← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

التقدير: هو الذي. والثالث: على أنه في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُخْتَلِفُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. ﴿سَيَعْلَمُونَ:﴾ السين: حرف استقبال. (يعلمون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمفعول محذوف للاختصار، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها ومؤكدة لها. ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١)﴾ الشرح: بعد أن هدد الله الكافرين، وتوعدهم بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم، وفي ضمنه وعد للمؤمنين بالجزاء الحسن؛ ذكر الله أشياء من عجائب صنعه؛ ليستدلوا بذلك على توحيده، ويعلموا: أنه قادر على إيجاد العالم بعد عدمه، ثم فنائه، ثم بعثه للحساب، والثواب، والعقاب، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ أي: فراشا، وبساطا؛ لتستقر عليها الأقدام، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٢]: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً﴾ وقال في سورة (نوح) -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ والمعنى: ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها؟ جعلناها لكم كالفراش، والبساط؛ لتستقروا عليها، كما يتقلب الإنسان على فراشه، وبساطه. قال في التسهيل: شبه الله الأرض بالبساط، والفراش في امتدادها، واستقرار الناس عليها. وأخذ بعضهم من الآيات: أن الأرض غير كروية. وفي ذلك نظر. هذا؛ وقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: وليس في الآيات دلالة على أن الأرض مبسوطة غير كروية؛ لأن الكرة العظيمة يرى كل من عليها ما يليه مسطحا. ثم إن اعتقاد الكروية، أو عدمها ليس بلازم في الشريعة، لكن كرويتها كالأمر اليقيني، ومعنى جعلها بساطا، ومهادا، وفراشا؛ أي: تتقلبون عليها كالبساط... إلخ. وانظر الآية رقم [٤٨] من سورة (الذاريات). ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً:﴾ انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً﴾ أي: وجعلناكم أيها الناس أصنافا: ذكورا، وإناثا؛ لينتظم أمر النكاح؛ الذي يحصل به التناسل. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٣٩] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً:﴾ راحة للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد. وقيل للنوم: سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة. وقيل: السبت: القطع، فالنوم انقطاع عن

стр. 7072

الأعمال، ومنه سبت اليهود؛ لانقطاعهم عن الأعمال فيه. هذا؛ وسبت الشيء: قطعه، وسبت الرأس: حلقه. والسبت مصدر، ويوم من أيام الأسبوع، وجمعه: أسبت، وسبوت، والسبت أيضا: النوام، والفرس، والجواد، والرجل الداهية. هذا؛ والسبت بكسر السين: الجلد المدبوغ. قال عنترة في وصف الشجاع الذي افتخر بقتله-وهو البيت من معلقته رقم [٧٣]، وأيضا هو الشاهد رقم [٣٠٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] بطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذى نعال السّبت ليس بتوءم ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ أي: سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن. قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها. ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ أي: وقت معاش؛ أي: متصرفا فيه لطلب المعاش، وهو كل ما يعاش به من المطعم، والمشرب، والملبس، وغير ذلك. وفي الكشاف: لباسا يستركم عن العيون، إذا أردتم هربا من عدو، أو بياتا له، أو إخفاء ما لا تحبون الإطلاع عليه من كثير من الأمور. قال أبو الطيب المتنبي من قصيدته التي مدح بها كافور الإخشيدي: [الطويل] وكم لظلام اللّيل عندك من يد... تخبّر أنّ المانويّة تكذب ومن المعلوم من مذهب المانوية: أن الخير منسوب إلى النور، والشر منسوب إلى الظلام، فكذبهم أبو الطيب بأن نعمته، وخيريته إنما حصلت من الظلام، وبيّن تلك النعمة في قوله بعده: [الطويل] وقاك ردى الأعداء تسري إليهم... وزارك فيه ذو الدلال المحجّب وهذه الآيات مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛ لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية، ودنيوية، وقد كثر الامتنان من الله على خلقه، بذلك مثل قوله تعالى في سورة (الفرقان) الآية رقم [٤٧]: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً،﴾ وأيضا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية رقم [١٢] من سورة (الإسراء)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الروم). هذا؛ وفي الآيات تشبيه بليغ؛ إذ أصل الكلام: جعلنا الأرض كالمهاد الذي يفترشه النائم، وجعلنا الجبال كالأوتاد التي تثبت الدعائم، وجعلنا الليل كاللباس في الستر، والخفاء، فحذف أداة التشبيه، ووجه الشبه، فأصبح بليغا. وبعضهم يعتبر الجميع من باب الاستعارة. ولا تنس المقابلة في الآيتين رقم [١٠ و ١١] حيث قابل بين الليل، والنهار، والراحة، والعمل، وهو من المحسنات البديعية.

стр. 7073

هذا؛ والنوم قسمان: نوم العين، ونوم القلب، فنوم العين: فترة طبيعية تعتري الحيوان، وتتعطل حواسه بها، وأما نوم القلب: فهو تعطيل القوى المدركة. والثاني: لم يقع من النبي ﷺ ؛ لأن قلبه لا ينام، كما في حديث الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي». ورحم الله البوصيري إذ قال: [البسيط] لا تنكر الوحي من رؤياه إنّ له... قلبا إذا نامت العينان لم ينم هذا؛ والمنام مصدر ميمي بمعنى النوم، أو هو اسم مكان بمعنى موضعه، أو اسم زمان بمعنى زمانه؛ لأن «مفعلا» يصلح لهذا كله. هذا؛ والنوم هو الموتة الصغرى، لذا أرشدنا سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ أن نقول عند القيام من النوم: «سبحان من أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». والجنة لا نوم فيها، انظر الآية رقم [٢٤] الآتية. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَجْعَلِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿الْأَرْضَ:﴾ مفعول به أول. ﴿مِهاداً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً:﴾ معطوفان على: ﴿الْأَرْضَ مِهاداً﴾. ﴿وَخَلَقْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به. ﴿أَزْواجاً:﴾ حال من الكاف والميم بمعنى متجانسين متشابهين. قال مكي: وخلق بمعنى: ابتدع، فلذلك لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. أقول: ولا مانع من اعتبار خلق بمعنى: جعل، فتكون قد نصبت مفعولين، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجمل الثلاث الآتية معطوفة عليها أيضا، وإعرابها واضح إن شاء الله تعالى، وهي: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾. ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنّاتٍ أَلْفافاً (١٦)﴾ الشرح: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ أي: وبنينا فوقكم أيها الناس سبع سموات، محكمة الخلق، بديعة الصنع، متينة في إحكامها، وإتقانها، لا تتأثر بمرور العصور والأزمان، خلقناها بقدرتنا لتكون كالسقف للأرض، كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٢]: ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً،﴾ وقال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ انظر شرحها فإنه جيد. ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ أي: وخلقنا لكم شمسا منيرة ساطعة، يتوهج ضوءها، ويتوقد لأهل الأرض كلهم، دائمة الحرارة، والتوقد. قال أهل اللغة: الوهاج: المتوقد الشديد الإضاءة؛ الذي يضطرم، ويلتهب من شدة لهبه.

стр. 7074

﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً﴾ أي: وأنزلنا من السحب التي حان وقت إمطارها ماء دافقا منهمرا بشدة، وقوة. قال في التسهيل: المعصرات: هي السحب، مأخوذة من العصر؛ لأن السحاب ينعصر، فينزل منه الماء، شبهت السحابة التي حان وقت إمطارها بالجارية التي قد دنا حيضها؛ ولم تحض قال أبو النجم العجلي، ونسب لليث المجاشعي: [الرجز] تمشي الهوينى مائلا خمارها... قد أعصرت أو قد دنا إعصارها وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فكان مجنّي دون من كنت أتقي... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر هذا؛ وقيل: المعصرات: الرياح، يقال: أعصرت الرياح، تعصر إعصارا: إذا أثارت العجاج، وهي الإعصار. وقيل: المعصرات السماء، والأصح: أن المعصرات السحاب، كذا المعروف: أن الغيث منها، وانظر سورة (الواقعة) رقم [٦٩] حيث أطلق على السحب لفظ المزن، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وماء ثجاجا دافقا منهمرا بشدة وقوة، يقال: ثججت دمه فأنا أثجه ثجّا، والثجاج في الآية المنصب. قال عبيد بن الأبرص: [البسيط] فثجّ أعلاه ثمّ ارتجّ أسفله... وضاق ذرعا بحمل الماء منصاح وفي حديث النبي ﷺ : أنه سئل عن الحج المبرور، فقال: «العجّ، والثجّ». فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة الدماء، وذبح الهدايا. ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ:﴾ بذلك الماء. ﴿حَبًّا:﴾ كالحنطة، والشعير، وغير ذلك. ﴿وَنَباتاً:﴾ من الأبّ، وهو ما تأكله الدواب من الحشيش، والتبن، كما قال تعالى في سورة (طه) رقم [٥٤]: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [١٢]: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ ورحم الله زيد بن عمرو بن نفيل؛ الذي كان متحنفا قبيل الإسلام؛ إذ قال من قصيدة له مشهورة: [الطويل] وقولا له من ينبت الحبّ في الثرى... فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا ويخرج منه حبّه في رؤوسه... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا ﴿وَجَنّاتٍ أَلْفافاً﴾ أي: وحدائق، وبساتين كثيرة الأشجار، والأغصان، ملتف بعضها على بعض، لكثرة أغصانها، وتقارب أشجارها. ولا واحد له من لفظه، كالأوزاع، والأخياف. وقيل: الواحد: لفّ بكسر اللام، وضمها. وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن علي الطوسي، وهو له: [الرمل] جنّة لفّ وعيش مغدق... وندامى كلّهم بيض زهر هذا؛ و (جعل) في الآية رقم [١٣] نصب مفعولا واحدا، مثل: خلق، وأنشأ، وأوجد، والفرق بين خلق، وجعل الذي له مفعول واحد: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى

стр. 7075

التضمين، ولذا عبر سبحانه في كثير من الآيات عن إحداث النور، والظلمات بالجعل. فقال في كثير من الآيات: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما، كما زعمت المجوس، بخلاف الخلق فإن فيه معنى الإيجاد، والإنشاء، ولذا عبر في كثير من الآيات عن إيجاد السموات، والأرض بالخلق، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَبَنَيْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (بنينا): فعل، وفاعل. ﴿فَوْقَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سَبْعاً:﴾ مفعول به. ﴿شِداداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والتي بعدها: (جعلنا سراجا وهاجا) معطوفة على ما قبلها أيضا. (أنزلنا): فعل، وفاعل. ﴿مِنَ الْمُعْصِراتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿ماءً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالا». ﴿لِنُخْرِجَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حَبًّا:﴾ مفعول به. ﴿وَنَباتاً:﴾ معطوف على ما قبله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل (أنزلنا). ﴿وَجَنّاتٍ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿أَلْفافاً:﴾ صفة (جنات). ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠)﴾ الشرح: ذكر الله الأدلة التسع المتقدمة على قدرته تعالى، كبرهان واضح على إمكان البعث، والنشور والجزاء، فإن من قدر على هذه الأشياء قادر على البعث، والإحياء، ولهذا قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ أي: إن يوم الحساب، والجزاء، ويوم الفصل بين الخلائق، له وقت محدود، معلوم في علمه تعالى، وقضائه، لا يتقدم، ولا يتأخر. قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وسمي: يوم الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، وقد جعله الله وقتا، ومجمعا، وميعادا للأولين، والآخرين، وانظر الآية رقم [٣٨] من سورة (المرسلات). هذا؛ وميقات أصله: موقات، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، وقل مثله في: ميعاد، وميثاق... إلخ. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ:﴾ انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الحاقة) ففيها الكفاية. ﴿فَتَأْتُونَ:﴾ فتساقون إلى المحشر. ﴿أَفْواجاً﴾ أي: أمما، كل أمة مع إمامهم. وقيل: زمرا، وجماعات،

стр. 7076

الواحد: فوج، وهذا اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط، ومعشر... إلخ، وجمعه أفواج، وفؤوج. وجمع الجمع: أفاوج، وأفاييج، وأفاويج، والثلاثة بصيغة منتهى الجموع. هذا؛ وروي من حديث معاذ بن جبل-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت قول الله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً؟!﴾ فقال النبي ﷺ : «يا معاذ! لقد سألت عن أمر عظيم». ثم أرسل عينيه باكيا، ثم قال: «يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا، قد ميزهم الله تعالى من جماعات المسلمين، وبدّل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكّسون، أرجلهم أعلاهم، ووجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صمّ بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، فهي مدلاّة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم لعابا، يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطّعة أيديهم، وأرجلهم، وبعضهم مصلّبون على جذوع من النار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران، لاصقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة؛ فالقتّات من الناس (النّمام). وأما الذين على صورة الخنازير؛ فأهل السحت، والحرام، والمكس. وأمّا المنكّسون رؤوسهم، ووجوههم؛ فأكلة الرّبا، وأما العمي؛ فالذين يجورون في الحكم. وأما الصمّ، البكم؛ فالذين يعجبون بأعمالهم. وأما الذين يمضغون ألسنتهم؛ فالعلماء، والقصّاص الذين يخالف قولهم فعلهم. وأما المقطّعة أيديهم، وأرجلهم؛ فالذين يؤذون الجيران. وأما المصلبون على جذوع من النار؛ فالسعاة بالناس إلى السلطان. وأمّا الذين هم أشدّ نتنا من الجيف؛ فالذين يتمتعون بالشهوات، واللذات (المحرمات) ويمنعون حقّ الله في أموالهم. وأما الذين يلبسون الجلابيب؛ فأهل الكبر، والفخر، والخيلاء». انتهى قرطبي وكشاف. ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ أي: فتحت لنزول الملائكة، كما قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٥]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ وقيل: تقطعت، فكانت قطعا كالأبواب. وانظر قوله تعالى في سورة (المرسلات): ﴿وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ﴾ فهو جيد. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ أي: لا شيء، كما أن السراب كذلك، يظنه الرائي ماء، وليس بماء. وقيل: (سيرت) نسفت من أصولها. وقيل: أزيلت من مواضعها. وقال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً﴾ فالآية فيها تشبيه بليغ. هذا؛ ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال يوم القيامة بصفات مختلفة، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما تواريه، فأول الصفات: الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة. قال تعالى في سورة (الفجر): ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا،﴾ ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع بينهما في سورة (المعارج) حيث قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾. والحالة الثالثة أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن. قال تعالى

стр. 7077

في سورة (الواقعة): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾. والحالة الرابعة أن تنسف؛ لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة، فتنسفها عنها لتبرز. قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً،﴾ وقال في سورة (الكهف) رقم [٤٨]: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً..﴾. إلخ. والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد؛ حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة، وهي في الحقيقة مارّة؛ إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة، فقال تعالى في سورة (النمل) رقم [٨٨]: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾. والحالة السادسة أن تكون سرابا، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها، كالسراب. قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ وهذا كله إنما يقع بعد النفخة الأولى على المعتمد. وأخيرا: فالجبال مفرده: جبل، ويجمع على: أجبل أيضا. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿يَوْمَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿الْفَصْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود إلى ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾. ﴿مِيقاتاً:﴾ خبر ﴿كانَ﴾. والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ بدل من: ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ،﴾ وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلا من: ﴿مِيقاتاً،﴾ أو هو منصوب بفعل محذوف، تقديره: أعني. ﴿يُنْفَخُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿فِي الصُّورِ:﴾ الجار، والمجرور في محل رفع نائب فاعل ﴿يُنْفَخُ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَتَأْتُونَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (تأتون): فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿أَفْواجاً:﴾ حال من واو الجماعة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَفُتِحَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (فتحت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿السَّماءُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. وقيل: الجملة في محل نصب حال، فتحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها، والجمل الفعلية الثلاث بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق، وهو واضح إن شاء الله تعالى. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً﴾ أي: معدة مترصدة، متفعّل من الرصد، وهو الترقب؛ أي: هي متطلعة لمن يأتي، ويلقى فيها، والمرصاد: مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار، والمغيار، والمهذار... إلخ، فكأنه يكثر من جهنم انتظارها للكفار، كما يترصد الإنسان، ويترقب عدوه؛ ليأخذه على حين غرة، والمرصاد: الطريق، وجهنم طريق، وممرّ إلى الجنة، فلا

стр. 7078

سبيل إلى الجنة؛ حتى يقطع النار. وتوضيح هذا؛ وشرحه: أن الصراط يوضع على متن جهنم، ويمر عليه الأولون، والآخرون، والأنبياء، والمرسلون. وهذا فحوى قوله تعالى في سورة رقم [٧١] (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا﴾. انظر شرحها هناك. وقال الحسن وقتادة: لا يدخل أحد الجنة؛ حتى يجتاز النار، فإن كان معه جواز؛ نجا، وإلا؛ احتبس. وروي عن ابن عباس-﵄-أن على جسر جهنم (الصراط) سبع محابس، يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلاّ الله، فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلوات الخمس، فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة؛ فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة؛ جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها، وإلا؛ يقال: انظروا، فإن كان له تطوع؛ أكملت به أعماله، فإذا فرغ؛ انطلق به إلى الجنة. انتهى خازن. هذا؛ وإكمال نقص الفرائض من التطوع جاء عن النبي ﷺ فخذه بحروفه فيما يلي: فعن أنس بن مالك-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أول ما افترض الله على الناس من دينهم الصلاة، وآخر ما يبقى الصلاة، وأوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فيقول الله: انظروا في صلاة عبدي، فإن كانت تامّة؛ كتبت تامّة، وإن كانت ناقصة؛ قال: انظروا؛ هل لعبدي من تطوّع؟ فإن وجد له تطوّع؛ تمّت الفريضة من التطوع، ثم يقول: انظروا هل زكاته تامة؟ فإن كانت تامّة؛ كتبت تامة، وإن كانت ناقصة؛ قال: انظروا هل له صدقة؟ فإن كانت له صدقة؛ تمّت له زكاته؟». رواه أبو يعلى. وأقول: ويمكن قياس الحج، والصوم على ما ذكر في الحديث من الصلاة، والزكاة. والله أعلم، وأجل، وأكرم. ﴿لِلطّاغِينَ مَآباً:﴾ مرجعا يرجعون إليها، ومنزلا، ومأوى يستقرون بها. وانظر «الطغيان» في سورة (النازعات). ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ أي: مقيمين في جهنم ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع. فكلما مضى حقب؛ جاء حقب، والحقب بضمتين: الدهر، والأحقاب: الدهور. والحقبة بالكسر: السنة، والجمع: حقب. قال متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك-وهو الشاهد رقم [٣٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] وكنّا كندماني جذيمة حقبة... من الدّهر حتى قيل لن يتصدعا فلمّا تفرقنا كأنّي ومالكا... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

стр. 7079

والحقب بضم القاف وسكونها: ثمانون سنة، وهو المعتمد. وقيل: أكثر من ذلك، أو أقل. هذا؛ وكل سنة اثنا عشر شهرا، وكل شهر ثلاثون يوما، وكل يوم ألف سنة، يروى ذلك عن علي ﵁ وكرّم الله وجهه-. قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الأحقاب وإن طالت متناهية، وعذاب الكفار في جهنم غير متناه، فما معنى قوله: ﴿أَحْقاباً؟﴾. قلت: ذكروا فيه وجوها: أحدها: ما روي عن الحسن-رحمه الله تعالى-قال: الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ فو الله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب؛ دخل حقب آخر، ثم آخر إلى الأبد! فليس للأحقاب عدة إلا الخلود. وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁-قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار: عدد حصى الدنيا؛ لفرحوا، ولو علم أهل الجنة: أنهم يلبثون في الجنة عدد الحصى؛ لحزنوا. الوجه الثاني: أن لفظ الأحقاب لا يدل على نهاية، والحقب الواحد متناه. والمعنى: أنهم يلبثون فيها أحقابا. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها﴾ أي: في تلك الأحقاب ﴿بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً﴾ فهذا توقيت؛ لأنواع العذاب؛ الذي يبدلونه، لا توقيت للبثهم فيها. الوجه الثالث: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ يعني: أن العدد قد ارتفع، والخلود قد حصل. انتهى. تنبيه: قال الإمام الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إن عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ وبأن معصية الظالم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم! والجواب: أن قوله تعالى: ﴿أَحْقاباً﴾ لا يقتضي أن له نهاية؛ لأن العرب يعبرون به، وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك؛ لأن الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدائم إلا على دائم، ولم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا. انتهى جمل في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً:﴾ ﴿فِيها﴾ في الأحقاب. وقال ابن عباس-﵄: البرد: النوم. وبه قال أبو عبيدة، وغيره من أئمة اللغة، وبه قال صاحب المختار، وذكر الآية الكريمة مستدلا بها، وقال العرجي عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان-﵁: [الطويل] ولو شئت حرّمت النساء سواكم... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا النقاخ: هو الماء العذب؛ الذي ينقخ الفؤاد ببرده، والبرد: النوم. وقاله مجاهد، والسدي، والكسائي، والفضل بن خالد، وأبو معاذ النحوي، وأنشدوا قول الكندي: [الكامل] بردت مراشفها عليّ فصدّني... عنها وعن تقبيلها البرد يعني: النوم، والعرب تقول: منع البرد البرد، يعني: أذهب البرد النّوم، وقد سئل النبي ﷺ : هل في الجنة نوم؟ فقال: «لا؛ النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها». فكذلك النار لا موت

стр. 7080

فيها، وإطلاق البرد على النوم لغة هذيل. ﴿إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً:﴾ الحميم: الماء الحار، وكثير ذكره في القرآن الكريم. والغساق: صديد يسيل من جلود أهل النار، ولم يذكر إلا في هذه السورة. وفي سورة (ص) رقم [٥٧]. وقال ابن عباس-﵄: الغساق: الزمهرير يحرقهم ببرده. وقيل: الحميم: الحار الذي قد انتهى حره، والغساق ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو أنّ دلوا من غسّاق يهراق في الدّنيا؛ لأنتن أهل الدّنيا». أخرجه الإمام أحمد، ورواه الترمذي، وابن جرير أيضا. وقال مجاهد، ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده. وقال غيرهما: إنه يحرق ببرده، كما يحرق الحميم بحره. وقال عبد الله بن عمرو-﵁: هو قيح غليظ، لو وقع شيء منه بالمشرق؛ لأنتن من في المغرب، ولو وقع شيء منه بالمغرب؛ لأنتن من في المشرق. وقال قتادة: هو ما يسيل من فروج الزناة، ومن نتن لحوم الكفرة، وجلودهم من الصديد، والقيح، والنتن. وقال محمد بن كعب القرظي-﵁: هو عصارة أهل النار، وهذا القول أشبه. يقال: غسق الجرح، يغسق غسقا: إذا خرج منه ماء أصفر. قال الشاعر: [البسيط] إذا ما تذكّرت الحياة وطيبها... إليّ جرى دمع من اللّيل غاسق ﴿جَزاءً وِفاقاً﴾ أي: جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم، أو موافقا لها، فالوفاق بمعنى الموافقة، كالقتال بمعنى المقاتلة. وقال الفراء أيضا: هو جمع الوفق، والوفق، واللّفق واحد. وقال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿جَهَنَّمَ:﴾ اسمها. ﴿كانَتْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث، واسمها ضمير يعود إلى ﴿جَهَنَّمَ﴾. ﴿مِرْصاداً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلطّاغِينَ:﴾ متعلقان ب: ﴿مِرْصاداً،﴾ أو بمحذوف صفة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿مَآباً،﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه؛ صار حالا. ﴿مَآباً:﴾ بدل من ﴿مِرْصاداً،﴾ لذا قيل: خبر ثان ل: ﴿كانَتْ﴾. ﴿لابِثِينَ:﴾ حال من الضمير المستتر في (الطاغين). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿لابِثِينَ﴾. ﴿أَحْقاباً:﴾ ظرف زمان متعلق به أيضا. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَذُوقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿بَرْداً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ (الواو): حرف عطف. (لا): نافية مؤكدة. ﴿شَراباً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية فيها أوجه: أحدها: أنها مستأنفة. والثاني: أنها في محل نصب حال من الضمير في: ﴿لابِثِينَ﴾ أي: لابثين غير ذائقين، فهي حال متداخلة. والثالث: أنها في محل نصب صفة ل: ﴿أَحْقاباً﴾. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿حَمِيماً:﴾ مستثنى منقطع على تفسير البرد بالنوم. وقيل: هو متصل على تفسيره بالبرد الحقيقي، وهو قول أبي حيان، وجوز الكواشي الأمرين، وجوز اعتباره بدلا

стр. 7081

من: ﴿شَراباً،﴾ وهو الأحسن؛ لأن الكلام تام منفي. (غساقا): معطوف عليه. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جوزوا جزاء، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، وتحتاج إلى تقدير: «قد» قبلها. ﴿وِفاقاً:﴾ صفة: ﴿جَزاءً﴾. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً (٣٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الطاغين الكافرين. ﴿كانُوا لا يَرْجُونَ:﴾ لا يخافون. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿حِساباً﴾ أي: محاسبة لأعمالهم؛ أي: إنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، فيخافون الحساب، والجزاء، والعقاب. ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ أي: بما جاءت به الأنبياء. وقيل: بما أنزلنا من الكتب. و ﴿كِذّاباً﴾ بمعنى: تكذيبا. و «فعّال» بمعنى «تفعيل» مطرد شائع في كلام الفصحاء، وهي قراءة العامة. قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّبت به كذّابا، وخرقت القميص خرّاقا. وكل فعل في وزن: فعّل؛ فمصدره: «فعّال» مشدد في لغتهم. هذا؛ وقرأ علي-﵁: «(كذابا)» بالتخفيف، وهو مصدر أيضا. وقال أبو علي الفارسي: التخفيف، والتشديد جميعا مصدر المكاذبة، كقول الأعشى: [مجزوء الكامل] فصدقتها وكذبتها... والمرء ينفعه كذابه ومثله قول الآخر: [الطويل] وإنّ مديح النّاس حقّ وباطل... ومدحك حقّ ليس فيه كذاب وقال الزمخشري: هو مثل قوله تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ وهذا يعني: أنه اسم مصدر، لا مصدر؛ لأنه نقص عن حروف فعله لفظا، وتقديرا بدون تعويض، مثل: سلام، وكلام، وعذاب. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً﴾ أي: بيناه، وأثبتناه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ. وقيل: معناه: وكل شيء علمناه علما لا يزول، ولا يتغير، ولا يتبدل. والمعنى: أنا عالم بجميع ما فعلوه من خير، وشر، وأنا أجازيهم على قدر أعمالهم جزاء وفاقا. قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (الانفطار): ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ﴾. ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً:﴾ قال أبو برزة-﵁-سألت النبي ﷺ عن أشد آية في القرآن، فقال: قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ..﴾. إلخ؛ أي: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ رقم [٥٦] من سورة (النساء)، وقوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٩٧]: ﴿مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾

стр. 7082

﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾. هذا؛ وزاد، يزيد ضد: نقص، ينقص، يكون لازما، كقولك: زاد المال درهما، ويكون متعديا لمفعولين، كما في الآية الكريمة، وقولك: زاد الله خالدا خيرا، بمعنى: جزاه الله خيرا، وأما قولك: زاد المال درهما، والبر مدا؛ فدرهما ومدا تمييز. ومثله قل في: نقص، فمن المتعدي لمفعولين قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس فذقه؛ أي: اختبره، وانظر فلانا؛ فذق ما عنده. قال الشماخ يصف قوسا: [الطويل] فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يغرق السّهم حاجز وقد يعبر بالذوق عما يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعوما؛ لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم. قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل] فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: خبرته، وذقت القوس: إذا جذبت وترها؛ لتنظر ما شدتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل] فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوّب وتذوقته؛ أي: ذقته شيئا، فشيئا، وأمر مستذاق؛ أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر] وعهد الغانيات كعهد قين... ونت عند الجعائل مستذاق وأصله: الذوق في الفم، و ﴿فَذُوقُوا﴾ في كثير من الآيات للإهانة. وفيه استعارة تبعية تخييلية. وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية؛ حيث شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخييلا. الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَرْجُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿حِساباً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للعذاب المذكور. ﴿وَكَذَّبُوا:﴾ الواو: حرف عطف. (كذبوا): فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿كِذّاباً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَكُلَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (كل): مفعول به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهو ما يسمى بالنصب على الاشتغال، والآية مثل قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾. هذا؛ وقرئ برفع (كل) على أنه مبتدأ، و (كل) مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَحْصَيْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة مفسرة

стр. 7083

للجملة المحذوفة على نصب (كل)، وفي محل رفع خبره على رفعه، وعلى الاعتبارين فالجملة معترضة بين السبب، ومسببه، فإن قوله: ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ مسبب عن تكذيبهم. ﴿كِتاباً:﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه مفعول مطلق عامله: ﴿أَحْصَيْناهُ؛﴾ لأنه من معناه؛ إذ التقدير: أحصيناه إحصاء. والثاني: أنه مفعول مطلق ل: (أحصينا)؛ لأنه في معنى كتبنا كتابا، فالتجوز في نفس الفعل. قال الزمخشري: لالتقاء الإحصاء والكتب في معنى الضبط، والتحصيل. الثالث: أنه منصوب على الحال؛ لأنه بمعنى: مكتوبا في اللوح، وفي صحف الحفظة. انتهى جمل نقلا عن السمين. هذا؛ وأرى جواز اعتباره في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: أحصيناه في كتاب، ولعلك تدرك معي: أن هذا أولى بالاعتبار. ﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي: من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها هنا الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، كما ستراه في التقدير. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمفعول محذوف للتعميم، والاختصار، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم؛ إذ التقدير، وإذا كان ذلك حاصلا منهم، وواقعا فيقال لهم: ذوقوا؛ مع ملاحظة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. والشرط المقدر، ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿نَزِيدَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (لن)، والفاعل مستتر، تقديره: «نحن»، والكاف مفعوله الأول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً:﴾ فوزا، وظفرا بالبغية، والمراد. وقيل: موضع فوز، ونجاة، وخلاص مما فيه أهل النار، ولذلك قيل للفلاة؛ إذا قل ماؤها: مفازة تفاؤلا بالخلاص منها، ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعا؛ لأنهم فازوا بمعنى: نجوا من العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم. ﴿حَدائِقَ﴾ أي: بساتين، فيها جميع أنواع الشجر المثمر، جمع: حديقة. ﴿وَأَعْناباً:﴾ جمع: عنب، والمراد: الكروم؛ التي فيها العنب. ﴿وَكَواعِبَ:﴾ جمع: كاعب، وهي الأنثى التي استدار ثديها مع ارتفاع يسير، فصار كالكعب، وهو يكون في سن البلوغ، وكل شيء مرتفع مدور، أو مربع، يقال له: كعب، وسميت الكعبة في المسجد الحرام كعبة؛ لارتفاعها مع التربيع. والعرب تسمي كل بيت مرتفع: كعبة، والأولى أن تقول: سميت لارتفاع قدرها، وسمو مكانتها. هذا؛ و ﴿وَكَواعِبَ﴾ لم يذكر في غير هذه السورة. هذا؛ ولم يذكر أحد من المفسرين نوع

стр. 7084

هذه الكواعب: أهي من نساء الدنيا؟ أم هي من الحور العين؟ سوى ما نقله القرطبي عن الضحاك قوله: كواعب العذارى، ثم قال: ومنه قول قيس بن عاصم المنقري: [الطويل] وكم من حصان قد حوينا كريمة... ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر؟ أقول: والله أعلم: أنهن من الحور العين؛ اللاتي يخلقهن الله في الجنة بدليل قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً﴾ ومعنى ﴿أَتْراباً﴾ متساويات في السن، والشباب، بنات ثلاث وثلاثين سنة، واشتقاقه من التراب، فإنه يمسهن في وقت واحد. وقيل: متآخيات، لا يتباغضن، ولا يتغايرن، ولا يتحاسدن، ومثلهن أزواجهن في السن؛ لأن التحاب بين الأقران أثبت، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصبا، وانحطت عن الكبر. هذا؛ ويقال في النساء: أتراب، وفي الرجال: أقران. هذا؛ وأتراب جمع: ترب بكسر التاء، وسكون الراء، كحمل، وأحمال، وهو المساوي لك في العمر. قال الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] لولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب ﴿وَكَأْساً دِهاقاً:﴾ قال الحسن، وقتادة، وابن زيد، وابن عباس-﵃: مترعة، مملوءة، يقال: أدهقت الكأس؛ أي: ملأتها، وكأس دهاق؛ أي: ممتلئة. قال خداش بن زهير: [الوافر] أتانا عامر يبغي قرانا... فأترعنا له كأسا دهاقا وقال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وابن عباس أيضا: متتابعة، يتبع بعضها بعضا. ومنه: ادّهقت الحجارة ادّهاقا، وهو شدة تلازبها، ودخول بعضها في بعض، فالمتتابع، كالمتداخل، وعن عكرمة أيضا، وزيد بن أسلم: صافية. قال الشاعر: [الوافر] لأنت إلى الفؤاد أحبّ قربا... من الصّادي إلى كأس دهاق هذا؛ والمراد بالكأس: الخمرة الموجودة فيها، انظر الآية رقم [٥] من سورة الدهر، ولم يذكر دهاق في غير هذه السورة. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أي: في الجنة. ﴿لَغْواً:﴾ اللغو: الباطل، وهو ما يلغى من الكلام، ويطرح. وقيل: هو القبيح من القول، والمعنى: ليس فيها لغو، فيسمع. ﴿وَلا كِذّاباً:﴾ لا يكذّب بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الواقعة): ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾. ﴿جَزاءً:﴾ مجازاة، ومكافأة للمتقين. ﴿مِنْ رَبِّكَ عَطاءً:﴾ تكرما، وتفضلا من ربك بمقتضى وعده، ولكن لا يجب عليه شيء. وتوضيح هذا: أن ذلك تفضل، وعطاء في نفس الأمر، وجزاء مبني على الاستحقاق من حيث إنه تعالى وعده لأهل الطاعة. ﴿حِساباً:﴾ كافيا، وفي القاموس:

стр. 7085

وحسبك درهم: كفاك، وشيء حساب: كاف، ومنه: ﴿عَطاءً حِساباً،﴾ وأحسبه: أرضاه. وقال قتادة: حسابا؛ أي: كثيرا، يقال: أحسبت فلانا؛ أي: كثّرت له العطاء؛ حتى قال: حسبي. وقالت امرأة من قشير: [الطويل] ونقفي وليد الحيّ إن كان جائعا... ونحسبه إن كان ليس بجائع المعنى: نقفي وليد الحي؛ أي: نؤثره بالقفية، وهي ما يؤثر به الضيف، والصبي. هذا؛ ومن الأول قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٦٤]: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كافيك الله، ومثلها في (آل عمران) رقم [١٧٣]، وفي سورة (المائدة) رقم [١٠٤] وغير ذلك كثير. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. تنبيه: بعد أن ذكر الله حال الكفار في الآيات السابقة، وما أعد لهم من العقاب الشديد، والعذاب الأليم، ذكر حال المؤمنين في هذه الآيات، وما أعد لهم من النعيم المقيم في جنات النعيم، وذلك من باب المقابلة، وتلك سنة اقتضتها حكمة العليم الخبير، ورحمته في كتابه حيث لم يذكر التكذيب من الكافرين، والمنافقين؛ إلا ويذكر التصديق من المؤمنين. ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط؛ ليكون المؤمن راغبا، راهبا، خائفا، راجيا. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿مَفازاً:﴾ اسمها المؤخر. ﴿حَدائِقَ:﴾ بدل من: ﴿مَفازاً﴾ أو عطف بيان عليه. ﴿وَأَعْناباً:﴾ معطوف عليه. ﴿وَكَواعِبَ:﴾ معطوف عليه أيضا. ﴿أَتْراباً:﴾ صفة (كواعب). ﴿وَكَأْساً دِهاقاً:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وهما: موصوف، وصفته. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَغْواً:﴾ مفعول به. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية مؤكدة للنفي قبلها. ﴿كِذّاباً:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في خبر ﴿إِنَّ﴾ المحذوف المقدر. وقيل: حال من (المتقين). والأول أقوى. ﴿جَزاءً:﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: جوزوا جزاء، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة، وهي تحتاج إلى تقدير «قد» قبلها. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان ب: ﴿جَزاءً،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَطاءً:﴾ بدل من ﴿جَزاءً﴾ بدل كل من كل. ﴿حِساباً:﴾ صفة ﴿عَطاءً﴾. ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧)﴾ الشرح: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ مالكهما، ومدبّر شؤونهما، ومبدعهما على غير مثال سبق، ومتصرف فيهما تصرف الملاك، فإن وجودهما، وانتظامهما على هذا النمط البديع الصنع

стр. 7086

من أوضح الأدلة على وجود الله، وواحدانيته، واستقلاله بملكهما، وتصرفهما. هذا؛ ولم يقل بينهن، مع أن السموات سبع، والأرضين سبع؛ لأنه أراد ما بين الصنفين، أو النوعين، أو الشيئين، كقول القطامي: [الوافر] ألم يحزنك أنّ حبال قيس... وتغلب قد تباينتا انقطاعا أراد: وحبال تغلب، فثنى، والحبال جمع، فثناهما؛ لأنه أراد الشيئين، أو النوعين، أو ثناهما على تأويلهما بالجماعة. قال الشاعر يذم عاملا على الصدقات: [البسيط] سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ لأصبح النّاس أوبادا ولم يجدوا... عند التّفرّق في الهيجا جمالين فقد ثنى جمالا؛ الذي هو جمع جمل. والعقال: صدقة عام، والسّبد: المال القليل. واللبد: المال الكثير. وأوبادا: هلكى، جمع: وبد، فهو يقول: صار عمرو عاملا على الصدقات في سنة واحدة، فظلم، وأخذ أموال الناس بغير حق؛ حتى لم يبق لنا إلا شيء قليل من المال، فكيف تكون حالنا، أو كيف يبقى لأحد شيء لو صار عمرو عاملا في زكاة عامين؟! ثم أقسم فقال: والله لو صار عمرو عاملا سنتين؛ لصارت القبيلة هلكى! فلا يكون لهم عند التفرق في الحرب جمالان، فيختل أمر الغزوات. ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ أي: لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه. وقيل: الخطاب: الكلام؛ أي: لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه إلا بإذنه، دليله قوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ وقيل: أراد الكفار ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ أي: شفاعة، فأما المؤمنون فيشفعون، ولكن لا يكون هذا إلا بعد أن يؤذن لهم، تحقيقا لقوله تعالى في آية الكرسي رقم [٢٥٤] من سورة (البقرة): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ،﴾ وقوله تعالى في سورة (طه) رقم ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾. الإعراب: ﴿رَبِّ:﴾ بدل من ﴿رَبِّكَ،﴾ وهو مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله، وفاعله مستتر فيه: ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ الواو: حرف عطف. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء في محل جر بالإضافة، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية. ﴿الرَّحْمنِ:﴾ بدل من (رب) الأول، أو من الثاني. ﴿لا:﴾ نافية، ﴿يَمْلِكُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من المضاف المحذوف؛ إذ التقدير: أهل السموات، والأرض. والرابط:

стр. 7087

الضمير فقط. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وأجيز اعتبار (من) بمعنى اللام، فتتعلق ب: ﴿خِطاباً﴾ بعدهما، فيكون التقدير: لا يملكون خطابا له. ﴿خِطاباً:﴾ مفعول به، وهذا الإعراب إنما هو على قراءة حفص، وخذ ما يلي: فقد قرئ برفع: «(ربّ)» و (الرحمن) وفي إعرابهما وجهان: الوجه الأول: اعتبار (ربّ) مبتدأ، و (الرحمن) خبرا له، والوجه الثاني: اعتبار: (ربّ) خبرا لمبتدأ محذوف، و «(الرحمن)» بدلا منه. كما قرئ بجر: (رب) وإعرابه كما ذكرت، ورفع «(الرحمن)» وفي إعرابه وجهان: الوجه الأول اعتباره مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، والرابط الضمير المجرور ب: (من)، وعليه فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. والوجه الثاني: اعتبار (الرحمن) خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الرحمن، والجملة الاسمية مستأنفة. والجملة الفعلية تحتمل وجهين: الاستئناف، والحالية من (الرحمن). كما قرئ برفع: «(ربّ)» على اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، وخفض: (الرحمن) على اعتباره بدلا، أو نعتا ل: ﴿رَبِّكَ﴾ وعليه تكون الجملة الاسمية معترضة بين البدل، والمبدل منه، أو بين النعت، ومنعوته. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا:﴾ المراد باليوم يوم القيامة بلا شك، واختلف في الروح على أقوال كثيرة. قيل: هو جبريل ﵇. وقال ابن عباس-﵄: الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا، وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا، فيكون من عظم خلقه مثلهم. وقال ابن مسعود-﵁: الروح ملك عظيم أعظم من السموات، والأرض، والجبال، وهو في السماء الرابعة، يسبح الله كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا يجيء يوم القيامة صفا وحده. وقيل: الروح خلق على صورة بني آدم، وليسوا بناس، يقومون صفا، والملائكة صفا، هؤلاء جند وهؤلاء جند. وقال ابن عباس-﵄: الروح خلق على صورة بني آدم، وما ينزل من السماء ملك، إلا ومعه واحد منهم. وعنه: أنهم بنو آدم، يقومون صفا، والملائكة صفا. وقيل: سماطان. سماط من الروح، وسماط من الملائكة. انتهى. خازن. وفي القرطبي أطول منه، وفي الكشاف أخصر منه. والأظهر: أن المراد بالروح هنا: جبريل، ﵊، كما قال سعيد بن جبير، والضحاك، ويؤيده قوله تعالى في سورة (الشعراء): ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وانظر مثله في سورة (القدر)، وعلى هذا؛ فالروح من جملة الملائكة، فيكون قد ذكر

стр. 7088

مرتين: مرة استقلالا، ومرة مع الملائكة، تنبيها على جلالة قدره، ومكانته عند ربه، مع ملاحظة ذكره هنا قبل الملائكة، وفي سورة (القدر) بعد الملائكة، فالأول هو من ذكر الخاص قبل العام، وفي سورة (القدر) من ذكر الخاص بعد العام، وانظر ما ذكرته في سورة (المعارج) رقم [٤] ففيها كبير فائدة. ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ يعني: الخلق كلهم إجلالا لعظمة الله تعالى ﷻ ، وتبارك شأنه وعطاؤه، ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ أي: في الكلام. وقيل: في الشفاعة؛ أي: تحقيقا لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ الآية رقم [٢٨] من سورة (الأنبياء)، وكما ثبت في الصحيح من قول النبي ﷺ : «ولا يتكلّم يومئذ إلا الرسل». قال البيضاوي: -رحمه الله تعالى-: هذه الآية تقرير، وتوكيد لقوله في الآية السابقة ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق، وأقربهم من الله تعالى، إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صوابا كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه؛ فكيف يملكه غيرهم؟! ﴿إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ أي: في الكلام، أو في الشفاعة. ﴿وَقالَ صَواباً﴾ أي: حقا، ومن القول الصواب، والحق قول: (لا إله إلا الله) إن عمل بمقتضاها، كما ذكرته مرارا، وتكرارا. هذا؛ وقيل: الاستثناء يرجع إلى الروح والملائكة، فيكون المعنى: لا يشفعون إلا في شخص أذن الرحمن في الشفاعة له، وذلك الشخص ممن كان يقول صوابا في الدنيا، وهو (لا إله إلاّ الله) مع الإخلاص بها، وإخلاصها: أن تحجزه عن محارم الله تعالى، كما ورد من قول النبي ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة». قيل: وما إخلاصها؟ قال: «أن تحجزه عن محارم الله». وفي رواية: «أن تحجزه عمّا حرم الله عليه». رواه الطبراني في الكبير، والأوسط عن زيد بن أرقم-﵁. هذا؛ وأصل الصواب: السداد في القول، والفعل، وهو من: أصاب، يصيب إصابة، كالجواب من: أجاب، يجيب إجابة. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿لا يَمْلِكُونَ،﴾ وأجاز الزمخشري تعليقه ب: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ،﴾ وأجاز أبو البقاء تعليقه ب: ﴿خِطاباً،﴾ والمعتمد الأول. وجملة: ﴿يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿صَفًّا:﴾ حال من: ﴿الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ،﴾ وجاز ذلك؛ لأنه مصدر يؤول ب: مصطفّين. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَتَكَلَّمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ،﴾ فهي حال متعددة، أو من الضمير المستتر ب: مصطفّين، فتكون حالا متداخلة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء، أو أداة حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من واو الجماعة، أو في محل رفع بدلا من الواو. وهو أقوى؛ لأن الكلام تام منفي. وهو اختيار ابن مالك في ألفيته. وجملة: ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ صلة الموصول، لا محل لها،

стр. 7089

والعائد الضمير المجرور محلا باللام. ﴿وَقالَ:﴾ الواو: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿صَواباً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: وقال قولا صوابا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى اليوم الذي يقوم فيه الروح والملائكة صفّا. ﴿الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي: الكائن الواقع لا محالة، ولا شك، ولا ريب فيه. ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً﴾ أي: فمن شاء أن يسلك إلى ربه مرجعا كريما بالإيمان، والعمل الصالح؛ فليفعل، وهو حثّ، وترغيب في العمل الصالح، والتزوّد من هذه الدنيا الفانية. وفي سورة (الدهر) رقم [٢٩]، وفي سورة (المزمل) رقم [١٩]: ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾. هذا؛ والحق ضد الباطل. قال الراغب: أصل الحق: المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة. والحق يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق. وللموجود بحسب مقتضى الحكمة، ولذلك يقال: فعل الله كله حق، نحو: الموت حق، والحساب حق... إلخ. وللاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، نحو: اعتقاد زيد في الجنة حق. وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب، وقدر ما يجب، في الوقت الذي يجب، نحو: قولك حق، وفعلك حق. ويقال: أحققت ذا؛ أي: أثبته حقا، أو حكمت بكونه حقا. انتهى بغدادي. هذا؛ والرب يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول يوسف -على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ،﴾ وقوله أيضا: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً..﴾. إلخ. وقال الأعشى: [الكامل] ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكهما، ومتولي شؤونهما. كما يراد به المربي، والمصلح، يقال: ربّ فلان الضيعة يربّها: إذا أصلحها، والله مالك العالمين، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا، فشيئا بجعل النطفة علقة، ثم بجعل العلقة مضغة، ثم بجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا آخر؛ وهو صغير ضعيف. فلا يزال ينميه، وينشيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. هذا؛ ولا يطلق لفظ الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: رب الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، والمراد: المعبود بحق. وهو المراد منه تعالى عند الإطلاق، ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل. قال تعالى حكاية عن قول

стр. 7090

يوسف-﵇-لصاحبي السجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ كما يجمع؛ إذا كان بأحد المعاني السابقة. قال الشاعر: [الطويل] هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر مخمس مخمسا وهو اسم فاعل بجميع معانيه السابقة، أصله: رابب، ثم خفف بحذف الألف، وإدخال أحد المثلين في الآخر. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للعبد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الْيَوْمُ:﴾ خبره. ﴿الْحَقُّ:﴾ صفته، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعا إلى ثواب ربه؛ الذي ذكر شأنه العظيم؛ فعل ذلك بالإيمان، والطاعة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى من، والمفعول محذوف، التقدير: فمن شاء النجاة. ﴿اِتَّخَذَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿إِلى رَبِّهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿مَآباً﴾ بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وإن علقت الجار، والمجرور بمحذوف حال من ﴿مَآباً﴾ فلست مفندا. ﴿مَآباً:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿اِتَّخَذَ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا، والمرجح: أنه جملة الشرط، والجواب، وهذه الجملة مذكورة في سورة (المزمل) برقم [١٩]. والجملة الشرطية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم يقدر ب: «إذا»، والكلام كله معطوف على الجملة الاسمية قبله، لا محل له مثلها. ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)﴾ الشرح: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ:﴾ الخطاب لكفار قريش، ويعم جميع بني آدم، والمعنى: حذرناكم، وخوفناكم، ونحذركم، ونخوفكم. ﴿عَذاباً قَرِيباً﴾ يعني: عذاب الآخرة قريب لتحققه، وكل ما هو آت قريب، وأوله نزول الموت؛ لأن من مات؛ فقد قامت قيامته، فإن كان من أهل الجنة؛ نزلت عليه ملائكة الرحمة، تزف له البشرى بالجنة، والرضا، والرضوان، وإن كان من أهل النار؛ نزلت عليه ملائكة العذاب، تبشره بالنار، وغضب العزيز الجبار. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ﴾

стр. 7091

﴿الْمَرْءُ:﴾ كل امرئ مسلما كان، أو كافرا، ذكرا كان، أو أنثى. وهذا العموم يؤخذ من أل الاستغراقية، والمعنى: يرى كل ما قدمه مثبتا في صحيفته خيرا كان، أو شرا. ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ:﴾ من الشر، لقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ سورة (آل عمران) ومثلها في (الأنفال) رقم [٥١]، وأيضا في (الحج) رقم [١٠] وتخصيص الأيدي بالذكر؛ لأن أكثر الأعمال تقع بها، وإن احتمل ألاّ يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام، كالعين، والأذن، والرجل، وغير ذلك من الجوارح الباطنة، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. ويقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً:﴾ قال عبد الله بن عمر-﵄: إذا كان يوم القيامة؛ مدت الأرض مدّ الأديم، وحشر الدواب، والبهائم، والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بينها. قيل لها: كوني ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾. وقيل: يقول الله للبهائم بعد القصاص: إنا خلقناكم، وسخرناكم لبني آدم، وكنتم مطيعين لهم أيام حياتكم، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، كونوا ترابا، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى. وقال: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة بعض هذه البهائم، وكنت اليوم ترابا! وقيل: إذا قضى الله بين الناس، وأمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وقيل لسائر المخلوقات سوى الناس، والجن: عودوا ترابا، فيعودون ترابا، فحينئذ يقول الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾. هذا؛ وقد بينت لك في سورة (الأحقاف) رقم [٢٩] وما بعدها، وفي أول سورة (الجن) أن الجن مكلفون بالتكاليف الشرعية، ويثابون، ويعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار، كبني آدم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وأصل كنت: كونت، فقل في إعلاله: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: (كانت) فالتقى ساكنان: الألف وسكون النون، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار: (كنت) بفتح الكاف، ثم أبدلت الفتحة ضمة لتدل على الواو المحذوفة، فصار: كنت. وهناك إعلال آخر، وهو أن تقول: أصل الفعل: كون، فلما اتصل بضمير رفع متحرك نقل إلى باب فعل، فصار: (كونت) ثم نقلت حركة الواو إلى الكاف قبلها، فصار: (كونت) فالتقى ساكنان: العين المعتلة ولام الفعل، فحذفت العين، وهي الواو لالتقاء الساكنين، فصار (كنت) وهكذا قل في إعلال كل فعل أجوف واوي مسند إلى ضمير رفع متحرك، مثل: قام، وقال، ونحوهما. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْذَرْناكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿قَرِيباً:﴾ صفة عذابا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿عَذاباً﴾. وقال أبو البقاء: صفة ل: (قريب)، ولا وجه له، ولو

стр. 7092

قال: متعلق به؛ لكان أحسن. ﴿يَنْظُرُ الْمَرْءُ:﴾ مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿قَدَّمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿يَداهُ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي قدمته يداه. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) استفهامية في محل نصب مفعول به مقدم، التقدير: أيّ شيء قدمت يداه، وعليه فالجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ل: ﴿يَنْظُرُ،﴾ ويكون قد علق ب: (ما) عن العمل لفظا، لا محلا. ﴿وَيَقُولُ:﴾ الواو: حرف عطف. (يقول): مضارع. ﴿الْكافِرُ:﴾ فاعله. (يا): حرف تنبيه. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، وهو ضعيف. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿كُنْتُ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿تُراباً:﴾ خبر (كان)، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَيَقُولُ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿يَنْظُرُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (النبأ) بعون الله وتوفيقه، شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7093

سورة النّازعات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (النازعات)، وهي مكية بالإجماع، وهي خمس، أو ست وأربعون آية، ومئة وسبع وتسعون كلمة، وسبعمائة وثلاثة وخمسون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥)﴾ الشرح: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: اختلفت عبارات المفسرين في هذه الكلمات: هل هي صفات لشيء واحد، أم لأشياء مختلفة على أوجه؟ واتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ وصف لشيء واحد، وهم الملائكة. الوجه الأول في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ يعني: الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المدى، والغرق من: الإغراق؛ أي: والنازعات إغراقا. وقال ابن مسعود-﵁: إن ملك الموت، وأعوانه، ينزعون روح الكافر، كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، فتخرج روح الكافر كالغريق في الماء. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ الملائكة تنشط نفس المؤمن؛ أي: تسلها سلا رفيقا، فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير. وإنما خص النزع بنفس الكافر، والنشط بنفس المؤمن؛ لأن بينهما فرقا، فالنزع: جذب بشدة، والنشط: جذب برفق. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ يعني: الملائكة، يقبضون أرواح المؤمنين، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح، ثم يستخرجونها كالسابح في الماء، يتحرك فيه برفق، ولطافة. وقيل: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كالفرس الجواد إذا أسرع في جريه؛ يقال له: سابح. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ يعني: الملائكة، سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقيل: هم الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة. الوجه الثاني في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ يعني: النفوس حين تنزع من الجسد، فتغرق في الصدر، ثم تخرج. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ قال ابن عباس-﵄: هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة، وذلك؛ لأنه يعرض عليه مقعده قبل

стр. 7094

الموت في الجنة. قال علي بن أبي طالب-﵁: هي أرواح الكفار تنشط بين الجلد، والأظفار؛ حتى تخرج من أفواههم بالكرب، والغم. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ يعني: أرواح المؤمنين تسبح في المكرمات. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ يعني: استباقها إلى الحضرة المقدسة. الوجه الثالث في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ يعني: النجوم تنزع من أفق إلى أفق، تطلع، ثم تغيب، كالثور الناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها. قال هميان بن قحافة: [الرجز] أمست همومي تنشط المناشطا... الشّام بي طورا وطورا واسطا ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ يعني: النجوم، والشمس، والقمر، يسبحون في الفلك. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ يعني: النجوم، يسبق بعضها بعضا في السير. الوجه الرابع في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ يعني: خيل الغزاة، تنزع في أعنتها، وتغرق في عرقها، وهي (الناشطات نشطا)؛ لأنها تخرج بسرعة إلى ميدانها، وهي: (السابحات سبحا) و (السابقات سبقا)؛ لأنها تسبح في جريها، وتسابق لإدراك الغاية. قال عنترة: [مجزوء الكامل] والخيل تعلم حين تس... بح في حياض الموت سبحا وقال امرؤ القيس في معلقته رقم [٦٧]: [الطويل] مسحّ إذا ما السّابحات على الونى... أثرن غبارا بالكديد المركّل الوجه الخامس في قوله تعالى: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ يعني: الغزاة حين تنزع قسيها في الرمي. فتبلغ غاية المد، وهو قوله: ﴿غَرْقاً﴾. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ أي: السهام في الرمي ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ يعني: الخيل، والإبل حين يخرجها أصحابها إلى الغزو. الوجه السادس: ليس المراد بهذه الكلمات شيئا واحدا، فقوله: ﴿وَالنّازِعاتِ﴾ يعني: ملك الموت ينزع النفوس غرقا حتى بلغ بها الغاية. ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ يعني: النفس تنشط من القدمين، بمعنى: تجذب. ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ يعني السفن. ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ يعني: مسابقة نفوس المؤمنين إلى الخيرات، والطاعات. أما قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ فأجمعوا على أنهم الملائكة. قال ابن عباس-﵄: هم الملائكة، وكلوا بأمور عرفهم الله العمل بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: يدبر الأمر في الدنيا أربعة أملاك: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. فأما جبريل، عليه الصلاة، والسّلام؛ فموكل بالرياح، والجنود (ومهمته الأولى السفارة بين الله وبين رسله). وأما ميكائيل، عليه الصلاة، والسّلام؛ فموكل بالقطر، والنبات. وأما ملك الموت عزرائيل، عليه الصلاة، والسّلام؛ فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل ﵊، فهو ينزل عليهم بالأمر من الله تعالى (ومهمته الأولى نفخ الصور الذي ينتظر الأمر به). انتهى. بتصرف، ومثله في القرطبي، والكشاف.

стр. 7095

أقسم الله بهذه الأشياء لشرفها، ولله أن يقسم بما يشاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق، ومثل ذلك في أول (الذاريات)، وأول (المرسلات) أو يكون التقدير: ورب هذه الأشياء وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثن ولتحاسبن. وقيل: جوابه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ الآية الآتية. قال ابن هشام في المغني: وفيه بعد. وقيل: هو قوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾. أقول: والمعتمد الوجه الأول، وهو أن المراد بالنازعات وما عطف عليه الملائكة، وإنما جاءت هذه الأقسام بلفظ التأنيث، والكل وصف للملائكة مع أنهم ليسوا إناثا؛ لأن المقسم به طوائف من الملائكة، فكأنه قيل: وطوائف الملائكة النازعات، والطوائف: جمع: طائفة، وهي مؤنثة. الإعراب: ﴿وَالنّازِعاتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالنازعات، أو التقدير: أقسم برب النازعات. ﴿غَرْقاً:﴾ مفعول مطلق عامله ما قبله، لملاقاته له في المعنى على حذف الزوائد؛ إذ الأصل: والنازعات إغراقا، أو هو منصوب على الحال على حذف مضاف؛ إذ التقدير: ذوات إغراق، والأسماء الآتية كلها معطوفة على (النازعات) و ﴿نَشْطاً﴾ و ﴿سَبْحاً﴾ و ﴿سَبْقاً﴾ مفعول مطلق لا غير. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به لما قبله، وفي كل الأسماء المتقدمة ضمير مستتر هو الفاعل. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. هذا؛ وانظر حكم الفاء في أول سورة (المرسلات). ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ يعني: النفخة الأولى، يتزلزل، ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها جميع الخلق. هذا؛ والإسناد إليها مجازي؛ لأنها سببه، كقوله تعالى في سورة (المزمل): ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾. هذا؛ وقال القرطبي. وليست الرجفة ها هنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرعد، يرجف رجفا، ورجيفا؛ أي: أظهر الصوت، والحركة، ومنه سميت الأراجيف؛ لاضطراب الأصوات بها، وإفاضة الناس فيها. قال منازل بن ربيعة المنقري في هجو رؤبة بن العجاج: [البسيط] أبا لأراجيف يابن اللّؤم توعدني... وفي الأراجيف خلت اللّؤم والخورا ﴿تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ أي: النفخة الثانية ردفت الأولى، وبينهما أربعون سنة. قال ابن عباس، وقتادة، والحسن-﵃: هما الصيحتان: الأولى تميت كل شيء بإذن الله تعالى،

стр. 7096

والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله . هذا؛ وخذ قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٦٨]: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ انظر شرحها هناك. وعن أبي بن كعب-﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا ذهب ربع الليل؛ قام، ثم قال: «يا أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرّادفة، جاء الموت بما فيه». رواه البغوي بسند الثعلبي، وزاد ابن كثير، فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن جعلت صلاتي كلّها عليك؟ قال: «إذا يكفيك الله ما أهمّك من دنياك وآخرتك». ثم قال: رواه أحمد، والترمذي. ولفظ الترمذي: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل؛ قام، فقال: «يا أيّها النّاس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه». انتهى. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ:﴾ خائفة، وجلة. يقال: وجف القلب، يجف وجيفا: إذا خفق. كما يقال: وجب، يجب وجيبا، ومنه: وجيف الفرس، والناقة في العدو. والإيجاف: حمل الدابة على السير السريع. قال الشاعر: [الرجز] بدّلن بعد جرّة صريفا... وبعد طول النّفس الوجيفا ومنه قول النبي ﷺ في الإفاضة من عرفات: «ليس البرّ بإيجاف الخيل، ولا إيضاع الإبل على هينتكم!». يقال: وجف الفرس: إذا أسرع، وأوجفته أنا؛ أي: حركته، وأتعبته، ومنه قول تميم بن مقبل: [الطويل] مذاويد بالبيض الحديث صقالها... عن الرّكب أحيانا إذا الرّكب أوجفوا وخذ قوله تعالى في سورة (الحشر) رقم [٦]: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ..﴾. إلخ. ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ:﴾ منكسرة، ذليلة من هول ما ترى. والمراد: أبصار أصحاب القلوب، فهو على حذف المضاف. وهذا كثير مستعمل في الآيات القرآنية، وفي الكلام العربي: نثره، ونظمه. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (القلم) رقم [٤٣]: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: الكافرون المكذبون المنكرون للبعث، إذا قيل لهم: إنكم تبعثون؛ قالوا منكرين متعجبين: ﴿أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ أي: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟! وهذا الإنكار منهم كثير. يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته؛ أي: رجع من حيث جاء. قاله قتادة. وأنشد ابن الأعرابي: [الوافر] أحافرة على صلع وشيب... معاذ الله من سفه وعار يقول الشاعر: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل، والصبا بعد أن شبت، وصلعت؟! وقيل: الحافرة: الأرض التي تحفر فيها قبورهم، فهي بمعنى: محفورة. وقيل: الحافرة: العاجلة؛ أي: أئنا لمردودون إلى الدنيا، فنصير أحياء كما كنا؟ قال الشاعر: [السريع]

стр. 7097

آليت لا أنساكم فاعلموا... حتّى يردّ الناس في الحافره ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً﴾ أي: بالية متفتتة، يقال: نخر العظم (بكسر الخاء) أي: بلي، وتفتت. وقرئ: «(ناخرة)». وفي الصحاح: والناخر من العظام؛ الذي تدخل الريح فيه، ثم تخرج منه، ولها نخير. وقيل: هما لغتان بمعنى، تقول العرب: نخر الشيء، فهو نخر، وناخر، كقولهم: طمع، فهو طمع، وطامع، وحذر، وحاذر، وبخل وباخل، وفره، وفاره. قال الشاعر: [الطويل] يظلّ بها الشّيخ الّذي كان بادنا... يدبّ على عوج له نخرات وقد قرئ: ﴿أَإِنّا﴾ ﴿أَإِذا﴾ بقراءات كثيرة، فجملتها تسعة، وكلها سبعية. وقولهم هذا تعجب منهم، واستبعاد للبعث بعد الموت، وفناء الجسد، وقد تكرر في القرآن الكريم ذكر ذلك عنهم، وشاعرهم هو الذي يقول: [الوافر] ألا من بلّغ الرحمن عنّي... بأنّي تارك شهر الصّيام؟ أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا... وكيف حياة أصداء وهام؟ أتترك أن تردّ الموت عني... وتحييني إذا بليت عظامي؟ فهو يقصد بابن كبشة النبي ﷺ ، وأبو كبشة كنية زوج حليمة السعدية مرضعته ﷺ ، فقد كانوا يطلقون عليه ذلك تحقيرا له ﷺ ، ولكنهم لم يتأملوا: أنهم كانوا قبل ذلك ترابا، فخلقهم الله، وأظهرهم إلى الوجود، وهم ظنوا: أن البعث، والإعادة يكونان في الدنيا، وهم لم يروا أحدا رجع إلى الدنيا ممّن تقدمهم. ﴿قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أي: رجعة ذات خسران، أو خاسر أصحابها، فهو من الإسناد المجازي، والمعنى: إنها إن صحت، وبعثنا-كما يقول محمد ﷺ -فنحن خاسرون إذا لتكذيبنا بها! وهذا استهزاء منهم. هذا؛ والكرة في الأصل مصدر، يقال: كر، يكر، كرا، وكرة، والكر، والكرة: الرجوع، والرجعة. والمراد به هنا: المرة من ذلك، وهو مصدر لا يثنى، ولا يجمع. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٦]: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾. وأما تثنيته في سورة (الملك) رقم [٤] وذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ..﴾. إلخ. فليس على حقيقته، بل المراد منه التكثير، بدليل ما بعده. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ:﴾ قال في الكشاف: فإن قلت: بم تعلق قوله: (فإنما هي...) إلخ قلت: بمحذوف معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة. يعني: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله ، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة. يريد: النفخة الأولى.

стр. 7098

﴿فَإِذا هُمْ﴾ أي: الخلائق أجمعون أحياء على وجه الأرض بعد أن كانوا أمواتا في جوفها. من قولهم: زجر البعير: إذا صاح عليه. ﴿بِالسّاهِرَةِ﴾ أي: على وجه الأرض بعدما كانوا في بطنها. قال الفراء: سميت بهذا الاسم؛ لأن فيها نوم الحيوان، وسهرهم، والعرب تسمّي الفلاة، ووجه الأرض: ساهرة، بمعنى: ذات سهر؛ لأنه يسهر فيها، خوفا منها، فوصفها بصفة ما فيها. واستدل ابن عباس-﵄-والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت-وهو الشاهد رقم [٣٠٣] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر] وفيها لحم ساهرة وبحر... وما فاهوا به أبدا مقيم ويقال: الساهور: ظل الساهرة، وهي وجه الأرض. قال أبو كبير الهذلي: [الكامل] يرتدن ساهرة كأنّ جميمها... وعميمها أسداف ليل مظلم الجميم بالجيم: النبت؛ الذي قد نبت، وارتفع قليلا، ولم يتم كل التمام. والعميم: التام من النبت. والأسداف: جمع: سدف بالتحريك، وهو ظلمة الليل. ويقال: الساهر كالغلاف للقمر، يدخل فيه؛ إذا كسف، وأنشدوا قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] لا نقص فيه غير أنّ خبيئه... قمر وساهور يسلّ ويغمد وأنشدوا لآخر في وصف امرأة: [البسيط] كأنّها عرق سام عند ضاربه... أو شقّة خرجت من جوف ساهور ويقال: الساهرة: الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك؛ لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، وفي ضدها: نائمة. قال الأشعث بن قيس: [الطويل] وساهرة يضحى السّراب مجلّلا... لأقطارها قد جئتها متلثّما أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بجواب القسم، التقدير: لتبعثن يوم ترجف. وقيل: هو الجواب على تقدير اللام، فيكون التقدير: لهو يوم... إلخ، وعليه فالظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجواب لكل المتعاطفات، وإلا احتيج لتعدد الجواب، ومثل هذه الآيات باكتفاء جواب للجميع قول أبي صخر الهذلي-وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] أما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... أليفين منها لا يروعهما الذّعر ﴿تَرْجُفُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الرّاجِفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿تَتْبَعُهَا:﴾ فعل مضارع. (وها): مفعول به. ﴿الرّادِفَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل

стр. 7099

نصب حال من ﴿الرّاجِفَةُ﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿قُلُوبٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده، و (إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ ترجف الراجفة. ﴿واجِفَةٌ:﴾ صفة ﴿قُلُوبٌ﴾. ﴿أَبْصارُها:﴾ مبتدأ، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿خاشِعَةٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿قُلُوبٌ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، والواو فاعله. ﴿أَإِنّا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَرْدُودُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مردودون): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو. ﴿فِي الْحافِرَةِ:﴾ متعلقان بمردودون، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف التقدير: هم يقولون... إلخ. والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها. ﴿أَإِذا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب متعلق بمحذوف يقدر مؤخرا، ولا يعمل فيه (مردودون)؛ لأنه لا يعمل ما قبل الاستفهام فيما بعده، التقدير: أئذا كنا عظاما نخرة؛ نرد، ونبعث؟! وهذه الجملة هي جواب (إذا). ﴿كُنّا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، و (نا): اسمها. ﴿عِظاماً:﴾ خبرها. ﴿نَخِرَةً:﴾ صفة ﴿عِظاماً،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها، و (إذا) ومدخولها في محل نصب مقول القول. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿إِذاً:﴾ حرف جواب وجزاء. ﴿كَرَّةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿خاسِرَةٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إنما): كافة، ومكفوفة. ﴿هِيَ:﴾ مبتدأ. ﴿زَجْرَةٌ:﴾ خبره، ﴿واحِدَةٌ:﴾ صفة لها، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّما هِيَ..﴾. إلخ. ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف عطف، وتعقيب، وخذ ما قاله السيوطي-رحمه الله تعالى-فيها: اختلف في هذه الفاء، فقال المازني: هي زائدة لازمة للتأكيد؛ لأن «إذا» الفجائية فيها معنى الإتباع، ولذا وقعت في جواب الشرط موقع الفاء. وهذا ما اختاره ابن جني. وقال مبرمان: هي عاطفة لجملة (إذا) ومدخولها على الجملة قبلها. واختاره الشلوبين الصغير، وأيده أبو حيان؛ لوقوع ﴿ثُمَّ﴾ موقعها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. وقال الزجاج: دخلت على حد دخولها في جواب الشرط. انتهى. أي: فهي للسببية المحضة. وفي مغني اللبيب نحو هذا. (إذا): كلمة دالة على المفاجأة هنا، وهي تختص بالدخول على الجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، نحو خرجت؛ فإذا الأسد

стр. 7100

بالباب، وهي حرف عند الأخفش وابن مالك، ويرجحه: (خرجت فإذا إنّ زيدا بالباب)؛ لأن «إنّ» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وظرف مكان عند المبرد، وابن عصفور. وظرف زمان عند الزجاج، والزمخشري. وزعم الأخير: أنّ عاملها فعل مشتق من لفظ المفاجأة. ولا يعرف هذا لغير الزمخشري، وإنما ناصبها عندهم الخبر في نحو: (خرجت فإذا زيد جالس) والمقدر في نحو: (فإذا الأسد) أي: حاضر، وإذا قدرت: أنها الخبر؛ فعاملها مستقرّ، أو استقرّ، ولم يقع الخبر معها في التنزيل إلا مصرحا به. انتهى. ملخصا من «مغني اللبيب». وعلى اعتبارها ظرف زمان، أو مكان، فهي هنا متعلقة بالساهرة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بِالسّاهِرَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. هذا؛ واعتبر الجلال الجملة جواب شرط محذوف، التقدير: فإذا نفخت النفخة الأولى؛ فإذا هم بالساهرة. وعليه: فالفاء واقعة في جواب هذا الشرط المقدر. ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)﴾ الشرح: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى:﴾ هذا استفهام تشويق، وترغيب لسماع القصة؛ أي: هل جاءك يا محمد خبر موسى الكليم؟ وقال القرطبي، والخازن: ﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد، والمعنى: على التحقيق قد أتاك حديث موسى. انظر ما ذكرته في أول سورة (الدهر). وقال الجمل نقلا عن الخطيب: كلام مستأنف وارد لتسلية رسول الله ﷺ ؛ أي: أليس قد أتاك حديث موسى، فيسليك على تكذيب قومك، ويهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم، وهو فرعون، فإنه كان أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود، فلما أصر على التكذيب، ولم يرجع، ولا أفاده التأديب؛ أغرقناه، وقومه، ولم نبق منهم أحدا، وقد كانوا لا يحصون عددا، فقد قيل: إن طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمئة ألف، فكيف بقومك الضعاف. انتهى. ﴿إِذْ ناداهُ﴾ أي: حين ناجاه ربه. ﴿بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ:﴾ المطهر المبارك. ﴿طُوىً:﴾ اسم الوادي الذي حصل فيه الكلام في أسفل جبل طور سيناء. وفي ﴿طُوىً﴾ ثلاث قراءات: الأولى بضم الطاء والتنوين، والثانية بضم الطاء من غير تنوين؛ لأنه معدول، مثل: عمر، وقثم. قال الفراء: طوى: واد بين المدينة، ومصر. قال: وهو معدول عن طاو، كما عدل عمر عن عامر، القراءة الثالثة بكسر الطاء والتنوين على معنى المقدّس مرة بعد مرة. قاله الزجاج، وأنشد قول عدي بن زيد: [الطويل] أعاذل إنّ اللّؤم في غير كنهه... عليّ طوى من غيّك المتردّد

стр. 7101

أي: هو لوم مكرر عليّ. هذا؛ و ﴿الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر غاية الطهر بتشريف الله تعالى له بإنزال النبوة فيه، المفيضة للبركات. هذا؛ وسمي الوادي المقدس طوى؛ لأنه طوي فيه الشر عن بني إسرائيل، ومن أراد الله من خلقه، ونشر فيه بركات النبوة على جميع أهل الأرض، المسلم بإسلامه، وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا: إن عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت التوراة، وهو واد بالطور بين أيلة، ومصر. انتهى جمل نقلا عن الخطيب. هذا؛ والوادي: هو المنفرج بين جبلين، يجري فيه السيل، ويجمع على: أودية، وأوديات، وأوادية، وأوداء، وأوداه. قال جرير: [الوافر] عرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ أي: جاوز الحد في الطغيان، والظلم، والفساد. هذا؛ وفرعون: قال المسعودي: لا يعرف لفرعون تفسير في العربية، وظاهر كلام الجوهري أنه مشتق من معنى العتوّ، فإنه قال: والفراعنة: العتاة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي: دهاء ومكر. انتهى. وفرعون لقب لمن ملك العمالقة في مصر، كقيصر، وكسرى لملكي الروم، والفرس، وكان فرعون موسى مصعب بن الريان. وقيل: ابنه الوليد من بقايا قوم عاد، وفرعون يوسف-على نبينا، وعليه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام-ريان بن الوليد، وبينهما أكثر من أربعمئة سنة. وكان ملك فرعون موسى أربعمئة سنة، وعاش ستمئة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو وجع يوم؛ لما ادّعى الربوبية، فلم يبق لما نقله القرطبي عن الحسن: كان فرعون علجا من همدان. وعن مجاهد. قال: كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضا قال: كان من أهل أصبهان. يقال له: ذو ظفر، طوله أربعة أشبار، فلم يبق لهذه الأقوال وجه. ولا تنس: أن فرعون هذه الأمة هو أبو جهل الخبيث. قال الرسول ﷺ : «وفرعوني أشدّ من فرعون موسى». هذا؛ وأما موسى فأصله: (موشى) مركبا من اسمين: «مو» الماء، و «شا»: الشجر، والعرب تلفظه: موسى بالسين، وسبب تسميته بذلك أن امرأة فرعون التقطته من نهر النيل بين الماء والشجر، لما ألقته أمه فيه، كما رأيت في سورة (طه)، وسورة (القصص). ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ أي: تسلم، فتطهر من الذنوب، والآثام بالإسلام. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ أي: وأرشدك إلى معرفة ربك، وطاعته، فتتقيه، وتخشاه؛ لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة. قال تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ رقم [٢٨] من سورة (فاطر)، وعن بعض الحكماء: اعرف الله، فمن عرف الله؛ لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. فالخشية ملاك الأمر، ومن خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر. بدأ مخاطبته بالاستفهام؛ الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ وأردفه الكلام الرقيق، يستدعيه

стр. 7102

باللطف في القول، ويستنزله بالمداراة عن عتوه، كما أمر الله بذلك في قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٤٤]: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ وإنما خص فرعون بالذكر، وإن كانت دعوة موسى شاملة لجميع قومه؛ لأن فرعون كان أعظمهم، فكانت دعوته دعوة لجميع قومه. وقال صخر بن جويرية: لما بعث الله موسى إلى فرعون؛ قال له: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ولن يفعل، فقال: يا رب! كيف أذهب إليه، وقد علمت: أنه لا يفعل؟ فأوحى الله إليه أن امض إلى ما أمرتك به، فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يبلغوه ولا يدركوه! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، انظر ما ذكرته في الشرح. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿مُوسى﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب: ﴿حَدِيثُ،﴾ لا ب: ﴿أَتاكَ﴾ لاختلاف وقتيهما. ومثله في سورة (الذاريات) رقم [٢٥]. ﴿ناداهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِالْوادِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: حالة كون موسى بالوادي، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْمُقَدَّسِ:﴾ صفة (الوادي). ﴿طُوىً:﴾ بدل من (الوادي)، فهو مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر. وقال مكي: ومن كسر الطاء فهو في موضع نصب على أنه مصدر، تقديره: بالوادي المقدس مرتين. انتهى؛ أي: فكأنه مصدر دل على العدد. هذا؛ والجملة الفعلية: ﴿هَلْ أَتاكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿اِذْهَبْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية يجوز أن تكون تفسيرا للنداء، ويجوز أن تكون في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فقال له: اذهب، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿ناداهُ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. وقيل: هي على تقدير: «أن» قبلها؛ أي: أن اذهب، وقرئ شاذا: «(أن اذهب)»، و (أن) هذه الظاهرة، أو المقدرة يحتمل أن تكون تفسيرية، وأن تكون مصدرية؛ أي: ناداه بكذا. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، والمانع له علتان: العلمية، والعجمة. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿طَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.

стр. 7103

﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قل): فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هل لك سبيل. ﴿إِلى:﴾ حرف جر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَزَكّى:﴾ فعل مضارع أصله: تتزكى. فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، فهو منصوب ب: ﴿أَنْ،﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، و ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿إِلى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالمبتدأ المحذوف، المقدر ب: «سبيل»، أو ب: «رغبة إلى التزكية»، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ معطوفة على جملة: ﴿اِذْهَبْ..﴾. إلخ فهي مقولة للقول المحذوف مثلها. (أهديك): معطوف على ما قبله، والفاعل مستتر تقديره: «أنا»، والكاف مفعول به. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. (تخشى): معطوف على ما قبله منصوب مثله، ويحتمل أن النصب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء لتقدم الاستفهام عليها. والفاعل تقديره: «أنت». ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)﴾ الشرح: ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى:﴾ قبل هذه الآية كلام محذوف، التقدير: فذهب موسى إلى فرعون، فدعاه إلى الإيمان، وكلمه، فلما أبى الاستجابة له؛ أراه المعجزة الكبرى، وهي اليد البيضاء، وقلب العصا حية تسعى. ولم تثن؛ لأنهما في حكم آية واحدة. ﴿فَكَذَّبَ:﴾ فرعون بالمعجزة. وقال: إنها سحر، وكذب موسى بقوله: ﴿إِنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾. ﴿وَعَصى:﴾ الله تعالى. ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أي: ولى مدبرا عن الإيمان. ﴿يَسْعى﴾ أي: يعمل بالفساد في الأرض. وقيل: يعمل في نكاية موسى. ﴿فَحَشَرَ﴾ أي: جمع قومه، وجنوده، وجمع السحرة أيضا، كقوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٥٣]: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ومثلها في السورة نفسها رقم [٣٦]، وأيضا في سورة (الأعراف) رقم [١١١]. ﴿فَنادى:﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه. ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ أي: لا رب فوقي. وقيل: أراد: أن الأصنام أرباب، وهو ربهم، وربها. وقيل: أراد: القادة، والرؤساء، والسادة هو ربهم، وأولئك هم أرباب السفلة تحتهم. ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ:﴾ فعاقبه عقابا شديدا. ﴿نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى:﴾ المراد بالآخرة: يوم القيامة، والأولى الإغراق في الدنيا، أو المراد كلمتاه: الآخرة، وهي: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ والأولى، وهي قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ الآية رقم [٣٨] من سورة (القصص)،

стр. 7104

وكان بين الكلمتين أربعون سنة. قاله ابن عباس-﵄-والمعنى: أمهله في الأولى، ثم عذبه في الثانية، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم، والنكال أيضا: اسم لما جعل نكالا للغير؛ أي: عقوبة له حتى يعتبر به. يقال: نكل فلان بفلان: إذا أثخنه عقوبة، والكلمة من الامتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل: القيد. انظر سورة (المزمل) رقم [١٢]. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٦]: ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال جل ذكره في سورة (المائدة) رقم [٣٨]: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ﴾. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ:﴾ في إهلاك فرعون، وقومه. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ لعظة، واعتبارا. ﴿لِمَنْ يَخْشى:﴾ يخاف الله. ولا تنس الطباق بين ﴿الْآخِرَةِ﴾ و (الأولى) وهو من المحسنات البديعية. هذا؛ وروى السلمي عن ابن عطاء: الخشية أتم من الخوف؛ لأنها صفة العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ أي: العلماء به. وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية، ثم الإجلال، ثم التعظيم، ثم الهيبة، ثم الفناء. وعن بعضهم: من تحقق بالخوف؛ ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه. وانظر ما نقلته عن الزمخشري في الآية رقم [١٩]. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَأَراهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أراه): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى موسى، والهاء مفعول به أول. ﴿الْآيَةَ:﴾ مفعول به ثان، والفعل بصري، لكنه تعدى إلى الثاني بالهمزة. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿الْآيَةَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على الكلام المقدر قبلها. ﴿فَكَذَّبَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذب): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ،﴾ والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا، والمفعول محذوف أيضا، وجملة: ﴿أَدْبَرَ﴾ معطوفة أيضا. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ﴾ أيضا، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿أَدْبَرَ﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وجملة: (حشر) وجملة: (نادى) كلتاهما معطوفتان على ما قبلهما. ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قال): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (فرعون). ﴿أَنَا:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿رَبُّكُمُ:﴾ خبر المبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْأَعْلى:﴾ صفة له مرفوع مثله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قال...) إلخ معطوفة على ما قبلها. ﴿فَأَخَذَهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أخذه): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿نَكالَ:﴾ مفعول مطلق عامله أخذ من معناه. قال الجمل: والتجوز إما في الفعل؛ أي: نكل بالأخذ نكال الآخرة والأولى، وإما في

стр. 7105

المصدر؛ أي: أخذه أخذ نكال. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله؛ أي: لأجل نكاله. انتهى سمين. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَعِبْرَةً:﴾ اللام: لام الابتداء. (عبرة): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (عبرة). ﴿يَخْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل له. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً:﴾ الاستفهام للتوبيخ، والتقريع، والخطاب لكفار قريش، والمعنى: أخلقكم بعد الموت أشد، وأصعب، أم خلق السماء عندكم في تقديركم؟ فإن كلا الأمرين بالنسبة إلى قدرة الله واحد؛ لأن خلق الإنسان على صغره، وضعفه إذا أضيف إلى خلق السماء مع عظمها، وعظم أحوالها؛ كان يسيرا. فبين الله تعالى: أن خلقها أعظم، وإذا كان كذلك؛ كان خلقكم بعد الموت أهون على الله تعالى، فكيف تنكرون ذلك؟! مع علمكم بأنه خلق السموات، والأرض، ولا تنكرون ذلك؟ قال تعالى في سورة (غافر) رقم [٥٧]: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ،﴾ وقال في سورة (يس) رقم [٨١]: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وما يشبهها في الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحقاف). ﴿بَناها:﴾ رفعها عالية فوقكم محكمة البناء، بلا عمد، ولا أوتاد تحملها. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢]: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾. ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ أي: رفع جرم السماء، وأعلى سقفها فوقكم، فجعلها مستوية، لا تفاوت فيها، ولا شقوق، ولا فطور. قال تعالى في سورة (الملك) رقم [٣]: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾. هذا؛ ويقال: سمكت الشيء؛ أي: رفعته في الهواء، وسمك الشيء سموكا: ارتفع. قال الفرزدق من قصيدة يفخر فيها بقومه على جرير، وقومه-وهو الشاهد رقم [١١٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل] إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا... بيتا دعائمه أعزّ وأطول وقد نقضها جرير بقصيدة من بحرها مع اختلاف حركة الروي حيث يقول: [الكامل] أخزى الذي سمك السّماء مجاشعا... وبنى بناءك في الحضيض الأسفل

стр. 7106

قال ابن كثير: أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها﴾ أي: جعله مظلما، غطش الليل، وأغطشه الله، كقولك: ظلم الليل، وأظلمه الله وهي لغة بني أنمار، ويقال: أغطش الليل بنفسه، وأغطشه الله، كما يقال: أظلم الليل وأظلمه الله، والغطش، والغبش: الظلمة. ورجل أغطش؛ أي: أعمى، أو شبيه به، وقد غطش، والمرأة غطشاء، ويقال: ليلة غطشاء، وليل أغطش، وفلاة غطشى: لا يهتدى لها. وقال الأعشى: [المتقارب] ويهماء بالليل غطشى الفلا... ة يؤنسني صوت فيادها الفياد-بفتح الفاء، وضمها-ذكر البوم. وقال الأعشى أيضا: [المتقارب] عقرت لهم موهنا ناقتي... وغامرهم مدلهم غطش يعني بغامرهم: ليلهم؛ لأنه غمرهم بسواده، وأضاف الليل إلى السماء؛ لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضاف إلى السماء، ويقال: نجوم الليل؛ لأن ظهورها بالليل. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي: أبرز نهارها، وضوءها، وشمسها. وأضاف الضحى إلى السماء كما أضاف إليها الليل؛ لأن فيها سبب الظلام، والضياء، وهو غروب الشمس، وطلوعها، وإنما عبر سبحانه عن النهار بالضحى؛ لأنه أكمل أجزاء النهار في النور، والضوء. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها:﴾ بسطها. والعرب تقول: دحوت الشيء أدحوه دحوّا: إذا بسطته. قال أمية بن أبي الصلت؛ الذي آمن شعره، ولم يؤمن لسانه: [الوافر] وبثّ الخلق فيها إذ دحاها... فهم قطّانها حتّى التّنادي وقيل: دحاها سواها، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلمّا استوت شدّها... بأيد وأرسى عليها الجبالا ولا ينافي القول ببسطها القول بكروية الأرض، فإن ذلك مقطوع به حتى قال الإمام الفخر الرازي ما نصه: وكانت الأرض أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها، وبسطها، وليس معنى (دحاها) مجرد البسط، بل المراد: أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ والجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي. انتهى وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (النبأ) عن الآلوسي. هذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي: أن الأرض خلقت بعد السماء بدليل قوله تعالى بعد ذلك، وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ﴾

стр. 7107

اسْتَوى إِلَى السَّماءِ... إلخ، فكيف الجمع بين الآيتين، وما معناهما؟ قلت: خلق الله الأرض أولا مجتمعة، ثم سمك السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بمعنى بسطها، ومدها ثالثا، فحصل بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال الإشكال. قال ابن عباس-﵄: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. انتهى وانظر آية (فصلت) المذكورة ففيها فوائد جمة. هذا؛ ويقال: دحا، يدحو دحوا، ودحى يدحى دحيا، كقولهم: طغى، يطغى، ويطغو، وطغي، يطغي، ومحا، يمحو، ويمحى، ولحى العود: يلحى، ويلحو، فمن قال: يدحو قال: دحوت، ومن قال: يدحى قال: دحيت. ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ أي: أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ، والمرعى مما يأكله الناس، والأنعام. قال القتبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا، ومتاعا للأنام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس، والنار، والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء، وفي الآية الكريمة استعارة تصريحية، فقد شبه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإنسان بجامع أكل الإنسان، والحيوان من النباتات. ففيه استعارة لطيفة، ولا تنس المقابلة بين الآيات. ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ أي: أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر، وتسكن بأهلها. انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿مَتاعاً لَكُمْ﴾ أي: منفعة لكم. ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي: لجميع الحيوانات التي تنتفعون بها مدة احتياجكم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل. وانظر «التمتع» في سورة (المرسلات) رقم [٤٦] فإنه جيد. الإعراب: ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلْقاً:﴾ تمييز. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف، وهي هنا متصلة. ﴿السَّماءُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَناها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (السماء) والرابط: الضمير، وهذا على رأي: من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿رَفَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿سَمْكَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية تفسير لكيفية البناء، فهي في محل نصب حال مثل سابقتها. وقيل: هي بدل منها، والتي بعدها معطوفة عليها بالفاء العاطفة. ﴿وَأَغْطَشَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أغطش): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿لَيْلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا.

стр. 7108

(الأرض): مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل المحذوف، أو هو متعلق بما بعده، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿دَحاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ برفع (الأرض) على أنه مبتدأ، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبره. وعلى الاعتبارين فالكلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿دَحاها﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى. (والجبال أرساها) إعرابها مثل إعراب: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ على الوجهين المعتبرين فيها بلا فارق، ولا تنس: أن فاعل الأفعال المتقدمة يعود إلى غير مذكور، وإنما يفهم من سياق الكلام، انظر ما ذكرته بشأن ذلك في الآية رقم [٢٦] من سورة (القيامة). ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف مدلول عليه بسياق الكلام، التقدير: متعناكم بها تمتيعا، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف أيضا، التقدير: فعل الله ذلك منفعة لكم. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَتاعاً﴾. (لأنعامكم): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى:﴾ يعني النفخة الثانية التي ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور. قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه، وهو قول الحسن. وقول آخر لابن عباس ﵄: أنها القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تطم على كل شيء، فتعم ما سواها لعظم هولها. كما قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ وقال المبرد: الطامة عند العرب: الداهية؛ التي لا تستطاع. وقال القاسم بن الوليد الهمداني: الطامة الكبرى: حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وكما قال المبرد: الطامة عند العرب: الداهية التي طمت وعظمت. قال الشاعر: [الرمل] إنّ بعض الحبّ يعمي ويصم... وكذاك البغض أدهى وأطم هذا؛ وكما تطلق الطامة على النفخة الثانية يطلق عليها لفظ: الصاخة، ولفظ: القارعة، والواقعة، والحاقة، والمراد بكل ذلك: يوم القيامة، وما فيه من الأهوال العظام، والشدائد الجسام ولعلك تدرك معي: أن الله تعالى لما ذكر خلق السموات، والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق، والتكوين؛ ليقيم الدليل على إمكان الحشر عقلا؛ أخبر بعد ذلك عن وقوعه

стр. 7109

فعلا، فقال: ﴿فَإِذا جاءَتِ..﴾. إلخ. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ أي: ما عمل من خير، أو شر؛ وكان قد نسي ما عمل؛ وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ آخر سورة (النبأ). ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ أي: ظهرت لكل من ينظر. قال ابن عباس-﵄: يكشف عنها تتلظى، فيراها كلّ ذي بصر لظهورها ظهورا بينا من المؤمنين، والكفار، إلا أن الجحيم مكان الكفار، ومأواهم، والمؤمنون يمرّون عليها، وهذا يؤيده قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ولا ينافيه قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٩١]: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ لأنها برزت للغاوين بالمكث فيها، وللمؤمنين بمرورهم عليها. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١١]. ﴿جاءَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الطَّامَّةُ:﴾ فاعله. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿الطَّامَّةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجوابها محذوف. إذ التقدير: إذا جاءت الطامة الكبرى؛ دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان بدل من (إذا). ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿سَعى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يتذكر الإنسان الذي، أو شيئا سعاه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به. التقدير: يتذكر الإنسان سعيه. (برزت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَحِيمُ:﴾ نائب فاعله. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، وهو لازم؛ لأنه بمعنى: ينظر، ويبصر، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿جاءَتِ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. قاله الجمل. وأرى جواز اعتبارها في محل نصب حال من ﴿الْإِنْسانُ،﴾ أو من ﴿ما،﴾ والرابط: الواو فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى﴾ أي: تجاوز الحد في الكفر، والعصيان، والفساد، والإفساد. ﴿وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ فضلها على الآخرة بأن عمل لها، وانهمك في حطامها الفاني، ولم يقدم

стр. 7110

لآخرته عملا صالحا. قال القرطبي: نزلت في النضر، وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر؛ بل وفي كل مسلم كذاب منافق آثر الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى:﴾ هي مستقره، ومأواه، ف: (أل) بدل من الضمير المحذوف المقدر، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المعارج) رقم [٣٧]: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ إذ التقدير: عن يمينك، وعن شمالك. وهذا عند الكوفيين، وعند البصريين وعلى رأسهم سيبويه، التقدير: هي المأوى له. ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ:﴾ أي: حذر وقوفه، ومقامه بين يدي الله يوم القيامة؛ لعلمه بأنه راجع إلى الله تعالى في ذلك اليوم، فيكفّ عن محارم الله، ويقف عند حدوده؛ التي حدها له. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: زجرها عن المعاصي، والمحارم؛ التي من فعلها دخل النار. قال عبد الله بن مسعود-﵁: أنتم في زمان يقود الحقّ الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحقّ، فنعوذ بالله من ذلك الزمان! ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي: المنزل، وفي هذه الآيات مقابلة واضحة لا خفاء فيها. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والآيتان نزلتا في مصعب بن عمير-﵁-وأخيه عامر بن عمير، فقد روي: أن عامرا أسر يوم بدر. فأخذه الأنصار، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا أخو مصعب بن عمير. فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلما أصبحوا؛ حدثوا مصعبا-﵁-حديثه. فقال: ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، فإن أمّه أكثر أهل البطحاء حليا، ومالا، فأوثقوه؛ حتى بعثت أمّه في فدائه. وأما مصعب-﵁-فقد وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه-وهي السهام-فلما رآه رسول الله ﷺ متشحطا في دمه؛ قال: «عند الله أحتسبك!». وقال لأصحابه: «لقد رأيته؛ وعليه بردان ما تعرف قيمتهما، وإن شراك نعليه من ذهب». هذا؛ وفسرت ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ بوقوف العبد مقامه بين يدي الله؛ لأن المقام إنما هو للعبد، لا لله لتنزهه عن المكان، وأضيف إليه تعالى لملابسته له تعالى من حيث كونه بين يديه، ومقاما لحسابه. وانظر ما ذكرته في سورة (الرحمن) رقم [٤٦] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولا تنس المقابلة بين هذه الآيات، والطباق بين ﴿الْجَنَّةَ،﴾ و ﴿الْجَحِيمَ﴾. هذا؛ ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا، وما أحسن قول الإمام الشافعي-﵁-في وصفها: [الطويل]
следующие страницы →