← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

ألم ترياني كلّما جئت طارقا... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب فالطارق: النجم، اسم جنس سمي بذلك؛ لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث: «نهى النبي ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلا؛ كي تستحدّ المغيبة، وتمتشط الشّعثة». والعرب تسمي كل قاصد في الليل: طارقا. يقال: طرق فلان: إذا جاء بليل. وقد طرق، يطرق طروقا، فهو طارق، وفي الصحاح: والطارق: النجم الذي يقال له: كوكب الصبح ومنه قول هند بنت طارق بن بياضة الإيادي من مقطوعة قالتها في حرب الفرس لإياد، وتمثلت بها هند أم معاوية فيما بعد في وقعة أحد: [مجزوء الرجز] نحن بنات طارق... نمشي على النّمارق فهي تريد: إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء. وقال قوم: إنه قد يكون نهارا، والعرب تقول: أتيتك اليوم طرقتين. أي: مرتين، ومنه قول النبي ﷺ : «اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار؛ إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن!». وقال جرير في الطروق: [الكامل] طرقتك صائدة القلوب وليس ذا... حين الزيارة فارجعي بسلام ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟﴾ هذا تفخيم لشأن المقسم به. وانظر سورة (الانفطار). ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أي: المضيء. قال تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ يقال: ثقب ثقوبا، وثقابة: إذا أضاء، وثقوبه: ضوءه، والعرب تقول: أثقب نارك؛ أي: أضئها. قال الشاعر: [الطويل] أذاع به في النّاس حتى كأنّه... بعلياء نار أوقدت بثقوب والثقوب: ما تشعل به النار من دقاق العيدان. هذا؛ ورجل ثاقب الرأي: إذا كان صحيح التفكير، نافذ البصيرة. هذا؛ وقال الصاوي، وغيره: قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكر الشمس والقمر، والنجوم؛ لأن أحوالها في أشكالها، وسيرها، ومطالعها، ومغاربها عجيبة دالة على انفراد خالقها بالكمالات؛ لأن الصنعة تدل على الصانع. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول سورة (البروج) و (المرسلات) و (الذاريات) بشأن هذا القسم، والمقسم به. ﴿وَالطّارِقِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الطارق): معطوف على ما قبله. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿مَا الطّارِقُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: ﴿أَدْراكَ؛﴾ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَما أَدْراكَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، واعتبارها معترضة أولى. ﴿النَّجْمُ:﴾

стр. 7212

خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو النجم. ﴿الثّاقِبُ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ﴿الطّارِقِ،﴾ والعامل في الحال اسم الاستفهام. ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)﴾ الشرح: قال قتادة: حفظة يحافظون عليك رزقك، وعملك، وأجلك. وقيل: المعنى إن كل نفس إلا عليها حافظ يحفظها من الآفات حتى يسلمها إلى القدر؛ أي: المقادير. هذا؛ وقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «وكّل بالمؤمن ملائكة يذبون عنه ما لم يقدر عليه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين؛ لاختطفته الشياطين». أقول: وهذا الحفظ يشمل المؤمن، والفاجر، والفاسق، والكافر بلا ريب. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] من سورة (الانفطار). هذا؛ ويقرأ بتشديد الميم، وتخفيفها. الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف نفي بمعنى: «ما». ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿نَفْسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَمّا:﴾ حرف بمعنى: «إلا» مفيدة للحصر. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿حافِظٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وإن اعتبرت الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر ﴿كُلُّ،﴾ ف: ﴿حافِظٌ﴾ يكون فاعلا بمتعلق الجار، والمجرور. هذا؛ وعلى قراءة تخفيف الميم ف: ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة مهملة، و ﴿كُلُّ﴾ مبتدأ، واللام هي الفارقة بين النفي والإثبات، وهي لازمة. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز] وخفّفت إنّ فقلّ العمل... وتلزم اللاّم إذا ما تهمل وما صلة، وباقي الإعراب مثل ما تقدم بلا فارق، وأجيز تعليق ﴿عَلَيْها﴾ ب: ﴿حافِظٌ﴾ على أنه خبر ﴿كُلُّ،﴾ والجملة الاسمية على الاعتبارين جواب القسم لا محل لها، وما بينهما كلام معترض لا محل له. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (يس) رقم [٣٢]: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ،﴾ وقوله في سورة (الزخرف) رقم [٣٥]: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وخذ قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٥١٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنين ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)﴾ الشرح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ﴾ أي: ابن آدم. والمعنى: فلينظر الإنسان نظر تفكر، واعتبار. ﴿مِمَّ خُلِقَ؟:﴾ من أي شيء خلقه الله؟ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وجه الاتصال بما قبله:

стр. 7213

توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم: أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة، والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره. وانظر الكلام على ﴿عَمَّ﴾ في سورة (النبأ) رقم [١]. ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ﴾ أي: من المني المتدفق؛ الذي ينصب بقوة، وشدة، يتدفق من الرجل، والمرأة، فيتكون منه الولد بقدرة الله، والدفق: صب الماء، و ﴿دافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق، كما قالوا: سر كاتم؛ أي: مكتوم، والمراد ماء الرجل، والمرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما. هذا؛ وفي الجمل: و ﴿دافِقٍ﴾ من صيغ النسب، كلابن، وتامر؛ أي: ذي دفق، وهو صادق على الفاعل، والمفعول، أو هو مجاز في الإسناد، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة، أو هو استعارة مكنية، أو تخييلية، أو مصرحة بجعله دافقا؛ لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضا؛ أي: يدفعه كما أشار له ابن عطية. انتهى. نقلا من الشهاب. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أي: الظّهر، وفيه لغات أربع: صلب، وصلب. وقرئ بهما، وصلب، وصالب، ومنه قول العباس-﵁: [المنسرح] تنقل من صالب إلى رحم... إذا مضى عالم بدا طبق ويجمع على: أصلاب، وأصلب، وصلبة، ويقال: هو من صلب فلان. أي: من نسله، وولده. ﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ عظام الصدر، والصلب: فقار الظهر، ويسمى سلسلة الظهر، والأول من المرأة والثاني من الرجل، ومن الأول قول امرئ القيس في معلقته رقم [٣٠]: [الطويل] مهفهفة بيضاء غير مفاضة... ترائبها مصقولة كالسّجنجل قال ابن عباس-﵄: الترائب: موضع القلادة في الصدر، وعنه ما بين ثدييها، والمشهور من كلام العرب: أنها عظام الصدر، والنحر. قال دريد بن الصمة: [الطويل] فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم... وإن تقبلوا نأخذكم في التّرائب وقال المخبل السعدي: [الكامل] والزعفران على ترائبها... شرق به اللّبّات والنّحر وواحد الترائب: تريبة، مثل: صحيفة، وصحائف. قال المثقب العبدي: [الوافر] ومن ذهب يسنّ على تريب... كلون العاج ليس بذي غضون وقد جمعت على (ترائب) باعتبار ما حولها، وما أحاط بها، ولم يجمع الصلب كما جمعت التربية، وكذلك تقول العرب: رأيت خلاخيل المرأة، وثديها: وإنما لها ثديان، وخلخالان.

стр. 7214

﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله جل ثناؤه. ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ أي: أن الله تعالى قادر على أن يرد النطفة في الإحليل. وقيل: قادر على أن يرد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقيل: معناه إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة. وقيل: معناه وإن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء، قادر على إعادته حيا بعد موته، وهو أهون عليه، ولا صعب على الله، وهذا القول هو الأصحّ، وأحقّ بالاعتبار بمعنى الآية لقوله جلّ ذكره بعده ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾. ومعنى ﴿تُبْلَى﴾ تظهر الخبايا، والأمور المستورة في الدنيا. وقيل: ﴿تُبْلَى﴾ تعرف. قال الراجز: [الرجز] قد كنت قبل اليوم تزدريني... فاليوم أبلوك وتبتليني و ﴿السَّرائِرُ﴾ جمع: سريرة، وهي كل ما كان استسره الإنسان من خير، أو شر، وأضمره من إيمان وكفر، كما قال الأحوص: [الطويل] إذا رمت عنها سلوة قال شافع... من الحبّ ميعاد السّلوّ المقابر سيبقى لها في مضمر القلب والحشا... سريرة ودّ يوم تبلى السّرائر وقيل: ﴿السَّرائِرُ﴾ فرائض الأعمال، كالصوم والصّلاة، والزكاة، والوضوء، والغسل من الجنابة. فكل هذه سرائر بين العبد وبين ربه ، وذلك؛ لأن العبد قد يقول في الدنيا: صليت؛ ولم يصلّ، وصمت؛ ولم يصم، وزكيت؛ ولم يزك، واغتسلت؛ ولم يغتسل، فإذا كان يوم القيامة يختبر؛ حتى يظهر من أداها، ومن ضيعها. قال عبد الله بن عمر-﵄: يبدي الله يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في وجوه، وشينا في وجوه. فمن أدى الفرائض، كما أمر؛ كان وجهه مشرقا مستنيرا يوم القيامة. ومن ضيعها، أو انتقص منها شيئا؛ كان وجهه أغبر. والله عالم بكل شيء، ولكن يظهر ما ذكر علامات للمؤمنين، وفيه ما فيه من السرور، والغبطة، والحبور. قال محمد علي الصابوني-جزاه الله خيرا-: اكتشف الطب الحديث: أن هذا السائل من مني الإنسان يحوي حيوانات صغيرة، تسمى: (الحيوانات المنوية) وهي لا ترى بالعين المجردة، إنما ترى (بالمكروسكوب) وكل حيوان منها، له رأس، ورقبة، وذيل، يشبه دودة العلق في شكلها، ورسمها، وأن هذا الحيوان يختلط بالبويضة الأنثوية، فيلقحها، فإذا ما تم اللقاح؛ انطبق عنق الرحم، فلم يدخل بعده شيء إلى الرحم، وأما بقية الحيوانات؛ فتموت، وهذه الناحية العلمية: (وهي: أن الحيوان المنوي يشبه العلق في الشكل، والرسم). قد أثبتها القرآن في سورة (العلق): ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فهذه الآية معجزة بليغة من معجزات القرآن، لم يظهر وقت نزولها، ولا بعده بمئات السنين إلى أن اكتشف المجهر المكبر المذكور، وعرف كيف يتكون الإنسان بقدرة الله. انتهى.

стр. 7215

الإعراب: ﴿فَلْيَنْظُرِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقيل: الفاء الفصيحة. وليس بشيء يعتد به. (لينظر): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والفعل معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿مِمَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (ما) اسم استفهام مبني على السكون في محل جر ب: (من)، وحذفت ألفها فرقا بين الخبر، والاستخبار. ﴿خُلِقَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ،﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به للفعل: (ينظر). ﴿خُلِقَ:﴾ بدل من سابقه، والأول مطلق، والثاني مقيد بالجار، والمجرور. وقيل: الجملة مستأنفة، وليس بشيء. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿دافِقٍ:﴾ صفة ﴿ماءٍ﴾. ﴿يَخْرُجُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ماءٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿ماءٍ،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ بَيْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَيْنِ﴾ مضاف، و ﴿الصُّلْبِ﴾ مضاف إليه. وقيل: ﴿بَيْنِ﴾ مقحمة بين الجار، والمجرور. ﴿وَالتَّرائِبِ:﴾ الواو: حرف عطف. (الترائب): معطوف على ما قبله. ﴿إِنَّهُ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿عَلى رَجْعِهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَقادِرٌ:﴾ خبر (إنّ)، واللام هي لام الابتداء زحلقت إلى الخبر، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ تعليلية لا محل لها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالمصدر ﴿رَجْعِهِ﴾ ولا يجوز تعليقه ب: (قادر)؛ لأن الله تعالى قادر في كل الأوقات، لا تختص قدرته بوقت دون وقت، وفي المغني: ﴿يَوْمَ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره: يرجعه، ولا يتعلق بالمصدر: ﴿رَجْعِهِ؛﴾ لأنه فصل بينه، وبين معموله بالأجنبي، وهو قوله: (قادر). ﴿تُبْلَى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿السَّرائِرُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿فَما لَهُ:﴾ للإنسان المعاند للحق، المنكر للبعث، والحساب، والجزاء، ﴿مِنْ قُوَّةٍ:﴾ يمتنع بها من عذاب الله، وغضبه، وانتقامه. ﴿وَلا ناصِرٍ:﴾ ينصره من عذاب الله، وسخطه، ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أي: ذات المطر، ترجع كل سنة بمطر بعد مطر، وترجع به كل وقت، وحين. قاله أهل اللغة، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبهه بالماء: [السريع] أبيض كالرجع رسوب إذا... ما ثاخ في محتفل يختلي ثاخت قدمه في الوحل، تثوخ، وتثيخ: خاضت وغابت فيه. وقد يسمى المطر أيضا: أوبا كما يسمى رجعا. قال المتنخل الهذلي: [البسيط]

стр. 7216

ربّاء شمّاء لا يأوي لقلّتها... إلاّ السحاب وإلاّ الأوب والسّبل ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أي: تتصدع، وتنشق عن النبات، والشجر، والأنهار. قال تعالى في سورة: (عبس): ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن. ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ:﴾ فاصل بين الحق، والباطل، كما قيل له: «فرقان» يفرق بين الحق، والباطل. ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ:﴾ باللعب، والعبث، والباطل، و (الهزل) ضد الجد، وقد هزل، يهزل. قال الكميت: [الطويل] أرانا على حبّ الحياة وطولها... يجدّ بنا في كلّ يوم ونهزل هذا؛ وروى الحارث عن علي-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل. من تركه من جبار؛ قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره؛ أضلّه الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم ينته الجنّ إذ سمعته؛ حتى قالوا: ﴿إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ من قال به؛ صدق، ومن عمل به؛ أجر، ومن حكم به؛ عدل، ومن دعا إليه؛ هدي إلى صراط مستقيم». هذا؛ والقول يطلق على خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى، الثاني: حديث النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ﴾. الثالث: الحركة، والإمالة، يقال: قالت النخلة؛ أي: مالت. الرابع: ما يشهد به الحال كما في قوله تعالى: ﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾. الخامس: الاعتقاد، كما تقول: هذا قول المعتزلة، وهذا قول الأشاعرة. أي: ما يعتقدونه. وانظر الكلام بعد الإعراب. الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: حرف عطف. (ما): نافية. ﴿لَهُ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿قُوَّةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية السابقة، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، أو هي صلة لتوكيد النفي. ﴿ناصِرٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالسَّماءِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول السورة. ﴿ذاتِ:﴾ صفة (السماء)، وهو مضاف، و ﴿الرَّجْعِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ (١٢): معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿لَقَوْلٌ:﴾ خبرها، واللام المزحلقة. ﴿فَصْلٌ:﴾ صفة (قول)، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّهُ..﴾. إلخ جواب القسم لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية حجازية تعمل عمل: «ليس»، أو هي مهملة لا عمل لها. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع اسم (ما)، أو هو في محل رفع مبتدأ.

стр. 7217

﴿بِالْهَزْلِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (الهزل): خبر (ما)، أو خبر المبتدأ، فهو مجرور لفظا، منصوب، أو مرفوع محلا، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من اسم (إنّ) فالمعنى لا يأباه، وعليه فالرابط: الواو، والضمير. تنبيه: بمناسبة الكلام على القول: فأتكلم على الكلام، فأقول: أما الكلام بالنسبة للبشر، فهو يدل على أحد ثلاثة أمور: أولها: الحدث الذي يدل عليه لفظ التكليم، تقول: أعجبني كلامك، تريد تكليمك إياه. وقال الشاعر: [البسيط] قالوا كلامك هندا وهي مصغية... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا ثانيها: ما يدور في النفس من هواجس، وخواطر، وكل ما يعبر عنه باللفظ؛ لإفادة السامع ما قام بنفس المخاطب، فيسمى هذا الذي تخيلته في نفسك كلاما في اللغة العربية. تأمل قول الأخطل التغلبي: [الكامل] لا يعجبنّك من خطيب خطبة... حتّى يكون مع الكلام أصيلا إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما... جعل اللّسان مع الفؤاد دليلا وثالثها: كل ما تحصل به الفائدة، سواء أكان ما حصلت به لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو دلالة حال؟ انظر إلى قول العرب (القلم أحد اللّسانين) وانظر إلى تسمية المسلمين ما بين دفّتي المصحف: (كلام الله) ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ﴾ وقال جلّ شأنه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾. وإلى كلمته جلت حكمته: ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾. ثم انظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة؛ الذي نفى الكلام اللفظي عن محبوبته، وأثبت لعينها القول، وذلك في قوله: [الطويل] أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم ثم انظر إلى قول نصيب بن رباح: [الطويل] فعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: مشركي قريش. ﴿يَكِيدُونَ كَيْداً:﴾ يحتالون بالمكر بالنبي ﷺ ، وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة، وتشاوروا فيه في ليلة الهجرة، يريدون الفتك بالنبي ﷺ . ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ أي:

стр. 7218

أجازيهم على كيدهم بالإمهال، ثم النكال؛ حيث أخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى في سورة (القلم): ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال أبو السعود: أي: أقابلهم بكيد متين، لا يمكن ردّه حيث أستدرجهم من حيث لا يعلمون. هذا؛ والكيد: الحيلة، والمكر، والخبث، والخداع، وهو بهذه المعاني مستحيل في حقه تعالى، وإنما هو هنا بمعنى: الجزاء، والعقاب. وإنما ذكره بلفظ الكيد من باب المقابلة. وهذا ما يسمى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله سبحانه جزاءهم وعقابهم من جنس صنيعهم. ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [٦٧]: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٤٠]: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ ومثل هذا كثير في الآيات القرآنية، والمراد: مقابلة القبيح بمثله، وإذا قال: أخزاك الله؛ فقل له: أخزاك الله، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها، ولا تعتد. وخذ قول ابن الرقعمق في المشاكلة: [الكامل] أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة... وأتى رسولهم إليّ خصيصا قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه... قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا وقال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [١١٤]: [الوافر] ألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى جزاء الجهل: جهلا لازدواج الكلام، وحسن تجانس اللفظ، فالجملة الثانية على مثل لفظ الأولى، وهي تخالفها في المعنى؛ لأن ذلك أخف على اللسان. ومن ذلك قول الرسول ﷺ : «فإنّ الله لا يملّ؛ حتّى تملّوا». فمعناه: أن الله تعالى لا يقطع عنكم فضله؛ حتى تملوا من مسألته، وتزهدوا فيها؛ لأن الله لا يمل في الحقيقة، وإنما نسب الملل إليه لازدواج اللفظين. ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ﴾ أي: لا تستعجل عليهم، ولا تدع بهلاكهم. ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً:﴾ أمهلهم قليلا، فسوف ترى ما أصنع بهم! وهذا منتهى الوعيد، والتهديد، ويقال: مهلا يا فلان! أي: رفقا، وسكونا. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٢٦] وهو الشاهد رقم [٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي و (الرويد) في كلام العرب تصغير: رود، وكذا قال أبو عبيد، وأنشد قول الجموح الظفري: [البسيط] تكاد لا تنل البطحاء وطأتها... كأنها ثمل يمشي على رود و (رويد) مصغر تصغير الترخيم من إرواد، وهو مصدر: أرود، يرود. وله أربعة أوجه: اسم للفعل، وصفة، وحال، ومصدر، فالاسم نحو قولك: رويد عمرا. أي: أرود عمرا بمعنى: أمهله، فهو اسم فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر فيه.

стр. 7219

والصفة: نحو قولك: ساروا سيرا رويدا. والحال: نحو قولك: سار القوم رويدا (لما اتصل بالمعرفة؛ صار حالا لها). والمصدر: نحو قولك: رويد عمرو بالإضافة. كقوله تعالى في سورة (محمد ﷺ رقم [٤]: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾. قال جميعه الجوهري، والذي في الآية من هذه الوجوه، أن يكون نعتا للمصدر. أي: إمهالا رويدا، ويجوز أن يكون للحال. أي: أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب. انتهى. قرطبي، ولا تنس: أن هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال تعالى في سورة (التوبة) رقم [٥]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٩١]: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ،﴾ وقال في سورة (النساء) رقم [٩١]: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ،﴾ وآية (الحج) رقم [٣٩]: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. الإعراب: ﴿إِنَّهُمْ:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها، ﴿يَكِيدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿كَيْداً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة، أو تعليلية، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَكِيدُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أكيد): فعل مضارع، والفاعل مستتر، تقديره: «أنا»، ﴿كَيْداً:﴾ مفعول مطلق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. ﴿فَمَهِّلِ:﴾ الفاء: الفصيحة. (مهل): فعل أمر، وفاعله تقديره: «أنت». ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا-ولو بعد حين-فمهل الكافرين. ﴿أَمْهِلْهُمْ:﴾ أمر وفاعله، ومفعوله، والجملة توكيد لسابقتها. ﴿رُوَيْداً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، أو حال. انظر الشرح. تنبيه: بل خاتمة: قوله تعالى: ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ بل هو جد كلّه، فيجب أن يكون مهيبا في الصدور، معظما في القلوب، يترفع به قارئه، وسامعه عن أن يلمّ بهزل، أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى جبار السموات، والأرض، يخاطبه، فيأمره، وينهاه، ويعده، ويوعده؛ حتى إذا لم يستفزه الفزع، والخوف، ولم تتبالغ فيه الخشية؛ فأدنى أمره أن يكون جادا غير هازل، فقد نفى الله عن المشركين ذلك في قوله في آخر سورة (النجم): ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الطارق) شرحا وإعرابا بحمد الله وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7220

سورة الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الأعلى) مكية في قول الجمهور. وقال الضّحّاك مدنية. وهي تسع عشرة آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومئتان وواحد وتسعون حرفا. انتهى. خازن. وقال النووي-رحمه الله تعالى-: وكان النبي ﷺ يحبها لكثرة ما اشتملت عليه من العلوم، والخيرات، وعن عبد الرحمن بن جريج؛ قال: سألنا عائشة-﵂-بأي شيء كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: كان يقرأ في الأولى ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى،﴾ وفي الثانية ب: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ،﴾ وفي الثالثة ب: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي. وقال: حديث حسن غريب. انتهى. جمل والخازن. وروى مسلم، وأهل السنن عن النعمان بن بشير-﵄-أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين، ويوم الجمعة ب: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى،﴾ و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد، فقرأهما. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥)﴾ الشرح: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أي: نزه يا محمد ربّك العلي الكبير عن صفات النقص، وعما يقوله الظالمون، وعما لا يليق به من النقائص، والقبائح. فقد روي: أنه لما نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال الرسول ﷺ : «اجعلوها في سجودكم». ولما نزل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ من سورة (الواقعة) قال الرسول ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم». أخرجه أبو داود عن عقبة ابن عامر-﵁. هذا؛ والتسبيح يأتي بمعنى الدعاء. قال جرير: [الطويل] فلا تنس تسبيح الضّحى إنّ يوسفا... دعا ربّه فاختاره حين سبّحا هذا؛ وقد جاء لفظ التسبيح في القرآن الكريم بالماضي أحيانا، وبالمضارع أحيانا، وبالأمر أحيانا، وبالمصدر أحيانا أخرى، استيعابا لهذه المادة من جميع جهاتها، وألفاظها، وهي أربع المصدر، والماضي، والمضارع، والأمر. وهذا الفعل بألفاظه الأربعة قد عدي باللام تارة، مثل

стр. 7221

قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ،﴾ وقوله جلت حكمته: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ..﴾. إلخ. وبنفسه أخرى، مثل الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها، وقوله تعالى في سورة (الفتح) رقم [٩]: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ،﴾ وفي سورة (الأحزاب) رقم [٤٢]: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً،﴾ وقوله تعالى في آخر سورة (ق): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ وأصله التعدي بنفسه؛ لأن معنى «سبحته»: بعدته من السوء، منقول من: سبح إذا ذهب، وبعد، فاللام إما أن تكون مثل: نصحته، ونصحت له، وشكرته، وشكرت له، وإما أن يراد: يسبح لله: اكتسب التسبيح لأجل الله، ولوجهه خالصا. انتهى. نسفي من سورة (الحديد). ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ أي: خلق جميع المخلوقات، فأتقن خلقها، وأبدع صنعها في أجمل الأشكال، وأحسن الهيئات. قال في البحر: أي: كلّ شيء فسواه، بحيث لم يأت متفاوتا، بل متناسبا على إحكام، وإتقان، للدلالة على أنه صادر من عالم حكيم. انتهى. صابوني، والمعنى: خلق كل ذي روح فسوى اليدين، والرجلين، والعينين. وقيل: خلق الإنسان مستويا معتدل القامة. وانظر سورة (الانفطار) رقم [٧] وانظر سورة (التين) أيضا. ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى:﴾ قيل: قدر الأرزاق، وهدى لاكتسابها. وقيل: قدر لكل شيء شكله فهدى؛ أي: عرف كيف يأتي الذكر، والأنثى، سواء أكان من الإنسان، أو من الحيوان حتى الذبابة. وقيل: قدر مدة الجنين في الرحم، وهداه إلى الخروج منه. وقيل: قدر لأقوام الشقاوة، والسعادة لأقوام، ثم هدى كل فريق من الطائفتين لسلوك سبيل ما قدر له، وعليه، فهذه الآية كقوله تعالى في سورة (طه) رقم [٥٠]: ﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ انظر شرحها هناك، فعن عبد الله بن عمرو-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». أخرجه مسلم. وفي الجمل نقلا عن الخطيب: أي: أوقع تقديره في أجناس الأشياء، وأنواعها وأشخاصها، ومقاديرها، وصفاتها، وأفعالها، وآجالها، وغير ذلك من أحوالها. فجعل البطش لليد، والمشي للرجل، والسمع للأذن، والبصر للعين، ونحو ذلك. وقوله: ﴿فَهَدى﴾ أي: هدى الإنسان، ودله لسبيل الخير، والشر، والسعادة، والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها. وقيل: المعنى: قدر أقواتهم، وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا بشرا، ولمراعيهم إن كانوا وحوشا، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته، وأدويته، وأمور دنياه، ودينه، وإلهامات البهائم، والطيور، وهوام الأرض إلى معاشها ومصالحها. انتهى. ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى:﴾ بعد أن ذكر ما يختص بالإنسان؛ أتبعه بما يختص بالحيوان من الحشائش، والأعشاب. وجميع أنواع النباتات، والزروع، من أخضر، وأصفر، وأحمر، وأبيض، وغير ذلك. ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً﴾ يابسا، هشيما، باليا كالغثاء الذي تراه فوق السيل. وغثاء

стр. 7222

السيل: حميله، وغثت نفسه، تغثى غثيا من باب رمى، وغثيانا، وهو اضطرابها؛ حتى تكاد تتقيأ من خلط ينصبّ إلى فم المعدة. ﴿أَحْوى﴾ أي: أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف، ويبس؛ اسودّ. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨٩]: [الطويل] كأنّ ذرا رأس المجيمر غدوة... من السّيل والإغثاء فلكة مغزل و (الأحوى) الأسود؛ أي: إن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة، كالأسود، والحوة: السواد، قال ذو الرّمّة: [البسيط] لمياء في شفتيها حوّة لعس... وفي اللّثات وفي أنيابها شنب ويقال: رجل أحوى، وامرأة حواء، وجمعهما: حوّ، مثل: أحمر، وحمر، وقد حويت. وبعير أحوى: إذا خالط خضرته سواد وصفرة. تنبيه: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به في ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وأحكامه واجب. فأما في ذاته؛ فأن تعتقد: أنها ليست من الجواهر، والأعراض، وأما في صفاته؛ فأن تعتقد: أنها ليست محدثة، ولا متناهية، ولا ناقصة. وأما في أفعاله؛ فأن تعتقد: أنه سبحانه مطلق، لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور. وأما في أسمائه؛ فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه، سواء ورد الإذن فيها، أم لم يرد. وأما في أحكامه سبحانه؛ فأن تعلم: أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه، بل لمحض المالكية. انتهى. جمل نقلا عن الخطيب. الإعراب: ﴿سَبِّحِ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه. وقيل: اسم صلة. قاله ابن عباس، والسدي، والمعنى: عظّم ربك الأعلى، فالمراد تعظيم المسمى. ومنه قول: لبيد-﵁-وانظره في الشاهد رقم [٩٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل] إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وعليه ف: ﴿رَبِّكَ﴾ مفعول به، مجرور لفظا، منصوب محلا، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْأَعْلَى:﴾ صفة ل: ﴿رَبِّكَ،﴾ أو صفة ﴿اِسْمَ،﴾ فعلى الأول هو مجرور، وعلى الثاني هو منصوب، والكسرة، أو الفتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿اِسْمَ،﴾ أو في محل جر صفة ثانية ل: ﴿رَبِّكَ﴾ إلا أن اعتبار ﴿الْأَعْلَى﴾ صفة ل: ﴿اِسْمَ﴾ يمنع جعل ﴿الَّذِي﴾ صفة ل: ﴿رَبِّكَ،﴾ بل يتعين حينئذ جعله نعتا ل: ﴿اِسْمَ،﴾ أو نعتا مقطوعا لئلا يلزم الفصل بين الموصوف، وصفته بصفة غيره؛ إذ يصير التركيب مثل قولك: جاءني غلام هند العاقل الحسنة، وهو ممتنع. انتهى. سمين.

стр. 7223

هذا؛ ويجوز في العربية اعتبار الموصول خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو في محل نصب بفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. وهذان الوجهان لا يناسبان المقام مع جلال الله، وعظمته. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. (سوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ والمفعول محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى﴾ هذا الكلام معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه بلا فارق. (جعله): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا، والهاء مفعول به أول. ﴿غُثاءً:﴾ مفعول به ثان. ﴿أَحْوى:﴾ قيل: صفة ﴿غُثاءً،﴾ وصحح ابن هشام اعتباره حالا من ﴿الْمَرْعى،﴾ وأخر لتناسب الفواصل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨)﴾ الشرح: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي: سنقرأ عليك القرآن يا محمد بواسطة جبريل. ﴿فَلا تَنْسى:﴾ هذا إخبار من الله، ووعد منه تعالى لنبيه ﷺ بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها. وهذه بشارة من الله -لحبيبه ﷺ بإعطائه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي؛ وهو أمي لا يقرأ، ولا يكتب، فيحفظه، ولا ينساه. وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين: الأول: أنه كان رجلا أميا، فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة، ولا تكرار خارق للعادة، فيكون معجزة. الثاني: أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب، مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع، فيكون هذا إخبارا، فيكون معجزا. انتهى. جمل نقلا من الخطيب. وفي الخازن: وذلك أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم بأولها رسول الله ﷺ مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى:﴾ فلم ينس شيئا بعد ذلك. وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) الآية رقم [١٦] وما بعدها؛ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ:﴾ يعني أن تنساه، وهو ما نسخ الله تعالى تلاوته من القرآن، ورفعه بالصدور. وقيل: معناه إلا ما شاء الله أن تنساه، ثم تذكره بعد ذلك، كما صح من حديث عائشة ﵂-قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل، فقال: «﵀! لقد أذكرني كذا، وكذا آية، كنت أنسيتها من سورة كذا، وكذا». وفي رواية: «كنت أسقطتهن من سورة كذا». أخرجاه في الصحيحين. ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى:﴾ من القول، والفعل. والمعنى: يعلم السر، والعلانية، قال الله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وقال في سورة (النحل): ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما﴾

стр. 7224

تُعْلِنُونَ. ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ أي: نهون عليك أن تعمل خيرا، ونسهله عليك حتى تعمله. وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السمحة. وروي من قول النبي ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة». وعن العرباض بن سارية-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك». رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة. الإعراب: ﴿سَنُقْرِئُكَ:﴾ السين: حرف تنفيس، واستقبال، ووعد وهي في حق الله تعالى تفيد التحقيق، والتوكيد. (نقرئك): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف تعليل. (لا): نافية. ﴿تَنْسى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف التقدير: فلا تنسى منه شيئا. هذا؛ وأجيز اعتبار (لا) ناهية، والفعل مجزوما بها، والألف للإشباع، ومنع مكي أن يكون نهيا؛ لأنه لا ينهى عما ليس باختياره. وهذا غير لازم؛ إذ المعنى أن النهي عن تعاطي أسباب النسيان، وهو شائع. فسقط ما قاله. انتهى. جمل نقلا من السمين. وعلى اعتبار النهي فالفاء هي الفصيحة إذا؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء. وقيل: (ما) هي المفعول به ل: ﴿تَنْسى﴾ وهو ضعيف. ﴿شاءَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله، والمفعول محذوف، انظر تقديره في الشرح. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِنَّهُ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (الله). ﴿الْجَهْرَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية تعليل لمشيئة الله تعالى، لا محل لها. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف على الجهر. ﴿يَخْفى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَنُيَسِّرُكَ:﴾ الواو: حرف عطف. (نيسرك): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. وقال الجمل: معطوفة على: (نقرئك) كما ينبئ عنه الالتفات إلى الحكاية، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما اعتراض وارد للتعليل. انتهى. ﴿لِلْيُسْرى:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠)﴾ الشرح: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ أمر للرسول ﷺ . والمعنى: فعظ قومك يا محمد بالقرآن. ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أي: الموعظة. روى يونس عن الحسن البصري؛ قال: تذكرة للمؤمن، وحجة على

стр. 7225

الكافر. وكان ابن عباس-﵄-يقول: تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي. وقال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع. والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع، فحذف، كما قال تعالى في سورة (النحل) رقم [٨١]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. وقال ابن كثير: أي: ذكر حيث تنفع التذكرة. ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه عند غير أهله، كما قال علي-﵁: (ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم). وقال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! والظاهر: أن أمره بالتذكير مشروط بنفع الذكرى، وهذا الشرط إنما جيء به توبيخا لقريش؛ أي: فذكر إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، ومعناه استبعاد انتفاعهم بالذكرى، كما قال أبو تمام-رحمه الله تعالى-: [الوافر] لقد أسمعت لو ناديت حيا... ولكن لا حياة لمن تنادي هذا؛ وقال الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: واعلم: أنه ﷺ كان مبعوثا إلى الكل، فيجب عليه أن يذكرهم، سواء نفعتهم الذكرى، أم لم تنفعهم؟ والجواب: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين، ونبه على الحالة الأخرى. كقوله تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ والتقدير: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع، وأجيب عنه أيضا بأن التذكير العام واجب في أول الأمر، وأما التكرير، فلعله يجب عند رجاء حصول المقصود، فلهذا المعنى قيده بهذا الشرط، والتذكير المأمور به: هل هو محصور في عشر مرات، أو غير محصور، والجواب أن الضابط فيه العرف. ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى:﴾ سينتفع بهذه الذكرى، والموعظة من يخاف الله. قال الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: اعلم: أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام: منهم من قطع بصحة المعاد، ومنهم من جوز وجوده، ولكنه غير قاطع فيه بالنفي، والإثبات، ومنه من أصر على إنكاره (أي: المعاد) وقطع بأنه لا يكون، فالقسمان الأولان، تكون الخشية حاصلة لهما، وأما القسم الثالث فلا خشية، ولا خوف، فلما قال الله جلّ ذكره: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ بين: أن الذي تنفعه الذكرى من يخشى، ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنيا على حصول الخشية في القلب، وصفات القلوب لا يطلع عليها إلا الله، وجب على الرسول ﷺ تعميم الدعوة تحصيلا للمقصود، فإن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير، والسين في: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ بمعنى سوف، وسوف من الله واجب كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ انتهى. جمل. نقلا من الفخر. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم. هذا؛ والماضي: خشي، والمصدر: خشية، والرجل: خشيان، والمرأة: خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل «خشي» بمعنى: علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل]

стр. 7226

ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد قالوا: معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨١]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾ قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف للتعميم. والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم مقدر ب: «إذا»، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فذكر. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿نَفَعَتِ:﴾ فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث. ﴿الذِّكْرى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية مرتبطة بما قبلها غير منفكة عنها. ﴿سَيَذَّكَّرُ:﴾ السين: حرف استقبال. (يذكر): فعل مضارع. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، وجملة ﴿يَخْشى﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)﴾ الشرح: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ أي: يرفض الموعظة، ويبتعد عن قبولها الكافر المبالغ في الشقاوة. وهذا المقدر له ذلك في علم الله الأزلي. ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى:﴾ هي نار الآخرة، والنار الصغرى هي نار الدنيا. فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنّم». قالوا: والله إن كانت لكافية! قال: «إنّها فضّلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلهنّ مثل حرّها». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ أي: لا يموت، فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه، كقوله تعالى في سورة (فاطر) رقم [٣٦]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها،﴾ وقوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [١٧]: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ،﴾ وقال الشاعر: [الطويل] ألا من لنفس لا تموت فينقضي... عناها ولا تحيا حياة لها طعم وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون، ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فيميتهم إماتة؛ حتى إذا ما صاروا فحما؛ أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثّوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة في حميل السّيل». رواه الإمام مسلم، وأحمد. ولا تنس الطباق بين ﴿يَمُوتُ﴾ و ﴿يَحْيى﴾ والمقابلة بين الآيتين [١٠] و [١١].

стр. 7227

الإعراب: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا:﴾ الواو: حرف عطف. (يتجنبها): فعل مضارع، و (ها): مفعول به. ﴿الْأَشْقَى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْأَشْقَى،﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني، أو أذم. ﴿يَصْلَى:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد. ﴿النّارَ:﴾ مفعول به. ﴿الْكُبْرى:﴾ صفة ﴿النّارَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَمُوتُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥)﴾ الشرح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ:﴾ فاز، ونجا. ﴿مَنْ تَزَكّى:﴾ من طهر نفسه بالإيمان، وأخلص عمله للرحمن، روى جابر بن عبد الله-﵄. قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ أي: «من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله». وروى عطاء عن ابن عباس-﵄-قال: نزلت في عثمان-﵁-قال: كان بالمدينة منافق، وكانت له نخلة بالمدينة مائلة إلى دار رجل من الأنصار، فكانت إذا هبت الرياح أسقطت البسر، والرطب إلى دار الأنصاري، فيأكل هو، وعياله منه. فخاصمه المنافق، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى المنافق، وهو لا يعلم نفاقه، فقال: «إن أخاك الأنصاري ذكر: أن بسرك، ورطبك يقع إلى منزله، فيأكل، هو وعياله، فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟!». فقال: أبيع عاجلا بآجل؟ لا أفعل! فذكروا: أن عثمان بن عفان-﵁-أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته، ففيه نزلت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ ونزلت في المنافق: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. وذكر الضحّاك أنها نزلت في أبي بكر. هذا؛ وقيل: قد أفلح من كان عمله زاكيا. قيل: هو صدقة الفطر. روي عن أبي سعيد الخدري ﵁-في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ قال: أعطى صدقة الفطر. ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قال: خرج إلى العيد، فصلى. وكان ابن مسعود-﵁-يقول: رحم الله امرءا تصدق، ثم صلى، ثم يقرأ الآية. وقال نافع-﵁، كان ابن عمر-﵄-إذا صلى الغداة يوم العيد. قال: يا نافع! أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم؛ مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا؛ قال: فالآن فأخرجها، فإنما هذه الآية في هذا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١٥).

стр. 7228

فإن قلت: فما وجه هذا التأويل، وهذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد، ولا زكاة فطر؟ قلت: يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ،﴾ وهذه السورة مكية، وظهر أثر الحل يوم فتح مكة، وكذا نزل بمكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ من سورة (القمر) وكان ذلك يوم بدر. قال عمر-﵁: كنت لا أدري أي جمع سيهزم؟ فلما كانت غزوة بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ووجه آخر، وهو: أنه كان في علم الله تعالى: أنه سيكون ذلك، فأخبر عنه. وقيل: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ يعني: الصلوات الخمس. وقيل: أراد بالذكر: تكبيرات العيد، وبالصلاة: صلاة العيد. انتهى. خازن. الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَزَكّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (من)، وهو العائد، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ لا محل لها. ﴿وَذَكَرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ذكر): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾. ﴿اِسْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها أيضا. ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧)﴾ الشرح: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا:﴾ المعنى: الدنيا فانية، والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني، وأنتم تؤثرون الفاني على الباقي. قال عرفجة الأشج: كنا عند عبد الله بن مسعود-﵁-فقرأ هذه الآية، فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا! قال: لأن الدنيا حضرت، وعجل لنا طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة غيبت، وزويت عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل. وهذا يعني: أن الخطاب يعم الناس أجمعين، والمؤمنون لهم الحظ الأكبر من هذا الخطاب؛ لينزجروا، ويتعظوا، ويكون في الكلام التفات من الغيبة في الآيات السابقة إلى الخطاب في هذه الآية. وانظر الالتفات في الآية رقم [٢٠] من سورة: (الملك) هذا؛ ويقرأ: «(يؤثرون)» بالياء؛ فعليه؛ فالكلام راجع للأشقياء، ولا التفات. وانظر شرح ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ في الآية رقم [٣٨] من سورة (النازعات). ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي: والحال أن الآخرة خير من الدنيا، وأبقى، والباقي خير من الفاني، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى؟! وكيف يهتم عاقل بدار الغرور، ويترك الاهتمام بدار البقاء، والخلود؟! وقد قال النبي ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلاّ كما يضع أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع؟!». أخرجه مسلم عن المستورد أخي بني فهر-﵁، وأشار يحيى بن

стр. 7229

يحيى بالسبابة. وعن سهل بن سعد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». رواه ابن ماجه، والترمذي. وقال مالك بن دينار-رحمه الله تعالى-: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف؛ والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟! هذا؛ والأحاديث في ذم الدنيا كثيرة مشهورة في كتاب: «الترغيب والترهيب». للحافظ المنذري، وغيره. الإعراب: ﴿بَلْ:﴾ حرف عطف، وإضراب. ﴿تُؤْثِرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿الْحَياةَ:﴾ مفعول به. ﴿الدُّنْيا:﴾ صفة ﴿الْحَياةَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَالْآخِرَةُ:﴾ (الواو): واو الحال. (الآخرة): مبتدأ. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الحياة الدنيا، والرابط: الواو، وضمير مقدر ب: خير منها. ﴿وَأَبْقى:﴾ الواو: حرف عطف. (أبقى): معطوف على ما قبله مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذا﴾ أي: الذي ذكر من قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ..﴾. إلخ. وهو أربع آيات. ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى:﴾ يعني الكتب المنزلة عليهما، ولم يرد: أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما هو على المعنى؛ أي: إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف، واستدل الحنفية بذلك على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة؛ لأنه جعله مذكورا في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم، وبهذه اللغة. هذا؛ وروي عن أبي ذر-﵁-أنه سأل النبي ﷺ كم أنزل الله من كتاب؟: فقال: «مئة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ (وهو: إدريس) ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان». والمحفوظ زيادة على ذلك: عشر صحائف أنزلت على موسى، فيكون المجموع مئة وأربع عشرة بعدد سور القرآن الكريم. فعن أبي ذر-﵁-قال: دخلت المسجد، فقال رسول الله ﷺ : «إن للمسجد تحية». فقلت: وما تحيته يا رسول الله؟! قال: «ركعتان تركعهما». قلت: يا رسول الله! هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم، وموسى؟ قال: «يا أبا ذر! اقرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى..﴾. إلى ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى»﴾. قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟ قال:

стр. 7230

«كانت عبرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن أيقن بالنّار كيف يضحك؟! وعجبت لمن رأى الدنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟! وعجبت لمن أيقن بالقدر، ثم يغضب؟! وعجبت لمن أيقن بالحساب، ثم لا يعمل؟!». قال: قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالا كلّها: أيها الملك المتسلّط، المبتلى المغرور، إني لم أبعثك؛ لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها، ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع الله، ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم، والمشرب. وعلى العاقل ألاّ يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمّة لمعاش، ولذة في غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن عدّ كلامه من عمله؛ قلّ كلامه إلا فيما يعنيه». أخرج هذا الحديث رزين في كتابه. وذكره ابن الأثير في كتابه جامع الأصول، ولم يعلّم عليه شيئا. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿لَفِي:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (في الصحف): متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْأُولى:﴾ صفة ل: ﴿الصُّحُفِ﴾. ﴿صُحُفِ:﴾ بدل مما قبله، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَمُوسى:﴾ الواو: حرف عطف. (موسى): معطوف على ما قبله، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وسلم. انتهت سورة (الأعلى) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7231

سورة الغاشية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الغاشية) مكية في قول الجميع، وهي ست وعشرون آية، واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثمئة، وأحد وثمانون حرفا. وانظر حديث النعمان بن بشير-﵄-عن النبي ﷺ في أول سورة (الأعلى). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣)﴾ الشرح: ﴿هَلْ﴾ بمعنى: قد، كقوله تعالى في سورة (الدهر) رقم [١]: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ..﴾. إلخ قاله قطرب، انظر سورة (الدهر) فالبحث فيها قيم. ﴿حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ المعنى: هل سمعت، أو قرأت حديث الغاشية؟ وهي الداهية العظيمة؛ التي تغشى الناس، وتعمهم بشدائدها، وأهوالها، وهي القيامة. قال المفسرون: سميت غاشية؛ لأنها تغشى الخلائق بأهوالها، وشدائدها، وتعمهم بما فيها من المكاره، والكوارث العظيمة. ودليله قوله تعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وقال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٥٥]: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. وقيل: معنى ﴿هَلْ أَتاكَ﴾ أي: هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك. قال ابن عباس-﵄: لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور هاهنا. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ:﴾ ذليلة، وكل متذلل ساكن خاشع، يقال: خشع في صلاته: إذا تذلل، ونكّس رأسه. وخشع الصوت: خفي. قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً﴾. والمراد بالوجوه: أصحابها، فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا من باب المجاز المرسل، ولأن الوجه أشرف أعضاء الإنسان فعبر به عنه. وانظر (الخشوع) في الآية رقم [٢١] من سورة (الحشر). ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ أي: دائبة العمل فيما يتعبها، ويشقيها في النار. قال المفسرون: هذه الآية في الكفار، يتعبون، ويشقون بسبب جر السلاسل، والأغلال، وخوضهم في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود، والهبوط في تلالها، ودركاتها، كما قال تعالى في سورة (غافر): ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وهذا جزاء تكبرهم في

стр. 7232

الدنيا عن عبادة الله، وانهماكهم في اللذات، والشهوات. وقال القرطبي: فهذا في الدنيا؛ لأن الآخرة ليست دار عمل، فالمعنى: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا، خاشعة في الآخرة. قال أهل اللغة: يقال للرجل إذا دأب في سيره: قد عمل، يعمل عملا. ويقال للسّحاب إذا دام برقة: قد عمل يعمل عملا، وذا سحاب عمل. قال ساعدة بن جؤية الهذلي-وهذا هو الشاهد رقم [٨٠٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط] حتّى شآها كليل موهنا عمل... باتت طرابا وبات اللّيل لم ينم ﴿ناصِبَةٌ:﴾ تعبة، يقال: نصب بكسر الصاد، ينصب نصبا: إذا تعب، وفي سورة (الكهف) قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ رقم [٦٣]، وانظر سورة (الشرح). وانظر ما ذكرته في أول سورة (التكوير). روي أن عمر-﵁-لما قدم الشام أتاه راهب شيخ كبير عليه سواد. فلما رآه عمر جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين! إنه نصراني؟ فقال: ذكرت قول الله : ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾ فبكيت رحمة عليه. وروي: أنه قال: هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه، ورجا رجاء، فأخطأه. وقال الجمل: والآية نزلت في القسيسين، وعباد الأوثان، وفي كل مجتهد في كفر. انتهى. نقلا من البحر المحيط، وهذا لم يقل به غيره، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام، وتشويق. وانظر الشرح. ﴿أَتاكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿حَدِيثُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْغاشِيَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها. ﴿وُجُوهٌ:﴾ مبتدأ، جوز الابتداء به؛ لأنه في موضع التنويع. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق ب: ﴿خاشِعَةٌ،﴾ و (إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تغشاهم. ﴿خاشِعَةٌ:﴾ خبر أول. ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ:﴾ خبران آخران. هذا؛ وجوز اعتبارهما خبرين لمبتدأين محذوفين، التقدير: هي عاملة، هي ناصبة. وترجع الجملتان في محل رفع خبرين للمبتدأ، أو هما مستأنفتان، لا محل لهما. هذا؛ وأجيز اعتبار الأسماء الثلاثة صفات لوجوه، واعتبار الجملة الفعلية: ﴿تَصْلى..﴾. إلخ هي الخبر، والجملة الاسمية: ﴿وُجُوهٌ..﴾. إلخ مستأنفة، وهي بمنزلة جواب لسؤال نشأ من الاستفهام التشويقي. ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾ الشرح: ﴿تَصْلى..﴾. إلخ: أي: يصيبها صلاؤها، وحرّها. ﴿حامِيَةً:﴾ شديدة الحر؛ أي: قد أوقدت، وأحميت المدة الطويلة، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى﴾. ﴿تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: متناهية في الحرارة، قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت، لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا؛

стр. 7233

لذابت، فيدفعون إليها ورودا عطاشا، فهذا شرابهم. قال تعالى في سورة (الرحمن): ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ رقم [٤٤] انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ فإن قيل: ما معنى وصفها بالحمي، وهي لا تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها. فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة؟ قيل: قد اختلف في المراد ب ال: ﴿حامِيَةً﴾ على أقوال: أحدها: أنّ المراد بذلك: أنها دائمة الحمي، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها. الثاني: أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها، أو ترام مماسّتها، كما يحمي الأسد عرينه. ومثله قوله النابغة الذبياني: [البسيط] تعدو الذّئاب على من لا كلاب له... وتتّقى صولة المستأسد الحامي الثالث: أنها حامية حمي غيظ، وغضب، مبالغة في شدة الانتقام. كما يقال: قد حمي فلان: إذا اغتاظ، وغضب عند إرادة الانتقام. وقد بين الله تعالى بقوله هذا المعنى، فقال: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ سورة (الملك) رقم [٨] وانظر الأحاديث الشريفة في سورة (القارعة). الإعراب: ﴿تَصْلى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ﴿وُجُوهٌ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر آخر ل: ﴿وُجُوهٌ﴾ وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، ﴿ناراً:﴾ مفعول به. ﴿حامِيَةً:﴾ صفة له. ﴿تُسْقى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره: «هي» يعود إلى ﴿وُجُوهٌ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿ناراً،﴾ أو هي في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿مِنْ عَيْنٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آنِيَةٍ:﴾ صفة ﴿عَيْنٍ﴾. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾ الشرح: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: لأهل النار. ﴿طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ:﴾ لمّا ذكر شراب أهل النار ذكر طعامهم. قال عكرمة، ومجاهد: الضريع: نبت ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش الشّبرق، إذا كان رطبا، فإذا يبس؛ فهو الضريع، لا تقربه دابة، ولا بهيمة، ولا ترعاه، وهو سم قاتل، وهو أخبث الطعام، وأشنعه. قال أبو ذؤيب الهذلي: [الطويل] رعى الشّبرق الرّيّان حتّى إذا ذوى... وعاد ضريعا بان منه النحائص (والنحائص): جمع النحوص بفتح النون، وهي الأتان الوحشية الحائل؛ التي لا ولد لها. وقال قيس بن عيزارة الهذلي: [الكامل] وحبسن في هزم الضريع فكلّها... حدباء دامية اليدين حرود

стр. 7234

يصف الشاعر نوقا حبسن في مرعى سوء غير ناجع، هزلهن، فكلهن داميات الأيدي من وضعها على الضريع ذي الشوك، قليلة اللبن. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ وقال هنا: ﴿إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وهو غير الغسلين، ووجه الجمع بين الآيتين: أن النار دركات، فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. ودركات النار على قدر الذنوب، وتقع العقوبات على قدرها. فعن أبي الدرداء-﵁-قال: يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون منه، فيغاثون بالضريع؛ الذي لا يسمن، ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا يغني عنهم شيئا، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، فيغصّون به، فيذكرون: أنهم كانوا في الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثون بالشراب، فيرفع لهم بالكلاليب، فإذا دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم، وما في بطونهم، فيستغيثون بالملائكة، فيقولون: في سورة (غافر): ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ..﴾. إلخ. أخرجه الترمذي، وغيره. أقول: كله مأخوذ من الآيات القرآنية. قال تعالى هنا: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ..﴾. إلخ، وقال تعالى في سورة (المزمل): ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً،﴾ وقال في سورة (محمد ﷺ : ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ،﴾ وقال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢٩]: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. وجاء في الحديث عن ابن عباس-﵄-يرفعه: «الضريع شجر في النار، يشبه الشوك، أمرّ من الصّبر، وأنتن من الجيفة، وأشدّ حرارة من النار». وقال بعض المفسرين: فلما نزلت هذه الآية قال بعض المشركين: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، ويسمى شبرقا، فإذا يبس لا يأكله شيء، وعلى تقدير أن يصدقوا؛ فيكون المعنى: إن طعامكم في جهنم من ضريع ليس من جنس ضريعكم في الدنيا إنما هو ضريع غير مسمن، ولا مغن من جوع. ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ يعني: أن هذا الطعام لا تقدر البهائم على أكله، فكيف يقدر الإنسان على أكله، فهو لا يسمن، ولا يغني من جوع، فمنفعتا الغذاء منتفيتان عنه، وهما: دفع الجوع، وإفادة السمن. الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿لَيْسَ﴾ تقدم على اسمها. ﴿طَعامٌ:﴾ اسمها مؤخر، والجملة الفعلية يجوز فيها ما جاز بجملة: ﴿تَصْلى ناراً حامِيَةً﴾. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ ضَرِيعٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُسْمِنُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿ضَرِيعٍ،﴾ والمفعول

стр. 7235

محذوف، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿ضَرِيعٍ﴾. وقيل: صفة ﴿طَعامٌ،﴾ وهو ضعيف. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): نافية، ويقال: صلة لتأكيد النفي. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿ضَرِيعٍ﴾ أيضا. والمفعول محذوف، التقدير: لا يسمن آكله، ولا يغنيه. والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿مِنْ جُوعٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المحذوف، وقيل: ﴿مِنْ﴾ صلة، و ﴿جُوعٍ﴾ مفعول به. وهو ضعيف. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١)﴾ الشرح: لما ذكر حال الأشقياء أهل النار؛ ذكر حال السعداء أهل الجنة. وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك كثيرا. وهي أن الله جلت قدرته جرت سنته في كتابه: أنه لم يذكر حال الأشقياء؛ إلا ويذكر حال السعداء، ولا التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الجنة، ونعيمها؛ إلا ويذكر النار، وجحيمها، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسخط. ليكون المؤمن راغبا راهبا، خائفا راجيا. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ:﴾ حسنة ذات بهجة، وحسن. وقيل: متنعمة، وهي وجوه المؤمنين، نعمت وترفهت بما جوزيت من عملها الصالح، وهي ذات إشراق، ونضارة، كقوله تعالى في سورة (المطففين): ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾. ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أي: لعملها الذي عملته في الدنيا. أو المعنى: بسبب سعيها. وهو الأولى. ﴿راضِيَةٌ:﴾ في الآخرة حيث أعطيت الجنة بعملها، ورضيت؛ لأن عملها أورثها جنات النعيم، والسرور، والحبور، وراحة البال، وهناءة الضمير. ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أي: مرتفعة؛ لأنها فوق السموات السبع، كما رأيت في سورة (المطففين) وغيرها. وقيل: عالية القدر؛ لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون، وهم في الغرفات آمنون. ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ أي: كلاما ساقطا غير مرضي، من كذب وبهتان، وإثم وباطل، وشتم، وغير ذلك؛ لأن أهل الجنة، لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم المقيم، والخير العميم. الإعراب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل إعراب الآية رقم [٢] بلا فارق بينهما. وقال القرطبي: وفيها واو مضمرة، المعنى: ووجوه يومئذ، ليفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة. أقول: ويؤيد ذلك التصريح بالواو في سورة (القيامة) وسورة (عبس) والله ولي التوفيق. وقال به ابن هشام في المغني، وأورد قول الحطيئة-وهو الشاهد رقم [١٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]

стр. 7236

إنّ امرأ رهطه بالشّام منزله... برمل يبرين جارا شدّ ما اغتربا إذ التقدير: ومنزله برمل، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها بواو محذوفة. ﴿لِسَعْيِها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿راضِيَةٌ:﴾ خبر ثان ل: ﴿وُجُوهٌ﴾ الواقع مبتدأ. ﴿فِي جَنَّةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر آخر ل: ﴿وُجُوهٌ،﴾ أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي في جنة، وتكون الجملة في محل رفع خبر آخر ل: ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿عالِيَةٍ:﴾ صفة ﴿جَنَّةٍ﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿تَسْمَعُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، أو هي؛ أي: الوجوه، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل: ﴿جَنَّةٍ،﴾ أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما بعدها، والرابط: الضمير فقط. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لاغِيَةً:﴾ مفعول به. ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ الشرح: ﴿فِيها:﴾ في الجنة. ﴿عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أي: بماء متدفق، وأنواع الأشربة اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود. وقيل: تجري حيث أرادوا من منازلهم، وقصورهم. وانظر شرح ﴿عَيْناً﴾ في سورة (الدهر) رقم [٦]. ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي: عالية. قال ابن عباس-﵄: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أهلها الجلوس عليها؛ تواضعت لهم؛ حتى يجلسوا عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها. ﴿وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ أي: أباريق وأوان، والإبريق: هو ما له عروة، وخرطوم. والكوب: إناء ليس له عروة، ولا خرطوم. والملاحظ: أن لفظ (أكواب) جاء هنا وفي سورة (الزخرف) و (الواقعة) وسورة (الدهر) بلفظ الجمع، ولم يأت له مفرد قطعا؛ لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور، والرقة، والانكشاف، وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع. ومعنى ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ معدة مهيأة لهم. وقيل: موضوعة على حافات العين الجارية، كلما أرادوا الشرب منها؛ وجدوها مملوءة. ويجوز أن يراد موضوعة عن حد الكبار، أوساط بين الصغر، والكبر، كقوله تعالى في سورة (الدهر): ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيراً﴾. ﴿وَنَمارِقُ:﴾ جمع نمرقة بضم النون، والراء، وكسرهما، لغتان، أشهرهما الأولى، وهي: وسادة صغيرة ﴿مَصْفُوفَةٌ؛﴾ أي: واحدة إلى جنب الأخرى. قال الشاعر: [الطويل] وإنّا لنجري الكأس بين شروبنا... وبين أبي قابوس فوق النّمارق وقال آخر: [الطويل] كهول وشبّان حسان وجوههم... على سرر مصفوفة ونمارق

стр. 7237

وانظر قول هند في أول سورة (الطارق). ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ:﴾ قال أبو عبيدة: الزرابيّ: البسط. وقال ابن عباس-﵄: الزرابي: الطنافس؛ التي لها خمل رقيق، واحدتها زربيّة. وقاله الكلبي، والفراء. وال: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ المبسوطة. وقيل: متفرقة في المجالس. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم. ﴿عَيْنٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جارِيَةٌ:﴾ صفة ﴿عَيْنٌ،﴾ والجملة الاسمية يجوز فيها ما جاز بالجملة الفعلية قبلها، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها، وكذلك جملة: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ يجوز فيها ذلك، وإعرابها مثلها. ﴿وَأَكْوابٌ:﴾ الواو: حرف عطف. (أكواب): معطوف على ﴿سُرُرٌ،﴾ و ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ صفة له، وكذا ما بعده معطوف على ﴿سُرُرٌ﴾ وصفتان لهما. ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ الشرح: قال المفسرون: لما ذكر الله مصير أهل الإيمان، والطاعة، ومصير أهل الكفر، والفجور؛ تعجب كفار قريش من ذلك، فكذبوا، وأنكروا، فذكرهم الله جليل صنعته، وعظيم قدرته، وأنه قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات، والسّماء، والأرض. وخصّ الإبل بالذكر، وقدّمها؛ لأنها من أنفس أموال العرب، ولهم فيها منافع كثيرة. والمعنى: أنّ الذي صنع لهم هذه الدنيا هو الذي صنع لأهل الجنة ولأهل النار ما صنع. وتكلم علماء التفسير في وجه تخصيص الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل: لأن العرب لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلا النادر منهم. وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وقد كانت باركة. وقال قتادة: لما ذكر الله ارتفاع سرر الجنة، وفرشها. قالوا: كيف نصعد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وسئل الحسن البصري-رحمه الله تعالى-عن هذه الآية. وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال: أما الفيل فإنّ العرب بعيدة العهد به، ثم هو لا خير فيه؛ لأنه لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب درّه، والإبل أعز مال العرب، وأنفسه، تأكل النوى، والقت، وغيره، وتخرج اللبن. ومن منافع الإبل: أنها مع عظمها تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها، فيذهب بها حيث شاء. ومنها: أنها فضلت على سائر الحيوانات بأشياء. وذلك: أن جميع الحيوانات تقتنى إما للزينة، أو للركوب، أو للحمل، أو للّبن، أو لأجل اللحم، ولا توجد هذه الخصال إلا في الإبل، فإنها زينة، وتركب، فيقطع عليها المفازات

стр. 7238

البعيدة، وتحمل الثقيل، وتحلب الكثير، ويأكل من لحمها الجم الغفير، وتصبر على العطش عدة أيام. ومنها: أنه يحمل عليها، وهي باركة، ثم تنهض، وكان شريح القاضي-رحمه الله تعالى- يقول: اخرجوا بنا إلى الإبل؛ لننظر كيف خلقت. فإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء، والأرض، والجبال، ولا مناسبة بينهما؟! ولم بدأ بذكر الإبل قبل السماء، والأرض، والجبال؟ قلت: لما كان المراد ذكر الدلائل الدالة على توحيده، وقدرته، وأنه الخالق لهذه الأشياء جميعها، وكانت الإبل من أعظم شيء عند العرب، فينظرون إليها ليلا، ونهارا، ويصاحبونها ظعنا، وسفرا؛ ذكرهم عظيم نعمته عليهم فيها. ولهذا بدأ بها؛ لأنها من أعجب الحيوانات عندهم. انتهى. كله من الخازن. وما أحراك أن تنظر ما ذكر في سورة (يس) الآية رقم [٧١] وما بعدها. هذا؛ وقال القرطبي: وقيل: الإبل هنا القطع العظيمة من السّحاب. قاله المبرد. قال الثعلبي: وقيل في الإبل هنا: السحاب، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة. قلت: قد ذكر الأصمعي قال أبو عمرو: من قرأها بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأها بالتثقيل «(الإبلّ)» عنى بها السحاب التي تحمل الماء للمطر. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. هذا؛ والإبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، فمفرده: جمل، أو ناقة، والبعير يشملهما كالإنسان للرجل، والمرأة، وقوله تعالى حكاية عن قول أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ دليل واضح على ذلك. هذا؛ ويجمع على: آبال، والإبل مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، مثل: خيل، وغنم، وإبل، فالتأنيث لها لازم، وإذا قالوا: خيلان، وغنمان، وإبلان، فإنما يريدون قطيعين من الخيل، والغنم، والإبل. ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ:﴾ فوق الأرض بغير عمد، ولا ينالها شيء. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢]: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾. ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي: على الأرض نصبا ثابتا راسخا لا يزول. وذلك: أن الأرض لما دحيت؛ مادت، فأرساها بالجبال، كما قال: ﴿وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ رقم [٣١] من سورة (الأنبياء)، وفي سورة (النحل) رقم [١٥]: ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾. ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي: بسطت، ومهدت بحيث يستقر على ظهرها كل شيء. أثبت علماء المسلمين: أن الأرض كروية الشكل كالإمام الفخر الرازي، وأبي السعود، والآلوسي. ومعنى كونها مسطحة، أو مبسوطة، فإنما هي بالنسبة لعظمتها وسمتها، أو بالنسبة للناظرين، فليس في القرآن ما يخالف الحقائق العلمية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (النازعات). هذا؛ وقد قال ابن عباس-﵄: المعنى: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غير الله القادر على كل شيء؟!

стр. 7239

الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف. (لا): نافية. ﴿يَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، وهو معلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. ﴿إِلَى الْإِبِلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من نائب فاعل ﴿خُلِقَتْ﴾ بعده، تقدم على صاحبه، وعامله. ﴿خُلِقَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الْإِبِلِ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بدل اشتمال من الإبل، والجملة الفعلية: ﴿يَنْظُرُونَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة محذوفة. وتقدير الكلام: أينكرون، فلا ينظرون إلى الإبل كيفية خلقها؟! والجمل بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها في الإعراب، والتقدير؛ إذ التقدير: وينظرون إلى السماء كيفية رفعها... إلخ. هذا؛ ومثل هذه الآيات في إبدال الجملة مما قبلها، قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها،﴾ فالجملة الفعلية: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ بدل اشتمال من العظام، التقدير: وانظر إلى العظام كيفية نشزها، وأيضا قوله تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٤٥]: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ التقدير: ألم تر إلى ربك كيفية مده الظل؟ وأيضا قول الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٣٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: إعراب شواهد مغني اللبيب-: [الطويل] إلى الله أشكو بالمدينة حاجة... وبالشّام أخرى كيف يلتقيان ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿فَذَكِّرْ..﴾. إلخ: أي: فذكرهم يا محمد، وعظهم إنما أنت مذكر، وواعظ، ومخوف. ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي: لست عليهم بمسلط، فتقتلهم، أو تكرههم على الإيمان. وهذه الآية، وأمثالها منسوخ بآية السيف. انظر آخر سورة (الطارق) القريبة منك. والمسيطر: القاهر الغالب، من: سيطر عليه: إذا راقبه، وحفظه، أو قهره. ولم يأت على: «مفيعل» إلا خمسة ألفاظ: أربعة صفة اسم فاعل، وهي مهيمن، ومبيقر، ومبيسط، ومبيطر، وواحد اسم جبل، وهو: المجيمر. قال امرؤ القيس في معلقته رقم [٨٩]: [الطويل] كأنّ ذرى رأس المجيمر غدوة... من السّيل والإغثاء فلكة مغزل هذا؛ ويقرأ بالسين، والصاد، ومثله: (المسيطرون) في سورة (الطور). هذا؛ وفي الصحاح: المسيطر، والمصيطر: المسلط على الشيء؛ ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب أعماله، وأقواله. ولم يرد هذا اللفظ في غير هذه السورة، وفي سورة (الطور)، والآية مثل قوله

стр. 7240

تعالى في آخر سورة (ق): ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾. وقال تعالى في سورة (الشورى): ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ رقم [٤٨]. ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ أي: تولى عن الوعظ، والتذكير، فإن لله الولاية، والقهر. ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ:﴾ وهي جهنم الدائم عذابها. وإنما قال: ﴿الْأَكْبَرَ؛﴾ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع، والقحط، والأسر، والقتل. روي أن عليا-﵁-أتي برجل من السبأيين ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ: ﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ والمشهور أنهم كانوا سبعة من السبأيين. قالوا له: أنت الإله، فنهاهم، فلم ينتهوا، فقتلهم. ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ أي: إن إلينا رجوعهم بالموت، والبعث، لا إلى أحد سوانا، لا استقلالا ولا اشتراكا، ثم إن علينا حسابهم في المحشر، لا على غيرنا، و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني بين إيابهم، وحسابهم، لا بين كون إيابهم إليه تعالى، وحسابهم عليه تعالى، فإنهما أمران مستمران. وجمع الضمير في ﴿إِيابَهُمْ﴾ و ﴿حِسابَهُمْ﴾ باعتبار معنى ﴿مَنْ﴾ كما أن إفراده في: (يعذبه) باعتبار لفظها، وفي تصدير الجملتين ب: ﴿إِنَّ﴾ وتقديم خبرها، وعطف الثانية على الأولى بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب ما لا يخفى. انتهى. أبو السعود. وقال الخطيب: فإن قيل: ما معنى تقديم الظرف؟ أجيب: بأن معناه: التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وأن حسابهم ليس إلا عليه، وهو الذي يحاسب على النقير، والقطمير. انتهى. جمل. وليس على الله واجب، وإنما المراد: التشديد بالوعيد. ﴿لَسْتَ:﴾ حذفت عينه لالتقاء الساكنين: الياء والسين، إذا أصلة ليس بكسر الياء، ثم سكنت الياء للتخفيف، ولم تقلب ألفا على القياس؛ لأن التخفيف بالتسكين في الجامد أسهل من القلب، فلما اتصل بضمير رفع متحرك سكنت العين، فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. هذا؛ والإياب: الرجوع، وهو مصدر آب، يؤوب، وأصله: إواب مثل: القيام، والصيام، أبدلت الواو ياء لانكسار ما قبلها واعتلالها في الفعل، ويقرأ بتشديد الياء، وأصله: إيواب على: فيعال، فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وخذ قول عبيد بن الأبرص في معلقته رقم [١٦]: [مخلع البسيط] وكلّ ذي غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوب الإعراب: ﴿فَذَكِّرْ:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فذكر. (ذكر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا». ﴿إِنَّما:﴾

стр. 7241

كافة، ومكفوفة. ﴿أَنْتَ مُذَكِّرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية تعليل للأمر لا محل لها. ﴿لَسْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿بِمُصَيْطِرٍ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (مصيطر): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الفعلية تعليل آخر للتذكير، لا محل لها أيضا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء المنقطع من الضمير في: ﴿عَلَيْهِمْ﴾. وقيل: متصل، ويكون مستثنى من مفعول ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فذكر عبادي إلا من تولى. وقيل: ﴿مَنْ﴾ بدل من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ وهذه الأوجه في الإعراب تجعل جملة: ﴿فَيُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ مستأنفة منقطعة عما قبلها، لذا فالوجه: اعتبار ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازما مبنيا على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ تقديره: «هو». ﴿وَكَفَرَ:﴾ الواو: حرف عطف. (كفر): فعل ماض، وفاعله مستتر أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَيُعَذِّبُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (يعذبه): فعل مضارع، ﴿اللهُ:﴾ فاعله. والهاء مفعول به. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول مطلق. ﴿الْأَكْبَرَ:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: فهو يعذبه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملة الشرط، وجملة الجواب كلتاهما في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، وخبره جملة: ﴿فَيُعَذِّبُهُ..﴾. إلخ. ودخلت الفاء على خبره؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، وعلى جميع الاعتبارات فالجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب على الاستثناء المنقطع، ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة)، والآية رقم [٦٠] من سورة (مريم)، والآية رقم [٧٠] من سورة (الفرقان). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿إِلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿إِيابَهُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. تنبيه: جاء في مغني اللبيب ما نصه: وتستعمل «كيف» على وجهين: أحدهما أن تكون شرطا، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ، والمعنى غير مجزومين، نحو كيف تصنع؛ أصنع، ولا يجوز: كيف تجلس أذهب باتفاق، ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها، كما مرّ. وقيل: يجوز مطلقا، وإليه ذهب قطرب، والكوفيون. وقيل: يجوز بشرط اقترانها بما. قالوا: ومن ورودها شرطا: ﴿يُنْفِقُ﴾

стр. 7242

كَيْفَ يَشاءُ و ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ و ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبله عليه. وهذا يشكل على إطلاقهم أن جوابها يجب مماثلته لشرطها. وقد استدرك بعض المعلقين على المغني، فقال: أجاب بعضهم بأنه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئة متعلق بالفعل السابق، وهو دال عليه؛ لأن الفعل الاختياري يستلزم المشيئة، والأصل كيف يشاء أمرا؛ يشاء التصوير في الأرحام. كيف يشاء أمرا؛ يشاء الإنفاق، كيف يشاء أمرا؛ يشاء بسطه. غاية الأمر أن متعلق الفعلين مختلف، وهذا جواب بعيد؛ لأنهم قالوا: لدلالة ما قبله؛ لأن المتبادر: أنه دال على الجواب، وعلى رفع الإشكال، فيكون ما قبلها دالا على متعلق جوابها، لا على نفس جوابها. وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري، وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة، وهو الجواب المحذوف. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الغاشية) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7243

سورة الفجر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الفجر) مكية، وهي تسع وعشرون. وقيل: ثلاثون آية، ومئة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمئة وسبعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)﴾ الشرح: ﴿وَالْفَجْرِ..﴾. إلخ: أقسم الله بالفجر وما بعده لشرف هذه الأشياء، وما فيها من الفوائد الدينية، وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة على التوحيد، وفيها من الفوائد الدنيوية: أنها تبعث على الشكر. وانظر ما ذكرته بشأن هذا القسم في أول سورة (المرسلات) و (الذاريات) تجد ما يسرك. واختلفوا في معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس-﵄-أنه قال: (الفجر) هو انفجار الصبح في كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه نشر الموتى من قبورهم للبعث والحساب، والجزاء. قال تعالى في سورة (التكوير) رقم [١٨]: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾. وعن ابن عباس أيضا: أنه صلاة الفجر، والمعنى: أنه أقسم بصلاة الفجر؛ لأنها مفتتح النهار، ولأنها مشهودة، يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ سورة (الإسراء) رقم [٧٨]. وقيل: إنه فجر معين، واختلفوا فيه، فقيل: هو فجر أول يوم من المحرّم؛ لأنه منه تنفجر السنة. وقيل: هو فجر ذي الحجة؛ لأنه قرن به الليالي العشر. وقيل: هو فجر يوم النحر؛ لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات المتنوعة. ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ:﴾ قيل: إنما نكرها لما فيها من الفضل، والشرف؛ الذي لا يحصل في غيرها. واختلف فيها، فقد روي عن ابن عباس-﵄: أنها العشر الأول من ذي الحجة؛ لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج. وأخرج الترمذي عن ابن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أيّام العمل فيهنّ أحبّ إلى الله من عشر ذي الحجة». قالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء». ورواه البخاري أيضا عن ابن عباس مرفوعا. وروي عن ابن عباس أيضا؛

стр. 7244

قال: هي العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله ﷺ كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله للعبادة. وقيل: هي العشر الأول من المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. وهو أضعفها. وأقواها الأول. ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ:﴾ الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك أيضا؛ قيل: الشفع: هو الخلق، والوتر: هو الله تعالى. يروى ذلك عن أبي سعيد الخدري-﵁. وقيل: الشفع: هو الخلق كالإيمان، والكفر. والهدى، والضلالة. والسعادة، والشقاوة. والليل، والنهار. والأرض، والسماء. والشمس، والقمر. والبر، والبحر. والنور، والظلمة. والجنّ، والإنس. والوتر: هو الله تعالى. وقيل: الخلق كله فيه شفع، وفيه وتر. وقيل: الصلوات الخمس منها شفع، ومنها وتر. عن عمران بن حصين-﵁-أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع، والوتر، فقال: «هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر». أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وعن ابن عباس-﵄-قال: «الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب». وقال أبو بكر الوراق: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين: العز، والذل. والقدرة، والعجز. والقوة، والضعف. والعلم، والجهل. والحياة، والموت. والبصر، والعمى. والسمع، والصمم. والكلام، والخرس. والوتر: انفراد صفات الله تعالى: عزّ بلا ذل، وقدرة بلا عجز. وقوة بلا ضعف. وعلم بلا جهل. وحياة بلا موت. وبصر بلا عمى. وكلام بلا خرس. وسمع بلا صمم. وما وازاها. وقال الحسين بن الفضيل: الشفع: درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر: دركات النار، وهي سبع، فكأنه أقسم بالجنة، والنار. وقيل: غير ذلك. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ ذكر في كتاب التحرير، والتحبير فيهما ستة وثلاثين قولا ضجرنا قراءتها فضلا عن كتابتها في كتابنا هذا. وقال الزمخشري: وقد أكثروا في الشفع، والوتر؛ حتى كادوا يستوعبون معظم ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه. هذا؛ ويجمع الشفع على: أشفاع، وشفاع، ويجمع الوتر على: أوتار. هذا؛ ويقرأ (الوتر) بفتح الواو، وكسرها لغتان كالحبر والحبر. والفتح لغة قريش، ومن والاها، والكسر لغة تميم. ولا تنس الطباق بين (الشفع) و (الوتر)، وهو من المحسنات البديعية. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ:﴾ هذا قسم خامس، بعد أن أقسم الله بالليالي العشر على الخصوص، أقسم الله بالليل على العموم. ومعنى: يسري؛ أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل قائم، ونهار صائم. قال جرير: [الطويل] لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى... ونمت وما ليل المطيّ بنائم ومنه قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٣]: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد. وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي، والأخفش، فهو مجاز في الإسناد،

стр. 7245

بإسناد ما للشيء للزمان، كما يسند للمكان فيقال: نهر جار، والظاهر: أنه مجاز مرسل، أو استعارة. وقال أكثر المفسرين: معنى يسري: سار، وذهب، مثل قوله تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ،﴾ وفي سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾. واختلف في (الليل) أيضا. قيل: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله. وقيل: ليلة القدر لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها، وأقول من جهتي: لعلها ليلة الجمعة، ولعلها ليلة المولد النبوي الشريف. وقيل: أراد عموم الليل كله. هذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ في (الدخان)، و (الشعراء) بقطع الهمزة ووصلها، فالأول من الرباعي، والثاني من الثلاثي، وقد جمع حسان بن ثابت-﵁ بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل] حيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليك ولم تكن تسري وسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم في كثير من الآيات، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: «سرى» لأول الليل و «أسرى» لآخره، وهو قول الليث، وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من: «سرى»، فهو بمعنى: مشى. هذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري سرى، ومسرى، وسرية، وسراية. وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، وكأنهم جعلوه جمع: سرية. هذا؛ وحذفت الياء من آخر (يسري)؛ لأنه رأس آية، وقرئ بإثباتها في الوصل، كما قرئ بإثبات الياء في الوصل، والوقف على الأصل؛ لأنها ليست بمجزومة. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد لبعضهم: [الرجز] كفّاك كفّ ما تليق درهما... جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما الإعراب: ﴿وَالْفَجْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. وانظر ما ذكرته في سورة (المرسلات) و (الذاريات) بشأن المقسم به، وسأعيده في أول سورة (الشمس) الآتية إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَيالٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليال): معطوف على (الفجر) مجرور مثله، وعلامة جره فتحة مقدرة على الياء المحذوفة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع؛ إذ الأصل: وليالي، فحذفت الياء للتخفيف، لا للإعلال، وإنما قدرت الفتحة مع خفتها لنيابتها عن الكسرة، ونائب الثقيل ثقيل. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب. ﴿عَشْرٍ:﴾ صفة (ليال). ﴿وَالشَّفْعِ،﴾ ﴿وَالْوَتْرِ،﴾ ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الفجر). ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد

стр. 7246

منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت سراه. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و (إذا) لما يستقبل من الزمان؛ فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من الليل؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان سريانه. وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أنّ ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت سراه. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿يَسْرِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة كما رأيت، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ الشرح: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: تحقيق، وتقرير لفخامة شأن الأمور المقسم بها، وكونها أمورا خليقة حقيقة بالإعظام، والإجلال عند أرباب العقول والأفهام، وتنبيه على أن الإقسام بها أمر معتد به، خليق بأن يؤكد به الأخبار على طريقة قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وذلك إشارة إما إلى الأمور المقسم بها، والتذكير بتأويل ما ذكر، أو إلى الإقسام بها، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الفضل، والشرف. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، ومعنى (لذي حجر): لذي لب، وعقل. قال الشاعر: [البسيط] وكيف يرجّى أن تتوب وإنّما... يرجّى من الفتيان من كان ذا حجر؟ هذا؛ وأصل الحجر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها من السيئات، والمعاصي: إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت الغرفة حجرة لامتناع ما فيها بها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ سورة (الحجرات) رقم [٤]. وقال الفراء: تقول العرب: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، كأنه أخذ من حجرات على الرجل. وفي الخازن: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء. ﴿قَسَمٌ:﴾ مقنع، ومكتفي في القسم. ﴿لِذِي حِجْرٍ:﴾ لذي عقل، سمي بذلك؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له، ولا ينبغي. كما سمي عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، وسمي: نهية قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٨] وأصل الحجر: المنع، ولا يقال: ذو حجر إلا لمن

стр. 7247

هو قاهر لنفسه، ضابط لها عما لا يليق، كأنه حجر على نفسه، ومنعها ما تريد. والمعنى: أن من كان ذا لبّ وعقل علم: أنّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء، فيه عجائب، ودلائل تدل على توحيده، وربوبيته، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. انتهى. بتصرف. هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: حجر الإنسان بفتح الحاء، وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته، وعنايته. قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ..﴾. إلخ سورة (النساء) رقم [٢٣]. وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك. والحجر يطلق على الفرس الأنثى، وهو بكسر الحاء، وعلى العقل كما رأيت، ويطلق على حجر إسماعيل بجوار الكعبة المعظمة، وعلى حجر ثمود؛ أي: بلادهم. قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ والحجر يطلق على الحرام، وفي سورة (الفرقان): ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقال الشاعر: [الطويل] ألا أصبحت أسماء حجرا محرّما... وأصبحت من أدنى حموّتها حما أراد ألا أصبحت أسماء حراما محرما. قاله رجل كانت له امرأة، فطلقها، وتزوجها أخوه؛ أي: أصبحت أخا زوجها بعد أن كنت زوجها، وقد نظم بعضهم المعاني المتقدمة بقوله: [البسيط] ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر لله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف تقرير، أو حرف تحقيق وتأكيد. قال مقاتل: هل هنا في موضع إن، تقديره: إن في ذلك قسما لذي حجر. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قَسَمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قسم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذي): مضاف، و ﴿حِجْرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية جواب القسم الأول وما عطف عليه على قول مقاتل-رحمه الله تعالى-. وقيل: الجواب محذوف، تقديره: ليعذبن. وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ وعلى هذين القولين فالجملة الاسمية (هل في ذلك...) إلخ. معترضة بين القسم وجوابه، وقد أفادت الكلام تقوية وتسديدا. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ خطاب للنبي ﷺ ، وهو عام لكل أحد، والمعنى: ألم يبلغك يا محمد، ويصل إلى علمك ماذا فعل الله بعاد قوم هود؟ وكان أمر عاد، وثمود عند العرب

стр. 7248

مشهورا؛ إذ كانوا في بلادهم، وحجر ثمود موجود إلى اليوم بوادي القرى، وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. ﴿بِعادٍ﴾ أي: بقوم عاد، وكانوا أشداء أقوياء. روى شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁-قال: كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وكان أحدهم يدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. لذا ذكرهم نبيهم هود بهذا، فقال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (فصلت). هذا؛ وعاد في الأصل ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فعلى هذا ف ﴿إِرَمَ﴾ هو جد عاد، ثم جعل لفظ عاد اسما للقبيلة، كما يقال لبني هاشم: هاشم، ولبني تميم: تميم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وعاد إرم تسمية لهم باسم جدهم. ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات: [المنسرح] مجدا تليدا بناه أوّلهم... أدرك عادا وقبله إرما وقال معمر: «إرم» إليه مجمع عاد، وثمود، وكان يقال: عاد إرم، وعاد ثمود، وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. وقال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، منهم: إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام، فمن ولد إرم بن سام العمالقة، والفراعنة، والجبابرة، والملوك الطغاة، والعصاة. ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: الطول، يقال: رجل معمّد: إذا كان طويلا. قال قتادة: كان طول الواحد منهم اثنا عشر ذراعا. وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة أيضا كانوا عمادا لقومهم. يقال: فلان عماد القوم، وعمودهم؛ أي: سيدهم. وقيل: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: الأبنية الرفيعة المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ يعني: إحكام البنيان بالعمد. وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر، وتؤنث. قال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٣٩]: [الوافر] ونحن إذا عماد الحيّ خرّت... على الأحفاض نمنع من يلينا ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ:﴾ الضمير يرجع إلى القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة، وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة. ومن جعل إرم مدينة؛ قدر محذوفا، المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعاد صاحبة إرم. وإرم على هذا مؤنثة معرفة. وروي: أنه كان لعاد ابنان: شداد، وشديد، فملكا، وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا،

стр. 7249

ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمئة سنة، وكان عمره تسعمئة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت، وفيها أصناف الأشجار، والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها؛ سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثمّ، وبلغ معاوية خبره، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة. وقال: هذا والله ذلك الرجل!. تنبيه: ذكرت لك فيما مضى: أنه ملك الدنيا مؤمنان، وكافران، فأما المؤمنان؛ فهما سليمان ابن داود، وإسكندر ذو القرنين، وأما الكافران؛ فهما: بختنصر ملك بابل، وشداد بن عاد. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف تقرير، واستفهام. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، تقدم على صاحبه، وعامله، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. وانظر ما ذكرته في أول سورة (الفيل) فإنه جيد، جيد، وهذا مثله. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض، ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِعادٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِرَمَ:﴾ بدل من (عاد)، أو عطف بيان عليه، وهذا على اعتباره علم على شخص، أو علم على قبيلة، وأما على اعتباره اسم بلدة، أو اسم أرض؛ فهو على حذف مضاف، التقدير: بعاد صاحب إرم. والتقدير على الأول: بعاد إرم صاحب ذات العماد، ولم ينصرف إرم قبيلة كانت، أو أرضا، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، فهو إما مضاف، وإما مضاف إليه، كما رأيت، و «صاحب» صفة (عاد)، وهو مضاف، و ﴿إِرَمَ﴾ مضاف إليه... إلخ، و «صاحب» صفة ﴿إِرَمَ﴾ على التقدير الأول، و «صاحب» مضاف، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه... و «صاحب» صفة (عاد) أو بدل منه على اعتبار ﴿إِرَمَ﴾ اسم بلدة، أو اسم أرض، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿الْعِمادِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ ويجوز أن يقطع عما قبله على إضمار مبتدأ، التقدير: هي التي، أو على تقدير فعل: أعني التي. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُخْلَقْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿مِثْلُها:﴾ نائب فاعل، وها في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.

стр. 7250

﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)﴾ الشرح: (ثمود): قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿جابُوا:﴾ قطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد؛ أي: يقطعها. قال الشاعر، وكان قد نزل على ابن الزبير في مكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة، فقال: [البسيط] راحت رواحا قلوصي وهي حامدة... آل الزّبير ولم تعدل بهم أحدا راحت بستين وسقا في حقيبتها... ما حمّلت حملها الأدنى ولا السّددا ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت... ستّين وسقا ولا جابت به بلدا ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول في قصيدته نهج البردة البيت رقم [٨٦] في مديح المصطفى ﷺ : [البسيط] جبت السموات أو ما فوقهنّ بهم... على منوّرة درّيّة اللّجم قال المفسرون: أول من نحت الجبال، والصخور، والرخام: ثمود، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمئة مدينة، كلها من الحجارة، ومن الدور، والمنازل ألفي ألف وسبعمئة كلها من الحجارة، وقد قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٢]: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ وقال في سورة (الشعراء) رقم [١٤٩]: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا؛ لأنفسهم، وقد ذكرت قصتهم مفصلة في سورة (الأعراف) و (هود) و (الشعراء). (بالوادي): أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة ﵁-قال: أتى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: «أسرعوا؛ فإنكم في واد ملعون». وروي: أنه ﷺ نهاهم عن شرب مائه، وأكل ما طبخوا به، وعجنوا من مائه. هذا؛ والوادي هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السيل، ويجمع على أودية، وأوديات. وأوادية، وأوداء، وأوداه. قال جرير: [الوافر] عرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم ولم أعثر على «وديان» مع أنه كثير ومستعمل. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع واد على أودية، وجمع فاعل على أفعلة شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه أن فاعلا قد جاء بمعنى فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كجريب وأجربة كذلك فاعل. انتهى من سورة (الرعد) الآية [١٧]. هذا؛ وثمود: قبيلة أخرى من قبائل العرب كعاد، سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن غابر، ابن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام
следующие страницы →