانية الساكنة مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى على القاعدة: «إذا اجتمع همزتان: الأولى متحركة، والثانية ساكنة، قلبت الثانية مدّا مجانسا لحركة الهمزة الأولى». وذلك مثل آدم، وإيمان، وأومن، فإنّ الأصل: أأدم، وإئمان، وأؤمن. وقلب الهاء همزة سائغ مستعمل لغة كما في أراق، فإنّ أصله هراق، كما تقلب الهمزة هاء، ومن قول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٤١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] ألا يا سنا برق على قلل الحمى... لهنّك من برق عليّ كريم «لهنّك» أصلها: لأنّك والأوّل كثير، وهو مستعمل في الشّعر العربي، وغيره، وهذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: أصله: (أول) كجمل من: آل يؤول، تحركت الواو. وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقد صغّروه على: أهيل، وهو يشهد للأول، وعلى: أويل، وهو يشهد للثاني، ولا يستعمل: «آل» إلا فيما له خطر، وشأن، بخلاف «أهل» يقال: آل النبي، وآل الملك، ولا يقال: آل الحجّام، ولكن أهله، ولا ينتقض بآل فرعون؛ فإنّ له شرفا باعتبار الدّنيا. واختلف في جواز إضافته إلى المضمر، فمنعه الكسائي، والنّحاس، وزعم أبو بكر الزّبيدي: أنه من لحن العوام. والصّحيح جوازه، كما في قول عبد المطلب بن هاشم جدّ النبي ﷺ : [مجزوء الكامل] لا همّ إنّ المرء يم... نع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصّلي... ب عابديه اليوم آلك وفي الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ : «اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى آله». و ﴿آلِ فِرْعَوْنَ:﴾ قومه، وأتباعه، وأهل دينه، وكذلك آل الرسول ﷺ من هم على دينه، وملّته في

стр. 721

عصره، وسائر الأعصار؛ سواء كان نسيبا له، أو لم يكن، ومن لم يكن على دينه، وملّته، فليس من آله، ولا من أهله؛ وإن كان نسيبه، وقريبه، خلافا للرّافضة، حيث قالت: إن آل الرسول ﷺ : فاطمة، والحسن، والحسين، وذريّتهما فقط. دليلنا الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وقوله تعالى في سورة (غافر): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ أي: آل دينه، وملّته؛ إذ لم يكن له ذرّية، ولا أب، ولا عم، ولا أخ، ولا عصبة، ولأنّه لا خلاف: أنّ من ليس بمؤمن، ولا موحّد؛ فإنّه ليس من آل محمّد، وإن كان قريبا له. ولأجل هذا يقال: إنّ أبا لهب، وأبا جهل ليسا من آله، ولا من أهل ملّته، وإن كان بينهما وبين النبي ﷺ قرابة. ولأجل هذا؛ فإن الله تعالى قال في ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارا غير سرّ، يقول: «ألا إنّ آل أبي-يعني: فلانا-ليسوا لي، بأولياء، إنّما وليّي الله، وصالح المؤمنين». وانظر ما ذكرته في سورة (الأحزاب) بهذا الصدد-والله ولي التوفيق-وورد: «أنا جدّ كلّ تقيّ، ولو كان عبدا حبشيّا» أي: وإن كان ضعيفا. هذا؛ و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ قال المسعودي-رحمه الله تعالى-: ولا يعرف لفرعون تفسير في العربية. وظاهر كلام الجوهري: أنّه مشتق من العتو، فإنّه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة، أي: ذو دهاء، ومكر. وقال الزّمخشري في الكشاف: وفرعون علم لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، ولعتو الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان: إذا عتا، وتجبّر. وفي ملح بعضهم: [الكامل] قد جاءه الموسى الكلوم فزاد في... أقصى تفرعنه وفرط عرامه هذا؛ والموسى: ما يحلف به شعر الرأس: والكلوم فعول من الكلم، وهو الجرح، والعرام: الشرّ، والخبث، وضمير «جاء» راجع إلى الصّبيّ، وهذا كناية عن الختان، وبه النموّ، والفتوّة، لا كناية عن حلق العانة، كما قيل. قال المولى سعد الدين: وهذا مع وضوحه، وشهرته فقد خفي حتّى قيل: إنه كناية عن حلق العانة. وكان فرعون موسى مصعب بن الريّان، وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام- ريان ابن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمائة سنة، وكان فرعون موسى قد عاش ستمائة وعشرين سنة، لم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدّة جوع يوم، أو وجع يوم، أو حمّى يوم؛ لمّا ادّعى الألوهية. وقال الرسول ﷺ في حقّ أبي جهل الخبيث، «فرعوني أشدّ من فرعون موسى». وفي الآية التفات من الغيبة إلى التكلّم، ومنه إلى الغيبة. انظر الالتفات في الآية رقم [٢٥٣]. الإعراب: ﴿كَدَأْبِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: كفرت العرب كفرا ككفر آل فرعون، فهو يعني: أنّ الجار والمجرور متعلقان بمحذوف

стр. 722

صفة لمصدر محذوف، وردّ النّحاس بقوله: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة ب ﴿كَفَرُوا﴾ لأن ﴿كَفَرُوا﴾ داخلة في الصلة. و (دأب) مضاف، و ﴿آلِ﴾ مضاف إليه، و ﴿آلِ﴾ مضاف، و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرمه الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَالَّذِينَ﴾ فيه وجهان: الأول: العطف على: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فيكون مبنيّا على الفتح في محل جر، والثاني: اعتباره مبتدأ، فيكون مبنيّا على الفتح في محل رفع. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذين وجدوا من قبلهم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿كَذَّبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وما عطفت عليه، وهي على تقدير «قد» قبلها، أو هي في محل رفع خبر (﴿الَّذِينَ﴾) على اعتباره مبتدأ، والجملة الاسمية على هذا الاعتبار مستأنفة لا محل لها. ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿بِذُنُوبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿شَدِيدُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْعِقابِ﴾ مضاف إليه من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية هذه معترضة في آخر الكلام، وفيها تهويل للمؤاخذة، وزيادة تخويف للكفرة. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢)﴾ الشرح: قال محمد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: لمّا أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر، وقدم المدينة؛ جمع اليهود في سوق بني قينقاع، فقال: «يا معشر اليهود! احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنّي نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم». فقالوا: يا محمد! لا يغرنّك، أنّك قتلت أقواما أغمارا، لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فرصة، والله لو قاتلناك؛ لعرفت أنا نحن النّاس! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾. فهذه رواية عكرمة، وابن جبير عن ابن عباس، ﵃ أجمعين. وفي رواية أبي صالح عنه: أنّ اليهود لمّا فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد؛ نزلت. والأولى أصحّ. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي: في الدنيا بالقتل، والأسر، والتشريد. ﴿وَتُحْشَرُونَ:﴾ تساقون. والحشر: الجمع، ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ وهذا كثير في القرآن الكريم بصيغة الماضي، والمضارع، والأمر، مثل قوله في سورة (الصّافات): ﴿*احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ هي الدار الّتي يعذّب الله فيها الفجرة، والكفرة في الآخرة. ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ:﴾ الفراش، تقول: مهد، يمهد من باب قطع. ومهد الفراش: بسطه. وسوّاه، وسهّله، وأصلحه، وفيه تهكم بالكافرين، والفاسدين المفسدين؛

стр. 723

حيث جعلت لهم جهنم غطاء، ووطاء، فأكرموا بذلك، كما تكرم الأمّ ولدها بالعطاء، والوطاء اللينين. وانظر الآية رقم [٤٦] الآتية والمخاطب ب ﴿قُلْ﴾ سيّد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿سَتُغْلَبُونَ:﴾ السين: حرف استقبال، وتنفيس. (تغلبون): فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿إِلى جَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة، وجملة: ﴿قُلْ﴾ إلخ، مستأنفة لا محل لها. (بئس): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمِهادُ:﴾ فاعله. والمخصوص بالذم محذوف، التقدير: هي. وهذا المخصوص إما خبر لمبتدإ محذوف، أو هو مبتدأ مؤخر، خبره الجملة الفعلية. هذا؛ والجملة: «بئس المهاد المذمومة هي» إمّا من تمام القول، فتكون في محل نصب مقول القول، وإما مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام لتهويل جهنّم، وتفظيع حال أهلها. ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)﴾ الشرح: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين، وفائدته تثبيت نفوسهم، وتشجيعها؛ حتى يقدموا على حرب مثليهم، وأمثالهم. ويحتمل: أن الخطاب لجميع الكفار، من يهود المدينة، ومشركي العرب، هذا؛ ولم يؤنث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأحد أمرين: الأول الفصل بالجار والمجرور. والثاني: كون ﴿آيَةٌ﴾ مؤنثا مجازيّا، وما كان كذلك يجوز تأنيث فعله، وتذكيره. قال تعالى في سورة المزمل: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ،﴾ وقال امرؤ القيس: [المتقارب] برهرهة رؤدة رخصة... كخرعوبة البانة المنفطر هذا؛ و: ﴿آيَةٌ:﴾ عبرة، وعظة. ﴿فِي فِئَتَيْنِ:﴾ طائفتين. ﴿فِئَةٌ:﴾ طائفة، وجماعة من الناس، وهي اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، وفريق، ومعشر... إلخ. ﴿اِلْتَقَتا﴾ أي: يوم بدر. ﴿تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ:﴾ في طاعة الله، ومن أجل إعلاء كلمته؛ إذ لا يذكر لفظ القتال، أو الجهاد؛ إلا ويقرن بقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الغاية من القتال، والجهاد غاية شريفة نبيلة، هي إعلاء كلمة الله، لا السيطرة، أو المغنم، أو الاستيلاء في الأرض، أو غير ذلك من الغايات الدنيئة.

стр. 724

﴿وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ أي: بالله، ورسوله. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ:﴾ يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين، وكانوا قريبا من ألف مقاتل، أو مثلي عدد المسلمين، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وكان ذلك بعد أن قلّلهم الله في أعينهم، حتى اجترءوا عليهم، وتوجّهوا إليهم، فلمّا لاقوهم؛ كثروا في أعينهم؛ حتّى غلبوا. وكان ذلك مددا من الله تعالى للمؤمنين. أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين، قال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٤٣]: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً﴾ إلخ، وقال في الآية بعدها ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ إلخ؛ حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن كان بجانبه: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فلما أخذنا الأسارى؛ أخبرونا: أنهم كانوا ألفا. ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: كما أيّد المسلمين السابقين في غزوة بدر، وغيرها. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي: لعظة، وتذكيرا، واعتبارا لأصحاب العقول السليمة، والبصائر النيرة، فيستدلّون بذلك على قدرة الله تعالى، وقال تعالى في سورة (الحشر): ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ فيكون ﴿الْأَبْصارِ﴾ جمع: بصيرة، وهو غير معروف في اللغة؛ لأنّ جمع البصيرة بصائر، فالأولى اعتباره جمع: بصر بمعنى العلم. هذا؛ والعين تطلق على الماء الجاري، أو النابع من الأرض، وجمعها في القلّة: أعين، وفي الكثرة: عيون، قال تعالى في سورة (الذاريات) وغيرها: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وتجمع في الكثرة أيضا على: أعيان، وهذا غير مشهور، وقليل الاستعمال. كما تطلق العين على العين الباصرة، وهو أكثر، وأشهر ما تستعمل في أولئك، كما تطلق على الجاسوس، كما في قولك: بث الأمير عيونه في المدينة، أي: بث جواسيسه، كما تطلق على ذات الشخص، كما في قولك: جاء خالد عينه، وتطلق على الشّمس. وعين الشيء خياره، وتطلق على النقد من ذهب، وغيره، وإليك قول الشاعر: [البسيط] واستخدموا العين منّي وهي جارية... وقد سمحت بها أيّام وصلهمو فالمراد ب «العين» نفسه، وذاته، والمراد ب «جارية» عينه الباصرة، الّتي تجري بالدّمع. والمراد بقوله: (بها): نقد الذهب، وهذا يسمّى في فن البديع استخداما. وتطلق العين على أشياء كثيرة أيضا، وعلى المطر الهاطل من السّحاب، قال عنترة في معلقته رقم [٢٩] وهو الشاهد رقم [٣٥٩] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الكامل] جادت عليه كلّ عين ثرّة... فتركن كلّ حديقة كالدّرهم هذا؛ وأعيان القوم: أشرافهم، وبنو الأعيان: الأخوة من الأبوين. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿كانَ﴾ أو هما متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم على

стр. 725

اسمها. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿آيَةٌ﴾ كان نعتا له، فلمّا قدم عليه صار حالا على القاعدة التي ذكرتها مرارا. ﴿آيَةٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿فِي فِئَتَيْنِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ﴾ على الاعتبار الأول، والثالث في: ﴿لَكُمْ﴾. أو هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿آيَةٌ﴾ على الاعتبار الثاني، وجملة: ﴿قَدْ كانَ﴾ إلخ مستأنفة لا محل لها، وقال الجمل: جواب قسم مقدّر، ولا أرى له وجها إلا على تقدير اللام: لقد كان... إلخ. ﴿اِلْتَقَتا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، المقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث السّاكنة، والتي حرّكت بالفتحة أيضا لالتقائها ساكنة مع الألف التي هي في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿فِئَتَيْنِ﴾. ﴿فِئَةٌ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: إحداهما فئة. هذا؛ وقرئ بالجر على أنّه بدل بعض من: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ كما قرئ بالنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني فئة. وقيل: على الحال. ﴿تُقاتِلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى فئة، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل صفة: ﴿فِئَةٌ﴾. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿سَبِيلِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأُخْرى﴾ معطوف على: ﴿فِئَةٌ﴾ على جميع حركاتها، وهو أقوى من اعتبارها خبرا لمبتدإ محذوف. ﴿كافِرَةٌ:﴾ صفة (﴿أُخْرى﴾) على جميع حركاتها أيضا. ﴿يَرَوْنَهُمْ:﴾ مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (﴿أُخْرى﴾) بعد وصفها ب ﴿كافِرَةٌ﴾ أو هي صفة ثانية لها. ﴿مِثْلَيْهِمْ:﴾ حال من الضمير المنصوب، فهي حال متداخلة من وجه، فهو منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة. والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رَأْيَ:﴾ مفعول مطلق، وهو مضاف، و ﴿الْعَيْنِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. (﴿اللهِ﴾) مبتدأ. ﴿يُؤَيِّدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِنَصْرِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾)، والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا يشاؤه. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء، (عبرة): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، ﴿لِأُولِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (عبرة)، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكر، وحذفت النون للإضافة، و (أولي) مضاف و ﴿الْأَبْصارِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.

стр. 726

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ..﴾. إلخ: حسّنت في أعينهم، وأشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها، وأعرضوا عن غيرها. والمزين في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا هو فاعله، وكلّ من الشيطان، والقوة الحيوانية، وما خلقه الله فيها من الأمور البهيمية، والأشياء الشهية مزيّن بالعرض. انتهى بيضاوي. هذا؛ وفي كثير من الآيات: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾. وفي كثير منها إسناد الفاعل إلى الله، مثل قوله تعالى: ﴿زَيَّنّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ﴾. وفي كثير ﴿زُيِّنَ﴾ بالبناء للمجهول، والمزيّن في الحقيقة هو الله تعالى عند أهل السنة، وإنما جعل الشيطان آلة بإلقاء الوسوسة في قلوب العباد، وليس له قدرة أن يضل، أو يهدي أحدا، وإنما له الوسوسة فقط ممّن أراد الله، وقدر شقاوته سلطه عليه؛ حتى يقبل وسوسته. وهذا مبني على أنّ العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله تعالى، كما قال: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾. وأما المعتزلة؛ فيسندون الوسوسة، والتزيين إلى الشيطان حقيقة، وهذا مبنيّ على اعتقادهم: أنّ العبد يخلق أفعال نفسه، وهو مبني على القاعدة الفاسدة في إيجاب رعاية الصلاح، والأصلح للعبد، وامتناع أن يخلق الله تعالى للعبد إلا ما هو مصلحة له، فمن ثم اعتبروا التزيين من الله تعالى مجازا، ومن الشيطان حقيقة، ولو عكسوا الجواب؛ لفازوا بالصواب، وإلى الله المرجع والمآب. وتزيين الله للابتلاء، وليتبيّن عبد الشهوة من عبد المولى، وهو ظاهر قول عمر ﵁: (اللهمّ لا صبر لنا على ما زيّنت لنا، إلاّ بك). وقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ دليل واضح، وصريح: أنّ الله هو الفاعل المختار، فالمعتزلة تقول: العبد يخلق أفعال نفسه، والجبرية تقول: ليس للعبد كسب، بل هو مجبور كالريشة المعلّقة في الهواء، تقلبها الرياح كيف شاءت، فالمعتزلة فرّطوا، والجبرية أفرطوا، وتوسط أهل السّنّة، وخير الأمور أواسطها؛ حيث قالوا: ليس للعبد في أفعاله الاختيارية إلا الكسب، فليس مجبورا كما تقول الجبرية، وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة، فخرج مذهبهم من بين فرث، ودم خالصا سائغا للشاربين. قال أحد الجبريّة موردا على أهل السنة: [البسيط] ما حيلة العبد والأقدار جارية... عليه في كلّ حال أيّها الرّائي؟

стр. 727

ألقاه في اليمّ مكتوفا، وقال له: ... إيّاك إيّاك أن تبتلّ في الماء فأجابه بعض أهل السنة بقوله: [البسيط] إن حفّه اللّطف لم يمسسه من بلل... ولم يبال بتكتيف وإلقاء وإن يكن قدّر المولى بغرقته... فهو الغريق ولو ألقي بصحراء ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ:﴾ المشتهيات، سماها الله شهوات مبالغة، وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها، حتّى أحبوا شهوتها. وحركت الهاء بالفتح فرقا بين الاسم، والنعت، ومفردها: شهوة، واتباع الشهوات مرد، وطاعتها مهلكة. وأخرج مسلم-رحمه الله تعالى-عن أنس-﵁ عن النبي ﷺ قال: «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات» والمعنى: أنّ الجنة لا تنال إلا بطاعة الله؛ وإن كان ثقيلة على النفس، وأنّ النار لا ينجى منها إلا بترك المحرّمات؛ التي تشتهيها النفس وعبّر الله عن المشتهيات بالشّهوات مبالغة، كأنّها نفس الشهوات، وتنبيها على خسّتها؛ لأنّ الشهوات مسترذلة عند العقلاء. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ بدأ الله بذكر النساء من المشتهيات؛ لأنّ الالتذاذ بهن أكثر، والاستئناس بهن أتمّ، ولأنهنّ حبائل الشيطان، وأقرب إلى الافتتان بهنّ، كما ثبت في الصحيح: أنه ﷺ قال: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء». ففتنة النساء أعظم من جميع الأشياء. ويقال: في النّساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللّتان في النساء؛ فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الأرحام؛ لأنّ المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات، والأخوات. والثاني بأن يبتلى بجمع المال من الحلال، والحرام بسبب مطالب الزوجة، التي لا تنتهي، ولا سيما في هذا الزمن. وانظر إعلال ﴿النِّساءِ﴾ في الآية رقم [٦١] الآتية. ﴿وَالْبَنِينَ:﴾ مفرده: ابن. وإنّما ثنّى بالبنين؛ لأنهم ثمرات القلوب، وقرّة الأعين، كما قال القائل: [السريع] وإنّما أولادنا بيننا... أكبادنا تمشي على الأرض لو هبّت الرّيح على بعضهم... لامتنعت عيني من الغمض وحب البنين تارة يكون للتفاخر، والتباهي، والزينة، فهو مذموم، وتارة يكون لتكثير النّسل، وتكثير أمّة محمد ﷺ ممّن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: «تزوّجوا الودود الولود، فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». رواه أبو داود، والنسائي عن معقل بن يسار، ﵁، ولهذا ثنّى بالبنين بعد النساء وفي حديث الرسول ﷺ : «الولد مبخلة مجبنة محزنة» ولأنهم فروع منهنّ، وثمرات نشأت عنهنّ. وقدّموا على الأموال لأنّهم أحبّ إلى المرء من ماله. وخصّ البنون بالذكر دون البنات؛ لأن حبّ الذكر أكثر من حبّ

стр. 728

الأنثى، ولأن والده يتكثّر به، ويعضده، ويقوم مقامه. وحب المال كذلك، تارة يكون للفخر، والخيلاء، والتكبّر على الضعفاء، والتجبّر على الفقراء، فهذا مذموم. وتارة يكون للنفقة في القربات، وصلة الأرحام، والقرابات، ووجوه البرّ، والطاعات. فهذا ممدوح محمود شرعا. ﴿وَالْقَناطِيرِ:﴾ جمع قنطار. هذا؛ وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها: أنه المال الجزيل، كما قاله الضحّاك، وغيره. و ﴿الْمُقَنْطَرَةِ:﴾ المجمّع بعضها فوق بعض، وتقول العرب: قنطرت الشيء: إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة؛ لإحكامها، قال طرفة بن العبد في معلّقته رقم [٢٢]: [الطويل] كقنطرة الرّوميّ أقسم ربّها... لتكتنفن حتّى تشاد بقرمد ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:﴾ هذان أصل التعامل مع الناس، فلذا خصّا بالذّكر، فالذهب يذكّر، ويؤنث، وهو مأخوذ من الذّهاب. والفضّة مأخوذة من انفضّ الشيء: تفرق، ومنه فضضت القوم، فانفضوا؛ أي: فرقتهم، فتفرقوا. وهذا الاشتقاق يشعر بزوالها، وعدم ثبوتها كما هو مشاهد في الوجود. ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم: [البسيط] النّار آخر دينار نطقت به... والهمّ آخر هذا الدّرهم الجاري والمرء بينهما إن كان ذا ورع... معذّب القلب بين الهمّ والنّار ﴿وَالْخَيْلِ:﴾ (﴿الْخَيْلِ﴾): اسم جمع لا واحد لها من لفظها، وتجمع على: خيول. والخيل مؤنثة؛ لأنّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها؛ إذا كانت لغير الآدميين مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم. وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان؛ فإنّما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل. وقال ابن كيسان: حدّثت عن أبي عبيدة: أنه قال: واحد الخيل: خائل، مثل: طاير، وطير، وسمّي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وفي الخبر من حديث عليّ ﵁؛ قال: «إن الله خلق الفرس من الرّيح، ولذلك جعلها تطير بلا جناح». وسمّيت خيلا؛ لأنّها موسومة بالعز، فمن ركبها اعتز بنحلة الله له، ويختال بها على أعداء الله تعالى. وسمي الواحد فرسا؛ لأنه يفترس مسافات الأرض افتراس الأسد وثبانا، وسمي عربيّا؛ لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربيّ فصارت نحلة من الله، فسمي عربيّا. والأحاديث في مدح الخيل، ومدح من يقتنيها، وينفق عليها كثيرة. ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ يعني: الراعية في المروج، والمسارح. قال سعيد بن جبير-﵁ يقال: سامت الدّبة، والشاة: إذا سرحت، تسوم سوما، فهي سائمة. وقيل: (﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾) من السّمة، وهي العلامة. واختلفوا في تلك العلامة. فقيل الغرّة، والتحجيل. وقيل: هي الخيل البلق. وقيل: هي المعلمة بالكيّ. وقيل: ﴿الْمُسَوَّمَةِ:﴾ المضمّرة الحسان. قال النابغة: [الوافر]

стр. 729

بضمر كالقداح مسوّمات... عليها معشر أشباه جنّ (﴿وَالْأَنْعامِ﴾): جمع: نعم، وهي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام) ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم؛ إلا للإبل خاصّة، فإنه غلب عليها. قال حسّان-﵁: [الوافر] وكانت لا يزال بها أنيس... خلال مروجها نعم وشاء هذا؛ وفي سنن ابن ماجة عن عروة البارقي-﵁-يرفعه؛ قال: «الإبل عزّ لأهلها، والغنم بركة، والخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة». ﴿وَالْحَرْثِ:﴾ الأرض المعدّة للزراعة، والغراس. وفي صحيح البخاريّ عن أبي أمامة الباهليّ ﵁-وقد رأى سكة، وشيئا من آلة الحرث، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذّلّ». قال المهلّب: المعنى-والله أعلم-: الحضّ في هذا الحديث على معالي الأمور، وطلب الرّزق من أشرف الصناعات، وذلك لما خشي النبي ﷺ على أمته من الاشتغال بالحرث، وتضييع ركوب الخيل في سبيل الله؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث؛ غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضّهم على التعيش من الجهاد، لا من الإخلاد إلى عمارة الأرض، ولزوم المهنة. وفي الوقت نفسه رغّب الرسول ﷺ في الزّراعة، فقال: «ما من مسلم غرس غرسا، أو زرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة؛ إلاّ كان له به صدقة». أخرجاه في الصّحيحين عن أنس، ﵁. وقال الإمام أحمد-رحمه الله تعالى-عن سويد بن هبيرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «خير مال امرئ، له مهرة مأمورة، أو سكّة مأبورة». المأمورة: الكثيرة النّسل، والسّكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقّحة. قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كلّ نوع من المال يتموّل به صنف من الناس، أمّا الذهب، والفضة؛ فيتمول بها التّجار، وأمّا الخيل المسوّمة، فيتموّل بها الملوك، وأمّا الأنعام؛ فيتموّل بها أهل البوادي. وأمّا الحرث؛ فيتمول به أهل الرساتيق (القرى) فتكون فتنة كلّ صنف من النّوع الذي يتموّل به. وأما النّساء، والبنون؛ فهي فتنة للجميع. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى جميع ما ذكر. ﴿مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي: يتمتع به فيها، ثم يفنى، كما تفنى. وهذا منه تعالى تزهيد في الدنيا، وانظر الترغيب في الآخرة في الآية التالية، وقد قال الرسول ﷺ : «الدّنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصّالحة». أخرجه مسلم، والنّسائي عن عبد الله بن عمرو، ﵄. ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ:﴾ عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. ﴿حُسْنُ الْمَآبِ:﴾ حسن المرجع والثّواب، من: آب، يؤوب إيابا: إذا رجع، قال امرؤ القيس: [الوافر] وقد طوّفت في الآفاق حتّى... رضيت من الغنيمة بالإياب

стр. 730

وقال عبيد بن الأبرص في معلّقته: [مخلّع البسيط] وكلّ ذي غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوب وأصل مآب: مأوب، مثل: مقول، فقل في إعلالهما: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى الهمزة، والميم قبلها، ثمّ يقال: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا. الإعراب: ﴿زُيِّنَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان به. ﴿حُبُّ:﴾ نائب فاعله، وهو مضاف، و ﴿الشَّهَواتِ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. التقدير: حبّهم الشهوات. ﴿مِنَ النِّساءِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الشَّهَواتِ﴾. ﴿وَالْبَنِينَ:﴾ معطوف على ﴿النِّساءِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَالْقَناطِيرِ:﴾ معطوف على ﴿النِّساءِ﴾. ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ صفة له. ﴿مِنَ الذَّهَبِ:﴾ متعلقان ب ﴿الْمُقَنْطَرَةِ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (﴿الْقَناطِيرِ﴾). ﴿وَالْخَيْلِ:﴾ معطوف على النّساء. ﴿الْمُسَوَّمَةِ:﴾ صفة (﴿الْخَيْلِ﴾). ﴿وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ:﴾ معطوفان أيضا على ﴿النِّساءِ﴾. والجملة الفعلية: ﴿زُيِّنَ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿مَتاعُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْحَياةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿حُسْنُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، وهذا وإن اعتبرت الظرف متعلقا بمحذوف خبر المبتدأ ف ﴿حُسْنُ﴾ يكون فاعلا به؛ أي: بمتعلقه، وهو وجه صحيح لا غبار عليه، التقدير: والله يوجد عنده حسن. و ﴿حُسْنُ﴾ مضاف، و ﴿الْمَآبِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ﴾ إلخ في محل نصب حال من متاع الحياة، والرابط الواو فقط، والعامل في الحال اسم الإشارة، وهو أولى من العطف على ما قبلها. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ ، والمعنى: هل تريدون أن أخبركم بما هو أفضل، وأعظم ممّا ذكر في الآية السّابقة من المشتهيات؟ هذا؛

стр. 731

و (﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾) مضارع ماضيه «نبّأ». هذا؛ والأفعال: نبّأ، وأنبأ، وخبّر، وأخبر، وحدّث تتعدى لاثنين: إلى الأول بنفسها، وإلى الثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف الأول للدلالة عليه. وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في قوله تعالى من سورة (التّحريم): ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فقوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ تعدى لاثنين، حذف أولهما، والثاني مجرور بالياء، أي: نبأت به غيرها، وقوله: ﴿فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ﴾ ذكرهما، وقوله: ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هذا﴾ ذكرهما، وحذف الجار، فالأول تعدى إلى مفعول صريح، وإلى الثاني بحرف الجر، والفعل الثاني مثله، والثالث تعدّى إلى مفعولين صريحين. وهذا إذا لم يدخل: (نبّأ، وأنبأ) على المبتدأ، والخبر؛ جاز أن يكتفى فيها بمفعول واحد، وبمفعولين، فإذا أدخلا على المبتدأ، والخبر؛ تعدّى كلّ واحد إلى ثلاثة مفاعيل، ولم يجز الاقتصار على الاثنين دون الثالث؛ لأن الثالث هو خبر المبتدأ في الأصل، فلا يقتصر دونه، كما لا يقتصر على المبتدأ دون الخبر. ومثال دخول أحدهما على المبتدأ، أو الخبر قولك: نبأت زيدا عمرا منطلقا، أو: أنبأت زيدا عمرا مجتهدا، ففي المثالين يجب نصب ثلاثة مفاعيل. والله وليّ التوفيق. ومن ذلك قول النابغة الذبياني-وهو الشاهد رقم [٢٠] من كتابنا: فتح رب البريّة إعراب شواهد جمع الدروس العربية-: [الكامل] نبّئت زرعة والسّفاهة كاسمها... يهدي إليّ غرائب الأشعار وأيضا قوله-وهو الشاهد رقم [٢١] من الكتاب المذكور-: [البسيط] نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني... ولا قرار على زار من الأسد وأيضا قول قيس بن الملوّح-وهو الشاهد رقم [١١٨] من كتابنا فتح القريب المجيب إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل] ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة... إليّ فهلاّ نفس ليلى شفيعها هذا؛ والنبأ: الخبر وزنا ومعنى، ويقال: النبأ أخصّ من الخبر؛ لأنّ النبأ لا يطلق إلا على كل ما له شأن، وخطر من الأخبار. وقال الراغب: النبأ: خبر ذو فائدة، يحصل به علم، أو غلبة ظنّ، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ؛ حتى يتضمّن هذه الأشياء الثلاثة، وحقّه أن يتعرّى عن الكذب، كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الرّسول ﷺ . هذا؛ وقد يجيء الفعل من نبّأ غير مضمن معنى: أعلم، فلذلك يعدى بواحد بنفسه، وللآخر بحرف الجر، كما في الآية المذكورة. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: المراد: المهاجرون، والأنصار، يعرفهم، ويشوقهم الله إلى الآخرة، قال العلماء: ويدخل في هذا الخطاب كلّ من اتّقى الشرك، فأخبرهم الله: أن ما عنده، أي: الذي ادّخره لهم خير ممّا كان في الدنيا؛ وإن كان محبوبا عندهم، فرغّبهم الله على ترك ما يحبّون لما يرجون.

стр. 732

﴿جَنّاتٌ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان من النخل، والشّجر الكثير المتكاثف؛ الّذي يجنّ؛ أي: يستر ما يكون متداخلا فيه. وسمّيت دار الثواب: جنّة؛ لما فيها من النّعيم؛ الذي لا ينفد. وجمع الجنّة على جنّات يدلّ على جنات كثيرة مرتّبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكلّ طبقة منهم جنّة من تلك الجنان، وهي سبع، بل ثمان: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، ودار المقامة، ودار السّلام، وجنة المأوى، وعليّون، وفي كل منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب درجات الأعمال، والعمال. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي: من تحت قصورها، وأشجارها، ولم يجر لها ذكر؛ لأن الجنّات تدلّ عليها، والأنهار لا تجري، وإنما يجري الماء فيها، فهو من تسمية الشيء باسم محله، ويسمى مجازا مرسلا، وهو كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها، وقال الشاعر: [الكامل] نبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت... واستبّ بعدك يا كليب المجلس أي: أهل المجلس. هذا؛ و ﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع: نهر، وهو معروف في الدّنيا، ولكن شتان ما بين أنهار الجنّة، وأنهار الدّنيا، فأنهار الجنة من أنواع الأشربة من العسل، واللبن، والخمر، والماء وغير ذلك. هذا؛ ويجمع النّهر على أنهر، ونهر، ونهور، وأنهار. وهاء النّهر تسكّن، وتفتح؛ هذا وروي: أنّ أنهار الجنّة ليست في أخاديد، إنّما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها. ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ ماكثين مقيمين فيها أبدا. وهذا من تمام السّعادة، فإنّهم مع هذا النعيم في مقام أمين، يعيشون مع زوجاتهم في هناء خالد، لا يعتريه انقطاع، ولا يصيبهم مرض، ولا همّ، ولا غمّ، ولا يطرأ عليهم عجز، وشيخوخة، فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله-﵃-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أهل الجنة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون». قالوا: فما بال الطعام؟! قال: «جشاء، ورشح كرشح المسك. يلهمون التّسبيح، والتّحميد، كما تلهمون النّفس». ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: ولهم في الجنّة زوجات مطهّرات من الأقذار، والأدناس الحسّيّة، والمعنويّة. فالحسّيّة: مثل الحيض، والنفاس، والبول، والغائط، والنّخام. والمعنوية: مثل سوء الخلق، وإيذاء الأزواج، وعدم طاعتهم، والانصياع لأوامرهم. وكذلك نساء الدّنيا المؤمنات يكنّ يوم القيامة أجمل من الحور العين، كما قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً﴾ ولكل مؤمن في الجنة زوجتان من نساء الدنيا، وعدد من الحور العين على حسب درجته، ومكانته عند الله تعالى. ﴿وَرِضْوانٌ:﴾ أي يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا، ولهذا قال تعالى في سورة (براءة): ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: إنّ رضوان الله الذي ينزله عليهم أكبر من كلّ ما سلف ذكره من نعيم الجنّة. وخذ ما يلي:

стр. 733

فعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله ﵎ يقول لأهل الجنّة: يا أهل الجنّة! فيقولون: لبّيك ربّنا، وسعديك، والخير كلّه في يديك! فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربّنا؛ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا!». متفق عليه. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ يعني: إن الله عالم بمن يؤثر ما عنده من النّعيم المقيم ممّن يؤثر شهوات الدنيا، فيجازي كلاّ على عمله، فيثيب، ويعاقب على قدر الأعمال. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، واستخبار، (﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به. ﴿بِخَيْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ: مستأنفة لا محلّ لها. ﴿مِنْ ذلِكُمْ:﴾ متعلقان ب (خير) واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿اِتَّقَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالخبر المحذوف، أو هو متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الجار والمجرور، وهو بدوره عائد على: ﴿جَنّاتٌ﴾ و (﴿عِنْدَ﴾) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَنّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، ويكون الوقف على: ﴿ذلِكُمْ﴾ جيدا. هذا وجه للإعراب. وقيل: ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقان ب (خير) وعليه ف ﴿جَنّاتٌ﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي جنات. ولا تنس: أن ﴿جَنّاتٌ﴾ يقرأ بالجر، وخرّج على أنه بدل من: (خير). ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْأَنْهارُ﴾ وهو ضعيف و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل تجري، والجملة الفعلية صفة: ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم. والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَأَزْواجٌ:﴾ معطوف على ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿مُطَهَّرَةٌ:﴾ صفة له. ﴿وَرِضْوانٌ:﴾ معطوف على جنات أيضا. وهذا على رفع ﴿جَنّاتٌ﴾ وأما على قراءة الجر ف (﴿أَزْواجٌ﴾) و (﴿رِضْوانٌ﴾): مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: ولهم أزواج ورضوان. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (﴿رِضْوانٌ﴾) أو بمحذوف صفة له. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، فيها وعد، ووعيد. ﴿بِالْعِبادِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَصِيرٌ﴾.

стр. 734

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ (١٦)﴾ الشرح: هذه الآية الكريمة، والتي بعدها تصفان المتّقين الذين أكرمهم الله بالخلود في دار النعيم. ﴿رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا﴾ أي: صدقنا بك، وبكتبك، وبرسلك، واليوم الآخر، وبملائكتك، وقضائك، وقدرك خيره، وشره. ﴿فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا:﴾ سيئاتنا، ومعاصينا. والذنب يطلق على مخالفة الله فيما أمر، وفيما نهى عنه، وهو على درجات، منها: الصغائر، ومنها: الكبائر، وتفصيلها معروف في محالّها. هذا؛ وذنوب بالمعنى المتقدّم بضم الذال، وهو بفتحها بمعنى النصيب، قال تعالى في سورة (الذّاريات) رقم [٥٩]: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾. وهو أيضا الدّلو العظيمة في الأصل، قال الراجز: [الرجز] إنّا إذا شاربنا شريب... له ذنوب ولنا ذنوب فإن أبى كان له القليب ﴿وَقِنا:﴾ فعل دعاء من الوقاية، وهي التحرّز من المهالك في الدنيا، والآخرة، وصيغته صيغة أمر، فهو من اللّفيف المفروق: «وقى، يقي» فتحذف فاؤه من المضارع مثل كلّ فعل مثال، كوعد، يعد، ووزن، ويزن... إلخ، والأمر منه: اوقنا بهمزة وصل، حذفت منه الواو، كما حذفت من مضارعه، واستغني عن همزة الوصل لتحرك الحرف المبدوء به، وتحذف لامه مع فائه لبنائه على حذف حرف العلة مثل كلّ فعل ناقص معتلّ الآخر، مثل: اسع، وادع، وارم. فيبقى فعل الأمر فعلا واحدا (ق) ومثله: وعى، يعي، ع، ووفى، يفي، ف، وولي، يلي، ل، ووطى، يطي، ط، ووأى يئي إ. قال: «أبو يعقوب بن يوسف الدباغ الصقلي» وهو الشاهد رقم [١٣] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الخفيف] إنّ هند المليحة الحسناء... وأي من أضمرت لخلّ وفاء «إنّ» أصله: «إينّ» بمعنى: «عدي» فحذفت الياء لالتقائها ساكنة مع النون المدغمة. «وأي»: وعد. وإذا لم يتصل به ضمير تلحقه هاء السكت. فتقول: قه، فه، له، عه، طه، إه، وبه يلغز، كما في قول القائل: [الرجز] في أيّ لفظ يا نحاة الملّه... حركة قامت مقام الجمله؟ هذا؛ و ﴿عَذابَ﴾ اسم مصدر لا مصدر؛ لأن المصدر تعذيب؛ لأنه من: عذّب، يعذّب، بتشديد الذال فيهما، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، ومثله: عطاء، وسلام، ونبات، من: أعطى، وسلّم، وأنبت. هذا؛ والعذاب: كل ما شقّ على الإنسان احتماله، ومنعه من مراده، وهو النّكال: وزنا، ومعنى.

стр. 735

أما ﴿النّارِ﴾ فأصلها النّور: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكّر، وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنّم؛ التي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين، كما أنها تستعار للشدّة، والضيق، والبلاء. قال الشاعر: [الطويل] وألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ فيه أوجه: الإتباع على البدلية من: (الذين اتقوا) فيكون مبنيّا على الفتح في محل جر. والقطع على إضمار: أمدح، أو أعني، فيكون مبنيّا على الفتح في محل نصب. والقطع على إضمار «هم» فيكون مبنيّا على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿رَبَّنا:﴾ منادى حذف منه حرف النداء. و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِنَّنا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا) في محل نصب اسمها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ) وهنا قد وقعت (نا) ضميرا مشتركا بين الرفع، والنصب، والجر. ﴿فَاغْفِرْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها في مثل ذلك الفاء الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر. (اغفر): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا:﴾ مفعول به. و (نا): في محل جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، التقدير: وإذا كان الإيمان حاصلا منا؛ فاغفر لنا ذنوبنا. والكلام كلّه في محل نصب مقول القول. (﴿قِنا﴾): فعل دعاء مبني على حذف حرف العلة من آخره وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت» ونا مفعول به أول. ﴿عَذابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿النّارِ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم المصدر لظرفه، وفاعله محذوف. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)﴾ الشرح: ﴿الصّابِرِينَ:﴾ يعني: على أداء الواجبات، وعن المحرّمات، والمنهيّات، وفي البأساء والضراء، وحين البأس، والصّابرين على أنواع البلاء. (﴿الصّادِقِينَ﴾) يعني: في إيمانهم، قال قتادة-رحمه الله تعالى-: هم قوم صدقت نيّاتهم، واستقامت ألسنتهم، وقلوبهم في السرّ، والعلانية، والصّدق يكون في القول، والفعل، والنّيّة، فأمّا صدق القول؛ فهو مجانبة الكذب

стр. 736

فيه. وأما الصّدق في الفعل هو عدم الانصراف عنه قبل تمامه. والصّدق في النيّة: العزم على الفعل؛ حتى يبلغه. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ:﴾ يعني أموالهم في طاعة الله تعالى. ويدخل فيه: نفقة الرجل على نفسه، وعلى أهله، وأقاربه، وصلة رحمه، والزّكاة، والنفقة في القربات. وانظر ما ذكرته في سورة البقرة؛ تجد ما يسرّك. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ:﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. هذا؛ والأسحار جمع: سحر: آخر الليل، وهو بفتحتين، وهو بكسر السين، وسكون الحاء: خزعبلات، وضلالات يقوم بها أفّاكون، ودجّالون. وهو بفتح السين، وسكون الحاء: منتهى قصبة الحلقوم، ومنه قول أم المؤمنين عائشة-﵂: قبض رسول الله ﷺ ، ورأسه بين سحري، ونحري. انتهى جمل نقلا من السّمين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية الكريمة حصر لمقامات السّالك على أحسن ترتيب، فإنّ معاملته مع الله تعالى: إمّا توسل، وإمّا طلب، والتوسّل إمّا بالنفس، وهو منعها من الرّذائل، وحبسها على الفضائل، والصبر يشملها. وإمّا بالبدن، وهو إما قولي، وهو الصّدق، وإما فعلي، وهو القنوت؛ الذي هو ملازمة الطّاعة. وإمّا بالمال، وهو الإنفاق في سبيل الخير، وأمّا الطلب؛ فبالاستغفار؛ لأنّ المغفرة أعظم المطالب، بل الجامع لها. وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كلّ واحدة منها، وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها. وتخصيص الأسحار بالذّكر؛ لأنّ الدّعاء فيها أقرب إلى الإجابة؛ لأنّ العبادة حينئذ أشقّ، والنّفس أصفى، والرّوع أجمع للمجتهدين. قيل: إنّهم كانوا يصلّون إلى السّحر، ثم يستغفرون بالأسحار، ويدعون انتهى بحروفه. نعم؛ قال نافع مولى ابن عمر-﵄: كان ابن عمر يحيي اللّيل، ثمّ يقول: يا نافع! أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصّلاة، فإذا قلت: نعم؛ قد يستغفر، ويدعو حتّى يصلّي الصّبح. فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربّنا ﵎ كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى الثّلث الأخير، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له؟! من يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له؟! حتى يطلع الفجر» متّفق عليه. فهذا الحديث من أحاديث الصّفات، وللعلماء فيه، وفي أمثاله مذهبان معروفان: مذهب السّلف: الإيمان به، وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية عنه. والمذهب الثاني هو مذهب من يتأوّل أحاديث الصّفات، انظر الآية رقم [٧]. وبالجملة فقد وصف الله تعالى هؤلاء بما وصف، ثمّ بيّن: أنّهم مع ذلك لشدّة خوفهم، ووجلهم: أنهم يستغفرون بالأسحار، وروي: أنّ لقمان-﵇-قال لابنه: يا بني! لا تكن أعجز من الدّيك، فإنه يصوّت بالأسحار؛ وأنت نائم على فراشك. وقد قال الزمخشري: وخصّ الأسحار؛ لأنّهم كانوا يقدّمون قيام الليل، فيحسن طلب الحاجة بعده، كما قال تعالى في سورة (فاطر): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.

стр. 737

هذا؛ وإنّ الله جلّت قدرته حثّنا على الاستغفار في جميع الأوقات، ورغّبنا فيها الرّسول ﷺ في جميع الحالات، فعن عبد الله بن بسر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفار كثير!» رواه ابن ماجة، والبيهقيّ. وعن محمّد بن عبد الله ابن محمد بن جابر بن عبد الله-﵁-عن أبيه عن جدّه، قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: وا ذنوباه! وا ذنوباه! فقال هذا القول مرّتين، أو ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «قل: اللهمّ مغفرتك أوسع من ذنوبي! ورحمتك أرجى عندي من عملي!». فقالها، ثم قال: «عد»، فعاد، ثم قال: «عد» فعاد، ثم قال: «قم فقد غفر الله لك». وعن بلال بن يسار بن زيد-﵁-قال: حدثني أبي عن جدّي: أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: «من قال: أستغفر الله الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه؛ غفر له؛ وإن كان فرّ من الزّحف». رواه أبو داود، والترمذيّ. وانظر الآية رقم [١٣٥] الآتية. الإعراب: ﴿الصّابِرِينَ:﴾ صفة: ﴿الَّذِينَ﴾ أو بدل منه، وذلك على اعتباره في محل نصب، أو في محل جر، وأما على اعتباره في محل رفع؛ ف ﴿الصّابِرِينَ﴾ يكون منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو أعني، ونحو ذلك، وعلامة النصب، أو الجر فيه، وفيما بعده الياء نيابة عن الفتحة، أو الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفي كلّ واحد منها ضمير مستتر، هو فاعله؛ لأنها كلّها أسماء الفاعلين. ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ الشرح: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ..﴾. إلخ: بيّن الله، وأعلم عباده بانفراده بالوحدانية. وقال ابن عباس-﵄: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان، ولم تكن سماء، ولا أرض، ولا بر، ولا بحر، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي: وشهد الملائكة. فمعنى شهادة الله تعالى: الإعلام، والإخبار. ومعنى شهادة الملائكة، والمؤمنين: الإقرار، والاعتراف بأنّه لا إله إلا هو. ولمّا كان كل واحد من هذين الأمرين يسمّى شهادة؛ حسن إطلاق الشهادة عليها. ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد أولو العلم بأنّه لا إله إلا هو. وفيه دليل على فضل العلم، وشرف العلماء، فإنّه لو كان أحد أشرف من العلماء؛ لقرنهم الله باسمه، واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء؛ لذا قال في شرف العلم لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ فلو كان شيء أشرف من العلم؛ لأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يسأله المزيد منه، كما أمره أن يستزيده من العلم. وخذ ما يلي:

стр. 738

فعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا يريد العلم يتعلّمه لله؛ فتح الله له بابا إلى الجنة، وفرشت له الملائكة أكنافها، وصلّت عليه ملائكة السّماوات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السّماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم» رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة. ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، ومعناه: أنه تعالى قائم بتدبير خلقه، كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، يعني: أنه مدبّر له، ومتعهّد لأسبابه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ذكرها للتأكيد، وفائدتها: الإعلام بأنّ هذه الكلمة أعظم الكلام، وأشرفه. ففيه حثّ للعباد على تكرارها، والاشتغال بها، فإنه من اشتغل بها؛ فقد اشتغل بأفضل العبادات، وأعظم الطّاعات. وخذ ما يلي: فعن غالب القطّان، عن الأعمش؛ قال: حدّثني أبو وائل عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عهد إليّ، وأنا أحقّ من وفّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنّة». رواه الطّبراني في الكبير. وقال الخازن: وروى البغوي بسند الثعلبي عن غالب القطّان... إلخ، والمراد بصاحبها: الّذي يقول الآية. وقد ورد في فضل الآية الكريمة أيضا: أنّ من قرأها عند منامه، وألحق بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ ثمّ قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، فمات من ليلته؛ مات على إيمان كامل، ويجزيه بها ربّنا ما تقدّم في الحديث الشريف. وذكر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-حديثا عن أنس-﵁-بشأن قراءة الآية عند النّوم فيه مجازفات كبيرة، وضعفه ظاهر للعيان. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. ذكر في سبب نزول الآية الكريمة: أنّه لمّا استقرّ الرسول ﷺ بالمدينة؛ وفد عليه حبران من أحبار الشام، فلمّا دخلا عليه؛ عرفاه بالصّفة، والنّعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: «نعم». قالا: وأنت أحمد؟ قال: «نعم». قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها؛ آمنا بك، وصدّقناك، فقال لهما رسول الله ﷺ : «سلاني!» فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فنزلت: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ الآية، فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله ﷺ . وخذ المحاورة اللّطيفة بين العقل، والعلم، حيث يقول القائل، وقد أحسن، وأجاد: [البسيط] علم العليم وعقل العاقل اختلفا... من ذا الّذي منهما قد أحرز الشّرفا فالعلم قال أنا أحرزت غايته... والعقل قال أنا الرّحمن بي عرفا فأفصح العلم إفصاحا وقال له... بأيّنا الله في فرقانه اتّصفا؟ فبان للعقل أنّ العلم سيّده... فقبّل العقل رأس العلم وانصرفا

стр. 739

الإعراب: ﴿شَهِدَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، وقال أبو البقاء والزّمخشري: يقرأ: («شهداء لله») بالنصب على الحال من الأسماء السابقة، وبالرّفع على تقدير: هم شهداء لله، ويكون: و ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ معطوفين على الضمير المستتر ب (شهداء). وجاز ذلك للفصل، وهذه القراءة لا تعطي المعنى الجيد كما في القراءة الأولى، وعلى كلّ فهي قراءة شاذّة: ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر: (أنّ) و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: يكون لا إله إلا الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿شَهِدَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، ﴿وَأُولُوا:﴾ معطوف أيضا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (﴿أُولُوا﴾) مضاف، و ﴿الْعِلْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿قائِماً:﴾ حال من لفظ الجلالة، أو من الضمير المنفصل، وهي حال لازمة على الاعتبارين، والعامل في الحال معنى الجملة، و ﴿بِالْقِسْطِ﴾ متعلقان ب ﴿قائِماً﴾ لذا فهو يحمل ضمير مستترا هو فاعله. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة، وسابقتها في أول السّورة. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ أي: إن الدين المرضي عند الله هو الإسلام، كما قال تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ وقال في الآية رقم [٨٥] الآتية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وانظر شرح: ﴿الدِّينَ﴾ في سورة (البقرة) رقم [٢٥٦] و ﴿الْإِسْلامُ﴾ هو الدخول في السّلم، وهو الاستسلام، والانقياد، والدخول في الطاعة. و ﴿الْإِسْلامُ﴾ وهو الشريعة المرضية عند الله، والمبعوث به الرسل من لدن آدم إلى عهد نبينا، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وهو المبنيّ على التوحيد، وهو المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: من اليهود، والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام. فقال قوم: إنه حق، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، أو اختلفوا في التوحيد، فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وكان هذا منهم بعد ما علموا حقيقة الأمر، وتمكّنوا من العلم بها، أي: بالحجج الدامغات، والآيات السّاطعات، والمعجزات الباهرات. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ:﴾ أي: بغي بعضهم على

стр. 740

بعض، فاختلفوا في الحقّ بسبب تحاسدهم، وتباغضهم، وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جمع أقواله، وأفعاله؛ وإن كانت حقّا. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه من صفة الرسول ﷺ ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لا يحتاج إلى عدّ، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر، كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال الرسول ﷺ في دعائه يوم الخندق: «اللهمّ منزل الكتاب، سريع الحساب...» إلخ. والمعنى: أن الله تعالى، لا يشغله شأن عن شأن، فكما يرزقهم في ساعة واحدة، يحاسبهم لذلك في ساعة واحدة. قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان) وقيل للإمام عليّ-﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟! قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس-﵄: إذا أخذ الله في حسابهم: لم يقل أهل الجنة إلا فيها. هذا؛ ويقيل من القيلولة وهي الاستراحة وقت الظهيرة. ومعنى الحساب وفائدته تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم ما قد نسوه بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. هذا؛ وأما البغي، فهو الظلم، والاعتداء على حقّ الغير، وعواقبه ذميمة، ومآله وخيم، وعقباه أليمة؛ ولو أنّ له جنودا بعدد الحصى، والرّمل، والتّراب. ورحم الله من يقول-وهو الشاهد رقم [٢٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل وعن النبي ﷺ : أنّه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وقال جلّ شأنه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصّديق ﵁: «ثلاث من كنّ فيه؛ كنّ عليه» وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقابا البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: «لو بغى جبل على جبل؛ لدكّ الباغي». فأخذه بعض الشعراء، فقال: [البسيط] يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله وكان المأمون يتمثّل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأه بالبغي عليه. قال الشّاعر الحكيم: [الكامل]
следующие страницы →