← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

إذا سقط السماء بأرض قوم... رعيناه وإن كانوا غضابا أراد بالسماء المطر، ثم أعاد عليه الضمير في رعيناه بمعنى: النبات، وهذا يسمى في فن البديع بالاستخدام. وأصل سماء: سماو، فيقال في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ و ﴿السَّماءَ﴾ تذكر، وتؤنث. هذا؛ و (غفار) صيغة مبالغة، و (مدرار) كثيرة الدرور، أي: ذات مطر كثير، و «مفعال» صيغة مبالغة، وهو مما يستوي فيه المذكر، والمؤنث، كقولهم: رجل مهذار، وامرأة معطار. وخذ نبذة من أحاديث الرسول ﷺ في الاستغفار. فعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ همّ فرجا، ومن كلّ ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب». رواه أبو داود، والنسائي، وغيرهما. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلكم على دائكم ودوائكم؟ ألا إنّ داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار». رواه البيهقي. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ للقلوب صدأ كصدأ النّحاس، وجلاؤها الاستغفار». رواه البيهقي. وعن أبي سعيد الخدري-﵄-عن النبي ﷺ قال: «قال إبليس: وعزّتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم». فقال: «وعزّتي، وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». رواه أحمد، والحاكم. وعن شداد بن أوس-﵁-عن النبي ﷺ قال: «سيّد الاستغفار: اللهمّ أنت ربي لا إله إلاّ أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك، ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، من قالها موقنا بها حين يمسي، فمات من ليلته؛ دخل الجنة، ومن قالها موقنا بها حين يصبح، فمات من يومه دخل الجنة». رواه البخاري، والنسائي، والترمذي. الإعراب: ﴿فَقُلْتُ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (قلت): فعل، وفاعل. ﴿اِسْتَغْفِرُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَبَّكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قلت...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. ﴿غَفّاراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معترضة بين الأمر، وجوابه، ومفيدة للتعليل لا محل لها. ﴿يُرْسِلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم؛ لوقوعه جوابا للأمر، وجزمه عند الجمهور بشرط محذوف، التقدير: إن تستغفروا... يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والجملة الفعلية لا محل

стр. 6862

لها، لوقوعها جوابا للطلب. ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به أول. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بما بعدهما. ﴿مِدْراراً:﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من السماء، قاله السمين. ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ:﴾ يزدكم أموالا، وبنين. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ:﴾ بساتين، وحدائق. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ أي: من ماء يجري في أراضيكم أطمعهم نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بالحصول على بركات السماء، وبركات الأرض إن هم آمنوا بالله الذي بيده مفاتيح هذه الخزائن. وأتاهم من طريق القلب لتحريك العواطف، ولبيان: أن ما هم فيه من انحباس الأمطار، وما حرموه من الرزق، والذرية، إنما سببه كفرهم بالله الذي بيده وحده، إرسال المطر، وإغداق الرزق، والإمداد بالأموال والبنين، وأنه لا ينبغي لهم أن يكفروا بالله القادر، ويعبدوا آلهة أخرى اخترعوها، لا تضر، ولا تنفع. هذا؛ و (أموال) جمع: مال. قال ابن الأثير: المال في الأصل يطلق على كل ما يملك من الذهب، والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى، ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها أكثر أموالهم. وقال الجوهري: ذكر بعضهم: أن المال يؤنث، وأنشد لحسان بن ثابت-﵁: [البسيط] المال تزري بأقوام ذوي حسب... وقد تسوّد غير السّيّد المال وعن الفضل الضبي: المال عند العرب: الصامت، والناطق، فالصامت: الذهب، والفضة والجواهر، والناطق: هو البعير، والبقرة، والشاة، فإذا قلت عن حضري: كثر ماله؛ فهو الصامت، وإذا قلت عن بدوي: كثر ماله؛ فهو الناطق. والنشب: المال الثابت، كالضياع، ونحوها، فلا يقال للمنقول المذكور آنفا: نشب. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي-﵁-يوصي ولده: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب هذا؛ وقال الرسول ﷺ : «من تواضع لغنيّ لغناه؛ فقد ذهب ثلثا دينه». وإنما كان كذلك؛ لأن الإيمان متعلق بثلاثة أشياء: المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، فإذا تواضع بلسانه، وأعضائه؛ فقد ذهب الثلثان، فلو انضم إليه القلب؛ ذهب الكل. ﴿جَنّاتٍ:﴾ جمع: جنة، وهي البستان الكثير الأشجار، وسميت بذلك؛ لأنها تجن، أي: تستر من يدخل فيها لكثرة أشجارها، وكثافتها. ﴿أَنْهاراً:﴾ جمع: نهر، وهو معروف، ويجمع النهر على: أنهر، ونهر، ونهور، وهاء النهر تسكن، وتفتح.

стр. 6863

الإعراب: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (يمددكم): معطوف على يرسل، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ﴾. والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِأَمْوالٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَبَنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (بنين): معطوف على ما قبله مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿وَيَجْعَلْ:﴾ معطوف على ما قبله إفرادا وجملة. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ مثل سابقه. ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)﴾ الشرح: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً:﴾ قال ابن عباس-﵄: أي: مالكم لا ترون لله عظمة. وقيل: معناه ما لكم لا تعرفون لله حقا، ولا تشكرون له نعمة؟! وقيل: معناه: ما لكم لا ترجون في عبادة الله ثوابا، ولا على توقيركم إياه أجرا، وخيرا؟! وقيل: معناه: ما لكم لا تخافون عظمة الله؟! فالرجاء بمعنى الخوف، والوقار: العظمة، من التوقير، وهو التعظيم. هذا؛ ووقوع الرجاء بمعنى الخوف مستعمل في اللغة العربية، قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢١]: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا..﴾. إلخ. وهي لغة تهامة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفة عسّال، أي: الذي يقطف عسل النحل: [الطويل] إذا لسعته الدّبر لم يرج لسعها... وخالفها في بيت نوب عواسل وقال بعض العلماء: لا يقع الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، أي: النفي. كقوله تعالى في هذه الآية. وقال بعضهم: بل يقع في كل موضع دل عليه المعنى. وهو المعتمد. هذا؛ وأصل الرجاء الأمل في الشيء، والطماعية فيه. قال الشاعر: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا... شفاعة جدّه يوم الحساب وقال خبيب بن عدي-﵁، وأرضاه-: [الطويل] لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلما... على أيّ جنب كان في الله مصرعي؟! ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ أي: جعل لكم في أنفسكم آية تدل على قدرته، وعظمته. قال ابن عباس ﵄: ﴿أَطْواراً﴾ يعني: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة؛ أي: طورا بعد طور إلى تمام الخلق، كما ذكر الله تعالى في آية (الحج) رقم [٥] وآية (المؤمنون) رقم [١٤]. والطور في اللغة: المرة. وقيل: المراد: مراحل الحياة من طفولة إلى شباب، إلى كهولة، إلى شيوخ، وضعفاء. وقيل: ﴿أَطْواراً﴾ أي: أنواعا: صحيحا، وسقيما، وبصيرا، وضريرا، وغنيا، وفقيرا. وقيل:

стр. 6864

اختلافهم في الأخلاق، والأفعال، والألوان، واللغات، والطبائع... إلخ. هذا؛ والطور الحال والهيئة، والجمع أطوار. الإعراب: ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والعامل ﴿ما﴾ الاستفهامية. وقيل: العامل فيها معنى الاستقرار في ﴿لَكُمْ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿لِلّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: وقارا، كان له صفة، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿وَقاراً:﴾ مفعول به. ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكُمْ،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال ثانية من كاف الخطاب، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، فتكون حالا متداخلة. ﴿أَطْواراً:﴾ حال من كاف الخطاب، فهي حال متداخلة. هذا؛ وخلق بمعنى: ابتدع، فلذلك لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥)﴾ الشرح: انظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك) فالكلام فيها كاف واف. ومعنى ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ الإخبار لا المعاينة، كما تقول: ألم ترني كيف صنعت بفلان كذا؟ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: نبههم على النظر في أنفسهم أولا؛ لأنها أقرب منظور فيه منهم. ثم على النظر في العالم، وما سوى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع الباهر قدرته، وعلمه من السموات، والأرض، والشمس، والقمر. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والعامل الفعل: ﴿خَلَقَ﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿سَماواتٍ﴾ مضاف إليه. ﴿طِباقاً:﴾ فيه أوجه: المصدرية: على أنه مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تطابق بعضها طباقا. والحالية: أي: ذات طباق، فحذف «ذات» وأقيم ﴿طِباقاً﴾ مقامه، والوصفية لسبع. ويجوز في العربية جره صفة ل: ﴿سَماواتٍ﴾ ولم يقرأ بالجر هنا، وفي سورة (الملك) رقم [٣].

стр. 6865

﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ أي: في سماء الدنيا. قال ابن كيسان: إذا كان في إحداهن؛ فهو فيهن. وروي: أن وجه القمر إلى السماء، وإذا كان إلى داخلها فهو متصل بالسموات، وقال ابن عباس وابن عمر-﵄: وجهه يضيء لأهل الأرض، وظهره يضيء لأهل السماء. ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ يعني: مصباحا لأهل الأرض، وفي إضافتها لأهل السماء القولان الأولان، وحكى القشيري عن ابن عباس-﵄: أن الشمس وجهها في السموات وقفاها في الأرض. ومعنى (سراجا) يبصر أهل الدنيا في ضوئها، كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس، ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ رقم [٥]، والضياء أقوى من النور، وعبر عن الشمس بالسراج؛ لأنه يضيء بنفسه، وعبر عن القمر بالنور؛ لأنه يستمد نوره من غيره، ويؤيده ما تقرر في علم الفلك من أن نور الشمس ذاتي فيها، ونور القمر عرضي مكتسب من نور الشمس، فسبحان من أحاط بكل شيء علما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. أقول: وعلى قول ابن عباس، وابن عمر-﵄: فالسموات السبع إنما هي طبقات هوائية ينفذ فيها ضوء القمر، ونور الشمس، ولا يبقى لما قاله محمد الشنواني في حاشيته على مختصر ابن أبي جمرة في شرح حديث المعراج: إن السموات السبع طبقات مادية من فضة ورصاص، ونحاس. لا يبقى لهذا الكلام أيّ اعتبار، والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: (جعل): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ تقديره: «هو». ﴿الْقَمَرَ:﴾ مفعول به أول. ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿نُوراً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿نُوراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية، والتي بعدها معطوفتان على ما قبلهما، وهما في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨)﴾ الشرح: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً:﴾ قال الصابوني: بعد أن ذكر الله دليل الآفاق؛ ذكر هنا دليل الأنفس، وذلك؛ لأن في ذكر هذه الأمور دلالة واضحة على عظمة الله وقدرته، وباهر مصنوعاته، والمعنى: خلقكم، وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلّكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها. قال المفسرون: لما كان إخراجهم، وإنشاؤهم إنما يتم بتناولهم

стр. 6866

عناصر الغذاء الحيوانية والنباتية المستمدة من الأرض؛ كانوا من هذه الجهة مشابهين للنبات؛ التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض؛ فلذا سمي خلقهم، وإنشاؤهم إنباتا، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم، حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت منه ذريته، فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض. انتهى. صفوة التفاسير. وفي الآية استعارة تبعية استعير الإنبات للإنشاء، كما يقول: زرعك الله للخير، وكانت هذه الاستعارة أدل على الحدوث؛ لأنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات، ومنه قيل للحشوية: النابتة، والنوابت لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أولية فيه، ولا تنس: أن ﴿نَباتاً﴾ اسم مصدر، لا مصدر؛ إذ المصدر إنبات؛ لأن فعله أنبت. وفي الخازن: وقيل: تقديره: أنبتكم، فنبتم نباتا. وفيه دقيقة لطيفة، وهي أنه لو قال: أنبتكم إنباتا، كان المعنى أنبتكم إنباتا عجيبا غريبا. ولما قال: أنبتكم نباتا، كان المعنى أنبتكم فنبتم نباتا عجيبا، وهذا الثاني أولى؛ لأن الإنبات صفة الله تعالى، وصفة الله تعالى غير محسوسة لنا، فلا يعرف: أن ذلك الإنبات إنبات عجيب كامل إلا بواسطة إخبار الله تعالى، وهذا المقام مقام الاستدلال على كمال قدرة الله تعالى، فكان موافقا لهذا المقام، فظهر بهذا: أن العدول عن تلك الحقيقة إلى هذا المجاز كان لهذا السر اللطيف. ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها﴾ أي: يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم، فتدفنون فيها. ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ أي: يخرجكم من الأرض يوم القيامة للحساب، والجزاء. وأكده بالمصدر لبيان أن ذلك واقع لا محالة. وهذه الآية، كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٥]: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾. الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿أَنْبَتَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿نَباتاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُعِيدُكُمْ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله)، والكاف مفعول به. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية والتي بعدها معطوفتان على ما قبلهما، وهما من مقول نوح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿إِخْراجاً:﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، مثل: نباتا، وإسرارا، واستكبارا. ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ أي: جعلها فسيحة ممتدة ممهدة لكم، وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات، كما قال تعالى في غير ما آية: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ﴾

стр. 6867

﴿تَمِيدَ بِكُمْ﴾ جعلها الله منبسطة؛ ليتقلب الإنسان عليها بالذهاب والإياب، كما يتقلب على بساطه وفراشه. قال في التسهيل: شبه الأرض بالبساط في امتدادها، واستقرار الناس عليها، وأخذ بعضهم من الآية أن الأرض غير كروية، وفي ذلك نظر، قال الآلوسي: وليس في الآية دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية؛ لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا، ثم إن اعتقاد الكروية، أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كرويتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا أي: تتقلبون عليها كالبساط. انتهى صفوة التفاسير، وانظر ما ذكرته في سورة (الرعد) رقم [٣]: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً:﴾ لتتخذوا منها طرقا. ﴿فِجاجاً:﴾ مسالك، والفج الطريق الواسع بين جبلين. هذا؛ وفي سورة (الأنبياء) رقم [٣١] تقديم الفجاج، وأخر هنا لتناسب الفواصل. الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿جَعَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿بِساطاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿بِساطاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿لِتَسْلُكُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿جَعَلَ﴾. ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿سُبُلاً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا. ﴿سُبُلاً:﴾ مفعول به. ﴿فِجاجاً:﴾ صفة ﴿سُبُلاً﴾. ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً (٢١)﴾ الشرح: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي:﴾ فيما أمرتهم به من الإيمان، والاستغفار. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي: السفلة، والفقراء، والضعفاء. ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ أي: الرؤساء، والكبراء، والأغنياء؛ الذين لم يزدهم كفرهم، وأموالهم، وأولادهم إلا ضلالا في الدنيا، وهلاكا في الآخرة. وفحوى الآية الكريمة: شكوى نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-إلى الله تعالى، وأنهم عصوه، ولم يتبعوه فيما دعاهم إليه من الإيمان بعد أن لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما داعيا لهم، وهم على كفرهم، وعصيانهم. قال ابن عباس-﵄: رجا نوح ﵇ الأبناء بعد الآباء، فيأتي منهم الولد بعد الولد، حتى بلغوا سبعة قرون، فلم يزدادوا إلا ضلالا، ثم دعا عليهم بعد الإياس منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأغرقهم، وعاش بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس، وفشوا.

стр. 6868

الإعراب: ﴿قالَ نُوحٌ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، انظر إعراب (يا قوم) في الآية رقم [٢]. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَصَوْنِي:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ نُوحٌ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاتَّبَعُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (اتبعوا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَزِدْهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿مالُهُ:﴾ فاعله. (ولده): معطوف عليه، والهاء فيهما ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿خَساراً:﴾ مفعول به ثان. وجملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ يعني: كبيرا عظيما. يقال: كبير، وكبار، وكبّار، مثل: عجيب، وعجاب، وعجّاب، ويقال: رجل حسن، وحسّان، وجميل، وجمّال، وقرّاء للقارئ، ووضّاء للوضيء. وأنشد ابن السكيت: [الكامل] بيضاء تصطاد القلوب وتستبي... بالحسن قلب المسلم القرّاء وقال آخر: [الكامل] والمرء يلحقه بفتيان النّدى... خلق الكريم وليس بالوضّاء و ﴿كُبّاراً﴾ بالتشديد أعظم في المبالغة، والماكرون: هم الرؤساء، والقادة، فيكون قد روعي لفظ ﴿مَنْ﴾ بقوله: ﴿لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ وروعي معناها بقوله: ﴿(مَكَرُوا)﴾ ومكرهم: احتيالهم في الدين، وكيدهم لنوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وتحريش السفلة على أذاه، وصد الناس عن الإيمان به، والميل إليه، والاستماع منه. وقيل: مكرهم: هو قولهم: لا تذرنّ آلهتكم، وتعبدوا إله نوح. هذا؛ والمكر أصله في لسان العرب: الاحتيال، والخديعة، وقد مكر به، يمكر، فهو ماكر، ومكّار. قال الشاعر: [الطويل] قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخديعة والمكر

стр. 6869

وقال زياد بن يسار-وهو الشاهد رقم [١٠٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٧] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] تعلّم شفاء النفس قهر عدوّها... فبالغ بلطف في التّحيّل والمكر هذا، ونسب المكر إلى الله في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى في سورة (الرعد) رقم [٤٢]: ﴿فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً﴾ وهو بمعنى المجازاة، والعقاب، والانتقام. الإعراب: (مكروا): ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مَكْراً:﴾ مفعول مطلق. ﴿كُبّاراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ فهي من جملة الصلة، لا محل لها. ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَقالُوا﴾ أي: قال الرؤساء، والكبراء من قوم نوح. وقيل: كفار قريش. ولا وجه له قطعا. ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: لا تتركوا آلهتكم التي تعبدونها. ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا..﴾. إلخ: هذا تخصيص بعد تعميم؛ لأنهم كانت لهم أصنام غير هذه الخمسة، وهذه أعظمها عندهم، وهذا على مثال قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٣٨]: ﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى﴾، وقوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. وانظر التعميم بعد التخصيص في الآية الأخيرة، وكلاهما من باب الإطناب، وهو من المحسنات البديعية. قال محمد بن كعب القرظي-﵁: هذه أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا كان أتباعهم يقتدون بهم، ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة، فجاءهم إبليس -لعنه الله-، وقال لهم: لو صورتم صورهم كان ذلك أنشط لكم، وأشوق للعبادة، ففعلوا ذلك. ثم نشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس-أخزاه الله-: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء؛ لأنهم صوروها على صور أولئك القوم الصالحين من المسلمين. وبهذا المعنى فسر ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة: أن أم حبيبة، وأم سلمة-﵅، ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة تسمى: مارية، فيها تصاوير فذكرتا لرسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : «إنّ أولئك كانوا إذا مات الرجل الصالح منهم بنوا على قبره مسجدا، ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرّ الخلق عند الله يوم القيامة». هذا؛ وقال السيوطي في كتابه مبهمات القرآن: وذكر تقي الدين بن مخلد: أن ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا كانوا أولاد آدم لصلبه. حكاه ابن عساكر. وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن عروة. انتهى.

стр. 6870

وعن ابن عباس-﵄-قال: صارت الأوثان، التي كانت تعبد قوم نوح في العرب بعد، أما ود؛ فهو أول صنم عبد من دون الله، وكان في العرب لقبيلة بني كلب بدومة الجندل، وفيه يقول شاعرهم: [البسيط] حيّاك ودّ فإنّا لا يحلّ لنا... لهو النّساء وإنّ الدّين قد عزما وأما سواع؛ فكان لهذيل بساحل البحر. وأما يغوث؛ فكان لغطيف من مراد بالجوف من سبأ. وأما يعوق؛ فكان لهمدان في اليمن، وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني: [الوافر] يريش الله في الدنيا ويبري... ولا يبري يعوق ولا يريش وأما نسر؛ فكان لذي الكلاع من حمير. وكانت للعرب أصنام أخر، فاللات كانت لثقيف، والعزى كانت لسليم، وغطفان، وجشم، ومناة كانت لخزاعة بقديد، وأساف، ونائلة، وهبل كانت لأهل مكة، ولذلك سمّت العرب أنفسهم ب: عبد ودّ، وعبد يغوث، وعبد العزى، وعبد مناة، ونحو ذلك من الأسماء. هذا؛ وأساف اسم رجل، ونائلة اسم امرأة، كلاهما من قبيلة جرهم، قد خلا أساف بنائلة في جوف الكعبة، وزنى بها، فمسخهما الله حجرين، فأصبح الناس، فوجدوهما داخل الكعبة حجرين، فوضعوا أحدهما على الصفا، والثاني على المروة للاعتبار، والاتعاظ، ثم زين الشيطان لأحفاد الأولين عبادتهما. وقيل: كان أساف بحيال الحجر الأسود، ونائلة بحيال الركن اليماني، وهبل في جوف الكعبة. الإعراب: ﴿وَقالُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَذَرُنَّ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا﴾ وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، والنون للتوكيد حرف لا محل له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿آلِهَتَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والأسماء الأربعة معطوفة على ﴿وَدًّا،﴾ و ﴿يَغُوثَ﴾ و (يعوق) ممنوعان من الصرف للعلمية، ووزن الفعل إن كانا عربيين، وللعلمية والعجمة إن كانا أعجميين. وقرأ الأعمش بصرفهما: «(ولا يغوثا ويعوقا)» لأمرين: أحدهما أنه صرفهما للتناسب؛ إذ قبلهما اسمان منصرفان، وبعدهما اسم منصرف، كما صرف (سلاسل) في سورة (الدهر) رقم [٤]. والثاني: أنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقا، وهي لغة حكاها الكسائي. انتهى. جمل نقلا عن السمين. ولم تذكر (لا) مع الأسماء الثلاثة لكثرة التكرار، وعدم اللبس.

стр. 6871

﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً (٢٤)﴾ الشرح: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً:﴾ الضمير للرؤساء، والكبراء؛ أي: أضلوا كثيرا من أتباعهم، فهو عطف على قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً﴾ وقيل: الضمير يعود إلى الأصنام المذكورة في الآية السابقة، والمعنى ضل بسببها كثير من الناس، فإنه قد استمرت عبادتها في العرب، والعجم، وسائر صنوف بني آدم، نظيره قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ﴾ فإسناد الإضلال إلى الأصنام مجاز عقلي؛ لأنها سبب في حصول الإضلال، والهادي والمضل في الحقيقة هو الله وحده. وانظر الآية رقم [١٧] من سورة (المزمل). هذا؛ وقد جمع الضمير العائد على الأصنام بالواو التي هي لجماعة الذكور العقلاء؛ لأن الكفار كانوا يخاطبونها مخاطبة من يعقل، فنزلت منزلتهم. ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً:﴾ دعاء من نوح ﵇ على قومه؛ لتمردهم، وكفرهم، وعنادهم. وهذا منه ﵇ لما أيس من إيمانهم بإخبار الله له بقوله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ رقم [٣٦] من سورة (هود) ﵇، كما دعا موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-على فرعون، وملئه بقوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ رقم [٨٨] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يريد نوح لهم الضلال، ويدعو الله بزيادته؟! قلت: المراد بالضلال أن يخذلوا، ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر، ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن، وجميل، ويجوز الدعاء به، بل لا يحسن الدعاء بخلافه. ويجوز أن يريد بالضلال: الضياع، والهلاك. وأحسن منه قول الخازن: إنما دعا عليهم بعد أن أعلمه الله: أنهم لا يؤمنون، وهو قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ من سورة (هود) كما رأيت. الإعراب: ﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَضَلُّوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿كَثِيراً:﴾ مفعول به، وهو في الأصل صفة مفعول به، التقدير: أضلوا ناسا كثيرا، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة. بقوله: (قالوا)، أو من: ود، وما عطف عليه حسب ما رأيت في الشرح من اعتبار رجوعه إلى الكبراء، أو إلى الأصنام، وعلى الاعتبارين؛ فالرابط: الواو، والضمير. هذا؛ واعتبر بعضهم الجملة مقولة لقول محذوف، التقدير: وقال: قد أضلوا. وهذا القول المقدر معطوف على القول السابق، أي: قال: إنهم عصوني، وقال: قد أضلوا. وهذا ينافي الشرح المتقدم، فالجملة الفعلية هذه من مقول نوح ضمنا لا صراحة، لوقوعها حالا عاملها الفعل (قالوا) المعطوف مع مقوله كله على جملة: ﴿لَمْ يَزِدْهُ..﴾. إلخ الواقعة صلة للموصول، كما رأيت سابقا، فتبقى الجملة

стр. 6872

التالية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ فهي من مقول نوح بسبب العطف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): دعائية. ﴿تَزِدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ضَلالاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي..﴾. إلخ، وقول الجلال: عطف على: (قد أضلوا) لا أحبذه أبدا. ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً (٢٥)﴾ الشرح: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ أي: أغرقوا بالطوفان من أجل خطيئاتهم، جمع: خطيئة، فقد جمعت بالألف والتاء، كما في قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦١]: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ وقرئ: «(مما خطاياكم)» كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٥٨]: ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فهو جمع تكسير، كما تجمع على: فعالل، فتقول: «خطائئ» مثل: صحائف جمع صحيفة، وأصله خطايء مثل: صحايف، فقل في إعلاله تحركت الياء فيهما، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ولم يعتد بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الأصلية، والألف المنقلبة عن الياء، فقلبت هذه همزة، فصار (خطائيء) على فعالل، فلما اجتمعت الهمزتان، قلبت الثانية ياء؛ لأن قبلها كسرة، ثم استثقلت، والجمع ثقيل، وهو معتل مع ذلك، فقلبت الياء ألفا، ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين. أما خطايا فهو جمع خطيّة، وأصلها: خطيئة، فقلبت الهمزة ياء، وأدغمت الياء فصار: خطيّة. ﴿فَأُدْخِلُوا ناراً﴾ أي: بعد إغراقهم. قال القشيري: وهذا يدل على عذاب القبر، ومنكروه يقولون: صاروا مستحقين دخول النار، أو عرض عليهم أماكنهم من النار، كما قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٤٦]: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وقد ذكرت هناك: أنه يستدل بها على عذاب القبر أيضا. وروى أبو روق عن الضحاك: أنه قال: يعني: عذّبوا بالنار في الدنيا مع الغرق في الدنيا في حالة واحدة؛ كانوا يغرقون في جانب، ويحترقون في الماء من جانب. وبه قال القرطبي، والخازن، والزمخشري، وأنشد أبو بكر بن الأنباري: [البسيط] الخلق مجتمع طورا ومفترق... والحادثات فنون ذات أطوار لا تعجبنّ لأضداد إن اجتمعت... فالله يجمع بين الماء والنار هذا؛ والنار: جوهر لطيف مضيء محرق، وهي من المؤنث المجازي، وقد تذكر، وأصلها: نور، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، وتصغيرها نويرة، والجمع أنور، ونيران،

стр. 6873

ونيرة، قلبت الواو فيهما ياء لانكسار ما قبلها، ويكنى بها عن جهنم التي سيعذب بها الكافرين، والفاسقين، والمجرمين، كما أنها تستعار للشدة، والضيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل] وألقى على قيس من النار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها فهي مستعارة في هذا البيت لشدة النكاية؛ التي أذاقها قبيلة قيس، والفعل: نار، ينور يستعمل لازما، ومتعديا إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ أي: تنصرهم، وتمنعهم من العذاب الذي نزل بهم، فهو تعريض لهم باتخاذهم آلهة من دون الله لا تقدر على نصرهم، قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٤٣]: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا﴾. الإعراب: ﴿مِمّا:﴾ (من): حرف جر، و (ما) صلة. ﴿خَطِيئاتِهِمْ:﴾ اسم مجرور ب: (من)، والجار والمجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿أُغْرِقُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، الواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها. ﴿ناراً:﴾ مفعول به ثان، والمفعول الأول واو الجماعة؛ التي هي نائب فاعل. ﴿فَلَمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَجِدُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿أَنْصاراً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، وبعضهم يعتبرهما مفعولا ثانيا، تقدم على الأول و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَنْصاراً:﴾ مفعول به، والجملة: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً (٢٦)﴾ الشرح: توجه نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بهذا الدعاء حينما أيس من إيمان قومه بإعلام الله له: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ رقم [٣٦] من سورة (هود) ﵇، فأجاب الله دعوته، وأغرق أمته. وقيل: سبب دعائه: أن رجلا من قومه حمل ولدا صغيرا على كتفه فمر به على نوح، فقال: احذر هذا فإنه يضلك، فقال: يا أبت أنزلني! فأنزله، فرماه فشجه، فحينئذ غضب، فدعا عليهم. وقال محمد بن كعب، ومقاتل، والربيع، وعطية، وابن زيد: إنما قال هذا حينما أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم، وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء، وأصلاب الرجال قبل العذاب بسبعين سنة. قال قتادة: ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب. قال ابن العربي: دعا نوح على قومه أجمعين، ودعا النبي ﷺ على من تحزب على المؤمنين، وألّب عليهم، وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة، فأما كافر معين

стр. 6874

لم تعلم خاتمته؛ فلا يدعى عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة، وإنما خص النبي ﷺ بالدعاء عتبة، وشيبة، وأصحابهما لعلمه بمآلهم، وما كشف له من الغطاء عن حالهم، والله أعلم. انتهى. قرطبي. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٨] من سورة (الأحزاب) بشأن اللعن تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ..﴾. إلخ عطف على نظيره السابق، وقوله: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ..﴾. إلخ اعتراض وسط بين دعائه ﵇، للإيذان من أول الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق، والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطاياهم؛ التي عددها نوح، وإشارة إلى أن استحقاقهم للإهلاك لأجلها. وهذا منه-﵀-بيان للحكمة في تأخيره الدعاء عن قوله: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ مع أن الدعاء مقدم في الواقع على إغراقهم. هذا؛ و (ديّار) بمعنى: أحد، وديّار، وأحد لا يستعملان إلا بعد نفي، أو شبهه، ومنه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وقال الشاعر-وهو الشاهد رقم [٨١٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٧٣] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألاّ يجاورنا إلاّك ديّار ووزن ديّار: فيعال من الدور، أو من الدار، وأصله ديوار، فلما اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ولو كان وزنه فعّالا بتكرير العين لكان دوّارا. هذا؛ ومثل ديّار، وأحد في المعنى، وتقدم النفي عليهما: عريب، قال عبيد بن الأبرص من معلقته رقم [٣]: [مخلع البسيط] فعردة فقفا حبرّ... ليس بها منهم عريب الإعراب: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ:﴾ الجملة الفعلية معطوفة على مثلها في الآية رقم [٢١] وهي مثلها في الإعراب. ﴿لا:﴾ دعائية. ﴿تَذَرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لا،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿عَلَى الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ الْكافِرِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿دَيّاراً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿دَيّاراً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لا تَذَرْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً (٢٧)﴾ الشرح: قال نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-هذا الكلام لعلمه بالتجربة من أحوالهم: أن أولادهم يكونون مثلهم؛ لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل منهم ينطلق إليه بابنه، ويقول له: احذر هذا؛ فإنه كذاب، وإن

стр. 6875

أبي حذرني منه، فيموت الكبير، وينشأ الصغير على ذلك. وقد ذكرت لك في سورة (هود) أنه تعاقب عليه أربعة أجيال، كل جيل يكون أكفر وأخبث من سابقه، وانظر ما ذكرته في الآية السابقة، كيف أعقم الله أصلاب الرجال، وأرحام النساء، قبل الطوفان بأربعين، أو سبعين سنة، لذا فقد استجاب الله له دعاءه، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين، حتى ولد نوح لصلبه؛ الذي اعتزل عن أبيه، وقال: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾. عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «لو رحم الله من قوم نوح أحدا؛ لرحم امرأة لما رأت الماء؛ حملت ولدها، ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء؛ صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها؛ وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها؛ رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحدا؛ لرحم هذه المرأة». أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير: حديث غريب، ورجاله ثقات، أقول: وهذا يتنافى مع ما قدمته من عقم رجالهم، ونسائهم، فليتأمل! والله أعلم. الإعراب: ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَذَرْهُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها شرط غير ظرفي. ﴿يُضِلُّوا:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عِبادَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وفيها معنى التعليل. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَلِدُوا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر، ﴿فاجِراً:﴾ مفعول به. ﴿كَفّاراً:﴾ صفة ﴿فاجِراً﴾ مؤكدة. ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً (٢٨)﴾ الشرح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي:﴾ وذلك أنه لما دعا على الكفار، قال: رب اغفر لي. يعني: ما صدر مني من ترك الأفضل. وقيل: يحتمل: أنه حين دعا على الكفار: أنه إنما دعا عليهم بسبب تأذيه منهم، فكان ذلك الدعاء عليهم كالانتقام منهم، فاستغفر من ذلك، لما فيه من طلب حظ النفس، أو لأنه ترك الاحتمال. انتهى. خازن. ﴿وَلِوالِدَيَّ:﴾ وكانا مسلمين، واسم أبيه: لمك، واسم أمه: شمخى بوزن سكرى، بنت أنوش. وقيل: هما آدم وحواء. ولا وجه له، وقرئ:

стр. 6876

«(لولديّ)» يريد ساما، وحاما. ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ:﴾ منزلي، أو مسجدي، أو سفينتي. ﴿مُؤْمِناً:﴾ لأنه علم: أنه من دخل بيته مؤمنا، لا يعود إلى الكفر. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ دعاء لجميع المؤمنين، والمؤمنات، وذلك يعم الأحياء منهم، والأموات، إن شاء الله تعالى، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح ﵇، وبما جاء في الآثار، والأدعية المشهورة المشروعة. وفي هذه ذكر العام بعد الخاص عكس ما رأيته في الآية رقم [٢٣]. ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً﴾ أي: هلاكا، ودمارا. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٣٩] حكاية عن موسى لبني إسرائيل الذين طلبوا منه إلها غير الله: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ وتبر يتبر من بابي قتل وتعب إذا هلك، يتعدى بالتضعيف، فيقال: تبره، والاسم: التبار، قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٧]: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً﴾. فهلكوا جميعا. وقيل: غرق معهم صبيانهم، لكن لا على وجه العقاب لهم، بل لتشديد عذاب آبائهم، وأمهاتهم بإرادة هلاك أطفالهم، الذين كانوا أعز عليهم من أنفسهم، قال ﵊: «يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتّى». وعن الحسن: أنه سئل عن ذلك، فقال: علم الله براءتهم، فأهلكهم بغير عذاب. وقيل: أعقم الله أرحام نسائهم، وأيبس الله أصلاب الآباء قبل الطوفان، فلم يكن معهم صبي حين غرقوا، كما رأيته سابقا، والله أعلم. الإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ، وانظر إعراب: ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية رقم [٢]. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. (لوالدي): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم في محل جر بالإضافة. ﴿وَلِمَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لمن): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿دَخَلَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة (من) لا محل لها. ﴿بَيْتِيَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿مُؤْمِناً:﴾ حال من فاعل ﴿دَخَلَ﴾. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (للمؤمنين): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): دعائية. ﴿تَزِدِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به أول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿تَباراً:﴾ مفعول به ثان، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول؛ لأنها من قول نوح على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. خاتمة: جاء في قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار ما يلي: ذكر الكتاب الكريم: أن نوحا ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وذكرت التوراة: أن آدم عمّر ثلاثين

стр. 6877

وتسعمائة سنة، وذكرت أيضا: أن الطوفان ابتدأ في السنة الأولى بعد ستمئة سنة من ولادة نوح ﵇، وذكرت كثيرا من الأنبياء، وغيرهم، وأنهم عمروا عمرا طويلا، ونحن لا نجد معمرا يعمر مثل هذا العمر، أو نصفه، أو ربعه من زمن طويل، وهؤلاء الفراعنة في مصر نجد أجسامهم كأجسام أهل هذه الأيام، وأعمارهم لا تختلف عن أعمارنا، وقد مر لهم أربعون قرنا، أو أكثر، فكيف يكون ذلك؟. والذي أراه: أنه لا مانع من أن يعمر آدم، ومن قرب منه أعمارا طويلة؛ لأن النوع الإنساني كان في بدء نشأته لم يحمل هموما، ولم تعتوره الأمراض المختلفة، ولم تنهك قوته الأطعمة، التي لا يقدر على هضمها، فكان من المعقول أن يعيش طويلا، وأما نحن، وأمثالنا ممن كانوا قبل أربعين قرنا، فقد جئنا بعد أن أنهكت النوع الإنساني الأمراض، وطحنته الأدواء، فالواحد منا عصارة لآلاف الأمراض، التي انتابت آباءه، وأمهاته، فلم تعد قوانا تتحمل العمر الطويل. وعند العلماء بالطب، والأحوال الاجتماعية: أن الإنسان قواه محدودة، والحياة العريضة تستنفذها بسرعة بخلاف الحياة الضيقة، فإنها تكون طويلة لقلة ما يستنفذ من قوى الأجسام بتلك الحياة، فنحن الآن لا نعيش عيشة البساطة، التي كان يعيشها آدم، ومن قرب منه، بل نتفنن في أنواع الطعام، ولذائذ المعيشة بما ينهك قوانا، فلا غرابة أن تكون أعمارنا قصيرة، وقد اجتمعت عليها الأمراض المتوارثة، والتبسط في العيش. ويقول بعض الأطباء الألمان: إن إنسان هذا الزمان يمكن أن يعيش ثلاثمائة سنة إذا اتبع نظاما خاصا. وهناك رأي آخر، وهو أن الأقوام الأولين كانوا يعدون كل شهر عاما، فإذا قالوا ألفا ومئتي سنة، فإنما يعنون مئة عام من أعوامنا، وقد أشار إلى ذلك المعري بقوله: [الخفيف] ورووا للمعمّرين أمورا... لست أدري ما هنّ في المشهور؟ أتراهم فيما تقضّى من الأيا... م عدّوا سنيهم بالشهور كلما لاح للعيون هلال... كان عاما لديهم في الدّهور هكذا ينبغي وإلاّ فإنّ ال... عقل ينثني في حالة المبهور ولكني متمسك برأيي، وهو الأول، وإن كان بعض الأطباء يرى الإصابة بالأمراض تورث نسلهم مناعة. انتهى بحروفه. أقول وبالله التوفيق: كل ما ذكره مردود عليه، أولا ما قاله المعري باطل لا أساس له بشيء من الصحة، فما يقول المعري وغيره في قوله تعالى في حق أصحاب الكهف في سورة (الكهف) رقم [٢٥]: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ لا تحتمل الآية الكريمة ما ادعاه المعري، وكذلك قوله تعالى الصريح: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ والسنة، والعام،

стр. 6878

والحول ألفاظ مترادفة في اللغة العربية. وماذا يقول النجار، والمعري في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم وطوله ستّون ذراعا». ثم تناقصت الأعمار، والطول؛ حتى وصلنا إلى ما نراه فينا اليوم من قصر الأجسام، وقلة الأعمار، وقصرها. ثم ما ذكره عن التوراة هل يجوز لمسلم أن يحتج وأن يستشهد بالكتب التي ذكر الله أنها محرفة ومزيفة، ثم قال: وهؤلاء الفراعنة في مصر... إلخ، وهذا غير صحيح قطعا، فقد ثبت: أن فرعون موسى عاش أربعمئة سنة لم يشك فيها جوعا، ولا ألما في جمسه، ولو شكا شيئا لما ادعى الألوهية. وما قاله بعض الأطباء الألمان مضروب به عرض الحائط. ثم ما احتج به هو من أن تنوع الأغذية، والهموم الكثيرة هي التي أضعفت أجسام إنسان اليوم، وغاب عنه ما ذكر في الأحاديث من تقاصر الأعمار، وتصاغر الأجسام، فهل يوجد في هذه الأيام إنسان طوله كطول آدم، أو أحد بنيه، لماذا لم يذكر قول الرسول ﷺ : «يا ربّ جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلّها أعمالا». ولماذا لم يذكر قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ،﴾ ومثلها في سورة (يونس) رقم [٤٩] وفي سورة (النحل) رقم [٦١]. ولماذا لم يذكر النجار حياة البساطة التي كان يحياها الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وهل عمّر أحد منهم أكثر من تسعين سنة إلا في النادر القليل جدا؛ لذا فالقول الحق: أن الله قدر الأعمار، والآجال، والأرزاق، وهو الخبير العليم الحكيم بما قدر، وقضى. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. انتهت سورة (نوح) بعون الله وتوفيقه شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 6879

سورة الجنّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الجن) مكية في قول الجميع، وهي ثمان وعشرون آية، ومئتان وخمس وثمانون كلمة، وثمانمئة وسبعون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١)﴾ الشرح: اختلف قديما في ثبوت وجود الجن، فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف بوجودهم جمع منهم، وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا: أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية، إلا أنهم أضعف، وأما جمهور أرباب الملل، وهم أتباع الرسل، والشرائع، فقد اعترفوا بوجود الجن، لكن اختلفوا في ماهيتهم، فقيل: الجن حيوان هوائي يتشكل بأشكال مختلفة. وقيل: إنها جواهر، وليست بأجسام، ولا أعراض، ثم هذه الجواهر أنواع مختلفة بالماهية، فبعضها خيرة كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة شريرة محبة للشرور، والآفات، ولا يعلم عدة أنواعهم إلا الله تعالى. وقيل: إنهم أجسام مختلفة الماهية، لكن تجمعهم صفة واحدة، وهي كونهم حاصلين في الحيّز، موصوفين بالطول، والعرض، والعمق، وينقسمون إلى لطيف، وكثيف، وعلوي، وسفلي، ولا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الأجسام في الماهية، وأن يكون لها علم مخصوص، وقدرة مخصوصة على أفعال عجيبة، أو شاقة يعجز البشر عن مثلها، وقد يتشكلون بأشكال مختلفة، وذلك بإقدار الله تعالى إياهم على ذلك. وقيل: إن الأجسام متساوية في تمام الماهية، وليست البنية شرطا للحياة، وهذا قول الأشعري، وجمهور أتباعه، وشذ تأويل المعتزلة من هذه الأمة، فأنكروا وجود الجن، وقالوا: البنية شرط الحياة، وأنه لا بد من صلابة البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة. وهذا قول منكر، وصاحب هذا القول ينكر خرق العادات، ورد ما ثبت وجوده بنص الكتاب، والسنة. انتهى خازن؛ علما بأن الزمخشري صرح في كشافه بوجود الجن. هذا؛ واختلف الرواة: هل رأى النبي ﷺ الجن؟ فأثبتها ابن مسعود-﵁-فيما رواه عنه الإمام مسلم في صحيحه، وقد تقدم حديثه في تفسير سورة (الأحقاف)، عند قوله

стр. 6880

تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ رقم [٢٩] وأنكرها ابن عباس-﵄، فيما رواه عنه البخاري، ومسلم. قال ابن عباس-﵄: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن، ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين، وبين خبر السماء، وأرسالات عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقيل: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسالات علينا الشهب، قالوا: وما ذاك إلا من شيء حدث؟ فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ﷺ ، وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن؛ استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ زاد في رواية: وإنما أوحي إليه قول الجن. أخرجاه في الصحيحين. قال القرطبي في شرح مسلم في حديث ابن عباس-﵄: هذا معناه: أنه لم يقصدهم بالقراءة، بل لما تفرقوا يطلبون الخبر، الذي حال بينهم وبين استراق السمع؛ صادف هؤلاء النفر رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، وعلى هذا فهو ﷺ لم يعلم باستماعهم، وإنما أعلمه الله بما أوحي إليه من قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ وأما حديث ابن مسعود-﵁-فقضية أخرى، وجن آخرون. والحاصل من الكتاب، والسنة: العلم القطعي بأن الجن، والشياطين موجودون متعبّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقهم وبحالهم، وأن النبي ﷺ رسول إلى الإنس والجن، فمن دخل في دينه؛ فهو من المؤمنين معهم في الدنيا، والآخرة، والجنة، ومن كفر به، فهو من الشياطين المبعدين المعذبين فيها، والنار مستقره، وهذا الحديث يقتضي: أن الرجم بالنجوم لم يكن قبل البعث، وذهب قوم إلى أنه كان قبل مبعثه ﷺ ، وآخرون إلى أنه كان؛ لكن زاد بهذا المبعث، وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين. هذا آخر كلام القرطبي، والله أعلم. انتهى. خازن. هذا؛ وانظر ما ذكرته في سورة (الأحقاف) فإنه جيد والحمد لله. هذا؛ وعكاظ: سويقة معروفة بقرب مكة، كان العرب يقصدونها في كل سنة مرة في الجاهلية، وأول الإسلام، وتهامة كل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز سميت تهامة، لتغير هوائها، ومكة من تهامة معدودة، ونخلة: واد من أودية مكة قريب منها. التفسير: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ أي: قل: يا محمد أوحي إليّ، ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: استمعوا إلى قراءتي القرآن. ﴿فَقالُوا﴾ أي: الذين استمعوا القرآن قالوا لقومهم. ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً:﴾ عظيما بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه، ودقة معناه، وفصاحته، وبلاغته. وانظر الفرق بين (الملائكة) و (الجن) في آخر هذه السورة.

стр. 6881

هذا؛ وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرسول المرسل لقومه، مثل: موسى، وعيسى، ومحمد، صلّى الله عليهم، وسلم أجمعين، والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك. وتسخير الطير لما خلق له إلهام. والوحي إلى النحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام أيضا، كما رأيت في سورة (النحل) رقم [٦٨]. قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٠] حكاية عن قول موسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-جوابا لفرعون: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ هذا؛ و ﴿نَفَرٌ﴾ يطلق على ما دون العشرة، مثل: رهط، ومعشر، ونحو ذلك، والجمع: أنفار، والنسبة إليه نفري. وقال الزجاج: النفير جمع: نفر، كالعبيد جمع: عبد. وأما (العجب) بفتح العين، والجيم؛ فهو انفعال نفساني يعتري الإنسان عند استعظامه، أو استطرافه، أو إنكاره ما يرد عليه. وقال الراغب: العجب حالة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئا له في ذاته حالة حقيقية، بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب، ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا: ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه. هذا؛ والعجب بضم العين وسكون الجيم رؤية النفس، وحقيقته أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره علما، أو ورعا، أو أدبا، أو غير ذلك، ويعتقد: أن له منزلة لا يدانيه فيها سواه، وهذا هو الكبر الذي يدخل صاحبه جهنم، وبئس المصير، وهذا لا يكون إلا من ضعيف الإيمان، وناقص العقل، وميت الضمير، والوجدان الإنساني، ورحم الله من يقول: [الكامل] ملأى السّنابل تنحني بتواضع... والفارغات رؤوسهنّ شوامخ الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿أُوحِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿اِسْتَمَعَ:﴾ فعل ماض. ﴿نَفَرٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿نَفَرٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع نائب فاعل ﴿أُوحِيَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْ أُوحِيَ..﴾. إلخ ابتدائية لا محل لها من الإعراب. ﴿فَقالُوا:﴾ الفاء: حرف عطف. (قالوا): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿سَمِعْنا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿قُرْآناً:﴾ مفعول به. ﴿عَجَباً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِسْتَمَعَ نَفَرٌ..﴾. إلخ فهي في محل رفع مثلها. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢)﴾ الشرح: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ:﴾ يدعو إلى الصواب، يعني: التوحيد، والإيمان بالله، ومعرفته. والرشد: الاهتداء، والاستقامة على طريق الحق، وضده: الغي، والضلال. قال تعالى

стр. 6882

في سورة (البقرة) رقم [٢٥٦]: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ والرّشد، بفتح الشين، والرشاد: طريق الهدى والخير، قال تعالى في سورة (غافر): ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ رقم [٣٨]. والراشد هو المهتدي إلى محاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق. قال تعالى في سورة (الحجرات) رقم [٧]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾. ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ أي: صدقنا، وأيقنا أنه من عند الله. ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً﴾ أي: لن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين. قيل: كانوا يهودا. وقيل: كانوا نصارى. وقيل: كانوا مجوسا ومشركين. هذا؛ والغرض، بل والحكمة من الإخبار عن استماع الجن، توبيخ، وتقريع قريش، والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإيمان؛ إذ كانت الجن خيرا منهم، وأسرع إلى الإيمان، فإنهم من حين ما سمعوا القرآن استعظموه، وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا، واستهزؤوا، وهم يعلمون: أنه كلام معجز، وأن محمدا ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين موقف الإنس، والجن؛ الذين أسرعوا إلى الإيمان، واستجابوا لله، ورسوله. الإعراب: ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (القرآن)، ومفعوله محذوف، تقديره: يهدي الخلق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿قُرْآناً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿إِلَى الرُّشْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. (آمنا): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿سَمِعْنا..﴾. إلخ ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لن): حرف نفي ونصب واستقبال. ﴿نُشْرِكَ:﴾ فعل مضارع، منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِرَبِّنا:﴾ متعلقان بما قبلهما. و (نا): في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وفيه اختلاف الجمل المتعاطفة في الحال، والماضي، والاستقبال. ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَنَّهُ تَعالى:﴾ عظم، وتقدس، وارتفع، وعلا، وتنزه. ﴿جَدُّ رَبِّنا:﴾ جلال ربنا، وعظمته. ومنه قول أنس-﵁-كان الرجل إذا قرأ (البقرة) و (آل عمران) جدّ فينا، أي: عظم قدره. وقيل: الجد: الغنى، ومنه الحديث من قول النبي ﷺ : «ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ». أي: لا ينفع ذا الغنى غناه. وقال ابن عباس-﵄: عظمت قدرة ربنا. وقيل: أمر ربنا. وقيل: آلاؤه، ونعماؤه على خلقه. ولا تنس: أن الجد أبو الأب، وأبو الأم.

стр. 6883

وهو بكسر الجيم: الاجتهاد، والمثابرة على العمل، وضد الهزل أيضا، والجد بفتح الجيم: الحظ، والبخت ضد النحس. ﴿مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً:﴾ زوجة. ﴿وَلا وَلَداً:﴾ كما يقول كفار الجن، والإنس. ومعنى الآية: تنزه جلال ربنا، وعظمته، وكبرياؤه أن يتخذ صاحبة وولدا للاستئناس بهما، والحاجة إليهما، والله منزه عن كل نقص. تنبيه: يقرأ في هذه السورة، وما يعطف عليها إلى آخر السورة بفتح همزة (أنّ) عطفا على المصدر المؤول بقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ ليكون المعطوف في محل رفع مثله، ويقرأ بكسر الهمزة عطفا على قوله تعالى: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً﴾ ليكون المعطوف في محل نصب مقول القول مثله، ولا خلاف في كسر ما بعد القول، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ﴾. الإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿تَعالى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو متصرف. ﴿جَدُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿رَبِّنا﴾ مضاف إليه، و (نا) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والكلام معطوف على ما قبله على الاعتبارين اللذين ذكرتهما لك. ﴿مَا:﴾ نافية. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّنا﴾. ﴿صاحِبَةً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): صلة لتأكيد النفي. ﴿وَلَداً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿رَبِّنا﴾ وساغ مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزئه، وهو سائغ، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزء ما له أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا هذا؛ وقيل: إن جملة: ﴿مَا اتَّخَذَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إن)، و (إن) جملة ﴿تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ معترضة بين اسم أن وخبرها، ولا بأس به، فهو في قوة الأول. هذا؛ وقيل: في الجملة المعترضة استعارة تصريحية، ولا أرى له وجها صحيحا. ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً (٤)﴾ الشرح: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الحال، والشأن. ﴿كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا:﴾ جاهلنا، قيل: هو إبليس في قول مجاهد، وابن جريج، وقتادة. ورواه أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ . وقيل: المشركون من الجن. قال قتادة: عصاه سفيه الجن، كما عصاه سفيه الإنس. هذا؛ والشطط والاشتطاط: الغلو في الكفر، وهو الجور، أو الكذب، وأصله: البعد، فيعبر به عن الجور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق. قال الشاعر: [الطويل] بأيّة حال حكّموا فيك فاشتطّوا... وما ذاك إلاّ حيث يمّمك الوخط

стр. 6884

يممك: قصدك، والوخط: الطعن بالرمح، ومن معانيه أيضا: الشيب. وقال أعشى بني قيس بن ثعلبة: وهو من الأول: [البسيط] أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل هذا؛ وسفه نفسه سفها، وسفاهة: استمهنها، وأذلها، واستخف بها. قال المبرد، وثعلب -رحمهما الله-: سفه بالكسر متعد، وبالضم لازم، ويشهد له ما جاء عن النبي ﷺ قوله: «الكبر أن تسفه الحقّ، وتغمص الناس». والأول من باب طرب، والثاني من باب ظرف. هذا؛ وجاء في المختار: وقولهم: سفه نفسه، وغبن رأيه، وبطر عيشه، وألم بطنه، ووفق أمره، ورشد أمره، كان الأصل: سفهت نفس زيد، ورشد أمره، فلما حوّل الفعل إلى الرّجل؛ انتصب ما بعده بوقوع الفعل عليه؛ لأنه صار في معنى: سفّه نفسه بالتشديد، هذا قول البصريين، والكسائي، ويجوز عندهم تقديم المنصوب، كما يجوز غلامه ضرب زيد. وقال الفراء: لما حوّل الفعل من النفس إلى صاحبها؛ خرج ما بعده مفسرا ليدل على أن السفه فيه، وكان حكمه أن يكون سفه زيد نفسا؛ لأن المفسّر لا يكون إلا نكرة، ولكنه ترك على إضافته، ونصب كنصب النكرة تشبيها بها، ولا يجوز عنده تقديمه؛ لأن المفسّر لا يتقدم، ومثله قولهم: ضقت به ذرعا، وطبت به نفسا، والمعنى: ضاق ذرعي به، وطابت نفسي به. انتهى. بحروفه. الإعراب: (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع. ﴿سَفِيهُنا:﴾ تنازعه الفعلان ﴿كانَ﴾ ويقول، فالأول يطلبه اسما له، والثاني يطلبه فاعلا له، فإن أعطيته للأول؛ أضمرت في الثاني فاعلا له، وإن أعطيته للثاني؛ أضمرت في الأول اسما له، والثاني أولى عند البصريين لقربه، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه وانظر الآية رقم [٧]. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار اسم ﴿كانَ﴾ ضميرا يعود على اسم (أنّ) فتبقى الجملة الفعلية خبرا لها، وعليه فلا تنازع في العمل. و (نا) ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿شَطَطاً﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر أنّ، وأنّ واسمها، وخبرها معطوف على سابقه على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿شَطَطاً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: قولا شططا. ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً (٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا:﴾ حسبنا. ﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ:﴾ قال الجمل-رحمه الله تعالى-: هذا اعتذار من هؤلاء النفر عما صدر منهم قبل الإيمان من نسبة الولد، والصاحبة إليه تعالى. ومحصل الاعتذار: أنهم يقولون: إنا ظننا، واعتقدنا: أن أحدا لا يكذب على الله، وأن ما قاله سفهاؤنا

стр. 6885

من نسبة الصاحبة، والولد إليه حقّ، وصدق، فلما سمعنا القرآن وأسلمنا؛ علمنا: أنه كذب. انتهى. هذا؛ وإن الظن في الشريعة قسمان: محمود، ومذموم، فالمحمود منه: ما سلم معه دين الظان، ودين المظنون به عند بلوغه. والمذموم ضده بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الحجرات)، وقوله تعالى في سورة (النور) رقم [١٢]: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً،﴾ وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [١٢]: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾. هذا؛ وينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالناس، ولا يسيء ظنه بهم استجابة لأمر الله تعالى في آية (الحجرات): ﴿اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ إلا إذا ظهر من أحدهم ما يخالف الشرع الشريف. ولا يسيء الظن بهم إلا الذي أعماله سيئة. قال الشاعر: [الطويل] إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه... وصدّق ما يعتاده من توهّم وكذلك ينبغي للمسلم أن يحسن ظنه بالله تعالى بأن الله يرحمه، ويعفو عنه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي...» إلخ، ولكن ينبغي أن يقرن حسن ظنه بالله بحسن العمل، وإلا فهو ظن خاطئ، وزعم فاسد، ففي الحديث الشريف يقول الرسول ﷺ : «ليس الإيمان بالتمنّي، ولا بالتحلّي، ولكن ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، إن قوما ألهتهم الأمانيّ؛ حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله، كذبوا! لو أحسنوا الظنّ؛ لأحسنوا العمل». ومفرد ﴿الْإِنْسُ﴾ إنسان، انظر الآية رقم [١٩] من سورة (المعارج)، وانظر الكلام على الجن في الآية الأخيرة من هذه (السورة) ولا تنس الطباق بين (الإنس) و (الجن). الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿ظَنَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تَقُولَ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسُ:﴾ فاعله. ﴿وَالْجِنُّ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَقُولَ،﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿كَذِباً﴾ كان نعتا له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا»، ﴿كَذِباً:﴾ مفعول به، أو نعت مفعول مطلق محذوف، التقدير قولا كذبا، وجملة: ﴿لَنْ تَقُولَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع معطوف على مثله في الآية رقم [١]، وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة معطوفة على: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦)﴾ الشرح: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر، فأمسى في أرض قفر؛ قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن، وجوار منهم حتى يصبح. روى البغوي

стр. 6886

بإسناد الثعلبي عن كردم بن أبي السائب الأنصاريّ-﵁-قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب، فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم، ولم تصبه كدمة، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ..﴾. إلخ، انتهى خازن وقرطبي وغيرهما. وخذ ما يلي: حدث بعض الصحابة-رضوان الله عليهم-قال: خرجت في طلب إبل لي، فأدركتها، ثم أردت النوم-وكنا إذا نزلنا بواد قلنا: نعوذ بعزيز هذا الوادي-فتوسدت ناقتي، وقلت: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فإذا هاتف يقول: [الرجز] ويحك عذ بالله ذي الجلال... ومنزل الحرام والحلال ووحّد الله ولا تبالي... ما كيد ذي الجنّ من الأهوال إذ تذكر الله على الأحوال... وفي سهول الأرض والجبال قد صار كيد الجنّ في سفال... إلا النبي وصالح الأعمال فقلت له: [الرجز] يا أيّها القائل ما تقول؟ ... أرشد عندك أم تضليل؟ فقال: [الرجز] جاء رسول الله بالخيرات... جاء بياسين وحاميمات وسور بعد مفصلات... يأمر بالصّلاة والزكاة ويزجر الأقوام عن مناة... قد كنّ في الإسلام منكرات فقلت: أما إنه لو كان لي من يؤدي إبلي هذه إلى أهلي؛ لأتيته حتى أسلم، فقال: أنا أؤديها، فركبت بعيرا منها، ثم قدمت فإذا النبي ﷺ على المنبر (وفي رواية: فوافيت الناس في صلاة الجمعة) فبينا أنا أنيخ راحلتي؛ إذ خرج إليّ أبو ذر-﵁، فقال لي: يقول لك رسول الله ﷺ : ادخل، فدخلت، فلما رآني؛ قال: «فما فعل الرجل؟». وفي رواية: «ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدّي إبلك، أما إنه قد أداها سالمة!». وقد قص الله على نبيه ﷺ ما كان عليه الناس قبل بعثته من أن الإنسان إذا نزل منزلا مخوفا، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ..﴾. إلخ.

стр. 6887

هذا؛ و ﴿رِجالٌ﴾ جمع: رجل، وهو مأخوذ من الرجولة بمعنى الشهامة، والحمية، والنخوة، ومن لم يتصف بذلك؛ فليس رجلا بالمعنى الصحيح، والمرأة مأخوذة من المرء، وهو الرجل؛ لأن حواء أخذت من ضلع آدم، كما رأيت فيما سبق؛ لذا جعلت نهمتها في الرجل، وأما الرجل فقد جعلت نهمته في التراب، أي: حطام الدنيا؛ لأن آدم خلق من تراب. ونص الآية صريح على أن لفظ الرجال يطلق على الجن خلافا لمن منع ذلك. ﴿فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ أي: زاد الجن الإنس رهقا، أي: خطيئة، وإثما. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والرهق: الإثم في كلام العرب، وغشيان المحارم. ورجل رهق: إذا كان كذلك، قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في حق الذين أحسنوا الحسنى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ رقم [٢٦]، وقال في حق الذين كسبوا السيئات: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ رقم [٢٧] منها أيضا. هذا؛ وقال الأعشى: [البسيط] لا شيء ينفعني من دون رؤيتها... هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا؟ يعني: إثما، وأضيفت الزيادة إلى الجن؛ إذ كانوا سببا لها. وقال مجاهد: المعنى: زاد الإنس الجن طغيانا، وتمردا بهذا التعوذ؛ حتى قالت عظماء الجن: سدنا الإنس، والجن. ولا شك أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر، وشرك. الإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿رِجالٌ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾. ﴿مِنَ الْإِنْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجالٌ﴾. ﴿يَعُوذُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، الواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿بِرِجالٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنَ الْجِنِّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿رِجالٌ﴾. وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر أن، و (أنه كان...) إلخ معطوف على الكلام قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَزادُوهُمْ:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿رَهَقاً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧)﴾ الشرح: هذا من قول الله تعالى للإنس، لا من قول الجن. والمعنى: أن الجن ظنوا كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولا إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم. أو المعنى: ظن الجن كما ظننتم يا معشر قريش أن لن يبعث الله أحدا بعد موته، ولكنّ الجن لما سمعوا القرآن؛ اهتدوا، وأقروا بالبعث؛ فهلا أقررتم مثلهم؟! ففيه توبيخ شديد للمنكرين البعث من البشر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.

стр. 6888

الإعراب: ﴿وَأَنَّهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ظَنُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر. و (ما): مصدرية. ﴿ظَنَنْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، و (ما) والفعل (ظنّ) في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، التقدير: ظنوا ظنا كائنا مثل ظنكم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم، وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأن حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يَبْعَثَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن). ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿أَحَداً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿لَنْ يَبْعَثَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و ﴿أَنْ﴾ المخففة واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الظن، والمسألة من باب التنازع؛ لأن ﴿ظَنُّوا﴾ يطلب مفعولين، و ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ كذلك، وهو من إعمال الثاني للحذف من الأول، أو من إعمال الأول للحذف من الثاني، والأول أولى عند الكوفيين لسبقه، والثاني أولى عند البصريين لقربه، قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز] إن عاملان اقتضيا في اسم عمل... قبل فللواحد منهما العمل والثّاني أولى عند أهل البصره... واختار عكسا غيرهم ذا أسره وجملة: ﴿ظَنُّوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول؛ والأحرى: والكلام: (أنهم ظنوا...) إلخ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ أي: قصدنا، وطلبنا السماء، كما جرت عادتنا باستراق السمع، فاللمس مستعار للطلب، يقال: لمسه والتمسه، وتلمسه، كطلبه، واطلبه، وتطلبه، قال الشاعر وهو يزيد بن الحكم الكلابي: [الطويل] مسسنا من الآباء شيئا وكلّنا... إلى نسب في قومه غير واضع ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً﴾ أي: حفظة من الملائكة، جمع: حارس، مثل: ركب جمع راكب، وخدم جمع خادم، ولذلك وصف ب: (شديد) لو ذهب إلى معناه؛ لقيل: شدادا، مثل قولنا: السلف الصالح، بمعنى الصالحين. (شهبا): جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم، وجمع الحرس: أحراس. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٣٢] -وهو الشاهد رقم [٤٧٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]

стр. 6889

تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لَمَسْنَا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ). ﴿السَّماءَ:﴾ مفعول به، و ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ﴾ معطوف على المصدر المؤول في الآية الأولى، فهو في محل رفع مثله، وعلى قراءة الآية بكسر الهمزة فالجملة معطوفة على قوله: ﴿إِنّا سَمِعْنا..﴾. إلخ فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿فَوَجَدْناها:﴾ الفاء: حرف عطف. (وجدناها): فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿مُلِئَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿السَّماءَ﴾ تقديره: «هي». ﴿حَرَساً:﴾ تمييز. وقيل: حال، ولا وجه له. ﴿شَدِيداً:﴾ صفة ﴿حَرَساً﴾. ﴿وَشُهُباً:﴾ معطوف على: ﴿حَرَساً﴾ وجملة: ﴿مُلِئَتْ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به ثان، وأجيز اعتبارها في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الضمير فقط، وتقدر: «قد» قبلها لتقربها من الحال، وهذا على تأويل (وجدناها) ب: «صادفناها». فيكون قد اكتفى بمفعول واحد. ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها:﴾ من السماء. ﴿مَقْعَدِ:﴾ مواضع، ومراكز. ﴿لِلسَّمْعِ:﴾ للاستماع، واستراق السمع من الملائكة. ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ:﴾ فمن يحاول استراق السمع في هذه الأيام. ﴿يَجِدْ لَهُ..﴾. إلخ: أي: يجد شهابا ينتظره بالمرصاد يحرقه، ويهلكه. وقيل: شهابا من الكواكب، ورصدا من الملائكة. وانظر الآية رقم [٢٧] الآتية. تنبيه: اختلفوا هل كانت الشياطين تقذف قبل مبعث النبي ﷺ ، أو ذلك أمر حدث بمبعثه؟ فقال قوم: لم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى، ومحمد-عليهما الصلاة والسّلام- خمسمئة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبي ﷺ ، فلما بعث محمد ﷺ منعوا من السموات كلها، وحرست بالملائكة، والشهب. وقال عبد الله بن عمر-﵄: لما كان اليوم الذي نبئ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين، ورموا بالشهب. وقال الزمخشري: والصحيح: أنه كان قبل المبعث، وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية قال بشر بن أبي خازم: [الكامل] والعير يرهقها الخبار، يتبعه... نقع يثور تخاله طنبا وقال أوس بن حجر، وهو جاهلي: [الكامل] وانقضّ كالدّرّيّ يتبعه... نقع يثور تخاله طنبا

стр. 6890

وهذا قول الأكثرين، وقد أنكر الجاحظ البيتين، وقال: كل شعر روي فيه فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث. والقول بالرمي أصح، لقوله تعالى: ﴿فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ وهذا إخبار عن الجن: أنه زيد في حرس السماء؛ حتى امتلأت منهم، ولما روي عن ابن عباس-﵄، قال: بينما النبي ﷺ جالس في نفر من أصحابه؛ إذ رمي بنجم، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟». قالوا: كنا نقول: يموت عظيم، أو يولد عظيم، فقال ﷺ : «إنها لا ترمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربّنا إذا قضى أمرا في السماء؛ سبّح حملة العرش، ثم سبّح أهل كلّ سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش ماذا قال ربّكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كلّ سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتتخطّف الجنّ، فيرمون، فما جاؤوا به فهو حقّ، ولكنهم يزيدون فيه» قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها بسبب استماع خبر، بعد أن صار ذلك معلوما لهم؟! فالجواب: أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة، كما ينسى إبليس في كل وقت: أنه لا يسلم، وأن الله تعالى قال له: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [٣٥] من سورة (الحجر)، ورقم [٧٨] من سورة (ص)، ولولا هذا لما تحقق التكليف. وأحسن من هذا ما ذكرته في سورة (الملك) رقم [٥]. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، ونا: اسمها. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمه. ﴿نَقْعُدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿مِنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿مَقْعَدِ﴾ كان نعتا له، على مثال ما رأيت في الآية رقم [٥]. ﴿مَقْعَدِ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله. ﴿لِلسَّمْعِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿نَقْعُدُ،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كُنّا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها كلام معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَسْتَمِعِ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره: «هو»، والمفعول محذوف، يدل عليه المقام. ﴿الْآنَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله. ﴿يَجِدْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان، تقدم على الأول. أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿رَصَداً﴾ كان صفة له، وعلقهما الجمل ب: ﴿رَصَداً﴾ نفسه. ﴿شِهاباً:﴾ مفعول به. ﴿رَصَداً:﴾ صفة ﴿شِهاباً،﴾ والجملة الفعلية: ﴿يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ، الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية معترضة بين المتعاطفات، كما هو ظاهر.

стр. 6891

تنبيه: أمّا ﴿الْآنَ﴾ في هذه الآية، وأمثالها، فهي كلمة ملازمة للظرفية الزمانية غالبا، مبنية على الفتح دائما؛ لتضمنها معنى الإشارة، وألفها منقلبة عن واو، لقولهم في معناها: الأوان. وقيل: عن ياء؛ لأنه من آن يئين: إذا قرب. وقيل: أصله أوان، قلبت الواو ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين. ورد بأن الواو قبل الألف لا تقلب كالجواد، والسواد. وقيل: حذفت الألف، وغيرت الواو إلى الألف، كما قالوا: راح، ورواح، استعملوه مرة على: فعل، ومرة على: فعال، كزمن، وزمان. وقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في كتابه شذور الذهب: والآن اسم لزمن حضر جميعه، أو بعضه: فالأول نحو قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧١]: ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ وقد تعرب كقول أبي صخر الهذلي: [الطويل] لسلمى بذات الخال دار عرفتها... وأخرى بذات الجزع آياتها سطر كأنّهما ملآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدّارين من بعدنا عصر أصله: «كأنهما من الآن» فحذف نون (من) لالتقائها ساكنة مع لام الآن، ولم يحركها لالتقاء الساكنين، كما هو الغالب، وأعرب (الآن) فخفضه بالكسرة. انتهى. وقد اختلف في علة بنائه اختلافا كثيرا. انظر: «همع الهوامع». ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠)﴾ الشرح: قال الجن حينما حرست السموات من استراقهم السمع، ورموا بالشهب: لا نعلم نحن معشر الجن ما الله فاعل بسكان الأرض، ولا نعلم: هل امتلاء السموات بالحرس، والشهب لعذاب يريد الله أن ينزله بأهل الأرض، أم يريد الله بهم خيرا، وفلاحا، ونجاحا، بأن يبعث فيهم رسولا مرشدا يرشدهم إلى الحق والصواب، وإلى الطريق المستقيم؟ وهذا من أدب الجن حيث نسبوا الخير إلى الله، ولم ينسبوا الشر إليه صراحة، وأين هذا من قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في سورة (الشعراء) رقم [٨٠]: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ،﴾ ومثله قول الخضر-﵇-في سورة (الكهف) رقم [٧٩]: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها،﴾ وقوله في سورة (الكهف) أيضا رقم [٨٢]: ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ حيث نسب العيب لنفسه، وبلوغ الأشد إلى الله تعالى؛ لأنه خير لهما، ورحمة من الله. هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٥٠]: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾. قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابا، أو يرسل رسولا إليهم؟ والمعتمد: أنه من قول الجن كما قدمته. قال ابن كثير: وقد

стр. 6892

كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، وهذا هو الذي حملهم على تطلب السبب، فأخذوا يضربون مشارق الأرض، ومغاربها، فرأوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا: أن هذا هو الذي حفظت السماء من أجله، فدنوا منه حرصا على سماع القرآن، ثم أسلموا. هذا؛ ولا شك: أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء، والرمي بها؛ هال ذلك الإنس، والجن، وانزعجوا له، وظنوا: أن ذلك لخراب العالم، فأتوا إبليس، فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه، فشمها، فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقدموا مكة، فوجدوا النبي ﷺ قائما يصلي بأصحابه. ولا تنس ما ذكرته لك: أن الرمي كان في الجاهلية قبل الإسلام، فلما بعث النبي ﷺ زيد فيه زيادة لفتت نظر الإنس، والجن إلى ذلك، والله أعلم بمراده. هذا؛ والإرادة: نزوع النفس، وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه. ويقال للقوة التي هي مبدأ النزوع. والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذا اختلف في معنى إرادته ، فقيل: إرادته لأفعاله: أنه غير ساه، ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها، فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته. وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، وهذا الأخير هو المقبول؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر. هذا؛ ولم يرد لفعل الإرادة، ولا لفعل المشيئة أمر فيما أعلم، فهما ناقصا التصرف، وقد كثر حذف مفعول هذين الفعلين حتى لا يكاد ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا﴾ رقم [١٧] من سورة (الأنبياء)، وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع وقيد بعضهم حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو»، وليس كذلك. الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿نَدْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: «نحن»، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿أَشَرٌّ:﴾ الهمزة: حرف استفهام. (شر): أجيز فيه وجهان: أحسنهما الرفع على أنه نائب فاعل بفعل محذوف، التقدير: أأريد شر؟ والثاني: أنه مبتدأ سوغ الابتداء به، وهو نكرة تقدم الاستفهام عليه. ﴿أُرِيدَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (شر)، والجملة الفعلية مفسرة على الوجه الأول ب: (شرّ)، وفي محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه. ﴿بِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. ﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل (أراد)، والهاء في محل جر

стр. 6893

بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَشَداً:﴾ مفعول به. وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، وهذا هو الذي رجح اعتبار (شر) نائب فاعل بفعل محذوف لتتعادل الجملتان، وتكون ﴿أَمْ﴾ متصلة. هذا؛ والكلام: ﴿أَشَرٌّ..﴾. إلخ في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل: ﴿نَدْرِي،﴾ والجملة الفعلية هذه في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله من كلام على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً (١١)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ:﴾ الكاملون في الصلاح، العاملون بما يرضي الله. ﴿وَمِنّا دُونَ ذلِكَ﴾ أي: الذين ليس صلاحهم كاملا، أو الذين ليس لهم صلاح، وهم الكفار. ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ أي: فرقا شتى، وأديانا مختلفة، وأهواء متباينة، ومنه قول الشاعر: [البسيط] القابض الباسط الهادي بطاعته... في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد والمعنى: لم يكن جميع الجن كفارا، بل كانوا مختلفين، منهم كفار، ومنهم مؤمنون صالحاء، ومنهم مؤمنون غير صالحاء على حد قوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٢]: ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ﴾. وقال المسيب: كنا مسلمين، ويهود، ونصارى، ومجوس. وقال السدي: في الجن مثلكم قدرية ومرجئة، وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسنية، أقول: وهذا يحتمل أن يكون بعد الرسالة المحمدية، وأما قبل الرسالة فهم كما قال المسيب؛ لأنه كان في الجن من آمن بموسى، وعيسى-على نبينا، وعليهما، وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-بدليل ما حكى الله من قولهم في سورة (الأحقاف) رقم [٣٠]: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. و (الطرائق): جمع: الطريقة، وهي مذهب الرجل، أي: كنّا فرقا مختلفة. وخذ قوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٧]: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ و (القدد): نحو من الطرائق، وهو توكيد لها، واحدها: قدّة، يقال: لكل طريق قدّة، وأصلها من: قد السيور، وهو قطعها. قال لبيد-﵁-يرثي أخاه أربد: [المنسرح] لم تبلغ العين كلّ نهمتها... ليلة تمسي الجياد كالقدد وقال آخر: [الرمل] ولقد قلت وزيد حاسر... يوم ولّت خيل عمرو قددا والقدّ بالكسر: سير يقدّ من جلد مدبوغ، ويقال: ماله قدّ، ولا قحف، فالقدّ: إناء من جلد، والقحف: من خشب، وانظر ما ذكرته بشأن ﴿الصّالِحِينَ﴾ في سورة (المنافقون) رقم [١٠]. هذا؛

стр. 6894

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال: سمعت بعض الجن؛ وأنا في منزل لي بالليل ينشد: [الطويل] قلوب براها الحبّ حتى تعلّقت... مذاهبها في كلّ غرب وشارق تهيم بحبّ الله والله ربّها... معلّقة بالله دون الخلائق الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا) اسمها. ﴿مِنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الصّالِحُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. (منّا): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم أيضا. ﴿دُونَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف، التقدير: ومنا فريق كائن دون ذلك، أو ومنا ناس دون ذلك، على حد قوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾. هذا؛ وقال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في كتابه الشذور: «دون» اسم مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، وبني على الفتح لإبهامه، وإضافته إلى مبني، وهو اسم الإشارة. ولو جاءت القراءة برفع ﴿دُونَ﴾ لكان ذلك جائزا، كما قال الشاعر: [الطويل] ألم تريا أنّي حميت حقيقتي... وباشرت حدّ الموت والموت دونها الرواية (دونها) بالرفع. انتهى. وقال الجمل نقلا عن السمين: فيه وجهان: أحدهما: أن ﴿دُونَ﴾ بمعنى: «غير» أي: ومنا غير الصالحين، وهو مبتدأ، وإنما فتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فيمن نصب على أحد الأقوال، وإلى هذا نحا الأخفش، الثاني: أن ﴿دُونَ﴾ على بابها من الظرفية، وأنها صفة لموصوف محذوف، تقديره: ومنا فريق، أو فوج دون ذلك، وحذف الموصوف مع «من» التبعيضية كثير، كقولهم: منا ظعن، ومنا أقام، أي: منا فريق. انتهى. و ﴿دُونَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية: ﴿مِنَّا الصّالِحُونَ﴾ وما عطف عليها في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها معطوف على ما قبله. ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿طَرائِقَ:﴾ خبرها، وهو على تأويل: ذوي طرائق، أو في طرائق. ﴿قِدَداً:﴾ صفة لها، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا)، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها لتقربها من الحال، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. تنبيه: ما تقدم هو الإعراب الظاهر، والأصح: أن مضمون الجار والمجرور ﴿مِنَّا﴾ مبتدأ، و ﴿الصّالِحُونَ﴾ هو الخبر؛ لأن (من) الجارة دالة على التبعيض، أي: بعضهم الصالحون، وجمع

стр. 6895

الضمير يؤيد ذلك، ويؤيده عطف (كثير) عليه في الآية رقم [٦٦] من سورة (المائدة)، وعطف (أكثرهم) عليه في الآية رقم [١١٠] من سورة (آل عمران)، وخذ قول الحماسي: [الكامل] منهم ليوث لا ترام وبعضهم... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب حيث قابل لفظ «منهم» بما هو مبتدأ، أعني لفظة «بعضهم» وهذا مما يدل على أن مضمون «منهم» مبتدأ. هذا؛ وليوث: جمع: ليث، وهو السبع. لا ترام: لا تقصد. قمشت: جمعت من هنا، وهناك، والمراد: رذالة الناس. والقمش الرديء من كل شيء. ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: الظن بمعنى العلم، واليقين بخلافه في الآية رقم [٥] ورقم [٧]. وقال الجمل: أي: علمنا، وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله أنا في قبضة الملك، وسلطانه لن نفوته بهرب، ولا غيره. انتهى. ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ:﴾ والمعنى: تيقنا، وتأكدنا أننا لن نعجز الله، ولن نفوته أينما كنا سواء في الأرض، أو حاولنا الهرب إلى السماء، فإن الله قادر على عذابنا؛ إن عصيناه أينما كنا، وأينما ذهبنا. الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿ظَنَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، والمصدر المؤول منها، ومن اسمها، وخبرها في محل رفع معطوف على مثله في الآية رقم [١]، وعلى قراءة كسر الهمزة فالجملة الاسمية معطوفة على: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ فهي مثلها في محل نصب مقول القول. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نُعْجِزَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾ والفاعل مستتر فيه تقديره: «نحن». ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر، التقدير: كائنين في الأرض، والجملة الفعلية: ﴿لَنْ نُعْجِزَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر (أن) المخففة من الثقيلة، وهي واسمها المحذوف وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَنّا،﴾ وجملة: ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ﴾ معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿هَرَباً:﴾ حال من الفاعل المستتر، فهو مصدر بمعنى: هاربين. ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى﴾ أي: القرآن. ﴿آمَنّا بِهِ:﴾ صدقنا به، وبمحمد ﷺ . ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ:﴾ وينفذ لأوامره، وينزجر عن معاصيه، وزواجره. ﴿فَلا يَخافُ بَخْساً:﴾ نقصا من حسناته، ﴿وَلا رَهَقاً:﴾ ظلما بالزيادة في سيئاته. وانظر ﴿رَهَقاً﴾ في الآية رقم [٦].

стр. 6896

الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿لَمّا:﴾ حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي عند ابن السراج، والفارسي، وابن جني، وجماعة ظرف زمان بمعنى: حين، تتطلب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه، وصوب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿سَمِعْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْهُدى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمّا﴾ لا محل لها، و (لما) ومدخولها في محل رفع خبر (أنّ)، و ﴿وَأَنّا لَمّا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله في الآية السابقة على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط جازم، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿بِرَبِّهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لا): نافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى من أيضا. ﴿بَخْساً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿رَهَقاً:﴾ معطوف على ﴿بَخْساً،﴾ وجملة: (لا يخاف...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: فلا هو يخاف، وعليه فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: أي: فائدة في رفع الفعل يخاف، وتقدير مبتدأ قبله، حتى يقع خبرا له، ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغنى عنه بأن يقال: لا يخف، قلت: الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل: فهو لا يخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره. انتهى. ولولا تقدير مبتدأ قبل الفعل، لقيل: فلا يخف. هذا؛ وقرأ الأعمش «(فلا يخف)» على النهي. ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَأَنّا مِنَّا..﴾. إلخ: أي: وأنا بعد سماعنا القرآن منا من أسلم، وصدق برسالة محمد ﷺ ، ومنا من جار عن الحق، وكفر. يقال: قسط الرجل: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، فالأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي، واسم الفاعل من الأول: قاسط، كما في الآية الكريمة

стр. 6897

ومن الثاني: مقسط. قال تعالى في سورة (الحجرات) رقم [٩]: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ هذا هو المشهور خلافا للزجاج في جعلهما سواء، ومثل آية (الحجرات) قول الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته رقم [٦٨]: [الخفيف] ملك مقسط، وأكمل من يم... شي، ومن دون ما لديه الثّناء ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ..﴾. إلخ: أي: فمن اهتدى واعتنق الإسلام، واهتدى بهدي الرسول ﷺ وسار على منهاجه القويم، فأولئك الذين قصدوا الرشد، وأرادوا الفلاح، وسلكوا طريق السعادة، والنجاة. والتحري: بذل المجهود في الوصول إلى المقصود. هذا؛ ومن الثلاثي بمعنى: الجور، والظلم قول الشاعر: [الكامل] قوم هم قتلوا ابن هند عنوة... عمرا وهم قسطوا على النّعمان فائدة: يروى: أن الحجاج قال لسعيد بن جبير-﵁-حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل، فقال من حوله: ما أحسن ما قال! حسبوا: أنه يصف الحجاج بالقسط، والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة! إنه سماني ظالما مشركا، وتلا لهم قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً،﴾ وقوله تعالى في أول سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. هذا؛ ولا تنس الطباق بين ﴿الْمُسْلِمُونَ﴾ و ﴿الْقاسِطُونَ﴾. الإعراب: ﴿وَأَنّا:﴾ الواو: حرف عطف. (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها. ﴿مِنَّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْمُسْلِمُونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل رفع خبر (أنّ)، والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَأَنّا مِنَّا..﴾. إلخ معطوف على ما قبله على الوجهين المعتبرين فيه. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (من): اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى (من). ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿تَحَرَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿رَشَداً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه: فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا فهو مبتدأ، وجملة: (أسلم) صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...) إلخ في محل رفع خبره، واقترنت

стр. 6898

بالفاء؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى الاعتبارين فالجملة الاسمية مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، لا محل لها. ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)﴾ الشرح: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ:﴾ الجائرون عن طريق الإيمان، والحق، والصواب. ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً:﴾ وقودا لجهنم. فإن قيل: الجن مخلوقون من النار، فكيف يكونون حطبا لها، أجيب بأنهم وإن خلقوا منها، لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية، فصاروا لحما، ودما. هكذا قيل. وأيضا النار قويها قد يأكل ضعيفها، فيكون الضعيف حطبا للقوي. انتهى. جمل بتصرف. وقال الخازن: فإن قلت: قد تمسك بظاهر هذه الآية من لا يرى لمؤمني الجن ثوابا، وذلك؛ لأن الله تعالى ذكر عقاب الكافرين منهم، ولم يذكر ثواب المؤمنين منهم، قلت: ليس فيه تمسك له، وكفى بقوله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ فذكر سبب الثواب، والله أعدل، وأكرم من أن يعاقب القاسط، ولا يثيب الراشد. انتهى. هذا؛ وذكرت لك مرارا: أنهم يثابون على الأعمال الصالحة. الإعراب: ﴿وَأَمَّا:﴾ الواو: حرف استئناف. (أمّا): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ لأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يك من شيء؛ فالقاسطون... إلخ. فأنيبت (أمّا) مناب «مهما، ويك من شيء» فصار: وأما القاسطون... إلخ. وأما كونها أداة تفصيل؛ لأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ لأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الْقاسِطُونَ:﴾ مبتدأ. ﴿فَكانُوا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (كانوا): فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لِجَهَنَّمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿حَطَباً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا، على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا» وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَطَباً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية (أما القاسطون...) إلخ مستأنفة. تنبيه: لقد ذكرت لك: أن (أنّا، وأنّهم، وأنّه) ونحو ذلك فيه وجهان: أحدهما: فتح الهمزة على تأويل مصدر في محل رفع عطفا على المصدر المعتبر في محل رفع نائب فاعل في الآية الأولى. وثانيهما: كسر الهمزة على اعتبار الجملة اسمية في محل نصب مقول القول عطفا على قوله تعالى: ﴿إِنّا سَمِعْنا﴾ في الآية الأولى أيضا، ويستثنى من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ..﴾. إلخ، ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما..﴾. إلخ، فهاتان الآيتان معترضتان؛ لأنهما ليستا من كلام الجن.

стр. 6899

﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي: لو آمن هؤلاء الكفار، واستقاموا على شريعة الله تعالى. ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ أي: لبسطنا لهم في الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم المقيم، وبذلك يحوزون عز الدنيا، وسعادة الآخرة. هذا؛ وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا:﴾ الجن القاسطون؛ الذين تقدم ذكرهم، ووصفهم، والمعنى لو استقام الجن على الطريقة المثلى الحسنى؛ لأنعمنا عليهم، وإنما ذكر الماء كناية عن طيب العيش، وكثرة المنافع. والمعتمد الأول، فهو كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ،﴾ وقال تعالى في حق أهل الكتابين في سورة (المائدة) رقم [٦٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. هذا؛ والغدق بفتح الدال، وكسرها لغتان في الماء الغزير، ومنه: الغيداق للماء الكثير، وللرجل الكثير العدد، والكثير النطق، ويقال: غدقت عينه، تغدق، أي: هطل دمعها غدقا. والله أعلم، وأجل، وأكرم، ولا تنس: أن الله تعالى كنى عن رخاء العيش بكثرة المطر؛ لأنه سببه. هذا؛ ومصدر استقام: استقامة، والأصل: استقوام، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، وتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الحال، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان: الألف المنقلبة، وألف الاستفعال. فحذفت ألف الاستفعال لالتقاء الساكنين، وعوض عنها التاء في الآخر، وقد يستغنى عن هذه التاء في حال الإضافة، ومنه قوله تعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ﴾ أي: إقامتها. والإعلال المتقدم إنما هو بالنقل والقلب والحذف معا، ومثل هذا المصدر: استعانة، واستعاذة، ونحوهما. الإعراب: ﴿وَأَنْ لَوِ﴾ الواو: حرف عطف. (أن): حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: ولو أنهم. (لو): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِسْتَقامُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ:﴾ اللام: واقعة في جواب (لو). (أسقيناهم): فعل، وفاعل، ومفعول به أول. ﴿ماءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿غَدَقاً:﴾ صفة ﴿ماءً،﴾ والجملة الفعلية جواب (لو)، لا محل لها، ولو ومدخولها في محل رفع خبر (أن) المخففة، والمصدر المؤول من: (أن) المخففة واسمها المحذوف وخبرها معطوف على ما قبله على مثال ما رأيت سابقا.

стр. 6900

هذا؛ وقال الأنباري: ومن كسر الحروف، وفتح: (وأن لو استقاموا) أضمر يمينا تاما، تأويلها: والله أن لو استقاموا على الطريقة. كما يقال في الكلام: والله أن قمت لقمت، وو الله لو قمت لقمت. قال الشاعر: [الوافر] أما والله أن لو كنت حرّا... وما بالحرّ أنت ولا العتيق وهذا الشاهد رقم [٤١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، انظر شرحه، وإعرابه، ومحل الشاهد فيه هناك. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧)﴾ الشرح: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. والمعتمد: أن المراد بالضمير المنصوب: كفار قريش، بعد أن حبس الله عنهم المطر سبع سنين، والمراد بالضمير المجرور: الماء. قال عمر-﵁: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. وقال سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والضحاك، وقتادة، ومقاتل، وعطية، وعبيد بن عمير، والحسن-﵃: كان والله أصحاب النبي ﷺ سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى، وقيصر، والمقوقس، والنجاشي، ففتنوا بها، فوثبوا على إمامهم، فقتلوه. يعني: عثمان-﵁. ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ:﴾ يعني القرآن. قاله ابن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما: عن القبول؛ إن قيل: إنها في أهل الكفر. الثاني: عن العمل؛ إن قيل: إنها في أهل الإيمان. وقيل: يعرض عن طاعة الله، وعبادته. ﴿يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً:﴾ يدخله ربه عذابا شديدا شاقا لا راحة فيه. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم. قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، وخذ مما يناسب فحوى الآية. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا». قالوا: وما زهرة الدّنيا؟ قال: «بركات الأرض». أخرجه مسلم. وأخرج البخاري، ومسلم من حديث عمرو بن عوف الأنصاري-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «أبشروا، وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم!». الإعراب: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (أسقيناهم). ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان
следующие страницы →