← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

وقال أبو الكبير الهذلي-وهو الشاهد رقم [١٢١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٤٩] كتابنا «فتح رب البرية» -: [الكامل] أم لا سبيل إلى الشّباب وذكره... أشهى إليّ من الرّحيق السّلسل ﴿مَخْتُومٍ:﴾ على إنائها، ومنع من أن تمسه الأيدي إلى أن يفك ختامه الأبرار، فإن قلت: فقد قال الله تعالى في سورة (محمد ﷺ الآية رقم [١٥]: ﴿وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ والنهر لا يختم عليه، فكيف طريق الجمع بين الآيتين؟! قلت: يحتمل أن يكون المذكور في هذه الآية في أوان مختوم عليها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار، وإنما ختم عليها لشرفها، ونفاستها. انتهى. خازن. هذا؛ ولا تنس: أن الله جلت قدرته نفى عنها الغول الذي يسلب العقل؛ الذي يكون في خمر الدنيا. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ فاسمها في الجنة خمر، لكن طعمها أحلى من العسل، ولونها أبيض من اللبن، وهي أبرد من الثلج! نسأل الله أن يوفقنا إلى العمل الصالح في الدنيا لنفوز بفضل الله علينا في الآخرة!. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: طينته التي ختم عليه بها مسك، بخلاف خمر الدنيا، فإن ختامها طين، أمر الله تعالى بالختم عليه إكراما لأصحابها. وقال ابن مسعود-﵁: مختوم؛ أي: ممزوج ختامه؛ أي: آخر طعمه، وعاقبته مسك. وقيل: يخرج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك، وهو حسن وجيد؛ لأن سبيل الأشربة أن يكون الكدر في آخرها، فوصف شراب أهل الجنة بأن رائحة آخره رائحة المسك. هذا؛ والخاتم، والختام متقاربان في المعنى، إلا أن الخاتم الاسم، والختام المصدر. قاله الفراء. وقال الفرزدق: [الوافر] خرجن إليّ لم يطمثن قبلي... وهنّ أصحّ من بيض النّعام فبتن بجانبيّ مصرّعات... وبتّ أفضّ أغلاق الختام هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ تشبيه بليغ؛ إذ الأصل ختامه كالمسك في الطيب، والبهجة. فحذف منه الأداة، ووجه الشبه: فأصبح بليغا. ﴿وَفِي ذلِكَ﴾ أي: وفي هذا النعيم، والشراب الهنيء. ﴿فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ أي: فليرغب بالمبادرة إلى طاعة الله الراغبون، وليتسابق المتسابقون. نظيره قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾. ﴿وَمِزاجُهُ﴾ أي: مزاج ذلك الرحيق، وخلطه. ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ أي: شراب ينصبّ عليهم من غرفهم، ومنازلهم، وهو أشرف شراب أهل الجنة، وهو مأخوذ من العلو، ومنه: سنام البعير؛ لأنه أعلاه، ومنه أيضا: سنام الجبل، وهو قمته العليا، وكذلك ﴿تَسْنِيمٍ﴾. وروي عن عبد الله بن عمر-﵄-قال: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ عين في الجنة يشرب بها المقربون صرفا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين، فتطيب. وقال ابن عباس

стр. 7177

-﵄: هذا مما قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ سورة (السجدة) رقم [١٧]. ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فإنهم يشربونها صرفا؛ لأنهم لم يشتغلوا بغير الله، ويمزج لسائر أهل الجنة. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من سورة (الدهر)، تجد ما يسرك ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿يُسْقَوْنَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية محلها مثل جملة: ﴿تَعْرِفُ..﴾. إلخ ﴿مِنْ رَحِيقٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب المفعول الثاني. ﴿مَخْتُومٍ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ في محل رفع صفة ثانية ل: ﴿رَحِيقٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿وَفِي:﴾ الواو: حرف استئناف. (في ذلك): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَلْيَتَنافَسِ:﴾ الفاء: صلة، أو هي حرف استئناف، والواو صلة. (ليتنافس): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْمُتَنافِسُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، ومثل هذه الجملة في إعرابها قوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ﴿وَمِزاجُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (مزاجه): مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ وما بينهما معترض لا محل له. ﴿عَيْناً:﴾ مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أمدح عينا. وقيل: التقدير: يسقون عينا، وهو قول الأخفش. وعند الفراء منصوب ب: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ على أنه مصدر من: السنام. وقال الزجاج: نصب على الحال من: ﴿تَسْنِيمٍ،﴾ ولا أسلمه؛ لأن ﴿عَيْناً﴾ اسم جامد، والحال يجب أن يكون مشتقا. ﴿يَشْرَبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿بِهَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْمُقَرَّبُونَ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿عَيْناً﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا:﴾ كفروا. يعني: كفار قريش، كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وغيرهم من مترفي أهل مكة. ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أي: من عمّار، وخباب، وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. ﴿يَضْحَكُونَ﴾ أي: منهم على وجه السخرية، والاستهزاء، ويقولون عنهم: جاء ملوك الأرض! قوموا لملوك الأرض! ﴿وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ﴾ أي: مر المؤمنون الفقراء بالكفار الأغنياء. ﴿يَتَغامَزُونَ﴾ أي: يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم إلى الفقراء المؤمنين سخرية، واستهزاء. هذا؛ والغمز: العيب، والطعن. وهو أيضا:

стр. 7178

الجس، واللمس باليد. قال زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر] وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما وقال جرير مفتريا على أخت الفرزدق: [الكامل] غمز ابن مرة يا فرزدق كينها... غمز الطبيب نغانغ المعذور هذا؛ والغمز، واللمز حرام. قال الرسول ﷺ : «الهمّازون، واللّمّازون، والمشّاؤون بالنّميمة، الباغون للبراء العيب يحشرهم الله في وجوه الكلاب». رواه ابن حبان عن العلاء بن الحارث-﵁. وينبغي أن تعلم: أن الله لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة؛ ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا، ثم بين: أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة. والمقصود منه تسلية المؤمنين، وتقوية قلوبهم، فحكى الله عن الكفار أربعة أشياء من العلامات القبيحة؛ فأولها ضحكهم من الذين آمنوا، وآخرها: قولهم: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾. هذا؛ وقال مقاتل: نزلت الآية في علي بن أبي طالب-﵁-جاء في نفر من المسلمين إلى النبي ﷺ ، فلمزهم المنافقون، وضحكوا عليهم، وتغامزوا. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم (إنّ). ﴿أَجْرَمُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص، والواو: اسمه، والألف للتفريق. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وجملة: «يضحكون من الذين آمنوا» في محل نصب خبر (كان). وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ في محل رفع خبر (إنّ). والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ (الواو): حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١]. ﴿مَرُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يَتَغامَزُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها، و (إذا) ومدخولها معطوف على جملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ فهو في محل رفع مثله. ﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١)﴾ الشرح: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا:﴾ رجعوا وانصرفوا ﴿إِلى أَهْلِهِمُ:﴾ أصحابهم، وذويهم، ومنازلهم. ﴿اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ:﴾ رجعوا متلذذين بذكرهم، والسخرية منهم. أو المعنى: رجعوا معجبين بما هم

стр. 7179

فيه من الشرك ومعاندة الحق. ويقرأ: «(فاكهين)»: بالألف. قال الفراء: وهما لغتان مثل: طمع، وطامع، وحذر، وحاذر. الإعراب: ﴿وَإِذَا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١]. ﴿اِنْقَلَبُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿إِلى أَهْلِهِمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿اِنْقَلَبُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة جواب (إذا) لا محل لها. ﴿فَكِهِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، و (إذا) ومدخولها معطوف على جملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ فهو في محل رفع مثلها. ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣)﴾ الشرح: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ﴾ أي: رأى المشركون أصحاب النبي ﷺ ﴿قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ﴾ أي: أصحاب النبي ﷺ . ﴿لَضالُّونَ﴾ أي: هم في ضلال، يأتون محمدا، ويرون: أنهم على شيء يعتد به. ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ أي: وما أرسلوا من جهة الله موكلين بهم، يحافظون عليهم أحوالهم، ويشهدون برشدهم، وضلالهم، وهذا تهكم بهم، وإشعار بأن ما اجترؤوا عليه من القول من وظائف الرسل من جهته تعالى. الإعراب: ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): انظر الآية رقم [١] ﴿رَأَوْهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه. (أولاء): اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَضالُّونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (ضالون): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ جواب (إذا) لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُرْسِلُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿حافِظِينَ:﴾ حال من واو الجماعة، أو هو مفعول به ثان منصوب... إلخ، وجملة: ﴿وَما أُرْسِلُوا..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ الشرح: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني: هذا اليوم؛ الذي هو يوم القيامة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بمحمد ﷺ رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا. ﴿مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ:﴾ كما ضحك الكفار منهم في

стр. 7180

الدنيا. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ:﴾ قال ابن المبارك: ذكر لنا: أن كعبا كان يقول: إن بين الجنة، والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا اطلع من بعض الكوى. قال الله تعالى في سورة (الصافات) الآية رقم [٥٥]: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: ذكر لنا: أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ابن المبارك أيضا؛ قال: أخبرنا الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥]: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾. قال: يقال لأهل النار؛ وهم في النار: اخرجوا! فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت؛ أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها؛ غلّقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ويضحك المؤمنون منهم حين غلّقت دونهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ..﴾. إلخ. وفي سبب هذا الضحك وجوه: منها: أن الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا بسبب ما هم فيه من الضر، والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكفار بسبب ما هم فيه من الصغار، والهوان بعد العز، والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم، والترفه. ومنها: أنهم علموا: أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني. ومنها: أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم. ومنها أنه يقال لأهل النار؛ وهم فيها: اخرجوا، وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها؛ وقد فتحت أبوابها؛ أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها؛ أغلقت دونهم. يفعل ذلك بهم مرارا، فذلك سبب الضحك. ومنها: أنهم إذا دخلوا الجنة، وأجلسوا على الأرائك؛ ينظرون إلى الكفار كيف يعذبون في النار، ويرفعون أصواتهم بالويل، والثبور، ويلعن بعضهم بعضا؟. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ أي: هل جوزي الكفار، وأثيبوا؟! وهو من: ثاب، يثوب: إذا رجع، وثوب، وأثيب بمعنى واحد. قال أوس بن حجر، يخاطب مؤنثا من: امرأة، أو نفسه، أو ناقته: [الطويل] سأجزيك أو يجزيك عنّي مثوّب... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي هذا؛ والتثويب في أذان الفجر أن يقول المؤذن بعد قوله: (حي على الفلاح): (الصلاة خير من النوم). ورجل ثيب، وامرأة ثيب. قال ابن السكيت: وهو الذي دخل بامرأة، وهي التي دخل بها. والثواب، والمثوبة: جزاء الطاعة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٣]: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هذا؛ وينبغي للقارئ، والسامع أن يقول في آخر هذه الآية: نعم. الإعراب: ﴿فَالْيَوْمَ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اليوم): ظرف زمان متعلق بالفعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنَ الْكُفّارِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَضْحَكُونَ:﴾ فعل

стр. 7181

مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿عَلَى الْأَرائِكِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يَضْحَكُونَ﴾. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿ثُوِّبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿الْكُفّارِ:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية. فعلى الأولين مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق، وجملة: ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ في محل نصب خبر (كان)، وجملة: ﴿كانُوا..﴾. إلخ صلة ﴿ما،﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو شيئا كانوا يفعلونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل نصب مفعول به ثان، التقدير: هل ثوب الكفار فعلهم؟! وجملة: ﴿هَلْ ثُوِّبَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل ﴿يَنْظُرُونَ﴾ المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام، أو هي في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: يقول بعض المؤمنين لبعض: هل ثوب... إلخ، أو هي مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وصحبه، وسلم. انتهت سورة (المطففين) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7182

سورة الانشقاق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الانشقاق) مكية في قول الجميع، وهي خمس وعشرون آية، ومئة وسبع كلمات، وأربعمئة وثلاثون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥)﴾ الشرح: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ:﴾ تصدعت وتشققت، وهو مثل قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ قال علي-﵁ وكرم الله وجهه-: تتشقق من المجرة. والمجرة (بوزن المضرة) باب السماء. وأهل الهيئة يقولون: إنها نجوم صغار مختلطة غير متميزة في الحسن. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ أي: سمعت، وحق لها أن تسمع، وخضعت، وذلت، وحق لها أن تخضع، وتذل، فلم تأب، ولم تمتنع. ومن الأول قول النبي ﷺ : «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن». أي: ما استمع الله لشيء. قال قعنب ابن أم صاحب-وهو الشاهد رقم [١١٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به... وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا جهلا علينا وجبنا من عدوّهم... فبئست الخلّتان الجهل والجبن إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا... عنّي وما يسمعوا من صالح دفنوا وذكر القرطبي البيت الأول، ولم يعزه لأحد، وذكر البيت الثالث، وعزاه إلى قعنب أيضا، مع تغيير فيه كما يلي: [البسيط] إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا... وما هم أذنوا من صالح دفنوا ومن المعنى الثاني، وهو: خضعت، وذلت، وحقّ لها أن تفعل ذلك: قول كثير عزة: [الطويل] فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا... وحقّت لها العتبى لدينا وقلّت

стр. 7183

﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أي: بسطت، ودكت جبالها. قال النبي ﷺ : «تمدّ مدّ الأديم». أي: الجلد؛ لأن الأديم إذا مد؛ زال كل انثناء فيه، وامتد، واستوى. وقال ابن عباس، وابن مسعود ﵄: ويزداد في سعتها كذا، وكذا، لوقوف الخلائق عليها للحساب؛ حتى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدمه لكثرة الخلائق فيها، وقد رأيت في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام أن الأرض تبدل بأرض أخرى. ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ أي: أخرجت ما فيها من الأموات، وتخلّت عنهم، وكذلك تخرج ما في بطنها من كنوزها، ومعادنها؛ أي: خلا جوفها، فليس يبقى في جوفها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر، كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدة. هذا؛ ووصافات الأرض بالإلقاء، والتخلية توسعا، وإلا فالتحقيق: أن المخرج لتلك الأشياء هو الله تعالى. ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ:﴾ ليس هذا تكرارا؛ لأن الأول في السماء، وهذا في الأرض. وأخيرا لا تنس قوله تعالى في سورة (الزلزلة): ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾. تنبيه: في قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ استعارة مكنية، فقد شبهت حال السماء في انقيادها لتأثير قدرة الله تعالى بانقياد المستمع المطواع للأمر. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ استعارة مكنية أيضا، فقد شبهت حال الأرض بحال المرأة الحامل، تلقي ما فيها عند الشدة والهول، ثم حذف المشبه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو الإلقاء. الإعراب: ﴿إِذَا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿السَّماءُ:﴾ فاعل بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، وهذا عند البصريين، وعند الكوفيين فيه ثلاثة أوجه: الأول: وافقوا فيه البصريين. والثاني: اعتبار ﴿السَّماءُ﴾ فاعلا مقدما، والثالث: اعتبار ﴿السَّماءُ﴾ مبتدأ، والجملة الفعلية بعده خبره، انظر الشاهد رقم [٩٩٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، فإنه جيد، والحمد لله. ﴿اِنْشَقَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿السَّماءُ﴾ والجملة الفعلية مفسرة، لا محل لها عند البصريين، وهو المعتمد في هذه المسألة، والفعل المحذوف، وفاعله جملة فعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذَا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿وَأَذِنَتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أذنت): فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿السَّماءُ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿اِنْشَقَّتْ﴾ لا محل لها مثلها. ﴿لِرَبِّها:﴾ متعلقان بما قبلهما، وها في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَحُقَّتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (حقت): فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿السَّماءُ،﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا، والكلام الآتي كله معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله بلا فارق. هذا؛ واختلف في جواب ﴿إِذَا،﴾ فقال الفراء: (أذنت) والواو زائدة، وكذلك: (ألقت) وقال الكسائي: الجواب: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ..﴾. إلخ، وقيل: الجواب محذوف، تقديره: يقال:

стр. 7184

يا أيها الإنسان. وقيل: التقدير: بعثتم. أو جوزيتم. وقيل: ﴿إِذَا﴾ مبتدأ، و (إذا الأرض...) إلخ خبره، والواو زائدة. حكي عن الأخفش. وقيل: إنها لا جواب لها، والتقدير: اذكر إذا، ولا أعتمد قولا مما تقدم، وإنما الجواب محذوف، تقديره: علمت نفس ما قدمت، وأخرت. مثل سورة (التكوير) و (الانفطار). ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦)﴾ الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ:﴾ المراد بالإنسان الجنس، فهو للاستغراق؛ أي: يا بن آدم. ﴿إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ أي: عامل لربك عملا، فأنت تلاقيه، وتجده يوم القيامة مسجلا في صحيفة أعمالك. وقيل: الضمير يعود إلى ﴿رَبِّكَ﴾ والأولى عوده إلى ﴿كَدْحاً؛﴾ لأنه أقرب مذكور، وهو يشمل عمل الخير، وعمل الشر. هذا؛ والكدح في كلام العرب: العمل، والكسب. قال ابن مقبل: [الطويل] وما الدّهر إلا تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح التقدير: فمنهما تارة أموت، وتارة أخرى... وقال آخر: [الكامل] ومضت بشاشة كلّ عيش صالح... وبقيت أكدح للحياة وأنصب هذا؛ وفي المختار: الكدح: العمل، والسعي، والكد، والكسب. وهو أيضا الخدش، وباب الكل: قطع. وبوجهه كدوح؛ أي: خدوش، وهو يكدح لعياله، ويكتدح؛ أي: يكتسب. الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيها): نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، وها: حرف تنبيه، لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ بعضهم يعرب هذا اللفظ، وأمثاله بدلا، وبعضهم يعربه نعتا، والقول الفصل: أن الاسم الواقع بعد «أي»، وبعد اسم الإشارة، إن كان مشتقا؛ فهو نعت، وإن كان جامدا-كما هنا-فهو بدل، أو عطف بيان. والمتبوع-أعني: أي-منصوب محلا، وكذا التابع -أعني: الإنسان، وأمثاله-فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الإتباع اللفظية، وإنما أتبعت ضمة البناء مع أنها لا تتبع؛ لأنها وإن كانت ضمة بناء، لكنها عارضة، فأشبهت ضمة الإعراب، فلذا جاز إتباعها. أفاده الصبان؛ لأنه قال: والمتجه وفاقا لبعضهم: أن ضمة التابع إتباع، لا إعراب، ولا بناء. وقيل: إن رفع التابع المذكور إعراب، واستشكل بعدم المقتضي للرفع، وأجيب بأن العامل يقدر من لفظ عامل المتبوع مبنيا للمجهول نحو يدعى، وهو مع ما فيه من التكلف يؤدي إلى قطع المتبوع. وقيل: إن

стр. 7185

رفع التابع المذكور بناء؛ لأن المنادى في الحقيقة هو المحلّى بأل، ولكن لما لم يمكن إدخال حرف النداء عليه؛ توصلوا إلى ندائه ب: (أي): مع قرنها بحرف التنبيه. ورده بعضهم بأن المراعى في الإعراب اللفظ، وأن الأول منادى، والثاني تابع له. والإعراب السائد أن تقول: مرفوع تبعا للفظه. انتهى. جرجاوي. هذا؛ والأخفش يعتبر (أيّ) في مثل هذه الآية موصولة، و (النّاس) خبرا لمبتدأ محذوف، والجملة الاسمية صلة، وعائد، التقدير: يا من هو الإنسان، على أنه قد حذف العائد حذفا لازما كما في قول امرئ القيس في معلقته رقم [١٣]: [الطويل] ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل وهذا هو الشاهد رقم [٢٤٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» وما قاله الأخفش لا يعتد به عند جمهرة النحاة. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمه. ﴿كادِحٌ:﴾ خبر (إنّ)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كادِحٌ؛﴾ لأنه اسم فاعل، لذا ففيه ضمير مستتر هو فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كَدْحاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿فَمُلاقِيهِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (ملاقيه): معطوف على ﴿كادِحٌ﴾ عطف مفرد على مفرد، أو هو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فأنت ملاقيه، فيكون العطف عطف جملة على جملة سابقة مثلها. ورأيت فيما سبق من يقول: الجملة جواب (إذا) وهو مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ:﴾ هذا تفصيل لأحوال الناس يوم القيامة. وإعطاء الكتاب باليمين دليل على النجاة من العذاب، والفوز بالجنة. ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً:﴾ «سوف» من الله تفيد التوكيد، والتحقيق، لا التسويف، والإهمال، والنسيان. والحساب اليسير: هو أن تعرض عليه أعماله، فيعرف بالطاعة، والمعصية، ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز له عن المعصية، يقول الله له: يا عبدي! سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك الآن! فهذا هو الحساب اليسير؛ لأنه لا شدة فيه، ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا؛ ولا يطالب بالعذر فيه، ولا الحجة عليه؟ فإنه متى طولب بذلك؛ لم يجد عذرا، ولا حجة، فيفتضح. ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً:﴾ يرجع إلى أزواجه في الجنة من الحور العين، والآدميات فرحا، مغتبطا، قرير العين، مطمئن الفؤاد بما أوتي من الخير، والكرامة.

стр. 7186

فعن ابن أبي مليكة: أن عائشة-﵂-كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه؛ حتى تعرفه، وأن النبي ﷺ قال: «من حوسب عذّب». قالت، فقلت: يا رسول الله أوليس يقول الله : ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ قالت: فقال: «فإنّما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذّب». متفق عليه. فجملة القول: إن العرض مخاطبة السرار: فعلت يا عبدي كذا، وكذا، وكذا؛ تعرف ذلك؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: قد غفرتها لك! وهذا لمن ﵁، ورجحت حسناته على سيئاته. الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فمن أوتي كتابه بيمينه... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب «مهما ويك من شيء»، فصار: أما من... إلخ، وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله، ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ وهو العائد، وهو المفعول الأول. ﴿كِتابَهُ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِيَمِينِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسَوْفَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (سوف): حرف استقبال، وهو يفيد التوكيد هنا، كما رأيت في الشرح. ﴿يُحاسَبُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل تقديره: «هو» يعود إلى (من) أيضا. ﴿حِساباً:﴾ مفعول مطلق. ﴿يَسِيراً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (من)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَيَنْقَلِبُ:﴾ الواو: حرف عطف. (ينقلب): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (من). ﴿إِلى أَهْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مَسْرُوراً:﴾ حال من الفاعل المستتر. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢)﴾ الشرح: فهذا مقابلة لما في الآية الأولى. قيل: نزلت هذه الآية في الأسود بن عبد الأسد أخي أبي سلمة. قاله ابن عباس-﵄-ثم هي عامة في كل مؤمن، وكافر. قال ابن عباس-﵄: يمد يده اليمنى؛ ليأخذ كتابه، فيجذبه ملك، فيخلع يمينه، فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، وهذا لا ينافي ما ذكر في سورة (الحاقة): ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ﴾

стр. 7187

بِشِمالِهِ لإمكان الجمع بينهما بأن تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره؛ بأن تخلع يده اليسرى من موضعها، فتجعل وراء ظهره. وقيل: يحتمل أن يكون بعضهم يعطى كتابه بشماله، وبعضهم من وراء ظهره، وعند ما يؤتى كتابه من غير يمينه يعلم: أنه من أهل النار، فيقول: واثبوراه تعال! فهذا أوانك، وحينك. روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «أول من يقوله إبليس، وذلك أنه أوّل من يكسى حلّة من النّار، فتوضع على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذرّيّته من خلفه، وهو يقول: واثبوراه!». فعن عائشة-﵂-قالت: ذكرت النار، فبكيت، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك؟». قلت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أمّا في ثلاثة مواطن؛ فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان؛ حتى يعلم أيخفّ ميزانه، أم يثقل؟ وعند تطاير الصّحف؛ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم وراء ظهره؟ وعند الصّراط إذا وضع بين ظهري جهنم؛ حتّى يجوز». ثم إن كان هذا في الكفرة، وما قبله في المؤمنين المتقين؛ فلا تعرض هنا للعصاة، كما ذهب إليه أبو حيان. وقيل: إنه لا بعد في إدخالهم في أهل اليمين، إما؛ لأنهم يعطون كتبهم في اليمين بعد الخروج من النار، أو قبله فرقا بينهم وبين الكفرة. هذا؛ والثبور: الهلاك، والخسار، والدمار. فهو يتمنى الهلاك، والموت. ﴿وَيَصْلى سَعِيراً﴾ أي: يحترق في النار، فهو كقوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ﴾ وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [٢٧] من سورة (الدهر). وانظر شرح الكتاب في الآية رقم [٢] من سورة (الأحقاف) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ:﴾ إعراب هذا الكلام مثل إعراب سابقه بلا فارق، و ﴿وَراءَ﴾ منصوب بنزع الخافض؛ أي: من وراء. ﴿يَدْعُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿ثُبُوراً:﴾ مفعول به. وقيل: هو مفعول مطلق عامله محذوف؛ أي: ثبرنا ثبورا. قاله الزجاج. وقال أبو البقاء: عامله: يدعو من غير لفظه. وانظر سورة (الفرقان) رقم [١٣]، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (من). ﴿وَيَصْلى:﴾ الواو: حرف عطف. (يصلى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿سَعِيراً:﴾ مفعول به. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥)﴾ الشرح: قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: وصف الله أهل الجنة بالمخافة، والحزن، والبكاء، والشفقة في الدنيا، فأعقبهم به النعيم، والسرور في الآخرة، وقرأ قوله تعالى في سورة

стр. 7188

(الطور): ﴿قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾. قال: ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا، والضحك فيها، والتفكه فقال: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾. وقيل: كان لنفسه متابعا، وفي مراتع هواه واقعا، فأبدله الله تعالى بذلك السرور غما دائما، لا ينقطع. ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ أي: علم، وتيقن بزعمه أن لن يرجع حيا مبعوثا، فيحاسب، ثم يثاب، أو يعاقب. يقال: حار، يحور: إذا رجع. قال لبيد-﵁: [الطويل] وما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع قال ابن عباس-﵄: ما كنت أدري ما يحور؛ حتى سمعت أعرابية تدعو بنية لها: حوري، حوري؛ أي: ارجعي إليّ. فالحور في كلام العرب: الرجوع، ومنه قول النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور». يعني: من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة. ويروى الحديث: (بعد الكون) ومعناه: من انتشار الأمر بعد تمامه. وسئل معمر عن الحور بعد الكون، فقال: هو الكنتي، فقال له عبد الرزاق: وما الكنتيّ؟ فقال: الرجل يكون صالحا، ثم يتحول رجل سوء. قال أبو عمرو: يقال للرجل إذا شاخ: كنتي، كأنه نسب إلى قوله: كنت في شبابي كذا. قال الشاعر-قال السيوطي: هو الأعشى-: [الطويل] فأصبحت كنتيا وأصبحت عاجنا... وشرّ خصال المرء كنت وعاجن عجن الرجل: إذا نهض معتمدا على الأرض من الكبر، فهو شبيه بالذي يعجن العجين. والكنتي: هو الذي يقول: كنت شجاعا، وكنت كريما، وكنت... إلخ. والكانيّ: هو الذي يقول: كان لي مال، وكنت أهب، وكنت أعطي، وكان لي خيل، وكنت أركب. وانظر شرح ﴿كانَ﴾ في الآية رقم [١٠] من سورة (نوح) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿بَلى﴾ أي: ليس الأمر كما ظن، بل يحور، ويرجع، ويبعث، ويحاسب. وانظر شرح ﴿بَلى﴾ في الآية رقم [٩] من سورة (الملك). ﴿إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ أي: من يوم خلقه إلى أن يبعثه، بل وعالما بما سبق له من الشقاء والسعادة. الإعراب: ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو». ﴿فِي أَهْلِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ﴿مَسْرُوراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ظَنَّ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿أَنْ:﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَحُورَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ،﴾ والفاعل مستتر يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ﴾

стр. 7189

المخففة من الثقيلة، و (أن) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي ﴿ظَنَّ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية فيها معنى التوكيد لما قبلها، أو هي بدل منها. ﴿بَلى:﴾ حرف جواب. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّهُ:﴾ اسمها، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿رَبَّهُ﴾. ﴿رَبَّهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بَصِيراً:﴾ خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن،) والجملة الاسمية جواب قسم مقدر. قاله الجمل نقلا عن السمين، والكلام فيه معنى التعليل لما أفادته ﴿بَلى﴾. ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ الشرح: ﴿فَلا أُقْسِمُ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (التكوير) ففيها الكفاية. ﴿بِالشَّفَقِ:﴾ قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: الشفق: هو النهار كله، وحجته في ذلك: أنه عطف عليه الليل، فيجب أن يكون المذكور أولا النهار، فعلى هذا الوجه يكون القسم بالليل، والنهار اللذين فيهما معاش العالم، وسكونه. وقيل: هو ما بقي من النهار. وقال ابن عباس-﵄-وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وهو مذهب عامة العلماء. وقيل: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة، وهو مذهب أبي حنيفة. والأول مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي يوسف، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم، والتوقيت اليوم على مذهب أبي حنيفة في بلادنا، ولا بأس به فإن فيه التحقيق، وهو أمكن في أمر العبادة. تأمل. ثم قيل: أصل الكلمة من: رقة الشيء، يقال: شيء شفق؛ أي: لا تماسك له لرقته، وأشفق عليه؛ أي: رق قلبه عليه، والشفقة من الإشفاق، وهو رقة القلب، وكذلك الشفق. قال إسحاق ابن خلف. وقيل: هو لابن المعلّى: [البسيط] تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا... والموت أكرم نزّال على الحرم والشفق: الرديء من الشيء، يقال: عطاء مشفّق؛ أي: مقلل. قال الكميت: [الكامل] ملك أغرّ من الملوك تحلّبت... للسّائلين يداه غير مشفّق ﴿وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ﴾ أي: جمع، وضم، ولف، فالليل: يجمع، ويضم ما كان منتشرا بالنهار من الخلق، والدواب، والهوام. وذلك: أن الليل إذا أقبل؛ أوى كل شيء إلى مأواه. قال ضابئ بن الحارث البرجمي: [الطويل] فإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم... كقابض ماء لم تسقه أنامله

стр. 7190

يقول: ليس في يدي من ذلك شيء، كما أنه ليس في يد القابض على الماء شيء، فإذا جلل الليل الجبال، والأشجار، والبحار والأرض، فاجتمعت له؛ فقد وسقها، والوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، تقول: وسقته، أسقه وسقا. ومنه قيل: للطعام الكثير المجتمع: وسق، وهو ستون صاعا. وقيل: معنى (ما وسق): ما عمل فيه، ويحتمل أن يكون المراد: تهجد العباد فيه. فيجوز أن يقسم به. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ أي: تم، واجتمع، واستوى، وذلك في الأيام البيض. وعن ابن عباس ﵄: استوى. وقال الفراء: اتساقه: امتلاؤه، واستواؤه: ليالي البدر، وهو افتعال من الوسق؛ الذي هو الجمع، يقال: وسقته، فاتسق، كما يقال: وصلته، فاتصل. ويقال: أمر فلان متسق؛ أي: مجتمع على الصلاح، منتظم. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ:﴾ يقرأ الفعل بفتح الباء خطابا للنبي ﷺ ؛ أي: لتركبنّ يا محمد حالا بعد حال. قاله ابن عباس-﵄. أي: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القربة من الله تعالى. قاله الشعبي، وهذا كان في ليلة الإسراء بلا ريب. وعن ابن عباس-﵄-أيضا: هذا خطاب لنبيكم، ومعناه: يكون لك الظفر، والغلبة على المشركين؛ حتى يختم الله لك بجميل العاقبة، فلا يحزنك تكذيبهم، وتماديهم في كفرهم! وقيل: لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونك نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم حيا، وميتا، وغنيا، وفقيرا. فالخطاب للإنسان المذكور في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ﴾ هذا؛ وقرأ الأكثرون بضم باء الفعل على خطاب الجمع، والمعنى: لتركبن أيها الناس حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر، رخاء بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقما بعد صحة، ورحم الله من قال: [الطويل] ثمانية للمرء لا بدّ منهم... وكلّ امرئ لا بدّ له ثمانيه فرح وحزن واجتماع وفرقة... وعسر ويسر ثمّ سقم وعافيه وقال الشاعر: [البسيط] كذلك المرء إن ينسأ له أجل... يركب على طبق من بعده طبق وقال الأقرع بن حابس التميمي: [البسيط] إنّي امرؤ قد حلبت الدّهر أشطره... وساقني طبق منه إلى طبق وهذا أدل دليل على حدوث العالم، وإثبات الصانع. قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة، وغدا على حالة أخرى؛ فليعلم: أن تدبيره إلى سواه. وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل

стр. 7191

على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال: تحويل الحالات، وعجز القوة، وضعف الأركان، وقهر المنية، ونسخ العزيمة. ويقال: أتانا طبق من الناس، وطبق من الجراد؛ أي: جماعة. وقال العباس-﵁-في مدح النبي ﷺ : [المنسرح] وأنت لما ولدت أشرقت الأر... ض وضاءت بنورك الأفق وقال أيضا: [المنسرح] تنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى عالم بدا طبق أي: قرن من الناس. وقيل: معناه: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم. فعن أبي سعيد الخدري-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم، وأحوالكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع-وفي رواية: (شبرا بعد شبر، وذراعا بعد ذراع) -حتى لو دخلوا جحر ضبّ؛ لتبعتموهم». قلنا: يا رسول الله! اليهود، والنصارى. قال: «فمن؟». متفق عليه. ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ؟﴾ يعني أي شيء يمنعهم من الإيمان بعد ما وضحت لهم الآيات، وقامت الدلالات، وهذا استفهام إنكار. وقيل: تعجيب؛ أي: اعجبوا منهم في ترك الإيمان مع هذه الآيات. ﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ أي: لا يصلون، فعبر عن الصلاة بالسجود؛ لأنه جزء منها. وقيل: أراد به سجود التلاوة، وهذه السجدة إحدى سجدات القرآن عند الشافعي، ومن وافقه، فعن رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد حتى ألقاه. ولمسلم عنه، قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ وكان ابن عمر-﵄-لا يراها من عزائم السجود في المفصل. وبه قال الإمام مالك-رحمه الله تعالى-وروى أبي بن كعب-﵁: كان آخر فعل النبي ﷺ ترك السجود في المفصل. والأول أصح، وعليه الأكثرون. وسجود التلاوة يسن للقارئ، والسامع والمستمع. والدليل على ذلك سجود النبي ﷺ فعن عبد الله بن عمر-﵄: أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ آية فيها سجدة، فيسجد، ونسجد معه؛ حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة. متفق عليه. وانظر رأيه في المفصل المذكور آنفا. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد؛ اعتزل الشّيطان يبكي، ويقول: يا ويلتا أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النّار!». رواه مسلم.

стр. 7192

هذا؛ وشروط سجود التلاوة هي شروط الصلاة، وتزيد عند الشافعي بأنها تحتاج إلى نية كنية الصلاة، وسلام كسلام الصلاة. وهي فورية عند الشافعي، وعلى التراخي عند أبي حنيفة، لذا إذا كان القارئ، أو السامع لا يستطيع السجود لعدم طهارته، أو لعدم قدرته على السجود لمانع يمنعه منه؛ يكفيه أن يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر) أربع مرات. وهذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة، فيقضيها بعد التمكن من فعلها؛ ولو بعد أيام، وإذا كانت في الصلاة، فلا تؤدى إلا بالسجود لها عند الشافعي، وعند أبي حنيفة تؤدى بركوع الصلاة إذا نواها معه. والله أعلم. الإعراب: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ:﴾ انظر الآية رقم [١٥] من سورة (التكوير). ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الليل): معطوف على الشفق. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر معطوفة على (الليل) و (الشفق)، فهي من جملة المقسم به. ﴿وَسَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والذي، أو شيء وسقه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بمصدر في محل جر معطوف على (الشفق) و (الليل)، التقدير: ووسقه. ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ الواو: حرف عطف. (القمر): معطوف على ما قبله فهو من جملة المقسم به. ﴿إِذَا:﴾ ظرف زمان مجرد من الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه: وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالقمر وقت اتساقه. قاله أبو البقاء، وغيره. وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و (إذا) لما يستقبل من الزمان؛ فكيف يتلاقيان؟ الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من القمر؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان اتساقه، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن القمر جثة، والزمان لا يكون حالا من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها، والثاني: أن (إذا) للمستقبل؛ فكيف يكون حالا؟! وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالقمر لازم معناه، وهو المضيء. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس القمر. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن القمر لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن القمر يوصف، والتقدير: والقمر المضيء في وقت اتساقه. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿اِتَّسَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (القمر)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. ﴿لَتَرْكَبُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (تركبنّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوف المدلول عليها بالضمة فاعله. هذا؛ ويقرأ بكسر الباء، فيكون الفاعل ياء المؤنثة المحذوفة لالتقاء الساكنين المدلول عليها بالكسرة،

стр. 7193

وهي عائدة على النفس، ونون التوكيد حرف لا محل له. ﴿طَبَقاً:﴾ مفعول به. وقيل: حال. وليس بشيء. ﴿عَنْ طَبَقٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طَبَقاً﴾ وجوّز الزمخشري اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من الفاعل في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾. ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والعامل في الحال اسم الاستفهام؛ لما فيه من معنى الفعل، والجملة الاسمية: (ما لهم لا يؤمنون) مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿قُرِئَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْقُرْآنُ:﴾ نائب فاعل ﴿قُرِئَ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَسْجُدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام معطوف على الجملة الاسمية السابقة لا محل له مثلها. وقال السمين: معطوفة على جملة: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فهو في محل نصب حال مثلها. وهذا يتناقض مع (إذا) التي هي للمستقبل؛ اللهم إلا أن يقال: إن الكلام على حكاية حال ماضية، فيصح هذا الاعتبار؛ الذي قال به السمين. هذا؛ وقيل: الفاء في الآيتين الفاء الفصيحة، ولا وجه له، وإنما هي للاستئناف. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ الشرح: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: بالإسلام، وبالقرآن، وبالحساب، والجزاء، وبمحمد ﷺ . ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ أي: بما يضمرون في أنفسهم من التكذيب. وقال مجاهد: يكتمون من أفعالهم. وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة، والسيئة. مأخوذ من الوعاء الذي يجمع ما فيه. يقال: أوعيت الزاد، والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. قال الشاعر: [البسيط] الخير أبقى وإن طال الزّمان به... والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد ووعاه: حفظه، تقول: وعيت الحديث، أعيه وعيا. قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ وقال تعالى في سورة (المعارج): ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ انظر شرح الآيتين هناك. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع في جهنم بسبب عنادهم، وتكذيبهم، وكفرهم. هذا؛ والبشارة عبارة عن الخبر السار؛ الذي يظهر على بشرة الوجه أثر الفرح به، ولما كان ذلك الفرح والسرور يوجبان تغير بشرة الوجه؛ كان كذلك الحزن، والغم يظهر أثرهما على الوجه، وهو

стр. 7194

الكمودة؛ التي تعلو الوجه عند الغم، والحزن. فثبت بهذا: أن البشارة لفظ مشترك بين الخبر السار والخبر المحزن، فصح قوله تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ولكن قد تستعمل البشارة بالشر، وبما يسوء على سبيل التهكم، والاستهزاء. كما في هذه الآية، وغيرها كثير. في سورة (آل عمران) رقم [٢١]، وفي سورة (التوبة) رقم [٣٤]. وانظر سورة (الزخرف) رقم [١٧]. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ بالله، ورسوله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره من الله تعالى. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: الأعمال الصالحات على تفاوتها، واختلاف أنواعها، وتباين درجاتها وهذا يوحي إيحاء قويا: أن الإيمان والعمل الصالح قرينان، لا يقبل الله أحدهما بدون صاحبه، وهو ما تفيده أحاديث النبي ﷺ ، وهذا ما يسمى في علم البديع: احتراسا. ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ:﴾ غير منقوص، ولا مقطوع في الآخرة. وانظر سورة (التين) إن شاء الله تعالى تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب، وانتقال. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محل لها صلة الموصول. ﴿يُكَذِّبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الله): مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفندا، ويكون الرابط: الواو، والضمير، وهو واو الجماعة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بالباء، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: والله أعلم بالذي، أو بشيء يعونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بالباء، التقدير: بوعيهم، والجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿أَعْلَمُ﴾ أيضا. ﴿فَبَشِّرْهُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف على رأي. من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (بشرهم): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب الشرط المقدر ب: «إذا». ﴿بِعَذابٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَلِيمٍ:﴾ صفة (عذاب). ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء منقطع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء، وجملة: ﴿آمَنُوا:﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة (عملوا): معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛

стр. 7195

لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة ﴿أَجْرٌ،﴾ و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿مَمْنُونٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، أو هي في محل نصب حال من واو الجماعة. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية خبره، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق؛ فلا بأس به! والمعنى يؤيده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الانشقاق) شرحا وإعرابا بعون الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7196

سورة البروج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (البروج) وهي مكية باتفاق، وهي اثنتان وعشرون آية، ومئة وتسع كلمات، وأربعمئة وخمسة وستون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)﴾ الشرح: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ هذا قسم، وإنما أقسم الله تعالى في هذه السورة، وفي أوائل (المرسلات) و (الذاريات) و (الصافات) أقسم بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته. والمعنى: أقسم بالذاريات، والمرسلات، والسماء، وبهذه الأشياء... إلخ. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتعظيما لشأنها على ما يظهر فيها من عجائب صنع الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: المقسم به مضمر، تقديره: ورب السماء، ونحوه. وانظر شرح ﴿ذاتِ﴾ في سورة (الملك) رقم [١٣]. ﴿الْبُرُوجِ:﴾ جمع: برج، وهي منازل للكواكب السبعة السيارة، وأصل البروج: القصور العالية. قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٧٨]: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ سميت هذه المنازل بروجا؛ لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها، وهي اثنا عشر، مختلفة الهيئات، والخواص مع ما دل عليه الرصد، والتجربة مع بساطة السماء، وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. والكواكب السيارة هي: المريخ، وله الحمل، والعقرب. والزهرة، ولها الثور، والميزان. وعطارد، ويمنع من الصرف لصيغة منتهى الجموع، وله الجوزاء، والسنبلة، والقمر، وله السرطان. والشمس، ولها الأسد. والمشتري، وله القوس، والحوت. وزحل، ويمنع من الصرف للعلمية والعدل، وله الجدي والدلو. والعرب تعد معرفة مواقع النجوم وأبوابها من أجلّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات، والأوقات، والخصب، والجدب. وقالوا: الفلك اثنا عشر برجا، كل برج ميلان، ونصف،

стр. 7197

وأصل البروج: الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها، وهذه البروج تنزلها الشمس في مسيرها، وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا، لكل برج منزلان، وثلث منزل، وهذه البروج الاثنا عشر مقسمة على فصول السنة كما يلي: فللربيع: الحمل، والثور، والجوزاء. وللصيف: السرطان، والأسد، والسنبلة. وللخريف: الميزان، والعقرب، والقوس. وللشتاء: الجدي، والدلو، والحوت. وانظر منازل القمر في الآية رقم [٣٩] من سورة (يس) تجد ما يسرك. ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ أي: يوم القيامة من غير اختلاف بين أهل التأويل. قال ابن عباس-﵄: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. قال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية رقم [٨٧] من سورة (النساء). ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ:﴾ اختلف فيهما اختلافا كبيرا: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير؛ إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شرّ؛ إلا أعاذه الله منه». أخرجه الترمذي، وضعف أحد رواته من قبل حفظه. وهذا قول ابن عباس، والأكثرين: أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وقيل: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر. وقيل: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وإنما حسن القسم بهذه الأيام، لعظمها، وشرفها، واجتماع المسلمين فيها. وقيل: الشاهد هو الله، والمشهود يوم القيامة. وقيل: الشاهد هم الأنبياء، والمشهود عليهم هم الأمم. وقيل: الشاهد هو الملك، والمشهود عليه هو آدم، وذريته. وقيل: الشاهد هذه الأمة، ونبيها ﷺ ، والمشهود عليهم هم الأمم المتقدمة. وقيل: الشاهد الأنبياء، والمشهود له هو محمد ﷺ ؛ لأن الأنبياء قد شهدوا له بالنبوة. هذا؛ وكذلك سائر الأيام، والليالي، فكل يوم شاهد، وكذا كل ليلة، ودليله ما رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ليس من يوم يأتي على العبد إلاّ ينادي فيه: يابن آدم! أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا؛ أشهد لك به غدا، فإنّي لو قد مضيت؛ لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك». انتهى. قرطبي. الإعراب: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿ذاتِ:﴾ صفة (السماء)، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿الْبُرُوجِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ الواو: حرف عطف. (اليوم): معطوف على (السماء). ﴿الْمَوْعُودِ:﴾ صفة (اليوم) وهناك ضمير محذوف به تتم الصفة، التقدير: الموعود به، ولولا ذلك ما صحت الصفة. مكي. ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ:﴾ معطوفان على ما قبلهما، وجواب القسم ما يأتي.

стр. 7198

﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ الشرح: ﴿قُتِلَ:﴾ لعن. قال ابن عباس-﵄: كل شيء في القرآن (قتل) فهو: لعن. ﴿الْأُخْدُودِ:﴾ الشق العظيم المستطيل في الأرض، كالخندق، وجمعه: أخاديد، ومنه: الخد لمجاري الدموع، والمخدة؛ لأن الخد يوضع عليها. ويقال: تخدد وجه الرجل: إذا صارت فيه أخاديد من جراح، ونحوه. قال طرفة في معلقته رقم [١١]: [الطويل] ووجه كأنّ الشّمس حلّت رداءها... عليه نقيّ اللّون لم يتخدّد ﴿النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ:﴾ صاحبة الوقود بفتح الواو؛ أي: ما توقد به النار، وأما بضمها؛ فهو المصدر، وكذلك الاسم منه، وبعضهم قال: كلّ من الفتح، والضم يجري في المصدر، والآلة، وكذا يقال في الوضوء، والسحور، والطهور، ونحو ذلك، ولكن المشهور الأول، والمراد في الآلة مادة الفعل كالماء في الوضوء، والحطب في الوقود، والطعام في السحور، والمراد بالمصدر الفعل والحدث. ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ﴾ أي: عند النار، وعلى بمعنى: عند. وقيل: (عليها) على ما يدنو منها من حافات الأخدود. قال الأعشى وهو الشاهد رقم [٢٤٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] تشبّ لمقرورين يصطليانها... وبات على النّار النّدى والمحلّق ﴿وَهُمْ﴾ أي: الملك الكافر الذي خدّ الأخدود وأصحابه. ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ من الإحراق في النار، والتعذيب. ﴿شُهُودٌ:﴾ حضور. وقيل: يشهدون: أن المؤمنين ضلال حين تركوا عبادة الأصنام. وقيل: يشهد بعضهم لبعض عند الملك: أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به، وفوض إليه من التعذيب. وفيه حث للمؤمنين على الصبر، وتحمل أذى أهل مكة: وذلك: أن هذه القصة كانت مشهورة عند أهل مكة، فذكر الله ذلك لأصحاب رسول الله ﷺ يحملهم بذلك على الصبر، وتحمل المكاره في الدين. واختلفوا في أصحاب الأخدود، وأكتفي برواية مسلم عن صهيب-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلّمه السّحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه، وسمع منه، فأعجبه كلامه، فكان إذا أتى الساحر؛ مرّ بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر؛ ضربه، وإذا رجع من السّاحر قعد إلى الراهب، وسمع كلامه، فإذا أتى أهله؛ ضربوه، فشكا ذلك إلى الرّاهب. فقال: إذا خشيت الساحر؛ قل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك؛ فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم: الراهب أفضل،

стр. 7199

أم الساحر؟ فأخذ حجرا، ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر؛ فاقتل هذه الدابة؛ حتى يمضي الناس، فرماها، فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب، فأخبره، فقال له الراهب: أي بني! أنت أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت؛ فلا تدل عليّ. فكان الغلام يبرئ الأكمه، والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمع؛ إن أنت شفيتني. قال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله؛ دعوت الله- -فشفاك! فآمن به، فشفاه الله، ، فأتى الملك، فجلس إليه، كما كان يجلس، فقال الملك له: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فقال: ألك رب غيري؟ قال: ربي، وربك الله! فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك؛ أي بني! إنه قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله ، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب، فجيء بالراهب. فقال له: ارجع عن دينك! فأبى، فدعا بالميشار، فوضع الميشار في مفرق رأسه، فشقه به؛ حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالميشار، فوضعه في مفرق رأسه، فشقه به؛ حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا، وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه؛ وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت! فرجف بهم الجبل، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله! فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به، فاحملوه في قرقور (سفينة صغيرة) فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه؛ وإلا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت! فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى! ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي؛ حتى تفعل ما آمرك به. فقال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع نخل، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله ربّ الغلام، ثم ارمني به، فإنك إن فعلت ذلك؛ قتلتني! فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله ربّ الغلام، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام! فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر. قد والله نزل بك حذرك! قد آمن الناس. فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فحفرت، وأضرم النيران. وقال: من لم يرجع عن دينه، فأقحموه فيها. ففعلوا، فجاءت امرأة؛ ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمّه! اصبري، فإنك على الحق». هذا حديث صحيح أخرجه مسلم.

стр. 7200

وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وفيه جواز الكذب في مصلحة ترجع إلى الدين، وفيه إنقاذ النفس من الهلاك، والدابة حية عظيمة، أو أسد. وهذه الحادثة كانت في الفترة بين عيسى، ومحمد ﷺ ، واختلف في مكانها، فقيل: كانت في اليمن. وقيل: كانت بنجران. وقيل: كانت في الحبشة. هذا؛ وقد قال صاحب السيرة الحلبية، وقد تكلم جماعة في المهد، نظمهم الجلال السيوطي-رحمه الله تعالى-في قوله: [الطويل] تكلّم في المهد النبيّ محمد... ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مرّ بالأمة التي... يقال لها تزني ولا تتكلّم وما شطة في عهد فرعون طفلها... وفي زمن الهادي المبارك يختم قال بعضهم: لكن النبي ﷺ حصر من تكلم في المهد في ثلاثة، ولم يذكر نفسه، فقد روي عن أبي هريرة-﵁-مرفوعا: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصاحب جريج، وابن المرأة التي مرّ عليها بامرأة، يقال لها: إنها زنت». وقد يقال: هذا الحصر إضافي؛ أي: ثلاثة من بني إسرائيل، أو إن ذلك كان قبل أن يعلم بما زاد. انتهى. والله أعلم. الإعراب: ﴿قُتِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿أَصْحابُ:﴾ نائب فاعله، و ﴿أَصْحابُ﴾ مضاف، و (الأخدود) مضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم، وحذف صدرها، التقدير: لقد قتل، وإنما احتيج لهذا المقدر؛ لأن المشهور عند النحاة: أن الماضي المثبت المتصرف؛ الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابا للقسم؛ تلزمه اللام وقد، ولا يجوز الاقتصار على إحداهما إلا عند طول الكلام، كما في قوله تعالى في سورة (الشمس): ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها..﴾. إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها،﴾ أو في ضرورة، وعلى هذا فجملة: ﴿قُتِلَ..﴾. إلخ خبرية، وليست دعائية، والأصل أن تكون دعائية دالة على الجواب، كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء على أنهم؛ أي: كفار مكة ملعونون، كما لعن أصحاب الأخدود. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود. هذا؛ وعلى إبقاء الجملة على أصلها؛ فالجواب محذوف، فيكون الجواب محذوفا تقديره: لتبعثن. وهذا اختيار ابن الأنباري. وقيل: الجواب جملة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا..﴾. إلخ، وقيل: جملة: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ..﴾. إلخ وهو ضعيف؛ لأن الكلام قد طال. ﴿النّارِ:﴾ بدل اشتمال من: ﴿أَصْحابُ الْأُخْدُودِ؛﴾ لأن الأخدود مشتمل على النار، وحينئذ فلا بد من ضمير مقدر؛ أي: النار فيه. وقال الكوفيون: هو مخفوض على الجوار. قاله مكي. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وقرأ أشهب العقيلي وأبو السماك العدوي، وابن السميقع: (النار ذات) بالرفع فيهما؛ أي: فهما مبتدأ، وخبر، وتكون الجملة فيها معنى التفسير ل: ﴿الْأُخْدُودِ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: ﴿قُتِلَ﴾. ﴿هُمْ:﴾ ضمير

стр. 7201

منفصل مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿قُعُودٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (هم): مبتدأ. ﴿عَلى ما:﴾ متعلقان ب: ﴿شُهُودٌ﴾ بعدهما، و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: ﴿عَلى﴾. ﴿يَفْعَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: على الذي، أو على شيء يفعلونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر، التقدير: على فعلهم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة. ﴿شُهُودٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَهُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾ الشرح: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا:﴾ قال ابن عباس-﵄: ما كرهوا منهم. بمعنى: ما عاب الملك، وأشياعه الذين عاونوه من الذين حرقهم-وهم المؤمنون-إلا الإيمان بالله وحده، وهذا لا يستوجب التحريق، فهذا استثناء صفة مدح من صفة ذم منفية. ومنه قول النابغة الذبياني في مدح الغسانيين: [الطويل] ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب هذا ما يسمى في فن البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومنه قول قيس بن الرقيات: [المنسرح] ما نقموا من بني أميّة إلاّ... أنّهم يحلمون إن غضبوا ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٧٤]: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٢٦]: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وقوله جل ذكره في سورة (المائدة) رقم [٥٩]: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ﴾ هذا؛ والفعل نقم يأتي من باب ضرب، تقول: نقم ينقم، ويأتي من باب: فهم، تقول: نقم ينقم لغتان، والأولى هي الفصحى. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ القوي الغالب؛ الذي لا يغلب، ﴿الْحَمِيدِ:﴾ المحمود بكل لسان، الممجد في كل مكان على كل حال، وهو مستحق للحمد في ذاته، تحمده الملائكة، وتنطق بحمده ذرات المخلوقات. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ وما فيهما من عبيد، ومال، وخلق، وأفلاك وكواكب في السماء، وما على ظهر الأرض من جبال، وأنهار، وبحار... إلخ فكل ذلك هو ملك لله تعالى،

стр. 7202

لا يشركه فيه أحد، وما يملكه الإنسان في هذه الدنيا الفانية؛ فإنما هو ملك له في الظاهر، قد منحه الله له؛ ليتمتع به على سبيل الوكالة، والأمانة. وويل ثم ويل لمن قصر في الوكالة، وخان في الأمانة! واللام مفيدة للملك الحقيقي؛ الذي هو اتساع المقدور لمن له تدبير الأمور. ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: عالم بأعمال خلقه، لا تخفى عليه خافية. ففيه وعد للمؤمنين، ووعيد عظيم للكافرين، والظالمين، والفاجرين. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿نَقَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية مستأنفة، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من (المؤمنين) فلست مفندا. والرابط على الاعتبارين: الواو، والضمير. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو في محل نصب مفعول لأجله، التقدير: لأجل إيمانهم. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ:﴾ بدلان من لفظ الجلالة؛ لأنهما اسمان، وليسا بصفتين. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة، أو هو في محل جر بدل ثالث من لفظ الجلالة، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مُلْكُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول لا محل لها، و ﴿مُلْكُ﴾ مضاف، و ﴿السَّماواتِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله): مبتدأ. ﴿عَلى كُلِّ:﴾ متعلقان ب: ﴿شَهِيدٌ﴾ بعدهما، و ﴿كُلِّ﴾ مضاف، و ﴿شَيْءٍ﴾ مضاف إليه. ﴿شَهِيدٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة اللفظ الكريم. وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي: حرقوهم بالنار، والعرب تقول: فتن فلان الدرهم: إذا أدخله الكور؛ لينظر جودته، ودينار مفتون؛ أي: مجود. ونظيره قوله تعالى في سورة (الذاريات) رقم [١٣]: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يحرقون في النار، وهو من قولهم: فتنت الذهب؛ أي: أحرقته، لتختبره، وأصل الفتنة: الامتحان، والاختبار. وهي بهذا المعنى كثيرة في القرآن الكريم. قال تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ﴾

стр. 7203

﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ هذا؛ ويسمى الصائغ: الفتان، وكذلك الشيطان، وورق فتين: أي: فضة محترقة. وانظر سورة (الصافات) رقم [١٦٢]. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم، وقومه من الآيات البينات على يدي الغلام. وفيه دليل واضح على أنهم لو تابوا، وآمنوا؛ قبل منهم، ويخرجون من هذا الوعيد، وأن الله تعالى يقبل منهم التوبة، وأن توبة القاتل مقبولة. قال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك. قال: وهذا أولى؛ لأن اللفظ عام، والحكم بالتخصيص ترك الظاهر من غير دليل. ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة، ولو طال الزمان، عبر سبحانه بأداة التراخي. فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾. ﴿فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ:﴾ بسبب كفرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ:﴾ بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: لهم عذاب الحريق في الدنيا، وذلك: أن الله أحرقهم بالنار؛ التي أحرقوا فيها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، فأحرقتهم، ولهم عذاب جهنم في الآخرة. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿وَالْمُؤْمِناتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (المؤمنات): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَتُوبُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابُ:﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿عَذابُ﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾ والتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل رفع مثلها، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، فهي هنا صلة. قال البيضاوي: ومنع سيبويه إدخال الفاء في خبر (إنّ) كليت، ولعل، ولم يتعرض ابن هشام-رحمه الله تعالى-لدخول الفاء على خبر (إنّ)، أو إحدى أخواتها والذي تعرض لذلك الأشموني-رحمه الله تعالى-حيث قال: وإذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء، إن لم يكن إنّ، أو أنّ، أو لكنّ بإجماع المحققين، فإن كان الناسخ: إنّ، أو أنّ، أو لكنّ جاز بقاء الفاء. نص على ذلك في (إنّ) و (أنّ) سيبويه، وهو الصحيح الذي ورد نص القرآن المجيد به، وأورد آيات كثيرة من جملتها الآية التي نحن بصدد شرحها، فأنت ترى أن البيضاوي-رحمه الله تعالى-قد نقل عن سيبويه عكس ما ذكره الأشموني، والمنقول عن الأخفش-رحمه الله تعالى-أنه هو الذي منع دخول الفاء الزائدة على

стр. 7204

خبر المبتدأ المنسوخ بأي ناسخ كان. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله؛ أي: صدقوا به، وبرسله. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ على اختلاف درجاتها، وتفاوت مراتبها. ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ:﴾ حدائق، وبساتين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ:﴾ تحت قصورها وغرفها وأسرتها، وجميع أماكنها، يتلذذون بنعيمها، وبردها في نظير ذلك الحرّ الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم بؤس ذلك العذاب برؤية ذلك مع خضرة الجنات جميع المضار، والأحزان، وهذا في مقابلة ما ذكر في الآية السابقة. ﴿ذلِكَ﴾ أي: ما يعطونه في الآخرة من النعيم المقيم. ﴿الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ أي: العظيم؛ الذي لا فوز يشبهه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿جَنّاتٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿جَنّاتٌ﴾. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿الْفَوْزُ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿الْكَبِيرُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وأيضا الجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تنبيه بل فائدة: لقد اقترنت الجملة الاسمية الواقعة خبرا ل: ﴿إِنَّ﴾ في الآية السابقة بالفاء، ولم تقترن هنا؛ لأن عذاب جهنم، وعذاب الحريق مسبب عن تحريق الكافرين المؤمنين في النار، أما دخول الجنة، والفوز بنعيمها؛ فليس مسببا عن الإيمان، وعمل الصالحات، بل هو محض فضل من الله تعالى. فقد قال الرسول ﷺ : «لن يدخل أحدا عمله الجنّة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته، فسدّدوا، وقاربوا». أخرجه البخاري عن أبي هريرة-﵁. وانظر سورة (الزخرف) رقم [٧٢].

стр. 7205

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: أخذه الجبابرة، والظلمة، وهو كقوله تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الآية رقم [١٠٢]: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ والبطش: الأخذ بقوة، وعنف، وبطشت اليد: إذا عملت، فهي باطشة. قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [١٠٧]: [الوافر] لنا الدّنيا ومن أضحى عليها... ونبطش حين نبطش قادرينا ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ أي: يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم، بعد أن صيرهم ترابا. دل باقتداره على الإبداء، والإعادة على شدة بطشه. أو أوعد الكفرة بأنه يعيدهم، كما بدأهم؛ ليبطش بهم؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء، وكذبوا بالإعادة. وفي سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ والمعروف: أن البدء يكون من نطفة مذرة، والإعادة تكون يوم القيامة بعد موته، وإهلاكه، وتناثر جميع أجزائه. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ أي: الساتر للعيوب، العافي عن الذنوب، لا يفضح عباده المؤمنين في الدنيا، ولا في الآخرة. ﴿الْوَدُودُ﴾ المحبّ لأوليائه المؤمنين المطيعين، كما يحب أحدنا أخاه بالبشرى، والمحبة. وقيل: هو المتودد إلى أوليائه بالعفو، والمغفرة. هذا؛ وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي: أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر: [المتقارب] وأركب في الرّوع عريانة... ذلول الجناح لقاحا ودودا أي: لا ولد لها تحن إليه. فيصير معنى الآية: إنه يغفر لعباده المؤمنين، وليس له ولد يغفر لهم من أجله. ﴿ذُو الْعَرْشِ:﴾ صاحب العرش، وخالقه، ومالكه، ومتصرف فيه. ﴿الْمَجِيدُ:﴾ يقرأ بالجر صفة للعرش، ويقرأ بالرفع على أنه خبر للمبتدأ؛ الذي هو الضمير. واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأن المجد نهاية الكرم، والفضل، و ﴿الْمَجِيدُ﴾ اسم من أسماء الله الحسنى، وهو من صفات التعالي، والجلال، والعظمة، وذلك لا يليق إلا بالله تعالى المتعالي عن صفات النقصان، المتصف بصفات الكمال. وانظر شرح ﴿الْعَرْشِ﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (الحاقة). ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ:﴾ يعني: إنه لا يعجزه شيء، ولا يمتنع منه شيء طلبه. وقيل: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لا يعترض عليه معترض، ولا يغلبه غالب، فهو يدخل أولياءه الجنة برحمته، لا يمنعه من ذلك مانع، ويدخل أعداءه النار بعدله، لا ينصرهم منه ناصر، وصيغة «فعّال» للمبالغة، كما هي معروفة، وهذه الآية دلت على أن جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، لا كما يقول المعتزلة: إن العبد يخلق

стр. 7206

أفعال نفسه، ودلت على أنه تعالى لا يجب عليه شيء؛ لأنها دالة على أنه فعله بحسب إرادته. وانظر الإرادة في الآية رقم [١٠] من سورة (الجن). هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام الآية رقم [١٠٧]: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾. فائدة: عن أبي السفر-هو سعيد بن يحمد الهمداني-قال: دخل ناس من أصحاب النبي ﷺ على أبي بكر-﵁-في مرضه؛ الذي توفي فيه، فقالوا له: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. انتهى. قرطبي. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿بَطْشَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (شديد): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿هُوَ:﴾ توكيد لاسم ﴿إِنَّ﴾ على المحل، أو هو ضمير فصل، لا محل له. ﴿يُبْدِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّكَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الضمير مبتدأ، والجملة الفعلية في محل رفع خبره، فالجملة الاسمية: ﴿هُوَ يُبْدِئُ﴾ في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها، وجملة (يعيد) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال، (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والأسماء الآتية كلها أخبار متعددة للمبتدأ، أو هي أخبار لمبتدآت محذوفة، التقدير: هو الغفور، هو الودود... إلخ. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] وأخبروا باثنين، أو بأكثرا... عن واحد كهم سراة شعرا ﴿ذُو:﴾ خبر على الاعتبارين، فهو مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿الْعَرْشِ﴾ مضاف إليه. ﴿الْمَجِيدُ:﴾ خبر آخر على رواية رفعه، وصفة ل: ﴿الْعَرْشِ﴾ على رواية جره. ﴿فَعّالٌ:﴾ خبر آخر، أو خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو فعال. وهذا على القطع لا الإتباع. ﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿فَعّالٌ،﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة فهي مبنية على السكون في محل جر باللام. هذا؛ وقد اعتبر ابن هشام اللام في مغنيه زائدة، وسماها: لام التقوية، فإذا (ما) مجرورة لفظا منصوبة محلا، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ،﴾ وقوله: ﴿مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ،﴾ و ﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى،﴾ و ﴿وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ وأورد قول حاتم الطائي. وقيل: هو لقيس بن عاصم المنقري-﵁: [الطويل] إذا ما صنعت الزّاد فالتمسي له... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي

стр. 7207

وهذا هو الشاهد رقم [٣٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والجملة الفعلية بعد (ما) صلتها، والعائد محذوف؛ إذ التقدير: فعال للذي، أو لشيء يريده. ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ الشرح: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ استفهام للتشويق؛ أي: هل بلغك يا محمد! خبر الجموع الكافرة؛ الذين تجندوا لحرب الرسل، والأنبياء؟! هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وما أنزل عليهم من النقمة والعذاب؟! فهو يؤنسه بذلك، ويسليه. ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ:﴾ هذا بيان للجنود، وهم كانوا أشد بأسا، وأقوى مراسا من كفار قريش، ومع ذلك فقد أخذهم الله بذنوبهم، ولم يبال بهم. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: لم يعتبر كفار قريش بما حلّ بأولئك الكفرة المكذبين، بل هم مستمرون في التكذيب، فهم أشد منهم كفرا، وطغيانا، وإنما خص فرعون، وثمود بالذكر؛ لأن ثمود في بلاد العرب، وقصتهم عند كفار قريش مشهورة، وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند جميع الناس من أهل الكتاب، وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك، فدل بهما على أمثالهما في الهلاك. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْجُنُودِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فِرْعَوْنَ:﴾ بدل من ﴿الْجُنُودِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿وَثَمُودَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ثمود): معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ مجرور أيضا، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. ﴿بَلِ:﴾ حرف عطف وانتقال. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والجملة الفعلية صلة له. ﴿فِي تَكْذِيبٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. تنبيه: قوله تعالى: ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ أي: تكذيب شديد. فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا أشد من تكذيبهم. ففيه عدول عن: «يكذبون» إلى جعلهم في التكذيب، وأنه لشدته أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، أو إحاطة البحر بالغريق فيه مع ما في تنكيره من الدلالة على تعظيمه، وتهويله، ففيه استعارة تبعية في كلمة: ﴿فِي﴾. انتهى. جمل نقلا من السمين. ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ الشرح: ﴿وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بأحوالهم، وقادر عليهم، وهم لا يعجزونه، والإحاطة بهم من ورائهم مثل؛ لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت الشيء المحيط به، فالمراد:

стр. 7208

بالقدرة على مجازاتهم. هذا؛ وقال الجمل نقلا عن الخطيب: فيه وجوه: أحدها أن المراد وصف اقتداره عليهم، وأنهم في قبضته، وحصره، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، ينسد عليه مسلكه، فلا يجد مهربا، يقول الله تعالى: فهم كذا في قبضتي، وأنا قادر على إهلاكهم، ومعالجتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك، فلا تجزع من تكذيبهم إياك، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم! ثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب إهلاكهم، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ رقم [٢٢] من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فهو عبارة عن مشارفة الهلاك، ثالثها: أنه تعالى محيط بأعمالهم؛ أي: عالم بها، فيجازيهم عليها. انتهى. هذا؛ و ﴿مُحِيطٌ﴾ أصله: «محيط» فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الياء، وهي الكسرة إلى الحاء قبلها بعد سلب سكونها، فصار ﴿مُحِيطٌ﴾. ومثله: مبين، ومهين... إلخ. وانظر شرح (وراء) في الآية رقم [٢٧] من سورة (الإنسان). ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ أي: شريف كريم، كثير النفع والخير، والناس محتاجون إليه في أحكام الدين والدنيا، لا كما يزعم المشركون أنه شعر وكهانة. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أي: مكتوب، ومسجل في لوح، وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه، وقيل: هو أمّ الكتاب، ومنه تنسخ جميع الكتب السماوية. وسمي محفوظا؛ لأنه حفظ من الشياطين، ومن الزيادة، والنقص، وهو عن يمين العرش. وروى الضحاك عن ابن عباس-﵄-قال: اللوح المحفوظ من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك، يقال له: ماطريون، كتابه نور، وقلمه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة، ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ما يشاء، يرفع وضيعا، ويضع رفيعا، ويغني فقيرا، ويفقر غنيا، ويحيي، ويميت، ويفعل ما يشاء، لا إله إلا هو. وفيه أصناف الخلق، والخليقة، وبيان أمورهم، وذكر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، والأقضية النافذة فيهم، ومآل عواقب أمورهم، وهو أمّ الكتاب. وقال ابن عباس-﵄: أول شيء كتابه الله تعالى في اللوح المحفوظ «إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر لنعمائي، كتبته صدّيقا، وبعثته مع الصدّيقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي؛ فليتّخذ إلها سواي». وكتب الحجاج إلى محمد ابن الحنفية-﵄-يتوعّده، فكتب إليه ابن الحنفية: بلغني: أن لله تعالى في كل يوم ثلاثمئة وستين نظرة في اللوح المحفوظ، يعز، ويذل، ويبتلي، ويفرج، ويفعل ما يريد، فلعلّ نظرة منها تشغلك بنفسك، فتشتغل بها، ولا تتفرغ. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده، ورسوله، فمن آمن بالله ، وصدّق

стр. 7209

بوعده، واتبع رسله؛ أدخله الجنة. وقال: واللوح لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدرّ والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه من نور، وكلامه سر معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. هذا؛ وكل شيء يجري في الكون مسجل في اللوح من قديم الأزل. وانظر القلم؛ الذي خط فيه كل شيء في سورة (القلم). الإعراب: ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الله): مبتدأ. ﴿مِنْ وَرائِهِمْ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وانتقال. ﴿هُوَ قُرْآنٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مَجِيدٌ:﴾ صفة ﴿قُرْآنٌ﴾. ﴿فِي لَوْحٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل: ﴿قُرْآنٌ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مَحْفُوظٍ:﴾ يقرأ بالرفع على أنه نعت ل: ﴿قُرْآنٌ،﴾ وبالجر نعتا ل: ﴿لَوْحٍ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (البروج) شرحا، وإعرابا بتوفيق الله، ومعونته. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7210

سورة الطّارق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الطارق) مكية على قول الجميع، وهي سبع عشرة آية، وإحدى وستون كلمة، ومئئان وتسعة وثلاثون حرفا. روى النسائي عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: صلى معاذ بن جبل المغرب، فقرأ: (البقرة) و (النساء)، فقال النبي ﷺ : «أفتّان أنت يا معاذ؟ ما كان يكفيك أن تقرأ ب: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ،﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها،﴾ ونحوها؟!». رواه النسائي، فمعاذ-﵁ صلى المغرب إماما في مسجد حيّه، فقرأ السورتين الكريمتين فشكاه المصلون إلى النبي ﷺ فقال له ما قال، أما مسلمو هذا الزمن؛ فإنهم لو صلى إمامهم وقرأ ب: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ ونحوها، فإنهم يملون ويضجرون. وهذا واقع، ومشاهد في هذا الزمن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثّاقِبُ (٣)﴾ الشرح: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ:﴾ أقسم الله بهما. انظر السورة السابقة؛ ففيها الكفاية. هذا؛ و (الطارق): النجم، واختلف فيه، فقيل: هو زحل الكوكب الذي في السماء السابعة. ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، وذكر له أخبارا؛ الله أعلم بصحتها. وقال ابن زيد: هو الثريا. وعن ابن عباس-﵄-هو الجدي، وعنه أيضا، وعن علي-﵄: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد. وروى أبو صالح عن ابن عباس-﵄-قال: كان رسول الله ﷺ قاعدا مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو طالب. وقال: أيّ شيء هذا؟ فقال ﷺ : «هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله». فعجب أبو طالب، ونزل: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾. وكل من أتاك ليلا فهو طارق. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٢٣] -وهو الشاهد رقم [٤٨٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع... فألهيتها عن ذي تمائم محول وقال أيضا-وقيل: هو لعلقمة الفحل-: [الطويل]

стр. 7211

ألم ترياني كلّما جئت طارقا... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب فالطارق: النجم، اسم جنس سمي بذلك؛ لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: «نهى النبي ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلا؛ كي تستحدّ المغيبة، وتمتشط الشّعثة». والعرب تسمي كل قاصد في الليل: طارقا. يقال: طرق فلان: إذا جاء بليل. وقد طرق، يطرق طروقا، فهو طارق، وفي الصحاح: والطارق: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح ومنه قول هند بنت طارق بن بياضة الإيادي من مقطوعة قالتها في حرب الفرس لإياد، وتمثلت بها هند أم معاوية فيما بعد في وقعة أحد: [مجزوء الرجز] نحن بنات طارق... نمشي على النّمارق فهي تريد: إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. وقال قوم: إنه قد يكون نهارا، والعرب تقول: أتيتك اليوم طرقتين. أي: مرتين، ومنه قول النبي ﷺ : «اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار؛ إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن!». وقال جرير في الطروق: [الكامل] طرقتك صائدة القلوب وليس ذا... حين الزيارة فارجعي بسلام ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟﴾ هذا تفخيم لشأن المقسم به. وانظر سورة (الانفطار). ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أي: المضيء. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ يقال: ثقب ثقوبا، وثقابة: إذا أضاء، وثقوبه: ضوءه، والعرب تقول: أثقب نارك؛ أي: أضئها. قال الشاعر: [الطويل] أذاع به في النّاس حتى كأنّه... بعلياء نار أوقدت بثقوب والثقوب: ما تشعل به النار من دقاق العيدان. هذا؛ ورجل ثاقب الرأي: إذا كان صحيح التفكير، نافذ البصيرة. هذا؛ وقال الصاوي، وغيره: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكر الشمس والقمر، والنجوم؛ لأن أحوالها في أشكالها، وسيرها، ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات؛ لأن الصنعة تدل على الصانع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول سورة (البروج) و (المرسلات) و (الذاريات) بشأن هذا القسم، والمقسم به. ﴿وَالطّارِقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الطارق): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿مَا الطّارِقُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: ﴿أَدْراكَ؛﴾ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَدْراكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، واعتبارها معترضة أولى. ﴿النَّجْمُ:﴾

стр. 7212

خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو النجم. ﴿الثّاقِبُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الطّارِقِ،﴾ والعامل في الحال اسم الاستفهام. ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)﴾ الشرح: قال قتادة: حفظة يحافظون عليك رزقك، وعملك، وأجلك. وقيل: المعنى إن كل نفس إلا عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى القدر؛ أي: المقادير. هذا؛ وقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «وكّل بالمؤمن ملائكة يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين؛ لاختطفته الشياطين». أقول: وهذا الحفظ يشمل المؤمن، والفاجر، والفاسق، والكافر بلا ريب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الانفطار). هذا؛ ويقرأ بتشديد الميم، وتخفيفها. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف بمعنى: «إلا» مفيدة للحصر. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حافِظٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿كُلُّ،﴾ ف: ﴿حافِظٌ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار، والمجرور. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف الميم ف: ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة مهملة، و ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، واللام هي الفارقة بين النفي والإثبات، وهي لازمة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل وما صلة، وباقي الإعراب مثل ما تقدم بلا فارق، وأجيز تعليق ﴿عَلَيْها﴾ ب: ﴿حافِظٌ﴾ على أنه خبر ﴿كُلُّ،﴾ والجملة الاسمية على الاعتبارين جواب القسم لا محل لها، وما بينهما كلام معترض لا محل له. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٣٢]: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ،﴾ وقوله في سورة (الزخرف) رقم [٣٥]: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٥١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)﴾ الشرح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ﴾ أي: ابن آدم. والمعنى: فلينظر الإنسان نظر تفكر، واعتبار. ﴿مِمَّ خُلِقَ؟:﴾ من أي شيء خلقه الله؟ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وجه الاتصال بما قبله:

стр. 7213

توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم: أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة، والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. وانظر الكلام على ﴿عَمَّ﴾ في سورة (النبأ) رقم [١]. ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ أي: من المني المتدفق؛ الذي ينصب بقوة، وشدة، يتدفق من الرجل، والمرأة، فيتكون منه الولد بقدرة الله، والدفق: صب الماء، و ﴿دافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، كما قالوا: سر كاتم؛ أي: مكتوم، والمراد ماء الرجل، والمرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. هذا؛ وفي الجمل: و ﴿دافِقٍ﴾ من صيغ النسب، كلابن، وتامر؛ أي: ذي دفق، وهو صادق على الفاعل، والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة، أو هو استعارة مكنية، أو تخييلية، أو مصرحة بجعله دافقا؛ لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا؛ أي: يدفعه كما أشار له ابن عطية. انتهى. نقلا من الشهاب. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: الظّهر، وفيه لغات أربع: صلب، وصلب. وقرئ بهما، وصلب، وصالب، ومنه قول العباس-﵁: [المنسرح] تنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى عالم بدا طبق ويجمع على: أصلاب، وأصلب، وصلبة، ويقال: هو من صلب فلان. أي: من نسله، وولده. ﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ عظام الصدر، والصلب: فقار الظهر، ويسمى سلسلة الظهر، والأول من المرأة والثاني من الرجل، ومن الأول قول امرئ القيس في معلقته رقم [٣٠]: [الطويل] مهفهفة بيضاء غير مفاضة... ترائبها مصقولة كالسّجنجل قال ابن عباس-﵄: الترائب: موضع القلادة في الصدر، وعنه ما بين ثدييها، والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر، والنحر. قال دريد بن الصمة: [الطويل] فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم... وإن تقبلوا نأخذكم في التّرائب وقال المخبل السعدي: [الكامل] والزعفران على ترائبها... شرق به اللّبّات والنّحر وواحد الترائب: تريبة، مثل: صحيفة، وصحائف. قال المثقب العبدي: [الوافر] ومن ذهب يسنّ على تريب... كلون العاج ليس بذي غضون وقد جمعت على (ترائب) باعتبار ما حولها، وما أحاط بها، ولم يجمع الصلب كما جمعت التربية، وكذلك تقول العرب: رأيت خلاخيل المرأة، وثديها: وإنما لها ثديان، وخلخالان.

стр. 7214

﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله جل ثناؤه. ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي: أن الله تعالى قادر على أن يرد النطفة في الإحليل. وقيل: قادر على أن يرد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقيل: معناه إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقيل: معناه وإن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء، قادر على إعادته حيا بعد موته، وهو أهون عليه، ولا صعب على الله، وهذا القول هو الأصحّ، وأحقّ بالاعتبار بمعنى الآية لقوله جلّ ذكره بعده ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾. ومعنى ﴿تُبْلَى﴾ تظهر الخبايا، والأمور المستورة في الدنيا. وقيل: ﴿تُبْلَى﴾ تعرف. قال الراجز: [الرجز] قد كنت قبل اليوم تزدريني... فاليوم أبلوك وتبتليني و ﴿السَّرائِرُ﴾ جمع: سريرة، وهي كل ما كان استسره الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان وكفر، كما قال الأحوص: [الطويل] إذا رمت عنها سلوة قال شافع... من الحبّ ميعاد السّلوّ المقابر سيبقى لها في مضمر القلب والحشا... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر وقيل: ﴿السَّرائِرُ﴾ فرائض الأعمال، كالصوم والصّلاة، والزكاة، والوضوء، والغسل من الجنابة. فكل هذه سرائر بين العبد وبين ربه ، وذلك؛ لأن العبد قد يقول في الدنيا: صليت؛ ولم يصلّ، وصمت؛ ولم يصم، وزكيت؛ ولم يزك، واغتسلت؛ ولم يغتسل، فإذا كان يوم القيامة يختبر؛ حتى يظهر من أداها، ومن ضيعها. قال عبد الله بن عمر-﵄: يبدي الله يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في وجوه، وشينا في وجوه. فمن أدى الفرائض، كما أمر؛ كان وجهه مشرقا مستنيرا يوم القيامة. ومن ضيعها، أو انتقص منها شيئا؛ كان وجهه أغبر. والله عالم بكل شيء، ولكن يظهر ما ذكر علامات للمؤمنين، وفيه ما فيه من السرور، والغبطة، والحبور. قال محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-: اكتشف الطب الحديث: أن هذا السائل من مني الإنسان يحوي حيوانات صغيرة، تسمى: (الحيوانات المنوية) وهي لا ترى بالعين المجردة، إنما ترى (بالمكروسكوب) وكل حيوان منها، له رأس، ورقبة، وذيل، يشبه دودة العلق في شكلها، ورسمها، وأن هذا الحيوان يختلط بالبويضة الأنثوية، فيلقحها، فإذا ما تم اللقاح؛ انطبق عنق الرحم، فلم يدخل بعده شيء إلى الرحم، وأما بقية الحيوانات؛ فتموت، وهذه الناحية العلمية: (وهي: أن الحيوان المنوي يشبه العلق في الشكل، والرسم). قد أثبتها القرآن في سورة (العلق): ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فهذه الآية معجزة بليغة من معجزات القرآن، لم يظهر وقت نزولها، ولا بعده بمئات السنين إلى أن اكتشف المجهر المكبر المذكور، وعرف كيف يتكون الإنسان بقدرة الله. انتهى.

стр. 7215

الإعراب: ﴿فَلْيَنْظُرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفاء الفصيحة. وليس بشيء يعتد به. (لينظر): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والفعل معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿مِمَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: (من)، وحذفت ألفها فرقا بين الخبر، والاستخبار. ﴿خُلِقَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: (ينظر). ﴿خُلِقَ:﴾ بدل من سابقه، والأول مطلق، والثاني مقيد بالجار، والمجرور. وقيل: الجملة مستأنفة، وليس بشيء. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دافِقٍ:﴾ صفة ﴿ماءٍ﴾. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ماءٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿ماءٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و ﴿الصُّلْبِ﴾ مضاف إليه. وقيل: ﴿بَيْنِ﴾ مقحمة بين الجار، والمجرور. ﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الترائب): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى رَجْعِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَقادِرٌ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي لام الابتداء زحلقت إلى الخبر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر ﴿رَجْعِهِ﴾ ولا يجوز تعليقه ب: (قادر)؛ لأن الله تعالى قادر في كل الأوقات، لا تختص قدرته بوقت دون وقت، وفي المغني: ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره: يرجعه، ولا يتعلق بالمصدر: ﴿رَجْعِهِ؛﴾ لأنه فصل بينه، وبين معموله بالأجنبي، وهو قوله: (قادر). ﴿تُبْلَى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿السَّرائِرُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿فَما لَهُ:﴾ للإنسان المعاند للحق، المنكر للبعث، والحساب، والجزاء، ﴿مِنْ قُوَّةٍ:﴾ يمتنع بها من عذاب الله، وغضبه، وانتقامه. ﴿وَلا ناصِرٍ:﴾ ينصره من عذاب الله، وسخطه، ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: ذات المطر، ترجع كل سنة بمطر بعد مطر، وترجع به كل وقت، وحين. قاله أهل اللغة، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبهه بالماء: [السريع] أبيض كالرجع رسوب إذا... ما ثاخ في محتفل يختلي ثاخت قدمه في الوحل، تثوخ، وتثيخ: خاضت وغابت فيه. وقد يسمى المطر أيضا: أوبا كما يسمى رجعا. قال المتنخل الهذلي: [البسيط]
следующие страницы →