← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

قال ابن كثير: أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها﴾ أي: جعله مظلما، غطش الليل، وأغطشه الله، كقولك: ظلم الليل، وأظلمه الله وهي لغة بني أنمار، ويقال: أغطش الليل بنفسه، وأغطشه الله، كما يقال: أظلم الليل وأظلمه الله، والغطش، والغبش: الظلمة. ورجل أغطش؛ أي: أعمى، أو شبيه به، وقد غطش، والمرأة غطشاء، ويقال: ليلة غطشاء، وليل أغطش، وفلاة غطشى: لا يهتدى لها. وقال الأعشى: [المتقارب] ويهماء بالليل غطشى الفلا... ة يؤنسني صوت فيادها الفياد-بفتح الفاء، وضمها-ذكر البوم. وقال الأعشى أيضا: [المتقارب] عقرت لهم موهنا ناقتي... وغامرهم مدلهم غطش يعني بغامرهم: ليلهم؛ لأنه غمرهم بسواده، وأضاف الليل إلى السماء؛ لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضاف إلى السماء، ويقال: نجوم الليل؛ لأن ظهورها بالليل. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ أي: أبرز نهارها، وضوءها، وشمسها. وأضاف الضحى إلى السماء كما أضاف إليها الليل؛ لأن فيها سبب الظلام، والضياء، وهو غروب الشمس، وطلوعها، وإنما عبر سبحانه عن النهار بالضحى؛ لأنه أكمل أجزاء النهار في النور، والضوء. ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها:﴾ بسطها. والعرب تقول: دحوت الشيء أدحوه دحوّا: إذا بسطته. قال أمية بن أبي الصلت؛ الذي آمن شعره، ولم يؤمن لسانه: [الوافر] وبثّ الخلق فيها إذ دحاها... فهم قطّانها حتّى التّنادي وقيل: دحاها سواها، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب] وأسلمت وجهي لمن أسلمت... له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلمّا استوت شدّها... بأيد وأرسى عليها الجبالا ولا ينافي القول ببسطها القول بكروية الأرض، فإن ذلك مقطوع به حتى قال الإمام الفخر الرازي ما نصه: وكانت الأرض أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها، وبسطها، وليس معنى (دحاها) مجرد البسط، بل المراد: أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات، يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ والجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي. انتهى وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (النبأ) عن الآلوسي. هذا؛ وقد قال الخازن-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي: أن الأرض خلقت بعد السماء بدليل قوله تعالى بعد ذلك، وقد قال تعالى في سورة (فصلت) رقم [١١]: ﴿ثُمَّ﴾

стр. 7107

اسْتَوى إِلَى السَّماءِ... إلخ، فكيف الجمع بين الآيتين، وما معناهما؟ قلت: خلق الله الأرض أولا مجتمعة، ثم سمك السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بمعنى بسطها، ومدها ثالثا، فحصل بهذا التفسير الجمع بين الآيتين، وزال الإشكال. قال ابن عباس-﵄: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. انتهى وانظر آية (فصلت) المذكورة ففيها فوائد جمة. هذا؛ ويقال: دحا، يدحو دحوا، ودحى يدحى دحيا، كقولهم: طغى، يطغى، ويطغو، وطغي، يطغي، ومحا، يمحو، ويمحى، ولحى العود: يلحى، ويلحو، فمن قال: يدحو قال: دحوت، ومن قال: يدحى قال: دحيت. ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ أي: أخرج من الأرض عيون الماء المتفجرة، وأجرى فيها الأنهار، وأنبت فيها الكلأ، والمرعى مما يأكله الناس، والأنعام. قال القتبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا، ومتاعا للأنام من العشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف، والحطب، واللباس، والنار، والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء، وفي الآية الكريمة استعارة تصريحية، فقد شبه أكل الناس برعي الأنعام، واستعير الرعي للإنسان بجامع أكل الإنسان، والحيوان من النباتات. ففيه استعارة لطيفة، ولا تنس المقابلة بين الآيات. ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ أي: أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر، وتسكن بأهلها. انظر الآية رقم [٢٧] من سورة (المرسلات). ﴿مَتاعاً لَكُمْ﴾ أي: منفعة لكم. ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ أي: لجميع الحيوانات التي تنتفعون بها مدة احتياجكم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل. وانظر «التمتع» في سورة (المرسلات) رقم [٤٦] فإنه جيد. الإعراب: ﴿أَأَنْتُمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتوبيخ وتقريع. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَشَدُّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلْقاً:﴾ تمييز. ﴿أَمِ:﴾ حرف عطف، وهي هنا متصلة. ﴿السَّماءُ:﴾ مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿بَناها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله). و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من (السماء) والرابط: الضمير، وهذا على رأي: من يجيز مجيء الحال من المبتدأ. ﴿رَفَعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله. ﴿سَمْكَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية تفسير لكيفية البناء، فهي في محل نصب حال مثل سابقتها. وقيل: هي بدل منها، والتي بعدها معطوفة عليها بالفاء العاطفة. ﴿وَأَغْطَشَ:﴾ الواو: حرف عطف. (أغطش): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله أيضا. ﴿لَيْلَها:﴾ مفعول به، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا.

стр. 7108

(الأرض): مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل المحذوف، أو هو متعلق بما بعده، و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿دَحاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها. هذا؛ ويقرأ برفع (الأرض) على أنه مبتدأ، فتكون الجملة الفعلية في محل رفع خبره. وعلى الاعتبارين فالكلام مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ في محل نصب حال من فاعل ﴿دَحاها﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى. (والجبال أرساها) إعرابها مثل إعراب: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ على الوجهين المعتبرين فيها بلا فارق، ولا تنس: أن فاعل الأفعال المتقدمة يعود إلى غير مذكور، وإنما يفهم من سياق الكلام، انظر ما ذكرته بشأن ذلك في الآية رقم [٢٦] من سورة (القيامة). ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف مدلول عليه بسياق الكلام، التقدير: متعناكم بها تمتيعا، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف أيضا، التقدير: فعل الله ذلك منفعة لكم. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَتاعاً﴾. (لأنعامكم): جار ومجرور معطوفان على ما قبلهما، والكاف ضمير في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى:﴾ يعني النفخة الثانية التي ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور. قاله ابن عباس في رواية الضحاك عنه، وهو قول الحسن. وقول آخر لابن عباس ﵄: أنها القيامة، سميت بذلك؛ لأنها تطم على كل شيء، فتعم ما سواها لعظم هولها. كما قال تعالى في سورة (القمر): ﴿وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ وقال المبرد: الطامة عند العرب: الداهية؛ التي لا تستطاع. وقال القاسم بن الوليد الهمداني: الطامة الكبرى: حين يساق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وكما قال المبرد: الطامة عند العرب: الداهية التي طمت وعظمت. قال الشاعر: [الرمل] إنّ بعض الحبّ يعمي ويصم... وكذاك البغض أدهى وأطم هذا؛ وكما تطلق الطامة على النفخة الثانية يطلق عليها لفظ: الصاخة، ولفظ: القارعة، والواقعة، والحاقة، والمراد بكل ذلك: يوم القيامة، وما فيه من الأهوال العظام، والشدائد الجسام ولعلك تدرك معي: أن الله تعالى لما ذكر خلق السموات، والأرض، وما أبدع فيهما من عجائب الخلق، والتكوين؛ ليقيم الدليل على إمكان الحشر عقلا؛ أخبر بعد ذلك عن وقوعه

стр. 7109

فعلا، فقال: ﴿فَإِذا جاءَتِ..﴾. إلخ. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ أي: ما عمل من خير، أو شر؛ وكان قد نسي ما عمل؛ وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ آخر سورة (النبأ). ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ أي: ظهرت لكل من ينظر. قال ابن عباس-﵄: يكشف عنها تتلظى، فيراها كلّ ذي بصر لظهورها ظهورا بينا من المؤمنين، والكفار، إلا أن الجحيم مكان الكفار، ومأواهم، والمؤمنون يمرّون عليها، وهذا يؤيده قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ولا ينافيه قوله تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٩١]: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ لأنها برزت للغاوين بالمكث فيها، وللمؤمنين بمرورهم عليها. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): انظر الآية رقم [١١]. ﴿جاءَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الطَّامَّةُ:﴾ فاعله. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿الطَّامَّةُ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها على المشهور المرجوح، وجوابها محذوف. إذ التقدير: إذا جاءت الطامة الكبرى؛ دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان بدل من (إذا). ﴿يَتَذَكَّرُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿سَعى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يتذكر الإنسان الذي، أو شيئا سعاه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به. التقدير: يتذكر الإنسان سعيه. (برزت): فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْجَحِيمُ:﴾ نائب فاعله. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد، وهو لازم؛ لأنه بمعنى: ينظر، ويبصر، والجملة الفعلية صلة (من) أو صفتها على اعتبارها نكرة موصوفة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿جاءَتِ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. قاله الجمل. وأرى جواز اعتبارها في محل نصب حال من ﴿الْإِنْسانُ،﴾ أو من ﴿ما،﴾ والرابط: الواو فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى﴾ أي: تجاوز الحد في الكفر، والعصيان، والفساد، والإفساد. ﴿وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ فضلها على الآخرة بأن عمل لها، وانهمك في حطامها الفاني، ولم يقدم

стр. 7110

لآخرته عملا صالحا. قال القرطبي: نزلت في النضر، وابنه الحارث، وهي عامة في كل كافر؛ بل وفي كل مسلم كذاب منافق آثر الحياة الدنيا على الآخرة. ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى:﴾ هي مستقره، ومأواه، ف: (أل) بدل من الضمير المحذوف المقدر، ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (المعارج) رقم [٣٧]: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ إذ التقدير: عن يمينك، وعن شمالك. وهذا عند الكوفيين، وعند البصريين وعلى رأسهم سيبويه، التقدير: هي المأوى له. ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ:﴾ أي: حذر وقوفه، ومقامه بين يدي الله يوم القيامة؛ لعلمه بأنه راجع إلى الله تعالى في ذلك اليوم، فيكفّ عن محارم الله، ويقف عند حدوده؛ التي حدها له. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾. ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: زجرها عن المعاصي، والمحارم؛ التي من فعلها دخل النار. قال عبد الله بن مسعود-﵁: أنتم في زمان يقود الحقّ الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحقّ، فنعوذ بالله من ذلك الزمان! ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ أي: المنزل، وفي هذه الآيات مقابلة واضحة لا خفاء فيها. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: والآيتان نزلتا في مصعب بن عمير-﵁-وأخيه عامر بن عمير، فقد روي: أن عامرا أسر يوم بدر. فأخذه الأنصار، فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا أخو مصعب بن عمير. فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلما أصبحوا؛ حدثوا مصعبا-﵁-حديثه. فقال: ما هو لي بأخ، شدوا أسيركم، فإن أمّه أكثر أهل البطحاء حليا، ومالا، فأوثقوه؛ حتى بعثت أمّه في فدائه. وأما مصعب-﵁-فقد وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه-وهي السهام-فلما رآه رسول الله ﷺ متشحطا في دمه؛ قال: «عند الله أحتسبك!». وقال لأصحابه: «لقد رأيته؛ وعليه بردان ما تعرف قيمتهما، وإن شراك نعليه من ذهب». هذا؛ وفسرت ﴿مَقامَ رَبِّهِ﴾ بوقوف العبد مقامه بين يدي الله؛ لأن المقام إنما هو للعبد، لا لله لتنزهه عن المكان، وأضيف إليه تعالى لملابسته له تعالى من حيث كونه بين يديه، ومقاما لحسابه. وانظر ما ذكرته في سورة (الرحمن) رقم [٤٦] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولا تنس المقابلة بين هذه الآيات، والطباق بين ﴿الْجَنَّةَ،﴾ و ﴿الْجَحِيمَ﴾. هذا؛ ولقد وصف الله تعالى في هذه الآية وغيرها الحياة التي يحياها ابن آدم بالدنيا لدناءتها، وحقارتها، وأنها لا تساوي عنده جناح بعوضة، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء، ورحم الله الحريري إذ يقول: [الكامل] يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار أو هي من الدنو، وهو القرب؛ لأنها في متناول يد الإنسان ما دام حيّا، وما أحسن قول الإمام الشافعي-﵁-في وصفها: [الطويل]

стр. 7111

وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها تقوم مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل مهما يك من شيء فمن طغى... إلخ، فأنيبت (أما) مناب «مهما» و «يك من شيء»، فصار (أمّا من طغى... فإنّ الجحيم...) إلخ وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿طَغى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (آثر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ اسم (إنّ). ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْمَأْوى:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا؛ فالمأوى يكون خبر (إنّ)، وعلى الوجهين فالجملة الاسمية: (إن الجحيم هي المأوى) في محل رفع خبر المبتدأ؛ الذي هو (من)، والجملة الاسمية: (أما من...) إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وقال الجلال، والزمخشري، وتبعه النسفي: إن الجملة الاسمية جواب قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ على حد قول القائل: إذا جاء بنو تميم؛ فأما العاصي فأهنه، وأما الطائع؛ فأكرمه. وفي هذا نوع تساهل؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى..﴾. إلخ. بيان لحال الناس في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى﴾ بيان لحالهم في الآخرة، فالأولى ما سلكه غيرهم من أن الجواب محذوف يدل عليه التفصيل المذكور: فقدّره بعضهم: دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، وقدره بعضهم بقوله: كان من عظائم الشؤون ما لم تشاهده العيون. انتهى. جمل بتصرف. وإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ..﴾. إلخ، مثل سابقه، لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى. هذا؛ و «الهوى» يقصر، ويمد، والمراد بالأول: الحب، والعشق، والغرام، وهو أيضا محبة الإنسان للشيء، وغلبته على قلبه، وعقله. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٣]: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ومثلها في الآية رقم [٢٣] من سورة (الجاثية). وقد نهى الله عنه في سورة (النساء) رقم [١٣٥] بقوله: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ ومدح من يخالفه بقوله:

стр. 7112

﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى﴾ أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله تعالى. ويراد بالممدود ما بين السماء والأرض، وقد جاء الهوى بمعنى العشق ممدودا في الشعر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وهان على أسماء إن شطّت النّوى... نحنّ إليها والهواء يتوق وإليك هذين البيتين فإنّهما من النّكت الحسان: [الكامل] جمع الهواء مع الهوى في مهجتي... فتكاملت في أضلعي ناران فقصرت بالممدود عن نيل المنى... ومددت بالمقصور في أكفاني وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه لا يقال: فلان يهوى الخير، بل يقال: فلان يحب الخير، وجمعه: أهواء، وجمع الممدود أهوية. وقال الشعبي-رحمه الله تعالى-: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وقال ابن عباس-﵄: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه. وذكر آيات كثيرة. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص-﵁، عن النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». وقال أبو أمامة الباهلي-﵁-سمعت النبي ﷺ يقول: «ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى». وقال شداد بن أوس-﵁-عن النبي ﷺ : «الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنّى على الله الأمانيّ». وقال النبي ﷺ : «إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه؛ فعليك بخاصّة نفسك، ودع عنك أمر العامّة». من حديث طويل، أخرجه ابن ماجه، والترمذي عن أبي أمية الشيباني عن أبي ثعلبة الخشني-﵃-أجمعين. وقال أنس بن مالك-﵁-من حديث طويل عن النبي ﷺ : «وثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». رواه البيهقي، وغيره. وقال الأصمعي: سمعت رجلا يقول: [الكامل] إنّ الهوان هو الهوى قلب اسمه... فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه. فأخذه شاعر فنظمه، فقال: [الكامل] نون الهوان من الهوى مسروقة... فإذا هويت فقد لقيت هوانا ولابن دريد-رحمه الله تعالى-قوله: [الطويل] إذا طالبتك النفس يوما بشهوة... وكان إليها للخلاف طريق

стр. 7113

فدعها وخالف ما استطعت فإنّما... هواك عدوّ والخلاف صديق ولأبي عبيد الطوسي-رحمه الله تعالى-قوله: [الرجز] والنفس إن أعطيتها مناها... فاغرة نحو هواها فاها وقال سهل بن عبد الله التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى، ومخالفته كتب، وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه، وحسبك الآيات التي نحن بصدد شرحها. هذا؛ و ﴿الْمَأْوى﴾ المقر، والملجأ. قال الجوهري: المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلا كان، أو نهارا، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا، وإواء، ومنه قوله تعالى حكاية عن قول ابن نوح-على نبينا، وحبيبنا وعلى نوح ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ﴾. وآويته أنا إيواء، وأويته: إذا أنزلته بك بمعنى، و «المثوى» بمعناه في كل ما تقدم، ويفرق بينهما: أن المثوى مكان الإقامة المنبثة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ولو موقتا، والقرينة تبين طول المكث، كما في الآيات الكثيرة؛ التي تنص: أن النار مأوى الكافرين، والظالمين، والفاسدين المفسدين الذين يدّعون الإسلام، والإسلام منهم براء. وقدم المأوى على المثوى في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٥١]: ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ؛﴾ لأنه على الترتيب الوجودي يأوي، ثم يثوي. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥)﴾ الشرح: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: سأل مشركو مكة رسول الله ﷺ متى تكون الساعة استهزاء؟ فأنزل الله الآية. هذا؛ و «سأل» تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول، فيتعدى ب: «عن» كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال، ونحوه، فيتعدى لاثنين، نحو: سألت زيدا مالا. ﴿أَيّانَ مُرْساها:﴾ متى وقوعها؟ وقيل: متى إثباتها، واستقرارها؟ ورسو الشيء: ثباته، واستقراره، ومنه: رسا الجبل، وأرسى السفينة. وهذا على فتح الميم، والأول على ضم الميم، وعلى الاعتبارين فالجملة استعارة تصريحية. وهذه الجملة مذكورة في سورة (الأعراف) برقم [١٨٧]، وقال تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٦٣]: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ..﴾. إلخ. فقد أمر الله رسوله ﷺ بهذه الآية بأن يجيبهم بقوله: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ،﴾ وفي آية (الأعراف) بأن يجيبهم بقوله: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ وهذا السؤال تكرر من المشركين ومن اليهود، وقوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

стр. 7114

برهان قاطع على ذلك، ومعنى: ﴿إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ أي: لا يطلع عليه ملكا، ولا نبيا؛ لأنه تعالى استأثر به. ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ أي: ليس علمها إليك حتى تذكرها لهم؛ لأنها من الغيوب التي استأثر الله بعلمها، فلماذا يسألونك عنها، ويلحون في السؤال؟ هذا؛ وروى الزهري عن عروة بن الزبير ﵄-قال: لم يزل النبي ﷺ يسأل عن الساعة حتى نزلت: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي: منتهى علمها، فكأنه ﵊ لما أكثروا عليه السؤال سأل الله أن يعرفه ذلك، فقيل له: لا تسأل، فلست في شيء من ذلك. قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٨٧]: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أي: عالم بها كثير السؤال عنها. ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ أي: منتهى علمها، لا يعلم متى تقوم إلا هو. ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ أي: لم تبعث يا محمد لتعلمهم بوقت الساعة، وتحديده، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها، وخص الإنذار بمن يخشى؛ لأنهم المنتفعون به، وإن كان الرسول ﷺ منذرا ومخوفا لكل مكلف. تنبيه: الساعة: القيامة سميت بذلك؛ لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة، لا يعلمها إلا الله ﵎. وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها؛ لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة، أو أقل من ذلك. قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ ولا تنس: أن ساعة كل إنسان، وقيامته وقت مقدمات موته، وما فيه من أهوال، ولذا قال النبي ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته». وقيل: سميت الساعة بذلك؛ لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، وقد ثبت: أن لقيام الساعة علامات، وهي صغرى، وكبرى، فالصغرى قد ظهر جميعها، كقبض العلم الشرعي، وتقارب الزمان، وفيض المال، وكثرة الزلازل، وكثرة القتل، وتطاول البدو في البنيان، وكثرة الفجور، والفسوق، وغير ذلك مما هو واقع، ومشاهد الآن. أما العلامات الكبرى فخذها مما يلي، فعن حذيفة بن أسيد الغفاري-﵁-قال: طلع علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نتذاكر الساعة قال: «إنّها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج، ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم. أقول: ما ذكر في الحديث الشريف بعضه من علاماتها، وبعضه من مبادئها، كخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، انظر الآية رقم [١٥٨] من سورة (الأنعام).

стр. 7115

تنبيه: قال المحققون من العلماء: سبب إخفاء علم الساعة، ووقت قيامها عن العباد؛ ليكونوا دائما على خوف، وحذر منها؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت؟ كانوا على وجل وخوف منها، فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة، والمسارعة إلى التوبة، وأزجر لهم عن المعصية. فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقومنّ الساعة، وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومنّ الساعة، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومنّ الساعة، وهو يليط حوضه، فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة، وقد رفع أكلته إلى فيه، فلا يطعمها». متفق عليه. هذا؛ وقد أخفى الله أمورا أخرى مثل ليلة القدر في شهر رمضان، وساعة الإجابة يوم الجمعة؛ ليجتهد المؤمن، والمؤمنة في ليالي رمضان في العبادة، وليكونا: مجتهدين في الدعاء كل يوم الجمعة، وليلته، كما أخفى الله رضاه في طاعة من الطاعات، وأخفى غضبه في معصية من المعاصي ليجتهدا في جميع الطاعات، وليجتنبا جميع المعاصي، والسيئات. وانظر آخر سورة (لقمان) إن أردت الزيادة. الإعراب: ﴿يَسْئَلُونَكَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿عَنِ السّاعَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَيّانَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُرْساها:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به ثان ل: ﴿يَسْئَلُونَكَ،﴾ وهو معلق عن العمل به لفظا بسبب الاستفهام. ﴿فِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَنْتَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ ذِكْراها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، و (ها) في محل جر بالإضافة، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها؟ هذا؛ وقيل: الجار، والمجرور ﴿فِيمَ﴾ متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فيم هذا السؤال، فتم الكلام، ثم استأنف بجملة: ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ بيانا لسبب الإنكار عن سؤالهم. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مُنْتَهاها:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿أَنْتَ:﴾ مبتدأ. ﴿مُنْذِرُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿مَنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ ويقرأ بتنوين (منذر)، فيكون اسم الموصول مفعولا صريحا. ﴿يَخْشاها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها) مفعول به، والفاعل ضمير مستتر يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّما أَنْتَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها أيضا.

стр. 7116

﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾ الشرح: ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ أي: المشركين الذين يسألون عن الساعة، وعن وقوعها متى يكون؟ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَها﴾ أي: يوم يشاهدون أهوالها بأعينهم. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أي: لم يقيموا في الدنيا، أو في القبور. ﴿إِلاّ عَشِيَّةً﴾ أي: قدر عشية. ﴿أَوْ ضُحاها﴾ أي: قدر الضحا الذي يلي تلك العشية، والمراد: تقليل مدة الدنيا في نظرهم حين يشاهدون القيامة، وأهوالها. قال تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [٣٥]: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ،﴾ وقال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ رقم [٤٥]. فائدة: قال ابن عباس-﵄: إذا عسر على المرأة ولدها تكتب هاتين الآيتين، والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها، وهي: (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السموات، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم)، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها،﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾. هذا؛ وقال الفراء: يقول القائل: وهل للعشية ضحا؟ وإنما الضحا لصدر النهار، ولكن أضيف الضحا إلى العشية، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب، يقولون: آتيك الغداة، أو عشيتها، وآتيك العشية، أو غداتها، فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار. قال الفراء: وأنشدني بعض بني عقيل: [الرجز] نحن صبحنا عامرا في دارها... جردا تعادى طرفي نهارها عشيّة الهلال أو سرارها أراد عشية الهلال، أو عشية سرار العشية، فهو أشد من: آتيك الغداة، أو عشيّها. انتهى. قرطبي. وقال الزمخشري: صحت الإضافة لما بينهما من الملابسة؛ لاجتماعهما في نهار واحد. انتهى. وقال الجمل نقلا عن الخطيب: والمراد: ساعة من نهار من أوله، أو آخره، لم يستكملوا نهارا تاما، ولم يجمعوا بين طرفيه. انتهى. واعتبره ابن هشام في شذور الذهب من ظروف الزمان المركبة، ومنه قول الشاعر: [الوافر] ومن لا يصرف الواشين عنه... صباح مساء يبغوه خبالا ثم قال: ولو أضفت، فقلت: صباح مساء؛ لجاز؛ أي: صباحا ذا مساء، فلذلك أضفته إليه لما بينهما من المناسبة، وإن كان الصباح، والمساء لا يجتمعان. ونظيره في الإضافة قوله

стр. 7117

تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ فأضيف الضحى إلى ضمير العشية. وقيل: الأصل: أو ضحى يومها، ثم حذف المضاف. ولا حاجة إلى هذا. انتهى. هذا؛ وقال الجوهري في صحاحه: العشي، والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيّة أمس، وعشيّ أمس، وتصغير العشي: عشيّان على غير قياس مكبره، والجمع عشيّانات، وتصغير العشية عشيشية، والجمع عشيشيات، والعشاء مثل العشي، والعشاءان: المغرب، والعتمة. وزعم قوم: أن العشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، وأنشدوا: [الوافر] غدونا غدوة سحرا بليل... عشاء بعدما انتصف النّهار هذا؛ وقال الأزهري: العشي ما بين زوال الشمس، وغروبها. وهذا هو المعتمد عنده. أقول: والمعتمد: أنه الوقت من قبيل العصر إلى المغرب، وهو ما رأيته في تفسير الآية؛ وإن أفتاك الناس وأفتوك. وقال الماوردي: والفرق بين المساء، والعشاء: أن المساء بدو الظلام بعد المغيب، والعشاء: آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب، وهو مأخوذ من عشا العين، وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس. هذا؛ وقد قوبل العشي بالإبكار في قوله تعالى لزكريا-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ رقم [٤١] من سورة (آل عمران) وقد قوبل بالغدو في قوله تعالى في حق فرعون وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ رقم [٤٦] من سورة (غافر)، وقوبل بالغداة في قوله تعالى لنبينا، وحبيبنا ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ رقم [٢٨] من سورة (الكهف)، وقوبلت العشية بالضحى في الآية التي نحن بصدد شرحها. تأمل، وتدبر. الإعراب: ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (كأنّ) لما فيها من معنى الفعل أشبه، أو يشبهون، ومثل هذه الآية قول القطامي: [الطويل] كأنّ العقيليّين يوم لقيتهم... فراخ القطا لاقين أجدل بازيا وأيضا قول يزيد بن الحكم الثقفي-وهو الشاهد رقم [٦٩٢] من كتابنا «فتح القريب المجيب» إعراب شواهد مغني اللبيب-. [البسيط] كأنّني حين أمسي لا تكلّمني... متيّم يشتهي ما ليس موجودا ﴿يَرَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله. و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْبَثُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (كأن)، والجملة الاسمية مستأنفة،

стр. 7118

لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿عَشِيَّةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَلْبَثُوا﴾. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿ضُحاها:﴾ معطوف على ﴿عَشِيَّةً،﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): في محل جر بالإضافة. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم. انتهت سورة (النازعات) بعون الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7119

سورة عبس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (عبس) وتسمى سورة السفرة، وسورة الأعمى مكية في قول الجميع، وهي إحدى وأربعون آية، ومئة وثلاثون كلمة، وخمسمئة وثلاثة وثلاثون حرفا. انتهى خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)﴾ الشرح: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى:﴾ كلح بوجهه، وقطب، وأعرض عنه. وانظر «التولي» في سورة (القيامة) رقم [٣٢]. ﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى:﴾ هو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله. وقيل: عمرو بن شريح بن مالك بن ربيعة القرشي الفهري من بني عامر بن لؤي، وأم مكتوم أم أبيه، واسمها: عاتكة بنت عامر المخزومي، وهو ابن خالة خديجة بنت خويلد-﵂-أسلم قديما بمكة، وذلك: أنه أتى النبي ﷺ ، وهو يحدث صناديد قريش: عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأبي بن خلف، وأخاه أمية، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم، فيتقوى بهم الإسلام، ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله. فقال: يا رسول الله! أقرئني، وعلمني مما علمك الله! وكرر ذلك، وهو لا يعلم تشاغل النبي ﷺ بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس، وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم. وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنما اتبعه الصبيان، والعبيد، والسفلة، والعميان. فأنزل الله هذه الآيات معاتبة لرسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه إذا رآه، ويقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي!». ويقول له: «هل لك من حاجة؟». واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين، وكان من المهاجرين الأولين. وقيل: قتل شهيدا بالقادسية. قال أنس بن مالك-﵁: فرأيته يوم القادسية راكبا، وعليه درع، ومعه راية سوداء. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: نظير هذه الآية في العتاب قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٥٢]: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ،﴾ وكذلك قوله في سورة

стр. 7120

(الكهف) رقم [٢٨]: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ قال العلماء: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما: أن النبي ﷺ مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله تعالى عاتبه؛ حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة، أو ليعلم: أن المؤمن الفقير خير من الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى، وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر الآخر، وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة. وقال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: إنما عبس النبي ﷺ لابن أم مكتوم، وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم وأبى إلا أن يكلم النبي ﷺ حتى يعلمه، فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه ﷺ : ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ بلفظ الإخبار عن الغائب تعظيما له، ولم يقل: عبست، وتوليت، ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له، فقال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أي: وما يعلمك يا محمد، ويخبرك لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يتطهر من ذنوبه بما يتلقاه عنك من العلم، والمعرفة. ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ أي: أو يتعظ بما يسمع، فتنفعه موعظتك. هذا؛ وابن أم مكتوم كان مؤمنا قديما، فهو مطهر من الشرك، وإنما المراد تطهيره من الذنوب، والسيئات. هذا؛ وقد استدل بهذه الآيات من يرى صدور الذنب من الأنبياء؛ إذ قالوا: لمّا عاتبه الله في ذلك الفعل؛ دل على أن ذلك الفعل كان معصية. وهذا بعيد؛ فإنا قد بينا: أن ذلك كان هو الواجب المتعين إلا بحسب هذا الاعتبار الواحد، وهو أنه يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء، وذلك غير لائق بصلابة الرسول ﷺ ، وإذا كان كذلك؛ كان ذلك جاريا مجرى ترك الاحتياط، وترك الأفضل، فلم يكن ذلك ذنبا ألبتة. انتهى. الفخر الرازي. وقال ابن حزم: وأما قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى﴾ الآيات، فإنه كان ﷺ قد جلس إليه بعض عظماء قريش، ورجا إسلامهم، وعلم: أنه لو أسلم؛ لأسلم بإسلامه ناس كثيرون، وظهر الدين، وعلم: أن هذا الأعمى الذي يسأله عن أشياء من أمور الدين لا يفوته، وهو حاضر معه، فاشتغل عنه النبي ﷺ بما خاف فوته من عظيم الخير، مما لا يخاف فوته، وهذا غاية النظر في الدين، والاجتهاد في نصرة القرآن في ظاهر الأمر، ونهاية التقريب إلى الله؛ الذي لو فعله اليوم منا فاعل؛ لأجر، فعاتبه الله تعالى؛ إذ كان الأولى عند الله أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل البر التقي، ويترك أولئك المعاندين. انتهى. النبوة والأنبياء للصابوني. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٣] من سورة (التوبة). ففيها بحث جيد. الإعراب: ﴿عَبَسَ:﴾ فعل ماض، والفاعل محذوف يدل عليه المقام، وسياق الكلام؛ إذ المراد به سيد الخلق وحبيب الحق ﷺ ، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب.

стр. 7121

﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف. (تولى): فعل ماض، والفاعل كذلك محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿جاءَهُ:﴾ فعل ماض. ﴿الْأَعْمى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء مفعول به، و ﴿أَنْ﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: عبس، وتولى لمجيء الأعمى وهو الأولى. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُدْرِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿لَعَلَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَزَّكّى:﴾ أصله: يتزكى، فقلبت التاء زايا، ثم أدغمت بالزاي، فهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَعْمى،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعلّ)، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿يُدْرِيكَ﴾ الثاني. وقيل: في محل نصب مفعوليه: الثاني، والثالث، وهذا على اعتبار الفعل تعدى إلى ثلاثة مفاعيل بهمزة التعدية. وقيل: المفعول الثاني محذوف، التقدير: وما يدريك أمره، وعاقبة حاله، ويطلعك عليه، وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ جملة مستأنفة، لا محل لها. والمعتمد ما ذكرته أولا. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَذَّكَّرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَعْمى﴾ أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَزَّكّى﴾. ﴿فَتَنْفَعَهُ:﴾ الفاء: للسببية. (تنفعه): فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء، والهاء مفعول به. ﴿الذِّكْرى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق، التقدير: لعل تزكية وتذكرة نافعة له. هذا؛ ويقرأ برفع الفعل (تنفع)، وعليه فالجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى (٧) وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى (١٠)﴾ الشرح: ﴿أَمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أي: كان ذا ثروة، وغنى، فاستغنى عن الإيمان، وعمّا عندك من العلوم، والمعارف؛ التي ينطوي عليها القرآن. ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أي: تتعرض له، وتقبل عليه، وتصغي لكلامه. قال الراعي النميري: [الطويل] تصدّى لوضّاح كأنّ جبينه... سراج الدّجى يحني إليه الأساور الأساور-جمع: الإسوار بكسر الهمزة، وضمها-: قائد الفرس. وقيل: هو الجيد الرمي بالسهام. وقيل: هو الجيد الثبات على ظهر الفرس، والجمع: أساورة، وأساور.

стр. 7122

﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ أي: لا يؤمن، ولا يهتدي، وإنما عليك البلاغ، ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ والمعنى لا حرج عليك أن لا يتطهر من دنس الكفر، والفجور، والعصيان، ولست بمطالب بهدايته. قال الآلوسي-﵀: وفيه مزيد تنفير له ﷺ عن مصاحبتهم، فإن الإقبال على المدبر مخل بالمروءة كما قال الشاعر: [البسيط] والله لو كرهت كفّي مصاحبتي... يوما لقلت لها عن صحبتي بيني ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى:﴾ يسرع في طلب الخير، والعلم، ويريد الهداية، والمزيد منها. ﴿وَهُوَ يَخْشى:﴾ يخاف الله، ويتقيه، ويعمل صالحا. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ أي: تعرض عنه بوجهك، وتتشاغل عنه بغيره. هذا؛ والتلهي من اللهو، وهو اللعب. قال الحارث بن حلزة في معلقته رقم [١٥]: في وصف ناقته التي يقطع بها الصحاري، والقفار: [الخفيف] أتلهّى بها الهواجر إذ ك... لّ ابن همّ بليّة عمياء وهذا المعنى غير مراد بالآية قطعا؛ لأنه لا يليق بمقام النبوة. هذا؛ وأصل تلهى: تتلهى، فحذفت منه إحدى التاءين تخفيفا، ومثله: ﴿تَصَدّى﴾ أصله: تتصدى، وهذا الحذف كثير في العربية شعرا، ونثرا. قال ابن كثير: ومن هاهنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ ألاّ يخصّ بالإنذار أحدا، بل يساوي فيه بين الشريف، والضعيف، والفقير، والغني، والسادة، والعبيد، والرجال، والنساء، والصغار، والكبار، ثم الله يهدي به من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة. انتهى. ورحم الله الإمام مالكا؛ إذ قال للمنصور: إن هذا العلم لا ينتفع به الخاصة؛ إذا حرمه العامة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَمّا:﴾ أداة شرط، وتوكيد، وتفصيل، انظر الآية رقم [٣٧] من سورة (النازعات). ﴿مَنِ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْتَغْنى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأَنْتَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب ﴿أَمّا﴾. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَصَدّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (أنت...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنِ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿يَزَّكّى:﴾ فعل مضارع منصوب ب: (أن)، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿مَنِ﴾ أيضا، و (أن)

стр. 7123

والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ مؤخر، التقدير: عدم تزكيته ما كائن، أو ما حرج، ولا مؤاخذة عليك بسببها، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَصَدّى،﴾ والرابط: الواو، والضمير. هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) استفهامية مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، واعتبار الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف في محل رفع خبره، واعتبار المصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: أي شيء عليك في كونه لا يفلح، ولا يتطهر من دنس الكفر؟! وهذا يعني: أن الجار، والمجرور متعلقان ب: (ما) الاستفهامية لما فيها من معنى الفعل، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، وعلى هذا الوجه من الاعتبار لا تكون الجملة في محل نصب حال، بل هي مستأنفة؛ لأن الحال لا تكون جملة إنشائية، والاستفهام إنشاء. ومثل هذه الآية في وجهي الإعراب قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٣]: من كتابنا: «فتح رب البرية» والشاهد رقم [٨١٣]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألاّ يجاورنا إلاّك ديّار ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ:﴾ هو مثل الآية رقم [٥]. ﴿يَسْعى:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى (من)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿جاءَكَ،﴾ والرابط: الضمير فقط. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿يَخْشى﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَسْعى﴾ فهي حال متداخلة، أو من فاعل ﴿جاءَكَ﴾ فهي حال متكررة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى:﴾ مثل: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ محلا وإعرابا. والله الموفق، والمعين. ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع؛ أي: لا تعد إلى مثل ذلك يا محمد! وانظر الآية رقم [١٦]: من سورة (المدثر). ﴿إِنَّها﴾ أي: الآيات، أو السورة، أو القرآن كله. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ موعظة، وتذكير، وتبصرة لمن يتعظ، ويتذكر. ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أي: اتعظ، وتذكر بالقرآن. قال الجرجاني: ﴿إِنَّها﴾ أي: القرآن، والقرآن مذكر؛ إلا أنه لما جعل القرآن تذكرة؛ أخرجه على لفظ التذكرة، ولو ذكّره لجاز، كما قال في موضع آخر: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ سورة (المدثر) رقم [٥٤]. انظرها هناك فالكلام عليها جيد. قال المفسرون: كان النبي ﷺ بعد هذا العتاب لا يعبس في وجه فقير قط، ولا يتصدى لغني أبدا، وكان الفقراء في مجلسه أمراء، وكان إذا دخل ابن أم مكتوم؛ يبسط له رداءه، ويقول: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي». ثم بعد هذا البيان أخبر عن جلالة قدر القرآن، فقال: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ أي: هو في صحف مكرمة عند الله. وقيل: مكرمة؛ لأنها نزل بها كرام

стр. 7124

الملائكة: جبريل، وميكائيل، وغيرهما. ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ:﴾ رفيعة القدر عند الله، ومكانتها عالية، منزهة عن أيدي الشياطين، وعن كل دنس ونقص. ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أي: بأيدي ملائكة كرام، جعلهم الله سفراء بينه، وبين رسله الذين اصطفاهم للتبليغ، فهم بررة، لم يتدنسوا بمعصية قط. و ﴿بَرَرَةٍ﴾ جمع: بار، مثله: كافر، وكفرة، وساحر، وسحرة. وفاجر، وفجرة. يقال: بر، وبار: إذا كان أهلا للصدق، ومنه بر فلان في يمينه؛ أي: صدق، وفلان يبر خالقه، ويتبرره؛ أي: يطيعه. فمعنى بررة مطيعين لله، صادقين لله في أعمالهم. هذا؛ وفي الصحاح: وجمع البر: الأبرار، وجمع البار: البررة، انتهى. قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٥]: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ..﴾. إلخ. وفي سورة (الانفطار) و (المطففين) ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. وروى أبو صالح عن ابن عباس-﵄-قال: ﴿سَفَرَةٍ:﴾ كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد في الأسفار؛ التي هي الكتب، واحدهم: سافر، والكتاب: هو السفر، وجمعه: أسفار. قال تعالى في سورة (الجمعة) رقم [٥] في حق علماء اليهود اللؤماء: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾. قال الزجاج: وإنما قيل للكتاب: سفر (بكسر السين) وللكاتب: سافر؛ لأن معناه: أنه يبين الشيء ويوضحه، يقال: أسفر الصبح: إذا أضاء، وسفرت المرأة: إذا كشفت النقاب عن وجهها. قال: ومنه: سفرت بين القوم، أسفر سفارة: أصلحت بينهم. وقاله الفراء، وأنشد قول القائل: [الوافر] فما أدع السّفارة بين قومي... ولا أمشي بغشّ إن مشيت والسفير: الرسول، والمصلح بين القوم. والجمع: سفراء، مثل: فقيه، وفقهاء. هذا؛ واليد تستعمل في الأصل للجارحة، وتطلق ويراد بها: القوة، والقدرة. قال تعالى في سورة (الذاريات): ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ وخذ قول عروة بن حزام العذري-وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] وحمّلت زفرات الضّحى فأطقتها... ومالي بزفرات العشيّ يدان قال تعالى في سورة (يس) رقم [٧١]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ كما تطلق على النعمة، والمعروف، يقال: لفلان يد عندي. أي: نعمة، ومعروف، وإحسان. وتطلق على الحيلة والتدبير، يقال: لا يد لي في هذا الأمر؛ أي: لا حيلة لي فيه، ولا تدبير. وينبغي أن تعلم: أن (الأيد) في آية (الذاريات) مفرد، وليس بجمع، ومثلها قوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٧]: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. وينبغي أن تعلم: أن تفسير اليد بالقوة في سورة (الذاريات) وغيرها، إنما هو قول الخلف، وأما السلف؛ فإنهم يقولون: لله يد لا نعلمها. أو يقولون: له يد تليق به. ومذهب الخلف مذهب التأويل، ومذهب السلف مذهب التفويض.

стр. 7125

الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِنَّها:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، و (ها): اسمها. ﴿تَذْكِرَةٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع، أو هي الفصيحة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، تقديره: «هو». ﴿ذَكَرَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجح لدى المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة بعده صلته، وجملة: ﴿ذَكَرَهُ﴾ في محل رفع خبره، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين في الفاء؛ لأنها معترضة بين ما قبلها، وما بعدها. ﴿فِي صُحُفٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿تَذْكِرَةٌ،﴾ أو في محل نصب حال من الهاء، أو هما متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو، أو هي، وتعود الجملة الاسمية لتكون صفة ﴿تَذْكِرَةٌ،﴾ أو في محل نصب حال من الهاء. وقال الجلال: خبر ثان؛ لأنها، وما قبلها اعتراض. ﴿مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ:﴾ صفات ﴿صُحُفٍ﴾. ﴿بِأَيْدِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة رابعة ل: ﴿صُحُفٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. هذا؛ وتعليق أبي البقاء الجار، والمجرور بما تعلق به ﴿فِي صُحُفٍ﴾ لا وجه له ألبتة؛ لأن المعنى لا يؤيده. و (أيدي) مضاف، و ﴿سَفَرَةٍ﴾ مضاف إليه، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: (بأيدي ملائكة سفرة). ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ:﴾ صفتان ل: «ملائكة» المقدر. ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣)﴾ الشرح: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ أي: لعن الإنسان الكافر، وطرد من رحمة الله ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه، وأياديه عنده! قال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: والآية دعاء عليه بأشنع الدعوات، وأفظعها، وتعجيب من إفراطه في الكفر، والعصيان، وهذا في غاية الإيجاز، والبيان. وأصل ﴿قُتِلَ﴾ الدعاء بالقتل، والهلاك، ثم جرى مجرى: لعن، وقبح. وهو مع اختصاره يدل على سخط عظيم، وذم بليغ. هذا؛ وروى الضحاك عن ابن عباس-﵄-قال: نزلت الآيات في عتيبة بن أبي لهب، وكان من قصته: أنه كان قد خطب أم كلثوم بنت النبي ﷺ ، ولم يدخل بها، وكان نكاح

стр. 7126

المشرك للمسلمة غير ممنوع في صدر الإسلام، ثم حرمه الله تعالى بقوله: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ الآية رقم [٢٢٠]: من سورة (البقرة)، وبقوله تعالى في صلح الحديبية: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الآية رقم [١٠]: من سورة (الممتحنة)، فلمّا نزلت سورة: (المسد)، قال عتيبة لعنه الله، وقد أراد الذهاب إلى الشام: لآتين محمدا، فلأوذينه في ربه، فأتاه، فقال: يا محمد! هو كافر بالنجم. وفي رواية: برب النجم إذا هوى، وبالذي دنا، فتدلى، ثم بصق في وجه النبي ﷺ ، ورد عليه ابنته، فقال النبي ﷺ : «اللهم ابعث عليه كلبا من كلابك». وكان أبو طالب حاضرا، فوجم لها أبو طالب. وقال: «ما أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة؟» فرجع عتيبة إلى أبيه، فأخبره بذلك، ثم خرج إلى الشام في جماعة، فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من دير، فقال لهم: إن هذه الأرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: إنكم قد عرفتم نسبي، وحقي، فقالوا: أجل يا أبا لهب! فقال: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عليه، ثم افرشوا لكم حوله، ففعلوا، ثم جمعوا جمالهم، وأناخوها، وأحدقوا بعتيبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة، فقتله، وفي رواية فضخ رأسه، فقال وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم: إن محمدا أصدق الناس لهجة! ومات؟ فقال أبوه: قد عرفت والله ما كان يتفلت من دعوة محمد ﷺ . انتهى. زيني دحلان. ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي: من أي شيء خلق الله هذا الكافر، فهو يتكبر، ويتعاظم بنفسه؟! وهو استفهام معناه التقرير، والتحقير لأصله. ثم بين الله ذلك بقوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ يعني: خلقه أطوارا، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة إلى آخر خلقه. وقيل: (قدره) يعني: خلق رأسه، وعينيه، ويديه، ورجليه على قدر ما أراده، وحسنا، ودميما، وقصيرا، وطويلا، وشقيا، وسعيدا، وسواه إنسانا كاملا، كما قال تعالى في سورة (الكهف) حكاية عن قول الصاحب المؤمن لقول صاحبه الكافر الجاحد نعمة الله عليه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ رقم [٣٧]: من سورة (الكهف). قال الأحنف بن قيس-رحمه الله تعالى-: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! وينسب هذا القول إلى الحسن البصري أيضا. ونظر المطرف بن عبد الله إلى المهلب بن أبي صفرة، وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء؛ فقال له: يا أبا عبد الله! ما هذه المشية التي يبغضها الله، ورسوله؟! فقال له: أما تعرف من أنا؟ قال له: بلى أعرفك، أوّلك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ:﴾ قال ابن عباس-﵄: يسره للخروج من بطن أمه. هذا؛ وثبت: أن رأس المولود في بطن أمه من فوق، ورجليه من تحت. فهو في بطن أمه على الانتصاب فإذا جاء وقت خروجه؛ انقلب بإلهام من الله تعالى. انتهى. الفخر الرازي. وقال

стр. 7127

مجاهد: يسره لطريق الخير، أو الشر؛ أي: بين له ذلك، كما قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٣]: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾. وقاله الحسن، وعطاء، وابن عباس في رواية أبي صالح عنه. وقال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له، وقدره عليه، ودليله قول النبي ﷺ : «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له». ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعل له قبرا يوارى فيه إكراما له، ولم يجعله ممّا يلقى على وجه الأرض، تأكله الطير، والوحوش، والبهائم، ولذلك لما قتل قابيل أخاه هابيل، فلم يدر كيف يواري جثته؟ حمله على عاتقه؛ حتى أنتن، فبعث الله إليه غرابين، فاقتتلا؛ حتى قتل أحدهما الآخر، ثم حفر القاتل حفرة بمنقارة، ورجليه، ثم ألقاه فيها، وواراه التراب، وقابيل ينظر، فلما رأى ذلك من فعل الغراب؛ فعل بأخيه هابيل مثل ذلك، فواراه التراب، وذلك سنة متبعة في بني آدم إلى يوم القيامة. هذا؛ و (أقبره) جعل له قبرا، وأمر أن يقبر. وقال (أقبره): ولم يقل: قبره؛ لأن القابر هو الدافن بيده. قال الأعشى: [السريع] لو أسندت ميتا إلى نحرها... عاش ولم ينقل إلى قابر يقال: قبرت الميت: إذا دفنته، وأقبره الله؛ أي: صيره بحيث يقبر، وجعل له قبرا. تقول العرب: بترت ذنب البعير، وأبتره الله، وعضبت قرن الثور، وأعضبه الله، وطردت فلانا، والله أطرده؛ أي: صيره طريدا. وانظر سورة (التكاثر). ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ أي: أحياه بعد موته، وبعثه للحساب، والجزاء. هذا؛ ويقرأ: «(شاء نشره)» بغير همزة لغتان فصيحتان بمعنى، يقال: أنشر الله الميت، ونشره. قال الأعشى: [السريع] حتى يقول النّاس ممّا رأوا... يا عجبا للميّت النّاشر هذا؛ والتعبير بقوله تعالى: ﴿إِذا شاءَ﴾ إشعار بأن وقت المشيئة غير معلوم، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك، فإنها تعلم أوقاتها من بعض الوجوه، فلم تفوض إلى مشيئته تعالى. ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ أي: ليرتدع، وينزجر الكافر عن تكبره، وتجبره، فإنه لم يؤد ما فرض عليه، ولم يفعل ما كلفه به ربه من الإيمان، والطاعة. وكان ابن عباس-﵄ يقول: لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم. فهو يعني ما ذكر في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ..﴾. إلخ. هذا؛ و «أمر» يتعدى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وتارة يتعدى للثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن، انظر سورة (المطففين) رقم [٣] وأيضا نصح، وشكر. فمثال «استغفر»، وقد نصب مفعولين صريحين قول الشاعر: [البسيط]

стр. 7128

أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والعمل ومثال «أمر» وقد نصب مفعولين صريحين قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي-﵁ -وهو الشاهد رقم [٤٨٥]: من كتابنا: «فتح رب البرية»، والشاهد رقم [٥٩٧]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: إعراب شواهد مغني اللبيب-: [البسيط] أمرتك الخير فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب وتقول: نصحتك، ونصحت له، وشكرتك، وشكرت لك. هذا؛ والأمر من: أمر مر، وأصله: اؤمر، لكن لم يستعمل على الأصل، وحذفت الهمزتان تخفيفا لاجتماع الضمات، وهذا الحذف واقع في الأمر المأخوذ من: أخذ، وأكل أيضا، فيقال: خذ، وكل، وقد قالوا: اؤمر، واؤخذ، فاستعملا على الأصل، ومنه (اؤمر) في الآية رقم [١٩٩] من سورة (الأعراف)، ورقم [١٣٢]: من سورة (طه)، ورقم [١٧] من سورة (لقمان). تنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي: ليحكم ما قد علم أنه يكون كائنا، أو ليتم أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه؛ فهو مفعول لا محالة. انتهى. والماضي: قضى، والمصدر «قضاء» بالمد؛ لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه (قضي). بفتح الياء، فقلبت ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع ألفان، فأبدلت الثانية همزة، فصار: قضاء ممدودا، وجمع القضاء: أقضية كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٧٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الخفيف] وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول ويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾. وبمعنى العلم، تقول: قضيت بكذا؛ أي: أعلمتك به. وبمعنى الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾. وبمعنى الفعل، قال تعالى حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾. وبمعنى الإرادة، وهو كثير، كقوله تعالى: ﴿فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وبمعنى الموت كقوله تعالى حكاية عن قول أهل النار: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾. وانظر معنى الآية التي نحن بصدد شرحها. وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ. وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾. وبمعنى الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ المراد، والأرب. قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾. وبمعنى وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها مما عليه من ديون. انتهى. قسطلاني شرح البخاري بتصرف. وأضيف: أنه يكون بمعنى أوحينا، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ﴾ إلخ.

стр. 7129

قال القرطبي-﵀: فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني، فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر؛ فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك قد عصيت ربك، وبانت منك! فقال الرجل: قضى الله ذلك عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك؛ أي: ما أمر الله به، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾. انتهى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿قُتِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما أَكْفَرَهُ:﴾ ﴿ما:﴾ نكرة تامة بمعنى شيء مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَكْفَرَهُ:﴾ فعل ماض جامد مبني على الفتح، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «هو» يعود إلى ﴿ما،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿ما﴾. هذا؛ وأجيز اعتبار ﴿ما﴾ استفهامية في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبرها، التقدير: أي شيء دعاه إلى الكفر؟ وعلى الوجهين فالجملة اسمية، وهي مستأنفة، لا محل لها. وهناك أوجه أخر في إعراب هذه الجملة ضربت عنها صفحا للاختصار. ﴿مِنْ أَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و ﴿أَيِّ:﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل محذوف، أو هو ضمير يعود إلى (الله)، وهو غير مذكور، لكنه مفهوم من المقام، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله، والفاعل مثل سابقه مفهوم من المقام، والجملة الفعلية بدل من سابقتها، وبيان لها. هذا؛ وإن اعتبرت الجار، والمجرور ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ بدلا مما قبلهما؛ فالجملة الفعلية تكون مستأنفة، لا محل لها، وجملة: (قدره) معطوفة عليها على الوجهين المعتبرين فيها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿السَّبِيلَ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده. هذا؛ وقيل: إن الضمير للإنسان، و ﴿السَّبِيلَ﴾ ظرف مكان، أو هو مفعول ثان للفعل المفسر بما بعده، التقدير: يسره السبيل، وعلى هذا فالفعل يتضمن معنى: أعطى. وتقدم مثله في قوله تعالى: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ الآية رقم [٣] من سورة (الدهر). ﴿يَسَّرَهُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والفاعل يعود إلى (الله)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، وجملة: ﴿أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ معطوفتان أيضا. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والمفعول محذوف، التقدير: شاء نشره، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وجملة (أنشره) جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها معطوف على ما قبله، لا محل له مثله، ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر للإنسان عما هو عليه من التكبر، والتجبر، والترفع، والإصرار على إنكار التوحيد، وإنكار البعث والحساب. هذا؛ وقيل: ﴿كَلاّ﴾

стр. 7130

بمعنى: حقّا. ﴿لَمّا:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: (ما) زائدة مثل قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ وقوله: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ وهذا يعني: أن اللام للأمر، وهي مكسورة، ولم يقرأ أحد بذلك. ﴿يَقْضِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمّا،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿أَمَرَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والعائد محذوف، التقدير: الذي أمره الله به. وجملة: ﴿كَلاّ لَمّا..﴾. إلخ مستأنفة. تنبيه: لقد رأيت: أن الفاعل في الأفعال الثمانية المتقدمة المذكورة قد عاد إلى غير مذكور لفهمه من سياق الكلام، والمقام يدل عليه، وهذا مستعمل في القرآن الكريم، والكلام العربي، من ذلك قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ،﴾ وفي سورة (ص) رقم [٣٢]، وفي سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام رقم [٤٤]، وفي سورة (لقمان) رقم [١٦]، وسورة (النساء) رقم [٤٠]، وفي سورة (القيامة) رقم [٢٦] انظر هذه الآيات في محالها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؟ ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)﴾ الشرح: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لماذا ذكر الله جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان؛ ذكر ما يسر من رزقه؛ أي: فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر؛ أي: ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش؛ ليستعد بها للمعاد، وروي عن الحسن، ومجاهد قالا: أي: فلينظر إلى مدخل الطعام، ومخرجه. وروى ابن أبي خيثمة عن الضحاك بن سفيان الكلابي قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا ضحّاك ما طعامك؟». قلت: يا رسول الله! اللحم، واللبن. قال: «نعم يصير إلى ماذا؟». قلت: إلى ما قد علمته! قال: «فإنّ الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدّنيا». وقال أبي بن كعب-﵁: قال النبي ﷺ : «إن مطعم ابن آدم، جعل مثلا للدّنيا وإن قزّحه، وملّحه، فانظر إلى ما يصير». والمعنى: إن المطعم، وإن تكلف الإنسان التنوق في صنعته، وتطييبه، فإنه عائد إلى حال يكره، ويستقذر، فكذلك الدنيا المحروص على عمارتها، ونظم أسبابها راجعة إلى خراب وإدبار. انتهى. قرطبي. والمراد بالإنسان: ابن آدم. ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا:﴾ المراد: المطر الذي ينزل من السماء، والذي يتسبب عنه النبات في الأرض. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا:﴾ فيخرج منها النبات على اختلاف أنواعه، ومنافعه. فقيل: هو

стр. 7131

من باب الإسناد الحقيقي. وقيل: بل هو من باب الإسناد المجازي من باب إسناد الفعل إلى السبب. ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ أي: الحبوب التي يتغذى منها الإنسان، كالقمح، والشعير، والذرة، ونحو ذلك. ﴿وَعِنَباً:﴾ وهذا غذاء من وجه، وفاكهة من وجه، فلهذا أتبعه الحبّ. ﴿وَقَضْباً:﴾ هو القت، وهو الرطب سمي بذلك؛ لأنه يقتضب؛ أي: يقطع في كل الأيام، كالبقول: التي تقضب مرة بعد مرة. وقال ابن عباس-﵄: هو الرطب؛ لأنه يقضب من النخل، ولأنه ذكر بعد العنب. وقال الخليل: القضب: الفصفصة الرطبة. ﴿وَزَيْتُوناً﴾ أي: شجرة الزيتون؛ التي يستخرج منها الزيت، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٠] من سورة (المؤمنون). ﴿وَنَخْلاً﴾ أي: شجر النخيل. ﴿وَحَدائِقَ﴾ أي: بساتين، واحدها: حديقة. قال الكلبي: كل شيء أحيط عليه من نخيل، أو شجر؛ فهو حديقة، وما لم يحط عليه؛ فليس بحديقة. ﴿غُلْباً:﴾ عظاما شجرها. يقال: شجرة غلباء، ويقال: الغلب الشجر الملتف بعضه على بعض. ويقال للأسد: الأغلب؛ لأنه مصمت العنق، لا يلتفت إلا جميعه. قال العجاج: [الرجز] ما زلت يوم البين ألوّي صلبي... والرّأس حتّى صرت مثل الأغلب ورجل أغلب بين الغلب: إذا كان غليظ الرقبة. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب، فاستعير. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي-﵁: [الكامل] يمشي بها غلب الرّقاب كأنّهم... بزل كسين من الكحيل جلالا والكحيل: نوع من القطران، تطلى به الإبل الجرب، ولا يستعمل إلا مصغرا. ﴿وَفاكِهَةً:﴾ يعني: جميع ألوان الفاكهة التي خلقها الله للتفكه، والتلذذ. ﴿وَأَبًّا﴾ يعني: الكلأ، والمرعى؛ الذي لم يزرعه الناس مما يأكله الدواب، والأنعام. وقال ابن عباس، والحسن-﵄: الأب: كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، وما يأكله الآدميون هو الحصيد، ومنه قول الشاعر في مدح النبي ﷺ : [الطويل] له دعوة ميمونة ريحها الصّبا... بها ينبت الله الحصيدة والأبّا وقال إبراهيم التيمي: سئل أبو بكر-﵁-عن تفسير الفاكهة، والأب، فقال: أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وقال أنس-﵁: سمعت عمر بن الخطاب-﵁-قرأ هذه الآية، ثم قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا بن أم عمر ألا تدري ما الأب؟! ثم قال: اتبعوا ما بيّن لكم من هذا الكتاب، وما لا؛ فدعوه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «خلقتم من سبع، ورزقتم من سبع، فاسجدوا لله على سبع». وإنّما أراد: بقوله: «خلقتم من سبع». يعني: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... إلخ

стр. 7132

الآيات من سورة (المؤمنون) رقم [١٣ و ١٤]. والرزق من سبع، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً..﴾. إلخ. وانظر استدلال ابن عباس-﵄-بهذه الآيات، وبآيات سورة (المؤمنون) رقم [١٣ و ١٤]: على ليلة القدر في سورة (المؤمنون). ﴿مَتاعاً لَكُمْ﴾ يعني، الفواكه، والحب بأنواعه رزق لكم. والكلأ بأنواعه رزق لبهائمكم، وحيواناتكم. قال ابن كثير: وفي هذه الآيات امتنان على العباد، وفيها استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاما بالية، وأوصالا متقطعة متفرقة. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿فَلْيَنْظُرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. اللام: لام الأمر. (ينظر): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلى طَعامِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَنّا:﴾ (أنّ): حرف مشبه بالفعل، و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿صَبَبْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْماءَ:﴾ مفعول به. ﴿صَبًّا:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بدل اشتمال من ﴿طَعامِهِ﴾. وقيل: على تقدير اللام، أي: لأنا، والأول أقوى. هذا؛ وقرئ بكسر الهمزة، وعليه: فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وجملة: ﴿شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها، وأيضا جملة: (أنبتنا فيها حبا) معطوفة عليها، والإعراب مثلها بلا فارق. ﴿وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً..﴾. إلخ: الأسماء كلها معطوفة على ﴿حَبًّا،﴾ و ﴿غُلْباً:﴾ صفة (حدائق). ﴿مَتاعاً:﴾ مفعول مطلق عامله محذوف، التقدير: تمتعون به تمتيعا. وانظر سورة (النازعات) رقم [٣٣]، أو هو مفعول لأجله، عامله محذوف، التقدير: فعل ذلك متاعا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال، أو هي مستأنفة، لا محل لها، وهو أقوى. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَتاعاً،﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (لأنعامكم): معطوفان على ما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ الشرح: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لما ذكر أمر المعاش؛ ذكر أمر المعاد؛ ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما امتن الله به عليهم، و ﴿الصَّاخَّةُ﴾ الصيحة التي تكون عنها القيامة، وهي النفخة الثانية، تصيخ الأسماع؛ أي: تصمها، فلا تسمع إلا ما يدعى به للأحياء. هذا؛ وانظر ما ذكرته في ﴿الطَّامَّةُ﴾ في سورة (النازعات) رقم [٣٤].

стр. 7133

هذا؛ وذكر ناس من المفسرين؛ قالوا: تصيخ لها الأسماع؛ من قولك: أصاخ إلى كذا؛ أي: استمع إليه، ومنه الحديث: «ما من دابة إلاّ وهي مصيخة يوم الجمعة شفقا من السّاعة إلا الجنّ والإنس». قال الشاعر: [السريع] يصيخ للنّبأة أسماعه... إصاخة النّاشد للمنشد وأيضا قول الآخر، وهو الشاهد رقم [١٨]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الكامل] فأصاخ يرجو أن يكون حيا... ويقول من فرح: هيا ربّا والمعتمد القول الأول في تفسير ﴿الصَّاخَّةُ،﴾ فإنها بمعنى: الداهية مثل: ﴿الطَّامَّةُ﴾. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ..﴾. إلخ أي: إنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله بنفسه. والمراد من الفرار: التباعد، والسبب في ذلك الاحتراز عن المطالبة بالحقوق، فالأخ يقول: ما واسيتني بمالك. والأبوان يقولان: قصرت في برنا، وحقوقنا. والصاحبة تقول: لم توفني حقي. والبنون يقولون: ما علمتنا. وقيل: يفر المؤمن من موالاة هؤلاء، ونصرتهم. والمعنى: أن هؤلاء الذين كانوا يقربونهم في الدنيا، ويتقوون بهم، ويتعززون بهم يفرون منهم في الدار الآخرة، وفائدة الترتيب كأنه قيل: يوم يفر المرء من أخيه بل من أبويه؛ لأنهما أقرب من الأخوة، بل من الصاحبة والولد؛ لأن تعلقه بهما أشد من تعلقه بالأبوين. وانظر سورة (المعارج) رقم [١٢ و ١٣ و ١٤]: تجد ما يسرك. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي: حالة تشغله عن غيره؛ لعلمه: أنهم لا ينفعونه، ولا يغنون عنه شيئا، كما قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [٤١]: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [٣٣]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وعن عائشة-﵂. قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة، عراة، غرلا». قلت: يا رسول الله! الرجال، والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: «يا عائشة! الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض». أخرجه مسلم. وخرج الترمذي عن ابن عباس-﵄: أن النبي ﷺ قال: «يحشرون حفاة عراة غرلا». فقالت امرأة: أينظر بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». هذا؛ ويقرأ: «(يغنيه)» أي: يصرفه ويصده عن قرابته. هذا؛ والأغرل: الأقلف، والغرلة: هي الجلدة التي تزال عند ختان الذكر، والأنثى، ويقال لها: القلفة، والمراد: أن ابن آدم يحشر يوم القيامة تام الأجزاء كما ولد، فإن قطع شيء من جسده يعاد إليه يوم القيامة.

стр. 7134

هذا؛ وأما كلمة (امرئ) فأصلها: المرء، ولما كثر استعمالهم لها حتى أصبحت تستعمل للدلالة على الإنسان، وعلى الحيوان مجازا، وكان الهمز في آخرها ثقيلا بعد السكون خففوها بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الراء، فقالوا: المرء، وبذلك أشبهت الراء منها النون من (ابن) في تلقي حركات الإعراب، ولإعلالهم هذه الكلمة كثيرا بحذف الهمز، شبهوها بما حذف آخره، نحو (اسم، ابن، است) فجبروها بهمزة وصل في حالة التنكير، ثم ردوا إليها الهمزة، فقالوا: امرؤ، وبذلك أصبحت تعرب من مكانين، فتظهر حركات الإعراب فيها على الراء، والهمزة، فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرءا، ومررت بامرئ. قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ،﴾ ﴿ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ،﴾ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾. هذا؛ ومثل (امرئ) كلمة (ابن) إذا زيدت في آخرها (ما) فإن حركة الإعراب تظهر على النون، والميم، فتقول: حضر ابنم، ورأيت ابنما، ومررت بابنم، ولا ثالث لهما في اللغة العربية، فاحفظه؛ فإنه جيد. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ﴾ انظر الآية رقم [٣٤] من سورة (النازعات). فالإعراب مثله بلا فارق، وجواب (إذا) محذوف، دل عليه قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ..﴾. إلخ؛ أي: اشتغل كل واحد بنفسه. ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (يوم) إليها. ﴿مِنْ أَخِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَأُمِّهِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أمه): معطوف على ما قبله. ﴿وَأَبِيهِ:﴾ معطوف أيضا مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، ﴿وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ:﴾ معطوفان أيضا على ما قبلهما، وعلامة جر (بنيه) الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في الكل ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿لِكُلِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و (كل) مضاف، و ﴿اِمْرِئٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ﴿اِمْرِئٍ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بالفعل بعده، و (إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة؛ إذ التقدير: يوم إذ تجيء الصاخة. ﴿شَأْنٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿يُغْنِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿شَأْنٌ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿شَأْنٌ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿لِكُلِّ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها، وهي دليل جواب (إذا) كما رأيت، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.

стр. 7135

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ الشرح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ أي: مشرقة مضيئة، قد علمت ما لها من الفوز العظيم، والنعيم المقيم، وهي وجوه المؤمنين؛ الذين عملوا الصالحات، وتسابقوا في الدنيا إلى الطاعات. وقيل: مسفرة من قيام الليل. وقيل: من أثر الوضوء. والأولى التعميم، كما ذكرت أولا. ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ أي: مسرورة، فرحة بما تنال من كرامة الله، ورضوانه. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أي: غبار، ودخان، وكدورة، وكآبة الهم الذي نزل بهم. ﴿تَرْهَقُها:﴾ تعلوها، وتغشاها، ويقال: أرهقه طغيانا؛ أي: أغشاه إياه، وأرهقه إثما؛ حتى رهقه؛ أي: حمله إثما؛ حتى حمله، وأرهقه عسرا: كلفه إياه، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله! أي: لا تعسرني لا أعسرك الله! انتهى. مختار. هذا؛ والرهق: الغشيان، ومنه غلام مراهق: إذا غشي الاحتلام. ورهقه بالكسر، يرهقه رهقا: غشيه. وذلك حين يرفع المؤمنون رؤوسهم؛ ووجوههم أشد بياضا من الثلج، وتسود وجوه الكافرين، والمنافقين؛ حتى ترجع أشد سوادا من القار. ﴿أُولئِكَ﴾ أي: الذين تكون حالتهم، وهيئتهم ما ذكر. ﴿هُمُ الْكَفَرَةُ:﴾ جمع: كافر. ﴿الْفَجَرَةُ:﴾ جمع: فاجر، وهو الكاذب المفتري على الله. هذا؛ والقترة: كسوف، وسواد. وعن ابن عباس-﵄: ذلة، وشدة، والقتر في كلام العرب: الغبار، جمع: القترة. قاله أبو عبيد، وأنشد للفرزدق: [البسيط] متوّج برداء الملك يتبعه... موج ترى فوقه الرّايات والقترا هذا؛ و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف زمان مضاف لظرف آخر، والتنوين في الثاني ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، التقدير: يوم إذ تجيء الصاخة، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت في صه ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في حينئذ وساعتئذ ونحوهما. قال تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٨٤]: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون. الإعراب: ﴿وُجُوهٌ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به التنويع. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و (إذ) ظرف زمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿مُسْفِرَةٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ:﴾ خبران آخران للمبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَوُجُوهٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (وجوه): مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿غَبَرَةٌ﴾ لما فيها من معنى المشتق. وقيل: متعلق بالفعل ﴿تَرْهَقُها،﴾ والأول أقوى. و (إذ) في محل جر بالإضافة، ولا يجوز أن يتعلق الظرف بمحذوف خبر مقدم؛ لأنه ظرف زمان لا يخبر به عن الجثة. قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]

стр. 7136

ولا يكون اسم زمان خبرا... عن جثّة وإن يفد فأخبرا ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿غَبَرَةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (وجوه...) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿تَرْهَقُها:﴾ فعل مضارع، و (ها): مفعول به. ﴿قَتَرَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير فصل، لا محل له. ﴿الْكَفَرَةُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْفَجَرَةُ:﴾ خبر ثان. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ ثانيا، و ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ خبرين عنه؛ فالجملة الاسمية تكون في محل رفع خبر ﴿أُولئِكَ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (عبس) شرحا وإعرابا بعون الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7137

سورة التّكوير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (التكوير) مكية في قول الجميع، وهي تسع وعشرون آية، ومئة وأربع كلمات، وخمسمئة وثلاثون حرفا. وفي الترمذي عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة، كأنه رأي العين، فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿*إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ،﴾ و ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ»﴾. قال: هذا حديث حسن غريب. هذا؛ وذكرت في أول سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: أنّ ابن عباس-﵄-قال: قال أبو بكر-﵁-يا رسول الله! قد شبت! قال: «شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ»﴾. أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن غريب. وفي رواية غيره؛ قال: قلت: (يا رسول الله! عجّل إليك الشيب، قال: «شيّبتني (هود) وأخواتها: (الحاقة) و (الواقعة)، و ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ»﴾. قال بعض العلماء: سبب شيبه ﷺ من هذه السور المذكورة في الحديث، لما فيها من ذكر القيامة، والبعث، والحساب، والجنة والنار. والله أعلم بمراد رسول الله ﷺ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ الشرح: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أظلمت، وغورت. وقيل: اضمحلت، وذهبت. قال ابن كثير: والصواب من القول عندنا في ذلك: أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت، فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك؛ ذهب ضوءها. روي عن ابن عباس-﵄: أنه قال: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث ريحا دبورا، فتضرمها نارا. وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة». أخرجه البخاري. هذا؛ وفي المصباح: كار العمامة كورا من باب: قال، والجمع: أكوار، مثل: ثوب، وأثواب.

стр. 7138

﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ:﴾ انتثرت، مثل قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ وعن ابن عباس-﵄: تساقطت، وتغيرت، فلم يبق لها ضوء لزوالها عن أماكنها. انتهى. قال القرطبي: وذلك: أنها قناديل معلقة بين السماء، والأرض، بسلاسل من نور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة من نور، فإذا جاءت النفخة الأولى؛ مات من في الأرض، ومن في السموات، فتناثرت تلك الكواكب، وتساقطت السلاسل من أيدي الملائكة؛ لأنه مات من كان يمسكها. هذا؛ وسميت النجوم نجوما لظهورها في السماء بضوئها. هذا؛ والأصل في الانكدار: الانصباب. وقال أبو عبيدة: انكدرت انصبت، كما تنصب العقاب إذا كسرت. قال العجاج يصف صقرا: [الرجز] أبصر حرمات فلاة فانكدر... تقضّي البازي إذا البازي كسر ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ يعني: قلعت من الأرض، وسيرت في الهواء، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٤٧]: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٢٠] ففيها الشفاء الكافي لقلبك. والحمد لله. ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ:﴾ النوق الحوامل التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها، واحدتها: عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وبعدما تضع أيضا، ومن عادة العرب أن يسموا الشيء باسمه المتقدم، وإن كان قد جاوز ذلك، يقول الرجل لفرسه، وقد قرح: هاتوا مهري، وقربوا مهري يسميه باسمه المتقدم. قال عنترة: [الكامل] لا تذكري مهري وما أطعمته... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب وخذ قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢]: ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ..﴾. إلخ، وقال جل ذكره فيها أيضا رقم [٥]: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى..﴾. إلخ فإن فيها الدواء الشافي لقلبك، والفضل لله. وإنما خص العشار بالذكر؛ لأنها أعز ما تكون عند العرب، وليس يعطلها أهلها إلا حال القيامة، وهذا على وجه المثل؛ لأن في القيامة لا تكون ناقة عشراء، ولا غيرها، ولكن أراد به المثل. فإذا كان يوم القيامة عطلت، وتركت هملا بلا راع، أهملها أهلها، وقد كانوا ملازمين لأذنابها، ولم يكن مال أعجب إليهم منها؛ لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. هذا؛ ويقال: ناقة عشراء، وناقتان عشراوان، ونوق عشار، وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا على القاعدة في تثنية الممدود، وجمعه. وهي أنفس ما يكون عند أهلها، روي: أن النبي ﷺ مر في أصحابه بعشار من النوق. فغض بصره، فقيل له: هذه أنفس أموالنا؛ فلم لا تنظر إليها؟! فقال: «قد نهاني الله عن ذلك». ثم تلا: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا..﴾. إلخ. الآية رقم [٨٨]: من سورة (الحجر)، ورقم [١٣١]: من سورة (طه).

стр. 7139

﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: جمعت، والحشر: الجمع. وعن ابن عباس-﵄ قال: يحشر كل شيء حتى الذباب. وقال: تحشر الوحوش غدا؛ أي: تجمع حتى يقتص لبعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها: كوني ترابا، فتموت، انظر ما ذكرته في آخر سورة (النبأ) رقم [٤٠]. وقيل: المعنى: أن الوحوش مع نفرتها اليوم من الناس، وتنددها في الصحارى تجمع غدا، وتضم إلى الناس من أهوال ذلك اليوم. ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ:﴾ قال ابن عباس-﵄: أوقدت، فصارت نارا تضطرم. وقيل: فجر بعضها في بعض، العذب، والملح؛ حتى صارت البحار كلها بحرا واحدا. وقيل: صارت مياهها من حميم أهل النار. وقيل: سجرت؛ أي: يبست، وذهب ماؤها، فلم تبق فيها قطرة، انظر ما ذكرته في سورة (الطور) رقم [٦]: والفضل لله العلي القدير. قال أبي بن كعب-﵁: ست آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم؛ إذ ذهب ضوء الشمس، وبدت النجوم، فتحيروا، ودهشوا، فبينما هم كذلك ينظرون إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك؛ إذ وقعت الجبال على الأرض، وتساقطت فتحركت، واضطربت، واحترقت، وفزعت الإنس، والجن، واختلطت الدواب، والطير، والوحش، وماج بعضهم ببعض، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ فحينئذ تقول الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فينطلقون إلى البحر؛ فإذا هو نار تأجج، فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك؛ إذ جاءتهم ريح، فأماتتهم. وعن ابن عباس-﵄-قال: هي اثنتا عشرة خصلة: ستة في الدنيا، وستة في الآخرة، وهي ما ذكر بعد هذه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ..﴾. إلخ والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿إِذَا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿الشَّمْسُ:﴾ نائب فاعل لفعل محذوف، يفسره المذكور بعده، وهذا عند البصريين، وعند الكوفيين فيه ثلاثة أوجه: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: اعتبار ﴿الشَّمْسُ﴾ نائب فاعل مقدما. والثالث: اعتبار ﴿الشَّمْسُ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره. انظر الشاهد رقم [٩٩٠]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والكلام عليه فإنه جيد جدا؛ والحمد الله. ﴿كُوِّرَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محل لها، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الشَّمْسُ،﴾ والجملة الفعلية مفسرة لا محل لها على مذهب البصريين، وهو المعتمد في هذه المسألة، والفعل المحذوف، وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على المشهور المرجوح، وكل الجمل الآتية إعرابها مثلها، وهي جمل متعاطفة، وجواب الجميع قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ ولا تنس: أن الأسماء المتقدمة، بعضها فاعل، وبعضها نائب فاعل.

стр. 7140

﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ:﴾ قال النعمان بن بشير-﵄. قال النبي ﷺ : «يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله». وقال عمر بن الخطاب-﵁: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس-﵄: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة: السابقون زوج، وأصحاب اليمين زوج، وأصحاب الشمال زوج، وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾. وقيل: يلحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهود، والنصراني بالنصارى. وقيل: زوجت النفوس بأعمالها؛ أي: قرنت. وقيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين والمنافقين والفاسقين بالشياطين. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ﴾. هذا؛ وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٢]: من سورة (القيامة). ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ:﴾ الموءودة: المقتولة، وهي الأنثى التي دفنت؛ وهي حية. سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب، فيؤودها؛ أي: يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية تدفن البنات حية مخافة العار، والحاجة. وروي عن ابن عباس-﵄ قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت، وكان أوان ولادتها قد قرب؛ حفرت حفيرة، فتمخضت على رأس الحفيرة، فإن ولدت جارية؛ رمت بها في الحفيرة، وردت التراب عليها، وإذا ولدت غلاما؛ حبسته. وقيل: كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت له بنت، وأراد بقاءها حية ألبسها جبة صوف، أو شعر، وتركها ترعى الإبل، والغنم في البادية، وإذا أراد تركها حتى تشب، فإذا بلغت قال: لأمها طيبيها، وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري فيها، فإذا نظرت فيها دفعها من ورائها، ويهيل عليها التراب؛ حتى تسوى بالأرض، انظر ما ذكرته في سورة (النحل) رقم [٥٨] وما بعدها تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر ما ذكرته في سورة (الأنعام) رقم [١٤٠]. هذا؛ وكان ذوو الشرف من العرب يمتنعون من وأد البنات، ويمنعون منه حتى افتخر به الفرزدق، فقال: [المتقارب] وجدّي الّذي منع الوائدات... فأحيا الوئيد فلم توأد يريد جده صعصعة، كان يشتريهن من آبائهن، فجاء الإسلام، وقد أحيا صعصعة سبعين موءودة. وقال قتادة: كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته، ويغذو كلبه، فعاتبهم الله على ذلك، وتوعدهم بقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ﴾.

стр. 7141

هذا؛ وجاء قيس بن عاصم المنقري-﵁-إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية. قال: «فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة». قال: يا رسول الله! إني صاحب إبل. قال: «فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت». هذا؛ وقوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل؛ إذا ضرب: لم ضربت، وما ذنبك؟! هذا؛ ويقرأ: «(وإذا الموءودة سألت)». وعليه فالمعنى: تتعلق الجارية بأبيها، فتقول: بأي ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر. وختاما: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفيه دليل بيّن على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب. ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير، وشر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، ولو كان في الدنيا لم يقرأ، ولم يكتب، ومهما كانت لغته، فيقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). فعند ذلك يقول، كما حكى الله: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ رقم [٤٩]: من سورة (الكهف). هذا؛ ويقرأ: (نشرت) بتشديد الشين، وتخفيفها. ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أي: نزعت، وطويت. وقيل: قلعت كما يقلع السقف. وقيل: كشفت، وأزيلت عمن فيها. انتهى. خازن. وقال القرطبي: الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط، ككشط الجلد عن الكبش، وغيره، والقشط: لغة فيه، وقرئ بالقاف، وهي قراءة شاذة، فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل: تطوى كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ الآية رقم [١٠٤]: من سورة (الأنبياء). ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ:﴾ أوقدت، فأضرمت للكفار، وزيد في إحمائها. قال قتادة: سعّرها غضب الله، وخطايا بني آدم. وفي الترمذي: عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة؛ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، كالليل المظلم». وروي الحديث موقوفا على أبي هريرة. وعن أنس-﵁-قال: تلا النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ فقال: «أوقد عليها ألف عام؛ حتّى احمرّت، وألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتّى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها». رواه البيهقي، والأصبهاني. ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ:﴾ أدنيت، وقربت من المتقين، كما قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. قال الحسن البصري: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ:﴾ يعني عند ذلك تعلم كل نفس ما أحضرت من خير، وشر، وفي سورة (الانفطار): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم-﵁-

стр. 7142

قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلاّ وسيكلّمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمان منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدّمه بين يديه، فتستقبله النار؛ فمن استطاع منكم أن يتقي النار، ولو بشقّ تمرة؛ فليفعل». ولا تنس الطباق بين: الجحيم، والجنة، فهو من المحسنات البديعية. وانظر سورة (الانفطار) رقم [٥]. الإعراب: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ..﴾. إلخ: الإعراب مثل الآية الأولى بلا فارق، والجمل المتعاطفة مثلها. ﴿بِأَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي): مضاف، و ﴿ذَنْبٍ﴾ مضاف إليه. ﴿قُتِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، للفعل: (سئل)، والمفعول الأول نائب الفاعل العائد على ﴿الْمَوْؤُدَةُ﴾. ﴿عَلِمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والفعل هنا بمعنى: عرف، يكتفي بمفعول واحد. ﴿أَحْضَرَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: علمت نفس الذي، أو شيئا أحضرته، والجملة الفعلية جواب (إذا) الأولى، وما عطف عليها. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ..﴾. إلخ: اختلف في (لا) على أوجه: أحدها: أن (لا) صلة؛ أي: زائدة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد، ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (الحجر)، وجوابه قوله تعالى: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (القلم)، ومعنى الكلام: أقسم بالخنس. قاله ابن عباس، وابن جبير وأبو عبيدة-﵃، ومثله قول الشاعر: [الطويل] تذكّرت ليلى فاعترتني صبابة... فكاد صميم القلب لا يتقطّع أراد: فكاد صميم القلب يتقطع. وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون: أن المعنى: أقسم. وقال الخازن: وفيه ضعف؛ لأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض، لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير جائز. انتهى. وهو الحق الذي لا محيص عنه. وقال بعضهم: (لا): رد لكلامهم؛ حيث أنكروا الحشر، والنشر، فقال: ليس الأمر كما تزعمون!

стр. 7143

وهذا قول الفراء، فقد قال: وكثير من النحويين يقولون (لا) صلة، ولا يجوز أن يبدأ بجحد (نفي) ثم بجحد يجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك؛ لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه (لا نفي فيه)، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم، وإدخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلام العرب، وأشعارهم. قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب] فلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفر وأيضا قول المتنخل الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٠٨٦] من كتابنا المذكور-: [الوافر] فلا والله نادى الحيّ قومي... هدوّا بالمساءة والعلاط قالوا: وفائدتها تأكيد القسم في الرد كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله، فيجوز حذفها، لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. هذا؛ وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد، فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعلى هذه القراءة، فاللام لام الابتداء، وجملة: (أقسم بالخنس) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بالخنس، ولو أريد به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ، وعن قراءة الباقين بالمد. وانظر ما أذكره في سورة (البلد) عن ابن هشام-رحمه الله تعالى-. هذا؛ و (الخنس الجوار الكنس): هي النجوم تبدو بالليل، فتظهر، وتخنس بالنهار تحت نور الشمس، ونحو هذا المعنى عن علي-كرم الله وجهه، ورضي الله عنه-. وقيل: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجاريها؛ أي: ترجع وراءها في الفلك، وتكنس؛ أي: تستتر وقت اختفائها. وقيل: هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس-﵄. وقيل: هي بقر الوحش. وهو قول ابن مسعود-﵁. والكناس: مكان الظبية؛ التي تأوي إليه. هذا؛ ويقال: خنس عنه، يخنس بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة. والرجل أخنس، والمرأة خنساء. والخنساء: الشاعرة المشهورة لقبت بذلك لما ذكرت، واسمها الحقيقي: تماضر. والجواري جمع: جارية، من: جرى، يجري. وانظر ﴿الْخَنّاسِ﴾ في سورة (الناس). ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ:﴾ إذا أقبل، أو أدبر، فهو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره. قال علقمة بن قرط-وهو قول القرطبي- وقال الزمخشري-وأكده محب الدين الخطيب-هو من قول العجاج: [الرجز] حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا... وانجاب عنها ليلها وعسعسا

стр. 7144

هذا؛ و «عسعسع»: موضع في البادية. قال امرؤ القيس: [الطويل] ألمّا على الربع القديم بعسعسا... كأنّي أنادي، أو أكلّم أخرسا و «عسعس» أيضا: اسم رجل. قال الراجز: [الرجز] وعسعس نعم الفتى تبيّاه أي: تعتمده، ويقال للذئب: العسعس، والعسعاس، والعسّاس؛ لأنه يعس بالليل، ويطلب الطعام، ويقال للقنافذ: العساعس؛ لكثرة ترددها في الليل. هذا؛ وسعسع مثل عسعس في معنييه، فهو مقلوبه. ولا تنس: أن في الكلام استعارة مكنية، فقد شبه الليل بإنسان يقبل، ويدبر، ثم حذف المشبه، وأخذ منه شيئا من لوازمه وهي لفظة ﴿عَسْعَسَ،﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ فيه استعارة مكنية. هذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين، منها ما رأيته من لفظ: عسعس، ومنها لفظ «الغابرين» في كثير من الآيات، فإنه اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، ومنها لفظ «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل ابن شيبان الذهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل] فلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي ومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب] بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل أي: هين، وحقير لا قيمة له، ومنها: «الجون» للأبيض، والأسود. ومنها: «البين» للقرب، والبعد. ومنها: «الصريم» لليل، والنهار. وبهما فسر قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ومنها: «الناصع» للأبيض، والأسود، ومنها: «الناهل» للريّان، والظمآن، و «السليم» للديغ، والصحيح، ومنها: «وراء» بمعنى: خلف، وأمام، وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و «الصارخ» للمغيث، والمستغيث، و «الهاجد» للمصلي في الليل، والنائم، ومنها «الوهدة» للانحدار، والارتفاع، ومنها: «التعزير» للإكرام، والإهانة، و «التقريظ» للمدح والذم، ومنها: «ترب» للغني، والفقير، ومنها: «الإهماد» للسرعة في السير، والإقامة، ومنها: «القرء» للحيض، والطهر. ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه)، وفي الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى،﴾ وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ورقم [٣٢] من معلقته-: [الطويل]

стр. 7145

تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي حيث قيل: إن الفعل بمعنى: أخفوا، وأظهروا. ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ أي: أقبل، وبدا أوله. وقيل: أسفر. وفي تنفسه قولان: أحدهما: أن في إقبال الصبح روحا، ونسيما، فجعل ذلك نفسا على المجاز. الثاني: أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس؛ وجد راحة، فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، حيث شبه إقبال النهار، وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل؛ التي تحيي القلوب. واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس على طريقة الاستعارة التصريحية. وهذا من لطيف الاستعارة، وأبلغها تصويرا؛ حيث عبر عنه بتنفس الصبح. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في الآية رقم [٤٠] من سورة (الحاقة) والمرجح هنا: أن المراد به: جبريل، ﵇، بدليل الآيات الآتية. ﴿ذِي قُوَّةٍ:﴾ هو كقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿شَدِيدُ الْقُوى:﴾ وكان من قوة جبريل ﵊: أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود، وحملها على جناحه حتى سمعت الملائكة صياح الديكة، ثم جعل عاليها سافلها. وكان من قوته: أنه أبصر إبليس-لعنه الله- يكلم عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-على بعض أعقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بقوم صالح، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع من رد الطرف. انتهى. خازن. ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند صاحب العرش ومالكه، وهو الله تعالى. وانظر شرح العرش في الآية رقم [١٧] من سورة (الحاقة). ﴿مَكِينٍ﴾ أي: صاحب منزلة عالية، ومكانة رفيعة عند الله ، فروي عن أبي صالح قال: يدخل جبريل سبعين سرادقا بغير إذن. ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي: تطيعه الملائكة في السموات. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: فرض الله على أهل السموات طاعة جبريل ﵇، كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ﷺ ، ومن طاعة الملائكة له: أنهم فتحوا له السموات السبع ليلة الإسراء، وفتح خزنة الجنة له أبوابها، وكذلك فتح له خزنة النار أبوابها؛ حتى نظر إليها. ﴿أَمِينٍ﴾ أي: على وحي الله؛ لأنبيائه، وخاب الفسقة الفجرة الذين يقولون: إن جبريل تاه؛ حيث كلف بإعطاء الرسالة لعلي بن أبي طالب، فتاه فأعطاها لمحمد ﷺ ، لذا روي: أنهم يقولون في آخر صلاتهم: يا حيفه! يا حيفه! تاه الأمين! تاه الأمين! ويضربون بأيديهم على أفخاذهم، فهذا ختم الصلاة عندهم بدون سلام، فإن كان هذا صحيحا عنهم؛ فهم كفار بلا ريب، ولا شك، واليهود والنصارى أحسن حالا منهم. ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ والخطاب لأهل مكة. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ هذا أيضا من جواب القسم، أقسم الله على أن القرآن نزل به جبريل ﵇، وأن محمدا ﷺ ليس بمجنون، كما
следующие страницы →