Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
سورة الشمس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (الشمس) وهي مكية باتفاق، وآياتها ست عشرة، وكلماتها أربع وخمسون، وحروفها مئتان وسبعة وأربعون. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧)﴾
الشرح: ﴿وَالشَّمْسِ..﴾. إلخ: أقسم الله تعالى بهذه الأشياء المذكورة في هذه السورة لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته، وقدرته، والمعنى: أقسم بالشمس، وبهذه الأشياء. ومثل هذا كثير في أوائل السور، وأثنائها. قال الشعبي-رحمه الله تعالى-: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي أن يقسم إلا بالخالق. وقال أبو حيان -رحمه الله تعالى-: أقسم الله بهذه الأشياء تشريفا لها، وتنبيها على ما يظهر فيها من عجائب صنع الله، وقدرته، وقوام الوجود بإيجادها. وقيل: فيه مضمر، تقديره: ورب الشمس، ورب القمر... إلخ.
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ أي: إذا بدا ضوءها. والضحى: حين ترتفع الشمس، ويصفو ضوءها.
وقيل: الضحى: النهار كله؛ لأن الضحى هو نور الشمس، وهو حاصل في النهار كله. وهو ما قيل به في سورة (الضحى). وقيل: الضحى: هو حر الشمس؛ لأن حرها، ونورها متلازمان، فإذا اشتد نورها قوي حرها. وهذا أضعف الأقوال. انتهى. خازن. هذا؛ والضحاء بالفتح، والمد: إذا امتد النهار، وكاد ينتصف، وفي القرطبي: والضحى مؤنثة، يقال: ارتفعت الضحى فوق الضحو. وقد تذكر، فمن أنث ذهب إلى أنها جمع: ضحوة، ومن ذكّر ذهب إلى أنها اسم على فعل مثل: حرد، ونغر. هذا؛ ويقال: ضحي للشمس يضحى: إذا برز لها، وظهر. قال تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ ورأى ابن عمر رجلا يلبي؛ وقد أخفى صوته، فقال له:
اضح لمن لبّيت له؛ أي: اظهر. قال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل]
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر
стр. 7282
﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ أي: تبعها، وذلك في النصف الأول من الشهر؛ إذا غربت الشمس؛ تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور. وقيل: تلاها في الاستدارة، وذلك حين يكمل ضوءه، ويستدير، وذلك في الليالي البيض. وقيل: ﴿تَلاها﴾ تبعها في الطلوع، وذلك في أول ليلة من الشهر إذا غربت الشمس ظهر الهلال، فكأنه تبعها. انتهى. خازن. هذا؛ والشمس، والقمر، والليل، والنهار من نعم الله العظيمة على العباد، وقد سخرهن الله لمصالحهم. قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ..﴾. إلخ رقم [٣٣].
والمعنى: أن الله تعالى سخر الشمس، والقمر يجريان دائما فيما يعود إلى مصالح العباد لا يفتران إلى آخر الدهر. وقيل: يدأبان في سيرهما، وتأثيرهما في إزاحة الظلمة، وإصلاح النبات، والحيوان؛ لأن الشمس سلطان النهار، وبها تعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل، وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله ، وإنعامه على عباده. انتهى. خازن.
هذا؛ وقال الصابوني في صفوة التفاسير: وحكمة القسم بالشمس: أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإذا ظهر الصبح، وبزغت الشمس؛ دبت فيهم الحياة، وصار الأموات أحياء، فانتشروا لأعمالهم وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها. والشمس والقمر مخلوقان لمصالح البشر، والقسم بهما للتنبيه على ما فيهما من المنافع العظيمة. انتهى. نقلا من حاشية الصاوي.
﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها:﴾ يعني جلّى ظلمة الليل بضيائه، وكشفها بنوره، وهو كناية عن غير مذكور لكونه معروفا. وفي السمين: والضمير المنصوب، إما للشمس، وإما للظلمة، وإما للأرض، ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل]
تجلّت لنا كالشمس تحت غمامة... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب
وانظر ما ذكرته في سورة (القيامة) رقم [٢٦].
﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها:﴾ يغطي الشمس بظلمته، فيزيل ضوءها، فالنهار يجليها، ويظهرها، والليل يغطيها، ففي ذلك مقابلة ظاهرة، وبين الشمس والقمر، والليل والنهار طباق، وكلاهما من المحسنات البديعية. قال الخازن: وحاصل هذه الأقسام الأربعة ترجع إلى الشمس في الحقيقة؛ لأن بوجودها يكون النهار، ويشتد الضحى، وبغروبها يكون الليل، ويتبعها القمر.
هذا؛ وقد جيء بالفعل هنا مضارعا دون ما قبله، وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتي به ماضيا؛ لكان التركيب: إذ غشيها، فتفاوت المناسبة اللفظية بين الفواصل، والمقاطع.
بعد هذا فالليل واحد بمعنى الجمع، واحدته: ليلة، مثل: تمر، وتمرة، وقد جمع على ليال كما في سورة (الفجر)، فزادوا فيه الياء على غير قياس، ونظيره: أهل، وأهال، والليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، وهو أحد قولين في اللغة، والقول الآخر من
стр. 7283
غروبها إلى طلوعها. هذا؛ والنهار ضد الليل، وهو لا يجمع كما لا يجمع العذاب، والسراب، فإن جمعته قلت في الكثير: نهر بضمتين، كسحاب، وسحب، وأنشد ابن كيسان: [الرجز]
لولا الثريدان لمتنا بالضّمر... ثريد ليل وثريد بالنّهر
وفي القليل: أنهر، والنهار من طلوع الشمس، أو طلوع الفجر على ما تقدم في نهاية الليل إلى الغروب، وقد يطلق عليهما اسم اليوم. هذا؛ والليل يطلق على الحبارى، أو على فرخها، وفرخ الكروان، والنهار يطلق على فرخ القطا. انتهى. قاموس، وقد ألغز بعضهم بقوله: [الوافر]
إذا شهر الصّيام إليك وافى... فكل ما شئت ليلا أو نهارا
﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ أي: ومن بناها. قاله الحسن، ومجاهد. وهو اختيار الطبري. أي: ومن خلقها ورفعها، وهو الله تعالى. ومثله ما بعده. وانظر ما ذكرته في سورة (البلد) رقم [٣]. وقيل: (ما) مصدرية، التقدير: وبنائها، وطحوها؛ أي: بسطها، وتسوية خلقها في أحسن صورة. قال النسفي:
وليس بالوجه، لقوله: ﴿فَأَلْهَمَها﴾ لما فيه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على «من» لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها. وقال البيضاوي: وجعل (ما) مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل، ويخل بنظمه. وكلاهما اقتبس قوله من الكشاف. هذا؛ وحكي عن أهل الحجاز قولهم: سبحان ما سبحت له؛ أي: سبحان من سبحت له، وقولهم: سبحان ما سخركن لنا؛ أي: من سخركن لنا.
﴿وَالْأَرْضِ وَما طَحاها:﴾ هذا مثل ﴿دَحاها﴾ في سورة (النازعات) رقم [٣٠] فالكلام فيها واف كاف. هذا؛ والطحو: البسط. يقال: طحا، يطحو طحوا، وطحى، يطحى طحيا. وقيل:
طحاها: خلقها. قال الشاعر: [الوافر]
وما تدري جذيمة من طحاها... ولا من ساكن العرش الرّفيع
وقال أبو عمرو: طحا الرجل: إذا ذهب في الأرض، يقال: ما أدري أين طحا؟! ويقال:
طحا به قلبه: إذا ذهب به في كل شيء. قال علقمة الفحل: [الطويل]
طحا بك قلب في الحسان طروب... بعيد الشّباب عصر حان مشيب
﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها:﴾ سوى خلقها، وعدله، هذا إن أريد بالنفس الجسد، كما في سورة (الانفطار) رقم [٧] وإن أريد بها المعنى القائم بالجسد، فيكون معنى ﴿سَوّاها﴾ أعطاها القوى الكثيرة، كالقوة الناطقة، والسامعة، والباصرة، والمفكرة، والمخيلة، وغير ذلك من العلم والفهم. والله أعلم.
الإعراب: ﴿وَالشَّمْسِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. ﴿وَضُحاها:﴾
الواو: حرف عطف. (ضحاها): معطوف على (الشمس) مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة
стр. 7284
على الألف للتعذر. ﴿وَالْقَمَرِ:﴾ معطوف أيضا. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب. وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد منها إشكال: أحد الأوجه: أنه متعلق بفعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالقمر وقت تلوه الشمس. قاله أبو البقاء، وغيره، وهو مشكل، فإن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، و ﴿إِذا﴾ لما يستقبل من الزمان، فكيف يتلاقيان؟! الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من القمر؛ أي: أقسم به حال كونه مستقرا في زمان تلوه الشمس، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن القمر جثة، والزمان لا يكون حالا منها، كما لا يكون خبرا عنها، والثاني: أن ﴿إِذا﴾ للمستقبل، فكيف يكون حالا، وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالقمر، ونحوه القطعة؛ أي: الضوء منه، وعن الثاني بأنها حال مقدرة.
الثالث: أن العامل نفس (القمر) ونحوه إذا أريد به الضوء. قاله أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأن الضوء ونحوه لا يعمل في الظرف إذا أريد به الجمود، وقد يقال: إن القمر بمعنى المضيء، كأنه قيل:
والقمر المضيء في هذا الوقت. انتهى. جمل من سورة (النجم).
هذا؛ وقال الجلال: و ﴿إِذا﴾ في الثلاثة لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم. قال المرحوم سليمان الجمل معلقا على قوله: استشكل بأن فعل القسم إنشاء، وزمانه الحال، فلا يعمل في ﴿إِذا؛﴾ لأنها للاستقبال، وإلا لزم اختلاف العامل، والمعمول في الزمان، وهو محال. وأجيب بأنه يجوز أن يقسم الآن بطلوع الشمس في المستقبل، فالقسم في الحال، والطلوع في المستقبل، ويجوز أن يقسم بالشيء المستقبل، كما تقول: أقسم بالله إذا طلعت الشمس، فالقسم متحتم عند طلوع الشمس، وإنما يكون فعل القسم للحال إذا لم يكن معلقا على شرط. انتهى. نقلا عن كرخي.
﴿تَلاها:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (القمر)، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوّاها﴾ هذا الكلام كله معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه، وقد رأيت الأقوال في (ما) فعلى اعتبارها بمعنى «من»، أو «الذي» مبنية على السكون في محل جر معطوفة على ما قبلها، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر في محل جر معطوف على ما قبله.
تنبيه: قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: الأمر في نصب ﴿إِذا﴾ معضل؛ لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة، فتنصب بها، وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو، وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل، وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه: أن واو القسم مطّرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل، وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام الفعل، والباء سادة
стр. 7285
مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكنّ عوامل على الفعل والجارّ جميعا، كما تقول: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع الواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملها. انتهى. كشاف، وخذ قول النسفي الملخص من الكشاف لعله أوضح.
فقال-رحمه الله تعالى-: والواو الأولى في نحو هذا للقسم بالاتفاق، وكذا الثانية عند البعض. وعند الخليل الثانية للعطف؛ لأن إدخال القسم على القسم قبل تمام الأول لا يجوز، ألا ترى: أنّك لو جعلت موضعها الفاء، أو ثم لكان المعنى على حاله، وهما حرفا عطف، فكذا الواو. ومن قال: إنها للقسم؛ احتج بأنها لو كانت للعطف؛ لكان عطفا على عاملين؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّيْلِ﴾ مثلا مجرورا بواو القسم، و ﴿إِذا يَغْشى﴾ منصوب بالفعل المقدر الذي هو أقسم، فلو جعلت الواو في ﴿وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى﴾ للعطف؛ لكان النهار معطوفا على الليل جرا، و ﴿إِذا تَجَلّى﴾ على ﴿إِذا يَغْشى﴾ نصبا، فصار كقولك: إن في الدار زيدا، والحجرة عمرا. وأجيب بأن واو القسم تنزلت منزلة الباء، والفعل؛ حتى لم يجز إبراز الفعل معها، فصارت كأنها العاملة نصبا، وجرا، وصارت كعامل واحد، له عملان، وكل عامل له عملان يجوز أن يعطف على معموليه بعاطف واحد بالاتفاق، نحو: ضرب زيد عمرا، وبكر خالدا، فترفع بالواو وتنصب، لقيامها مقام: ضرب الذي هو عاملهما، فكذا هنا. انتهى. هذا؛ وخذ قول الأعور الشني، وهو الشاهد رقم [٨٧٧/ ٢٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» فإن الكلام فيه مثل ما قال الزمخشري، والنسفي، رحمهما الله تعالى. [المتقارب]
هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّها... ولا قاصر عنك مأمورها
﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها (١٠)﴾
الشرح: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها:﴾ الفاعل يعود إلى الله، ولم يتقدم له ذكر لفهمه من المقام، انظر الآية رقم [٢٦] من سورة (القيامة) وإن اعتبرت المقسم به في الآيات السابقة مضمر مقدر:
ورب الشمس... إلخ؛ فالفاعل عائد إليه، والضمير المنصوب، أو المجرور بالإضافة عائد إلى النفس. وقال ابن عباس-﵄-في معنى الآية: بين لها الخير، والشر، وعنه:
علمها الطاعة، والمعصية، وعنه: عرفها ما تأتي، وما تتقي. وعن محمد بن كعب القرظي؛ قال: إذا أراد الله بعبده خيرا؛ ألهمه الخير، فعمل به، وإذا أراد به السوء؛ ألهمه الشر، فعمل به. وقال الفراء: عرفها طريق الخير، وطريق الشر، كما قال تعالى في سورة (البلد):
﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وروي عن أبي هريرة-﵁. قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ فقال: «اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها».
стр. 7286
هذا؛ والإلهام في اللغة: إلقاء الشيء في الروع. قال الراغب: ويختص بما يكون من جهته تعالى، وجهة الملأ الأعلى. وفي الاصطلاح: إلقاء معنى في القلب بطريق الفيض من غير كسب، فيختص بالخير لعدم إطلاق الفيض على الشر، بل يطلق عليه اسم الوسوسة. هذا؛ وقد ذكرت لك في سورة (النحل) وسورة (القصص) أن إيحاء الله للنحلة، ولأم موسى إنما هو إلها. هذا؛ والفجور:
الخروج عن جادة الحق، والصواب. والفاجر: هو الذي يرتكب الأمور الفاحشة، ولا يتورع عن الأعمال الشريرة. والتقوى: حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه.
وخذ قول توبة بن الحمير-وهو الشاهد رقم [٩٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» - [الطويل]
وقد زعمت ليلى بأنّي فاجر... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
هذا؛ وعن أبي الأسود الدؤلي-رحمه الله تعالى-قال: قال لي عمران بن حصين-﵁: أرأيت ما يعمل الناس، ويكدحون فيه؛ أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق؟ أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ ، وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت: بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ظلما؟ قال: ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله، وملك يده، فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأختبر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه؛ أشيء قضي عليهم، ومضى عليهم من قدر قد سبق؟! أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم ﷺ ، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: «لا بل شيء قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها»﴾. أخرجه مسلم. وعن جابر بن عبد الله-﵄-قال: جاء سراقة بن مالك المدلجي-﵁-فقال: يا رسول الله! بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن. فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت الأقلام، وجرت به المقادير». قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له». أخرجه مسلم.
انتهى. خازن، ومثله في القرطبي.
أقول: وهذا أعظم دليل لأهل السنة على أن العبد لا يخلق أفعال نفسه، وإنما يخلقها الله فيه بتوفيقه لأداء الطاعات، واجتناب السيئات. وفيه ردع، وزجر للمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه، وقد صفع ابن المنير الزمخشري صفعتين بكلتا يديه حيث حاول التملص من صريح الآيتين، وأخذ يحوّر معناهما، ويتأول مغزاهما حسب مذهبه الاعتزالي، فجزى الله ابن المنير خير الجزاء على ذلك.
﴿قَدْ أَفْلَحَ:﴾ فاز، ونجا. ﴿مَنْ زَكّاها﴾ أي: طهّر نفسه من الذنوب، والمعاصي، وزكاها بالأعمال الصالحة، والعلم، والمعرفة، والعمل الصالح. وهذا على عود الفاعل إلى ﴿مَنْ﴾ وعلى عوده إلى (الله) فبتوفيق الله للطاعة، وبصرفه له عن المعاصي، والذنوب. ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ﴾
стр. 7287
دَسّاها: خاب، وخسر من دنس نفسه بالذنوب، والمعاصي، وأفسدها بالسيئات، والمنكرات، وأصله من: دسّ الشيء: إذا أخفاه، والعاصي يحاول إخفاء عصيانه، والمجرم يحاول إخفاء إجرامه. قال الجلال: وأصله: دسّسها، أبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا. وقال الجمل: مأخوذ من التدسيس، وهو إخفاء الشيء في الشيء. والمعنى: أخمدها، وأخفى مكانتها بالكفر، والمعصية. انتهى. نقلا من الخطيب.
وعن زيد بن أرقم-﵁-قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ من العجز، والكسل، والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها، أنت خير من زكّاها، أنت وليّها، ومولاها. اللهمّ إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». أخرجه مسلم.
الإعراب: ﴿فَأَلْهَمَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (ألهمها): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله) تقديره: «هو»، والهاء مفعول به أول. ﴿فُجُورَها:﴾ مفعول به ثان. (تقواها): معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فلها حكمه. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَفْلَحَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل.
﴿زَكّاها:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر و (ها): مفعول به، والفاعل مستتر تقديره: «هو». انظر الشرح لعوده على (الله) أو على ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم في أول السورة وما عطف عليه، وحذفت اللام منه لطول الكلام؛ إذ الأصل: لقد أفلح... إلخ.
وقيل: الجواب محذوف، التقدير: لتبعثن. وقدره الزمخشري بقوله: ليدمدمن الله على كفار مكة؛ لتكذيبهم رسول الله ﷺ ، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحا، وتبعه البيضاوي، والنسفي على ذلك، وجملة: ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقاها (١٢)﴾
الشرح: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها:﴾ بطغيانها، وهو خروجها عن الحد في العصيان. وقيل:
هو مصدر، وخرج على هذا المخرج؛ لأنه أشكل برؤوس الآي، فهو كالرجعى، والحسنى، وشبههما من المصادر، والواو مبدلة من ياء، مثل: التقوى، وهذا إن كان من: طغى، يطغى، وأما إن كان من: طغى يطغو، فالواو أصلية. وقد قرئ بضم الطاء، وفتحها. وقيل: هما لغتان.
﴿إِذِ انْبَعَثَ:﴾ قام، ونهض، وأسرع. ﴿أَشْقاها:﴾ أشقى قبيلة ثمود، وهو قدار بن سالف، أو هو ومن مالأه على قتل الناقة. قال تعالى في سورة (القمر) رقم [٢٩]: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ وقد ذكرت قصة قوم ثمود مفصلة في سورة (الأعراف)، و (هود) و (الشعراء)، وفي سورة (القمر)، وفي سورة (الفجر) مختصرة.
стр. 7288
الإعراب: ﴿كَذَّبَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، ﴿ثَمُودُ:﴾ فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿بِطَغْواها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذِ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿كَذَّبَتْ﴾ أو بالمصدر قبله. ﴿اِنْبَعَثَ:﴾ فعل ماض، ﴿أَشْقاها:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذِ﴾ إليها.
﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣)﴾
الشرح: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ﴾ أي: نبيهم صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿ناقَةَ اللهِ﴾ أي: ذروا ناقة الله، وابتعدوا عنها، لا تؤذوها! وإنما قال لهم ذلك لما عرف منهم: أنهم قد عزموا على عقرها. وإنما أضافها إلى الله تعالى لتشريفها، كبيت الله.
﴿وَسُقْياها﴾ أي: وشربها، وذروا شربها، ولا تتعرضوا للماء في يوم شربها! وهذا التحذير من صالح لقومه ورد في سورة (هود) رقم [٦٤]: ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ وفي سورة (الأعراف) رقم [٧٢].
هذا؛ ولقد كانت هذه الآية المعجزة برهانا ساطعا، وحجة واضحة على صدق نبي الله صالح على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، كما كانت بطلب منهم؛ حيث وعدوه باتباعه، والإيمان به إن هو شقّ لهم الصخر، وأخرج منه ناقة عشراء. وأشاروا إلى صخرة عظيمة، ووصفوا الناقة بأوصاف معلومة، وأعطوه العهود، والمواثيق على الإيمان بالله، فقام إلى مصلاه، فصلى، ودعا الله أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأجاب الله دعاءه، وحقق رجاءه، فانشقت الصخرة عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب، فلما عاينوها؛ رأوا أمرا عظيما، ومنظرا هائلا، وقدرة باهرة، ودليلا ساطعا، فآمن بعضهم، واستمر أكثرهم على الكفر، والضلال، والعناد. قال تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٥٩]: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾.
هذا؛ ولقد كان لهذه الناقة بعض الأمور العجيبة الغريبة؛ التي تدل بحق على صدق صالح، عليه الصلاة، والسّلام، وعلى أنها آية من عند الله تعالى، منها: أنها خرجت من الصخر، وهو حجر أصم من الجماد، فكيف يخرج منه الحيوان؟ ومنها: أنها كانت تشرب ماء القبيلة بأجمعه في يوم شربها، وتعطيهم من الحليب بقدر الماء الذي شربته. قال تعالى في سورة (الشعراء) رقم [١٥٥]: ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. انتهى. بتصرف كبير من النبوة والأنبياء.
وانظر الآية رقم [٤٨] و [٤٩] من سورة (النمل) تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿فَقالَ:﴾ الفاء: حرف عطف، (قال): فعل ماض. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رَسُولُ:﴾ فاعل (قال)، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿ناقَةَ:﴾
стр. 7289
منصوب على التحذير بفعل محذوف، التقدير: احذروا الناقة، و ﴿ناقَةَ:﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَسُقْياها:﴾ الواو: حرف عطف. (سقياها): معطوف على ﴿ناقَةَ﴾ منصوب مثله... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾
الشرح: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: كذبوا نبي الله صالحا في قوله: إنكم تعذبون؛ إن عقرتم الناقة؛ ولم تؤمنوا بالله. ﴿فَعَقَرُوها﴾ أي: عقرها الأشقى، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله. وقال قتادة: ذكر لنا: أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم، وكبيرهم، وذكرهم، وأنثاهم. والذي باشر العقر اسمه: قدار بوزن غراب ابن سالف، ويضرب به المثل، فيقال: أشأم من قدار، وهو أشقى الأولين، وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا. وروى الضحاك عن علي-﵁-أن النبي ﷺ قال: «أتدري من أشقى الأولين؟». قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «عاقر الناقة». قال: «أتدري من أشقى الآخرين؟». قلت: الله ورسوله أعلم! قال: «قاتلك». وكان عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي، لعنه الله تعالى! وهناك من يقدسه، ويعظمه! هذا؛ والعقر: الجرح. وعقر البعير، والفرس بالسيف فانعقر. أي: ضرب به قوائمه. وبابه: ضرب. انتهى. مختار. انظر الآية رقم [٦٥] من سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام تجد ما يسرك.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ أي: أهلكهم، وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر، والتكذيب، والعقر. وحقيقة الدمدمة: تضعيف العذاب، وترديده، والدمدمة إهلاك باستئصال، من غير إبقاء أحد حيا. ﴿فَسَوّاها:﴾ فسوى الدمدمة عليهم جميعا، وعمّهم بها.
وقيل: فسوى بين الأمة، وأنزل بصغيرهم، وكبيرهم، وغنيهم، وفقيرهم العذاب. وقيل: سوى عليهم الأرض، فجعلهم تحت التراب. ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أي: لا يخاف الله تبعة من أحد في هلاكهم. كذا قال ابن عباس-﵄. وقال السدي، والضحاك، والكلبي: ترجع إلى العاقر؛ أي: لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع. وعليه ففي الكلام تقديم، وتأخير، مجازه: إذ انبعث أشقاها، ولا يخاف عقباها. وقيل: لا يخاف رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله تعالى حين أهلكهم، ولم يؤذه أحد منهم. هذا؛ وفي الجملة استعارة تمثيلية لإهانتهم، وأنهم أذلاء عند الله.
هذا؛ و (العقبى) جزاء الأمور، وآخر كل شيء، و (العقبى): الآخرة، وفي سورة (الرعد):
﴿أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ﴾. هذه في حق أولي الألباب الموصوفين بصفات ثمانية. و ﴿وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ ولفظ (العاقبة) ذكر في كثير من الآيات القرآنية.
стр. 7290
الإعراب: ﴿فَكَذَّبُوهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (كذبوه): فعل ماض، وفاعله ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا، والتي بعدها مثلها. ﴿فَدَمْدَمَ:﴾
الفاء: حرف عطف. (دمدم): فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
﴿رَبُّهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا. ﴿بِذَنْبِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَسَوّاها:﴾ الفاء: حرف عطف. (سواها): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّهُمْ،﴾ و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل له أيضا. ﴿وَلا:﴾ الواو: واو الحال. (لا):
نافية. ﴿يَخافُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّهُمْ﴾. ﴿عُقْباها:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و (ها): في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل (سواها) المستتر، والرابط: الواو، والضمير، وهذا على عود الضمير إلى ﴿رَبُّهُمْ،﴾ وأما على عوده على «العاقر» أو على «الرسول» فالجملة مستأنفة بلا ريب. هذا؛ ويقرأ بالفاء: «(فلا)» وعليه؛ فالفاء حرف عطف، وتعقيب.
تنبيه، وخاتمة:
بمناسبة ذكر: ﴿رَسُولُ اللهِ﴾ فأقول أولا: لفظ النبي الذي يكثر ذكره في القرآن الكريم يقرأ بالهمز: «(النبيء)» وبدون الهمز: (النبي) وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهو الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبي غير الرسول بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ..﴾. إلخ. وقيل: هو أعم منه؛ لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، أما تعريفهما؛ فالرسول: ذكر حر من بني آدم، سليم عن منفر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبي، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيا بنزول سورة ﴿اِقْرَأْ..﴾. إلخ عليه، وبعد أشهر من نزولها صار رسولا بنزول سورة (المدثر) عليه.
هذا؛ ويروى: أن أبا ذر-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا». قال: كم عدد الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمئة وثلاثة عشر، أولهم آدم، وآخرهم نبيكم محمد ﵇». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف. هذا؛ وأربعة منهم من العرب، هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلّى الله عليهم جميعا وسلم، وإسماعيل ﵊ مستعرب؛ لسكناه مكة مع قبيلة جرهم، وتزوجه منهم بامرأتين كما رأيت في سورة (إبراهيم) رقم [٣٧] والمذكور من الرسل في القرآن بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كل مسلم، ومسلمة من المكلفين، وأعني بمعرفتهم:
أنه لو عرض اسم رسول منهم على مسلم؛ فيجب أن يعرفه أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء) رقم [١٦٤]: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً﴾
стр. 7291
لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وقال تعالى في سورة (غافر) رقم [٧٨]: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
هذا؛ وقد ذكر في آيات (الأنعام) رقم [٨٣] وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب، لا بحسب الزمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة لم يذكروا في سورة (الأنعام)، وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وهود، وذو الكفل، وهو ابن أيوب؛ الذي ذكر في سورة (الأنبياء) وسورة (ص)، ومحمد صلى الله عليهم جميعا، وسلم. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا هم الذين يجب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]
حتم على كلّ ذي التكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا
في تلك حجّتنا منهم ثمانية... من بعد عشر، ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود شعيب صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
ويعني بقوله في (تلك حجتنا) آيات الأنعام المذكورة. وينبغي أن تعلم: أن هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد. وسيد الجميع وأفضل الخلق قاطبة محمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما، والأنبياء صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين تجوز عليهم الأعراض البشرية؛ لأنهم من البشر، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضوان، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق، وتعتريهم الأعراض البشرية، من ضعف وشيخوخة وموت، إلا أنهم يمتازون بخصائص، ويتصفون بصفات عظيمة جليلة. هي بالنسبة لهم من ألزم اللوازم، وهي ما يلي: الصدق، والأمانة، والتبليغ والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوة، وبعدها، والسلامة من العيوب المنفرة... تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الشمس) شرحا، وإعرابا بعون الله وتوفيقه.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7292
سورة الليل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (الليل) وهي مكية. وقيل: مدنية، وهي إحدى وعشرون آية، وإحدى وسبعون كلمة، وثلاثمئة وعشرة أحرف. قال الرازي-رحمه الله تعالى-: نزلت في أبي بكر الصديق-﵁-وإنفاقه المال على المسلمين، وفي أمية بن خلف، وبخله، وكفره بالله. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. انتهى. جمل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى (٤)﴾
الشرح: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى﴾ أي: غطى كل شيء بظلمته، كلّ ما بين السماء والأرض. وحذف المفعول للتعميم، وللعلم به، فقد أقسم الله بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه، ويسكن الخلق فيه عن التحرك، ويغشاهم النوم؛ الذي جعله الله راحة لأبدانهم، وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى؛ لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعايشهم، وتتحرك الطير من أوكارها، والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلا؛ لتعذر المعاش، ولو كان كله نهارا؛ لبطلت الراحة. فكانت المصلحة في تعاقبهما. انتهى. جمل نقلا من الخطيب.
أقول: وهذا كله يتجلى في قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [١٢]، وفي سورة (الروم) رقم [٢٣]، وفي سورة (النمل) رقم [٨٦]، وفي سورة (غافر) رقم [٦١]، وفي سورة (يونس) رقم [٦٧] انظر شرحها في محالها.
﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ أي: ومن خلق، فعلى هذا يكون قد أقسم بنفسه تعالى، وتكون (ما) قد أطلقت على الله تعالى. والمعنى: والقادر العظيم الذي قدر على خلق الذكر، والأنثى من ماء واحد؛ إن أريد به جنس الذكر، والأنثى. وقيل: هما آدم، وحواء، وتكون (ما) قد أطلقت عليهما معا. وإنما أقسم بهما؛ لأنه تعالى ابتدأ خلق آدم من طين، وخلق منه حواء من غير أم.
أقول: والأحسن التعميم لجميع الذكور، والإناث المخلوقات؛ لقوله تعالى في سورة (الذاريات) رقم [٤٩]: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ انظر شرحها هناك تجد ما يسرك.
стр. 7293
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ:﴾ عملكم؛ إذ السعي العمل، فساع في فكاك نفسه، وساع في هلاكها. يدل عليه قول النبي ﷺ : «الناس غاديان: فمبتاع نفسه، فمعتقها، وبائع نفسه، فموبقها». ﴿لَشَتّى:﴾
مختلف. واحده: شتيت، مثل: مريض، ومرضى، وإنما قيل للمختلف: شتى؛ لتباعد ما بين بعضه، وبعضه، والشتان: الافتراق. قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ رقم [١٤] من سورة (الحشر) والمعنى: إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض؛ لأن بعضه ضلالة، وبعضه هدى؛ أي: فمنكم مؤمن، وبر، وكافر، وفاجر، ومطيع، وعاص، ومختلف الجزاء أيضا، فمنكم مثاب بالجنّة، ومنكم معاقب بالنار. وقيل: أي: لمختلف الأخلاق، فمنكم راحم، ومنكم قاس، ومنكم حليم، ومنكم طائش، ومنكم جواد، ومنكم بخيل... إلخ.
الإعراب: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى:﴾ انظر إعراب ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ في سورة (الشمس) ففيها الكفاية. ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ انظر إعراب ﴿وَالسَّماءِ وَما بَناها﴾ في سورة (الشمس) مع العلم:
أن (ما) إن كانت بمعنى: «من» فهي كناية عن الله تعالى، و ﴿الذَّكَرَ﴾ مفعول به، وإن كانت كناية عن المخلوق، فهي مصدرية، و ﴿الذَّكَرَ﴾ بدل من «من». انتهى. أبو البقاء. هذا؛ وأجاز الفراء خفض ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ على البدل من (ما) وجعلها بمعنى «الذي». مكي. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل.
﴿سَعْيَكُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله.
﴿لَشَتّى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (شتى): خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية جواب القسم: ﴿وَاللَّيْلِ..﴾. إلخ وما عطف عليه. وانظر تفصيل الإعراب في سورة (الشمس) وسورة (المرسلات) و (الذاريات).
﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاِتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)﴾
الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ..﴾. إلخ: بيان، وتفصيل لتلك المساعي المختلفة، وتبيين لأحكامها، و ﴿مَنْ أَعْطى﴾ يتناول إعطاء حقوق المال، وإعطاء حقوق النفس في طاعة الله تعالى. يقال: فلان أعطى الطاعة، وأعطى البيعة. وقيل: معنى الإعطاء: إنفاق المال في جميع وجوه الخير، من عتق الرقاب، وفك الأسارى، وتقوية المسلمين على عدوهم. انتهى. جمل نقلا من الرازي.
هذا؛ وقال ابن مسعود-﵁-وعامة المفسرين: نزلت الآيات الثلاث في أبي بكر ﵁-فقد كان ينفق المال في عتق العجائز، والنساء. فقال له أبوه أبو قحافة: أي بني! لو أنك عتقت رجالا يمنعونك، ويقومون معك! فقال: يا أبت! إنما أريد ما أريد، فهو يعني-﵁-رضا الله. ومعنى ﴿أَعْطى﴾ أنفق، وبذل المال في وجوه الخير، ومعنى (اتقى) أي: محارم الله؛ التي نهى عنها، فعمل بطاعته، واجتنب معاصيه. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى﴾ أي: بالخلف من الله تعالى على عطائه. وهو اختيار الطبري. وقيل: صدق بلا إله إلا الله. وقيل: صدق بموعود الله تعالى.
стр. 7294
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ أي: نرشده لأسباب الخير، والصلاح؛ حتى يسهل عليه فعلها. وقال زيد ابن أسلم-رحمه الله تعالى-: ﴿لِلْيُسْرى﴾ للجنة. وفي الصحيحين، والترمذي عن علي-﵁-قال: كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي ﷺ ، فجلس، وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء، فقال: «ما من نفس منفوسة إلاّ قد كتب مدخلها». فقال القوم: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا؛ فمن كان من أهل السعادة؛ فهو يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاوة؛ فإنه يعمل للشقاوة؟! قال: «بل اعملوا، فكلّ ميسّر، أمّا من كان من أهل السعادة، فإنه ييسّر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فإنّه ييسّر لعمل الشقاء، ثم قرأ ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى»﴾. وسأل غلامان شابان رسول الله ﷺ ، فقالا: العمل فيما جفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم في شيء يستأنف؟ فقال ﷺ : «بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير». قالا: ففيم العمل؟! قال: «اعملوا فكلّ ميسّر لعمله الذي خلق له». قالا:
فالآن نجدّ ونعمل. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [١٠٥]، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا». أخرجه مسلم، وغيره. وروي من حديث أبي الدرداء-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلّهم إلا الثقلين: اللهمّ أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا». فأنزل الله تعالى ذلك في القرآن ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى..﴾. إلخ الآيات. انتهى. قرطبي.
هذا؛ و (اتقى) أصله (اوتقى) قلبت الواو تاء، وأدغمت التاء في التاء، مثل: اتصل، أصله:
أوتصل، واتقى ماض من التقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من الوقاية، وهي: الحفظ، والتحرز من المهالك في الدنيا، والآخرة. وانظر ما وصف الله به المتقين في أول سورة (البقرة).
الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ انظر سورة (الضحى). ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَعْطى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ تقديره: «هو»، وحذف مفعولاه. قال ابن هشام في المغني:
ويجوز حذف مفعولي ﴿أَعْطى،﴾ نحو: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى﴾ وثانيهما فقط، نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ سورة (الضحى) وأولهما فقط، خلافا للسهيلي، نحو ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ سورة (التوبة) رقم [٢٩]. وينبغي أن تعلم: أنه لا يحذف المفعولان، أو أحدهما إلا إذا دل دليل على ذلك.
قال ابن مالك ﵀ في ألفيته: [الرجز]
стр. 7295
ولا تجز هنا بلا دليل... سقوط مفعولين أو مفعول
قال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-: وهذا الذي ذكره المصنف هو الصحيح من مذاهب النحويين، فإن لم يدل دليل على الحذف؛ لم يجز لا فيهما، ولا في أحدهما... إلخ. ﴿وَاتَّقى:﴾
الواو: حرف عطف. (اتقى): فعل ماض معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى ﴿مَنْ﴾ أيضا، ومفعوله محذوف أيضا. ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى:﴾ هذه الجملة معطوفة على ما قبلها، وإعرابها ظاهر إن شاء الله تعالى. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
السين: حرف تنفيس، واستقبال، وهي تفيد التحقيق، والتأكيد في حقّ الله تعالى. (نيسره): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «نحن»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط. ﴿لِلْيُسْرى:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر، وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه، فقيل: هو جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: هو الجملتان، وهو المرجح عند المعاصرين. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿أَعْطى..﴾. إلخ صلتها، وجملة: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ..﴾. إلخ خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ويقال: الفاء واقعة في جواب (أما). والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة، ومفرعة عما قبلها لا محل لها.
﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاِسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)﴾
الشرح: ﴿وَأَمّا مَنْ بَخِلَ:﴾ بماله، فلم ينفقه في وجوه الخير، والطاعة. ﴿وَاسْتَغْنى﴾ أي: عن فضل الله تعالى، وثوابه، فلم يرغب فيه. ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى﴾ أي: فلم يؤمن، ولم يثق بما وعد الله به المحسنين من الثواب الكريم، والأجر الجزيل على إنفاق المال في وجوه الخير. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ أي: فسنهيئه للشر بأن نجريه على يديه؛ حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب بذلك النار. وقيل: نعسر عليه أن يأتي خيرا. وفي الآية دليل لأهل السنة، وصحة قولهم في القدر، وأن التوفيق، والخذلان، والسعادة، والشقاوة بيد الله تعالى، ووجوب العمل بما سبق له في الأزل. انتهى. خازن.
هذا؛ وقد قال الزمخشري بقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ والمعنى: فسنلطف به، ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه، وأهونها من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ وقال بقوله تعالى هنا: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى:﴾ فسنخذله، ونمنعه الألطاف؛ حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه، وأشده من قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾.
قال أحمد بن المنير: ألا يطيل لسانه هاهنا على أهل السنة، ولكن قصره الحق، فتراه يؤول الكلام، بل يعطله؛ لأنه يحمله على ما لا يحتمله، وعلى كلامه في أمثالها روعة السارق الخائف.
стр. 7296
هذا؛ وقال الفراء: يقول القائل: كيف قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ وهل في العسرى تيسير؟! فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ رقم [٢١] من سورة (آل عمران)، و [٣٤] من سورة (التوبة)، و [٢٤] من سورة (الانشقاق)، والبشارة في الأصل على المفرح والسار، فإذا جمع في كلامين: هذا خير، وهذا شر؛ جاءت البشارة فيهما جميعا، وكذلك التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين: هذا خير، وهذا شر؛ جاء التيسير جميعا. انتهى. قرطبي. هذا؛ ولقد تكلمت على البخل، والبخلاء فيما تقدم كثيرا. انظر آخر سورة (محمد ﷺ والآية رقم [١١] و [١٥] من سورة (الحديد) والآية رقم [٩] من سورة (الحشر) وخذ ما يلي في حق السخاء.
فعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «السخيّ قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. ولجاهل سخيّ أحبّ إلى الله من عالم بخيل». رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ألا إن كلّ جواد في الجنة حتم على الله وأنا به كفيل، ألا وإنّ كلّ بخيل في النار حتم على الله، وأنا به كفيل». قالوا: يا رسول الله! من الجواد، ومن البخيل؟ قال: «الجواد من جاد بحقوق الله في ماله. والبخيل من منع حقوق الله، وبخل على ربّه، وليس الجواد من أخذ حراما، وأنفق إسرافا». رواه الأصبهاني.
وعن عمر-﵁ وأرضاه-قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ﵎ بعث حبيبي جبريل ﵊ إلى إبراهيم ﵇، فقال له: يا إبراهيم! إني لا أتّخذك خليلا على أنّك أعبد عباد لي، ولكن اطلعت على قلوب المؤمنين، فلم أجد قلبا أسخى من قلبك». رواه الطبراني وابن حبان.
وعن جابر بن عبد الله-﵄-عن رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇، عن الله تعالى؛ قال: «إن هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلح له إلاّ السخاء، وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه». رواه الطبراني في الأوسط.
ومعلوم: أن سيدنا رسول الله ﷺ هو صفوة الصفوة من سادة العرب، والمثل الأعلى للإنسانية الكاملة الفياضة بالخير، والرحمة، والجود، والعطاء، فكل العالمين دونه في النبل، والكمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، لا جرم كان أجود الناس، وأكثرهم عطاء، وأبذلهم للخير، والمال، وكيف لا يكون كذلك؛ وروحه أقوى الأرواح، ونفسه أحسن النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، وعليه أنزل: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكانت الأموال تأتيه من كل فج عميق بكثرة، فلا يقوم من مجلسه؛ حتى يفرقها كلها في وجوه الخير، والبر، والإحسان، ولا يرد
стр. 7297
سائله إلا بحاجته، أو بميسور من القول، وإن رجلا أتاه، فسأله، فأعطاه غنما تسد ما بين جبلين، فرجع إلى قومه. وقال: أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وما سئل شيئا قط، فقال: لا. وجاء رجل فسأله، فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ، فإذا جاءنا شيء؛ قضيناه». فقال عمر-﵁: يا رسول الله! ما كلفك الله ما لا تقدر عليه!. فكره النبي ﷺ ذلك من عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالا! فتبسم ﷺ ، وعرف السرور في وجهه.
وقال الإمام علي-﵁: إذا أقبلت عليك الدنيا؛ فأنفق منها، فإنها لا تفنى. وإذا أدبرت عنك؛ فأنفق منها فإنها لا تبقى. وقيل في المعنى: [البسيط]
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة... فليس ينقصها التبذير والسّرف
وإن تولّت فأحرى أن تجود بها... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
وأكتفي بما تقدم، ولو شئت لعملت من ذلك صفحات.
وإعراب الآيات الثلاث مثل إعراب ما قبلهن، بلا فارق، ولا تنس المقابلة بين الآيات، والطباق بين (اليسرى) و (العسرى)، وكل ذلك من المحسنات البديعية.
﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)﴾
الشرح: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ:﴾ الذي جمعه من حلال، وحرام، ثم بخل به في وجوه الخير، والإحسان. ﴿إِذا تَرَدّى﴾ أي: مات، يقال: ردي الرجل، يردى ردى: إذا هلك. وقيل: تردى سقط في جهنم. وقيل: سقط في القبر، و (ما) تحتمل النفي، والاستفهام. انظر الإعراب، ومثله في سورة: (المسد) قوله تعالى: ﴿ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ﴾.
﴿إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ أي: إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة، فالهدى بمعنى:
بيان الأحكام. قاله الزجاج؛ أي: علينا البيان، بيان الحلال، والحرام، والطاعة، والمعصية، وذلك: أن الله تعالى عرفهم ما للمحسن من اليسرى، وما للمسيء من العسرى، أخبرهم: أن بيده الإرشاد والهداية وعليه تبيين طريقها. وقيل: معناه: إن علينا للهدى، والإضلال، فاكتفى بذكر أحدهما. والمعنى: أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأصرف أعدائي عن العمل بطاعتي.
﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ أي: لنا ما في الدنيا، والآخرة، فمن طلبهما من غير مالكهما؛ فقد أخطأ الطريق، فهو كقوله تعالى في سورة (النجم): ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى،﴾ وقال تعالى في سورة (النساء) رقم [١٣٤]: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ والمعنى: إن الأمر كله لله، مالك الدنيا، والآخرة، فهو المتصرف فيهما، تصرف الملاك، يعطي من يشاء،
стр. 7298
ويمنع من يشاء، لا راد لعطائه، ولا معطي لما منع. هذا؛ والمراد ب: (الأولى) الحياة الدنيا الحاضرة؛ التي يحياها الإنسان؛ وهو حي، والمراد ب: (الآخرة) الحياة التي تكون بعد الموت، وما فيها من عذاب، أو نعيم، والآخرة: الحياة الثانية الأبدية التي تكون بعد الموت، وما فيها من البعث، والنشور، والحساب، والجزاء، وهي في الجنة لمن آمن، وعمل صالحا، أو في النار لمن كفر، وعمل سيئا.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿يُغْنِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿عَنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مالُهُ:﴾
فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والمفعول محذوف، التقدير: وما يغني عنه ماله شيئا.
هذا؛ وإن اعتبرت (ما) اسم استفهام، فهي مبنية على السكون في محل نصب مفعول به مقدم.
وقيل: في محل نصب مفعول مطلق لما بعده، التقدير: أي إغناء يغني؟ والجملة على الوجهين فعلية، وهي مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل ﴿يُغْنِي﴾. ﴿تَرَدّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، يعود إلى ﴿مَنْ،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. هذا؛ وإن اعتبرت إذا شرطية، فالفعل ﴿تَرَدّى﴾ شرطها، وجوابها محذوف، دلّ على ما قبلها.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها. ﴿لَلْهُدى:﴾ اللام: لام الابتداء. (الهدى): اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق.
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٦)﴾
الشرح: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ أي: حذرتكم، وخوفتكم، والخطاب لأهل مكة، وهو عام إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. ﴿تَلَظّى:﴾ تتوهج، وتتوقد، وأصله: تتلظى، فحذفت إحدى التاءين. ومثله كثير في الآيات القرآنية، والتظاء النار: التهابها، وتلظّيها: تلهبّها.
وخذ ما يلي:
عن النعمان بن بشير-﵄-عن النبي ﷺ قال: «إن أهون أهل النّار عذابا رجل في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل بالقمقم». رواه الشيخان.
وعن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «إنّ أهون أهل النار عذابا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه». رواه مسلم.
﴿لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى﴾ أي: لا يحترق فيها، ويقاسي حرها إلا الشقي، وهو: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ أي: كذب محمدا ﷺ ، وأعرض عن الإيمان، وعن العمل بما يوجبه هذا الإيمان
стр. 7299
بالجوارح، والأعضاء. فعن أبي هريرة-﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلاّ شقيّ». قيل: ومن الشقي؟ قال: «الذي لا يعمل بطاعة الله». أخرجه الإمام أحمد.
وقال رسول الله ﷺ : «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني؛ فقد أبى». أخرجه البخاري، وأحمد عن أبي هريرة-﵁. انتهى. مختصر ابن كثير. ولا تنس: أن الأشقى الكافر يصلى نار جهنم خالدا مخلدا، والأشقى الفاسق المسلم يصلاها مؤقتا بحسب جريمته؛ التي عملها في الدنيا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وإن الزمخشري شذ في تفسير الأشقى، فصفعه ابن المنير كعادته. جزاه الله خيرا!.
الإعراب: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (أنذرتكم): فعل، وفاعل، ومفعوله الأول.
﴿ناراً:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَلَظّى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿ناراً،﴾ تقديره: «هي»، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿ناراً﴾. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَصْلاها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، و (ها): مفعول به. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿الْأَشْقَى:﴾
فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل: ﴿ناراً﴾ أو هي في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدم. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع صفة ﴿الْأَشْقَى،﴾ أو بدل منه، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير:
أذم، أو أعني الذي. وهذان الوجهان على القطع. ﴿كَذَّبَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (١٨)﴾
الشرح: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا:﴾ وسيزحزح عن النار، ويكون بعيدا عنها التقي، النقي، المتقي، الخائف. هذا؛ وقال بعض أهل المعاني: أراد بقوله ﴿الْأَتْقَى﴾ و ﴿الْأَشْقَى﴾ أي: التقي، الشقي، ويوضع أفعل موضع فعيل، نحو قولهم: الله أكبر بمعنى: كبير، وقوله تعالى في سورة (الروم) رقم [٢٧]: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. وقال الشافعي-﵁، وعزاه القرطبي سهوا لطرفة بن العبد: [الطويل]
تمنّى رجال أن أموت وإن أمت... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
стр. 7300
أي: واحد، ووحيد. ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ أي: يطلب أن يكون زاكيا عند الله، ولا يطلب بذلك رياء، ولا سمعة، بل يتصدق به مبتغيا وجه الله تعالى. هذا؛ وفي هذه الآيات التفات من الخطاب إلى الغيبة. انظر الالتفات، وفوائده في سورة (الملك) رقم [٢٠].
الإعراب: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا:﴾ الواو: حرف عطف. السين: حرف استقبال، وتنفيس. (يجنبها):
فعل مضارع مبني للمجهول، و (ها): مفعوله الثاني تقدم على الأول. ﴿الْأَتْقَى:﴾ نائب فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ قل فيه مثل ما قبله من أوجه. ﴿يُؤْتِي:﴾
فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد.
﴿مالَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿يَتَزَكّى﴾ بدل منها، لا محل لها مثلها، أو هي في محل نصب حال من فاعلها، التقدير: يؤتي ماله متزكيا به عند الله.
﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)﴾
الشرح: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أي: وليس عند أبي بكر-﵁-لأحد من الناس معروف، وإحسان دنيوي يريد أن يكافئ عليه بإنفاقه المال في سبيل الله؛ حتى النبي ﷺ ، بل كان أبو بكر هو الذي ينفق على رسول الله، وإنما كان للنبي ﷺ نعمة الهداية، والإرشاد إلى الإيمان، وهذه نعمة لا تجزى، ولا تكافأ لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ والمذكور هنا ليس مطلق النعمة، بل نعمة تجزى، وتكافأ.
﴿إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ أي: ثواب الله، ومرضاته، والطمع في رحمته، وجنته.
﴿وَلَسَوْفَ يَرْضى﴾ أي: بما يعطيه الله في الآخرة من الجنة، والخير، والكرامة جزاء على ما فعل من الخير في الدنيا، والمراد بوجه ربه: ذاته العلية.
تنبيه بل فائدة:
لعلّ وعسى، وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها، إنما يطلقونها إظهارا لوقارهم، وإشعارا بأن الرمزة منهم كالتصريح من غيرهم، وعليه جرى وعد الله، ووعيده.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿لِأَحَدٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عِنْدَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر ثان، أو هما متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، وبعضهم يقول: متعلقان بمحذوف حال من ﴿نِعْمَةٍ﴾ كان صفة له... إلخ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِنْ:﴾ حرف
стр. 7301
جر صلة. ﴿نِعْمَةٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿نِعْمَةٍ﴾ فاعلا بمتعلق الجار، والمجرور التقدير: وما ثبت لأحد عنده نعمة. وعلى الاعتبارين؛ فالجملة في محل نصب حال من فاعل ﴿يَتَزَكّى﴾ المستتر، والرابط: الضمير فقط. ﴿تُجْزى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿نِعْمَةٍ،﴾ والجملة الفعلية في محل صفة ﴿نِعْمَةٍ﴾.
﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿اِبْتِغاءَ:﴾ استثناء منقطع من ﴿نِعْمَةٍ،﴾ أو هو مفعول لأجله. ويجوز رفعه على البدلية، ولم يقرأ بالرفع. وقال القرطبي: قرأ به يحيى بن وثاب، و ﴿اِبْتِغاءَ﴾ مضاف، و ﴿وَجْهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، و ﴿وَجْهِ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿الْأَعْلى:﴾ صفة ﴿وَجْهِ رَبِّهِ﴾ مجرور مثله... إلخ. ﴿وَلَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: وعزتي، والجار، والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم.
اللام: واقعة في جواب القسم. (سوف): حرف تسويف، واستقبال. ﴿يَرْضى:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْأَتْقَى،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف.
خاتمة:
قال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه: كان بلال-﵁-ملكا لأمية بن خلف الجمحي، وهو بلال بن رباح، واسم أمه: حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان سيده أمية-أخزاه الله-يخرجه إذا حميت الشمس، فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد! فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، فمر به أبو بكر-﵁، وهم يصنعون به ذلك، فقال لأمية الخبيث: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟! قال: أنت أفسدته، فأنقذه مما ترى! فقال أبو بكر-﵁: أفعل عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك أعطيكه به. قال: قد فعلت، فأعطاه أبو بكر-﵁-غلامه، واسمه:
نسطاس، وأخذ بلالا، فأعتقه. وكان قد أعتق ست رقاب على الإسلام قبل أن يهاجر، بلال سابعهم.
وهم: عامر بن فهيرة، شهد بدرا، وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا. وأم عميس، وزهرة، فأصيب بصرها حين أعتقها أبو بكر، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات، والعزى، فقالت: كذبوا ورب البيت! لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان شيئا! فرد الله عليها بصرها.
وأعتق النهدية، وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فرآهما أبو بكر، وقد بعثتهما سيدتهما تحتطبان لها، وهي تقول: والله لا أعتقهما أبدا! فقال أبو بكر: كلاّ يا أم فلان! فقالت: أنت
стр. 7302
أفسدتهما، فأعتقهما. قال: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا. قال: أخذتهما، وهما حرتان لوجه الله! ومر بجارية من بني المؤمل؛ وهي تعذب، فابتاعها، وأعتقها، فقال عمار بن ياسر-﵄-يذكر بلالا، وأصحابه، وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم-وكان اسم أبي بكر-﵁-عتيقا-فقال في ذلك: [الطويل]
جزى الله خيرا عن بلال وصحبه... عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل
عشية همّا في بلال بسوءة... ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل
بتوحيده ربّ الأنام وقوله... شهدت بأن الله ربي على مهل
فإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن... لأشرك بالرحمن من خيفة القتل
فيا ربّ إبراهيم والعبد يونس... وموسى وعيسى نجّني، ثم لا تملي
لمن ظلّ يهوى الغيّ من آل غالب... على غير حقّ كان منه ولا عدل
قال سعيد بن المسيب-﵁: بلغني: أن أمية بن خلف قال لأبي بكر-﵁-في بلال حين قال له: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس (عبد لأبي بكر)، وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف دينار، وغلمان، وجوار، ومواش، وكان مشركا حمله أبو بكر-﵁-على الإسلام على أن يكون ماله له، فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال أمية: أبيعه بغلامك نسطاس؛ اغتنمه أبو بكر، وباعه به، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده! فأنزل الله قوله: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى..﴾. إلخ انتهى. خازن.
قيل: إن أمية الخبيث قال: لو سألني أبو بكر بلالا بفلوس معدودة؛ لبعته إياه! فبلغ قوله أبا بكر-﵁، فقال: لو طلب مني أمية ما أملك ثمنا لبلال لأعطيته ما يريد.
تنبيه: قيل: كان لرجل من الأنصار نخلة، وفرعها في دار رجل فقير، وله عيال، فكان صاحب النخلة إذا صعد نخلته ليأخذ منها الثمر، فربما سقطت التمرة، فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل عن نخلته حتى يأخذ التمرة من أيديهم، وإن وجدها في فم أحدهم؛ أدخل إصبعه في فيه؛ حتى يخرجها. فشكا ذلك الرجل الفقير إلى النبي ﷺ ، فلقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له: «تعطيني نخلتك التي فرعها في دار فلان، ولك بها نخلة في الجنة؟». فقال الرجل: إن لي نخلا كثيرا، وما فيه أعجب إليّ منها! وقيل في رواية: (لا أبيع عاجلا بآجل) فسمع أبو الدحداح (رجل من الأنصار) بذلك.
فقال لصاحب النخلة: هل لك أن تبيعها بحش، يعني: حائطا فيه نخل كثير. فقيل: هي لك! فأتى أبو الدحداح النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! تشتريها مني بنخلة في الجنة؟ فقال
стр. 7303
«نعم». فقال: هي لك، فدعا النبي ﷺ ذلك الرجل الفقير جار الأنصاري صاحب النخلة. وقال له: «خذها لك، ولعيالك». فأنزل الله الآيات من سورة (الليل). وهذا القول فيه ضعف؛ لأن هذه السورة مكية، وهذه القصة كانت بالمدينة بعد الهجرة، فإن كانت القصة صحيحة تكون هذه السورة قد نزلت بمكة وظهر حكمها في المدينة، ويكون صاحب النخلة منافقا. والصحيح: أنها في أبي بكر الصديق-﵁-وأمية بن خلف؛ لأن سياق الآيات يقتضي ذلك. انتهى.
خازن. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (الليل) بعون الله وتوفيقه شرحا وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7304
سورة الضّحى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (الضحى) مكية بالاتفاق، وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومئة واثنان وسبعون حرفا، انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)﴾
الشرح: اختلفوا في سبب نزول هذه السورة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عن جندب بن سفيان البجلي-﵁-قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين، أو ثلاثا، فجاءت امرأة، فقالت: يا محمد! إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين، أو ثلاثا، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحى..﴾. إلخ أخرجه البخاري. وفي الترمذي عن جندب البجلي؛ قال: كنت مع النبي ﷺ في غار، فدميت إصبعه، فقال النبي ﷺ . [الرجز]
هل أنت إلاّ إصبع دميت... وفي سبيل الله ما لقيت
قال: وأبطأ عليه جبريل، فقال المشركون: قد ودع محمدا ربه، فأنزل الله : ﴿ما وَدَّعَكَ..﴾. إلخ. فلم يذكر الترمذي: (فلم يقم ليلتين، أو ثلاثا) ورواية البخاري أصح، وقد ذكره الثعلبي أيضا عن جندب. قال: رمي النبي ﷺ في إصبعه بحجر، فدميت، فقال: هل أنت إلا إصبع... إلخ والمرأة المذكورة في جميع الروايات هي: العوراء بنت حرب، أخت أبي سفيان، وهي زوج أبي لهب، وهي حمالة الحطب.
القول الثاني: قال زيد بن أسلم-﵁-كان سبب احتباس الوحي عن النبي ﷺ :
أنّ جروا كان في بيته، فلما نزل عليه جبريل عاتبه النبي ﷺ على إبطائه، فقال له: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا صورة. وهذا قول ضعيف.
القول الثالث: قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الروح، وعن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي، إلى أن نزل عليه قوله تعالى من سورة (الكهف): ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فأخبره بما سئل عنه. وهو الذي أعتمده إن شاء الله. انظر سورة (الكهف). وانظر
стр. 7305
سورة (الإسراء) رقم [٨٥]. ولما نزل جبريل الأمين على سيد المرسلين؛ قال له: «يا جبريل ما حبسك عني؟ لقد اشتقت إليك؟!». فقال جبريل ﵇: إني كنت إليك أشد شوقا، ولكني عبد مأمور، ونزل قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ولما قرأ جبريل الأمين على سيد المرسلين سورة (الضحى) كبّر ﷺ في آخرها فقال: «لا إله إلاّ الله والله أكبر». وصار التكبير سنة في آخرها، وآخر السور إلى آخر سورة (الناس).
هذا؛ واختلف في مدة احتباس الوحي، وجبريل عنه ﷺ . فقيل: اثنا عشر يوما. وقال ابن عباس-﵄: خمسة عشر يوما. وقيل: أربعون يوما.
الشرح: ﴿وَالضُّحى﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: المراد به النهار كلّه، لقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ فقابله بالليل، وفي سورة (الأعراف): ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: نهارا. وقال قتادة، ومقاتل، وجعفر الصادق: أقسم الله بالضحى الذي كلم الله فيه موسى، وبليلة المعراج. وقيل:
هي الساعة التي خرّ فيها السحرة سجدا، بيانه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾. انتهى.
قرطبي. وانظر شرح (الضحى) في سورة (الشمس).
أقول: أقسم الله بالضحى تنويها بشأنه، وتعظيما لقدره، ولذا رغب الرسول ﷺ بالصلاة في وقت الضحى، فقال: «لا يحافظ على صلاة الضحى إلاّ أوّاب». قال: «وهي صلاة الأوّابين».
رواه الطبراني عن أبي هريرة-﵁. وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة بابا، يقال له: الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الّذين كانوا يديمون صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوه برحمة الله». أخرجه الطبراني.
وعن أبي ذر الغفاري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يصبح على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». رواه مسلم.
﴿إِذا سَجى:﴾ قال ابن عباس-﵄: أقبل بظلامه. وعنه أيضا: إذا ذهب.
وقيل: معناه: غطى كل شيء بظلامه. وقيل: معناه: سكن فاستقر ظلامه، فلا يزداد. قاله قتادة، ومجاهد، وابن زيد، وعكرمة. يقال: عين ساجية. أي: ساكنة. ويقال: سجا الليل، يسجو سجوّا: إذا سكن. والبحر سجا: سكن. قال الأعشى: [الطويل]
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمّكم... وبحرك ساج ما يواري الدّعامصا
стр. 7306
الدعامص: جمع الدعموص، وهي دويبة صغيرة تكون في مستنقع الماء. وقال الراجز: [الرجز]
يا حبّذا القمراء والليل السّاج... وطرق مثل ملاء النّسّاج
هذا؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ مجاز عقلي؛ حيث أسند السكون إلى الليل.
وتعريف المجاز العقلي هو: إسناد الفعل، أو ما في معناه إلى غير ما هو له لعلاقة مع قرينة مانعة إرادة الإسناد الحقيقي. ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ أي: ما تركك منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك. الخطاب للنبي ﷺ ، وهو ردّ لما قالته العوراء أم قبيح. هذا؛ وحذف مفعول (قلى) لمناسبة رؤوس الآي. وقرأ السبعة بتشديد دال ﴿وَدَّعَكَ﴾ وقرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام، وابن أبي عبلة بتخفيفها.
هذا؛ وقال قطة العدوي شارح شواهد ابن عقيل: قال بعض المتقدمين: زعم بعض النحاة:
أن العرب أماتت ماضي (ودع) ومصدره، واسم فاعله، واسم مفعوله، مع أنه قد قرأ عروة بن الزبير، وابنه هشام قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى) بتخفيف الدال بمعنى: ما تركك، وكذا قرأ مقاتل، وابن أبي عبلة. وقال الرسول ﷺ : «شرّ الناس من ودعه النّاس اتّقاء شرّه».
وقال ﷺ : «دعوا الحبشة ما ودعوكم». ورواه الجمل «ذروا الحبشة ما وذرتكم». وقال أبو العتاهية الصوفي: [المنسرح]
أثروا فلم يدخلوا قبورهم... شيئا من الثروة التي جمعوا
وكان ما قدّموا لأنفسهم... أعظم نفعا من الذي ودعوا
وقال آخر: [الطويل]
وثم ودعنا آل عمرو وعامر... فرائس أطراء المثقّفة السّمر
وقال أنس بن رؤيم، -وعزاه أبو البقاء لأبي الأسود الدؤلي-: [الرمل]
ليت شعري عن خليلي ما الّذي... غاله في الحبّ حتى ودعه؟!
فها هو الماضي قد ورد عن أفصح العرب قراءة، وحديثا. وكذا في شعر العرب. وورد المصدر أيضا في قول النبي ﷺ : «لينتهينّ قوم عن ودعهم الجمعات-وفي رواية: الجماعات- أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين». أخرجه مسلم، وغيره، وورد اسم المفعول، واسم الفاعل من: ودع في قول خفاف بن ندبة-﵁: [الطويل]
إذا ما استحمّت أرضه من سمائه... جرى وهو مودوع، وواعد مصدق
فكيف يقال: إن العرب أماتته؟! فالصواب القول بقلة الاستعمال، لا بالإماتة. انتهى.
بتصرف كبير. هذا؛ وما قيل في (ودع) ومضارعه: يدع، وأمره: دع، يقال في: وذر، ومضارعه
стр. 7307
يذر، كما يقال في: (وعم) ومضارعه: (يعم) وأمره: عم. وانظر الشاهد رقم [٣٠٨] من كتابنا:
«فتح القريب المجيب» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
الإعراب: ﴿وَالضُّحى:﴾ انظر إعراب: ﴿وَالشَّمْسِ﴾. ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ انظر إعراب: ﴿وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها﴾ في سورة (الشمس). ﴿ما:﴾ نافية. ﴿وَدَّعَكَ:﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكَ:﴾
فاعله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، وجملة: ﴿وَما قَلى﴾ معطوفة عليها، لا محل لها مثلها.
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥)﴾
الشرح: المعنى: ما أعد الله لك يا محمد في الآخرة من المقام المحمود، والحوض المورود، والخير الموعود خير مما أعجبك في الدنيا. وقيل: وجه اتصال الكلام بما قبله: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع، والقلي أن الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك؛ أخبره: أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك، لتقدمه على جميع الأنبياء والمرسلين، وشهادة أمته على جميع الأمم، وغير ذلك. انتهى. نسفي. ولا تنس المطابقة بين الآخرة والأولى، وهي من المحسنات البديعية.
هذا؛ و ﴿خَيْرٌ﴾ أفعل تفضيل، أصله: أخير، نقلت حركة الياء للخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم حذفت الهمزة من أوله، استغناء عنها بحركة الخاء، فصار: خير، ومثله قل في: حبّ وشرّ اسمي تفضيل؛ إذ أصلهما أحبب، وأشرر. فنقلت حركة الباء الأولى، والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان المتماثلان في بعضهما، ثم حذفت الهمزة من أولهما استغناء عنها بحركة الخاء، والشين، وقد يستعمل: خير، وشر على الأصل المرفوض كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجاج: [الرجز]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
وخير وشرّ، وحبّ يستعملن بصيغة واحدة للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ لأنهن بمعنى أفعل، كما رأيت. وأما قول الشاعر: [الطويل]
ألا بكّر النّاعي بخيري بني أسد... بعمرو بن مسعود وبالواحد الصّمد
فإنما ثناه؛ لأنه أراد: خيّري بالتشديد، فخففه مثل ميت، وهين في ميّت، وهيّن، فأخير في قول رؤبة، وأشر، وأحب هو الأصل المقيس في أفعل التفضيل، مثل: أفضل، وأحسن، وأجمل، إلا أنه لما كثر استعمال العرب لخير خففوها بحذف الهمزة من أولها، فيكون خير شاذا
стр. 7308
في القياس فصيحا في الاستعمال، ومثله شرّ وحبّ. هذا؛ و ﴿الْأُولى﴾ هي الحياة الحاضرة؛ التي نحياها، وبينها وبين (الآخرة) طباق، وهو من المحسنات البديعة.
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ أي: يعطيك ربك في الآخرة؛ حتى ترضى. قال ابن عباس ﵄: هي الشفاعة في أمته؛ حتى يرضى. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁-أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى في سورة (إبراهيم) رقم [٣٦]: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،﴾ وقوله تعالى حكاية عن قول عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ من سورة (المائدة) ثم رفع يديه. وقال: «اللهم أمتي أمتي! وبكى». فقال الله : يا جبريل! اذهب إلى محمد، واسأله ما يبكيك؟ (وهو أعلم) فأتى جبريل ﵇، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، (وهو أعلم) فقال الله : اذهب يا جبريل إلى محمد، وقل له: «إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك». أخرجه مسلم في كتاب الإيمان.
وعن أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ . قال: «لكلّ نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كلّ نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا». متفق عليه.
وعن عوف بن مالك-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «أتاني آت من عند ربي، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا». أخرجه الترمذي.
وفي القرطبي: وقال علي-﵁-وفي الخازن: قال حرب بن شريح سمعت جعفر بن محمد بن علي؛ أي: زين العابدين يقول: (يا معشر أهل العراق! إنكم تقولون: أرجى آية في كتاب الله: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ..﴾. إلخ رقم [٥٣] من سورة (الزمر) قالوا: نقول ذلك. قال: ولكنا أهل البيت نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله ﵎: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾. وروي في الحديث: أن النبي ﷺ لما نزلت قال: «إذا لا أرضى قط، وواحد من أمتي في النار». ورحم الله من قال: [الوافر]
قرأنا في الضحى ولسوف يعطي... فسرّ قلوبنا ذاك العطاء
وحاشا يا رسول الله ترضى... وفينا من يعذّب، أو يساء
وانظر ما ذكرته في آية (الزمر) رقم [٥٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. هذا؛ وقيل في معنى الآية: ولسوف يعطيك ربك من الثواب، فترضى. وقيل: من النصر، والتمكين، وكثرة المؤمنين فترضى، وحمل الآية على ظاهرها من خيري الدنيا، والآخرة معا أولى، وذلك أن الله تبارك
стр. 7309
وتعالى أعطاه في الدنيا النصر، والظفر على الأعداء، وكثرة الفتوح في زمنه، وبعده إلى يوم القيامة، وأعلى دينه، وأن أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والخاصة، والمقام المحمود، والحوض المورود، وغير ذلك مما أعطاه في الدنيا، والآخرة. انتهى. خازن بتصرف.
هذا؛ وإنما قيد الله تعالى بقوله: ﴿خَيْرٌ لَكَ؛﴾ لأنها ليست خيرا لكل أحد. قال البقاعي: إن الناس على أربعة أقسام: منهم من له الخير في الدارين، وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم من له الشر فيهما، وهم الكفرة الفقراء، ومنهم من له صورة خير في الدنيا، وشر في الآخرة، وهم الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا، وخير في الآخرة، وهم الفقراء المؤمنون.
انتهى. خازن.
الإعراب: ﴿وَلَلْآخِرَةُ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (الآخرة خير): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها.
﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿مِنَ الْأُولى:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ﴾ أيضا.
﴿وَلَسَوْفَ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الابتداء. (سوف): حرف تسويف، واستقبال.
وانظر آخر سورة (الليل). ﴿يُعْطِيكَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف، انظر الآية رقم [٥] من سورة (الليل). ﴿رَبُّكَ:﴾ فاعل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿فَتَرْضى:﴾ الفاء:
حرف عطف وسبب. (ترضى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والفاعل مستتر تقديره: «أنت». والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها أيضا.
تنبيه: الإعراب المتقدم يفيد: أن الجمل الأربع المذكورة كلها واقعة في حيز القسم، وهو صريح قول الجلال: إلى هنا تم جواب القسم بمثبتين بعد منفيين، ولكن الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما قالوا: واللام الداخلة على سوف لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، تقديره: ولأنت سوف يعطيك، ونحوه: لأقسم فيمن قرأ كذلك؛ أي: في أول سورة (القيامة) وسورة (البلد) ونحوهما؛ لأن المعنى: «لأنا أقسم» وهذا؛ لأنها إذا كانت لام قسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، فيتعين أن تكون لام ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على المبتدأ، والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر كما ذكرنا. كذا ذكره صاحب الكشاف.
وذكر صاحب الكشف: هي لام القسم، واستغني عن نون التوكيد؛ لأن نون التوكيد إنما تدخل ليؤذن: أن اللام لام القسم، لا لام الابتداء، وقد علم: أنه ليس للابتداء؛ لدخولها على (سوف)؛ لأن لام الابتداء لا تدخل على (سوف) وذكر: أن الجمع بين حرفي التأكيد، والتأخير يؤذن بأن العطاء كائن لا محالة؛ وإن تأخر. انتهى. نسفي.
стр. 7310
أقول وبالله التوفيق: إن اللام واقعة في جواب القسم بسبب العطف حتما لا شك فيه، وذلك؛ لأن الفعل المضارع يجب توكيده إذا كان جوابا لقسم غير مفصول من لامه بفاصل، وكان مثبتا مستقبلا، نحو قوله تعالى: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ الآية رقم [٥٧] من سورة (الأنبياء)، ويمتنع تأكيده إذا كان جوابا لقسم، ولم تتوفر فيه الشروط المذكورة، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ المانع من توكيد الفعل (يعطي) بنون التوكيد الفصل بينه، وبين اللام ب: (سوف) انظر كتاب قواعد اللغة العربية بشرحنا، وتحقيقنا: (الباب الثامن من المؤكد وغيره) والله ولي التوفيق.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً:﴾ صغيرا، ضعيفا، عاجزا عن العمل. ﴿فَآوى﴾ أي: ضمك إلى عمك أبي طالب، وذلك أن أبا النبي توفي، وهو في بطن أمه، ثم توفيت أمه، وهو ابن ست سنين، ثم توفي جده وهو ابن ثمان سنين، فكفله بعد ذلك عمه أبو طالب، فأحسن كفالته، واعتنى به أشد الاعتناء إلى أن قوي عوده، واشتد، وتزوج خديجة-﵂، وكان أبو طالب على دينه حتى مات، ولم يسلم، ومع ذلك كان يدفع الأذى عن النبي ﷺ ، ويبذل جهده في ذلك، وكل هذا من حفظ الله للنبي ﷺ وكلاءته له، وعنايته به.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى﴾ أي: ووجدك تائها عن معرفة الشريعة والدين، فهداك الله إليها، كقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥٢]: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾. وعليه: فالضلال مستعار من: ضل في طريقه: إذا سلك طريقا غير موصلة لمقصده لعدم ما يوصله للعلوم النافعة. قال الإمام الجلال: أي: وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من الشريعة، فهداك إليها. وقيل: ضل في بعض شعاب مكة، وهو صغير فرده الله إلى جده. قال أبو حيان: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى؛ لأن الأنبياء معصومون من ذلك.
وقال ابن عباس-﵄: إن رسول الله ﷺ ضل في شعاب مكة، وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل الخبيث منصرفا من أغنامه، فرده إلى جده عبد المطلب، وهذا كان لما قضت حليمة رحمها الله تعالى حق الرضاع، فجاءت برسول الله ﷺ لترده على جده عبد المطلب، فسمعت عند باب مكة: هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد الله إليك النور، والبهاء، والجمال.
قالت: فوضعته لأصلح شأني، فسمعت هدّة شديدة، فالتفت، فلم أره، فقلت: يا معشر الناس! أين الصبي؟! فقالوا: لم نر شيئا، فصاحت: وا محمداه! فخرج كثير من أهل مكة يبحثون عنه ﷺ ، فكان أبو جهل الخبيث هو الذي لقي النبي ﷺ ، فجاء به إلى عبد المطلب. وقال له: ألا
стр. 7311
تدري ماذا جرى من ابنك هذا؟ فقال عبد المطلب: ماذا جرى؟ فقال: إني أنخت الناقة، وأركبته خلفي، فأبت الناقة أن تقوم، فأركبته أمامي، فقامت. وقال عبد الله بن عباس-﵄:
رده الله إلى جده بيد عدوّه، كما فعل بموسى ﵇ حين حفظه عند فرعون عدوه.
وقيل: الضلال هنا بمعنى: الحيرة، وذلك؛ لأنه ﷺ كان يخلو في غار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه؛ حتى هداه الله لدينه. وقال الجنيد-رحمه الله تعالى-: ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل الله إليك، فهداك لبيانه. فهذا ما قيل في هذه الآية. ولا يلتفت إلى قول من قال:
إنه ﷺ كان قبل النبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام؛ لأن نبينا ﷺ ، وكذلك الأنبياء قبله؛ منذ ولدوا؛ أنشئوا على التوحيد، والإيمان قبل النبوة، وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله، وتوحيده. ويدل على ذلك: أن قريشا عابوا النبي ﷺ ، ورموه بكل عيب سوى الشرك، وأمر الجاهلية، فإنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا؛ إذ لو كان فيه؛ لما سكتوا عنه، ولنقل ذلك. فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه، وعيروه به، ويؤكد هذا ما روي في قصة بحيرا الراهب حين استحلف النبي ﷺ باللات، والعزى، فقال له النبي ﷺ : «لا تسألني بهما، فو الله ما أبغضت شيئا بغضهما».
هذا؛ وضل أكثر ما يستعمل بمعنى: كفر، وأشرك، وهو ضد: اهتدى، واستقام، ومصدره:
الضلال ويأتي (ضل) بمعنى: غاب، كما في قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ويأتي بمعنى: خفي، يخفى. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عن قول موسى لفرعون: ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾. وضل الشيء: ضاع، وهلك، وضل: أخطأ في رأيه، ولولا هذا المعنى؛ لكفر أولاد يعقوب بقولهم في حضرته: ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقولهم في غيبته: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وضل تحير، وهو أقرب ما يفسر به في هذه الآية.
هذا؛ وأضل، يضل غيره من الرباعي، ومصدره: الإضلال، فهو متعد، والثلاثي لازم، ومصدره: الضلال، وهو الخروج عن جادة الحق، والانحراف عن الصراط المستقيم. وينبغي أن تعلم: أن طريق الهدى واحدة، لا اعوجاج فيها، ولا التواء، وأما الضلال؛ فطرقه كثيرة، ومتشعبة. قال تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام:
﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ الآية رقم [٣٢] سورة (يونس). وقال الشاعر الحكيم: [البسيط]
الطّرق شتّى وطرق الحقّ مفردة... والسّالكون طريق الحقّ أفراد
لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم... فهم على مهل يمشون قصّاد
والناس في غفلة عمّا يراد بهم... فجلّهم عن سبيل الحق رقّاد
стр. 7312
﴿وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى﴾ أي: فقيرا لا مال لك. ﴿فَأَغْنى:﴾ قال القرطبي-رحمه الله تعالى-:
أي: فأغناك بمال خديجة-﵂. يقال: عال الرجل، يعيل عيلة: إذا افتقر. قال أحيحة بن الجلاح: [الوافر]
فما يدري الفقير متى غناه؟ ... وما يدري الغنيّ متى يعيل؟
وقال الأخفش: وجدك ذا عيال، دليله ﴿فَأَغْنى﴾ ومنه قول جرير: [الكامل]
والله أنزل في الكتاب فريضة... لابن السّبيل وللفقير العائل
وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، واختاره الفراء، وقال: لم يكن غناه عن كثرة المال، ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه، وذلك حقيقة الغنى. وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة المال، والعرض، ولكن الغنى غنى النفس». متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه». أخرجه مسلم، وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ :
«سألت ربي مسألة، وددت أني لم أكن سألته: قلت: يا ربّ! إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا، وفلانا كذا». قال: يا محمد ألم أجدك يتيما، فآويتك؟ قلت: «بلى يا ربّ!». قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: «بلى يا ربّ!» قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: «بلى يا رب!». وزاد في رواية: ألم أشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك؟ قلت: «بلى يا ربّ».
فإن قلت: كيف يحسن بالجواد الكريم أن يمنّ بإنعامه على عبده؛ والمنّ مذموم في صفة المخلوق، فكيف يحسن بالخالق ﵎؟! قلت: إنما حسن ذلك؛ لأنه قصد بذلك أن يقوي قلبه، ويعده بدوام نعمه عليه، فظهر الفرق بين امتنان الله تعالى الممدوح، وبين امتنان الخلق المذموم؛ لأن امتنان الله تعالى زيادة إنعامه، كأنه قال: ما لك تقطع رجاءك عني؟ ألست الذي ربيتك وآويتك، وأنت يتيم صغير؟ أتظنني تاركك، ومضيعك كبيرا؟ بل لا بد وأن أتم نعمتي عليك!. فقد حصل الفرق بين امتنان الخالق وامتنان المخلوق. انتهى. خازن.
هذا؛ ولقد ذكرت لك منّ الله على حبيبه في كثير من السور، وبينت لك الفرق بين منّ الله الممدوح وبين منّ العبد المذموم الذي يحبط العمل، ويضيع الأجر، والثواب، بل ويوجب المقت، والسخط؛ لأن منّ الله على العبد يزيده شكرا له تعالى، كما يزيده طاعة له، ورغبة في عبادته. وأيضا فإن الله هو المالك حقيقة بما ينعم به على العبد ويمنّ به عليه، وأما العبد فإنه غير مالك بما ينعم به على الحقيقة، وإنما هو وكيل على هذه النعم، والمالك على الحقيقة إنّما هو الله تعالى، وأيضا منّ العبد على العبد يورثه ذلة، وانكسارا.
стр. 7313
هذا؛ و (يجد) ماضيه: وجد، والمضارع أصله: يوجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: وجد، أما (عائل) فأصله: عايل؛ لأن الفعل أجوف يائي: عيل، يعيل، فقل في إعلاله: قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة، لكونها حاجزا غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وقل مثله في: قائل وشبهه فإن أصله: قاول فإن فعله أجوف واوي.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. انظر شرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ الآتي. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿يَتِيماً:﴾ مفعول به ثان، وقال الزمخشري: حال من الكاف على تأويل ﴿يَجِدْكَ﴾ ب: «يخلقك»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَآوى:﴾ الفاء: حرف عطف. (آوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ أيضا، والمفعول محذوف لمناسبة رؤوس الآي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ:﴾ ماض، وفاعله مستتر، ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وإعراب ما بعدها لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾
الشرح: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ:﴾ قال مجاهد: لا تحتقر اليتيم، فقد كنت يتيما مثله. وقال الفراء: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى، تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم. انتهى. وكانوا يقولون: كيف نورث أموالنا من لم يدفع عن حمانا، ويحمي نساءنا، وأطفالنا؟! ولذا كانوا لا يورثون النساء، والمعنى: كما كنت يتيما فآواك الله، وأحسن إليك بأن كفلك لعمك أبي طالب، فلا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذله، وتنهره، وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به. وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. لذا كان ﷺ يرفق باليتامى، ويعطف عليهم، ويحث على إكرامهم. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كافل اليتيم له، أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة...». وأشار مالك بالسّبّابة والوسطى. رواه مسلم. وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه». رواه ابن ماجه. وعنه أيضا: أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين». رواه الإمام أحمد، وعن أبي أمامة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «من مسح على رأس يتيم، لم يمسحه إلاّ لله؛ كان له في كلّ شعرة مرت عليها يده حسنات، ومن
стр. 7314
أحسن إلى يتيمة، أو يتيم عنده، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين». وفرق بين أصبعيه: السبابة والوسطى. رواه الإمام أحمد.
ولم يفته ﷺ أن رغب المرأة المتوفى عنها زوجها أن تقعد على يتاماها، ووعدها، وبشرها بالثواب العميم، والأجر الكبير. وخذ ما يلي: فعن عوف بن مالك الأشجعي-﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدّين كهاتين يوم القيامة-وأومأ بيده يزيد بن زريع بالوسطى، والسبابة-امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال، فحبست نفسها على يتاماها؛ حتى باتوا، أو ماتوا». رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أول من يفتح باب الجنة، إلاّ أني أرى امرأة تبادرني، فأقول لها: مالك؟ ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي». رواه أبو يعلى، وأما أكل مال اليتيم بغير حق؛ فقد صرحت بعقوبته آية النساء رقم [١٠].
﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي: لا تزجره، ولكن ردّه ببذل اليسير، أو قول جميل. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٣]: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾. وروي عن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعنّ أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين من ذهب». القلب بضم وسكون: السوار. وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السّؤّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم، فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء؟
وقيل: السائل هو طالب العلم، فيجب إكرامه، وإنصافه بمطلوبه، ولا يعبس في وجهه، ولا ينهر، ولا يتلقى بمكروه، وكان أبو الدرداء-﵁-ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول: مرحبا بأحبة رسول الله ﷺ .
﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي: انشر ما أنعم الله عليك بالشكر، والثناء. والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر. والخطاب للنبي ﷺ ، والحكم عام له، ولغيره. وعن الحسن بن علي ﵄-قال: (إذا أصبت خيرا، أو علمت خيرا؛ فحدّث به الثقة من إخوانك). وقال بكر بن عبد الله المزني-﵁. قال النبي ﷺ : «من أعطي خيرا، فلم ير عليه؛ سمّي:
بغيض الله، معاديا لنعم الله». وروى الشعبي عن النعمان بن بشير-﵄. قال: قال النبي ﷺ : «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس؛ لم يشكر الله، والتحدّث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». رواه البغوي بإسناد الثعلبي. وعن جابر بن عبد الله-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطي عطاء فليجز به؛ إن وجد، فإن لم يجد؛ فليثن عليه، فإنّ من أثنى عليه؛ فقد شكره، ومن كتمه؛ فقد كفره، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذي، وروى النسائي عن
стр. 7315
مالك بن نضلة الجشمي-﵁-قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ ، فرآني رثّ الثياب، فقال: «ألك مال؟». قلت: نعم يا رسول الله، من كلّ المال. قال: «إذا آتاك الله مالا؛ فلير أثره عليك». وروى أبو سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ : أنه قال: «إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده». ولا تنس المقابلة بين هذه الآيات، والتي قبلها، وهي من المحسنات البديعية.
الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. أو هي الفاء الفصيحة. (أما): انظر الآية رقم [١٥] من سورة (الفجر)، والتقدير هنا: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. ﴿الْيَتِيمَ:﴾ مفعول به مقدم، عامله ما بعده، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل، ألا ترى: أن اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم على الجازم، ولو قدمت (تقهر) على (لا)، لامتنع؛ لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يتقدم على جارّه. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [٨] وهي قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ ولا تمنع الفاء هنا من التقديم؛ لأنها كالزائدة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب أما. (لا): ناهية. ﴿تَقْهَرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (أمّا)، لا محل لها، و (أمّا) ومدخولها كلام مفرع عما قبله، ومستأنف، لا محل له، وعلى اعتبار الفاء فصيحة فهو جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا حصل لك ما تقدم؛ فأما اليتيم... إلخ. والكلام بعده معطوف عليه. وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿بِنِعْمَةِ:﴾
متعلقان بما بعدهما، و (نعمة) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
انتهت سورة (الضحى) شرحا، وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7316
سورة الشرح
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة (الشرح) مكية في قول الجميع، وهي ثمان آيات، وسبع وعشرون كلمة، ومئة وثلاثة أحرف. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي: ألم نفتح لك صدرك للإسلام؟! وروى أبو صالح عن ابن عباس-﵄-قال: ألم نلين لك قلبك؟ وروى الضحاك عن ابن عباس أيضا قال: قالوا: يا رسول الله! أينشرح الصدر؟! قال: «نعم وينفسح». قالوا: يا رسول الله! وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت». أخرجه الطبري عن ابن مسعود-﵁. وانظر قوله تعالى في سورة (الزمر) [٢٢]: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٥]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾. قال ابن كثير: وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا سمحا سهلا، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وروي عن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال: ملئ حكما، وعلما. فعن أنس بن مالك، عن مالك ابن صعصعة: أن النبي ﷺ أتاه جبريل-﵇-وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (حليمة) فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون. قال أنس-﵁:
وقد كنت أرى أثر الخيط في صدره. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. أقول: وهذا كان في صغره يوم كان صغيرا رضيعا عند حليمة السعدية-﵂، وتكررت هذه العملية الجراحية في ليلة الإسراء والمعراج على الصحيح.
стр. 7317
هذا؛ ومعنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ:﴾ شرحنا. الدليل على ذلك قوله في العطف: ﴿وَوَضَعْنا،﴾ ﴿وَرَفَعْنا﴾ فهذا عطف على التأويل لا على التنزيل؛ لأنه لو كان على التنزيل؛ لقال: ونضع ونرفع، فدل هذا على أن معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ:﴾ قد شرحنا؛ لأن «لم» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد على جحد رجع إلى التحقيق. انتهى. قرطبي.
أقول؛ وبعبارة أوضح: لما دخلت همزة الاستفهام الإنكاري الإبطالي على (لم) صار إثباتا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهو ما يسمى في علم الإعراب: التقرير. وهذا كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ..﴾. إلخ، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ وفي سورة (التين) آخرها، وفي أول سورة (الفيل)، وغير ذلك، ومن ذلك قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان-وهو الشاهد رقم [١١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟
ولهذا كان هذا البيت أمدح بيت قالته العرب! قيل: لما بلغ البيت عبد الملك كان متكئا، فاستوى جالسا فرحا. وقال: من مدحنا؛ فليمدحنا هكذا، وأعطى جريرا مئة من الإبل، وثمانية أرقاء من السبي، وجام فضة.
﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي: حططنا عنك، وغفرنا لك ذنبك، وهذا مثل قوله تعالى في أول سورة (الفتح): ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾. وقيل: هو الخطأ، والسهو. وقيل:
ذنوب أمتك، فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقيل: المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها؛ لأن الوزر في اللغة: الثقل تشبيها بوزر الجبل. وقيل: معناه: عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك؛ لو كان ذلك الوزر حاصلا، فسمى العصمة: وضعا مجازا، وقد بينت لك في سورة (الفتح)، وفي سورة (النساء) رقم [١٠٥] وغيرها: أن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، وأن ما فعله الرسول ﷺ عن اجتهاد، وعوتب عليه، كإذنه للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وغير ذلك، وهي صغائر مغفورة لهم لهمهم بها، وتحسرهم على فعلها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم، وقربهم من خالقهم، كما قيل:
حسنات الأبرار سيئات المقربين. وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث شبه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإنسان، ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية، وهذا كما ورد من قول النبي ﷺ «إنّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، وإن الفاجر، والمنافق يرى ذنوبه كالذّبابة تطير فوق أنفه، فيقول فيها: هكذا».
﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ:﴾ قال مجاهد: يعني بالتأذين، وفيه يقول حسان-﵁: [الطويل]
أغرّ عليه للنبوة خاتم... من الله مشهود يلوح ويشهد
стр. 7318
وضمّ الإله اسم النّبيّ مع اسمه... إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد
وشقّ له من اسمه ليجلّه... فذو العرش محمود وهذا محمد
وروي عن الضحاك عن ابن عباس-﵄-قال: يقول له: لا ذكرت؛ إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا، والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض، ومغاربها، ولو أن رجلا عبد الله جل ثناؤه، وصدّق بالجنة، والنار، وكلّ شيء، ولم يشهد: أن محمدا رسول الله؛ لم ينتفع بشيء، وكان كافرا. وقيل: أي: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: هو عام في كل شيء، وكم من موضع في القرآن الكريم يذكر فيه النبي ﷺ مقرونا مع ذكر الله تعالى، من ذلك قوله تعالى في سورة (التوبة):
﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ،﴾ وقوله تعالى:
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وغير ذلك.
تنبيه: من الملاحظ زيادة لفظ ﴿لَكَ﴾ في الآية الأولى، وزيادة لفظ ﴿عَنْكَ﴾ في الثانية، وزيادة لفظ ﴿لَكَ﴾ في الرابعة، فأي فائدة في تقديم الزيادة على المفاعيل الثلاثة؛ والمعنى مستقل بدونها؟ والجواب: أن زيادتها مقدمة عليها تفيد إبهام المشروح، والموضوع، والمرفوع، ثم توضيحه، والإيضاح بعد الإبهام أوقع في الذهن. انتهى. جمل نقلا عن زاده، بتصرف كبير مني. وانظر مثله في سورة (طه) رقم [٢٥].
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿نَشْرَحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل مستتر تقديره: «نحن». هذا؛ وقال الزمخشري:
وعن أبي جعفر المنصور: أنه قرأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ بفتح الحاء. وقالوا: لعله بيّن الحاء وأشبعها في مخرجها، فظن السامع: أنه فتحها، انتهى. كشاف. هذا؛ وذكر ذلك ابن هشام ﵀ في مغنيه، وأورد قول الأضبط بن قريع السعدي-وهو الشاهد رقم [١٠٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح]
لا تهين الفقير علّك أن... تركع يوما، والدّهر قد رفعه
وأيضا ما نسب لطرفة بن العبد-وهو الشاهد رقم [١٠٩٩] من كتابنا المذكور-: [المنسرح]
اضرب عنك الهموم طارقها... ضربك بالسّيف قونس الفرس
وأيضا قول الحارث بن المنذر الجرمي-وهو الشاهد رقم [٥٠٢] من الكتاب المذكور-: [الرجز]
стр. 7319
في أيّ يوميّ من الموت أفرّ... أيوم لم يقدر، أم يوم قدر؟
وخرج ابن هشام الآية الكريمة على أن الأصل: (ألم نشرحن لك صدرك) فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة دليلا عليها، وكذلك (لا تهين، واضرب، ولم يقدر) انظر شرح الأبيات الثلاثة، وإعرابها في كتابنا المذكور. ولا بد من القول: إن قراءة الآية بفتح الحاء قراءة شاذة، وعزاها الزمخشري لأبي جعفر المنصور، وهل يعدّ أبو جعفر من القراء؟!
﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صَدْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَضَعْنا:﴾ الواو: حرف عطف.
(وضعنا): فعل، وفاعل. ﴿عَنْكَ:﴾ متعلقان به. ﴿وِزْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من وزرك، أو هو صفة له، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي، وهذان الوجهان على القطع، ﴿أَنْقَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿ظَهْرَكَ:﴾
مفعول به، والكاف مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ معطوفة على الجملة الأولى والثانية، لا محل لها مثلهما، وإعرابها مثلهما بلا فارق.
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦)﴾
الشرح: أي: إن مع الضيق والشدة يسرا؛ أي: سعة وغنى، ثم كرر، فقال ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام، كما يقال: ارم ارم. اعجل، اعجل. قال تعالى في سورة (التكاثر): ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ونظيره في تكرير الجواب: بلى، بلى، لا، لا، نعم، نعم، وذلك للإطناب، والمبالغة. قاله الفراء. وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا، ثم كرروه؛ فهو هو، وإذا نكروه، ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. قاله ثعلب.
قال الحسن-رحمه الله تعالى-: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : «أبشروا فقد جاءكم اليسر، إنه لن يغلب عسر يسرين». وقال ابن مسعود-﵁: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ويخرجه، إنه لن يغلب عسر يسرين. وابن مسعود لا يقول هذا من تلقاء نفسه. وكتب أبو عبيدة-﵁-إلى الفاروق-﵁-يذكر له جموعا كثيرة من الروم، فكتب له الفاروق: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه في سورة (آل عمران): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
стр. 7320
هذا؛ وزيف أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني هذا القول؛ حيث قال: وهذا قول مدخول فيه، إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، فهو لا يوجب أن يكون الفارس واحدا، والسيف اثنين، فمجاز قوله ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين». أن الله بعث نبيه ﷺ وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك طلب الغنى؛ جمعنا لك أموالا؛ حتى تكون أيسر أهل مكة، فاغتم النبي ﷺ لذلك، وظن: أن قومه إنما كذبوه لفقره، فعدد الله عليه في هذه السورة نعمه، ووعده الغنى ليسليه بذلك عما خامره من الغم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ أي: لا يحزنك الذي يقولون، فإن مع العسر الذي في الدنيا يسرا عاجلا، ثم أنجز ما وعده، وفتح عليه القرى القريبة، ووسع ذات يده؛ حتى كان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبة السنية، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمور الآخرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو. وهذا وعد لجميع المؤمنين.
والمعنى: إن مع العسر الذي في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا، وهو ما ذكره الله في الآية الأولى، ويسر الآخرة، وهو ما ذكره في الآية الثانية، فقول النبي ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين». أي: إن عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما، وهو يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة فدائم أبدا غير زائل؛ أي: لا يجتمعان في الغلبة، فهو كقوله ﷺ : «شهرا عيد لا ينقصان» أي: لا يجتمعان في النقص. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف، ولا تنس أن تنكير ﴿يُسْراً﴾ للتفخيم، والتعظيم. هذا؛ ويقرأ في السبعة بسكون السين في الكلم الأربع. وقرأ ابن وثاب، وأبو جعفر، وعيسى بضمها. وفيه خلاف: هل هو أصل، أو مثقل من المسكن. وقال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل رحم، وحلم... إلخ، بعد هذا روح عن نفسك بما يلي. قال الشاعر: [الكامل]
ولربّ نازلة يضيق بها الفتى... ذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلمّا استحكمت حلقاتها... فرجت، وكان يظنّها لا تفرج
ومما يروى عن الشافعي-﵁-قوله: [المنسرح]
صبرا جميلا ما أقرب الفرجا... من راقب الله في الأمور نجا
من صدق الله لم ينله أذى... ومن رجاه يكون حيث رجا
وقال إسحاق بن بهلول القاضي: [الوافر]
فلا تيأس إذا أعسرت يوما... فقد أيسرت في دهر طويل
следующие страницы →