Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.
стр. 7141
هذا؛ وجاء قيس بن عاصم المنقري-﵁-إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية. قال: «فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة». قال:
يا رسول الله! إني صاحب إبل. قال: «فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت». هذا؛ وقوله تعالى: ﴿سُئِلَتْ﴾ سؤال الموءودة سؤال توبيخ لقاتلها، كما يقال للطفل؛ إذا ضرب: لم ضربت، وما ذنبك؟! هذا؛ ويقرأ: «(وإذا الموءودة سألت)». وعليه فالمعنى: تتعلق الجارية بأبيها، فتقول:
بأي ذنب قتلتني؟! فلا يكون له عذر. وختاما: قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفيه دليل بيّن على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بذنب.
﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد: صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير، وشر، تطوى بالموت، وتنشر في يوم القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها، ولو كان في الدنيا لم يقرأ، ولم يكتب، ومهما كانت لغته، فيقال له: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ الآية رقم [١٤] من سورة (الإسراء). فعند ذلك يقول، كما حكى الله: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ رقم [٤٩]: من سورة (الكهف). هذا؛ ويقرأ: (نشرت) بتشديد الشين، وتخفيفها.
﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ أي: نزعت، وطويت. وقيل: قلعت كما يقلع السقف. وقيل: كشفت، وأزيلت عمن فيها. انتهى. خازن. وقال القرطبي: الكشط: قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط، ككشط الجلد عن الكبش، وغيره، والقشط: لغة فيه، وقرئ بالقاف، وهي قراءة شاذة، فالسماء تنزع من مكانها كما ينزع الغطاء عن الشيء. وقيل: تطوى كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ الآية رقم [١٠٤]: من سورة (الأنبياء).
﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ:﴾ أوقدت، فأضرمت للكفار، وزيد في إحمائها. قال قتادة: سعّرها غضب الله، وخطايا بني آدم. وفي الترمذي: عن أبي هريرة-﵁، عن النبي ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة؛ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة؛ حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، كالليل المظلم». وروي الحديث موقوفا على أبي هريرة. وعن أنس-﵁-قال: تلا النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ فقال: «أوقد عليها ألف عام؛ حتّى احمرّت، وألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتّى اسودّت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها». رواه البيهقي، والأصبهاني.
﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ:﴾ أدنيت، وقربت من المتقين، كما قال تعالى في سورة (ق): ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾. قال الحسن البصري: إنهم يقربون منها، لا أنها تزول عن موضعها.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ:﴾ يعني عند ذلك تعلم كل نفس ما أحضرت من خير، وشر، وفي سورة (الانفطار): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم-﵁-
стр. 7142
قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلاّ وسيكلّمه الله ما بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمان منه، فلا يرى إلا ما قدّمه، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدّمه بين يديه، فتستقبله النار؛ فمن استطاع منكم أن يتقي النار، ولو بشقّ تمرة؛ فليفعل». ولا تنس الطباق بين: الجحيم، والجنة، فهو من المحسنات البديعية. وانظر سورة (الانفطار) رقم [٥].
الإعراب: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ..﴾. إلخ: الإعراب مثل الآية الأولى بلا فارق، والجمل المتعاطفة مثلها. ﴿بِأَيِّ:﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، و (أي): مضاف، و ﴿ذَنْبٍ﴾ مضاف إليه.
﴿قُتِلَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، للفعل: (سئل)، والمفعول الأول نائب الفاعل العائد على ﴿الْمَوْؤُدَةُ﴾. ﴿عَلِمَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والفعل هنا بمعنى: عرف، يكتفي بمفعول واحد.
﴿أَحْضَرَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿نَفْسٌ،﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: علمت نفس الذي، أو شيئا أحضرته، والجملة الفعلية جواب (إذا) الأولى، وما عطف عليها.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾
الشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ..﴾. إلخ: اختلف في (لا) على أوجه: أحدها: أن (لا) صلة؛ أي:
زائدة، وجاز وقوعها في أول السورة؛ لأن القرآن متصل بعضه ببعض، فهو في حكم كلام واحد، ولهذا قد يذكر الشيء في سورة، ويجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (الحجر)، وجوابه قوله تعالى:
﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ الآية رقم [٢] من سورة (القلم)، ومعنى الكلام: أقسم بالخنس. قاله ابن عباس، وابن جبير وأبو عبيدة-﵃، ومثله قول الشاعر: [الطويل]
تذكّرت ليلى فاعترتني صبابة... فكاد صميم القلب لا يتقطّع
أراد: فكاد صميم القلب يتقطع. وحكى أبو الليث السمرقندي: أجمع المفسرون: أن المعنى: أقسم. وقال الخازن: وفيه ضعف؛ لأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض، لا أن تقرن سورة بما بعدها، فذلك غير جائز. انتهى. وهو الحق الذي لا محيص عنه.
وقال بعضهم: (لا): رد لكلامهم؛ حيث أنكروا الحشر، والنشر، فقال: ليس الأمر كما تزعمون!
стр. 7143
وهذا قول الفراء، فقد قال: وكثير من النحويين يقولون (لا) صلة، ولا يجوز أن يبدأ بجحد (نفي) ثم بجحد يجعل صلة؛ لأن هذا لو كان كذلك؛ لم يعرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه (لا نفي فيه)، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم، وإدخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلام العرب، وأشعارهم. قال امرؤ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المتقارب]
فلا وأبيك ابنة العامريّ... لا يدّعي القوم أنّي أفر
وأيضا قول المتنخل الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٠٨٦] من كتابنا المذكور-: [الوافر]
فلا والله نادى الحيّ قومي... هدوّا بالمساءة والعلاط
قالوا: وفائدتها تأكيد القسم في الرد كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله، فيجوز حذفها، لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. هذا؛ وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد، فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعلى هذه القراءة، فاللام لام الابتداء، وجملة: (أقسم بالخنس) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بالخنس، ولو أريد به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ، وعن قراءة الباقين بالمد. وانظر ما أذكره في سورة (البلد) عن ابن هشام-رحمه الله تعالى-.
هذا؛ و (الخنس الجوار الكنس): هي النجوم تبدو بالليل، فتظهر، وتخنس بالنهار تحت نور الشمس، ونحو هذا المعنى عن علي-كرم الله وجهه، ورضي الله عنه-. وقيل: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجاريها؛ أي: ترجع وراءها في الفلك، وتكنس؛ أي: تستتر وقت اختفائها. وقيل: هي الظباء، وهي رواية عن ابن عباس-﵄. وقيل: هي بقر الوحش. وهو قول ابن مسعود-﵁.
والكناس: مكان الظبية؛ التي تأوي إليه. هذا؛ ويقال: خنس عنه، يخنس بالضم خنوسا: تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه، والخنس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة. والرجل أخنس، والمرأة خنساء. والخنساء: الشاعرة المشهورة لقبت بذلك لما ذكرت، واسمها الحقيقي: تماضر. والجواري جمع: جارية، من: جرى، يجري. وانظر ﴿الْخَنّاسِ﴾ في سورة (الناس).
﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ:﴾ إذا أقبل، أو أدبر، فهو من الأضداد، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره. قال علقمة بن قرط-وهو قول القرطبي- وقال الزمخشري-وأكده محب الدين الخطيب-هو من قول العجاج: [الرجز]
حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
стр. 7144
هذا؛ و «عسعسع»: موضع في البادية. قال امرؤ القيس: [الطويل]
ألمّا على الربع القديم بعسعسا... كأنّي أنادي، أو أكلّم أخرسا
و «عسعس» أيضا: اسم رجل. قال الراجز: [الرجز]
وعسعس نعم الفتى تبيّاه
أي: تعتمده، ويقال للذئب: العسعس، والعسعاس، والعسّاس؛ لأنه يعس بالليل، ويطلب الطعام، ويقال للقنافذ: العساعس؛ لكثرة ترددها في الليل. هذا؛ وسعسع مثل عسعس في معنييه، فهو مقلوبه. ولا تنس: أن في الكلام استعارة مكنية، فقد شبه الليل بإنسان يقبل، ويدبر، ثم حذف المشبه، وأخذ منه شيئا من لوازمه وهي لفظة ﴿عَسْعَسَ،﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ فيه استعارة مكنية.
هذا؛ واللغة العربية غنية بالكلمات التي تعني الضدين، وتحتمل معنيين متقابلين، منها ما رأيته من لفظ: عسعس، ومنها لفظ «الغابرين» في كثير من الآيات، فإنه اسم فاعل من: غبر الشيء: بقي، وغبر أيضا: مضى، ومنها لفظ «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل ابن شيبان الذهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
فلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب]
بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل
أي: هين، وحقير لا قيمة له، ومنها: «الجون» للأبيض، والأسود. ومنها: «البين» للقرب، والبعد. ومنها: «الصريم» لليل، والنهار. وبهما فسر قوله تعالى في سورة (القلم): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ومنها: «الناصع» للأبيض، والأسود، ومنها: «الناهل» للريّان، والظمآن، و «السليم» للديغ، والصحيح، ومنها: «وراء» بمعنى: خلف، وأمام، وشعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و «الصارخ» للمغيث، والمستغيث، و «الهاجد» للمصلي في الليل، والنائم، ومنها «الوهدة» للانحدار، والارتفاع، ومنها: «التعزير» للإكرام، والإهانة، و «التقريظ» للمدح والذم، ومنها:
«ترب» للغني، والفقير، ومنها: «الإهماد» للسرعة في السير، والإقامة، ومنها: «القرء» للحيض، والطهر. ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢] من سورة (طه)، وفي الآية رقم [٣] من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى،﴾ وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [٥٤] من سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، ورقم [٣٢] من معلقته-: [الطويل]
стр. 7145
تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي
حيث قيل: إن الفعل بمعنى: أخفوا، وأظهروا.
﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ أي: أقبل، وبدا أوله. وقيل: أسفر. وفي تنفسه قولان:
أحدهما: أن في إقبال الصبح روحا، ونسيما، فجعل ذلك نفسا على المجاز. الثاني: أنه شبه الليل بالمكروب المحزون، فإذا تنفس؛ وجد راحة، فكأنه تخلص من الحزن، فعبر عنه بالتنفس، فهو استعارة لطيفة، حيث شبه إقبال النهار، وسطوع الضياء بنسمات الهواء العليل؛ التي تحيي القلوب. واستعار لفظ التنفس لإقبال النهار بعد الظلام الدامس على طريقة الاستعارة التصريحية. وهذا من لطيف الاستعارة، وأبلغها تصويرا؛ حيث عبر عنه بتنفس الصبح.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد على ما ذكرته في الآية رقم [٤٠] من سورة (الحاقة) والمرجح هنا: أن المراد به: جبريل، ﵇، بدليل الآيات الآتية. ﴿ذِي قُوَّةٍ:﴾ هو كقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿شَدِيدُ الْقُوى:﴾ وكان من قوة جبريل ﵊: أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود، وحملها على جناحه حتى سمعت الملائكة صياح الديكة، ثم جعل عاليها سافلها. وكان من قوته: أنه أبصر إبليس-لعنه الله- يكلم عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-على بعض أعقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بقوم صالح، فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض، ثم يصعد في أسرع من رد الطرف. انتهى. خازن.
﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: عند صاحب العرش ومالكه، وهو الله تعالى. وانظر شرح العرش في الآية رقم [١٧] من سورة (الحاقة). ﴿مَكِينٍ﴾ أي: صاحب منزلة عالية، ومكانة رفيعة عند الله ، فروي عن أبي صالح قال: يدخل جبريل سبعين سرادقا بغير إذن.
﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ أي: تطيعه الملائكة في السموات. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: فرض الله على أهل السموات طاعة جبريل ﵇، كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ﷺ ، ومن طاعة الملائكة له: أنهم فتحوا له السموات السبع ليلة الإسراء، وفتح خزنة الجنة له أبوابها، وكذلك فتح له خزنة النار أبوابها؛ حتى نظر إليها. ﴿أَمِينٍ﴾ أي: على وحي الله؛ لأنبيائه، وخاب الفسقة الفجرة الذين يقولون: إن جبريل تاه؛ حيث كلف بإعطاء الرسالة لعلي بن أبي طالب، فتاه فأعطاها لمحمد ﷺ ، لذا روي: أنهم يقولون في آخر صلاتهم: يا حيفه! يا حيفه! تاه الأمين! تاه الأمين! ويضربون بأيديهم على أفخاذهم، فهذا ختم الصلاة عندهم بدون سلام، فإن كان هذا صحيحا عنهم؛ فهم كفار بلا ريب، ولا شك، واليهود والنصارى أحسن حالا منهم.
﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدا ﷺ والخطاب لأهل مكة. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ هذا أيضا من جواب القسم، أقسم الله على أن القرآن نزل به جبريل ﵇، وأن محمدا ﷺ ليس بمجنون، كما
стр. 7146
يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إنه مجنون، وأن ما يقوله ليس هو إلا من عند نفسه، فنفى الله عنه المجنون وكون القرآن من عند نفسه. هذا؛ وقال تعالى في سورة (النجم): ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾.
هذا؛ وقال الإمام ما معناه: كما أنه أجرى على جبريل-﵇-هذه الصفات هاهنا أجرى على نبينا ﷺ صفات في قوله تعالى في سورة (الأحزاب): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ فإفراد أحد الشخصين بالذكر، وإجراء صفاته عليه لا يدل على انتفاء تلك الصفات عن الآخر. وقال القاضي: واستدل به على فضل جبريل على محمد، عليهما الصلاة والسّلام؛ حيث عدد فضائل جبريل، واقتصر على نفي الجنون عن النبي ﷺ ، وهو ضعيف؛ إذ المقصود منه رد قولهم: ﴿إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ رقم [١٠٣] من سورة (النحل)، وقولهم: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ الآية رقم [٨] من سورة (سبأ) لا تعداد فضلهما، والموازنة بينهما. ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماج لتعظيم رسول الله ﷺ ، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش بأن جعل السفير بينه، وبينه مثل هذا الملك المقرب المطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة لرسول الله ﷺ رفعة منزلة له كالقول في قوله: ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل ﵇، كما سبق، والله أعلم. انتهى. جمل نقلا من هنا، وهناك.
الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): نافية، أو صلة، أو هي لام الابتداء حسب ما رأيت في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنا»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، على اعتبار اللام لام الابتداء، فتكون الجملة اسمية، وهي مستأنفة أيضا. ﴿بِالْخُنَّسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما.
﴿الْجَوارِ:﴾ صفة (الخنس) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء للثقل. ﴿الْكُنَّسِ:﴾
صفة ثانية. وقيل: صفة ﴿الْجَوارِ﴾. ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ الواو: حرف عطف. وقيل: واو قسم ثان.
(الليل): معطوف على (الخنس)، أو هو مجرور بواو القسم، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت عسعسته. قاله أبو البقاء، وغيره. وهو مشكل؛ فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و ﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (الليل) أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان عسعسته، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون حالا من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن
стр. 7147
المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت عسعسته. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿عَسْعَسَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى الليل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق.
﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَقَوْلُ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية جواب القسم: (لا أقسم...) إلخ. وما عطف عليه، على اعتبار الواو حرف عطف، وعلى اعتبارها حرف قسم، وجر يكون الجواب محذوفا، لدلالة جواب القسم الأول عليه، و (قول) مضاف، و ﴿رَسُولٍ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كَرِيمٍ:﴾ صفة ﴿رَسُولٍ﴾. ﴿ذِي:﴾ صفة ثانية ل: ﴿رَسُولٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿قُوَّةٍ﴾ مضاف إليه.
﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق ب: ﴿مَكِينٍ﴾ بعده، أو هو متعلق بمحذوف حال منه. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿ذِي﴾ مضاف إليه، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿مَكِينٍ:﴾ صفة ثالثة ل: ﴿رَسُولٍ﴾. ﴿مُطاعٍ:﴾ صفة رابعة. ﴿ثَمَّ:﴾ ظرف مكان بمعنى هناك مبني على الفتح في محل نصب متعلق ب: ﴿مُطاعٍ﴾. ﴿أَمِينٍ:﴾ صفة خامسة ل: ﴿رَسُولٍ﴾.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية تعمل عمل: «ليس». ﴿صاحِبُكُمْ:﴾ اسم ما، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿بِمَجْنُونٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مجنون): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ..﴾. إلخ فهي من جملة جواب القسم.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ:﴾ الفاعل يعود إلى الرسول ﷺ ، والضمير المنصوب يعود إلى جبريل، عليه ألف صلاة، وألف سلام. (الأفق المبين): يعني بالأفق الأعلى، وهو صريح قوله تعالى في سورة (النجم): ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ من ناحية المشرق إلى حيث تطلع الشمس. هذا؛ وقيل:
الأفق المبين: أقطار السماء، ونواحيها. قال الفرزدق-وهو الشاهد رقم [١١٦٨] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
стр. 7148
أخذنا بآفاق السّماء عليكم... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع
فقد رأى الرسول ﷺ جبريل ﵊ على صورته التي خلق فيها مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء، أما التي في الأرض؛ فخذها برواية البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل-﵊: «إني أحبّ أن أراك في صورتك؛ الّتي تكون فيها في السّماء». قال: «لن تقوى على ذلك!». قال:
«بلى!». قال: «فأين تشاء أن أتخيل لك»؟ قال: «بالأبطح». قال: «لا يسعني». قال:
«فبمنى». قال: «لا يسعني» قال: «فبعرفات». قال: «ذلك بالحري أن يسعني». رواية القرطبي، ورواية الخازن: قال: لا يسعني ذلك. قال: «فبحراء». قال: «إن يسعني». فواعده، فخرج النبي ﷺ في ذلك الوقت، فإذا هو بجبريل قد أقبل من حيال عرفات بخشخشة، وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي ﷺ خرّ مغشيا عليه، فتحول جبريل ﵇ عن صورته، وضمه إلى صدره. وقال:
«يا محمد! لا تخف! فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله ﷻ ، وعلا علاؤه، وشأنه حتى يصير، مثل الصعو، يعني العصفور؟! (وفي رواية القرطبي مثل الوصع)، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته». انتهى. قرطبي، وخازن. هذا؛ وفي المختار: الوصع: طائر أصغر من العصفور، وهو بفتح الصاد، وسكونها، والجمع: وصعان، وفيه أيضا: الصّعوة: طائر، والجمع: صعو، وصعاء.
هذا؛ والمرة الثانية التي رأى فيها النبي ﷺ جبريل-﵊-كانت بعد الأولى، وكانت ليلة الإسراء، والمعراج عند سدرة المنتهى، وهي صريح قوله تعالى في سورة (النجم): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى..﴾. إلخ الآيات، وفي المرة الثانية ثبت فؤاد النبي ﷺ ، فلم يغش عليه كما في المرة الأولى، وهو صريح قوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ انظر سورة (النجم)؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ:﴾ على ما يخبره من الوحي إليه، وما اطلع عليه من الغيوب مما كان غائبا من علمه من أحوال الأمم الماضية. ﴿بِضَنِينٍ﴾ أي: ببخيل، من ضننت بالشيء، أضن ضنا، فهو ضنين، يقول: إنه يأتيه علم الغيب، ولا يبخل به عليكم، ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده؛ حتى يأخذ عليه حلوانا، وهو أجرة الكاهن. قال الشاعر: [الطويل]
أجود بمكنون الحديث وإنّني... بسرّك عمّن سالني لضنين
هذا؛ ويقرأ: «(بظنين)» بالظاء المعجمة؛ أي: بمتهم، والظنة: التهمة. قال الشاعر: [الطويل]
أما وكتاب الله لا عن شناءة... هجرت ولكنّ الظّنين ظنين
стр. 7149
وقيل: (بظنين) بضعيف. حكاه الفراء، والمبرد، يقال: رجل ظنين؛ أي: ضعيف، وبئر ظنون: إذا كانت قليلة الماء. قال الأعشى: [السريع]
ما جعل الجدّ الظّنون الذي... جنّب صوب اللّجب الماطر
مثل الفراتيّ إذا ما طما... يقذف بالبوصيّ والماهر
والظنون: الدّين الذي لا يدرى أيقضيه آخذه، أم لا؟ ومنه حديث علي-﵁ وكرم الله وجهه-في الرجل يكون له الدين الظّنون. قال: يزكيه لما مضى إذا قبضه إن كان صادقا. والظنون:
الرجل السيئ الخلق، فهو لفظ مشترك. ﴿وَما هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ:﴾ مرجوم ملعون، كما قالت قريش؛ أي: ليس بشعر، ولا بسحر، ولا بكهانة، فقد كانوا يقولون: إن شيطانا يلقيه على لسانه. فنفى الله ذلك عنه. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [٢١٠]: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ أي:
ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي: فأين تعدلون عن القرآن، وفيه الشفاء، والهدى، والبيان. وقيل: معناه: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة؛ التي قد بينت لكم؟! وهذا كما يقال لتارك الجادة المستقيمة اعتسافا، أو ذاهبا في بنات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله. والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى النبي ﷺ ، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والكلام مستأنف، لا محل له. وقال الجمل: معطوف على قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فهو من جملة المقسم عليه. ﴿بِالْأُفُقِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمُبِينِ:﴾ صفة (الأفق). ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما).
﴿عَلَى الْغَيْبِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿بِضَنِينٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (ضنين): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (رأى) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ:﴾ مثل سابقه في الإعراب، و (قول) مضاف، و ﴿شَيْطانٍ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. ﴿رَجِيمٍ:﴾ صفة ﴿شَيْطانٍ،﴾ والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿فَأَيْنَ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (أين): اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بما بعده. ﴿تَذْهَبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا فإلى أين تذهبون به؟! والكلام مستأنف، لا محل له.
стр. 7150
﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾
الشرح: ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ . ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ:﴾ موعظة للخلق أجمعين. ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي: يتبع الحق، ويقيم عليه، وينتفع به، فكأنه لم يوعظ به غيره، وإن كان الناس جميعا موعوظين به. ثم بين الله جلت قدرته: أن مشيئة العبد موقوفة بمشيئته، فقال تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ..﴾. إلخ: أعلمهم الله: أن المشيئة في التوفيق للاستقامة إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وتوفيقه. وفيه إعلام: أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله تعالى، ولا يعمل شرا إلا بخذلانه، ومشيئته.
يروى: أن أبا جهل-لعنه الله-قال لما نزل قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُنَ..﴾. إلخ. قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاءه الله لها! وقال وهب بن منبه: قرأت في سبعة وثمانين كتابا مما أنزل الله على الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة؛ فقد كفر.
وخذ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ الآية رقم [١١١] من سورة (الأنعام). وقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ الآية رقم [١٠٠] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، والآي في هذا كثير، وكذلك أحاديث النبي ﷺ تبين أن الهداية هداية الله تعالى.
هذا؛ وانظر شرح (العالمين) في الآية رقم [٥٢] من سورة (القلم)، وشرح ﴿أَرادَ﴾ و ﴿شاءَ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (الجن)، وشرح لفظ الجلالة في الآية رقم [٣] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. أما ﴿يَسْتَقِيمَ﴾ فأصله: (يستقوم) فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار (يستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة، فصار: يستقيم.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: ما. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ذِكْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿ذِكْرٌ،﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور بدل من للعالمين بإعادة الجار. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور
стр. 7151
متعلقان بما قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال، ولا وجه له. ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿إِنْ،﴾ والفاعل يعود إلى (من)، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿تَشاؤُنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف، التقدير: وما تشاؤون الاستقامة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ يَشاءَ:﴾ مضارع منصوب بأن، والمفعول محذوف، التقدير: أن يشاء الاستقامة لكم. ﴿اللهُ:﴾
فاعل. ﴿رَبُّ:﴾ بدل من لفظ الجلالة، وهو مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والمصدر المؤول في محل جر بالإضافة لظرف زمان محذوف، التقدير: إلا وقت مشيئة الله. قاله البيضاوي، وأبو البقاء. وقال مكي: ﴿إِنْ﴾ وما معها في موضع خفض بإضمار الباء، أو في موضع نصب بحذف الخافض، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (التكوير) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7152
سورة الانفطار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (الانفطار) مكية في قول الجميع، وهي تسع عشرة آية، وثمانون كلمة، وثلاثمئة وسبعة وعشرون حرفا. انظر ما ذكرته في أول سورة (التكوير)، والله الموفق، والمعين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾
الشرح: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: تشققت بأمر الله تعالى لنزول الملائكة، كقوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٥]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾. وقيل: تفطرت لهيبة الله تعالى. والفطر: الشق عن الشيء. يقال: فطرته، فانفطر. قال تعالى في سورة (المزمل):
﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ ومنه: فطر ناب البعير: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء: تشقق، وسيف فطار؛ أي: فيه تشقق. قال عنترة: [الوافر]
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي... سلاحي لا أفلّ ولا فطارا
العقيقة: شعاع البرق الذي يبدو كالسيف، والكمع: الضجيع. وقد ذكر ﴿فاطِرِ﴾ و (فطر) في كثير من الآيات. وانظر الآية رقم [٣] من سورة (الملك). ﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي: تساقطت.
وانظر ما ذكرته في سورة (التكوير). هذا؛ ويقال: نثرت الشيء، أنثره نثرا، فانتثر، والاسم:
النثار بكسر النون، وبضمها: ما تناثر من الشيء. ففي هذه الآية استعارة مكنية، حيث شبه الكواكب بجواهر قطع سلكها، فتناثرت متفرقة، وطوى ذكر المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية.
﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فجر بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا، وزال الحاجز الذي ذكر الله في سورة (الرحمن) بقوله: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ،﴾ وفي سورة (الفرقان) بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾. وقال الحسن-﵀: ﴿فُجِّرَتْ﴾ ذهب ماؤها، ويبست، وذلك:
أنها أولا راكدة مجتمعة، فإذا فجرت؛ تفرقت، فذهب ماؤها. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي: قلبت، وأخرج ما فيها من أهلها أحياء، يقال: بعثرت المتاع: قلبته ظهرا لبطن، وبعثرت الحوض،
стр. 7153
وبحثرته: إذا هدمته، وجعلت أسفله أعلاه. وقال قوم منهم الفراء: ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة، وإن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها، وفضتها. قال تعالى في سورة (الزلزلة): ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ:﴾ مثل قوله تعالى في سورة (القيامة): ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وانظر سورة (التكوير) رقم [١٤]. هذا؛ وتنكير ﴿نَفْسٌ﴾ يفيد التكثير. وانظر سورة (العاديات) رقم [٩].
هذا؛ وقال الجمل نقلا عن الرازي: واعلم: أن المراد من هذه الآيات: أنه إذا وقعت هذه الأشياء؛ التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر، والنشر، وهي هاهنا أربعة: اثنان منها يتعلقان بالعلويات، واثنان يتعلقان بالسفليات. والمراد بهذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف. والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار؛ فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف، ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم بعد تخريب السماء، والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض من البحار، ثم بعد ذلك تخرب الأرض؛ التي فيها الأموات، وأشار لذلك بقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ثم إن قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ يقتضي فعلا، وتركا، فإن كان قد قدم الكبائر، وأخر العمل الصالح؛ فمأواه النار، وإن كان قد قدم العمل الصالح، وأخر الكبائر؛ فمأواه الجنة، فيحصل العلم الإجمالي في أول زمان الحشر؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة في أول الأمر، وأما العلم التفصيلي؛ فلا يحصل إلا عند قراءة الكتب، والمحاسبة. انتهى.
هذا؛ وتفسيره-رحمه الله تعالى-: ﴿ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ بما تقدم، قد يكون غير واف بالغرض، والأحسن، والأولى هو ما ذكرته في تفسير، وشرح قوله تعالى في سورة (القيامة) رقم [١٣]: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ انظره فإنه جيد. هذا؛ ولا تنس الطباق بين (قدمت) و (أخرت)، وكذلك السجع المرصّع، وهو ما تراه في الآيات مختومة بتاء التأنيث الساكنة، وهو من المحسنات البديعية، وهو ناتج من توافق الفواصل رعاية لرؤوس الآيات، ومثل ذلك سورة (التكوير) كلها.
الإعراب: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ..﴾. إلخ: مثل قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ..﴾. إلخ بلا فارق. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ إعراب هذه الكلمات مثل إعراب قوله تعالى في سورة (التكوير): ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ جملا، وإفرادا بلا فارق بينهما، فلا حاجة إلى إعراب هذه الآيات هنا، والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: ما خدعك، وسوّل لك الباطل؛ حتى صنعت ما صنعت، وضيعت ما أوجب الله عليك؟! والمعنى: ما الذي أمنك من عقابه؟ قيل:
стр. 7154
نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: في أبي بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي، واسمه أسيد. وقيل: كلدة بن خلف، وكان كافرا، ضرب النبي ﷺ ، فلم يعاقبه الله، وأنزل هذه الآية. وقيل: الآية عامة في كل كافر، وعاص، وهو الأولى.
يقول الله: ﴿ما غَرَّكَ﴾ قيل: غرّه حمقه، وجهله. وقيل: غرّه تسويل الشيطان. وقيل: غرّه عفو الله عنه؛ حيث لم يعاجله بالعقوبة في أول مرة. ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: المتجاوز عنك، فهو بكرمه لم يعاجلك بعقوبته، بل بسط لك المدة لرجاء التوبة. قال ابن مسعود-﵁:
ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول له: يابن آدم ما غرك بي؟ يا بن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه، فقال لك: يا بن آدم ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ماذا كنت تقول؟ قال:
أقول: غرني ستورك المرخاة؛ لأن الكريم هو الستار. نظمه ابن السماك، فقال: [السريع]
يا كاتم الذّنب أما تستحي... والله في الخلوة ثانيكا
غرّك من ربّك إمهاله... وستره طول مساويكا
وقال يحيى بن معاذ الرازي: لو أقامني بين يديه وقال: ما غرك بي؟ أقول: غرني برك بي سالفا، وآنفا. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك؟ لقلت: غرني كرم الكريم.
وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دون سائر أسمائه، وصفاته، كأنه لقنه حجته في الإجابة، حتى يقول: غرني كرم الكريم. انتهى. خازن بتصرف.
﴿الَّذِي خَلَقَكَ:﴾ أوجدك من العدم بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، وكان ذلك من نطفة مذرة.
﴿فَسَوّاكَ﴾ أي: جعلك سويا سالم الأعضاء في بطن أمك، فجعل لك عينين تبصر فيهما، وأذنين تسمع بهما، ويدين تبطش بهما، ورجلين تسعى بهما. ﴿فَعَدَلَكَ:﴾ يقرأ بتشديد الدال: أي:
فصيرك معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض، وبعضها أسود. وقيل: معناه: جعلك قائما معتدلا حسن الصورة، ولم يجعلك كالبهيمة، تأكل، وتشرب منحنيا. قال تعالى في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ويقرأ بتخفيف الدال، وعليه فالمعنى: فأمالك وصرفك إلى أي صورة شاء، إما حسنا، وإما قبيحا، وإما طويلا وإما قصيرا، انظر ما ذكرته في آيات (السجدة) رقم [٧ و ٨ و ٩]، وفي سورة (الأعلى) أيضا.
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي: إن شاء في صورة إنسان، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وقال مكحول: إن شاء ذكرا، وإن شاء أنثى.
وقيل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ من الصور المختلفة، بحسب الطول، والقصر، والحسن،
стр. 7155
والقبح، والذكورة، والأنوثة، وفي هذه دلالة على قدرة الصانع المختار القادر المقتدر، وذلك:
أنه لما اختلفت الهيئات، والصفات؛ دل ذلك على كمال القدرة، واتساع الصنعة، وأنّ المدبر المختار هو الله تعالى.
هذا؛ ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح، فهم يقولون: إن الإنسان إذا مات، وخرجت روحه من بين جنبيه؛ تحل بجسد آخر، فإن كانت صالحة طاهرة، عمل صاحبها الطاعات؛ تحلّ بجسد إنسان عاقل كريم، وإن كانت خبيثة، عمل صاحبها المعاصي، والإضرار للناس، والإفساد في الأرض؛ تحل بجسد حيوان، أو وحش، أو هوام... إلخ، وحلولها في الجسد الخبيث عقوبة لها، حتى إذا طهرت، وتهذبت يموت الجسد الخبيث، ثم تعود فتحل بجسد إنسان آخر عاقل كريم، وهذا التناسخ يقوله الهندوس في الهند، ويوجد في البلاد العربية من يقول به. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦١] من سورة (الواقعة).
تنبيه: تلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. فقال: «غره جهله». وقال عمر ﵁: غره حمقه، وجهله. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: غره والله شيطانه الخبيث! أي: زين له المعاصي. وقال له: افعل ما شئت، فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا، وهو متفضل عليك آخرا؛ حتى ورطه، وأوقعه في المعاصي. هذا؛ ولا تنس: أن الشيطان اللعين يتبرأ من الذي أغواه، انظر الآية رقم [٢٢] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
﴿كَلاّ:﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله، وعن الغفلة عن طاعته، وعبادته. ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ:﴾
الخطاب لأهل مكة ومن على شاكلتهم من الملاحدة في هذا الزمن؛ الذين ينكرون الصلاة، وغيرها من العبادات المعلومة من الدين بالضرورة. وهو إضراب انتقالي إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ بدل من (أيّ) أو عطف بيان عليه، والجملة الندائية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿ما:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿غَرَّكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿ما،﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿ما،﴾ والجملة الاسمية لا محل لها مثل الجملة الندائية قبلها.
﴿بِرَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْكَرِيمِ:﴾ صفة (ربك). ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ثانية. ﴿خَلَقَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو
стр. 7156
العائد، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها، وجملة: (سواك فعدلك) معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها.
﴿فِي أَيِّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿رَكَّبَكَ،﴾ و ﴿ما﴾ بعدهما مزيدة، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف؛ أي: ركبك حال كونه حاصلا في بعض الصور. أو هما متعلقان بالفعل: (عدلك)، التقدير: وضعك في صورة أي صورة. ذكر ذلك ابن هشام في المغني، واعترض عليه في الأخير بأن معنى (أي) الاستفهام فلها صدر الكلام، فكيف يعمل فيها ما قبلها.
هذا؛ وأجيز اعتبار (ما) أداة شرط جازمة تجزم فعلين، فقد جزمت الفعلين بعدها، وعليه فالجملة الشرطية بمجموعها في محل جر صفة ﴿صُورَةٍ﴾. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ربك، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿صُورَةٍ﴾ على اعتبار ﴿ما﴾ زائدة، ومبتدأة لا محل لها على اعتبار ﴿ما﴾ أداة شرط. ﴿رَكَّبَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ربك)، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها على اعتبار (ما) شرطية، وفي محل نصب حال من فاعل ﴿خَلَقَكَ﴾ و (سواك) و (عدلك) على اعتبار (ما) زائدة، وهي على تقدير «قد» قبلها.
﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى. وقال القرطبي: يجوز أن تكون بمعنى:
حقا، وبمعنى: ألا الاستفتاحية، فيبتدأ بها، ويجوز أن تكون بمعنى «لا» النافية، على أن يكون المعنى: ليس الأمر كما تقولون من أنكم في عبادتكم غير الله محقون. ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب انتقالي. ﴿تُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿بِالدِّينِ:﴾
متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ﴾ أي: رقباء من الملائكة. ﴿كِراماً كاتِبِينَ:﴾ كراما على الله، كقوله تعالى في سورة (عبس) رقم [١٦]: ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾. ﴿كاتِبِينَ:﴾ يكتبون أعمالكم، وأقوالكم.
﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ:﴾ لا يخفى عليهم شيء من أقوالكم، وأفعالكم، وما أحراك أن تنظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (الرعد): ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ..﴾. إلخ، وأن تنظر قوله تعالى في سورة (ق): ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وانظر سورة (الطارق)، وخذ هنا ما يلي:
فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الخراءة، أو الجماع، فإذا اغتسل أحدكم، فليستتر بجرم حائط، أو بغيره، أو ليستره أخوه».
стр. 7157
وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم عن التعرّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم الكاتبين الّذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات:
الغائط، والجنابة، والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء، فليستتر بثوبه، أو بجرم حائط، أو ببعيره». وسبب ورود هذا الحديث: أن النبي ﷺ رأى رجلا يغتسل بفلاة من الأرض. وروي عن علي-﵁-قال: لا يزال الملك موليا عن العبد ما زال بادي العورة، وروي: أن العبد إذا دخل الحمام بدون مئزر؛ لعنه ملكاه.
واختلف الناس في الكفار: هل عليهم حفظة، أم لا؟ فقال بعضهم: لا؛ لأن أمرهم ظاهر، وعملهم واحد. قال الله تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤١]: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ وقيل: بل عليهم حفظة بدليل الآيات التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ﴾. وقوله تعالى في سورة (الانشقاق): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ فأخبر الله: أن الكفار يكون لهم كتاب، ويكون عليهم حفظة. فإن قيل: الذي على يمينه؛ أي شيء يكتب، ولا حسنة له؟ قيل له: الذي يكتب عن شماله يكون بإذن صاحبه، ويكون شاهدا على ذلك؛ وإن لم يكتب. والله أعلم.
سئل سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: كيف تعلم الملائكة: أن العبد قد همّ بحسنة، أو سيئة؟! قال: إذا هم العبد بحسنة؛ وجدوا منه ريح المسك، وإذا هم بسيئة؛ وجدوا منه ريح النتن. هذا؛ ومن المعلوم، والمحفوظ: أن الحفظة من الملائكة غير الكتبة، انظر آية (الرعد) وآية (ق) ففيهما تفصيل، وتوضيح لذلك.
الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: واو الحال. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إن) تقدم على اسمها. ﴿لَحافِظِينَ:﴾ اللام: لام الابتداء. (حافظين): اسم (إنّ) مؤخر منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه اسم فاعل جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وفاعله مستتر فيه، ومفعوله محذوف، التقدير: أعمالكم. أو حافظين لكم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في ﴿تُكَذِّبُونَ،﴾ والرابط:
الواو، والضمير وجوز اعتبارها مستأنفة. ﴿كِراماً كاتِبِينَ:﴾ صفتان ل: (حافظين)، وعند التأمل يتبين لك: أن الثلاثة صفات لموصوف محذوف هم: «الملائكة». ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يعلمون الذي، أو شيئا يفعلونه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿ما﴾ مصدرية؛ فهي تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: يعلمون فعلهم، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثالثة ل: (حافظين)، أو صفة رابعة، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الضمير المستتر ب: (حافظين) فلست مفندا.
стр. 7158
﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ﴾ أي: الذين بروا في وعودهم، وصدقوا في إيمانهم بأداء ما افترض الله عليهم، واجتناب معاصيه، وبروا الناس بالإحسان إليهم، واللطف بهم، والرفق في معاملاتهم، ومعاشرتهم. وانظر سورة (الدهر) رقم [٥]. ﴿لَفِي نَعِيمٍ:﴾ لفي بهجة، وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في ذلك، لا يبرحون، ولا يهرمون. هذا؛ والنعيم: التنعم، والترفه، وأيضا النعيم: النعمة بفتح النون، يقال: نعمه الله، وناعمه، وامرأة منعمة ومناعمة بمعنى، والمعنى إن الأبرار في الجنات يتنعمون. ﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ﴾ أي: الكفرة، والفسقة، والملاحدة؛ الذين عصوا ربهم في الدنيا، وخالفوا أوامره. ﴿لَفِي جَحِيمٍ:﴾ لفي نار محرقة، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ يدخلونها، ويقاسون حرها. ﴿يَوْمَ الدِّينِ:﴾ يوم الحساب، والجزاء؛ الذي كانوا يكذبون به في الدنيا. ما ألطف هذه المقابلة في الآيتين بين الأبرار، والفجار! وفيهما أيضا فنّ الترصيع، وكل ذلك من المحسنات البديعية. ﴿وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذاب النار، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت، أو الراحة؛ ولو يوما واحدا. وقيل: معناه: وما يغيبون عنها قبل ذلك؛ إذ كانوا يجدون سمومها في القبور، وهو كقوله تعالى: ﴿وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها﴾ رقم [٣٧] من سورة (المائدة)، وأيضا سورة (البقرة) رقم [١٦٧].
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَبْرارَ:﴾ اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(في نعيم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها. ﴿يَصْلَوْنَها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الجار، والمجرور لوقوعهما خبرا عن ﴿إِنَّ،﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. وأجاز أبو البقاء اعتبارها صفة ل: ﴿جَحِيمٍ،﴾ والرابط: الضمير المنصوب. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، و ﴿يَوْمَ﴾ مضاف، و ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع اسم (ما).
﴿عَنْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِغائِبِينَ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (غائبين): خبر (ما) مجرور لفظا، منصوب محلا، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
стр. 7159
﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: أي شيء يوم الدين؟ تفخيما لشأنه، وتعظيما لهوله؛ أي: حقه أن يستفهم عنه لعظمه، فوضع الظاهر موضع الضمير لزيادة التهويل. ﴿ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ المعنى: وأي شيء علمته عن يوم الدين؟ أي: إنك لا علم لك بكنهه، ومدى عظمه؛ لأنه من العظم، والشدة بحيث لا تبلغ حقيقته دراية المخلوقين، ومعرفتهم، والخطاب للنبي ﷺ ، ويعم كل عاقل فاهم، يهمه شأن يوم الدين.
والنبي ﷺ كان عالما بيوم الدين، ولكن بالصفة، فقيل تفخيما لشأنه: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: كأنك لست تعلمه؛ إذا لم تعاينه. قال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-: بلغني أن كل شيء في القرآن ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ؟﴾ فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-: كل شيء قال فيه: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يخبر به.
﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ أي: لا تملك نفس كافرة لنفس كافرة شيئا من المنفعة، وكذلك المؤمنة لا تستطيع ذلك لغيرها بوجه، وإنما تملك الشفاعة، والمنفعة لغيرها بالإذن، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ كقوله تعالى في سورة (غافر) رقم [١٦]: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ هذا؛ وفي هذه الآيات من البلاغة فنّ الإطناب بتكرير الجملة، وإعادتها.
بعد هذا فالفعل: «درى» بمعنى: علم من أفعال اليقين، فينصب مفعولين كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٦] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [الطويل]
دريت الوفيّ العهد يا عمرو فاغتبط... فإنّ اغتباطا بالوفاء حميد
وهو قليل؛ إذ الكثير المستعمل فيه أن يتعدى إلى واحد بالباء، نحو دريت بكذا، فإن دخلت عليه همزة النقل؛ تعدى إلى واحد بنفسه، وإلى واحد بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ الآية رقم [١٦] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. قال شيخ الإسلام: ومحل ذلك إذا لم يدخل على الفعل استفهام، وإلا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل، نحو قوله تعالى في سورة (القارعة): ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ؟﴾ فالكاف مفعول أول، والجملة الاسمية سدت مسد المفعولين. انتهى.
والذي في «الهمع» و «المغني» -قيل: وهو الأوجه-: أن الجملة الاسمية سدت مسدّ المفعول الثاني المتعدي إليه بالحرف، فتكون في محل نصب بإسقاط الجار، كما في فكرت:
стр. 7160
أهذا صحيح أم لا؟ أي: فكرت بما ذكر. انتهى. جرجاوي، وينبغي أن تعلم أن الفعل أدراك هنا معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام بعده، والكوفيون يجرون الترجي مجرى الاستفهام في التعليق، إلا أن النحويين لم يعدوا «لعل» من المعلقات، والحق مع الكوفيين، وهو ظاهر في قوله تعالى في سورة (عبس): ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى،﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ سورة (الأحزاب) رقم [٦٣] فإن كان «درى» بمعنى: «ختل»؛ أي: خدع كان متعديا إلى واحد بنفسه، مثل دريت الصيد؛ أي: ختلته، وخدعته. قال الأخطل التغلبي: [الطويل]
فإن كنت قد أقصدتني إذ رميتني... بسهمك فالرّامي يصيد ولا يدري
أي: يصيد، ولا يختل. ومثله قول الآخر: [الطويل]
فإن كنت لا أدري الظّباء فإنني... أدسّ لها تحت التراب الدّواهيا
أي: لا أختل، وإن كانت بمعنى: حك، مثل: درى رأسه بالمدرى؛ أي: حك رأسه بالمشط؛ فهو كذلك. هذا؛ وانظر شرح اليوم في الآية رقم [٩] من سورة (المدثر). هذا؛ و ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ يوم الدينونة، والحساب، والجزاء. والدّين (بكسر الدال): اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى، والدّين أيضا: الملة، والشريعة. ومن هذا قوله تعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ رقم [٧٦] من سورة (يوسف) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. و ﴿يَوْمُ الدِّينِ:﴾
يوم الحساب، والجزاء، وهو ما في الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، ومنه: كما تدين تدان؛ أي: كما تفعل؛ تجازى. وعن ابن عباس-﵄-قال: يوم الدين يوم حساب الخلائق، يدينهم بأعمالهم، إن خيرا؛ فخير، وإن شرا؛ فشرّ؛ إلا من عفا الله عنه، والأمر أمره، ثم قرأ: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا؛ والدّين بفتح الدال القرض المؤجل، وجمع الأول: أديان، وجمع الثاني: ديون، وأدين. هذا؛ والدينونة: القضاء، والحساب. والديانة اسم لجميع ما يتعبد به الله تعالى. هذا؛ والدين: العادة، والعمل، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
تقول إذا أدرت لها وضيني... فهذا دينها أبدا وديني
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما يَوْمُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول: ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث؛ لأنه بمعنى: أعلم، و ﴿يَوْمُ﴾ مضاف، و ﴿الدِّينِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: (ما أدراك...) إلخ مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها
стр. 7161
مثلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿يَوْمُ:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: اذكر، ويقرأ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو يوم. هذا؛ وقال الزمخشري: هو بدل من ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ على القراءتين، فعلى الرفع؛ فظاهر، وعلى الفتح؛ فهو مبني على الفتح في محل رفع.
وقال الكوفيون بقول الزمخشري. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَمْلِكُ:﴾ فعل مضارع. ﴿نَفْسٌ:﴾ فاعله.
﴿لِنَفْسٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمُ﴾ إليها. ﴿وَالْأَمْرُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الأمر): مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، و (إذ) ظرف زمان مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ لا تملك نفس... إلخ. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، واعتبارها حالا ضعيف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الانفطار) شرحا، وإعرابا بحمد الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7162
سورة المطفّفين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (المطففين) مكية في قول ابن مسعود، والضحاك، ومقاتل، ومدنية في قول الحسن، وعكرمة. وقال مقاتل: وهي أول سورة نزلت في المدينة. وقال ابن عباس، وقتادة-﵄: مدنية إلا ثمان آيات من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ إلى آخرها مكي. وقال الكلبي، وجابر بن زيد: نزلت بين مكة والمدينة. وهي ست وثلاثون آية، ومئة وتسع وستون كلمة، وسبعمئة وثلاثون حرفا.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾
الشرح: قال الجمل: ومناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر حال السعداء والأشقياء، ويوم الجزاء وعظم ذكر ما أعد لبعض العصاة، ذكرهم بأخسّ ما يقع من المعصية، وهي التطفيف؛ الذي لا يكاد يجدي شيئا من تكثير المال، وتنميته. انتهى. نقلا من البحر.
هذا؛ وروى النسائي، وابن ماجه عن ابن عباس-﵄-قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة؛ كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فأحسنوا الكيل بعد ذلك. قال الفراء: فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا. وعن ابن عباس-﵄ أيضا؛ قال: هي أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ ساعة نزل المدينة، وكان هذا فيهم، كانوا إذا اشتروا؛ استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا؛ بخسوا المكيال، والميزان، فلما نزلت هذه السورة؛ انتهوا، فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا.
وعن ابن عباس-﵄-أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل، والوزن: «إنّكم قد ولّيتم أمرا فيه هلكت الأمم السّالفة قبلكم». رواه الترمذي، والحاكم. هذا؛ وقد كان قوم شعيب-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-يبخسون الكيل، والميزان، فأخذهم الله بذلك، وقد ذكرت قصتهم في سورة (الأعراف) و (الشعراء)، و (هود) وغير ذلك مفصلة تفصيلا وافيا.
стр. 7163
وعنه أيضا؛ قال: قال النبي ﷺ : «خمس بخمس، ما نقض قوم العهد؛ إلا سلّط الله عليهم عدوّهم. ولا حكموا بغير ما أنزل الله؛ إلاّ فشا فيهم الفقر. وما ظهرت الفاحشة فيهم؛ إلاّ ظهر فيهم الطّاعون. وما طفّفوا الكيل؛ إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسّنين. ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر». أخرجه أبو بكر البزار.
وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهنّ-وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ؛ حتّى يعلنوا بها؛ إلاّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال، والميزان؛ إلا أخذوا بالسّنين، وشدة المؤونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم؛ لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاّ سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا فيما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم».
رواه ابن ماجه، والبيهقي، والبزار.
هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٥]: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ،﴾ وقال جل ذكره في سورة (الرحمن) رقم [٩]: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ بعد هذا انظر شرح ﴿وَيْلٌ﴾ في الآية رقم [١٥] من سورة (المرسلات).
أما (المطففين) فهو جمع: مطفف مأخوذ من التطفيف، وهو القليل، والمطفف هو المقل حق صاحبه بنقصانه حقه في كيل، أو وزن. وقال الزجاج: إنما قيل للفاعل من هذا: مطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق من المكيال، والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف. هذا؛ وقال بعض العلماء:
التطفيف في الكيل والوزن والوضوء والصلاة، وفي الموطأ: قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-:
ويقال: لكل شيء وفاء، وتطفيف. وروي عن سالم بن أبي الجعد؛ قال: الصلاة بمكيال، فمن أوفى؛ أوفى الله له، ومن طفف؛ فقد علمتم ما قال الله في ذلك: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي: إذا اكتالوا من الناس؛ استوفوا؛ لأنفسهم الكيل، والوزن، فيأخذون حقهم بالوافي، والزائد، فوقعت ﴿عَلَى﴾ موقع: «من» على التقارض بين الحرفين. والتقارض باب من أبواب النحو. انظره في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ أي: كالوا لهم بالمكيال، أو وزنوا لهم بالميزان، فحذف حرف الجر من الكلمتين، مثل: نصحتك، ونصحت لك، وشكرتك، وشكرت لك. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٣] من سورة (عبس) وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم من قيس. قال الزجاج: لا يجوز الوقف على (كالوا) و (وزنوا) حتى تصل به (هم). قال: ومن الناس من يجعلها توكيدا، ويجيز الوقف على (كالوا) و (وزنوا). والأول الاختيار؛ لأنها حرف واحد. وهو
стр. 7164
قول الكسائي. قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين؛ أي: كلمتين، ويقف على (كالوا) و (وزنوا) ويبتدئ: (هم يخسرون). قال أبو عبيد: والاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين: إحداهما الخط، وذلك أنهم كتبوهما بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين؛ لكانتا (كالوا) و (وزنوا) بالألف. والأخرى: أنه يقال: كلتك، ووزنتك، بمعنى: كلت لك، ووزنت لك، وهو كلام عربي. كما يقال: صدتك، وصدت لك، وكسبتك، وكسبت لك. وكذلك: شكرتك، ونصحتك. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (يس) رقم [٣٩]: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وقال في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ رقم [٥] إذ التقدير: قدرنا له، وقدر له، ومثل الآيات قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والشاهد رقم [١٠١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
﴿يُخْسِرُونَ:﴾ ينقصون الكيل، والميزان. وهذا الوعيد يلحق من يأخذ لنفسه زائدا، ويدفع إلى غيره ناقصا. ويتناول الوعيد القليل، والكثير، لكن إذا لم يتب منه، فإن تاب منه، ورد الحقوق إلى أصحابها؛ قبلت توبته، ومن فعل ذلك، وأصر عليه؛ كان مصرا على كبيرة من الكبائر.
وذلك؛ لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات، وهي مبنية على أمر الكيل، والوزن، والذرع، فلهذا السبب عظم أمر الكيل، والوزن، وأمر الله بالوفاء فيهما في كثير من الآيات.
هذا؛ وقال نافع مولى ابن عمر: كان ابن عمر-﵄-يمر بالبائع، فيقول: (اتق الله، وأوف الكيل، والوزن بالقسط، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة؛ حتى يلجمهم العرق) أي: فيكون عرقهم على قدر تفاوتهم في التطفيف، فمنهم من يكون عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به-وهو نكرة-؛ لأنه بمعنى العذاب، وهو دعاء عليهم، والدعاء من المسوغات، سواء كان دعاء له، نحو: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أو عليه، كهذه الآية. ﴿لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بدلا من المطففين، أو هو صفة له، أو هو في محلّ نصب مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أذمّ الذين. أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين. والوجه الأول على الإتباع، والثاني، والثالث على القطع. ﴿إِذَا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿اِكْتالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على المشهور
стр. 7165
المرجوح. ﴿عَلَى النّاسِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بالفعل بعدهما. ﴿يَسْتَوْفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها. وقيل جواب (إذا) محذوف، تقديره: قبضوا منهم. وجملة: ﴿يَسْتَوْفُونَ﴾ في محل نصب حال من فاعل الفعل المحذوف. وهو تكلف لا داعي له. هكذا قيل في جواب (إذا) الثانية. و (إذا) ومدخولها صلة الموصول ﴿الَّذِينَ﴾ لا محل له. (إذا): مثل سابقتها. ﴿كالُوهُمْ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها كما رأيت سابقا. ﴿وَزَنُوهُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وانظر شرح الجملتين. ﴿يُخْسِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف يدل عليه المقام، والجملة الفعلية جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله، فهو من جملة الصلة.
﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦)﴾
الشرح: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ:﴾ ألا يعلم، ويوقن، ويستيقن. ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ:﴾ من قبورهم للحساب والجزاء. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ففيه إنكار، وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطر ببالهم، ولا يخمنون تخمينا: أنهم مبعوثون، ومحاسبون على أعمالهم. ولو اعتقدوا: أنهم مبعوثون ومحاسبون، ما نقصوا في الكيل والميزان.
وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابيا قال له: سمعت ما قال الله في المطففين؟! أراد بذلك: أن المطفف قد توجه عليه هذا الوعيد العظيم؛ الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل، ولا وزن؟! ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ:﴾ يقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، ويقفون بين يدي رب العالمين؛ ليحاسبهم على أعمالهم؛ التي عملوها في الدنيا. وهذا اليوم ذكرت أهواله في سورة (التكوير). وانظر طوله، وما قيل فيه في أول سورة (المعارج) وفي سورة (السجدة) وخذ ما يلي هنا:
قال أبو هريرة-﵁: قال النبي ﷺ لبشير الغفاري-﵁: «كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه مقدار ثلاثمئة سنة لربّ العالمين، لا يأتيهم فيه خبر، ولا يؤمر فيه بأمر». قال بشير: المستعان الله! وعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنه ليخفّف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا». هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (يونس) وقوله الحق: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ جعلنا الله منهم بفضله، وكرمه، ومنّه آمين.
تنبيه: القيام لله رب العالمين سبحانه شيء حقير بالإضافة إلى عظمته، وحقه، فأما قيام الناس بعضهم لبعض، فاختلف فيه الناس، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، وقد روي: أن
стр. 7166
النبي ﷺ قام إلى جعفر ابن عمه حين قدم من الحبشة، واعتنقه، وقام طلحة بن عبيد الله لكعب ابن مالك يوم تيب عليه. وقال النبي ﷺ للأنصار حين طلع عليهم سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة: «قوموا لسيّدكم». وقال أيضا ﷺ : «من سرّه أن يتمثّل له الناس قياما؛ فليتبوأ مقعده من النار». وذلك يرجع إلى حال الرجل، ونيته، فإن انتظر ذلك، واعتقده لنفسه؛ فهو ممنوع. وإن كان على طريق البشاشة، والوصلة؛ فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب كالقدوم من السفر، ونحوه. انتهى. قرطبي. أقول: ولا بأس به عند المماثلة، والمكافأة، وأعني بذلك: أن الشخص إن كان يقوم لمن يقوم له، ويحترمه؛ فلا بأس! وأما إن كان لا يقوم للناس، ويريد أن يتمثل له الناس قياما؛ فهذا الحرام، فإنه من الكبر، والغطرسة، والعجرفة بغير حق.
الإعراب: ﴿أَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام دخلت على (لا) النافية للتوبيخ، والتأنيب.
﴿يَظُنُّ:﴾ فعل مضارع. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع فاعل، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿مَبْعُوثُونَ:﴾ خبر (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿يَظُنُّ﴾. ﴿لِيَوْمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾. ﴿عَظِيمٍ:﴾ صفة (يوم).
﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿مَبْعُوثُونَ،﴾ أو هو متعلق بفعل محذوف يدل عليه ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ والمعنى: يبعثون يوم. وقيل: بدل من (يوم) وهو مبني على الفتح في محل جر. وقيل: منصوب بفعل محذوف، التقدير: أعني، أو اذكر. وجملة: ﴿يَقُومُ النّاسُ﴾ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿لِرَبِّ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و (رب) مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وتنبيه؛ أي: ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف، والغفلة عن البعث، والحساب، والجزاء، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه، ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم؛ لذا فليرتدعوا عنه! فعلى هذا تم الكلام هنا. وقيل: ﴿كَلاّ﴾ ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقا.
﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أي: الذي كتبت فيه أعمالهم. وقال ابن عباس-﵄: إن أرواح الفجار وأعمالهم. ﴿لَفِي سِجِّينٍ:﴾ قال ابن عمر-﵄: هي الأرض السابعة
стр. 7167
السفلى، وفيها أرواح الكفار. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن البراء بن عازب-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سجّين: أسفل سبع أرضين، وعليون: في السماء السابعة تحت العرش». وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس-﵄-إلى كعب الأحبار، فقال:
أخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ قال كعب: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي إلى سجين، وهو موضع خد إبليس، فيخرج لها من سجين رق، فيرقم، ويختم، ويوضع تحت خد إبليس لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة. انتهى. خازن.
﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ أي: ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت، ولا قومك يا محمد! وروى أبو هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «سجّين جبّ في جهنم، وهو مفتوح». وقال أبو عبيدة والأخفش، والزجاج: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ لفي حبس، وضيق شديد (فعّيل) من السجن، كما يقال:
فسّيق وشرّيب. قال ابن مقبل: [البسيط]
ورفقة يضربون البيض ضاحية... ضربا تواصت به الأبطال سجّينا
والمعنى: كتابهم في حبس. جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم، أو لأنه يحل من الإعراض عنه، والإبعاد له محل الزجر، والهوان. وهذا دليل على خبث أعمالهم، وتحقير الله إياها.
﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم، كالرقم في الثوب، لا ينسى، ولا يمحى؛ حتى يحاسبوا به، ويجازوا عليه. وقال قتادة: أي: مكتوب، رقم لهم بشر، لا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد. وقال الضحاك: ﴿مَرْقُومٌ:﴾ مختوم بالغة حمير، وأصل الرقم:
الكتابة. قال الشاعر: [الطويل]
سأرقم في الماء القراح إليكم... على بعدكم إن كان للماء راقم
قال النسفي-رحمه الله تعالى-نقلا عن الكشاف: فإن قلت: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجينا بكتاب مرقوم، فكأنه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم؛ فما معناه؟!
قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشر، دوّن الله فيه أعمال الشياطين، والكفرة من الجن، والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور، بيّن الكتابة، أو معلم، يعلم من رآه: أنه لا خير فيه، من: رقم الثياب علامتها. والمعنى: أن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجينا فعيلا من السجن، وهو الحبس، والتضييق؛ لأنه سبب الحبس، والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان موحش مظلم، وهو مسكن إبليس، وذريته، وهو اسم علم منقول من وصف، كحاتم، منصرف لوجود سبب واحد، وهو العلمية
стр. 7168
فحسب. هذا؛ و ﴿الفُجّارِ﴾ جمع: فاجر. والمراد بهم: الكفار. وكثيرا ما نجد من أبناء المسلمين من هو أفجر من الكفار: يظلم، ويعتدي على حقوق غيره، لا يخاف ربا، ولا يحترم قانونا، ولا يرعى ذمة، وعهدا، يكذب، ويخون، ويخلف الوعد، ويغش في بيعه، وشرائه، ويلف، ويدور في أخذه، وعطائه.
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ:﴾ هلاك، ووبال، وخزي، ونكال للذين يكذبون بيوم الجزاء، والحساب، والفصل بين العباد، وتمييز الحق من الباطل. و (يوم الدين) هو يوم القيامة الذي يدين الله فيه الناس؛ أي: يحاسبهم. ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ:﴾ وما يكذب بيوم الدين، والجزاء. ﴿إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ:﴾ متجاوز الحد الذي حدّه الله له، فيطغى، ويبغي، ويفسد في الأرض، بل ويعيث فيها فسادا. ﴿أَثِيمٍ:﴾ كثير الآثام لكثرة فساده في الأرض، وطغيانه على الناس.
﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا﴾ أي: تقرأ عليه آيات القرآن. ﴿قالَ:﴾ ذلك المعتدي الأثيم. ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ أكاذيب الأولين وأحاديثهم وأباطيلهم؛ التي كتبوها، وزخرفوها. والقائل هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار. قال البيضاوي: وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاضيهم، وصاحب مشورتهم، كان قد خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة، ودمنة، وكسرى، وقيصر، فلما قص رسول الله ﷺ أخبار من مضى؛ قال النضر:
لو شئت لقلت مثل هذا! وكان يقول: يأتيكم محمد بأخبار عاد، وثمود، وأنا آتيكم بأخبار القياصرة، والأكاسرة! يقصد بذلك أذى النبي ﷺ . فلما حصلت غزوة بدر الكبرى، وقع أسيرا في أيدي المسلمين، فأمر الرسول ﷺ بقتله صبرا، فحزنت عليه أخته: «قتيلة»، وأرسالات أبياتا للنبي ﷺ مطلعها: [الكامل]
أمحمد ولأنت نجل نجيبة... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربّما... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فلما سمع النبي ﷺ قصيدتها. قال: «لو سمعتها تقول هذا قبل أن أقتله؛ ما قتلته، ولعفوت عنه». ثم قال: «لا تقتل قريش أحدا بعد هذا صبرا». انظر الشاهد رقم [٤٧٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
هذا؛ و ﴿أَساطِيرُ﴾ جمع: أسطورة، وإسطارة (بكسر الهمزة)، فالأول مثل: أحدوثة، وأضحوكة، وأعجوبة، وجمعها: أحاديث، وأضاحيك، وأعاجيب. وقيل: واحدها سطر، بفتح السين والطاء. وأسطار: جمع، وأساطير: جمع الجمع، مثل: أقوال، وأقاويل، هذا؛ وسطر الكتابة جمعه في القلة: أسطر، وفي الكثرة: سطور، مثل: فلس، وأفلس، وفلوس. هذا؛ وقد قيل في معنى ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ:﴾ إنها التّرّهات، وهي عند العرب غامضة، ومسالك وعرة مشكلة، يقول قائلها: أخذنا في التّرّهات، بمعنى عدلنا عن الطريق الواضح إلى الطريق المشكل الذي لا
стр. 7169
يعرف، فجعلت الترهات مثلا لما لا يعرف، ولا يتضح من الأمور المشكلة الغامضة؛ التي لا أصل لها.
﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ جمع: أول، وفيه مسائل: الأولى: الصحيح أن أصله: (أوأل) بوزن أفعل، قلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت في الأولى، بدليل قولهم في الجمع: أوائل. وقيل: أصله:
(ووّل) بوزن: فوعل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
الثانية: الصحيح: أن أول لا يستلزم ثانيا، وإنما معناه: ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أول مال اكتسبته، وقد لا تكتسب بعده شيئا، وقد تكتسب. وقيل: إنه يستلزم ثانيا، كما أن الآخر يقتضي أولا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره، وقع الطلاق على الأول دون الثاني.
الثالثة: لأول استعمالان: أحدهما: أن يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو:
هذا أول من هذين، ولقيته عاما أول. والثاني أن يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أولا، ومنه قولهم: ما له أول، ولا آخر. قال أبو حيان: في محفوظي: أن هذا يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أولة، وآخرة. انتهى. همع الهوامع شرح جمع الجوامع.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر، أو حرف تنبيه بمعنى: حقا. انظر الشرح. ﴿إِنَّ:﴾
حرف مشبّه بالفعل. ﴿كِتابَ﴾ اسم (إنّ)، و ﴿كِتابَ:﴾ مضاف، و ﴿الفُجّارِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَفِي:﴾
اللام: هي المزحلقة. (في سجين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف.
(ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) الاستفهامية، والكاف مفعول به أول، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿ما سِجِّينٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني والثالث ل: ﴿أَدْراكَ؛﴾ لأنه بمعنى: أعلم. ﴿كِتابَ:﴾ بدل من ﴿سِجِّينٍ،﴾ أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو كتاب، وهذا على تفسير النسفي الذي رأيته، وعلى اعتبار ﴿سِجِّينٍ﴾ اسم مكان، أو اسم موضع؛ فكتاب خبر (إنّ)، والجار، والمجرور: (في سجين) متعلقان ب: ﴿مَرْقُومٌ﴾. وقيل:
﴿كِتابَ﴾ خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾. ﴿مَرْقُومٌ:﴾ صفة ﴿كِتابَ﴾ وعلى هذين الوجهين؛ فالجملة الاسمية:
﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ معترضة لا محل لها.
стр. 7170
﴿وَيْلٌ:﴾ مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق ب: ﴿وَيْلٌ﴾ لما فيه من معنى الهلاك، و (إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة مضافة (إذ) إليها. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. والجملة الاسمية: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ مستأنفة، لا محل لها على المعتمد. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة (المكذبين) أو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أذم الذين.
﴿يُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.
﴿بِيَوْمِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (يوم) مضاف، و ﴿الدِّينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾
الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿يُكَذِّبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿كُلُّ:﴾ فاعل يكذب، وهو مضاف، و ﴿مُعْتَدٍ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، و (معتد) صفة لموصوف محذوف. ﴿أَثِيمٍ:﴾ صفة ثانية للموصوف المحذوف، وجملة: (ما يكذب...) إلخ في محل نصب حال من (يوم الدين) والرابط: الواو، والضمير.
﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١]. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتُنا:﴾ نائب فاعل ﴿تُتْلى﴾. و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (كل معتد)، تقديره: هو.
﴿أَساطِيرُ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: ما يقوله محمد، أو: يأتي به أساطير، وهو مضاف، و ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية: «ما يقوله محمد أساطير» في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها في محل جر صفة ثالثة للموصوف المحذوف.
﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر؛ أي: ليس ما يأتي به محمد ﷺ أساطير الأولين، ﴿بَلْ رانَ:﴾ غطى. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ:﴾ من الكفر، والمعاصي، والسيئات. فعن أبي هريرة ﵁-عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد إذا أخطأ خطيئة؛ نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر الله، وتاب؛ صقل قلبه، فإن عاد؛ زيد فيها؛ حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله في كتابه: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾. رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
ولذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب؛ حتى يسود القلب. قال مجاهد: هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب؛ فيحيط الذنب بقلبه؛ حتى تغشى الذنوب قلبه.
стр. 7171
أقول وبالله التوفيق: إن هذا في حق الفسقة الفجرة من المسلمين، أما الكافر؛ فإنه مطبوع على قلبه، ولا حظّ له في هذا الحديث، وأقوال المفسرين بدليل قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٧]: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾. وما أكثر أبناء المسلمين في هذه الأيام الذين غطى الران على قلوبهم بسبب كسبهم المعاصي، والسيئات، وإعراضهم عن ذكر الله، وطاعتهم له! لذا أرشدهم الرسول ﷺ إلى الدواء الذي يزيل هذا الران؛ فعن عبد الله ابن عمرو-﵁-عن النبي ﷺ : أنه كان يقول: «إنّ لكلّ شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله...». إلخ رواه البيهقي. وعن أنس-﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
«إنّ للقلوب صدأ كصدأ النّحاس، وجلاؤها الاستغفار». رواه البيهقي أيضا.
وقال أبو معاذ: الرين: أن يسود القلب من الذنوب. والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، والإقفال: أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب. قال تعالى: ﴿أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ الآية رقم [٢٤] من سورة (محمد ﷺ .
هذا؛ وأصل الرين: الغلبة، ومعنى الآية: أن الذنوب، والمعاصي غلبت على قلوبهم، وأحاطت بها. يقال: ران على قلبه ذنبه، يرين رينا، وريونا؛ أي: غلب. وقال أبو عبيدة: كل ما غلبك؛ فقد ران عليك، وران بك، ورانك. وقال الشاعر: [الطويل]
وكم ران من ذنب على قلب فاجر... فتاب من الذّنب الّذي ران وانجلى
ورانت الخمر على عقله: غلبته، وران عليه النعاس: إذا غطاه. ومنه قول أبي زبيد يصف رجلا شرب؛ حتى غلبه الشراب سكرا، فقال: [الخفيف]
ثمّ لمّا رآه رانت به الخم... ر وألاّ ترينه باتّقاء
فقوله: رانت به الخمر؛ أي: غلبت على عقله، وقلبه. هذا؛ وينبغي أن تعلم: أن الرّين في الآية الكريمة، والحديث الشريف إنما هو شيء معنوي، وليس بمادي، وتفسيره: أننا لو أخذنا قلب الكافر، أو قلب الفاجر الفاسق؛ لا نجد غطاء ماديا يحيط بالقلب، ولا نجد قلب أحدهما أسود وقلب المؤمن أبيض، أو أحمر... إلخ فثبت ما قلته-والحمد لله-من أنه معنوي، لا حسيّ ولا مادي. هذا؛ وما تقدم هو من اليائي، أما الواوي، فيقال: ران، يرون رونا: الأمر اشتد، وعظم. ورانت الليلة: اشتد هولها، أو غمها.
هذا؛ والقلب قطعة صغيرة على هيئة الصّنوبرة، خلقها الله في الآدمي، وجعلها محلا للعلم، فيحصي به العبد من العلوم ما لا يسع في أسفار، يكتابه الله بالخط الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني حتى يحصيه، ولا ينسى منه شيئا، وهو بين لمّتين: لمة من الملك، ولمة من الشيطان، كما قال النبي ﷺ ، فأمّا لمّة الملك؛ فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، وأما لمة الشيطان؛ فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، فمن وجد الأول؛ فليعلم: أنه من الله، وليحمد الله،
стр. 7172
ومن وجد الثاني فليتعوّذ بالله من الشيطان. ثم قرأ الرسول ﷺ قوله تعالى في سورة (البقرة):
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾. هذا؛ واللّمة بفتح اللام: الخطرة الواحدة من الإلمام، وهو القرب من الشيء والمراد بها في الحديث التي تقع في القلب من فعل خير، أو شرّ، فأما لمة الشيطان؛ فوسوسة. وأما لمة الملك؛ فإلهام من الله تعالى.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿بَلْ:﴾ حرف انتقال، وإضراب. ﴿رانَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع فاعل ﴿رانَ،﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْسِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب خبر (كان)، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها. والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيء كانوا يكسبونه. هذا؛ وإن اعتبرت (ما) مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل رفع فاعل، والتقدير: ران على قلوبهم كسبهم السيئات، والمعاصي.
﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ هنا بمعنى: حقا. ﴿إِنَّهُمْ﴾ يعني: الكفار. ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿لَمَحْجُوبُونَ:﴾ قال الزجاج: في هذه الآية دليل على أنّ الله يرى في يوم القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا خست منزلة الكفار بأنّهم يحجبون. وقال جل ثناؤه في سورة (القيامة): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ فأعلم الله جلّ ثناؤه أن المؤمنين ينظرون إليه، وأعلم أنّ الكفار محجوبون عنه. وقال مالك بن أنس-رحمه الله تعالى-في هذه الآية:
لما حجب أعداءه، فلم يروه؛ تجلّى؛ لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي-﵁: لما حجب قوما بالسخط؛ دل على أن قوما يرونه بالرضا. ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس: أنه يرى ربه في المعاد؛ لما عبده في الدنيا. وهذا كلام المدللين. وقال الحسين بن الفضل: لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده؛ حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٢٢ و ٢٣] ففيها الدواء الشافي لقلبك.
﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ أي: ملازموها، ومحترقون فيها، غير خارجين منها. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٥٦]: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾. وقال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٩٧]: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً﴾. ﴿ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ:﴾
стр. 7173
أي: تقول لهم خزنة جهنم على وجه التقريع، والتوبيخ: هذا جزاء الذي كذبتم به رسل الله في الدنيا، وكذبتم وقوعه في الآخرة. والله أعلم.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ابتداء بمعنى: حقا. ﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿عَنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب: (محجوبون) بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده، و (إذ) ظرف زمان أيضا مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، والتقدير:
يوم إذ يحشر الناس. ﴿لَمَحْجُوبُونَ:﴾ خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، واللام هي المزحلقة، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُمْ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف.
﴿إِنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَصالُوا:﴾ اللام: هي لام الابتداء زحلقت إلى الخبر. (صالو): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، وحذفت النون للإضافة، و (صالو) مضاف، و ﴿الْجَحِيمِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يُقالُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿هذَا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، وجملة: «تكذبون به» في محل نصب خبر (كان).
وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿هذَا الَّذِي..﴾. إلخ في محل رفع نائب فاعل ﴿يُقالُ﴾. أفاده ابن هشام في المغني، وهذا يكون جاريا على القاعدة العامة: «يحذف الفاعل، ويقام المفعول به مقامه». وهذا لا غبار عليه. وقد ذكرت لك مرارا:
أن بعضهم يعتبر نائب الفاعل ضميرا مستترا تقديره: «هو» يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل، أو هو محذوف، يدل عليه المقام؛ أي: ويقال قول، وبعضهم يعتبر الجار، والمجرور: «لهم» المذكور، أو المقدر، كما هنا في محل رفع نائب فاعل، والمعتمد الأول. وأيده ابن هشام في المغني، حيث قال: إن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات، ولهذا تقع مبتدأ، نحو (لا حول ولا قوة إلا بالله: كنز من كنوز الجنّة) ونحو (زعموا: مطية الكذب) وجملة: ﴿يُقالُ..﴾. إلخ معطوفة على خبر (إنّ)، فهي في محل رفع مثله.
﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾
الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر؛ أي: ليس الأمر كما يزعمون من مساواة الفجار بالأبرار في دار القرار، بل كتابهم في سجين، وكتاب الأبرار في عليين. وعن كعب الأحبار؛ قال: إن
стр. 7174
روح المؤمن إذا قبضت صعد بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، وتلقتها الملائكة بالبشرى، ثم يخرجون معها؛ حتى ينتهوا معها إلى العرش، فيخرج لهم من تحت العرش رق، فيرقم، ويختم فيه النجاة من الحساب يوم القيامة، ويشهده المقربون.
وقال ابن عباس-﵄: ﴿عِلِّيُّونَ﴾ لوح من زبرجدة خضراء، معلق بالعرش، أعمالهم مكتوبة فيه. وقال الفراء: ﴿عِلِّيُّونَ﴾ ارتفاع بعد ارتفاع. وقال: هو اسم موضوع على صفة الجمع، ولا واحد له من لفظه، كقولك: عشرون، وثلاثون، والعرب إذا جمعت جمعا، ولم يكن له بناء من واحده، ولا تثنية؛ قالوا في المذكر، والمؤنث بالنون. ومن حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل علّيّين لينظرون إلى الجنة من كذا، فإذا أشرف رجل من أهل عليين؛ أشرقت الجنة لضياء وجهه، فيقولون: ما هذا النور؟ فيقال: أشرف رجل من أهل عليين الأبرار أهل الطّاعة، والصّدق». وفي خبر آخر: «إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى الكوكب الدّرّيّ في أفق السماء». فهذا يدل على أن عليين اسم الموضع المرتفع.
﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ أي: ما الذي أعلمك يا محمد أي شيء عليون؟! على جهة التفخيم، والتعظيم له في المنزلة الرفيعة. ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي: مكتوب فيه: إن فلانا أمن من النار رقما يا له من رقم ما أبهاه، وما أجمله!. ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: يحضرونه، ويحفظونه. أو يشهدون بما فيه يوم القيامة لتعظيمه. والمعنى: يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء من الملائكة. ولا تنس المقابلة بين ﴿كَالْفُجّارِ﴾ وما لهم، وبين ﴿الْأَبْرارِ﴾ ومصيرهم. وتلك سنة الله في كتابه الكريم، فلا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر السخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا.
هذا؛ وروي: أن الملائكة تصعد بعمل العبد، فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه؛ أوحى إليهم: إنكم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص لي عمله، فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له! وإنها لتصعد بعمل العبد، فيتركونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله؛ أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجين! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر، أو حرف بمعنى: حقا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿كِتابَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ وهو مضاف، و ﴿الْأَبْرارِ﴾ مضاف إليه. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي لام الابتداء، زحلقت إلى الخبر. (في عليين): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ إعراب هذه الآية مثل إعراب ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ بلا فارق. ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ:﴾ هو مثل الآية رقم [٩] بلا فارق. ﴿يَشْهَدُهُ:﴾ فعل
стр. 7175
مضارع، والهاء مفعول به. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فاعله مرفوع... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿كِتابٌ﴾.
﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ:﴾ انظر الآية رقم [١٣] من سورة (الانفطار). ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾
جمع: أريكة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٣] من سورة (الدهر) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿يَنْظُرُونَ:﴾ إلى ما أعد الله لهم من الكرامات. وقيل: ينظرون إلى أعدائهم في النار كيف يعذبون.
وقيل: ينظرون إلى ربهم. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي: بهجته، وغضارته، ونوره. يقال:
أنضر النبات: إذا أزهر، ونوّر، والمعنى: إذا رأيتهم تعرف: أنهم من أهل النعمة لما ترى على وجوههم من النور، والحسن، والبياض. هذا؛ والنضرة في الوجه، والسرور في القلب.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَبْرارَ:﴾ اسمها. ﴿لَفِي:﴾ اللام: هي المزحلقة.
(في نعيم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستقر في الخبر المحذوف، أو هي في محل رفع خبر ثان، أو هي مستأنفة، لا محل لها.
﴿تَعْرِفُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ويقرأ الفعل بالبناء للمجهول، ورفع (نضرة) على أنه نائب فاعله. ﴿فِي وُجُوهِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿نَضْرَةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿النَّعِيمِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الضمير فقط، وهي حال متداخلة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾
الشرح: ﴿يُسْقَوْنَ﴾ أي: الأبرار. وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الدهر) فالبحث فيها جيد.
﴿مِنْ رَحِيقٍ﴾ أي: من شراب لا غش فيه. قاله الأخفش، والزجاج. وقيل: الرحيق: الخمر الصافية، الطيبة البيضاء، والرحيق اسم من أسماء الخمر. قال حسان بن ثابت-﵁: [الكامل]
يسقون من ورد البريص عليهم... بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
стр. 7176
وقال أبو الكبير الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٤٩] كتابنا «فتح رب البرية» -: [الكامل]
أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل
﴿مَخْتُومٍ:﴾ على إنائها، ومنع من أن تمسه الأيدي إلى أن يفك ختامه الأبرار، فإن قلت:
فقد قال الله تعالى في سورة (محمد ﷺ الآية رقم [١٥]: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ والنهر لا يختم عليه، فكيف طريق الجمع بين الآيتين؟! قلت: يحتمل أن يكون المذكور في هذه الآية في أوان مختوم عليها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار، وإنما ختم عليها لشرفها، ونفاستها. انتهى.
خازن. هذا؛ ولا تنس: أن الله جلت قدرته نفى عنها الغول الذي يسلب العقل؛ الذي يكون في خمر الدنيا. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ فاسمها في الجنة خمر، لكن طعمها أحلى من العسل، ولونها أبيض من اللبن، وهي أبرد من الثلج! نسأل الله أن يوفقنا إلى العمل الصالح في الدنيا لنفوز بفضل الله علينا في الآخرة!.
﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: طينته التي ختم عليه بها مسك، بخلاف خمر الدنيا، فإن ختامها طين، أمر الله تعالى بالختم عليه إكراما لأصحابها. وقال ابن مسعود-﵁: مختوم؛ أي:
ممزوج ختامه؛ أي: آخر طعمه، وعاقبته مسك. وقيل: يخرج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك، وهو حسن وجيد؛ لأن سبيل الأشربة أن يكون الكدر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك. هذا؛ والخاتم، والختام متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر. قاله الفراء. وقال الفرزدق: [الوافر]
خرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام
فبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ تشبيه بليغ؛ إذ الأصل ختامه كالمسك في الطيب، والبهجة. فحذف منه الأداة، ووجه الشبه: فأصبح بليغا.
﴿وَفِي ذلِكَ﴾ أي: وفي هذا النعيم، والشراب الهنيء. ﴿فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ أي: فليرغب بالمبادرة إلى طاعة الله الراغبون، وليتسابق المتسابقون. نظيره قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾. ﴿وَمِزاجُهُ﴾ أي: مزاج ذلك الرحيق، وخلطه. ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: شراب ينصبّ عليهم من غرفهم، ومنازلهم، وهو أشرف شراب أهل الجنة، وهو مأخوذ من العلو، ومنه: سنام البعير؛ لأنه أعلاه، ومنه أيضا: سنام الجبل، وهو قمته العليا، وكذلك ﴿تَسْنِيمٍ﴾. وروي عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين، فتطيب. وقال ابن عباس
стр. 7177
-﵄: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ سورة (السجدة) رقم [١٧].
﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فإنهم يشربونها صرفا؛ لأنهم لم يشتغلوا بغير الله، ويمزج لسائر أهل الجنة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الدهر)، تجد ما يسرك ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿يُسْقَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية محلها مثل جملة: ﴿تَعْرِفُ..﴾. إلخ ﴿مِنْ رَحِيقٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب المفعول الثاني. ﴿مَخْتُومٍ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَحِيقٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (في ذلك): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلْيَتَنافَسِ:﴾ الفاء: صلة، أو هي حرف استئناف، والواو صلة. (ليتنافس): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْمُتَنافِسُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، ومثل هذه الجملة في إعرابها قوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ﴿وَمِزاجُهُ:﴾ الواو: حرف عطف.
(مزاجه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وما بينهما معترض لا محل له. ﴿عَيْناً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح عينا. وقيل: التقدير: يسقون عينا، وهو قول الأخفش. وعند الفراء منصوب ب: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ على أنه مصدر من: السنام. وقال الزجاج:
نصب على الحال من: ﴿تَسْنِيمٍ،﴾ ولا أسلمه؛ لأن ﴿عَيْناً﴾ اسم جامد، والحال يجب أن يكون مشتقا. ﴿يَشْرَبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَيْناً﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا:﴾ كفروا. يعني: كفار قريش، كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وغيرهم من مترفي أهل مكة. ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أي: من عمّار، وخباب، وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أي: منهم على وجه السخرية، والاستهزاء، ويقولون عنهم: جاء ملوك الأرض! قوموا لملوك الأرض! ﴿وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ﴾ أي: مر المؤمنون الفقراء بالكفار الأغنياء. ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أي: يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم إلى الفقراء المؤمنين سخرية، واستهزاء. هذا؛ والغمز: العيب، والطعن. وهو أيضا:
стр. 7178
الجس، واللمس باليد. قال زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]
وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما
وقال جرير مفتريا على أخت الفرزدق: [الكامل]
غمز ابن مرة يا فرزدق كينها... غمز الطبيب نغانغ المعذور
هذا؛ والغمز، واللمز حرام. قال الرسول ﷺ : «الهمّازون، واللّمّازون، والمشّاؤون بالنّميمة، الباغون للبراء العيب يحشرهم الله في وجوه الكلاب». رواه ابن حبان عن العلاء بن الحارث-﵁. وينبغي أن تعلم: أن الله لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة؛ ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا، ثم بين: أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة. والمقصود منه تسلية المؤمنين، وتقوية قلوبهم، فحكى الله عن الكفار أربعة أشياء من العلامات القبيحة؛ فأولها ضحكهم من الذين آمنوا، وآخرها: قولهم: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾.
هذا؛ وقال مقاتل: نزلت الآية في علي بن أبي طالب-﵁-جاء في نفر من المسلمين إلى النبي ﷺ ، فلمزهم المنافقون، وضحكوا عليهم، وتغامزوا.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿أَجْرَمُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو: اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وجملة: «يضحكون من الذين آمنوا» في محل نصب خبر (كان). وجملة:
﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١]. ﴿مَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَتَغامَزُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ فهو في محل رفع مثله.
﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا:﴾ رجعوا وانصرفوا ﴿إِلى أَهْلِهِمُ:﴾ أصحابهم، وذويهم، ومنازلهم.
﴿اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ:﴾ رجعوا متلذذين بذكرهم، والسخرية منهم. أو المعنى: رجعوا معجبين بما هم
стр. 7179
فيه من الشرك ومعاندة الحق. ويقرأ: «(فاكهين)»: بالألف. قال الفراء: وهما لغتان مثل: طمع، وطامع، وحذر، وحاذر.
الإعراب: ﴿وَإِذَا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١]. ﴿اِنْقَلَبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿إِلى أَهْلِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِنْقَلَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة جواب (إذا) لا محل لها. ﴿فَكِهِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و (إذا) ومدخولها معطوف على جملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ فهو في محل رفع مثلها.
﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ﴾ أي: رأى المشركون أصحاب النبي ﷺ ﴿قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي:
أصحاب النبي ﷺ . ﴿لَضالُّونَ﴾ أي: هم في ضلال، يأتون محمدا، ويرون: أنهم على شيء يعتد به. ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ أي: وما أرسلوا من جهة الله موكلين بهم، يحافظون عليهم أحوالهم، ويشهدون برشدهم، وضلالهم، وهذا تهكم بهم، وإشعار بأن ما اجترؤوا عليه من القول من وظائف الرسل من جهته تعالى.
الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١] ﴿رَأَوْهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَضالُّونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ضالون): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُرْسِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حافِظِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو هو مفعول به ثان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَما أُرْسِلُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾
الشرح: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: هذا اليوم؛ الذي هو يوم القيامة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بمحمد ﷺ رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا. ﴿مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ:﴾ كما ضحك الكفار منهم في
стр. 7180
الدنيا. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ:﴾ قال ابن المبارك: ذكر لنا: أن كعبا كان يقول: إن بين الجنة، والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا اطلع من بعض الكوى. قال الله تعالى في سورة (الصافات) الآية رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: ذكر لنا: أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ابن المبارك أيضا؛ قال: أخبرنا الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥]: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال: يقال لأهل النار؛ وهم في النار: اخرجوا! فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت؛ أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها؛ غلّقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ويضحك المؤمنون منهم حين غلّقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ..﴾. إلخ. وفي سبب هذا الضحك وجوه: منها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر، والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكفار بسبب ما هم فيه من الصغار، والهوان بعد العز، والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم، والترفه. ومنها: أنهم علموا: أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني. ومنها: أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم. ومنها أنه يقال لأهل النار؛ وهم فيها: اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها؛ وقد فتحت أبوابها؛ أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها؛ أغلقت دونهم. يفعل ذلك بهم مرارا، فذلك سبب الضحك. ومنها: أنهم إذا دخلوا الجنة، وأجلسوا على الأرائك؛ ينظرون إلى الكفار كيف يعذبون في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل، والثبور، ويلعن بعضهم بعضا؟. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.
﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ أي: هل جوزي الكفار، وأثيبوا؟! وهو من: ثاب، يثوب: إذا رجع، وثوب، وأثيب بمعنى واحد. قال أوس بن حجر، يخاطب مؤنثا من: امرأة، أو نفسه، أو ناقته: [الطويل]
سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوّب... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
هذا؛ والتثويب في أذان الفجر أن يقول المؤذن بعد قوله: (حي على الفلاح): (الصلاة خير من النوم). ورجل ثيب، وامرأة ثيب. قال ابن السكيت: وهو الذي دخل بامرأة، وهي التي دخل بها. والثواب، والمثوبة: جزاء الطاعة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٣]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذا؛ وينبغي للقارئ، والسامع أن يقول في آخر هذه الآية: نعم.
الإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَضْحَكُونَ:﴾ فعل
следующие страницы →