← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فيه. وأما الصّدق في الفعل هو عدم الانصراف عنه قبل تمامه. والصّدق في النيّة: العزم على الفعل؛ حتى يبلغه. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ:﴾ يعني أموالهم في طاعة الله تعالى. ويدخل فيه: نفقة الرجل على نفسه، وعلى أهله، وأقاربه، وصلة رحمه، والزّكاة، والنفقة في القربات. وانظر ما ذكرته في سورة البقرة؛ تجد ما يسرّك. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ:﴾ ومثله قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. هذا؛ والأسحار جمع: سحر: آخر الليل، وهو بفتحتين، وهو بكسر السين، وسكون الحاء: خزعبلات، وضلالات يقوم بها أفّاكون، ودجّالون. وهو بفتح السين، وسكون الحاء: منتهى قصبة الحلقوم، ومنه قول أم المؤمنين عائشة-﵂: قبض رسول الله ﷺ ، ورأسه بين سحري، ونحري. انتهى جمل نقلا من السّمين. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية الكريمة حصر لمقامات السّالك على أحسن ترتيب، فإنّ معاملته مع الله تعالى: إمّا توسل، وإمّا طلب، والتوسّل إمّا بالنفس، وهو منعها من الرّذائل، وحبسها على الفضائل، والصبر يشملها. وإمّا بالبدن، وهو إما قولي، وهو الصّدق، وإما فعلي، وهو القنوت؛ الذي هو ملازمة الطّاعة. وإمّا بالمال، وهو الإنفاق في سبيل الخير، وأمّا الطلب؛ فبالاستغفار؛ لأنّ المغفرة أعظم المطالب، بل الجامع لها. وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كلّ واحدة منها، وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها. وتخصيص الأسحار بالذّكر؛ لأنّ الدّعاء فيها أقرب إلى الإجابة؛ لأنّ العبادة حينئذ أشقّ، والنّفس أصفى، والرّوع أجمع للمجتهدين. قيل: إنّهم كانوا يصلّون إلى السّحر، ثم يستغفرون بالأسحار، ويدعون انتهى بحروفه. نعم؛ قال نافع مولى ابن عمر-﵄: كان ابن عمر يحيي اللّيل، ثمّ يقول: يا نافع! أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصّلاة، فإذا قلت: نعم؛ قد يستغفر، ويدعو حتّى يصلّي الصّبح. فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربّنا ﵎ كلّ ليلة إلى سماء الدّنيا حين يبقى الثّلث الأخير، فيقول: من يدعوني، فأستجيب له؟! من يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له؟! حتى يطلع الفجر» متّفق عليه. فهذا الحديث من أحاديث الصّفات، وللعلماء فيه، وفي أمثاله مذهبان معروفان: مذهب السّلف: الإيمان به، وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية عنه. والمذهب الثاني هو مذهب من يتأوّل أحاديث الصّفات، انظر الآية رقم [٧]. وبالجملة فقد وصف الله تعالى هؤلاء بما وصف، ثمّ بيّن: أنّهم مع ذلك لشدّة خوفهم، ووجلهم: أنهم يستغفرون بالأسحار، وروي: أنّ لقمان-﵇-قال لابنه: يا بني! لا تكن أعجز من الدّيك، فإنه يصوّت بالأسحار؛ وأنت نائم على فراشك. وقد قال الزمخشري: وخصّ الأسحار؛ لأنّهم كانوا يقدّمون قيام الليل، فيحسن طلب الحاجة بعده، كما قال تعالى في سورة (فاطر): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.

стр. 737

هذا؛ وإنّ الله جلّت قدرته حثّنا على الاستغفار في جميع الأوقات، ورغّبنا فيها الرّسول ﷺ في جميع الحالات، فعن عبد الله بن بسر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفار كثير!» رواه ابن ماجة، والبيهقيّ. وعن محمّد بن عبد الله ابن محمد بن جابر بن عبد الله-﵁-عن أبيه عن جدّه، قال: أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: وا ذنوباه! وا ذنوباه! فقال هذا القول مرّتين، أو ثلاثا، فقال رسول الله ﷺ : «قل: اللهمّ مغفرتك أوسع من ذنوبي! ورحمتك أرجى عندي من عملي!». فقالها، ثم قال: «عد»، فعاد، ثم قال: «عد» فعاد، ثم قال: «قم فقد غفر الله لك». وعن بلال بن يسار بن زيد-﵁-قال: حدثني أبي عن جدّي: أنه سمع النبيّ ﷺ يقول: «من قال: أستغفر الله الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه؛ غفر له؛ وإن كان فرّ من الزّحف». رواه أبو داود، والترمذيّ. وانظر الآية رقم [١٣٥] الآتية. الإعراب: ﴿الصّابِرِينَ:﴾ صفة: ﴿الَّذِينَ﴾ أو بدل منه، وذلك على اعتباره في محل نصب، أو في محل جر، وأما على اعتباره في محل رفع؛ ف ﴿الصّابِرِينَ﴾ يكون منصوبا بفعل محذوف، تقديره: أمدح، أو أعني، ونحو ذلك، وعلامة النصب، أو الجر فيه، وفيما بعده الياء نيابة عن الفتحة، أو الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفي كلّ واحد منها ضمير مستتر، هو فاعله؛ لأنها كلّها أسماء الفاعلين. ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ الشرح: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ..﴾. إلخ: بيّن الله، وأعلم عباده بانفراده بالوحدانية. وقال ابن عباس-﵄: خلق الله تعالى الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد لنفسه بنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان، ولم تكن سماء، ولا أرض، ولا بر، ولا بحر، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾. ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أي: وشهد الملائكة. فمعنى شهادة الله تعالى: الإعلام، والإخبار. ومعنى شهادة الملائكة، والمؤمنين: الإقرار، والاعتراف بأنّه لا إله إلا هو. ولمّا كان كل واحد من هذين الأمرين يسمّى شهادة؛ حسن إطلاق الشهادة عليها. ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد أولو العلم بأنّه لا إله إلا هو. وفيه دليل على فضل العلم، وشرف العلماء، فإنّه لو كان أحد أشرف من العلماء؛ لقرنهم الله باسمه، واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء؛ لذا قال في شرف العلم لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ فلو كان شيء أشرف من العلم؛ لأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يسأله المزيد منه، كما أمره أن يستزيده من العلم. وخذ ما يلي:

стр. 738

فعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا يريد العلم يتعلّمه لله؛ فتح الله له بابا إلى الجنة، وفرشت له الملائكة أكنافها، وصلّت عليه ملائكة السّماوات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السّماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا، ولا درهما، ولكنّهم ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسدّ، وهو نجم طمس، وموت قبيلة أيسر من موت عالم» رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة. ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، ومعناه: أنه تعالى قائم بتدبير خلقه، كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، يعني: أنه مدبّر له، ومتعهّد لأسبابه. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ذكرها للتأكيد، وفائدتها: الإعلام بأنّ هذه الكلمة أعظم الكلام، وأشرفه. ففيه حثّ للعباد على تكرارها، والاشتغال بها، فإنه من اشتغل بها؛ فقد اشتغل بأفضل العبادات، وأعظم الطّاعات. وخذ ما يلي: فعن غالب القطّان، عن الأعمش؛ قال: حدّثني أبو وائل عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عهد إليّ، وأنا أحقّ من وفّى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنّة». رواه الطّبراني في الكبير. وقال الخازن: وروى البغوي بسند الثعلبي عن غالب القطّان... إلخ، والمراد بصاحبها: الّذي يقول الآية. وقد ورد في فضل الآية الكريمة أيضا: أنّ من قرأها عند منامه، وألحق بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ ثمّ قال: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، فمات من ليلته؛ مات على إيمان كامل، ويجزيه بها ربّنا ما تقدّم في الحديث الشريف. وذكر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-حديثا عن أنس-﵁-بشأن قراءة الآية عند النّوم فيه مجازفات كبيرة، وضعفه ظاهر للعيان. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. ذكر في سبب نزول الآية الكريمة: أنّه لمّا استقرّ الرسول ﷺ بالمدينة؛ وفد عليه حبران من أحبار الشام، فلمّا دخلا عليه؛ عرفاه بالصّفة، والنّعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: «نعم». قالا: وأنت أحمد؟ قال: «نعم». قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها؛ آمنا بك، وصدّقناك، فقال لهما رسول الله ﷺ : «سلاني!» فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فنزلت: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ..﴾. إلخ الآية، فأسلم الرجلان، وصدّقا برسول الله ﷺ . وخذ المحاورة اللّطيفة بين العقل، والعلم، حيث يقول القائل، وقد أحسن، وأجاد: [البسيط] علم العليم وعقل العاقل اختلفا... من ذا الّذي منهما قد أحرز الشّرفا فالعلم قال أنا أحرزت غايته... والعقل قال أنا الرّحمن بي عرفا فأفصح العلم إفصاحا وقال له... بأيّنا الله في فرقانه اتّصفا؟ فبان للعقل أنّ العلم سيّده... فقبّل العقل رأس العلم وانصرفا

стр. 739

الإعراب: ﴿شَهِدَ اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، وقال أبو البقاء والزّمخشري: يقرأ: («شهداء لله») بالنصب على الحال من الأسماء السابقة، وبالرّفع على تقدير: هم شهداء لله، ويكون: و ﴿وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ معطوفين على الضمير المستتر ب (شهداء). وجاز ذلك للفصل، وهذه القراءة لا تعطي المعنى الجيد كما في القراءة الأولى، وعلى كلّ فهي قراءة شاذّة: ﴿أَنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، والجملة الاسمية: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في محل رفع خبر: (أنّ) و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب بنزع الخافض، التقدير: يكون لا إله إلا الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿شَهِدَ اللهُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها ﴿وَالْمَلائِكَةُ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، ﴿وَأُولُوا:﴾ معطوف أيضا، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (﴿أُولُوا﴾) مضاف، و ﴿الْعِلْمِ﴾ مضاف إليه. ﴿قائِماً:﴾ حال من لفظ الجلالة، أو من الضمير المنفصل، وهي حال لازمة على الاعتبارين، والعامل في الحال معنى الجملة، و ﴿بِالْقِسْطِ﴾ متعلقان ب ﴿قائِماً﴾ لذا فهو يحمل ضمير مستترا هو فاعله. ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة، وسابقتها في أول السّورة. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ أي: إن الدين المرضي عند الله هو الإسلام، كما قال تعالى في سورة (المائدة): ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ وقال في الآية رقم [٨٥] الآتية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ وانظر شرح: ﴿الدِّينَ﴾ في سورة (البقرة) رقم [٢٥٦] و ﴿الْإِسْلامُ﴾ هو الدخول في السّلم، وهو الاستسلام، والانقياد، والدخول في الطاعة. و ﴿الْإِسْلامُ﴾ وهو الشريعة المرضية عند الله، والمبعوث به الرسل من لدن آدم إلى عهد نبينا، عليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وهو المبنيّ على التوحيد، وهو المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: من اليهود، والنصارى، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام. فقال قوم: إنه حق، وقال قوم: إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقا، أو اختلفوا في التوحيد، فثلثت النصارى، وقالت اليهود: عزيز ابن الله، وكان هذا منهم بعد ما علموا حقيقة الأمر، وتمكّنوا من العلم بها، أي: بالحجج الدامغات، والآيات السّاطعات، والمعجزات الباهرات. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ:﴾ أي: بغي بعضهم على

стр. 740

بعض، فاختلفوا في الحقّ بسبب تحاسدهم، وتباغضهم، وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جمع أقواله، وأفعاله؛ وإن كانت حقّا. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه من صفة الرسول ﷺ ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لا يحتاج إلى عدّ، ولا إلى عقد، ولا إلى إعمال فكر، كما يفعله الحسّاب، ولهذا قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ وقال الرسول ﷺ في دعائه يوم الخندق: «اللهمّ منزل الكتاب، سريع الحساب...» إلخ. والمعنى: أن الله تعالى، لا يشغله شأن عن شأن، فكما يرزقهم في ساعة واحدة، يحاسبهم لذلك في ساعة واحدة. قال تعالى: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ رقم [٢٨] من سورة (لقمان) وقيل للإمام عليّ-﵁: كيف يحاسب الله العباد في يوم؟! قال: كما يرزقهم في يوم. وقال ابن عباس-﵄: إذا أخذ الله في حسابهم: لم يقل أهل الجنة إلا فيها. هذا؛ ويقيل من القيلولة وهي الاستراحة وقت الظهيرة. ومعنى الحساب وفائدته تعريف الله العباد مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إيّاهم ما قد نسوه بدليل قوله تعالى في سورة (المجادلة): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾. هذا؛ وأما البغي، فهو الظلم، والاعتداء على حقّ الغير، وعواقبه ذميمة، ومآله وخيم، وعقباه أليمة؛ ولو أنّ له جنودا بعدد الحصى، والرّمل، والتّراب. ورحم الله من يقول-وهو الشاهد رقم [٢٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا... جنوده ضاق عنها السّهل والجبل وعن النبي ﷺ : أنّه قال: «لا تمكر، ولا تعن ماكرا، ولا تبغ، ولا تعن باغيا، ولا تنكث، ولا تعن ناكثا». وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾. وقال جلّ شأنه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقال جلّ ذكره: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ وقال أبو بكر الصّديق ﵁: «ثلاث من كنّ فيه؛ كنّ عليه» وتلا الآيات الثلاث، وعن النبي ﷺ قال: «أسرع الخير ثوابا صلة الرّحم، وأعجل الشّرّ عقابا البغي، واليمين الفاجرة». وعن ابن عباس ﵄: أنه قال: «لو بغى جبل على جبل؛ لدكّ الباغي». فأخذه بعض الشعراء، فقال: [البسيط] يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة... فاربع فخير مقال المرء أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل... لاندكّ منه أعاليه وأسفله وكان المأمون يتمثّل بهذين البيتين في أخيه الأمين حين ابتدأه بالبغي عليه. قال الشّاعر الحكيم: [الكامل]

стр. 741

والبغي يصرع أهله... والظّلم مرتعه وخيم «جاء» يستعمل متعديا إن كان بمعنى: بلغ، ولازما إن كان بمعنى: أقبل، ومثله: أتى. ﴿أُوتُوا:﴾ أصله أوتيوا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، فصارت (﴿أُوتُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو، فصار ﴿أُوتُوا﴾. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الدِّينَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من: ﴿الدِّينَ﴾ والعامل فيه: ﴿إِنَّ﴾ لما فيها من معنى الفعل، وهو: أؤكد، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْإِسْلامُ:﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ بفتح همزة («أنّ») فيكون المصدر المؤول منها، ومن اسمها، وخبرها بدلا من: ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ في الآية السابقة بدل اشتمال، أو بدل كلّ من كلّ. (﴿مَا﴾): نافية. ﴿اِخْتَلَفَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل: ﴿اِخْتَلَفَ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وهو أقوى من العطف على الجملة الاسمية قبلها. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿اِخْتَلَفَ﴾. ﴿مَا:﴾ مصدرية. ﴿جاءَهُمُ الْعِلْمُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله، وفاعله، و ﴿مَا:﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة بعد إليه، التقدير: من بعد مجيء العلم لهم. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة، فهي في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليها، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: إلا من بعد الذي، أو: شيء جاءهم العلم به. ﴿بَغْياً:﴾ مفعول لأجله. وقيل: حال، وهو ضعيف، ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿بَغْياً﴾ لأنه مصدر. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: (من). ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (آيات) مضاف. ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿سَرِيعُ:﴾ خبر: (إنّ) وهو مضاف، و ﴿الْحِسابِ﴾ مضاف إليه، من إضافة الصفة المشبهة لفاعلها، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محلّ المفرد. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، التقدير: فلا يضرك كفره، فالجملة الاسمية: (إن الله...) إلخ تكون تعليلية لا محل لها، ولكن الأول أقوى معنى. هذا؛ وقد اختلف في خبر المبتدأ الذي هو (من) فابن هشام يقول: هو جملة الشرط، وقيل: هو جملة الجواب، والمرجح عند المعاصرين: أنه جملتا الشرط، والجواب، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ إلخ مستأنفة، لا محلّ لها.

стр. 742

﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ:﴾ الخطاب لسيّد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ . وواو الجماعة عائدة على اليهود، والنصارى. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ أي: انقدت لله بقلبي، ولساني، وجميع جوارحي، وإنّما خصّ الوجه بالذكر؛ لأنه أشرف الجوارح الظّاهرة، وأجمعها، فإذا خضع وجه الإنسان لشيء؛ فقد خضع له سائر جوارحه، قال الشاعر: وهو زيد بن عمرو بن نفيل، وهو من المتحنفين في الجاهلية: [المتقارب] أسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالا هذا؛ ويعبّر بالوجه عن الذات، ومنه قوله تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وفي آخر سورة (القصص): ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ومثله في سورة (البقرة) رقم [١١٢]، فيكون مجازا مرسلا من إطلاق الجزء، وإرادة الكلّ. وقيل: أراد بالوجه العمل، أي: أخلصت عملي لله، وقصدت بعبادتي الله. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: أسلم وجهه لله، كما أسلمت. ويجمع وجه: على وجوه، ويقال: أجوه بإبدال الواو همزة. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ وهم اليهود، والنصارى، وعبّر عنهم ب ﴿أُوتُوا الْكِتابَ﴾ زيادة في التشنيع، والتقبيح عليهم، فإنّ كفرهم بمحمد ﷺ ، واختلافهم فيما بينهم مع علمهم بالتوراة، والإنجيل في غاية القبح، والشّناعة، ولكنهم في هذه الأيام اتّحدوا، واتّفقوا على معاداة العرب والمسلمين، ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ يعني: العرب الوثنيين، ووصف العرب بالأميين للذمّ ما عدا النبي ﷺ فإنّه وصف في سورة (الأعراف) بالأميّ للمدح، والتّشريف، والتّعظيم. وانظر الآية [٧٥] الآتية. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ:﴾ لفظه: استفهام، ومعناه: أمر، أي: أسلموا، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ يعني: إلى الفوز، والفلاح، والنجاح في الدنيا، والآخرة. فلما قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على اليهود الذين كانوا في المدينة، وعلى النصارى الذين جاءوا من نجران؛ قالوا جميعا: قد أسلمنا. فقال ﷺ لليهود: «أتشهدون: أن موسى كليم الله، وعبده، ورسوله، وعزير نبيّ». فقالوا: معاذ الله! وقال للنصارى: «أتشهدون: أن عيسى كلمة الله، وعبده، ورسوله». قالوا: معاذ الله أن يكون عيسى عبدا! ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان بك يا محمد، وعن شريعتك، ولم يقبلوا منك ما قلت لهم. ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ يعني: عليك تبليغ الرسالة، وليس عليك هدايتهم، كما قال تعالى

стр. 743

في سورة (الرّعد) له: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾. هذا؛ و ﴿الْبَلاغُ﴾ مصدر ل: بلغ بتخفيف اللام، واسم مصدر ل: بلّغ بتشديد اللام، مثل: عذاب، وسلام... إلخ. هذا؛ واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، والمراد بها تسلية النبي ﷺ ؛ لأنّه كان يحرص على إيمانهم، ويتألم لتركهم الإجابة، وذهبت طائفة إلى أنّها منسوخة بآية السيف؛ لأن المراد بها الاقتصار على التبليغ، وهذا منسوخ بآية السّيف المذكورة في سورة الحجّ، وهي قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي: عليم، وخبير بأحوال العباد، فيهدي من يستحقّ الهداية، ويضل من يستحقّ الإضلال، وله الحجّة البالغة، والحكمة التامّة، والقدر النّافذ، والحكم الصائب. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿حَاجُّوكَ:﴾ فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿أَسْلَمْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿وَجْهِيَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ في محل جزم جواب الشرط، و (إن) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له. ﴿وَمَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع معطوف على تاء الفاعل، وجاز ذلك للفصل بينها بالمفعول به، وقيل: هو في محل نصب مفعول معه. ﴿اِتَّبَعَنِ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿مَنِ﴾) وهو العائد، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل نصب مفعول به. وقد قرأ بعضهم: («اتبعني») بإثبات الياء. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. هذا؛ وحذف ياء المتكلم من آخر الفعل كثير، ولا سيما في رءوس الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار (﴿مَنِ﴾) مبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: ومن اتبعن أسلم وجهه لله، كما أجاز عطفه على: (﴿اللهُ﴾). ﴿وَقُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلَّذِينَ:﴾ متعلقان به. ﴿أُوتُوا الْكِتابَ:﴾ انظر الآية السابقة. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ معطوف على (﴿الَّذِينَ﴾) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام بمعنى الأمر. (﴿أَسْلَمْتُمْ﴾): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. وجملة: ﴿فَقُلْ﴾ إلخ معطوفة على ما قبلها. فهي في محل جزم مثلها، ولا يصعب عليكم بعد هذا إعراب: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.

стр. 744

﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي هي فاعله في محل جزم فعل الشرط، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها، كما رأيت في التي قبلها. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنما): كافة ومكفوفة. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿الْبَلاغُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لا تحلّ محلّ المفرد، و (إن) ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ معترضة في آخر الكلام، فيها وعد، ووعيد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ:﴾ يجحدون القرآن، وينكرونه، وهم اليهود، والنصارى. ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ إلخ: كان أكثر أنبياء بني إسرائيل يأتيهم الوحي، ولم يكن يأتيهم كتاب، مثل: يحيى، وزكريا، ويوشع، وشمويل، وحزقيل، وغيرهم؛ لأنهم كانوا ملتزمين بأحكام التوراة، فكانوا يعظون قومهم، وينصحونهم، فيقتلونهم، فيقوم رجال ممّن آمن بهم، وصدّقهم، فيذكّرونهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فيقتلونهم أيضا. فهم ﴿الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل بين الناس. روى البغوي بسند الثعلبي عن أبي عبيدة بن الجراح-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيّا، أو رجلا أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ إلى أن انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ثم قال رسول الله ﷺ : «يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّا من أوّل النّهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل، فأمروهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم الذين ذكرهم الله في كتابه، وأنزل الآية فيهم». ﴿فَبَشِّرْهُمْ:﴾ أمر من البشارة، وهي الإخبار بما يظهر أثره على البشرة-وهي ظاهر الجلد- لتغييرها بأوّل خبر يرد عليها، ثمّ الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخبر المبشّر به، وغير مقيد به أيضا، ولا يستعمل في الشر إلا مقيدا منصوصا على المبشّر به على سبيل التهكّم، كما في هذه الآية، وقال تعالى في سورة (النّحل) رقم [٥٨]: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. هذا؛ وحمله بعضهم على الاستعارة، وهو: أنّ إنذار الكفار بالعذاب قام مقام

стр. 745

بشرى المحسنين بالثّواب. وفي هذه الآية توبيخ لليهود؛ الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ وإن كان أسلافهم الذين قتلوا الأنبياء، ومثله كثير في القرآن، كما في قوله تعالى في (البقرة): ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ..﴾. إلخ الآية رقم [٦١] ونحوها. هذا؛ ودلّت الآية الكريمة على أنّ الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر كان واجبا في الأمم السابقة، وهو فائدة الرّسالة، وخلافة النّبوة، قال الحسن-﵁-قال رسول الله ﷺ : «من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسوله، وخليفة كتابه». وعن درّة بنت أبي لهب-﵁-قالت: قلت: يا رسول الله! من خير النّاس؟ قال: «أتقاهم للرّبّ، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر». وعن أنس بن مالك-﵁-قال: قيل: يا رسول الله! متى نترك الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم». قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟! قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم». أخرجه ابن ماجة برقم [٤٠١٦]. قال زيد-رحمه الله تعالى-: تفسير معنى قوله النبي ﷺ : «والعلم في رذالتكم»: إذا كان العلم في الفسّاق، وأزيد أنا: والمنافقين. ومعنى: صغاركم: الحقيرون، الذليلون. ومعنى كباركم: العظماء في أعين الناس. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان به، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة بعدها معطوفة عليها، ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و (غير) مضاف، و ﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه، وكذلك جملة: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ﴾ إلخ معطوفة أيضا، لا محل لها مثلها، ﴿بِالْقِسْطِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنَ النّاسِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة في: ﴿يَأْمُرُونَ﴾. ﴿فَبَشِّرْهُمْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: ومن كفر؛ فبشرهم. (بشرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر، والجملة الشرطية معترضة بين اسم: ﴿إِنَّ﴾ وخبرها، وهو الجملة الاسمية الآتية، هذا وجه للإعراب، والوجه الثاني: اعتبار الفاء زائدة في خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول الذي هو اسم «إنّ» يشبه الشرط في العموم. قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: وقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر «إن»، ك: «ليت»، «ولعلّ» ولذلك قيل: الخبر: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ، وهو ما ذكرته أولا. هذا؛ والذي قرأته في مغني اللبيب: أنّ الخلاف حاصل في وقوع الجملة الإنشائية خبرا

стр. 746

ل «إنّ» فمنهم من يجيزه ومنهم من يمنعه، والمانعون يؤوّلون الجملة الإنشائية الواقعة خبرا ل «إن» بجملة خبرية، أو يعتبرونها مقولة لقول محذوف. انظر الشاهد رقم [١٠٠١] من كتابنا فتح القريب المجيب، وهذا نصه: [البسيط] إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم... لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما والشاهد رقم [١٠٠٢] منه، وهذا نصه: [الرجز] إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه هناك أوصيني ولا توصي بيه ولم يتعرّض ابن هشام-رحمه الله تعالى-لدخول الفاء في خبر «إنّ» أو إحدى أخواتها، والذي تعرض لذلك الأشموني-رحمه الله تعالى-حيث قال: وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ؛ الذي اقترن خبره بالفاء؛ أزال الفاء؛ إن لم يكن (إنّ، أو أنّ، أو لكنّ) بإجماع المحقّقين، فإن كان (إنّ، أو أنّ، أو لكنّ) جاز بقاء الفاء. نصّ على ذلك في «إنّ، وأنّ» سيبويه، وهو الصحيح الذي ورد القرآن المجيد به، وأورد آيات كثيرة، من جملتها الآية التي نحن بصدد شرحها، وإعرابها. فأنت ترى: أن البيضاوي-رحمه الله تعالى-قد نقل عن سيبويه عكس ما ذكره الأشموني، والمنقول عن الأخفش-رحمه الله تعالى-: أنه هو الذي منع دخول الفاء الزائدة على خبر المبتدأ المنسوخ بأيّ ناسخ كان. وقد أطلت عليك في هذه المسألة لأحيلك على هذه الآية كلّما عرض لنا شيء من هذا القبيل. تأمّل، وتدبّر، وربك أعلم. وانظر الآية رقم [٩٠] الآتية. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ إلخ: أي: المتصفون بتلك الصفات القبيحة، وهم اليهود؛ الذين قتلوا الأنبياء، والذين أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر. والنصارى؛ الذين رفضوا الإسلام، ويلحق بهم الوثنيون من العرب في كلّ زمان، ومكان. ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ:﴾ بطلت أعمالهم الصالحة، من صدقة، وحسن جوار، وصلة رحم، وغير ذلك، فلا يجدون لها أجرا، وثوابا في الدّنيا، ولا في الآخرة. بسبب كفرهم بمحمّد ﷺ . وقد بيّن الله سبحانه في سورة (النور) رقم [٣٩] وفي سورة (الفرقان) رقم [٢٣]: أن أعمال الكفار الصّالحة في نظرهم إنّما هي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وهي هباء منثور، لا قيمة لها عند الله، ولا تنفع أصحابها شيئا. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ أي: مانعين يمنعونهم من عذاب الله تعالى.

стр. 747

هذا؛ وفي المصباح المنير: حبط العمل، يحبط من باب: تعب، حبطا بالسّكون، وحبوطا: فسد، وهدر، وحبط، يحبط من باب: ضرب لغة، وقرئ بها في الشواذّ، وحبط دم فلان من باب تعب: هدر، وأحبطت العمل، والدم بالألف: أهدرته. وفي المختار: والحبط بفتحتين: أن تأكل الماشية، فتكثر حتى تنتفخ لذلك بطونها، ولا يخرج عنها ما فيها، وقيل: هو أن ينتفخ بطنها من أكل الدرق، وهو الحندقوق. وفي الحديث: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا، أو يلمّ». انتهى واسم هذا الدّاء: الحباط، والفعل: حبط لازم، ويتعدّى بالهمزة، كما في قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾. الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾) في الآية السابقة، أو هي مستأنفة لا محل لها، انظر الآية السابقة. ﴿حَبِطَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿أَعْمالُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها، في الدنيا: متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَعْمالُهُمْ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الدُّنْيا﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء التي جلبها حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار (﴿ما﴾) نافية حجازية عاملة عمل «ليس» وباقي الإعراب ظاهر، والجملة الاسمية في محل نصب من الاسم الموصول، والرابط: الواو، والضمير. وهو أقوى من العطف على الجملة الاسمية السابقة. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلخ: تعجيب للنبي ﷺ ، ولكل من تأتّى منه الرؤية، والنّظر من حال أهل الكتاب، وسوء صنيعهم، فهو استفهام تعجيب، وتشويق إلى استماع ما بعده، وهو جار مجرى المثل في معنى التعجّب. ﴿أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ:﴾ أعطوا حظّا، ونصيبا من التوراة. والمراد بذلك الحظّ، والنصيب ما بيّن لهم في التوراة من العلوم، والأحكام؛ التي من أهمها ما علموه من نعوت النّبي ﷺ ، وحقيقة الإسلام. ﴿يُدْعَوْنَ:﴾ الداعي هو محمد ﷺ . ﴿إِلى كِتابِ اللهِ:﴾ هو القرآن، أو التوراة. وذلك: أنّ اليهود دعوا إلى حكم القرآن، فأعرضوا عنه. قال ابن عباس-﵄: إنّ الله- -جعل القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله ﷺ فحكم القرآن على اليهود، والنّصارى: أنهم على غير الهدى، فأعرضوا عنه.

стр. 748

وروي عن ابن عباس-﵄-أيضا: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيت المدراس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله- -فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أيّ دين أنت يا محمد؟! فقال: «على ملة إبراهيم». قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديّا. فقال رسول الله ﷺ : «هلمّوا إلى التوراة فهي بيتنا، وبينكم!» فأبيا عليه، فأنزل الله هذه الآية، فعلى هذا القول يكون المراد بكتاب الله: التوراة. وروي عنه أيضا: أنّ رجلا، وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكان في كتابهم الرّجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله ﷺ ورجوا أن تكون عنده رخصة، فحكم عليهما بالرّجم، فقال النعمان بن أوفى، وبحريّ بن عمرو: جرت عليهما يا محمد، وليس عليهما الرّجم. فقال رسول الله ﷺ : «بيني وبينكم التّوراة». فقالوا: قد أنصفت، فقال: «من أعلمكم بالتوراة؟». فقالوا: رجل أعور، يقال له: عبد الله بن صوريا، يسكن فدك، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة، وكان جبريل ﵇ قد وصفه للنبيّ ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: «أنت أعلم اليهود بالتّوراة؟» قال: كذلك يزعمون. فدعا رسول الله ﷺ بالتوراة، وقال له: اقرأ، فقرأ حتى أتى على آية الرّجم، وضع يده عليها، وقرأ ما بعدها، فقال عبد الله بن سلام-﵁: يا رسول الله! قد جاوزها، ثم قام، ورفع كفّه عنها، وقرأها على رسول الله ﷺ وعلى اليهود، وفيها: (إنّ المحصن، والمحصنة إذا زنيا، وقامت عليهما البينة؛ رجما، وإن كانت المرأة حبلى؛ تربّص بها حتّى تضع ما في بطنها). فأمر رسول الله ﷺ باليهوديين، فرجما، فغضبت اليهود لذلك، فأنزل الله الآية الكريمة. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: ليقضي بينهم. وإضافة الحكم إلى الكتاب هو على سبيل المجاز. ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى:﴾ يعرض، وأصله: الإعراض، والإدبار عن الشيء بالجسم، ثمّ استعمل في الإعراض عن الأوامر، والأديان والمعتقدات اتّساعا، ومجازا. ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: الرّؤساء، والعلماء منهم. هذا؛ والفريق أكثر من الفرقة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، ومعشر، وجمعه في أدنى العدد: فرقة، وفي الكثير: فرقاء. وقال الأعلم-رحمه الله تعالى- الفريق: يقع للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، مثل: صديق، وعدو، وقعيد. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتشويق، وتعجيب. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم، ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿إِلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وهو: بصريّ، فاكتفى بالجار والمجرور. وجملة: ﴿أُوتُوا نَصِيباً﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان ب ﴿نَصِيباً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿يُدْعَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو

стр. 749

نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل. ﴿إِلى كِتابِ:﴾ متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا..﴾. إلخ، والرابط: الضمير فقط، و ﴿كِتابِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿لِيَحْكُمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿الْكِتابِ﴾ أو إلى: ﴿اللهِ﴾ و «أن» المضمرة، والفعل: (يحكم) في تأويل مصدر في محلّ جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿يُدْعَوْنَ﴾. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتَوَلّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَرِيقٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يُدْعَوْنَ﴾ إلخ، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿فَرِيقٌ﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُعْرِضُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب (من)، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: معطوفة على متعلق: ﴿مِنْهُمْ﴾. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: حال من: ﴿فَرِيقٌ،﴾ وإنما ساغ ذلك لتخصصه بالصّفة. والأول أقوى، وأولى بالاعتبار. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى التولّي، والإعراض المذكور في الآية السّابقة. ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ﴾ إلخ: قال مجاهد-رحمه الله تعالى-عن ابن عباس-﵄: إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ هذه الدّنيا سبعة آلاف سنة، وإنّما نعذب في النار يوما بكل ألف سنة، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى الآية رقم [٨٠] من سورة (البقرة) ردّا عليهم. وقال العوفي عن ابن عباس أيضا. قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين يوما، وهي مدّة عبادة آبائهم العجل. هذا وقد جاء وصف: ﴿أَيّاماً﴾ في هذه الآية وفي آية الصيام بلفظ ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وجاء في الآية رقم [٨٠] من سورة البقرة بلفظ: ﴿مَعْدُودَةً﴾ وهذا يدلّ على أنّه يجوز في العربية استعمال اللفظتين في وصف ﴿أَيّاماً﴾. فاليهود جازمون بدخول النار من أجل عبادة آبائهم العجل، فدخولها يطهّرهم من عبادة آبائهم، ومن ذنوبهم، وقبائحهم؛ الّتي يفعلونها. ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ..﴾. إلخ: خدعهم ظنّهم، واعتقادهم الفاسد من أنّ النار لن تصيبهم إلا أياما قلائل. أو: أن آباءهم يشفعون لهم. أو: أن يعقوب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-وعده الله تعالى ألا يعذب أولاده إلا تحلّة القسم.

стр. 750

الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، هذا هو الإعراب المتعارف عليه والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، والجملة الفعلية مع مقولها في محل رفع خبر (أن) و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ﴾ إلخ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿تَمَسَّنَا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ و (نا): مفعول به. (﴿النّارُ﴾): فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. (﴿إِلاّ﴾): حرف حصر. ﴿أَيّاماً﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿مَعْدُوداتٍ:﴾ صفة ﴿أَيّاماً﴾ منصوب مثلهن، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿وَغَرَّهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به. في دينهم: متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، وقيل: الجار والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَفْتَرُونَ﴾ بعدهما، والمعنى يؤيده. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل رفع فاعل. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه. ﴿يَفْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانُوا﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: غرهم الذي أو شيء كانوا يفترونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، التقدير: غرّهم افتراؤهم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ، فهي في محل رفع مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، فلست مفندا، والرابط الواو والضمير، ويجب تقدير «قد» قبلها لتقرّبها من الحال. ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿فَكَيْفَ إِذا..﴾. إلخ: قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: استعظام لما يحيق بهم في الآخرة، وتكذيب لقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا..﴾. إلخ والمعنى: فكيف يكون حالهم؟! أو فكيف يصنعون؟! ﴿لِيَوْمٍ:﴾ في يوم. قاله الكوفيون، وقال البصريون: التقدير: جمعناهم لحساب يوم لا ريب فيه؛ أي لا شكّ فيه: أنه واقع، وكائن، وهو يوم القيامة، وفيه تهديد، ووعيد لهم، واستعظام لما أعدّ لهم في ذلك اليوم، وأنهم يقعون فيه لا محالة، ولا حيلة لهم فيه، وأنّ ما حدّثوا به أنفسهم، وسهّلوه عليها تعلّل بباطل، وطمع فيما لا يكون، ولا يحصل لهم. قيل: إنّ

стр. 751

أول راية ترفع لأهل الموقف يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود، تفضحهم على رءوس الأشهاد، ثمّ يؤمر بهم إلى النار؛ لأنهم افتروا المفتريات. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أي: جوزيت كل نفس بما عملت من خير، أو شرّ، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ أي: بنقص حسنة؛ إن كانت لهم حسنات، أو زيادة سيئة، والكفر أعظم السيئات، وأعظم الجرائم. وواو الجماعة عائدة إلى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ على المعنى؛ لأنه في معنى كل إنسان. هذا؛ والتعبير بالماضي عن المستقبل؛ لتحقّق وقوعه. هذا؛ و ﴿جَمَعْناهُمْ﴾ أي: لليهود، وللناس أجمعين. وهذا في الأعيان، ويقال: أجمع الأمر إذا عزم عليه، والأمر مجمع. ويقال أيضا: اجمع أمرك، ولا تدعه منتشرا. قال تعالى حكاية عن قوم فرعون، وأشياعه في سورة (طه) رقم [٦٤]: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ ولا يقال: أجمع أعوانه وشركاءه، وإنّما يقال: جمع أعوانه، وأصدقاءه. وهذا مبنيّ على قاعدة: «يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان». هذا هو الأكثر، والمستعمل، وقد يستعمل كلّ واحد مكان الآخر، قال تعالى في سورة (طه): ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى﴾. هذا؛ والمراد ب (يوم) في هذه الآية يوم القيامة وما فيه من الحساب، والعذاب، والأهوال. وقد ذكرا الله طوله في سورة (الحج) بقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ رقم [٤٧]. هذا؛ واليوم في الدنيا: هو الوقت من طلوع الشّمس إلى غروبها، وهذا في العرف، وأما اليوم الشّرعي، فهو من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس. كما يطلق اليوم على اللّيل والنّهار معا، وقد يراد به الوقت مطلقا، تقول: ذخرتك لهذا اليوم، أي: لهذا الوقت، والجمع: أيّام، أصله أيوام، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. وجمع الجمع: أياويم. وأيام العرب: وقائعها، وحروبها، وأيام الله: نعمه، ونقمه. قال تعالى في سورة (يونس) رقم [١٠٢]: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. وقال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ ويقال: فلان ابن الأيام، أي: العارف بأحوالها، ويقال: أنا ابن اليوم؛ أي: اعتبر حالي فيما أنا فيه. وخذ قوله تعالى في الآية رقم [١٤٠] الآتية: ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وانظر شرح الليل، والنهار في الآية رقم [٢٧٤] من سورة (البقرة). الإعراب: ﴿فَكَيْفَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (كيف): اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: كيف حالهم. أو هو في محل نصب حال، عامله محذوف، التقدير: كيف يصنعون، والجملة سواء أكانت اسمية، أم فعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل المقدر، أو هو متعلق بنفس المبتدأ الذي قدرناه. ﴿جَمَعْناهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. هذا، ومثل هذه الآية في إعرابها الآية

стр. 752

رقم [٤١] من سورة (النساء) ومثل الآيتين قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٢٢٥] من كتابنا فتح رب البرية، والشاهد رقم [٥٢٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] فكيف إذا مررت بدار قوم... وجيران لنا كانوا كرام؟ ﴿لا:﴾ نافية للجنس تعمل عمل «إنّ» (﴿رَيْبَ﴾): اسم (﴿لا﴾) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لا﴾ والجملة الاسمية في محل جر صفة: (يوم). (﴿وُفِّيَتْ﴾): فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، والتاء للتأنيث. ﴿كُلُّ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأوليين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كَسَبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا كسبته. وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: وفّيت كلّ نفس كسبها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والرابط: الواو، والضمير. ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿قُلِ:﴾ خطاب للرّسول ﷺ ؛ أي: يا محمد قل معظما لربّك، وشاكرا له، ومفوضا إليه أمرك، ومتوكلا عليه في جميع شئونك. ﴿اللهُمَّ﴾ أصله: يا الله، قاله الخليل، وسيبويه، فحذفت «يا» وعوض عنها الميم المشدّدة في الآخر، وهذا الحذف، والتعويض من خصائص الاسم الكريم، كدخول «يا» عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، ودخول تاء القسم عليه، ولا يجمع بين العوض، والمعوض إلا في ضرورة الشعر، كقول الشاعر: [الرجز] وما عليك أن تقولي كلّما... سبّحت أو هلّلت يا اللهمّا اردد علينا شيخنا مسلّما... فإنّنا من خيره لن نعدما وأيضا قول أمية بن أبي الصّلت-وهو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] إنّ تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟ إنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا

стр. 753

هذا؛ وقال الكوفيّون: فإنّ الأصل في: ﴿اللهُمَّ﴾ يا الله آمنّا بخير. والأول هو المعتمد. ﴿مالِكَ الْمُلْكِ:﴾ يتصرّف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملاّك فيما يملكون. ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ:﴾ تعطي، وتمنح من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ:﴾ تسلب، وتسترد الملك ممّن تشاء أن تنزعه منه. ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ:﴾ يعني: محمدا ﷺ بالنبوّة، والرّسالة، وكلّ مؤمن بالإيمان، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ إذلاله بالكفر، كاليهود، والنّصارى بأخذ الجزية منهم، ونزع النبوة عنهم. ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ:﴾ يعني: النّصر، والغنيمة. هذا؛ وقد ذكر الله سبحانه الخير، والشرّ من قدرته أيضا، اكتفاء بالمقابل، وإنّما خصّ الخير بالذكر؛ لأنه المرغوب فيه، أو لأنه المقضيّ بالذّات، والشرّ مقضيّ بالعرض؛ إذ لا يوجد شرّ جزئيّ ما لم يتضمن خيرا كلّيّا. ﴿إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:﴾ قادر مقتدر؛ يعني: من إيتاء الملك من تشاء، وإعزاز من تشاء، وإذلال من تشاء. هذا؛ وفي الآية الكريمة من المحسّنات البديعيّة الطباق بين: (تؤتي، وتنزع) وبين: (تعزّ، وتذلّ)، والإيجاز بالحذف، حيث حذف مفعول الأفعال الأربعة، كما تراه في الإعراب، وكذلك الاقتصار على ذكر الخير، دون ذكر الشرّ، فإن فيه تعليم الأدب لنا مع الله، فالشرّ لا ينسب إليه تعالى أدبا، وإن كان منه خلقا، وتقديرا، كما قال تعالى في (سورة النّساء) رقم [٧٨]: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ومع ذلك قال تعالى في الآية بعدها: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾. تنبيه: ذكر البيضاوي-رحمه الله تعالى-: أن النبي ﷺ وعد أصحابه ملك كسرى، وقيصر، وهم في أشدّ المحن، وذلك في غزوة الخندق المسماة بغزوة الأحزاب أيضا، فقال المنافقون: هيهات! هيهات! ما يعدنا محمد إلا غرورا، يعدنا ملك كسرى، وقيصر، وأحدنا لا يجرؤ على البراز خارجا، فنزلت الآية الكريمة. وانظر سورة (الأحزاب). وقال ابن عباس-﵄: لمّا فتح رسول الله ﷺ مكة؛ وعد أمّته ملك فارس، والروم، فقال المنافقون، واليهود: هيهات! هيهات! من أين لمحمد ملك فارس، والروم، وهم أعزّ، وأمنع من ذلك؟! ألم يكف محمدا مكة، والمدينة حتى طمع في ملك فارس، والروم؟! فأنزل الله هذه الآية. وهذا ضعيف، ويضعّفه: أنّ اليهود قد قضي عليهم قبل فتح مكة. هذا؛ وفي بعض كتب الله المنزلة: أنا الله ملك الملوك، ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني؛ جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني؛ جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. هذا؛ و (يشاء) ماضيه: شاء، وأصله شيء على فعل بكسر العين، بدليل قولك: شئت شيئا، وقد قلبت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومفعوله محذوف يقدر في هذه الآية على حسب المعنى، ويكثر حذف مفعوله، ومفعول: أراد حتى كاد لا ينطق به إلا في الشيء المستغرب، مثل قوله تعالى

стр. 754

في سورة (الأنبياء) رقم [١٧]: ﴿لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إِنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ وقال الشاعر الخزيمي: [الطويل] فلو شئت أن أبكي دما لبكيته... عليه ولكن ساحة الصّبر أوسع وينبغي أن تعلم: أنه يكثر حذف مفعول هذين الفعلين بعد «لو» كما رأيت. و «شيء» في اللّغة: عبارة عن كل موجود. إمّا حسّا كالأجسام، وإما حكما كالأقوال، نحو قلت شيئا. وجمع الشيء: أشياء، غير منصرف، واختلف في علّته اختلافا كثيرا، والأقرب ما حكي عن الخليل-رحمه الله تعالى-: إن وزنه شياء وزان حمراء، فاستثقل وجود همزتين في تقدير الاجتماع، فنقلت الأولى إلى أول الكلمة، فبقيت وزن لفعاء، كما قلبوا أدؤرا، فقالوا: أدر وشبهه، وجمع الأشياء: أشايا. وأما اليد؛ فإنها تطلق في الأصل على اليد الجارحة، وقد تطلق على النفس، والذات، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩٥]: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقد تطلق على القدرة، والقوة، وهو كثير مثل قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري، وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا فتح رب البرية: [الطويل] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان كما تطلق اليد على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي؛ أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. كما تطلق على الحيلة، والتدبير، فيقال: لا يد لي في هذا الأمر، أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. ويد الله في هذه الآية، وشبهها فيها مذهبان: مذهب الخلف التأويل بمعنى: القدرة، والقوة. ومذهب السّلف: التفويض، يقولون: الله أعلم بمراده. وبعضهم يقول: لله يد تليق به. الإعراب: ﴿قُلِ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿اللهُمَّ:﴾ منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب بيا المحذوفة، والمعوض عنها الميم المشددة في الآخر. (ملك:) فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من: ﴿اللهُمَّ﴾. والثاني: أنه عطف بيان. الثالث: أنه منادى ثان، حذف منه حرف النداء، أي: يا مالك الملك. الرابع: أنّه نعت ل ﴿اللهُمَّ﴾ على الموضع، فلذلك نصب، وهذا ليس مذهب سيبويه، فإنه لا يجيز نعت هذه اللفظة لوجود الميم في آخرها؛ لأنها أخرجتها عن نظائرها من الأسماء، وأجاز المبرد من ذلك، واختاره الزجّاج. قالا: لأن الميم بدل من (يا)، والمنادى مع (يا) لا يمتنع وصفه، فكذا ما هو عوض منها، وأيضا فإن الاسم الكريم لم يتغيّر عن حكمه، ألا ترى إلى بقائه مبنيّا على الضم، كما كان مبنيّا مع (يا). انتهى جمل نقلا عن السمين، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الروم): ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ..﴾. إلخ. وقولهما: المنادى مع (يا) لا يمتنع وصفه، أي: كما في قول جرير في مدح عمر بن عبد العزيز-﵁، وهو الشاهد رقم [١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]

стр. 755

فما كعب بن مامة وابن سعدى... بأجود منك يا عمر الجوادا و ﴿مالِكَ﴾ مضاف، و ﴿الْمُلْكِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: أنت. ﴿تُؤْتِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل تقديره: أنت. ﴿الْمُلْكِ﴾ مفعول به أول. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿تَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: «أنت»، ومفعوله محذوف، التقدير: تشاء إتيانه الملك، والجملة الفعلية: قال أبو البقاء -رحمه الله تعالى-: هي وما بعدها من المعطوفات خبر لمبتدإ محذوف؛ أي: أنت تؤتي إلخ، وقيل: مستأنفة لا محل لها، وقيل: في محل نصب حال، وانتصاب الحال من المنادى مختلف فيه، وتقدير الجملة الثانية: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ أن تنزعه منه. أقول: مجيء الحال من المنادى مستعمل من غير خلاف، كقول الشّاعر: [البسيط] يا أيّها الرّبع مبكيّا بساحته وقال مكيّ: في موضع الحال من المضمر في: (ملك). وقوله: مستأنف الأولى أن يقال: جملة ابتدائية؛ لأنه يكثر وقوع الجمل الفعلية بعد النداء، واعتبارها ابتدائية أولى؛ لأنه لا يقع نداء إلا وبعده جملة فعلية، ويكثر أن تكون إنشائية، وهي بمنزلة الجواب عن النداء، وأما الوجه الأول؛ الذي ذكره؛ فلا مسوّغ له، والجملة الباقية معطوفة على جملة: ﴿تُؤْتِي﴾ إلخ، ولا خفاء في إعرابها، وتقدير الجملتين: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ﴾ إعزازه. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ إذلاله. ﴿بِيَدِكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿الْخَيْرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، وقيل فيها ما قيل بالجمل قبلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبّه بالفعل، والكاف اسمها. على كلّ: متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر (إنّ) والجملة الاسمية مفيدة للتعليل. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)﴾ الشرح: لمّا ذكر الله تعالى: أنه مالك الملك؛ أردفه بذكر قدرته الباهرة في حال الليل، والنهار، وفي المعاقبة بينهما. وحال إخراج الحي من الميت، ثمّ عطف عليه: أنه يرزق من يشاء بغير حساب، وفي ذلك دلالة على أنّ من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيّرة لذوي الأفهام، والعقول؛ فهو قادر على أن ينزع النبوة من اليهود، والنصارى، وأن ينزع الملك من فارس، والروم، واليهود، ويذلهم جميعا، ويؤتيه العرب، ويعزّهم.

стр. 756

﴿تُولِجُ:﴾ تدخل، والماضي: أولج، فهو رباعي، ومصدره: الإيلاج، وأما الثلاثي فهو: ولج، يلج، ومصدره: الولوج. والمراد بإيلاج الليل في النّهار، وبالعكس بأن يزيد كلّ منهما بما نقص من الآخر، وهو ظاهر في طول الليل، وقصره تبعا لفصول السنة. هذا؛ وفي الجملتين ردّ العجز على الصّدر، وفيها استعارة عجيبة، فإنّ الإيلاج عبارة عن إدخال هذا على هذا، أو إدخال هذا في هذا، وذلك؛ لأنّ ما ينقصه من الليل يزيده في النهار، والعكس، ولفظ الإيلاج أبلغ؛ لأنّه يفيد إدخال كلّ واحد منهما في الآخر بلطيف الممازجة، وشديد الملابسة. وبين ﴿اللَّيْلَ﴾ و ﴿النَّهارِ﴾ وبين ﴿الْحَيَّ﴾ و ﴿الْمَيِّتِ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ:﴾ ﴿الْحَيَّ﴾ كالإنسان، والطائر، و ﴿الْمَيِّتِ:﴾ النّطفة تخرج من الإنسان، والبيضة تخرج من الطائر. ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ:﴾ الإنسان، والطائر من النطفة، والبيضة. ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ:﴾ النطفة، والبيضة من الإنسان، والطائر. ويقال أيضا في جميع البذور، وما يخرج منها من النباتات. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-معناه: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان الفارسي-﵁. وروى معمر بن الزّهري: أنّ النبي ﷺ دخل على نسائه، فإذا بامرأة حسنة الهيئة، قال: «من هذه؟» قلن: إحدى خالاتك قال: لو من هي؟ «قلن: هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال ﷺ : «سبحان الّذي يخرج الحيّ من الميّت». وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. خذ قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٢]: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ﴾. انظر شرحها هناك. ﴿وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي: بغير تقدير، فيوسع في الدنيا استدراجا تارة، وابتلاء أخرى. وأما رزقه في الآخرة للمؤمنين؛ فيكون تكريما واسعا، لا يضبطه عدّ، ولا كيل، ولا وزن بخلاف رزق الدّنيا؛ فإنه مضبوط محصور، ورزق الآخرة لا ينتهي عدده، ولا ينقطع مدده، صاف عن كدّ الاكتساب، وخوف الحساب، ولا منّة فيه، ولا عذاب. هذا و (ميت) أصله: ميوت، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسّكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء، في الياء. هذا؛ وتخفف الياء بالسّكون، فيقال: ميت، بفتح الميم وسكون الياء، وهو من فارقت روحه جسده، وجمعه: أموات، وأما المشدّد؛ فهو الحي الذي سيموت، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وجمعه: موتى، قال بعض الأدباء في الفرق بينهما: [الطويل] أيا سائلي تفسير ميت وميّت... فدونك قد فسّرت ما عنه تسأل فمن كان ذا روح فذلك ميّت... وما الميت إلاّ من إلى القبر يحمل

стр. 757

هذا هو الغالب في الاستعمال، وقد يتعاوضان، كما في قول عديّ بن الرّعلاء-وهما الشاهد رقم [٨٣٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف] ليس من مات، فاستراح بميت... إنما الميت ميّت ميّت الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبا... كاسفا باله قليل الرّجاء ومنه الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية رقم [٩٥] من سورة (الأنعام) حيث استعمل المشدّد فيها لفاقد الحياة والرّوح، كما هو واضح فيها. الإعراب: ﴿تُولِجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿اللَّيْلَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي النَّهارِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وإن اعتبرت حكمها حكم ما قبلها؛ فلست مفنّدا، والجملة بعدها معطوفة عليها، وإعرابها لإخفاء فيه. ﴿مِنَ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ترزق الذي، أو شخصا تشاؤه رزقا واسعا بغير حساب. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بواسعا الذي قدرته لك، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، أو من الفاعل، أو بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، وكل هذه الأقوال لا طائل تحتها؛ لأنّ الفعل: (﴿تَرْزُقُ﴾) ينصب مفعولين، لأنه بمعنى: تعطي، وتمنح، وقد نصبهما. والثاني فيهما: «رزقا» الذي قدرته. ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ الشرح: نهى الله المؤمنين في هذه الآية عن موالاة الكافرين لقرابة، أو صداقة، ونحوهما؛ حتى لا يكون حبّهم، وبغضهم إلا لله، كما نهى عن الاستعانة بهم في الغزو، وسائر الأمور الدّينيّة، والدّنيوية، وإنّما يجب الحب للمؤمنين خاصّة، والمعاونة، والمساعدة لهم، وبهم، ومثل هذه قوله تعالى في سورة (المائدة) رقم [٥١]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٤٤]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..﴾. إلخ، وفي أوّل سورة (الممتحنة): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي..﴾. إلخ. انظر شرح الآيات في محالها. هذا؛ ويروي التاريخ: أنه لمّا وقع الخلاف بين معاوية، وعليّ بن أبي طالب عرض قيصر الروم مساعدته لمعاوية، فردّ عليه معاوية بقوله: أنا أستعين بكافر على مسلم، والله لو قطّعت إربا إربا ما استعنت بكافر على مسلم، وانظر الآية رقم [١١٨] الآتية.

стр. 758

﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: ومن يوال الكفار، ويستعين بهم على المؤمنين، أو ينقل إليهم أخبار المؤمنين، أو يطلع الكافرين على عورات المؤمنين، فليس من دين الله في شيء، وليس من ولايته في شيء. وهذا أمر مقول من أنّ ولاية المولى معاداة أعدائه، وموالاة الله، وموالاة الكفار صنوان لا يجتمعان. كما قال الشاعر: [الطويل] تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني... صديقك ليس النّوك عنك بعازب فليس أخي من ودّني رأي عينه... ولكن أخي من ودّني في المغايب ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ المعنى: إن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار، ومداهنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كافرين، فيداريهم؛ وقلبه مطمئنّ بالإيمان، دفعا عن نفسه من غير أن يستحل حراما، أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورات المسلمين. والتقية لا تجوز إلا مع خوف القتل مع سلامة النية. قال الله تعالى في سورة (النّحل) رقم [١٠٦] ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد. والحمد لله! ثم هذه التقية رخصة، فلو صبر على إظهار إيمانه حتى قتل؛ كان له بذلك أجر عظيم، وأنكر قوم التقيّة. فقال معاذ بن جبل، ومجاهد-﵃: كانت التقية في جدّة الإسلام قبل قوّة المسلمين، فأمّا اليوم-أي: في زمننا-فقد أعزّ الله الإسلام أن يتّقوا من عدوّهم. وقال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة. أقول: وفي هذه الأيام واقعة، ولا بدّ منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإنّ المسلم مضايق في دينه، وإقامة شعائره. هذا؛ وإن الشّيعة يقولون: إن عليّا-﵁-سكت عن المطالبة بالخلافة تقية، فهم يصمونه بالجبن، وهم لا يعلمون، وحاشاه من الجبن، هذا وقال ابن عباس-﵄: ليس التّقيّة بالعمل، إنما التقيّة باللّسان. ورضي الله عن أبي الدّرداء؛ إذ قال: إنا لنبشّ في وجه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي: نقمته، وسطوته، وعذابه في مخالفة أمره، وموالاة أعدائه. ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ:﴾ المرجع، والمنقلب، والمآب، فيجازيكم بأعمالكم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. وفي هذه الآية تهديد عظيم، ووعيد شديد. و ﴿تُقاةً﴾ أصله: (وقية) على وزن فعلة، ويجمع على: تقى، كرطبة، ورطب، فأبدلت الواو تاء، والياء ألفا لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها. وانظر مثلها في الآية رقم [١٠٢] مع اختلاف المعنى هنا، وهناك، فالإعلال واحد. الإعراب: ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿يَتَّخِذِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لا﴾. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون فيه وفي سابقه عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿أَوْلِياءَ:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَوْلِياءَ﴾ لأنه جمع: ولي، أو هما متعلقان بمحذوف صفة له. وقال الجمل: متعلقان بمحذوف حال من

стр. 759

الفاعل، وأوّله تأويلا فيه تكلّف. و ﴿دُونِ﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الفعلية: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَفْعَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله مستتر يعود إلى: (من). ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ لها. ﴿فَلَيْسَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ليس): فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى (من). ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ كان صفة له، فلمّا قدم عليه، صار حالا، على القاعدة: (نعت النكرة إذا تقدّم عليها صار حالا). ﴿فِي شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (ليس). والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت، في الآية رقم [١٩] والجملة الاسمية: (من...) إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ تَتَّقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل في محل جر بحرف جر محذوف، والجار والمجرور بدل من معلّل محذوف، وفي السمين: وهذا استثناء مفرغ من المفعول لأجله، والعامل فيه: ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ أي: لا يتخذ المؤمن الكافر وليّا لشيء من الأشياء، ولا لغرض من الأغراض، إلا للتقية ظاهرا؛ بحيث يكون مواليه في الظاهر، ومعاديه في الباطن، وعليه فقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ..﴾. معترض بين العلة، ومعلولها. انتهى جمل. ﴿تُقاةً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تتقوا تقاة. أو عامله المذكور، وهو أولى، أو هو مفعول به، على تأويل تتقوا المذكور ب «تخافوا تقاة». ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿يُحَذِّرُكُمُ﴾): فعل مضارع، والكاف مفعول به أول. ﴿اللهِ:﴾ فاعله. ﴿نَفْسَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَإِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، ﴿الْمَصِيرُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها. ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ الشرح: يخبر الله تعالى عباده: أنه يعلم السرائر، والضمائر، والظواهر، وأنّه لا تخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في جميع الأحوال، والأزمان، واللحظات، والأوقات، وجميع

стр. 760

ما في السموات والأرض، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض، والبحار، والجبال، والأنهار والمراد-والله أعلم-: أنه تعالى يعلم ما تكنّه الصدور من ولاية الكفار، وحبّهم، وموالاتهم. وبين (﴿تُخْفُوا﴾) و (تبدوا) طباق، وهو من المحسّنات البديعية. هذا؛ وذكر الله الصدور؛ لأنّها وعاء القلوب. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: فيقدر على عقوبتكم، وعلى الانتقام منكم؛ إن لم تنتهوا عن موالاة الكفار؛ لأنه تعالى يتّصف بعلم ذاتي محيط بالمعلومات، وقدرة ذاتيّة تعمّ المقدورات بأسرها، فلا تجسروا على عصيانه؛ إذ ما من معصية؛ إلا وهو مطلع عليها، قادر على العقاب بها. وينبغي أن تعلم: أنّ الحبّ في الله، والبغض في الله عظيم في الإيمان. وخذ ما يلي: فعن معاذ بن أنس-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطى لله، ومنع لله، وأحبّ لله، وأبغض لله، وأنكح لله؛ فقد استكمل إيمانه». أخرجه الإمام أحمد، والترمذي. هذا؛ والفعل: (﴿يَعْلَمُ﴾) في هذه الآية من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظنّ تهمه... تعدية لواحد ملتزمه بخلافه من العلم اليقيني، فإنّه ينصب مفعولين، أصلهما: مبتدأ، وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلّقها الذوات دون النّسب، بخلاف العلم؛ فإنّ متعلقه المعاني، والنّسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنّك عرفت ذاته، ولم يتجاوز مفعولا؛ لأن العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك. وإذا قلت: علمت زيدا فقيها، لم يكن المقصود: أنّ العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أنّ العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصّفة. هذا؛ ولا يعزب عن بالك: أنّ في ﴿ما﴾ بألفاظها الثلاثة تغليبا لغير العقلاء على العقلاء. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُخْفُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: الذي يوجد في صدوركم. والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿تُبْدُوهُ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والواو فاعله، والهاء مفعول به. ﴿يَعْلَمْهُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والهاء مفعول به. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة.

стр. 761

﴿وَيَعْلَمُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿يَعْلَمُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿ما:﴾ مفعول به. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه، ومحله مثله، والجملة الفعلية: ﴿وَيَعْلَمُ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، ولم أطلع على قراءة بنصب الفعل، أو جزمه، وهو جائز عربيّة، كما رأيت شرح ذلك في الآية رقم [٢٨٤] من سورة (البقرة). ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب ﴿قَدِيرٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قَدِيرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ تَجِدُ..﴾. إلخ: يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير، أو شرّ، كما قال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (القيامة): ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ فما رأى من أعماله حسنا؛ سرّه، وأفرحه، وما رآه من قبيح؛ ساءه، وأغصّه، وودّ لو أنّه تبرّأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقرونا به في الدّنيا، وأضلّه، وأغواه، وجرّأه على فعل السّوء، كما حكى الله ذلك عنه بقوله: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وبين: ﴿مُحْضَراً﴾ و ﴿بَعِيداً﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية. هذا؛ و ﴿تَجِدُ﴾ أصله: توجد، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الفتحة، والكسرة، ويقال: بين الياء، والكسرة في مضارع الغائب: (يجد) قياسا على مضارع الحاضر. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ:﴾ يخوّفكم عقابه، وبطشه، وانتقامه، وذكرت لك مرارا: أنّه يعبّر عن الذّات بالنفس. ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ:﴾ فيه إشارة إلى أنّه سبحانه إنّما نهاهم عن معصيته، وحذّرهم عقابه رأفة بهم، ومراعاة لمصالحهم، فإنّه سبحانه ذو مغفرة ترجى رحمته، وذو عقاب يخشى عذابه. هذا؛ والأمد: الغاية، وجمعه: آماد، ويقال: استولى على الأمد، أي: غلب سابقا، قال النابغة في استعطاف النّعمان بن المنذر في معلّقته البيت رقم [٢٥] [البسيط] إلاّ لمثلك أو من أنت سابقه... سبق الجواد إذا استولى على الأمد هذا؛ والرأفة: شدّة الرحمة، والعطف، والحنان. والله منزّه عمّا يكون في القلب، و ﴿رَؤُفٌ﴾ صيغة مبالغة، ومن رأفته جلّ ذكره بعباده أن جعل النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل المتقطع في الدنيا، ومن رأفته: أنه يقبل توبة عبده المذنب، ومن رأفته: أنّ نفس العباد، وأموالهم ملكه، ثم إن يشتري ملكه بملكه فضلا منه، ورحمة، وإحسانا. وفي الصحيح: أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السّبي في غزوة حنين قد فرّق بينها، وبين ولدها، فجعلت كلما

стр. 762

رأت صبيّا من السّبي أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلمّا وجدته؛ ضمّته إليها، وألقمته ثديها، فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه طارحة ولدها في النّار؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه؟». قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فو الله لله أرحم بعباده من هذه بولدها». الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اذكر يوم. وذهب الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي إلى جواز اعتباره منصوبا ب ﴿تَوَدُّ،﴾ وقدّروا تقديرات فيها تكلّف. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-متعلق بقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ إلخ. وقيل: هو متصل بقوله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. انتهى. والمعتمد الأول، ومثله قوله تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ..﴾. إلخ. ﴿تَجِدُ:﴾ فعل مضارع. ﴿كُلُّ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أول. ﴿عَمِلَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى نفس، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيئا عملته. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (ما). ﴿مُحْضَراً:﴾ مفعول ثان ل ﴿تَجِدُ﴾ أو هو حال من الضمير المحذوف. ﴿وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وتقديره. ﴿تَوَدُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل: ﴿عَمِلَتْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿أَنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بَيْنَها:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿وَبَيْنَهُ:﴾ معطوف عليه، والهاء فيهما في محل جر بالإضافة. ﴿أَمَداً﴾ اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر. ﴿بَعِيداً:﴾ صفته، والمصدر المؤول من ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في محل رفع مبتدأ عند سيبويه، وخبره محذوف، التقدير: ولو أمد بعيد موجود، وقال المبرد: المصدر المؤول في محل رفع فاعل لفعل محذوف. التقدير: ولو ثبت وجود أمد بعيد بينها وبين ما عملته. وقول المبرد هو المرجح؛ لأنّ «لو» لا يليها إلا فعل ظاهر، أو مقدّر، والفعل المقدر، وفاعله جملة فعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب: ﴿لَوْ﴾ محذوف، التقدير: لسرت بذلك، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مفعول به ل ﴿تَوَدُّ﴾ هذا؛ وبعضهم يعتبر: ﴿لَوْ﴾ مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر مفعول به ل ﴿تَوَدُّ﴾ وهذا غير مسلّم له؛ لأن الحرف المصدري لا يدخل على مثله. تأمل! هذا؛ ويظهر لي جواز اعتبار (﴿ما﴾) الثانية مبتدأ، وجملة: ﴿تَوَدُّ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، والرابط الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والمعنى يؤيد هذا الوجه، وتكون الجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعولاه، والجملة الفعلية

стр. 763

مستأنفة لا محل لها. (﴿اللهُ﴾) مبتدأ. ﴿رَؤُفٌ﴾ خبره. ﴿بِالْعِبادِ:﴾ متعلقان به، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من لفظ الجلالة؛ فلست مفندا. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحقّ محمد ﷺ . ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ:﴾ المحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم: أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، ، وأنّ كل ما يراه كمالا من نفسه، أو من غيره؛ فهو من الله، وبالله، وإلى الله؛ لم يكن حبه إلا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة، وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول ﷺ ، والحرص على مطاوعته. انتهى بيضاوي. لذا فهذه الآية حاكمة على كل من ادعى المحبّة لله؛ وليس هو على الطريقة المستقيمة؛ التي أمر الله بها، وحثّ عليها الرسول ﷺ بقوله، وفعله، فهو كاذب في دعواه، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا؛ فهو ردّ». ورحم الله من يقول: [الكامل] تعصي الإله وأنت تظهر حبّه... هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ومن دعائه ﷺ : «اللهم ارزقني حبّك، وحبّ من أحبّك، وحبّ ما يقربني إلى حبّك، واجعل حبّك أحبّ إليّ من الماء البارد». لذا فدليل حبّ الله امتثال أمره، واجتناب نهيه. ودليل محبة الرسول ﷺ الاقتداء به، والأخذ بتعاليمه، والسير على سنته، وطريقته. ﴿يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم لله، وهو محبّته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء، والحكماء: ليس الشأن أن تحبّ. ومعنى محبة الله للعبد: رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. ومعنى بغضه للعبد: طرده من رحمته، وإبعاده من جنته. وأظهر لفظ الجلالة في مقام الإضمار في الثاني لزيادة التفخيم، والتعظيم. وخذ ما يلي: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله إذا أحبّ عبدا؛ دعا جبريل، فقال: إنّي أحبّ فلانا، فأحبّه. قال: فيحبّه جبريل، ثمّ ينادي في السّماء: إنّ الله يحبّ فلانا، فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا؛ دعا جبريل، ﵇، فيقول: إنّي أبغض فلانا، فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في

стр. 764

أهل السماء: إن الله يبغض فلانا، فأبغضوه. قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض». أخرجه مسلم، ﵀. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ:﴾ وهذا من ثمرات محبّة الله أيضا، وعبّر سبحانه عن رضاه عن عبده المحبّ له على طريق الاستعارة، أو المقابلة، المعبّر عنها في البلاغة بالمشاكلة؛ لأن المحبة من فعل القلوب، والله لا قلب له مثلنا. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه. ﴿رَحِيمٌ:﴾ بهم. وهما صيغتا مبالغة. يروى: أنّ الآية الكريمة نزلت لمّا قالت اليهود: ﴿نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ فعرضها عليهم رسول الله ﷺ فلم يقبلوها. وقيل: نزلت في وفد نجران، ولمّا قالوا: إنّما نعبد المسيح حبّا لله. وقيل: نزلت في أقوام زعموا على عهد رسول الله ﷺ : أنهم يحبّون الله، فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقا من العمل. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ﴾ والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَاتَّبِعُونِي:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط، (اتبعوني): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنّها لم تحلّ محلّ المفرد. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿يُحْبِبْكُمُ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، والكاف مفعول به. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها لوقوعها جوابا للطلب. ﴿وَيَغْفِرْ:﴾ معطوف على ما قبله مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والجملة معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿وَاللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام مقرّرة لما قبلها. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)﴾ الشرح: ﴿قُلْ أَطِيعُوا..﴾. إلخ، يروى: أنّه لمّا نزلت الآية السابقة؛ قال عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين لأصحابه: إنّ محمدا يجعل طاعته كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبّه كما أحبّت النّصارى عيسى ابن مريم، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 765

هذا؛ وطاعة الله: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وطاعة الرسول ﷺ : الأخذ بتعاليمه، والتمسّك بسنّته، قال تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله في هذه الآية، وفي الآية رقم [٥٩] من سورة (النساء): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ..﴾. إلخ، وفي كثير من الآيات: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. هذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى في غير هذا الموضع-: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرّسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ومن قال: أقيم الصّلاة، ولا أوتي الزكاة، والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾. هذا؛ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ ولم يقل: فإنّه. ويكثر مثله في القرآن الكريم إذا أعظمت الشيء أعدت ذكره، وأنشد سيبويه قول عدي بن زيد العبادي-وهو الشاهد رقم [٨٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف] لا أرى الموت يسبق الموت شيء... نقص الموت ذا الغنى والفقيرا الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿أَطِيعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأنّ مضارعه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف هي الفارقة بين واو العلّة، وواو الضمير. هذا هو الإعراب المتعارف عليه بين الناس، والأصل أن يقال في مثل ذلك: فعل أمر مبني على سكون مقدّر على آخره، منع من ظهوره إرادة التخلّص من التقاء الساكنين، وحرّك بالضمة لمناسبة واو الجماعة. وما أجدرك أن تلاحظ هذا في كلّ فعل أمر مسند إلى واو الجماعة، أو إلى ألف الاثنين، مثل: أطيعا، وقد حرّك بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين، أو إلى ياء المؤنثة المخاطبة: أطيعي، وقد حرك بالكسرة لمناسبة ياء المخاطبة. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ:﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، أصله: تتولوا، فحذفت تاء المضارعة. أو هو ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، واعتباره مضارعا أقوى ليبقى الكلام على نسق واحد، وهو الخطاب. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ و ﴿الْكافِرِينَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية

стр. 766

في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط. هذا؛ وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: فلا تحزن، ونحوه؛ فتكون الجملة الاسمية مفيدة للتعليل. وهو كلام لا غبار عليه، والشرط، ومدخوله مستأنف، ومفرّع عمّا قبله، لا محلّ له أيضا. ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى﴾ اختار، واختصّ بالرّسالة، والخصائص الرّوحانية، والجسمانيّة، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. (﴿آلَ إِبْراهِيمَ﴾): إسماعيل، وإسحاق، وأولادهم، ونبينا ﷺ من نسل إسماعيل. (﴿آلَ عِمْرانَ﴾): موسى، وهارون، أو عيسى؛ لأنّ أمّه ابنة عمران، وهو المعتمد بدليل الآيات التالية، وكان بين العمرانيين ألف وثمانمائة سنة. وانظر شرح (﴿آلَ﴾) في الآية رقم [١١]. وفي البخاريّ عن ابن عباس-﵄-قال: آل إبراهيم، وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران، وآل ياسين، وآل محمد، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقيل: المراد من آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٤٨]: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾. هذا؛ وانظر شرح خلق آدم في سورة (البقرة) مفصلا، وقد عمّر ﵇ تسعمائة وستين سنة أما نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فاسمه السّكن، وقيل: عبد الغفار، وسمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، وهو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس النبي، وكان نوح نجارا، واختلفوا في سبب نوحه، فقيل: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح! فأوحى الله إليه: أعبتني، أم عبت الكلب، وقيل: أنطقه الله، فقال: أتسخر من الخالق، أم من المخلوق؟ ونوح أول رسول بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف. وهو أول من عذّبته أمّته لردّهم دعوته، وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، وكان أطول الأنبياء عمرا، عمّر ألفا وخمسين سنة، وقيل: عمر ألفا وستّا وخمسين سنة، ولم تنقص قوّته، ولم يشب، ولم تسقط له سنّ، وصبر على إيذاء قومه طول عمره، وكان أبواه مؤمنين بدليل دعوته لهما بالمغفرة في الآية الأخيرة من السورة باسمه. ويروى: أنّ جبريل-﵇-قال له: يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر. وبشريعته غيّرت بعض أحكام شريعة آدم، ولا سيما تحريم زواج الأخوات. ونوح من أولي العزم الخمسة، ويقال له: شيخ المرسلين.

стр. 767

وأمّا إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فقد عاش مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة وستمائة وأربعون سنة، وبنوه: إسماعيل، وأمه هاجر، ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة، وكانت سنه يوم مات أبوه تسعا وثمانين سنة، وإسحاق، وأمّه سارة، وعاش مائة وثمانين سنة، ثم لمّا توفيت سارة؛ تزوج إبراهيم-﵇-قطورا ابنة يقطن الكنعانية، فولدت له: مدين، ومديان، ويقشان، وزوان، ويشباق، وشوما، فهم ستة مع الاختلاف في تسميتهم بحسب الروايات، فيكون جملة أولاده من صلبه ثمانية. وإبراهيم من أولي العزم الخمسة. ﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ اختلف في هذا، فإن كان عمران أبا موسى، وهارون، فإنّما اختارهما الله على العالمين حيث أنزل على قومهما المنّ، والسلوى، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم، وإن كان أبا مريم فإنّه اصطفى له مريم بولادة عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد في العالم. وهو ما رجّحته سابقا، والمراد ب ﴿الْعالَمِينَ﴾ عالمو زمانهم؛ لأنّ سيدنا، وحبيبنا أفضل الرّسل جميعا، وأمته أفضل الأمم بفضل الله وإنعامه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. هذا؛ وعمران والد موسى وهارون هو ابن يصهر، بن فاهث، بن لاوي بن يعقوب، وعمران، والد مريم هو ابن أشيم بن أمون، وقيل: ابن ماثان، وهو من ولد سليمان بن داود، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. تنبيه بل فائدة: يقول بعض الناس: إنّ المراد ب (عمران) أبو طالب والد عليّ-﵁-فهم يزعمون: أن اسم أبي طالب عمران، يريدون من ذلك ما يريدون من التّحريف، والتبديل، والتزييف، واسم أبي طالب الحقيقي عبد مناف. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى الله والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾. ﴿آدَمَ:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، و (﴿آلَ﴾): مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، و (آل) مضاف، و ﴿عِمْرانَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، وزيادة الألف والنون. ﴿عَلَى الْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: ﴿اِصْطَفى..﴾. وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها من الإعراب على الاعتبارين. ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ الشرح: ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ هي النسل من بني آدم، وهي تطلق على الجمع، كما في قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٩]: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً﴾. وتطلق على الواحد،

стр. 768

كما في قوله تعالى في الآية رقم [٣٨] الآتية حكاية عن قول زكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. قيل: هي مشتقة من الذّرا بفتح الذال، وهو كل ما استذريت به، يقال: أنا في ظلّ فلان، وفي ذراه؛ أي: في كنفه، وستره، وتحت حمايته. وهي بضم الذال أعلى الشيء. وقيل: هي مشتقة من الذّرء، وهو الخلق. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ رقم [٢٤] من سورة (الملك) وقال تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ رقم [١١] من سورة (الشورى) فأبدلت همزة الذرء ياء، ثم شدّدت الياء، وتبعتها الراء في التّشديد. ﴿بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني: إن الآلين ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض، تناصرت على الحق، وقيل: متسلسلة في الاجتباء، والاصطفاء، والنبوة. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ:﴾ لأقوال الناس. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بأفعالهم، فيصطفى، ويختار من كان مستقيم القول، والعمل، أو هو سميع بقول امرأة عمران، عليم بنيتها. الإعراب: ﴿ذُرِّيَّةً:﴾ بدل من (نوح) وما بعده. وقيل: بدل من الآلين فقط، أو هو حال من: (آدم) وما عطف عليه. قاله الأخفش، ومكي: والعامل فيه: ﴿اِصْطَفى﴾. ﴿بَعْضُها:﴾ مبتدأ، وها في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ بَعْضٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب صفة: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ (﴿اللهُ﴾) مبتدأ، ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ:﴾ خبران ل (﴿اللهُ﴾). والجملة الاسمية معترضة في آخر الكلام، فهي مؤكدة لمعنى الكلام السابق. ﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ:﴾ اسمها حنة بنت فاقوذ بن قنبل أم مريم جدّة عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و ﴿عِمْرانَ﴾ أبو مريم لم يكن نبيّا، وكذا أبو موسى لم يكن نبيّا أيضا. ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ قيل: إن سبب نذرها هذا: أنّها كانت كبيرة لا تلد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وأنّها كانت تحت شجرة، فبصرت بطائر يزقّ فرخا له، فتحرّكت نفسها لذلك، ودعت ربّها أن يهب لها ولدا، ونذرت: إن ولدت؛ أن تجعل ولدها محرّرا، أي: حقيقا خالصا لله تعالى، خادما للكنيسة، حبيسا عليها، مفرغا لعبادة الله تعالى. وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم، فكان المحرّر عندهم إذا حرّر جعل في الكنيسة يخدمها، ولا يبرح مقيما فيها حتى يبلغ الحلم، ثم يخيّر، فإن اختار الإقامة فيها؛ لا يجوز له بعد ذلك الخروج منها، وإن أبى؛ ذهب حيث شاء، ولم يكن أحد من أنبياء بني إسرائيل، وعلمائهم إلا ومن أولاده من هو محرّر لخدمة بيت المقدس، ولم يكن يحرّر إلا الذكور، ولا تصلح الجارية لخدمة بيت المقدس، لما يصيبها من الحيض، والأذى، فحرّرت

стр. 769

امرأة عمران ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، وسألت ربّها أن يقبل منها ما حرّرت، ووقفت، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى؛ فلا تصلح لذلك. فوقعا في همّ شديد من أجل ذلك، ثمّ توفي زوجها، وهي حامل بمريم، ﵍. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. أو هو مفعول به لهذا المقدر، وهو قول محمد بن يزيد، وقال أبو عبيد: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وعلّقه الزّجاج بالفعل: ﴿اِصْطَفى﴾ وعلقه مكي ب ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ والأول هو المعتمد. ﴿قالَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿اِمْرَأَتُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿عِمْرانَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿رَبِّ﴾ انظر الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة) ففيها الكفاية. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿نَذَرْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به: ﴿فِي بَطْنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة الموصول، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مُحَرَّراً:﴾ حال من: ﴿ما﴾ ليس غير، ووقعت ﴿ما﴾ لغير العاقل للإبهام. ﴿فَتَقَبَّلْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (تقبل): فعل دعاء، وفاعله تقديره: أنت، ومفعوله محذوف، التقدير: تقبل مني ما نذرته. ﴿مِنِّي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فتقبله مني، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٨] وهي مفيدة للتعليل، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها:﴾ التأنيث لما نذرته، وإنّما أنث؛ لأنه كان أنثى. ﴿قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾. قالت ذلك تحسرا، وتحزّنا إلى ربّها؛ لأنّها كانت ترجو أن تلد ذكرا. والسبب ما ذكرته في الآية السابقة. وقد خرجت الجملة الفعلية من معنى الإخبار إلى معنى التحسّر، والتحزّن. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ أي: عالم بما ولدت، وهو إخبار من الله تعالى. وقرئ بضم التاء على أنها فاعل، فيكون من كلام أمّ مريم على تقدير: أنها لمّا قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ خافت أن تكون أخبرت الله بذلك، فأزالت هذه الشبهة بقولها: (والله أعلم بما وضعت).

стр. 770

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى:﴾ يعني في خدمته الكنيسة، والعبّاد الذين فيها، والأصل: وليس الأنثى كالذكر، فحصل في الكلام قلب، والمراد منه تفضيل الذكر على الأنثى؛ لأنّ الذكر يصلح للخدمة، ولا تصلح الأنثى لضعفها، وما يحصل لها من الحيض، ولأنّها عورة، ولا يجوز لها الحضور مع الرّجال، وكانت مريم من أجمل النّساء، وأفضلهنّ في وقتها، كما ستعرفه فيما بعد. ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ يعني: العابدة، والمطيعة بلغتهم، فأرادت بذلك التقرّب، والطلب إليه أن يعصمها؛ حتّى يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق ظنّها بها، ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها، ولولدها من الشّيطان الرّجيم، ومعنى ﴿أُعِيذُها﴾ أجيرها، وأحصّنها، وأحفظها بكفالتك لها. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦٨] من سورة (البقرة) لشرحه، ومعناه. هذا؛ و ﴿الرَّجِيمِ﴾ فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم باللّعن، والطّرد عن الخير، وعن رحمة الله تعالى. قيل: هو فعيل بمعنى فاعل، أي: إنّه يرجم غيره بالإغواء، والوسوسة. وأصل الرّجم: الرمي بالحجارة. والرّجم: القتل، واللّعن، والطّرد، والشّتم. وقد قيل: هذا كله في قوله تعالى حكاية عن قول قوم نوح له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ رقم [١١٦] من سورة (الشّعراء). والرّجم: القول بالظن، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ﴾ رقم [٢٢] من سورة (الكهف)، وقال زهير في معلّقته رقم [٢٩]: [الطويل] وما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم بعد هذا: ففي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-عن أبي هريرة-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلاّ نخسه الشّيطان، فيستهلّ صارخا من نخسة الشّيطان، إلاّ ابن مريم، وأمّه». ثمّ قال أبو هريرة-﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها..﴾. إلخ. قال العلماء: أفاد هذا الحديث: أنّ الله تعالى استجاب دعاء أمّ مريم، فإنّ الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتّى الأنبياء، والأولياء إلا مريم، وابنها، ولا يلزم من نخس الشّيطان إضلال المنخوس، وإغواؤه، فكم تعرّض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك عصمهم الله ممّا يرومه الشّيطان منهم. كما قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ مع أنّ كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشّياطين، كما بينته فيما سبق. فمريم، وابنها وإن عصما من نخسه؛ فلم يعصما من ملازمته لهما، وقال ابن الرّومي في صراخ المولود: [الطويل] لما تؤذن الدّنيا به من صروفها... يكون بكاء الطّفل ساعة يولد وإلاّ فما يبكيه منها وإنّه... لأفسح ممّا كان فيه وأرغد إذا أبصر الدّنيا استهل كأنّه... بما سوف يلقى من أذاها يهدّد

стр. 771

يقول: إنّما يكون بكاء الطفل ساعة الولادة؛ لما يعلم: أنّ الدنيا موضع الفتن، ومكان المحن، وإلا فما يبكيه منها؛ والحال: أنه نجا من ضيق الرّحم، وانفصل منه إلى موضع هو أفسح، وأرغد منه؟! الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جنّي، وجماعة. تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿وَضَعَتْها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ والتاء للتأنيث. و (ها) مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ أيضا. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وانظر الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية، وما بعدها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَضَعَتْها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿أُنْثى:﴾ حال مؤكدة، وهي على تأويله ب «مؤنثا»، وقيل: بدل من الهاء. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ وضعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ والجملة الفعلية صلة: (ما) والعائد محذوف، التقدير: بالذي وضعته، واعتبار (ما) موصوفة، ومصدرية ضعيف معنى، والجملة الاسمية معترضة لا محلّ لها. ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿الذَّكَرُ:﴾ اسمها. ﴿كَالْأُنْثى:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: (﴿لَيْسَ﴾) هذا؛ ويجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى: مثل، فتكون مبنية على الفتح في محل نصب خبرها، وهي مضاف، و (الأنثى) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وجملة: (﴿لَيْسَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِّي﴾): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلّم اسمها. ﴿سَمَّيْتُها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿وَإِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أُعِيذُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَذُرِّيَّتَها:﴾ معطوف على الهاء الواقعة

стр. 772

مفعولا به. وها في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُعِيذُها﴾. ﴿الرَّجِيمِ:﴾ صفة: ﴿الشَّيْطانِ﴾. ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ أي: فقبل الله سبحانه مريم؛ الّتي نذرتها أمّها، كما تقدّم. وقيل: معنى التقبّل: التكفل في التربية، والقيام بشأنها. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: قبلها الله قبولا حسنا. قال ابن عباس-﵄: سلك بها طريق السّعداء. ﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ أي: سوّى خلقها من غير زيادة، ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. هذا؛ والقبول، والنبات اسما مصدر، والمصدر: تقبّلا، وإنباتا؛ لأن فعلهما تقبّل، وأنبت، وهما مثل: عطاء، وسلام، وعذاب... إلخ، قال القطامي-وهو الشاهد رقم [٥٣٠] من كتاب: «فتح رب البريّة» -: [الوافر] أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا أراد بعد إعطائك، لكن لمّا قال: أنبتها؛ دلّ على نبت، كما قال امرؤ القيس قائد الشّعراء إلى النّار. [الطويل] فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا... ورضت فذلّت صعبة أيّما إذلال وإنّما مصدر ذلّت: ذلّ، ولكنّه ردّه إلى معنى: أذللت، وكذلك كلّ ما يرد عليك في هذا الباب. فمعنى: تقبل، وقبل واحد، وأيضا قول القطامي: [الوافر] وخير الأمر ما استقبلت منه... وليس بأن تتبعه اتّباعا لأن تتبعت، وأتبعت بمعنى واحد، والأصل في القوم ضم القاف؛ لأنه مصدر مثل الدّخول، والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة، مثل الولوع، والوزوع، هذه الثلاثة لا غير، قاله أبو عمرو، والكسائي، والأئمة. ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا:﴾ ضمها إليه؛ أي: ألزم الله زكريا كفالتها، وقدّر ذلك، ويسّره له، وكانت أمّها لمّا ولدتها لفّتها بخرقة، وأتت بها الأحبار سدنة بيت المقدس، وقالت: دونكم هذه النّذيرة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، فقال زكريا-﵇: أنا أحقّ بها؛ لأن خالتها عندي؛ لأن زكريا، وعمران تزوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقوذ، وهي أمّ يحيى بن زكريا، وكانت حنّة بنت فاقوذ أخت إيشاع عند عمران، فقال الرّهبان،

стр. 773

والأحبار: لا! حتّى نقترع، فانطلقوا، وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن، وألقوا أقلامهم على أنّ من ثبت قلمه في الماء، وصعد؛ فهو أولى بها، فثبت قلم زكريا، فأخذها، وبنى لها غرفة في المسجد بسلّم، لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بأكلها، وشربها، ودهنها، فيجد عندها فاكهة الصّيف في الشّتاء، وفاكهة الشّتاء في الصيف. هذا؛ والمحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس، والمراد به الغرفة التي بناها لها زكريا في المسجد، سمّيت بذلك؛ لأنها محلّ محاربة الشّيطان؛ لأنّ المتعبد فيها يحاربه، ولذلك يقال لكلّ محلّ من محال العبادة: محراب. قال وضاح اليمن: [السريع] ربّة محراب إذا جئتها... لم ألقها أو أرتقي سلّما أي: ربة غرفة. ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ أي: من أين لك هذا؟ قاله أبو عبيدة، والنحاس. وهذا فيه تساهل؛ لأنّ أين سؤال عن الموضع، وأنّى سؤال عن المذهب، والجهات، والمعنى: من أي المذاهب، ومن أي الجهات لك هذا؟ وقد فرّق الكميت بينهما؛ حيث قال: [المنسرح] أنّى ومن أين آبك الطّرب... من حيث لا صبوة ولا ريب ﴿قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: هو من الجنّة يرزقني الله إياه. ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم، وأن يكون مستأنفا من الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢٧]. وفي هذا دليل على جواز كرامات الأولياء على أيديهم، وظهور خوارق العادات. تنبيه: روى: أن فاطمة الزهراء-﵂-أهدت إلى رسول الله ﷺ على طبق رغيفين، وبضعة لحم، فرجع بها إليها؛ أي: أرسلها إليها، أو أخذها، ورجع بها مغطاة، وقال: هلمّي يا بنية! فكشفت عن الطّبق، فإذا هو مملوء خبزا، ولحما، فقال لها: أنّى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: الحمد الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل! ثمّ جمع عليّا، والحسن، والحسين، وجميع أهل بيته، فأكلوا، وشبعوا، وبقي الطعام كما هو، فأوسعت على جيرانها! انتهى جمل نقلا من أبي السعود. الإعراب: ﴿فَتَقَبَّلَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (تقبلها): فعل ماض. و (ها) مفعول به. ﴿رَبُّها:﴾ فاعله، و (ها) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَتْ﴾ في الآية السابقة. هذا؛ ويقرأ الفعل بلفظ الدّعاء، و (﴿رَبُّها﴾) بالنصب؛ أي: يا ربها، وكذا الفعلان. (﴿أَنْبَتَها﴾) و (﴿كَفَّلَها﴾) قال أبو البقاء، والزّمخشري: فيكون الفاعل مستترا تقديره: أنت، وتكون الجملة من مقول ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ ولكن على تقدير الفاء الفصيحة؛ أي: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فتقبلها. ﴿بِقَبُولٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول مطلق. ﴿حَسَنٍ:﴾ صفة (قبول)، وجملة: ﴿وَأَنْبَتَها﴾ معطوفة على ما قبلها على

стр. 774

القراءتين. ﴿نَباتاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له. (﴿كَفَّلَها﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّها﴾ و (ها) مفعول به أول. ﴿زَكَرِيّا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ويقرأ الفعل بتخفيف الفاء، فيكون: ﴿زَكَرِيّا﴾ فاعلا به. ﴿كُلَّما﴾. (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين، مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿دَخَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿زَكَرِيّا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿الْمِحْرابَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل: ﴿دَخَلَ﴾ عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون-وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام، وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وهذا إن كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأوّل يكون صريحا، مثل: أدخلت خالدا البيت، و (ما) والفعل: ﴿دَخَلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت دخول عليها المحراب، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل) وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا، والمدرّسون في هذا الزمن يقولون: ﴿كُلَّما﴾ أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب، والتفصيل. ﴿وَجَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿وَجَدَ﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من: ﴿رِزْقاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا،﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب «أدعو». (﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿أَنّى:﴾ اسم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿لَكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقد أغرب الجمل كلّ الغرابة حيث قال: إنّ ﴿قالَ﴾ هي العامل في ﴿كُلَّما﴾ وهو يعني: أنها الجواب، ثم ناقص نفسه، فقال: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذه الآية؟ فقل: ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى..﴾. إلخ، وعلى قوله الأول فجملة: ﴿وَجَدَ﴾

стр. 775

﴿عِنْدَها رِزْقاً﴾ في محل نصب حال من زكريا، والمعنى لا يؤيده. كما أغرب أبو البقاء، فقال: ويجوز أن يكون التقدير: فقال، فحذف الفاء. وهو تكلّف لا داعي له أيضا. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿مَرْيَمُ﴾ هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أوّل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو: شيئا يشاؤه رزقا واسعا. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان ب «واسعا» الذي قدرته لك. وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من المفعول؛ لأن الفعل ﴿يَرْزُقُ﴾ ينصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: يعطي، ويمنح، وقد نصبهما، والثاني منهما: ﴿رِزْقاً﴾ الذي قدرته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إن كانت من كلام مريم ﵍، ومستأنفة؛ إن كانت من كلام الله تعالى. ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)﴾ الشرح: ﴿هُنالِكَ:﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم، أو في ذلك الوقت. فقد يستعار: هنا، وحيث، وثمّ للزّمان، وإن كان الأصل فيهنّ للمكان. ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ وقال في سورة (الكهف): ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ومثلها في سورة (الأعراف)، و (الفرقان)، و (الأحزاب) وسورة (ص) و (غافر). ولمّا رأى زكريا، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وعلم: أنّ القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته قد انقرضوا؛ سأل الله الولد، وكان ذلك في جوف اللّيل لمّا دخل محرابه للصّلاة، والعبادة. ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: نسلا صالحا، مباركا، تقيّا، رضيّا. وإنما قال: ﴿طَيِّبَةً﴾ لتأنيث لفظ الذرية، كقول الشاعر: [الوافر] أبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال فأنّث «ولدته» لتأنيث لفظ الخليفة، وروي من حديث أنس-﵁-قال، قال النبيّ ﷺ : «أيّ رجل مات، وترك ذريّة طيّبة؛ أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا». ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ:﴾ سامعه، ومجيبه.
следующие страницы →