← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالليل وقت سراه. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و (إذا) لما يستقبل من الزمان؛ فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من الليل؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان سريانه. وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن الليل جثة، والزمان لا يكون من الجثة، كما لا يكون خبرا عنها. والثاني: أنّ ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالليل لازم معناه، وهو المظلم. وأجيب عن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل في الظرف نفس الليل. قاله أبو البقاء أيضا، وفيه نظر؛ لأن الليل لا يعمل في الظرف؛ لأنه اسم جامد. وقد يقال: إن الليل يوصف، والتقدير: والليل المظلم في وقت سراه. انتهى. جمل من سورة (النجم). ﴿يَسْرِ:﴾ فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة كما رأيت، والفاعل يعود إلى (الليل)، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ الشرح: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ..﴾. إلخ: تحقيق، وتقرير لفخامة شأن الأمور المقسم بها، وكونها أمورا خليقة حقيقة بالإعظام، والإجلال عند أرباب العقول والأفهام، وتنبيه على أن الإقسام بها أمر معتد به، خليق بأن يؤكد به الأخبار على طريقة قوله تعالى في سورة (الواقعة): ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ وذلك إشارة إما إلى الأمور المقسم بها، والتذكير بتأويل ما ذكر، أو إلى الإقسام بها، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه، وبعد منزلته في الفضل، والشرف. انتهى. جمل نقلا من أبي السعود، ومعنى (لذي حجر): لذي لب، وعقل. قال الشاعر: [البسيط] وكيف يرجّى أن تتوب وإنّما... يرجّى من الفتيان من كان ذا حجر؟ هذا؛ وأصل الحجر: المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها من السيئات، والمعاصي: إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته، ولذلك سميت الغرفة حجرة لامتناع ما فيها بها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ﴾ سورة (الحجرات) رقم [٤]. وقال الفراء: تقول العرب: إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها، كأنه أخذ من حجرات على الرجل. وفي الخازن: ﴿هَلْ فِي ذلِكَ﴾ أي: فيما أقسمت به من هذه الأشياء. ﴿قَسَمٌ:﴾ مقنع، ومكتفي في القسم. ﴿لِذِي حِجْرٍ:﴾ لذي عقل، سمي بذلك؛ لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له، ولا ينبغي. كما سمي عقلا؛ لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، وسمي: نهية قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ سورة (طه) رقم [١٢٨] وأصل الحجر: المنع، ولا يقال: ذو حجر إلا لمن

стр. 7247

هو قاهر لنفسه، ضابط لها عما لا يليق، كأنه حجر على نفسه، ومنعها ما تريد. والمعنى: أن من كان ذا لبّ وعقل علم: أنّ ما أقسم الله به من هذه الأشياء، فيه عجائب، ودلائل تدل على توحيده، وربوبيته، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه. انتهى. بتصرف. هذا؛ والحجر يطلق على أشياء كثيرة: حجر الإنسان بفتح الحاء، وكسرها، وهو ما بين يديه من ثوبه، ويقال: نشأ فلان في حجر فلان؛ أي: تحت رعايته، وعنايته. قال تعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ..﴾. إلخ سورة (النساء) رقم [٢٣]. وهو بفتح الحاء: المنع من التصرفات المالية لصغر، أو سفه، أو فلس، وغير ذلك. والحجر يطلق على الفرس الأنثى، وهو بكسر الحاء، وعلى العقل كما رأيت، ويطلق على حجر إسماعيل بجوار الكعبة المعظمة، وعلى حجر ثمود؛ أي: بلادهم. قال تعالى في سورة (الحجر): ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ والحجر يطلق على الحرام، وفي سورة (الفرقان): ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقال الشاعر: [الطويل] ألا أصبحت أسماء حجرا محرّما... وأصبحت من أدنى حموّتها حما أراد ألا أصبحت أسماء حراما محرما. قاله رجل كانت له امرأة، فطلقها، وتزوجها أخوه؛ أي: أصبحت أخا زوجها بعد أن كنت زوجها، وقد نظم بعضهم المعاني المتقدمة بقوله: [البسيط] ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر... وحزت حجرا عظيما في دخول الحجر لله حجر منعني من دخول الحجر... ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر الإعراب: ﴿هَلْ:﴾ حرف تقرير، أو حرف تحقيق وتأكيد. قال مقاتل: هل هنا في موضع إن، تقديره: إن في ذلك قسما لذي حجر. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿قَسَمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿لِذِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة قسم، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و (ذي): مضاف، و ﴿حِجْرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية جواب القسم الأول وما عطف عليه على قول مقاتل-رحمه الله تعالى-. وقيل: الجواب محذوف، تقديره: ليعذبن. وقيل: الجواب قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ وعلى هذين القولين فالجملة الاسمية (هل في ذلك...) إلخ. معترضة بين القسم وجوابه، وقد أفادت الكلام تقوية وتسديدا. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ خطاب للنبي ﷺ ، وهو عام لكل أحد، والمعنى: ألم يبلغك يا محمد، ويصل إلى علمك ماذا فعل الله بعاد قوم هود؟ وكان أمر عاد، وثمود عند العرب

стр. 7248

مشهورا؛ إذ كانوا في بلادهم، وحجر ثمود موجود إلى اليوم بوادي القرى، وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب. ﴿بِعادٍ﴾ أي: بقوم عاد، وكانوا أشداء أقوياء. روى شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁-قال: كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وكان أحدهم يدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. لذا ذكرهم نبيهم هود بهذا، فقال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَمّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ الآية رقم [١٥] من سورة (فصلت). هذا؛ وعاد في الأصل ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، فعلى هذا ف ﴿إِرَمَ﴾ هو جد عاد، ثم جعل لفظ عاد اسما للقبيلة، كما يقال لبني هاشم: هاشم، ولبني تميم: تميم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وعاد إرم تسمية لهم باسم جدهم. ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات: [المنسرح] مجدا تليدا بناه أوّلهم... أدرك عادا وقبله إرما وقال معمر: «إرم» إليه مجمع عاد، وثمود، وكان يقال: عاد إرم، وعاد ثمود، وكانت القبائل تنتسب إلى إرم. وقال ابن إسحاق: كان سام بن نوح له أولاد، منهم: إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام، فمن ولد إرم بن سام العمالقة، والفراعنة، والجبابرة، والملوك الطغاة، والعصاة. ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: الطول، يقال: رجل معمّد: إذا كان طويلا. قال قتادة: كان طول الواحد منهم اثنا عشر ذراعا. وعن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة أيضا كانوا عمادا لقومهم. يقال: فلان عماد القوم، وعمودهم؛ أي: سيدهم. وقيل: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ أي: الأبنية الرفيعة المرفوعة على العمد، وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور. قال ابن زيد: ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ يعني: إحكام البنيان بالعمد. وفي الصحاح: والعماد: الأبنية الرفيعة، تذكر، وتؤنث. قال عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [٣٩]: [الوافر] ونحن إذا عماد الحيّ خرّت... على الأحفاض نمنع من يلينا ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ:﴾ الضمير يرجع إلى القبيلة؛ أي: لم يخلق مثل القبيلة في البلاد قوة، وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة. ومن جعل إرم مدينة؛ قدر محذوفا، المعنى: كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعاد صاحبة إرم. وإرم على هذا مؤنثة معرفة. وروي: أنه كان لعاد ابنان: شداد، وشديد، فملكا، وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا،

стр. 7249

ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمئة سنة، وكان عمره تسعمئة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت، وفيها أصناف الأشجار، والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها؛ سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثمّ، وبلغ معاوية خبره، فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة. وقال: هذا والله ذلك الرجل!. تنبيه: ذكرت لك فيما مضى: أنه ملك الدنيا مؤمنان، وكافران، فأما المؤمنان؛ فهما سليمان ابن داود، وإسكندر ذو القرنين، وأما الكافران؛ فهما: بختنصر ملك بابل، وشداد بن عاد. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف تقرير، واستفهام. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال، تقدم على صاحبه، وعامله، وهو معلق للفعل قبله عن العمل لفظا. وانظر ما ذكرته في أول سورة (الفيل) فإنه جيد، جيد، وهذا مثله. ﴿فَعَلَ:﴾ ماض، ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل نصب سدت مسد مفعولي الفعل (ترى) وهو قلبي، انظر الشرح، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِعادٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِرَمَ:﴾ بدل من (عاد)، أو عطف بيان عليه، وهذا على اعتباره علم على شخص، أو علم على قبيلة، وأما على اعتباره اسم بلدة، أو اسم أرض؛ فهو على حذف مضاف، التقدير: بعاد صاحب إرم. والتقدير على الأول: بعاد إرم صاحب ذات العماد، ولم ينصرف إرم قبيلة كانت، أو أرضا، فهو مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث، فهو إما مضاف، وإما مضاف إليه، كما رأيت، و «صاحب» صفة (عاد)، وهو مضاف، و ﴿إِرَمَ﴾ مضاف إليه... إلخ، و «صاحب» صفة ﴿إِرَمَ﴾ على التقدير الأول، و «صاحب» مضاف، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف إليه... و «صاحب» صفة (عاد) أو بدل منه على اعتبار ﴿إِرَمَ﴾ اسم بلدة، أو اسم أرض، و ﴿ذاتِ﴾ مضاف، و ﴿الْعِمادِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿ذاتِ الْعِمادِ﴾ ويجوز أن يقطع عما قبله على إضمار مبتدأ، التقدير: هي التي، أو على تقدير فعل: أعني التي. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُخْلَقْ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿مِثْلُها:﴾ نائب فاعل، وها في محل جر بالإضافة. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها.

стр. 7250

﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)﴾ الشرح: (ثمود): قوم صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿جابُوا:﴾ قطعوا. ومنه: فلان يجوب البلاد؛ أي: يقطعها. قال الشاعر، وكان قد نزل على ابن الزبير في مكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة، فقال: [البسيط] راحت رواحا قلوصي وهي حامدة... آل الزّبير ولم تعدل بهم أحدا راحت بستين وسقا في حقيبتها... ما حمّلت حملها الأدنى ولا السّددا ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت... ستّين وسقا ولا جابت به بلدا ورحم الله أحمد شوقي؛ إذ يقول في قصيدته نهج البردة البيت رقم [٨٦] في مديح المصطفى ﷺ : [البسيط] جبت السموات أو ما فوقهنّ بهم... على منوّرة درّيّة اللّجم قال المفسرون: أول من نحت الجبال، والصخور، والرخام: ثمود، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمئة مدينة، كلها من الحجارة، ومن الدور، والمنازل ألفي ألف وسبعمئة كلها من الحجارة، وقد قال تعالى في سورة (الحجر) رقم [٨٢]: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ وقال في سورة (الشعراء) رقم [١٤٩]: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ﴾ وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا؛ لأنفسهم، وقد ذكرت قصتهم مفصلة في سورة (الأعراف) و (هود) و (الشعراء). (بالوادي): أي: بوادي القرى. قاله محمد بن إسحاق. وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة ﵁-قال: أتى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال: «أسرعوا؛ فإنكم في واد ملعون». وروي: أنه ﷺ نهاهم عن شرب مائه، وأكل ما طبخوا به، وعجنوا من مائه. هذا؛ والوادي هو المنفرج بين جبلين يجري فيه السيل، ويجمع على أودية، وأوديات. وأوادية، وأوداء، وأوداه. قال جرير: [الوافر] عرفت ببرقة الأوداه رسما... محيلا طال عهدك من رسوم ولم أعثر على «وديان» مع أنه كثير ومستعمل. هذا؛ وقد قال أبو البقاء في جمع واد على أودية، وجمع فاعل على أفعلة شاذ، ولم نسمعه في غير هذا الحرف، ووجهه أن فاعلا قد جاء بمعنى فعيل، وكما جاء فعيل وأفعلة كجريب وأجربة كذلك فاعل. انتهى من سورة (الرعد) الآية [١٧]. هذا؛ وثمود: قبيلة أخرى من قبائل العرب كعاد، سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن غابر، ابن سام، بن نوح، وهو أخو جديس بن غابر، وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام

стр. 7251

إلى وادي القرى وما حوله. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، والأول هو المعتمد، ومنع من الصرف؛ لأنه جعل اسما لمؤنث، وهو القبيلة. ونبيهم هو صالح، على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وصرف (عاد) لسكون وسطه. الإعراب: ﴿وَثَمُودَ:﴾ الواو: حرف عطف. (ثمود): معطوف على عاد مجرور مثله، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة ثمود، أو هو بدل منه، ويجوز قطعه عن (ثمود) على إضمار مبتدأ، أو إضمار فعل، والجملة الفعلية بعده صلته. ﴿بِالْوادِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الصَّخْرَ،﴾ وعلامة الجر كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لمناسبة رؤوس الآي. ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)﴾ الشرح: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ﴾ أي: صاحب الجنود، والعساكر، والجموع، والجيوش؛ التي تشد ملكه. قاله ابن عباس-﵄، وقوله تعالى في سورة (ص) رقم [١٢]: ﴿ذِي الْأَوْتادِ﴾ فسر هناك بالبناء المحكم. وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، والعرب تقول: هو في عز ثابت الأوتاد، يريدون بذلك: أنه دائم شديد. قال الأسود بن يعفر: [الكامل] ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة... في ظلّ ملك ثابت الأوتاد وأصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده. قال الأفوه الأودي: [البسيط] والبيت لا يبتنى إلاّ بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد فاستعير لثبات العز، والملك، واستقامة الأمر، وهي استعارة بليغة، فقد شبه الملك بخيمة عظيمة شدت أطنابها بالأوتاد لتثبت، وترسخ، ولا تقتلعها الرياح، ففيه استعارة مكنية. وذكر الأوتاد تخييل. وقيل: ﴿ذِي الْأَوْتادِ﴾ ذو القوة، والبطش. وقال الكلبي، ومقاتل: كان فرعون يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه الحيات، والعقارب؛ حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوار، كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيها وتد من حديد، ويتركه؛ حتى يموت. هذا؛ ومفرده: وتد، وهو ما رزّ في الحائط، أو في الأرض من خشب، وغيره، وهو بكسر التاء، وفتحها لغة. قال الشاعر: [البسيط] ولا يقيم على ضيم يراد به... إلاّ الأذلاّن: عير الحيّ، والوتد

стр. 7252

هذا على الخسف مربوط برمّته... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد وأهل نجد يسكنون التاء، فيدغمونها بعد قلبها دالا بالدال الثانية، فيبقى: ودّ، وهي لغة العامة الشائعة، ووتدت الوتد، أتده وتدا من باب: وعد: أثبته بحائط، أو بالأرض، وأوتدته لغة. انتهى. من المصباح. ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ:﴾ تمردوا وعتوا وتجاوزوا الحد في الظلم والعدوان، والضمير يعود إلى عاد وثمود وفرعون. وقيل: يعود إلى فرعون وجنوده، والأول أولى بالاعتبار. ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ أي: الظلم والاعتداء والجور والأذى مع الكفر، والتعالي في الأرض، والفساد ضد الصلاح، فكما أن الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فكذلك الفساد يتناول جميع أقسام الإثم. ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أفرغ عليهم، وألقى، وأنزل بهم ﴿رَبُّكَ﴾ يقال: صبّ على فلان نعمة؛ أي: ألقاها عليه. قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر: [الطويل] فصبّ عليه الله أحسن صنعه... وكان له بين البريّة ناصرا ﴿سَوْطَ عَذابٍ:﴾ نوع عذاب. ويقال: شدة عذاب؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به. قال الشاعر: [الطويل] ألم تر أنّ الله أظهر دينه... وصبّ على الكفار سوط عذاب وقال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك: أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب؛ إذ كان فيه عندهم غاية العذاب. فأهلكت عاد بالريح، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق. قال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾. هذا؛ والسوط الذي يضرب به يكون من جلد، وغيره، والجمع: أسواط، وسياط، وساطه: ضربه بالسوط. وقد استعير هذا لنوع من أنواع العذاب، كما هو واضح. والسوط: خلط الشيء بعضه ببعض. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ أي: يرصد أعمال العباد، فلا يفوته منها شيء؛ ليجازيهم بها يوم القيامة. ففيه استعارة تمثيلية: شبه كونه تعالى حافظا لأعمال العباد، مراقبا لها، ومجازيا على نقيرها، وقطميرها بحيث لا ينجو منه أحد بحال من قعد على الطرق مترصدا لمن يسلكها؛ ليأخذه، فيوقع به ما يريد، ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر. انتهى. نقلا من الشهاب. وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٢١] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. بعد هذا فخذ ما يلي: روى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-أن فرعون-لعنه الله-إنما سمي ذا الأوتاد؛ لأنه كان عنده امرأة مؤمنة، وهي امرأة خازنه حزقيل، وكان مؤمنا كتم إيمانه مئة سنة-انظر سورة (غافر) رقم [٢٨] وما بعدها-وكانت امرأته

стр. 7253

ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون؛ إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله! فقالت بنت فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟! فقالت: إلهي وإله أبيك، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فقامت، ودخلت على أبيها؛ وهي تبكي! فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم: أنّ إلهك، وإلهها، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فأرسل إليها، فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت! فقال لها: ويحك! اكفري بإلهك، وقري أني إلهك! قالت: لا أفعل، فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل عليها الحيات، والعقارب. وقال لها: اكفري بالله، وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين! فقالت: لو عذبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله! وكان لها ابنتان، فجاء بابنتها الكبرى، فذبحها على قلبها، ثم قال لها: اكفري بالله، وإلا ذبحت الصغرى على فيك! وكانت رضيعا، فقالت: لو ذبحت من في الأرض على فيّ ما كفرت بالله ! فأتى بابنتها، فلما اضطجعت على صدرها، وأراد ذبحها؛ جزعت المرأة فأطلق الله لسان ابنتها، فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا في المهد صغارا أطفالا، وقالت: يا أماه لا تجزعي، فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة، فاصبري، فإنك تفضين إلى رحمة الله وكرامته! فذبحت، فلم تلبث الأم أن ماتت. أسكنها الله الجنة!. قال: وبعث في طلب زوجها حزقيل، فلم يقدروا عليه. فقيل لفرعون: إنه رؤي في موضع كذا في جبل، فبعث رجلين في طلبه، فانتهى إليه الرجلان، وهو يصلي، وثلاثة صفوف من الوحش خلفه يصلّون، فلما رأوا ذلك؛ انصرفوا. فقال حزقيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مئة سنة، ولم يظهر علي أحد، فأيما هذين الرجلين كتم عليّ فاهده إلى دينك، وأعطه من الدنيا سؤله! وأي هذين الرجلين أظهر عليّ؛ فعجل عقوبته في الدنيا، واجعل مصيره في الآخرة إلى النار! فانصرف الرجلان إلى فرعون، فأما أحدهما؛ فاعتبر، وآمن، وأما الآخر؛ فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ، فقال فرعون-لعنه الله-: وهل معك غيرك؟ قال: نعم فلان، فدعا به، فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: ما رأيت مما يقول شيئا، فأعطاه فرعون، وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه. وأما حزقيل؛ فإنه خرج مع موسى إلى أرض فلسطين، وكان من الناجين مع بني إسرائيل. قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل، يقال لها: آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يفعل فرعون؛ وأنا مسلمة، وفرعون كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها؛ إذ دخل عليها فرعون، فجلس قريبا منها، فقالت: يا فرعون! أنت أشر الخلق، وأخبثهم، عمدت إلى الماشطة، فقتلتها! قال: فلعل بك الجنون؛ الذي كان بها. قالت: ما بي جنون، إن إلهها، وإلهي، وإله السموات، والأرض واحد لا شريك له! فبصق عليها، وضربها، وأرسل إلى أبيها، وأمها، فدعاهما. وقال لهما: إن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد: أن ربي، وربك،

стр. 7254

ورب السموات، والأرض واحد، لا شريك له! فقال لها أبوها: يا آسية! ألست من خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك! إن كان ما يقول حقا؛ فقولا له: يتوجني تاجا تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله. فقال لهما فرعون-لعنه الله-: اخرجا عني، ثم مدها بين أربعة أوتاد يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة؛ ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ الآية رقم [١١] من سورة (التحريم)، فقبض الله روحها، وأدخلها الجنة. انتهى. كله من الخازن. وانظر الذين تكلموا في المهد في سورة (البروج) رقم [٤]. الإعراب: ﴿وَفِرْعَوْنَ:﴾ الواو: حرف عطف. (فرعون): معطوف على (عاد) و (ثمود) مجرور مثلهما، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿ذِي:﴾ صفة (فرعون) مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي﴾ مضاف، و ﴿الْأَوْتادِ﴾ مضاف إليه. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر صفة، أو بدل من (عاد) و (ثمود) و (فرعون)، ويجوز قطعه من وجهين: أحدهما على إضمار مبتدأ، التقدير: هم الذين، والثاني على إضمار فعل، التقدير: أعني، أو أذم. ﴿طَغَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فِي الْبِلادِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ﴾ معطوفة على جملة الصلة، لا محل لها مثلها. ﴿فَصَبَّ:﴾ الفاء: حرف عطف. (صب): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿سَوْطَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿عَذابٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة... إلخ. ﴿لَبِالْمِرْصادِ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (بالمرصاد): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية تعليل لما قبلها. قال أبو السعود-رحمه الله تعالى-: إيذانا بأن كفار قومه ﷺ سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره ﷺ . انتهى. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾ الشرح: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر. وذكر ابن عباس-﵄-بعض زعماء قريش بأسمائهم، والأولى التعميم؛ لأن التخصيص؛ أي: خصوص السبب لا يمنع التعميم. ﴿إِذا مَا ابْتَلاهُ:﴾ اختبره، وامتحنه بالنعمة، والرخاء، وبسط العيش. ﴿فَأَكْرَمَهُ:﴾ بالمال، والولد،

стр. 7255

والمنصب، والجاه، والصحة، والعافية، وغير ذلك من متع الحياة، ولذائذها. ﴿وَنَعَّمَهُ:﴾ ورفهه بما أنعم عليه. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ:﴾ بما أعطاني، فيفرح بذلك، ولا يحمده، ولا يشكره. هذا؛ وقابل قوله: ﴿وَنَعَّمَهُ،﴾ بقوله: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ،﴾ ولم يقابل قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ:﴾ بلفظ: «فأهانه»؛ لأنه ليس من ضيق عليه في الرزق؛ كان ذلك إهانة له! ألا ترى إلى ناس كثيرين من أهل التقوى، والصلاح مضيّقا عليهم في الرزق. فإن قيل: كيف سمّي كلّ من الأمرين: من بسط الرزق، وتقتيره ابتلاء؟ أجيب بأن كلا منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له؛ فقد اختبر حاله: أيشكر، أم يكفر؟ وإذا قدر عليه رزقه؛ فقد اختبر حاله: أيصبر، أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. فإن قيل: فهلاّ قال: فأهانه، وقدر عليه رزقه، كما قال: فأكرمه ونعمه؟ أجيب بأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا، وأما التقتير؛ فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضيل لا يكون إهانة، ولكن يكون تركا للكرامة، وقد يكون المنعم مكرما ومهينا، وغير مكرم، ولا مهين، فمثلا إذا أهدى لك زيد هدية؛ قلت: يكرمني بالهدية، وإذا لم يهد إليك؛ لا تقول: أهانني، ولا أكرمني. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسانُ﴾ قلت: اتصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ،﴾ فكأنه قيل: إن الله تعالى لا يريد من الإنسان إلا الطاعة، فأما الإنسان؛ فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا العاجلة. انتهى. يعني بالتعلق من حيث المعنى. وفي كلامه نفحة اعتزالية واضحة. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد، أما كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله، بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يكن من شيء. وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأما كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الْإِنْسانُ:﴾ مبتدأ. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَأَمَّا:﴾ صلة. ﴿اِبْتَلاهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر. ﴿رَبُّهُ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف، لدلالة ما بعده عليه، والجملة الشرطية معترضة بين المبتدأ، والخبر، ومفاد كلام الجمل: أنّ ﴿إِذا﴾ ظرف مجرد عن الشرطية معلق بما بعده. فقد قال-رحمه الله تعالى-: والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في نية التأخير، كأنه قال: فأما الإنسان؛ فقائل: ربي أكرمني وقت الابتلاء، وجملة: (أكرمه ونعمه) معطوفتان على ما قبلهما، فهما في محل جر مثلها.

стр. 7256

﴿فَيَقُولُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (أما). (يقول): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿رَبِّي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَكْرَمَنِ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبِّي﴾ والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: (يقول...) إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو الإنسان. هذا؛ وقرئ بإثبات ياء المتكلم، وحذفها في الفعلين ﴿أَكْرَمَنِ﴾ و ﴿أَهانَنِ،﴾ ولا يخفى عليك أن النون تسكن في الوقف، ومثل ذلك قول الأعشى -وهو الشاهد رقم [١٢٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [المتقارب] فهل يمنعنّي ارتيادي البلا... د من حذر الموت أن يأتين؟ ومن شانئ كاسف وجهه... إذا ما انتسبت له أنكرن ﴿وَأَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦)﴾ الشرح: (قدر): ضيق. ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ:﴾ أعطاه على قدر البالغة، والحاجة. ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ أي: أذلني بالفقر، وأولاني هوانا بسببه. وهذه صفة الكافر؛ الذي لا يؤمن بيوم القيامة، والجزاء فيه، وإنما الكرامة عنده، والهوان بكثرة حظوظ الدنيا، وقلتها. فأما المؤمن؛ فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، وتوفيقه المؤدي إلى حظوظ الآخرة، وإن وسّع عليه في الدنيا؛ حمده، وشكره. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قلت: الآيتان صفة كل كافر، وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه الله لكرامته، وفضيلته عند الله، وربما يقول بجهله: لو لم أستحق هذا لم يعطنيه الله. وكذا إن قتر عليه يظن: أن ذلك لهوانه على الله. انتهى. وهذا ظن فاسد، وزعم كاذب، وخذ ما يلي: فالرسول ﷺ قال: «وإن الله يعطي الدنيا من يحبّ، ومن لا يحبّ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحبّ. فمن أعطاه الدّين؛ فقد أحبّه». من حديث ابن مسعود-﵁. وعن أبي سعيد الخدري، ﵁-أن النبي ﷺ قال: «إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب». رواه الحاكم. هذا؛ ولا تنس: أن الله جلت قدرته، وتعالت حكمته. قال: ﴿اِبْتَلاهُ﴾ في حالة الغنى، والسعة. وقال: ﴿اِبْتَلاهُ﴾ في حالة الفقر، والضيق. فهذا التصريح بأن الخير اختبار، وامتحان، والشر اختبار، وامتحان. كيف لا؟ وقد قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٦٨]: ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾

стр. 7257

بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وقال في سورة (الأنبياء) رقم [٣٥]: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾. والصحة، والعافية، والمال، والولد، والجوارح كلها نعم، فهي ابتلاء، واختبار، وامتحان، والأمراض، والآفات، والمصائب، والمتاعب في الدنيا كلها ابتلاء، واختبار، وامتحان، وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إنّ الله قال: «يا عيسى إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبّون؛ حمدوا الله، وإن أصابهم ما يكرهون؛ احتسبوا، وصبروا، ولا حلم، ولا علم فقال: يا ربّ كيف يكون هذا؟! قال: أعطيهم من حلمي وعلمي». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري. هذا؛ ولا أرى حاجة إلى إعراب الآية، فإن إعرابها مثل سابقتها بلا فارق مع ملاحظة أن المبتدأ محذوف، وجملة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ﴾ في محل رفع خبره، التقدير: وأما هو؛ أي: الإنسان... إلخ. هذا؛ والمقابلة واضحة بين الآيتين الكريمتين. هذا؛ وقال ابن كيسان: ويقال: أبلاه، وبلاه في الخير، والشر، وأنشد قول زهير في ممدوحيه: هرم بن سنان، والحارث بن عوف المرّيّين: [الطويل] جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته، وفي الاختبار: ابتليته، وبلوته. قاله النحاس. ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر، وردّ لما يظنه الكافر، والفاجر، فليس الغنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر، والغنى، والعز، والذلة من تقدير العزيز العليم، وقضائه، وحكمه، وحكمته. وفي الحديث القدسي يقول الله : «كلاّ إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلّتها، إنّما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي». ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ:﴾ لا تحسنون إليه، ولا تعطونه حقّه من الميراث، فهو إخبار عن ما كانوا يصنعونه. فهو إضراب من قبيح إلى أقبح للترقي في ذمهم. قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت في قدامة بن مظعون: كان يتيما في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقّه، ولا يعطيه ماله، وكانوا في الجاهلية لا يورثون أنثى، ولا صغيرا، بل ينفرد بالميراث الرجال المقاتلون، وكانوا يقولون: كيف نعطي أموالنا لمن لا يذود عنا، ولا يحمي حمانا؟!. ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ:﴾ ولا تحثون أنفسكم، وأهليكم، ومن يتصل بكم من أقاربكم، وأصدقائكم على إطعام الفقراء، والمساكين مما يفضل عنكم من أموالكم. هذا؛

стр. 7258

وأصل الفعل: تتحاضون، فحذفت تاء المضارعة للتخفيف، وهو كثير مستعمل في القرآن الكريم، واللغة العربية، والفعل يدل على المفاعلة، وقرئ: «(تحضون)»، وفي سورة (الحاقة): ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ وكذا في سورة (الماعون) رقم [٣]. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ:﴾ ميراث اليتامى، والنساء، وأصله: الوراث فأبدلوا الواو تاء؛ لأنه من ورثت، كما قالوا في تجاه، وتخمة، وتكأة، وتؤدة، ونحو ذلك. ﴿أَكْلاً لَمًّا﴾ أي: شديدا، وأصل اللم، واللمم في الكلام العربي: الجمع الشديد. يقال: لممت الشيء ألمه لمّا إذا جمعته من هنا، وهناك. قال الحطيئة: [الطويل] إذا كان لمّا يتبع الذّمّ أهله... فلا قدّس الرحمن تلك الطواحنا أي: إذا كان الأكل ذا لم. وجمع بين ما يحمد، وما لا يحمد: فلا ينفك الذم عن صاحب الأكل يتبعه. ومنه يقال: لمّ الله شعثه. أي: جمع ما تفرق من أموره. قال النابغة الذبياني: [الطويل] ولست بمستبق أخا لا تلمّه... على شعت أيّ الرجال المهذّب؟ وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلم؛ وهم عالمون بذلك، فيلمون في الأكل بين حرامه، وحلاله. ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة، والأشربة، والفواكه، كما يفعل الورّاث البّطالون. ﴿وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي: كثيرا، حلاله، وحرامه، والجم: الكثير، ومنه: جمّ الماء في الحوض: إذا اجتمع، وكثر. قال أبو خراش الهذلي-والصحيح: أنه لأمية بن أبي الصلت، وهو الشاهد رقم [٤٤٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الرجز] إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا... وأيّ عبد لك لا ألمّا؟ هذا؛ وتقرأ الأفعال الأربعة بتاء المضارعة على الالتفات من الغيبة في الأفعال السابقة إلى الخطاب هنا، كما تقرأ بالياء، وعليه فلا التفات. تنبيه: قال الجمل-رحمه الله تعالى-: وكان حكم الإرث عندهم من بقايا شريعة إسماعيل، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام؛ أي: مما هو معلوم لهم، وثابت عندهم بطريق عادتهم، وغيروا، وبدلوا، فلا يقال: السورة مكية، وآية المواريث مدنية، ولا يعلم الحل، والحرمة إلا من الشرع. انتهى. بتصرف، إذا فالمراد توبيخهم، وتقريعهم على تحريفهم، وتبديلهم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع وزجر. وانظر الآية رقم [١٦] من سورة (المدثر). ﴿بَلْ:﴾ حرف إضراب. ﴿كَلاّ:﴾ نافية. ﴿تُكْرِمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه

стр. 7259

من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ﴿الْيَتِيمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، و ﴿طَعامِ﴾ مضاف، و ﴿الْمِسْكِينِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها واضح إن شاء الله. ﴿أَكْلاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿لَمًّا:﴾ صفة له. ﴿حُبًّا:﴾ مفعول مطلق. ﴿جَمًّا:﴾ صفة له. ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ﴾ أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فهو ردّ وزجر، وردع لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدكّ الأرض، ولا ينفع الندم. والمعنى: ارتدعوا أيها الغافلون، وانزجروا عن ذلك، فإن أمامكم أهوالا عظيمة يوم القيامة، وذلك حين تزلزل الأرض، وتحرك تحريكا متتابعا. هذا؛ وفي المختار: الدكّ: الدقّ، وقد دكّه: إذا ضربه، وكسره، وسواه بالأرض. وبابه: ردّ، ومنه قوله تعالى في سورة (الحاقة): ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾. قال الأخفش: هي أرض دك، والجمع: دكوك. والآية الكريمة تفيد: أن الأرض يبدل شكلها، وهيئتها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وانظر ما ذكرته في سورة (الحاقة) رقم [١٤]، وفي سورة (النبأ) رقم [٢٠]. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. ﴿إِذا:﴾ انظر الآية رقم [١٥]. ﴿دُكَّتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، وجواب ﴿إِذا﴾ محذوف، يدل عليه الكلام الآتي، وهو ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وصحح السمين: أنه هو الخبر. ﴿دَكًّا:﴾ مفعول مطلق. ﴿دَكًّا:﴾ مفعول مطلق مؤكد لما قبله. وهما مصدران في موضع الحال على رأي: أبي حيان، والزمخشري، كقرأت الكتاب بابا بابا. ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)﴾ الشرح: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي: أمره، وقضاؤه، وهو من باب حذف المضاف. وفي الجمل: حصل تجليه على الخلائق، وظهر سلطانه، وقهره، وظهرت أهوال يوم الموقف، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر. وفي البيضاوي: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي: ظهرت آيات قدرته، وآثار قهره، مثل ذلك، بما يظهر عند ظهور السلطان من آثار هيبته، وسياسته. ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي: مصطفين صفوفا. هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [٢٥]: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً﴾ أي: ينزلون بصحائف العباد إلى الأرض، وذلك لحساب الثقلين من الإنس والجن. قال ابن عباس-رضي

стр. 7260

الله عنهما-: تتشقق سماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن، والإنس، ثم تشقق السماء الثانية، فينزل أهلها، وهم أكثر ممّن في سماء الدنيا، ثم كذلك؛ حتى تنشق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي تليها، ثم ينزل الكروبيون، ثم حملة العرش، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا اصطفوا حول العالم المجموع في المحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية اصطفوا خلف هذا الصف، وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار، والهرب. ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ:﴾ قال ابن مسعود، ومقاتل-﵄: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يجرّونها». وقال أبو سعيد الخدري ﵁: لمّا نزلت ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ تغيّر لون رسول الله ﷺ ، وعرف في وجهه؛ حتى اشتدّ على أصحابه، ثم قال: «أقرأني جبريل: ﴿كَلاّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ»﴾. قال علي-﵁: قلت: يا رسول الله! كيف يجاء بها؟ قال: «يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقود كل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة، لو تركت؛ لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم، فتقول: مالي ومالك يا محمد! إن الله قد حرم لحمك علي؟ فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي، إلا محمد ﷺ ، فإنه يقول: يا رب أمتي! يا رب أمتي!». هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وانظر الآية رقم [٣٦] من سورة (النازعات). ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ﴾ أي: الكافر، وما فرط فيه، ويتوب، ويتعظ. ﴿وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أي: ومن أين له منفعة الذكرى؟! فلا بد من تقدير المضاف المذكور، وإلا فبين ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وبين ﴿لَهُ الذِّكْرى﴾ تناف، وتناقض، والمعنى ومن أين يكون له الانتفاع بالذكرى؛ وقد فات أوانها؟ الإعراب: ﴿وَجاءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جاء): فعل ماض. ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. وقد رأيت تقدير المضاف المحذوف في الشرح، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿دُكَّتِ..﴾. إلخ فهي في محل جر مثلها. ﴿وَالْمَلَكُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿صَفًّا صَفًّا:﴾ حالان، أو حال مركبة بمعنى: مصطفين. ﴿وَجِيءَ:﴾ الواو: حرف عطف. (جيء): فعل ماض مبني للمجهول، ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و (إذ) ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تجيء. ﴿بِجَهَنَّمَ:﴾ متعلقان بالفعل: (جيء)

стр. 7261

وهما في محل رفع نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها فهي في محل جر أيضا. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق بما بعده. وقيل: هو بدل من ﴿إِذا﴾ وهذا يصح إذا علقنا ﴿إِذا﴾ ب: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾. ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا،﴾ لا محل لها، وهذا على مذهب سيبويه، وهو: أنّ العامل في المبدل منه هو العامل في البدل، ومذهب غيره: أن البدل على نية تكرار العامل. ﴿وَأَنّى:﴾ الواو: حرف استئناف. (أنى): اسم استفهام بمعنى: كيف؟ أو بمعنى: من أين؟ مبني على السكون في محل رفع خبر مقدم. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان. وقيل: متعلقان بالذكرى. ﴿الذِّكْرى:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال، ولا وجه له؛ لأن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يكون حالا. وانظر مثلها في سورة (الدخان) رقم [١٣] وفي سورة (محمد ﷺ رقم [١٨]. ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ الشرح: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ: أي: يقول الإنسان نادما، ومتحسرا: يا ليتني قدمت عملا صالحا ينفعني في آخرتي لحياتي الباقية! فهو يندم على ما كان سلف منه من المعاصي؛ إن كان عاصيا، ويود لو كان محسنا مطيعا ازداد من الطاعات، كما قال الإمام أحمد بن حنبل عن جبير بن نفير عن محمد بن عمرة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (لو أنّ عبدا خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله؛ لحقره يوم القيامة، ولودّ: أنه ردّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر، والثّواب». وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أحد يموت إلا ندم». قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟! قال: «إن كان محسنا ندم ألاّ يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم ألاّ يكون نزع». رواه الترمذي، والبيهقي في الزهد. هذا؛ وقال الزمخشري في الكشاف: وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم، ومعلقا بقصدهم، وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات، مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل البدع، والأهواء، وإلا فما معنى التحسر؟ انتهى. كشاف، وهذا مذهبه الاعتزالي، ومعتقده أن العبد يخلق أفعال نفسه باختياره، ويعني بقوله: أهل الأهواء والبدع أهل السنة، والغريب: أن أحمد بن المنير لم يصفعه كعادته عند ما يهوي، أو يهفو مثل هذه الهفوات. وما أحراك أن تنظر قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٥٦]: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ،﴾ والآية الأخيرة من سورة (المنافقون)، وقوله تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [١٠٠]: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ وغير ذلك من الآيات.

стр. 7262

﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ يوم القيامة. ﴿لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ﴾ أي: لا يعذب كعذاب الله أحد، فالضمير يعود إلى الله ، ومثله ما بعده، وهو قول ابن عباس، والحسن البصري-﵄. انتهى. قرطبي. وفي مختصر ابن كثير: أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه، وليس أحد أشد قبضا، ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم ، وهذا في حق المجرمين من الخلائق، والظالمين. هذا؛ ويقرأ بفتح الذال المشددة، وفتح الثاء، وعليه فالمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر، والمراد: إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا؛ لأجل إجرامه. فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير. وقيل: إنه أمية بن خلف. حكاه الفراء. يعني: أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعيّن أحد. والعذاب بمعنى التعذيب. والوثاق بمعنى: الإيثاق، فهما اسما مصدر، مثل: عطاء في قول القطامي-وهو الشاهد [٥٣١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر] أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا هذا؛ والوثاق بفتح الواو، وكسرها: القيد، والحبل، ونحوه، والجمع: وثق، مثل: رباط، وربط. قال تعالى في سورة (محمد ﷺ رقم [٤]: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ..﴾. إلخ. هذا؛ وانظر شرح ﴿أَحَداً﴾ في الآية رقم [٢٦] من سورة (الجن)، وشرح ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في سورة (المدثر) رقم [٩]. الإعراب: ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانُ﴾. ﴿يا لَيْتَنِي:﴾ (يا): حرف تنبيه وتحسر. وقيل: أداة نداء، والمنادى محذوف، التقدير: يا هؤلاء، والأول أقوى. (ليتني): حرف مشبه بالفعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم اسمها. ﴿قَدَّمْتُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (ليت)، والجملة الاسمية في محل نصب مقول مقول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ بدل اشتمال من: ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ،﴾ أو هي مستأنفة استئنافا بيانيا وقعت جوابا عن سؤال نشأ منه، كأنه قيل: ماذا يقول عند تذكره؟ فقيل: يقول: يا ليتني عملت لأجل حياتي هذه. انتهى. جمل نقلا عن أبي السعود. ﴿لِحَياتِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿فَيَوْمَئِذٍ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (يومئذ): (يوم): ظرف زمان متعلق بما بعده، و (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ تقوم الساعة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُعَذِّبُ:﴾ فعل مضارع. ﴿عَذابَهُ:﴾ مفعول به، وعلى قراءة الفعل بالبناء للمجهول، فهو مفعول مطلق، وهو على حذف مضاف، التقدير: لا يعذب مثل تعذيبه،

стр. 7263

والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَحَدٌ:﴾ فاعل، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَاُدْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ الشرح: لما ذكر الله حال من كانت همّته الدنيا، فاتهم الله في إغنائه، وإفقاره؛ ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى الله تعالى، فسلام لأمره، فاتكل عليه. انتهى. قرطبي. أقول: وهذا من باب المقابلة؛ التي ذكرتها لك كثيرا. انظر الآية رقم [٣٦] من سورة (النبأ). ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ أي: الثابتة على الإيمان، والإيقان، المصدقة بما قال الله تعالى، الموقنة التي أيقنت بالله ، وخضعت لأمره، وطاعته، هي الراضية بقضاء الله. وقيل: هي الآمنة من عذاب الله. وقيل: هي المطمئنة بذكر الله. قال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٢٨]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾. والراضية بقضاء الله: هي التي علمت، وأيقنت: أنّ ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقيل: هي المخلصة. وقيل: هي العارفة بالله؛ التي لا تصبر عنه طرفة عين. وقال ابن زيد: المطمئنة؛ لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، والحشر. قيل: نزلت في الحمزة حين استشهد بأحد. وقيل: في خبيب ابن عدي الأنصاري؛ الذي صلبه أهل مكة. وقيل: في عثمان بن عفان حين اشترى بئر رومة. وقيل: في أبي بكر، ﵃ أجمعين-. والأصح: أنها عامة في كل نفس مؤمنة مطمئنة؛ لأن هذه السورة مكية. ﴿اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ﴾ أي: إلى ما وعد ربك من الخير العميم، والثواب المقيم. يقال لها ذلك عند خروجها من الدنيا. قال عبد الله بن عمر-﵄: (إذا توفي العبد المؤمن؛ أرسل الله إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح، وريحان، وربك عنك راض. فتخرج كأطيب ريح مسك، وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء، يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة، ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك إلا صلى عليها؛ حتى يؤتى بها الرحمن ﷻ ، فتسجد له، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه النفس، فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر، فيوسع عليه قبره، فسبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا طوله، وينبذ له الروح، والريحان فإن كان معه شيء من القرآن؛ كفاه نوره، وإن لم يكن؛ جعل له مثل نور الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس ينام، فلا يوقظه إلا أحبّ أهله إليه.

стр. 7264

وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين، وأرسل قطعة من بجاد؛ (أي: من كساء) أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم، وعذاب أليم، وربك عليك غضبان). وانظر الآية رقم [٣٠] من سورة (فصلت). ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً:﴾ راضية بالثواب، مرضية عند الله، جامعة بين الوصفين، والمعنى قد رضيت عن الله، ورضي الله عنها، وأرضاها، مثل قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وانظر النفس، ومراتبها في أول سورة (القيامة). ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي: انتظمي في سلكهم، أو مع عبادي، أو في زمرة المقربين. وفي الخازن، وغيره: أي: ادخلي في جملة عبادي الصالحين المصطفين، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٩]: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ،﴾ وفي سورة (النمل) رقم [١٩] قوله تعالى حكاية عن قول سليمان على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾. ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي: معهم. هذا؛ وروى الحافظ ابن عساكر عن أبي أمامة-﵁-أنّ رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل: اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك». هذا؛ وقال سعيد بن جبير ﵁: مات ابن عباس-﵄-بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر، لم ير على خلقه طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر، لا يدرى من تلاها: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. انتهى. خازن، وقرطبي، ونسفي. والله أعلم، وأجل، وأكرم. الإعراب: ﴿يا أَيَّتُهَا:﴾ (يا): أداة نداء تنوب مناب: أدعو، أو أنادي. (أيتها): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب بأداة النداء، و (ها): حرف تنبيه لا محل له، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يجوز اعتبار الهاء ضميرا في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿النَّفْسُ:﴾ بدل من (أيتها)، أو عطف بيان عليه، والجملة الندائية في محل نصب مقول القول لقول محذوف؛ أي: يقول الله لها. ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ:﴾ صفة ﴿النَّفْسُ﴾. ﴿اِرْجِعِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بياء المؤنثة المخاطبة، والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الفعل، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على السكون المقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالكسرة التي جيء بها لمناسبة ياء المخاطبة، وقل مثله في: ارجعا، والمانع من ظهور السكون، الفتح الذي جيء به لمناسبة ألف الاثنين، وأيضا قولك: ارجعوا، والمانع من ظهور السكون الضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول مثل الجملة الندائية قبلها. ﴿إِلى رَبِّكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما،

стр. 7265

والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿راضِيَةً مَرْضِيَّةً:﴾ حالان من ياء المخاطبة. (ادخلي): مثل سابقه في الإعراب. ﴿فِي عِبادِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿جَنَّتِي:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم... إلخ. فائدة: فعل: «دخل» إذا كان المدخول فيه غير ظرف حقيقي؛ تعدى إليه ب: (في)، نحو: دخلت في الأمر، ودخلت في غمار الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ أي: في جملة عبادي الصالحين، وإذا كان المدخول فيه ظرفا حقيقيا؛ تعدت إليه في الغالب بغير وساطة (في) ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وهذا على أنه ظرف مكان عند بعض النحاة، وفي مقدمتهم سيبويه، والمحققون وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشام). وهذا إذا كان الفعل ثلاثيا، وأما إذا كان رباعيا دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الأول يكون صريحا، والثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الفجر) شرحا، وإعرابا بعون الله، وتوفيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7266

سورة البلد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (البلد) مكية باتفاق، وآياتها عشرون. وكلماتها اثنتان وثمانون، وحروفها ثلاثمئة وعشرون. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ الشرح: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ أي: مكة. فقد أجمعوا عليه، فإن الله تعالى جعله حرما آمنا، ومثابة للناس، وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب من المسلمين، وشرفه بمقام إبراهيم، وحرم فيه الصيد، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل وغيرها لما اجتمعت في مكة دون غيرها؛ أقسم الله بها. انتهى. جمل نقلا من الرازي. هذا؛ وقد اختلف في (لا) فقيل: صلة. قاله الأخفش؛ أي: أقسم؛ لأنه قال: بهذا البلد، وقد أقسم به في سورة (التين) في قوله: ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ فكيف يجحد القسم به، وقد أقسم به. قال الشاعر: [الطويل] تذكّرت ليلى فاعترتني صبابة... وكاد صميم القلب لا يتقطّع أراد: وكاد صميم القلب يتقطع. وقال بعضهم ﴿لا﴾ ردّ لكلامهم، حيث أنكروا الحشر، والنشر، فقال: ليس الأمر كما تزعمون. وهذا قول الفراء. وقال القشيري: قوله ﴿لا﴾ ردّ لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة. المغرور بالدنيا؛ أي: ليس الأمر كما يحسبه من أنه لن يقدر عليه أحد، ثم ابتدأ القسم. قالوا: وفائدتها تأكيد القسم، كقولك: لا والله ما ذاك! تريد والله، فيجوز حذفها لكنه أبلغ في الرد مع إثباتها. وقيل: اللام لام الابتداء، فأشبعت بالمد، فتولدت الألف، ويؤيده قراءة ابن كثير: «(لأقسم)» بغير ألف المد، ويعبر عن قراءة ابن كثير بالقصر، وعن قراءة الباقين بالمد، وعلى قراءة ابن كثير فاللام لام الابتداء، وجملة: ﴿أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: لأنا أقسم بهذا البلد، ولو أريد به الاستقبال؛ للزمت النون، وقد جاء حذف نون التوكيد مع الفعل الذي يراد به الاستقبال، وهو شاذ. وانظر ما ذكرته في أول سورة (القيامة) إن أردت الزيادة.

стр. 7267

﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ أي: مقيم به نازل فيه. فكأنه عظم حرمة مكة من أجل أن النبي ﷺ مقيم بها. وقيل: ﴿حِلٌّ﴾ أي: حلال، فقد ذكر أهل اللغة: أنه يقال: رجل حل، وحلال، ومحل. ورجل حرام، ومحرم، وحرم. والمعنى: أحلّت لك تصنع فيها ما تريد من القتل والأسر، ليس عليك ما على الناس من الإثم في استحلالها. أحل الله له مكة يوم الفتح حتى قاتل، وأمر بقتل عبد الله بن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، قتله أبو برزة الأسلمي بأمر الرسول ﷺ ، وأمر بقتل مقيس بن صبابة، وغيرهما، وأحل دماء قوم، وحرم دماء قوم آخرين، فقال: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه، فهو آمن، ومن دخل المسجد؛ فهو آمن». ثم قال بعد ذلك: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات، والأرض، ولم تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة». والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة؛ دل ذلك على عظم قدرها، وشرفها، وحرمتها، ومع ذلك فقد وعد نبيه ﷺ أنه يحلها له؛ حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا؛ وعد من الله تعالى في الماضي، وهو مقيم بمكة أن يفتحها عليه في المستقبل بعد الهجرة، وخروجه منها، فكان كما وعده. انتهى. خازن. وقد قال الرسول ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرام، حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلى خلاه، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب». متفق عليه، وفي لفظ آخر: «فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله، فقولوا: إنّ الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم». انتهى. مختصر ابن كثير. ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ:﴾ قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، وأبو صالح: ﴿وَوالِدٍ﴾ آدم ﵇، ﴿وَما وَلَدَ﴾ أي: وما نسل من ذريته، وولده. أقسم ربهم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من التبيان، والنطق، والتدبير، وفيهم الأنبياء، والدعاة إلى الله تعالى. انتهى. قرطبي. وقال الخازن: أقسم الله بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالأنبياء والصالحين من ذريته؛ لأن الكافر، وإن كان من ذريته؛ فلا حرمة له؛ حتى يقسم به. وقال الفراء: وصلحت (ما) للناس كقوله في سورة (النساء) رقم [٣]: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الليل): ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ والله هو الخالق للذكر، والأنثى. وقيل: ما مع ما بعدها في موضع المصدر؛ أي: ووالد وولادته، كقوله تعالى في سورة (الشمس): ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها﴾. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: ﴿وَوالِدٍ﴾ يعني: الذي يولد له. ﴿وَما وَلَدَ﴾ يعني: العاقر الذي لا يولد له. وقاله ابن عباس-﵄-و (ما) على هذا نفي. وهو بعيد، ولا يصح إلا بإضمار الموصول؛ أي: ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين. انتهى. قرطبي.

стр. 7268

هذا؛ وقال الزمخشري، والنسفي، وغيرهما: نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ في الاستقبال قوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ أقول: إذ المعنى: أنت ستحل حرمة هذا البلد، وإنك ستموت، وإنهم سيموتون. وقال البيضاوي: وإيثار (ما) على «من» لمعنى التعجب، كما في قوله تعالى في سورة (آل عمران) رقم [٣٦]: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ أي: وضعت (ما) مكان: «من» لإفادة التعجب؛ لأن (ما) لغير العاقل، و «من» للعاقل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ﴾ أي: في شدة، وعناء من مكابدة الدنيا، وأصل الكبد: الشدة، ويقال: كابدت هذا الأمر؛ أي: قاسيت شدته. قال لبيد بن ربيعة-﵁: [المنسرح] يا عين هلاّ بكيت أربد إذ... قمنا وقام الخصوم في كبد قال يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وقيل: يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة. قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا، وشدّ رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام؛ الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع، والأحزان، ثم يكابد المعلم، وصولته، والمؤدب، وسياسته، والأستاذ، وهيبته، ثم يكابد شغل الترويج، والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم، والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر، والهرم، وضعف الركبة، والقدم في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغمّ الدّين، ووجع السنّ، وألم الأذن. ويكابد محنا في المال، والنفس، مثل الضرب، والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك في القبر، وضغطة القبر، وظلمته، ثم البعث، والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار، إما إلى الجنة، وإما إلى النار. انتهى. قرطبي. وعن ابن عباس-﵄-قال: الكبد: الاستواء، والاستقامة، فعلى هذا يكون المعنى: خلقنا الإنسان منتصبا، معتدل القامة، وكل شيء من الحيوان يمشي منكبا. وقيل: منتصبا في بطن أمه، فإذا أذن الله في خروجه، انقلب رأسه إلى أسفل. انتهى. خازن، والمعتمد الأول. الإعراب: ﴿لا:﴾ انظر الكلام عليها في الشرح. ﴿أُقْسِمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: «أنا». ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه مقحم بين الجار، والمجرور. ﴿الْبَلَدِ:﴾ صفة، أو بدل من اسم الإشارة. ﴿وَأَنْتَ:﴾ الواو: واو الاعتراض. (أنت): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿حِلٌّ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة بين الاسمين المتعاطفين، وقيل: هي في محل نصب حال من

стр. 7269

﴿الْبَلَدِ﴾. قاله أبو حيان، وغيره. ﴿بِهذَا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿حِلٌّ﴾. ﴿الْبَلَدِ:﴾ صفة، أو بدل، أو عطف بيان. ﴿وَوالِدٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (والد): معطوف على ﴿الْبَلَدِ﴾. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على ﴿الْبَلَدِ﴾ أيضا. ﴿وَلَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) والمفعول محذوف، وهو العائد، والجملة صلة: (ما) التقدير: والذي ولده. ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿فِي كَبَدٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقال أبو البقاء. متعلقان بمحذوف حال؛ أي: مكابدا. والجملة الفعلية جواب القسم الأول، واعتبار الواوين الأخيرين للعطف أولى من اعتبارهما للقسم؛ لاحتياج كل واحد منهما إلى جواب، ولا جواب إلا للأول، كما ترى في أول سور كثيرة. ومثل ذلك قول أبي صخر الهذلي-وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] أما والّذي أبكى وأضحك والّذي... أمات وأحيا والّذي أمره الأمر لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى... أليفين منها لا يروعهما الذّعر ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾ الشرح: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ..﴾. إلخ: قال الكلبي: نزلت الآية في رجل من بني جمح، كان يقال له: أبو الأشد، اسمه: أسيد بن كلدة بن جمح، كان شديدا قويا، يضع الأديم العكاظي تحت قديمه، ويقول: من أزالني عنه، فله كذا، وكذا! فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعا، ويبقى من ذلك الأديم بقدر موضع قدميه، وكان من أعداء النبي ﷺ ، وقد مات على كفره، وكذلك كان ركانة بن هاشم بن عبد المطلب مثلا في البأس، والشدة، وقد أسلم-﵁. وانظر شرح (يحسب) في الآية رقم [٣] من سورة (القيامة). ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ أي: كثيرا مجتمعا، أنفقته في وجوه الخير. وكان كاذبا؛ حيث أنفقه في عداوة النبي ﷺ وفي وجوه الشر، والطغيان، والفساد، والظلم، والعصيان، والسمعة، والرياء، وغير ذلك مما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم، ومعالي، ومفاخر. وقرئ ﴿لُبَداً﴾ بقراءات كثيرة، وهو من تلبّد الشّيء: إذا اجتمع. وانظر شرح الآية رقم [١٩] من سورة (الجن) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿أَيَحْسَبُ﴾ أي: الإنسان. ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ أي: بل علم الله- -ذلك منه، فكان كاذبا في قوله: أهلكته، وأنفقته في وجوه الخير. ومن حديث أبي هريرة-﵁-الذي

стр. 7270

خرجه مسلم، والنسائي، والترمذي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد... إلخ ورجل تعلم العلم، وعلمه... إلخ، ورجل وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به، فعرّفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها، إلاّ أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنّك فعلت ذلك؛ ليقال: هو جواد. فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه؛ حتّى ألقي في النّار». هذا الحديث مذكور بطوله في كتاب: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري، باب: الترهيب من الرياء. وعن معاذ بن جبل-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟». رواه البيهقي، والترمذي. وعن أنس بن مالك-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يجاء بابن آدم كأنه بذخ، فيوقف بين يدي الله، فيقول الله له: أعطيتك، وخوّلتك، وأنعمت عليك، فماذا صنعت؟ فيقول: يا ربّ! جمعته، وثمّرته، فتركته أكثر ما كان فأرجعني آتك به، فيقول له: أين ما قدمت؟ فيقول: يا ربّ جمعته، وثمرته، فتركته أكثر ما كان، فأرجعني آتك به، فإذا هو عبد لم يقدّم خيرا، فيمضى به إلى النّار». رواه الترمذي. الإعراب: ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (يحسب): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن محذوف، التقدير: أنه. ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَقْدِرَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: ﴿لَنْ﴾. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَحَدٌ:﴾ فاعل ﴿يَقْدِرَ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي الفعل (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الإنسان. ﴿أَهْلَكْتُ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿مالاً:﴾ مفعول به. ﴿لُبَداً:﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من فاعل (يحسب)، والرابط: الضمير فقط. ﴿أَيَحْسَبُ:﴾ الهمزة: حرف استفهام توبيخي. (يحسب): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل مخفف من الثقيلة، واسمه ضمير الشأن، التقدير: أنه. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَرَهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والهاء مفعول به، ﴿أَحَدٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿أَنْ،﴾ و ﴿أَنْ﴾ واسمها المحذوف، وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعولي (يحسب)، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وهي بمنزلة البدل مما قبلها.

стр. 7271

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ:﴾ يبصر بهما المرئيات، شققناهما؛ وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب، لا تزيد إحداهما على الأخرى شيئا، وقدرنا البياض، والسواد، والسمرة، والزرقة، وغير ذلك على ما ترون، وأودعنا البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها. وانظر شرح (العين) في سورة (الدهر) رقم [٦]. ﴿وَلِساناً:﴾ يترجم به عما في ضميره. ﴿وَشَفَتَيْنِ:﴾ يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق، والأكل، والشرب، والنفخ، وغير ذلك، وهما زينة الوجه، والفم، والمعنى: نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه، ونحصي عليه ما عمله. قال أبو حازم-﵁، وهو آخر الصحابة موتا: قال النبي ﷺ : «إن الله تعالى يقول: أي ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك؛ فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق. وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك؛ فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك؛ فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق». ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ يعني: الطريقين: طريق الخير، وطريق الشر؛ أي: بيناهما له بما أرسلناه من الرسل. والنجد: الطريق في ارتفاع. وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود-﵄ وغيرهما. وروى قتادة-رحمه الله تعالى-قال: ذكر لنا: أن النبي ﷺ كان يقول: «يا أيها الناس إنما هما النجدان، نجد الخير، ونجد الشرّ، فلم تجعل نجد الشر أحبّ إليك من نجد الخير؟». وروي عن عكرمة قال: النجدان: الثديان، وهو قول سعيد بن المسيب، والضحاك، وروي أيضا عن ابن عباس، وعلي-﵄؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه. والأول هو المعتمد. هذا؛ وأصل النجد: الطريق المرتفع، استعير كل منهما لسلوك طريق السعادة، وسلوك طريق الشقاوة. قال تعالى في سورة (الدهر) رقم [٣]: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ فالنجد: العلو، وجمعه: نجود، ونجد، وأنجد، وأنجاد، ونجاد، وجمع النجود: أنجدة، ومنه سميت نجد في الجزيرة العربية لارتفاعها عن انخفاض تهامة. قال امرؤ القيس: [الطويل] فريقان منهم جازع بطن نخلة... وآخر منهم قاطع نجد كبكب هذا؛ واستعارة الطريق المرتفع للخير لا غبار عليه، وهو ظاهر، ولكن كيف يستعار للشر، وهو هبوط، وارتكاس من ذروة الفطرة إلى حضيض الابتذال؟! والجواب: أنه جمع بينهما إما على سبيل التغليب، وإما على توهم المخيلة أن فيه صعودا، وهبوطا، وإسفافا. وهذه هي بلاغة القرآن، وروعته؛ التي أخرست الفصحاء، وأسكتت البلغاء. هذا؛ والشفة محذوفة اللام، أصلها: شفهة، بدليل تصغيرها على شفيهة، وجمعها: شفاه، ويقال: شفهات، وشفوات،

стр. 7272

والهاء أقيس، والواو أعم تشبيها بالسنوات، وشافهته: كلمته من غير واسطة. قال السمين: ولا تجمع بالألف، والتاء استغناء بتكسيرها عن تصحيحها. هذا؛ واللسان آلة النطق، كما هو معروف، ومعلوم، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله، وذلك بقوله : ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ الآية رقم [١٠٣] من سورة (النحل)، كما أطلقه العرب على كلمة السوء، كما في قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا وأطلقه العرب على القصيدة من الشعر كما في قول الشاعر: [المتقارب] أتتني لسان بني عامر... فجلّى أحاديثها عن بصر وقد يجعل كناية عن الكلمة الواحدة، كما في قول الأعشى؛ وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر: [البسيط] إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر قال الجوهري: يروى: من علو بضم الواو، وفتحها، وكسرها. أي: أتاني خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة، وقد أطلقه الله على القرآن بكامله كما رأيت. كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلت قدرته: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ الآية رقم [٥٠] من سورة (مريم) على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام. هذا؛ واللسان يؤنث، فيجمع على: ألسن كذراع، وأذرع، ويذكر فيجمع على: ألسنة، كحمار وأحمرة، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة. هذا؛ واللسان من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، وله في الخير مجال، وفي الشر ميدان، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه، ويكفه عن كل ما تخشى غائلته، وهو أعصى الأعضاء على الإنسان؛ لأنه لا تعب في إطلاقه، ولا مشقة في تحريكه. وقد تساهل الناس في الاحتراز على آفاته، والحذر من مصائده، وحبائله، لذلك حذرت الأحاديث الشريفة من شطحاته، وسقطاته؛ ليسلم للمسلم عرضه، وينجو من آثامه بدينه، فحذر الرسول ﷺ من الثرثرة، والتشدق، وحث على الصمت، والتعقل؛ لأن اللسان ترجمان، يعبر عن مستودعات الضمائر، ويخبر عن مكنونات السرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على ردّ شوارده، والأحاديث في ذلك كثيرة، أكتفي بما يلي: قال الرسول ﷺ لمعاذ-﵁: «أنت سالم ما سكت، فإذا تكلّمت؛ فعليك، أو لك». وعن عقبة بن عامر-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! ما النجاة؟ قال: «أمسك

стр. 7273

عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». رواه أبو داود، والترمذي. وعن عبد الله بن عمر-﵄. قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإنّ أبعد الناس من الله القلب القاسي». رواه الترمذي، والبيهقي. وعن أبي هريرة-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزلّ بها في النار أبعد ما بين المشرق، والمغرب». رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَجْعَلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿عَيْنَيْنِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ:﴾ معطوفان على ﴿عَيْنَيْنِ﴾ منصوبان مثله. ﴿وَهَدَيْناهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (هديناه): فعل، وفاعل، ومفعول به أول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿النَّجْدَيْنِ:﴾ مفعول به ثان، أو هو منصوب بنزع الخافض. ﴿فَلا اِقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ الشرح: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ:﴾ فهلا الذي أنفق ماله في عداوة النبي ﷺ ، هلا أنفقه فيما ينجيه يوم القيامة من عذاب الله، وسخطه. والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد. قال محيي السنة: ذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة. وقال صاحب الفرائد: هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله ألبتة، فلا بد من التكليف، وتحمّل المشقة، والذي توافقه النفس هو الافتخار، والمراءاة، والعقبة في الأصل: الطريق الصعب في الجبل، واقتحامها مجاوزتها، وقد استعيرت هنا للأعمال الصالحة؛ لأنها تصعب، وتشق على النفوس، ففيه استعارة تبعية. وعن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ بين أيديكم عقبة كؤودا، لا ينجو منها إلاّ كلّ مخفّ». رواه البزار بإسناد حسن، فالعقبة في هذا الحديث مستعارة لأهوال يوم القيامة، وأهمها: الجواز على الصراط. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يخرج رجل شيئا من الصّدقة؛ حتى يفكّ عنها لحيي سبعين شيطانا». أخرجه الإمام أحمد عن بريدة-﵁. هذا؛ وقال الفراء والزجاج: وذكر (لا) مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد (لا) مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع؛ حتى يعيدوها في كلام آخر، كقوله تعالى في سورة (القيامة) رقم [٣١]: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى،﴾ وقوله تعالى في كثير من السور: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله الآتي: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ﴾

стр. 7274

آمَنُوا قائما مقام التكرير، كأنه قال: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن. وقيل: هو جار مجرى الدعاء، كقوله: لا نجا، ولا سلم. هذا؛ وقيل: معنى ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ:﴾ فلم يقتحم العقبة، ومنه قول زهير في معلقته رقم [٤٠]: [الطويل] وكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها ولم يتقدّم أي: فلم يبدها، ولم يتقدم. وكذا قال المبرد، وأبو علي الفارسي: (لا) بمعنى: «لم». وقال ابن هشام في المغني: فإن (لا) فيه مكررة في المعنى؛ لأن المعنى: فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا؛ لأن ذلك تفسير للعقبة. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ أي: أي شيء العقبة تفخيما لشأنها، وتعظيما لقدرها. والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد كل عاقل يهمه أمر دينه، وآخرته. قال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-: بلغني: أن كل شيء في القرآن: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه. وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة-رحمه الله تعالى-: كل شيء قال فيه: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فإنه لم يخبر به. وانظر شرح (درى) في آخر سورة (الانفطار) تجد ما يسرك. ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ:﴾ فكها: خلاصها من الأسر. وقيل: من الرق. وقد رغب القرآن، وحثّ الرسول ﷺ على تحرير الرق. وخذ من ذلك ما يلي: فعن سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعتق رقبة مؤمنة؛ أعتق الله بكلّ إرب (عضو) منها إربا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليد اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج». فقال علي بن الحسين-﵄: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم، فقال علي بن الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفا، فلما قام بين يديه؛ قال: اذهب فأنت حرّ لوجه الله. أخرجه الشيخان، وغيرهما. وعند مسلم: أن هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم. وعن عمرو بن عبسة-﵁-أن النبي ﷺ قال: «من بنى مسجدا؛ ليذكر الله فيه؛ بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق نفسا مسلمة؛ كانت فديته من النار. ومن شاب شيبة في الإسلام؛ كانت له نورا يوم القيامة» أخرجه الإمام أحمد. وقال الرسول ﷺ : «من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث؛ أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم. ومن شاب شيبة في سبيل الله؛ كانت له نورا يوم القيامة. ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدوّ، أصاب، أو أخطأ؛ كان له عتق رقبة. ومن أعتق رقبة مؤمنة؛ أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار. ومن أعتق زوجين في سبيل الله؛ فإنّ للجنة ثمانية أبواب، يدخله الله من أيّ باب شاء منها». أخرجه الإمام أحمد.

стр. 7275

تنبيه: يطعن المستشرقون، والملحدون من أبناء المسلمين في الإسلام، وينعتونه بالقسوة، وبأنه عمل على تكديس الرق، وتكريسه، ويستدلون على ذلك بما كان عند الخلفاء، والأثرياء من العبيد والسراري الكثيرة، والجواب، بل والردّ المفحم لهم، والحجر الذي يلقى في حلوقهم: أن الإسلام لم يبتدع الرق، ولم يعمل على تشجيعه، وإنما جاء؛ والبشرية غارقة بمآسي الرقيق، فلو دعا الإسلام من أول نشأته إلى تحرير الرق؛ لنفر منه الأثرياء، وذوو الجاه، والسلطان. ولكنه عمل على تحرير الرقيق بشتى الوسائل، وفتح أبوابا كثيرة لتحريره، لم نجد ذلك في اليهودية، ولا في النصرانية، ولا في المجوسية، وغيرها من الدّيانات على ممر العصور، وقد جعل الإسلام تحرير الرقيق أول ما يجب في الكفارات لمن كان يملك رقيقا، أو قدر على شرائه، وذلك في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الجماع في رمضان، ونحو ذلك، كما حث على مكاتبة الرقيق؛ التي ذكرتها لك في سورة (النور). هذا بالإضافة إلى الترغيب في عتق الرقيق احتسابا لوجه الله. والأحاديث التي ذكرتها لك أكبر شاهد على ذلك، ولا يفوتني أن أذكر: أن الإسلام قد أمر سيد العبد أن يحسن معاملته، وأن يرفق به، وأن يتلطف بمخاطبته. وقد ذكرت نبذة عن ذلك في سورة (النور). الإعراب: ﴿فَلا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لا): حرف نفي، وذكرت في الشرح أنها بمعنى هلاّ. ﴿اِقْتَحَمَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿الْعَقَبَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، بل واعتراض. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿مَا الْعَقَبَةُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني، المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَكُّ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي فك، والجملة الاسمية تفسير ل: ﴿الْعَقَبَةَ،﴾ و ﴿فَكُّ﴾ مضاف، و ﴿رَقَبَةٍ﴾ مضاف إليه. من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: فكك رقبة. هذا؛ ويقرأ «(فكّ رقبة)» على أنه فعل ماض، فتكون الجملة فعلية مفسرة لما قبلها، كما يقرأ (أطعم) على أنه فعل ماض أيضا، وعليه فالجملة الفعلية بدل من قوله: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾. ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ الشرح: ﴿ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: مجاعة. والسغب: الجوع، والساغب: الجائع، وأنشد أبو عبيدة: [الطويل]

стр. 7276

فلو كنت جارا يا بن قيس بن عاصم... لما بتّ شبعانا وجارك ساغبا يريد فلو كنت جارا قائما بحق الجوار؛ لما حدث هذا؛ أي: شبعك، وجوع الجار. هذا؛ والمسغبة، والمقربة، والمتربة مفعلات من: سغب: إذا جاع، وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي، والمسغبة... إلخ: كل واحد منها مصدر ميمي على وزن: مفعلة. هذا؛ ووصف اليوم بذي مسغبة، كقولهم: همّ ناصب؛ أي: ذو نصب. هذا؛ وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل. وعن عمر بن الخطاب-﵁-قال: سئل رسول الله ﷺ : أي: الأعمال أفضل؟ قال: «إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت حاجة له». رواه الطبراني، وعن معاذ بن جبل-﵁-عن النبي ﷺ قال: «من أطعم مؤمنا حتّى يشبعه من سغب، أدخله الله بابا من أبواب الجنة، لا يدخله إلاّ من كان مثله». أخرجه الطبراني، وروي عنه ﷺ : أنه قال: «من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان». ﴿يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: قرابة. يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي. يخبرنا الله جلت قدرته أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله. وخذ ما يلي: فعن سلمان بن عامر-﵁-قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة، وصلة». أخرجه النسائي، والترمذي، وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما رجل أتاه ابن عمّه يسأله من فضله، فمنعه، منعه الله فضله يوم القيامة». أخرجه الطبراني. ومن قوله ﷺ : «أفضل الصدقة على ذي الرّحم الكاشح». وخذ قول زهير في معلقته رقم [٥١]. [الطويل] ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله... على قومه يستغن عنه ويذمم وعن سهل بن سعد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا». (وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما) رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كافل اليتيم له، أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنّة». (وأشار مالك بالسبابة والوسطى) رواه مسلم، ومالك، ومعنى «له»: بينه وبينه قرابة بأن يكون جدا، أو عما، أو أخا، أو نحو ذلك من الأقارب، أو يكون أبو المولود قد مات فتقوم الأم مقامه، أو ماتت الأم فيقوم أبوه في التربية مقامها، ومعنى «لغيره»: بأن يكون غريبا عن الكافل، فيحضنه ويكفله، ولا قرابة بينهما، وقد يكون ثوابه أكثر، وأجره أعظم بلا ريب، ولا شك. ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: لا شيء له؛ حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب، وترب: إذا افتقر. قال الهذلي: [الطويل]

стр. 7277

وكنّا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا... سفكنا دماء البدن في تربة الحال هذا؛ وفي المختار: وترب الشيء: أصابه التراب، وبابه: طرب، ومنه: ترب الرجل؛ أي: افتقر، كأنه لصق بالتراب. وتربت يداه: دعاء عليه؛ أي: لا أصاب خيرا. وأترب الرجل: استغنى، كأنه صار له من المال بقدر التراب، والمتربة المسكنة والفاقة، ومسكين ذو متربة؛ أي: لاصق بالتراب، والترب بالكسر اللدة، وجمعه أتراب، والتريبة واحدة الترائب، وهي عظام الصدر. انتهى. انظر سورة (الطارق) أقول: الترب بكسر التاء وسكون الراء المساوي لك في العمر. قال تعالى في جمعه على أتراب: ﴿عُرُباً أَتْراباً﴾ سورة (الواقعة) رقم [٣٧] وقال الشاعر، -وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط] لولا توقع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب خاتمة: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: وقيل في معنى الآية ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ من رق الذنوب بالتوبة؛ أي: النصوح، وبما يتكلفه العبد من العبادات، والطاعات؛ التي يصير بها إلى رضوان الله، والجنة، فهي الحرية الكبرى، ويتخلص بها من النار. انتهى. بتصرف. هذا؛ وذكرت لك أن اقتحام العقبة يحتاج إلى مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وخذ قول القائل: [الكامل] إني بليت بأربع يرمينني... بالنّبل قد نصبوا عليّ شراكا إبليس والدنيا ونفسي والهوى... من أين أرجو بينهنّ فكاكا؟ يا ربّ ساعدني بعفو إنني... أصبحت لا أرجو لهنّ سواكا الإعراب: ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِطْعامٌ:﴾ معطوف على ﴿فَكُّ﴾. وهو مصدر مثله، ففاعله محذوف، التقدير: أو إطعامك. ﴿فِي يَوْمٍ:﴾ متعلقان بالمصدر ﴿إِطْعامٌ﴾. هذا؛ ويستشهد به على إعمال المصدر مجردا من أل والإضافة. ﴿ذِي:﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذِي:﴾ مضاف، و ﴿مَسْغَبَةٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿يَتِيماً:﴾ مفعول به ل: ﴿إِطْعامٌ﴾. ﴿ذا:﴾ صفة ﴿يَتِيماً﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف، و ﴿مَقْرَبَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ المعنى: أن مقتحم العقبة إن كان مؤمنا تنفعه الأعمال والقرب المذكورة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ..﴾. إلخ، وإن لم يكن مؤمنا لا تنفعه هذه القرب، وإن اقتحمها،

стр. 7278

وذلك؛ لأن الكافر قد يطعم اليتيم، والمسكين، ويفك، أو يعين في فك الرقبة. وهذا؛ واقع في هذه الدنيا، ولكن لا ينفعه ذلك بدون إيمان بالله، وبالإسلام، وبمحمد ﷺ ؛ لأن شرط قبول العمل الصالح أن يكون مقرونا بالإيمان، والعكس صحيح، وهو أن الإيمان قد لا يجدي بدون عمل صالح، وكلاهما يسمى: احتراسا. وقد نوهت به كثيرا فيما مضى. هذا؛ وقد قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فإن من شرط قبول الطاعات الإيمان بالله، فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان. قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ الآية رقم [٥٤] من سورة (التوبة). وقالت عائشة-﵂: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: «لا! إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». انتهى. هذا؛ ومثل الآية قوله تعالى في سورة (طه) رقم [٨٢]: ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾. وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم آمن بمحمد ﷺ . وقد قال حكيم بن حزام-﵁-بعد أن أسلم: يا رسول الله! إنا كنا نتحنث بأعمال الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال ﷺ : «أسلمت على ما أسلفت من الخير». وقيل: إن ﴿ثُمَّ﴾ بمعنى الواو؛ أي: وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في المسغبة من الذين آمنوا. ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: وصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلايا، والمصائب، انظر شرح (الصبر) في الآية رقم [١٠] من سورة (المزمل)، ﴿وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: بالرحمة على الخلق، فإنهم إذا فعلوا ذلك؛ رحموا اليتيم، والمسكين. وخذ نبذة من أحاديث حبيب الحق، وسيد الخلق، الناطق بالصدق: فعن جرير بن عبد الله-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». رواه الشيخان وغيرهما. وعن عبد الله بن عمرو-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء». رواه أبو داود، والترمذي، وعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقيّ». رواه أبو داود، والترمذي. وعن ابن عباس-﵄-أن رجلا أضجع شاة، وهو يحدّ شفرته، فقال له النبي ﷺ : «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلاّ أحددت شفرتك قبل أن تضجعها». رواه الطبراني، والحاكم. وعن ابن سيرين: أن عمر-﵁-رأى رجلا يسحب شاة برجلها؛ ليذبحها، فقال له: ويلك! قدها إلى الموت قودا جميلا. ولا تنس الأحاديث؛ التي تحث على الرفق والرحمة بالعبيد والمستضعفين. ﴿أُولئِكَ﴾ يعني: أصحاب هذه الخصال الحميدة. ﴿أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وانظر ما ذكرته في سورة (الواقعة) رقم [٨] ففيها الكفاية.

стр. 7279

هذا؛ وأصل (تواصوا): (تواصى) فلما اتصل به واو الجماعة؛ صار (تواصاوا) فالتقى ساكنان: الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم تحرك الواو بالضمة لالتقائها ساكنة مع ما بعدها، مثل (رأوا الحق واضحا) ولم تحرك بالكسرة؛ لأن الكسرة لا تناسبها. وقيل: تحرك بالضم دون غيره، ليفرق بين الواو الأصلية، وبين واو الجماعة في نحو قولك (لو اجتهدت؛ لنجحت). وقيل: ضمت؛ لأن الضمة هنا أخف من الكسرة؛ لأنها من جنس الواو. وقيل: حركت بحركة الياء المحذوفة؛ لأن الأصل تواصيوا. وقيل: غير ذلك. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وبينهما كلام معترض لا محل له. وقد أفاد إفادة عظيمة، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿وَتَواصَوْا:﴾ الواو: حرف عطف. (تواصوا): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالصَّبْرِ:﴾ متعلقان بالفعل (تواصوا)، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والتي بعدها معطوفة عليها أيضا. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْمَيْمَنَةِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ الشرح: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا:﴾ آيات القرآن. ﴿هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي: الذين يأخذون كتبهم بشمائلهم. أو لأن منزلتهم عن الشمال. وانظر ما ذكرته في سورة (الواقعة)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وذكر الله المؤمنين باسم الإشارة تكريما لهم بأنهم حاضرون عنده تعالى في دار كرامته، وذكرهم بما يشار به للبعيد تعظيما لهم بالإشارة إلى علو درجتهم، وارتفاعها، وذكر الكافرين بضمير الغيبة إشارة إلى أنهم غيب عن مقام كرامته، وشرف الحضور عنده. انتهى. جمل نقلا من زاده. ولا تنس المقابلة بين ما ذكر في هذه الآية، وما ذكر في الآية السابقة. ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ:﴾ مطبقة، مغلقة. قال الشاعر: [الطويل] تحنّ إلى أجبال مكّة ناقتي... ومن دونها أبواب صنعاء موصدة وقيل: مبهمة، لا يدرى ما داخلها، فلا ضوء فيها، ولا فرج، ولا خروج منها آخر الأبد. وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة؛ أمر الله بكل جبار عنيد، وكل شيطان مريد، وكل

стр. 7280

من كان يخاف الناس شره في الدنيا، فأوثقوا بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم؛ أي: أطبقوها. قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا! ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا، ولا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدا. ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا! انتهى. مختصر ابن كثير. هذا؛ ويقرأ (مؤصدة) بهمز. وبدونه «(موصدة)» وهما لغتان، يقال: أصدت الباب، وأوصدته: إذا أغلقته، وأطبقته. وقيل: معنى المهموز: المطبقة، ومعنى غير المهموز: المغلقة. انتهى. خطيب. وفي السمين: والظاهر: أن القراءتين من مادتين: الأولى من: أصد يؤصد، كأكرم، يكرم. والثانية من: أوصد، يوصد كأوصل يوصل. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة. والجملة الفعلية مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِآياتِنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (نا): في محل جر بالإضافة. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْمَشْأَمَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَالَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها، أو هي مستأنفة، لا محل لها أيضا. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿نارٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿مُؤْصَدَةٌ:﴾ صفة ﴿نارٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر ثان، أو هي مستأنفة، لا محل لها، ويجوز اعتبار الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿نارٌ﴾ فاعل به، وهو الأحسن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (البلد) بعون الله وتوفيقه شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7281

سورة الشمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الشمس) وهي مكية باتفاق، وآياتها ست عشرة، وكلماتها أربع وخمسون، وحروفها مئتان وسبعة وأربعون. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧)﴾ الشرح: ﴿وَالشَّمْسِ..﴾. إلخ: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء المذكورة في هذه السورة لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته، والمعنى: أقسم بالشمس، وبهذه الأشياء. ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان -رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر فيها من عجائب صنع الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب الشمس، ورب القمر... إلخ. ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ أي: إذا بدا ضوءها. والضحى: حين ترتفع الشمس، ويصفو ضوءها. وقيل: الضحى: النهار كله؛ لأن الضحى هو نور الشمس، وهو حاصل في النهار كله. وهو ما قيل به في سورة (الضحى). وقيل: الضحى: هو حر الشمس؛ لأن حرها، ونورها متلازمان، فإذا اشتد نورها قوي حرها. وهذا أضعف الأقوال. انتهى. خازن. هذا؛ والضحاء بالفتح، والمد: إذا امتد النهار، وكاد ينتصف، وفي القرطبي: والضحى مؤنثة، يقال: ارتفعت الضحى فوق الضحو. وقد تذكر، فمن أنث ذهب إلى أنها جمع: ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنها اسم على فعل مثل: حرد، ونغر. هذا؛ ويقال: ضحي للشمس يضحى: إذا برز لها، وظهر. قال تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ ورأى ابن عمر رجلا يلبي؛ وقد أخفى صوته، فقال له: اضح لمن لبّيت له؛ أي: اظهر. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر

стр. 7282

﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ أي: تبعها، وذلك في النصف الأول من الشهر؛ إذا غربت الشمس؛ تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور. وقيل: تلاها في الاستدارة، وذلك حين يكمل ضوءه، ويستدير، وذلك في الليالي البيض. وقيل: ﴿تَلاها﴾ تبعها في الطلوع، وذلك في أول ليلة من الشهر إذا غربت الشمس ظهر الهلال، فكأنه تبعها. انتهى. خازن. هذا؛ والشمس، والقمر، والليل، والنهار من نعم الله العظيمة على العباد، وقد سخرهن الله لمصالحهم. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ..﴾. إلخ رقم [٣٣]. والمعنى: أن الله تعالى سخر الشمس، والقمر يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر. وقيل: يدأبان في سيرهما، وتأثيرهما في إزاحة الظلمة، وإصلاح النبات، والحيوان؛ لأن الشمس سلطان النهار، وبها تعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله ، وإنعامه على عباده. انتهى. خازن. هذا؛ وقال الصابوني في صفوة التفاسير: وحكمة القسم بالشمس: أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإذا ظهر الصبح، وبزغت الشمس؛ دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء، فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها. والشمس والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة. انتهى. نقلا من حاشية الصاوي. ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها:﴾ يعني جلّى ظلمة الليل بضيائه، وكشفها بنوره، وهو كناية عن غير مذكور لكونه معروفا. وفي السمين: والضمير المنصوب، إما للشمس، وإما للظلمة، وإما للأرض، ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل] تجلّت لنا كالشمس تحت غمامة... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٢٦]. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها:﴾ يغطي الشمس بظلمته، فيزيل ضوءها، فالنهار يجليها، ويظهرها، والليل يغطيها، ففي ذلك مقابلة ظاهرة، وبين الشمس والقمر، والليل والنهار طباق، وكلاهما من المحسنات البديعية. قال الخازن: وحاصل هذه الأقسام الأربعة ترجع إلى الشمس في الحقيقة؛ لأن بوجودها يكون النهار، ويشتد الضحى، وبغروبها يكون الليل، ويتبعها القمر. هذا؛ وقد جيء بالفعل هنا مضارعا دون ما قبله، وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتي به ماضيا؛ لكان التركيب: إذ غشيها، فتفاوت المناسبة اللفظية بين الفواصل، والمقاطع. بعد هذا فالليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على ليال كما في سورة (الفجر)، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من

стр. 7283

غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز] لولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر وفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الشمس، أو طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى الغروب، وقد يطلق عليهما اسم اليوم. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر] إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ أي: ومن بناها. قاله الحسن، ومجاهد. وهو اختيار الطبري. أي: ومن خلقها ورفعها، وهو الله تعالى. ومثله ما بعده. وانظر ما ذكرته في سورة (البلد) رقم [٣]. وقيل: (ما) مصدرية، التقدير: وبنائها، وطحوها؛ أي: بسطها، وتسوية خلقها في أحسن صورة. قال النسفي: وليس بالوجه، لقوله: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ لما فيه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على «من» لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. وقال البيضاوي: وجعل (ما) مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل، ويخل بنظمه. وكلاهما اقتبس قوله من الكشاف. هذا؛ وحكي عن أهل الحجاز قولهم: سبحان ما سبحت له؛ أي: سبحان من سبحت له، وقولهم: سبحان ما سخركن لنا؛ أي: من سخركن لنا. ﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها:﴾ هذا مثل ﴿دَحاها﴾ في سورة (النازعات) رقم [٣٠] فالكلام فيها واف كاف. هذا؛ والطحو: البسط. يقال: طحا، يطحو طحوا، وطحى، يطحى طحيا. وقيل: طحاها: خلقها. قال الشاعر: [الوافر] وما تدري جذيمة من طحاها... ولا من ساكن العرش الرّفيع وقال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟! ويقال: طحا به قلبه: إذا ذهب به في كل شيء. قال علقمة الفحل: [الطويل] طحا بك قلب في الحسان طروب... بعيد الشّباب عصر حان مشيب ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها:﴾ سوى خلقها، وعدله، هذا إن أريد بالنفس الجسد، كما في سورة (الانفطار) رقم [٧] وإن أريد بها المعنى القائم بالجسد، فيكون معنى ﴿سَوّاها﴾ أعطاها القوى الكثيرة، كالقوة الناطقة، والسامعة، والباصرة، والمفكرة، والمخيلة، وغير ذلك من العلم والفهم. والله أعلم. الإعراب: ﴿وَالشَّمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿وَضُحاها:﴾ الواو: حرف عطف. (ضحاها): معطوف على (الشمس) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة

стр. 7284

على الألف للتعذر. ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ معطوف أيضا. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب. وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالقمر وقت تلوه الشمس. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و ﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من القمر؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان تلوه الشمس، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن القمر جثة، والزمان لا يكون حالا منها، كما لا يكون خبرا عنها، والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالقمر، ونحوه القطعة؛ أي: الضوء منه، وعن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل نفس (القمر) ونحوه إذا أريد به الضوء. قاله أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأن الضوء ونحوه لا يعمل في الظرف إذا أريد به الجمود، وقد يقال: إن القمر بمعنى المضيء، كأنه قيل: والقمر المضيء في هذا الوقت. انتهى. جمل من سورة (النجم). هذا؛ وقال الجلال: و ﴿إِذا﴾ في الثلاثة لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم. قال المرحوم سليمان الجمل معلقا على قوله: استشكل بأن فعل القسم إنشاء، وزمانه الحال، فلا يعمل في ﴿إِذا؛﴾ لأنها للاستقبال، وإلا لزم اختلاف العامل، والمعمول في الزمان، وهو محال. وأجيب بأنه يجوز أن يقسم الآن بطلوع الشمس في المستقبل، فالقسم في الحال، والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم بالشيء المستقبل، كما تقول: أقسم بالله إذا طلعت الشمس، فالقسم متحتم عند طلوع الشمس، وإنما يكون فعل القسم للحال إذا لم يكن معلقا على شرط. انتهى. نقلا عن كرخي. ﴿تَلاها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (القمر)، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ هذا الكلام كله معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وقد رأيت الأقوال في (ما) فعلى اعتبارها بمعنى «من»، أو «الذي» مبنية على السكون في محل جر معطوفة على ما قبلها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر معطوف على ما قبله. تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الأمر في نصب ﴿إِذا﴾ معضل؛ لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة، فتنصب بها، وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو، وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل، وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطّرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل، وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة

стр. 7285

مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكنّ عوامل على الفعل والجارّ جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع الواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملها. انتهى. كشاف، وخذ قول النسفي الملخص من الكشاف لعله أوضح. فقال-رحمه الله تعالى-: والواو الأولى في نحو هذا للقسم بالاتفاق، وكذا الثانية عند البعض. وعند الخليل الثانية للعطف؛ لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنّك لو جعلت موضعها الفاء، أو ثم لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف، فكذا الواو. ومن قال: إنها للقسم؛ احتج بأنها لو كانت للعطف؛ لكان عطفا على عاملين؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ مثلا مجرورا بواو القسم، و ﴿إِذا يَغْشى﴾ منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو في ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ للعطف؛ لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و ﴿إِذا تَجَلّى﴾ على ﴿إِذا يَغْشى﴾ نصبا، فصار كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا. وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء، والفعل؛ حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصارت كأنها العاملة نصبا، وجرا، وصارت كعامل واحد، له عملان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب، لقيامها مقام: ضرب الذي هو عاملهما، فكذا هنا. انتهى. هذا؛ وخذ قول الأعور الشني، وهو الشاهد رقم [٨٧٧/ ٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» فإن الكلام فيه مثل ما قال الزمخشري، والنسفي، رحمهما الله تعالى. [المتقارب] هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠)﴾ الشرح: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها:﴾ الفاعل يعود إلى الله، ولم يتقدم له ذكر لفهمه من المقام، انظر الآية رقم [٢٦] من سورة (القيامة) وإن اعتبرت المقسم به في الآيات السابقة مضمر مقدر: ورب الشمس... إلخ؛ فالفاعل عائد إليه، والضمير المنصوب، أو المجرور بالإضافة عائد إلى النفس. وقال ابن عباس-﵄-في معنى الآية: بين لها الخير، والشر، وعنه: علمها الطاعة، والمعصية، وعنه: عرفها ما تأتي، وما تتقي. وعن محمد بن كعب القرظي؛ قال: إذا أراد الله بعبده خيرا؛ ألهمه الخير، فعمل به، وإذا أراد به السوء؛ ألهمه الشر، فعمل به. وقال الفراء: عرفها طريق الخير، وطريق الشر، كما قال تعالى في سورة (البلد): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وروي عن أبي هريرة-﵁. قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ فقال: «اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها».
следующие страницы →