← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

سورة الشرح بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الشرح) مكية في قول الجميع، وهي ثمان آيات، وسبع وعشرون كلمة، ومئة وثلاثة أحرف. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ الشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي: ألم نفتح لك صدرك للإسلام؟! وروى أبو صالح عن ابن عباس-﵄-قال: ألم نلين لك قلبك؟ وروى الضحاك عن ابن عباس أيضا قال: قالوا: يا رسول الله! أينشرح الصدر؟! قال: «نعم وينفسح». قالوا: يا رسول الله! وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت». أخرجه الطبري عن ابن مسعود-﵁. وانظر قوله تعالى في سورة (الزمر) [٢٢]: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٢٥]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾. قال ابن كثير: وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا سمحا سهلا، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وروي عن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قال: ملئ حكما، وعلما. فعن أنس بن مالك، عن مالك ابن صعصعة: أن النبي ﷺ أتاه جبريل-﵇-وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (حليمة) فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه، وهو منتقع اللون. قال أنس-﵁: وقد كنت أرى أثر الخيط في صدره. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه. أقول: وهذا كان في صغره يوم كان صغيرا رضيعا عند حليمة السعدية-﵂، وتكررت هذه العملية الجراحية في ليلة الإسراء والمعراج على الصحيح.

стр. 7317

هذا؛ ومعنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ:﴾ شرحنا. الدليل على ذلك قوله في العطف: ﴿وَوَضَعْنا،﴾ ﴿وَرَفَعْنا﴾ فهذا عطف على التأويل لا على التنزيل؛ لأنه لو كان على التنزيل؛ لقال: ونضع ونرفع، فدل هذا على أن معنى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ:﴾ قد شرحنا؛ لأن «لم» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد على جحد رجع إلى التحقيق. انتهى. قرطبي. أقول؛ وبعبارة أوضح: لما دخلت همزة الاستفهام الإنكاري الإبطالي على (لم) صار إثباتا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهو ما يسمى في علم الإعراب: التقرير. وهذا كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ..﴾. إلخ، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ وفي سورة (التين) آخرها، وفي أول سورة (الفيل)، وغير ذلك، ومن ذلك قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان-وهو الشاهد رقم [١١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] ألستم خير من ركب المطايا... وأندى العالمين بطون راح؟ ولهذا كان هذا البيت أمدح بيت قالته العرب! قيل: لما بلغ البيت عبد الملك كان متكئا، فاستوى جالسا فرحا. وقال: من مدحنا؛ فليمدحنا هكذا، وأعطى جريرا مئة من الإبل، وثمانية أرقاء من السبي، وجام فضة. ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي: حططنا عنك، وغفرنا لك ذنبك، وهذا مثل قوله تعالى في أول سورة (الفتح): ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ﴾. وقيل: هو الخطأ، والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها. وقيل: المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى يبلغها؛ لأن الوزر في اللغة: الثقل تشبيها بوزر الجبل. وقيل: معناه: عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك؛ لو كان ذلك الوزر حاصلا، فسمى العصمة: وضعا مجازا، وقد بينت لك في سورة (الفتح)، وفي سورة (النساء) رقم [١٠٥] وغيرها: أن الرسل معصومون من مقارفة الجرائم، وأن ما فعله الرسول ﷺ عن اجتهاد، وعوتب عليه، كإذنه للمنافقين في التخلف عن الجهاد حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسرى بدر، وغير ذلك، وهي صغائر مغفورة لهم لهمهم بها، وتحسرهم على فعلها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم، وقربهم من خالقهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وفي الكلام استعارة تمثيلية حيث شبه الذنوب بحمل ثقيل يرهق كاهل الإنسان، ويعجز عن حمله بطريق الاستعارة التمثيلية، وهذا كما ورد من قول النبي ﷺ «إنّ المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، وإن الفاجر، والمنافق يرى ذنوبه كالذّبابة تطير فوق أنفه، فيقول فيها: هكذا». ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ:﴾ قال مجاهد: يعني بالتأذين، وفيه يقول حسان-﵁: [الطويل] أغرّ عليه للنبوة خاتم... من الله مشهود يلوح ويشهد

стр. 7318

وضمّ الإله اسم النّبيّ مع اسمه... إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد وشقّ له من اسمه ليجلّه... فذو العرش محمود وهذا محمد وروي عن الضحاك عن ابن عباس-﵄-قال: يقول له: لا ذكرت؛ إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا، والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض، ومغاربها، ولو أن رجلا عبد الله جل ثناؤه، وصدّق بالجنة، والنار، وكلّ شيء، ولم يشهد: أن محمدا رسول الله؛ لم ينتفع بشيء، وكان كافرا. وقيل: أي: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: هو عام في كل شيء، وكم من موضع في القرآن الكريم يذكر فيه النبي ﷺ مقرونا مع ذكر الله تعالى، من ذلك قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ،﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وغير ذلك. تنبيه: من الملاحظ زيادة لفظ ﴿لَكَ﴾ في الآية الأولى، وزيادة لفظ ﴿عَنْكَ﴾ في الثانية، وزيادة لفظ ﴿لَكَ﴾ في الرابعة، فأي فائدة في تقديم الزيادة على المفاعيل الثلاثة؛ والمعنى مستقل بدونها؟ والجواب: أن زيادتها مقدمة عليها تفيد إبهام المشروح، والموضوع، والمرفوع، ثم توضيحه، والإيضاح بعد الإبهام أوقع في الذهن. انتهى. جمل نقلا عن زاده، بتصرف كبير مني. وانظر مثله في سورة (طه) رقم [٢٥]. الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام، وتقرير. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿نَشْرَحْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم) والفاعل مستتر تقديره: «نحن». هذا؛ وقال الزمخشري: وعن أبي جعفر المنصور: أنه قرأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ بفتح الحاء. وقالوا: لعله بيّن الحاء وأشبعها في مخرجها، فظن السامع: أنه فتحها، انتهى. كشاف. هذا؛ وذكر ذلك ابن هشام ﵀ في مغنيه، وأورد قول الأضبط بن قريع السعدي-وهو الشاهد رقم [١٠٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [المنسرح] لا تهين الفقير علّك أن... تركع يوما، والدّهر قد رفعه وأيضا ما نسب لطرفة بن العبد-وهو الشاهد رقم [١٠٩٩] من كتابنا المذكور-: [المنسرح] اضرب عنك الهموم طارقها... ضربك بالسّيف قونس الفرس وأيضا قول الحارث بن المنذر الجرمي-وهو الشاهد رقم [٥٠٢] من الكتاب المذكور-: [الرجز]

стр. 7319

في أيّ يوميّ من الموت أفرّ... أيوم لم يقدر، أم يوم قدر؟ وخرج ابن هشام الآية الكريمة على أن الأصل: (ألم نشرحن لك صدرك) فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة دليلا عليها، وكذلك (لا تهين، واضرب، ولم يقدر) انظر شرح الأبيات الثلاثة، وإعرابها في كتابنا المذكور. ولا بد من القول: إن قراءة الآية بفتح الحاء قراءة شاذة، وعزاها الزمخشري لأبي جعفر المنصور، وهل يعدّ أبو جعفر من القراء؟! ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿صَدْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَضَعْنا:﴾ الواو: حرف عطف. (وضعنا): فعل، وفاعل. ﴿عَنْكَ:﴾ متعلقان به. ﴿وِزْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف مضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب بدلا من وزرك، أو هو صفة له، أو هو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي، وهذان الوجهان على القطع، ﴿أَنْقَضَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي،﴾ وهو العائد. ﴿ظَهْرَكَ:﴾ مفعول به، والكاف مضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ معطوفة على الجملة الأولى والثانية، لا محل لها مثلهما، وإعرابها مثلهما بلا فارق. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦)﴾ الشرح: أي: إن مع الضيق والشدة يسرا؛ أي: سعة وغنى، ثم كرر، فقال ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ فقال قوم: هذا التكرير تأكيد للكلام، كما يقال: ارم ارم. اعجل، اعجل. قال تعالى في سورة (التكاثر): ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ونظيره في تكرير الجواب: بلى، بلى، لا، لا، نعم، نعم، وذلك للإطناب، والمبالغة. قاله الفراء. وقال قوم: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا، ثم كرروه؛ فهو هو، وإذا نكروه، ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر. قاله ثعلب. قال الحسن-رحمه الله تعالى-: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ : «أبشروا فقد جاءكم اليسر، إنه لن يغلب عسر يسرين». وقال ابن مسعود-﵁: لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، ويخرجه، إنه لن يغلب عسر يسرين. وابن مسعود لا يقول هذا من تلقاء نفسه. وكتب أبو عبيدة-﵁-إلى الفاروق-﵁-يذكر له جموعا كثيرة من الروم، فكتب له الفاروق: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه في سورة (آل عمران): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

стр. 7320

هذا؛ وزيف أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني هذا القول؛ حيث قال: وهذا قول مدخول فيه، إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، فهو لا يوجب أن يكون الفارس واحدا، والسيف اثنين، فمجاز قوله ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين». أن الله بعث نبيه ﷺ وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك طلب الغنى؛ جمعنا لك أموالا؛ حتى تكون أيسر أهل مكة، فاغتم النبي ﷺ لذلك، وظن: أن قومه إنما كذبوه لفقره، فعدد الله عليه في هذه السورة نعمه، ووعده الغنى ليسليه بذلك عما خامره من الغم، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ أي: لا يحزنك الذي يقولون، فإن مع العسر الذي في الدنيا يسرا عاجلا، ثم أنجز ما وعده، وفتح عليه القرى القريبة، ووسع ذات يده؛ حتى كان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبة السنية، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمور الآخرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو. وهذا وعد لجميع المؤمنين. والمعنى: إن مع العسر الذي في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا، وهو ما ذكره الله في الآية الأولى، ويسر الآخرة، وهو ما ذكره في الآية الثانية، فقول النبي ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين». أي: إن عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما، وهو يسر الدنيا. فأما يسر الآخرة فدائم أبدا غير زائل؛ أي: لا يجتمعان في الغلبة، فهو كقوله ﷺ : «شهرا عيد لا ينقصان» أي: لا يجتمعان في النقص. انتهى. خازن، وقرطبي بتصرف، ولا تنس أن تنكير ﴿يُسْراً﴾ للتفخيم، والتعظيم. هذا؛ ويقرأ في السبعة بسكون السين في الكلم الأربع. وقرأ ابن وثاب، وأبو جعفر، وعيسى بضمها. وفيه خلاف: هل هو أصل، أو مثقل من المسكن. وقال عيسى بن عمر-رحمه الله تعالى-: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، وأوسطه ساكن، فمن العرب من يخففه، ومنهم من يثقله، وذلك مثل رحم، وحلم... إلخ، بعد هذا روح عن نفسك بما يلي. قال الشاعر: [الكامل] ولربّ نازلة يضيق بها الفتى... ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلمّا استحكمت حلقاتها... فرجت، وكان يظنّها لا تفرج ومما يروى عن الشافعي-﵁-قوله: [المنسرح] صبرا جميلا ما أقرب الفرجا... من راقب الله في الأمور نجا من صدق الله لم ينله أذى... ومن رجاه يكون حيث رجا وقال إسحاق بن بهلول القاضي: [الوافر] فلا تيأس إذا أعسرت يوما... فقد أيسرت في دهر طويل

стр. 7321

ولا تظنن بربّك ظنّ سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كلّ قيل الإعراب: ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿مَعَ﴾ ظرف مكان، أو ظرف زمان؛ لأنها بمعنى: «بعد» متعلق بمحذوف خبر (إنّ) تقدم على اسمها، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، و ﴿الْعُسْرِ﴾ مضاف إليه. ﴿يُسْراً:﴾ اسم (إنّ) مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، والتي بعدها تأكيد لها، لا محل لها مثلها. ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ الشرح: لمّا عدّد الله- -على نبيه ﷺ نعمه السالفة؛ بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها، وأن لا يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة؛ أتبعها بأخرى. والنصب: التعب. قال ابن عباس-﵄: معناه: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة؛ فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة. وقال ابن مسعود-﵁: إذا فرغت من الفرائض؛ فانصب في قيام الليل. وقيل: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك، وآخرتك. وقيل: إذا فرغت من جهاد عدوك؛ فانصب في عبادة ربك. وقيل: إذا فرغت من تبليغ الرسالة؛ فانصب في الاستغفار لك، وللمؤمنين. قال عمر-﵁: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا، لا في عمل دنياه، ولا في عمل آخرته. السبهلل الذي لا شيء معه. وقيل: السبهلل: الباطل. انتهى. خازن. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية «(فانصب)» بكسر الصاد والهمز في أوله. وقالوا: معناه انصب الإمام الذي تستخلفه. وهذا باطل في القراءة باطل في المعنى؛ لأن النبي ﷺ لم يستخلف أحدا. انتهى. ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ أي: تضرع إليه راغبا في الجنة راهبا من النار. وقيل: اجعل رغبتك إلى الله تعالى في جميع أحوالك لا إلى أحد سواه. قال تعالى في مدح زكريا، وغيره من الأنبياء في سورة (الأنبياء): ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَإِذا:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَرَغْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والمتعلق محذوف للتعميم. انظر الشرح، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (إذا) إليها. ﴿فَانْصَبْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (إذا). (انصب): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (إذا)، لا محل لها، و (إذا) ومدخولها كلام مستأنف،

стр. 7322

لا محل له. ﴿وَإِلى رَبِّكَ:﴾ متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَارْغَبْ:﴾ الفاء: حرف صلة. (ارغب): فعل أمر، وفاعله: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على جواب (إذا) لا محل لها مثله. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الشرح) شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7323

سورة التّين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (التين) مكية في قول الأكثر. وقال ابن عباس وقتادة: هي مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة، ومئة وخمسة أحرف. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ الشرح: قال ابن عباس-﵄-وكثير من المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. قيل: إنما خص التين بالقسم؛ لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه غذاء، ويشبه فواكه الجنة، لكونه بلا عجم. ومن خواصه: أنه طعام لطيف، سريع الهضم، لا يمكث في المعدة، يخرج بطريق الرشح، ويلين الطبيعة، ويقلل البلغم. وأما الزيتون، فإنه من شجرة مباركة، فيه إدام، ودهن، يؤكل، ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة، وتربية، وينبت في الجبال التي ليست فيها دهنية، ويمكث في الأرض ألوفا من السنين، فلما كان فيهما من المنافع، والمصالح الدالة على قدرة خالقهما؛ لا جرم أقسم الله بهما. انتهى. خازن. هذا؛ وقال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٢٠]: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ وقال أبو ذر-﵁: أهدي للنبي ﷺ سلّ من تين، فقال: «كلوا». وأكل منه، ثم قال: «لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة؛ لقلت هذه؛ لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وعن معاذ-﵁: أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيّب الفم، ويذهب بالحفر، وهي سواكي، وسواك الأنبياء من قبلي». انتهى. قرطبي. وقيل: هما جبلان، فالتين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس، واسمهما بالسريانية: طورتينا، وطور زيتا؛ لأنهما ينبتان التين، والزيتون. وقيل: هما مسجدان، ف: (التين) مسجد دمشق، و (الزيتون) مسجد بيت المقدس، وإنما حسن القسم بهما؛ لأنهما موضع طاعة. وقيل: (التين) مسجد أصحاب الكهف، و (الزيتون): مسجد إيلياء. وقيل: (التين) مسجد نوح الذي بناه على الجودي، و (الزيتون) مسجد بيت المقدس. هذا؛ ويجوز أن

стр. 7324

يكون ذلك على حذف مضاف؛ أي: ومنابت التين والزيتون، ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه. قاله النحاس. قال القرطبي-﵀: أصح هذه الأقوال الأول؛ لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. وإنما أقسم بالتين؛ لأنه كان ستر آدم في الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ رقم [٢٢] من سورة (الأعراف)، والآية رقم [١٢١] من سورة (طه). وقيل: أقسم به ليبين وجه المنة العظمى فيه، فإنه جميل المنظر، طيب المخبر، نشر الرائحة، سهل الجنى، على قدر المضغة، وقد أحسن القائل فيه: [المنسرح] انظر إلى التّين في الغصون ضحى... ممزّق الجلد مائل العنق كأنّه ربّ نعمة سلبت... فعاد بعد الجديد في الخلق أصغر ما في النهود أكبره... لكن ينادى عليه في الطّرق وقال آخر: [البسيط] التّين يعدل عندي كلّ فاكهة... إذا انثنى حائلا في غصنه الزاهي مخمّش الوجه قد سالت حلاوته... كأنه راكع من خشية الله وأقسم ب: (الزيتون)؛ لأنه مثل به إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ..﴾. إلخ رقم [٣٥] من سورة (النور)، وهو أكثر أدم أهل الشام، والمغرب يصطبغون به، ويستعملونه في طعامهم، ويستصبحون به، ويداوى به أدواء الجوف، والقروح، والجراحات، وفيه منافع كثيرة. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ يعني: الجبل الذي كلم الله عليه موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، و ﴿سِينِينَ﴾ اسم للمكان الذي فيه الجبل، سمي: سينين، وسيناء لحسنه، ولكونه مباركا، وكل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى: سينين وسيناء. قال تعالى في سورة (المؤمنون) رقم [٢٠]: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ ولم ينصرف ﴿سِينِينَ،﴾ كما لم ينصرف: سيناء؛ لأنه جعل اسما لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسما للمكان، أو للمنزل، أو اسم مذكر؛ لانصرف. ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ يعني: الآمن، وهو مكة حرسها الله تعالى؛ لأنه الحرم الذي يأمن فيه الناس في الجاهلية، والإسلام، لا ينفر صيده، ولا يعضد شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد، كما قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وكان ذلك تحقيقا لدعوة إبراهيم، وإجابة لسؤاله، كما رأيت في سورة (البقرة) رقم [١٢٦]، ورقم [٣٥] من سورة (إبراهيم).

стр. 7325

هذا؛ وقال الليث: البلد: كل موضع من الأرض، عامر، وغير عامر، خال، أو مسكون، والطائفة بلدة، والجمع بلاد. زاد غيره، والمفازة تسمى: بلدة لكونها مسكن الوحش والجن، وأورد بيت الأعشى من معلقته رقم [٣٥]: [البسيط] وبلدة مثل ظهر الترس موحشة... للجنّ بالّليل في حافاتها زجل وقول جران العود-وهو الشاهد رقم [٤١٨] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز] وبلدة ليس بها أنيس... إلاّ اليعافير وإلاّ العيس وهي مؤنثة، كما ترى، ومنه قوله تعالى في كثير من الآيات. قال تعالى في سورة (النمل) رقم [٩١]: ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها،﴾ وقال في سورة (ق) رقم [١١]: ﴿وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً..﴾. إلخ وقد ورد في القرآن الكريم لفظ: بلد، وبلدة، وبلاد بكثرة. الإعراب: ﴿وَالتِّينِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. وانظر ما ذكرته في أول (المرسلات) و (النازعات) و (الذاريات). (الزيتون وطور): معطوفان على (التين)، و (طور) مضاف، و ﴿سِينِينَ﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وبعضهم يعتبره مجرورا بالياء، وهو ضعيف. ﴿وَهذَا:﴾ الواو: حرف عطف. الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل جر معطوف على التين. ﴿الْبَلَدِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿الْأَمِينِ:﴾ صفة ﴿الْبَلَدِ﴾. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥)﴾ الشرح: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ..﴾. إلخ أي: في أحسن صورة، وأجمل شكل؛ لأنه تعالى خلق كل شيء منكبا على وجهه، وخلق الإنسان مستويا، وله لسان ناطق، ويد وأصابع يقبض بها، وهو مزين بالعقل، مؤد للأمر، مهذب بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، فإن الله خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا، بصيرا، مدبرا، حكيما. وهذه صفات الرب سبحانه، وعبر عنها البيان بقوله ﷺ : «إن الله خلق آدم على صورته». يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها. وفي رواية: «إنّ الله خلق آدم على صورة الرحمن». ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة؟ فلم يبق إلا أن تكون معاني. انتهى. قرطبي بتصرف. هذا؛ وإن (أل) في ﴿الْإِنْسانَ﴾ لاستغراق الجنس بمعنى: كل إنسان، لذا صح الاستثناء الآتي منه. هذا؛ فلو قال: إن لم يكن وجهك أحسن من القمر، أو إن لم أكن أحسن من القمر، فأنت طالق؛ لم تطلق، وإن كان زنجيا أسود. هذا؛ وأراد ب: (التقويم) القوام؛ لأن التقويم فعل الباري تعالى، وهو من أوصاف الخالق، لا المخلوق.

стр. 7326

فائدة: يحكى أن الشاعر ذا الرمة أردف أخاه خلفه، فعرضت لهما ظبية، فقال-وهذا هو الشاهد رقم [١٣٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] فيا ظبية الوعساء بين جلاجل... وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم؟ فقال له أخوه: فلو تحسن التشبيه، والوصف لم تقل لشاة النقا: آأنت أم أمّ سالم؟ جعلت لها قرنين فوق جبينها، وظلفين مشقوقين تحت القوائم. فقال ذو الرمة: [الطويل] هي الشّبه إلاّ مدرييها وأذنها... سواء وإلاّ مشقة في القوائم مدرييها: تثنية مدرى، ومدراة، وهي المشط، والقرن، وهو المراد هنا. ذكر الإمام القرطبي-رحمه الله تعالى-أن عيسى الهاشمي كان يحب زوجته حبا شديدا، فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا، إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه. وقالت: طلقتني. فحزن حزنا شديدا، وذهب إلى الخليفة المنصور، وأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء، واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت، إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فقد بقي ساكتا، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ فليس شيء أحسن من الإنسان! فقال: صدقت. وردها إلى زوجها. انتهى. ولقد أحسن الصابوني حيث قال في الرد على داروين ومن يقول بنظريته في تطور الإنسان. بعد أن أورد الآية التي نحن بصدد شرحها، والآية رقم [٧٠] من سورة (الإسراء): فهل من تكريم الله لبني آدم أن يجعلهم من صنف القردة؟ وهل من تفضيله إياهم أن يلحق نسبهم بالقردة، أو يجعلهم من فصيلة الشمبانزي، والغوريلا؟ وإذا قلنا لأتباع داروين: يا بني القردة، والخنازير، فهل يرضوان عنا، أم سيغضبون؟! [الخفيف] ربّ إنّ الهدى هداك وآيا... تك حقّ تهدي بها من تشاء ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، ورددناه بعد ذلك التقويم، والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة، والشكل؛ حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشنن جلده، وكلّ سمعه، وبصره، وتغير كل شيء منه، فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرق. قال تعالى في سورة (يس) رقم [٦٨]: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ،﴾ وقال تعالى في سورة (النحل) رقم [٧٠]، وفي سورة (الحج) رقم [٥]: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ وفي الحج: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾. هذا؛ وقيل: المراد: رددناه إلى النار؛ لأنها دركات بعضها أسفل من بعض، فيكون في أقبح هيئة، وأبشع شكل، وأنتن رائحة بعد أن أكرمه الله في الدنيا بحسن الصورة، وجمال المنظر، وفضله على كثير مما خلق تفضيلا. وقال الآلوسي-رحمه الله تعالى-: والمتبادر من

стр. 7327

السياق الإشارة إلى حالة الكافر يوم القيامة، وأنه يكون على أقبح صورة، وأبشعها، بعد أن كان على أحسن صورة وأبدعها. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦٤] من سورة (غافر) تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿لَقَدْ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَقْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، وما عطف عليه. ﴿فِي أَحْسَنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ،﴾ و ﴿أَحْسَنِ﴾ مضاف، و ﴿تَقْوِيمٍ﴾ مضاف إليه، و ﴿أَحْسَنِ﴾ صفة لموصوف محذوف، التقدير: في تقويم أحسن تقويم. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿رَدَدْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها. ﴿أَسْفَلَ:﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من الضمير المنصوب. والثاني: أنه صفة لموصوف محذوف، التقدير: رددناه مكانا أسفل. وقيل: مفعول ثان لرد. و ﴿أَسْفَلَ:﴾ مضاف، و ﴿سافِلِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء... إلخ. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ: فإنهم لا يردون إلى النار، أو إلى أسفل سافلين، وعلى القول الأول يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى: ثم رددناه أسفل سافلين، فزال عقله، وانقطع عمله، فلا تكون له حسنة، لكن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم، والضعف؛ فإنه يكتب لهم بعد الهرم والخرف مثل الذي كانوا يعملون في حالة الشباب، والصحة. وقال ابن عباس-﵄: هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على زمن النبي ﷺ ، فأنزل الله عذرهم، وأخبرهم: أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم. فعلى هذا القول السبب خاص، وحكمه عام. وروي عن ابن عباس-﵄-قال: إلا الذين قرؤوا القرآن. وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. وهذا ما أرجوه، وآمله من كرم الله مع التوفيق للعمل به من فضله، ومعونته تعالى. ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال ابن عباس-﵄: غير مقطوع. مأخوذ من مننت الحبل: إذا قطعته، ومنه قول ذي الإصبع العدواني: [البسيط] إني لعمرك ما بابي بذي غلق... على الصّديق ولا زادي بممنون وعنه أيضا، ومقاتل: غير منقوص، ومنه: المنون. أي: الموت؛ لأنها تنقص منّة الإنسان؛ أي: قوته، وعمره. وقاله قطرب، وأنشد قول زهير من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان: [البسيط] فضل الجياد على الخيل البطاء فلا... يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا وقال مجاهد: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير محسوب. وقيل: غير ممنوع عليهم به؛ أي: ممتن به عليهم. قال السدي: نزلت الآية في الزمنى، والمرضى، والهرمى؛ إذا ضعفوا عن الطاعة؛ كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه، وخذ في تأييد ذلك ما يلي:

стр. 7328

فعن أبي موسى الأشعري-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرض العبد، أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا». رواه البخاري، وأبو داود. وعن عبد الله بن عمر-﵄-عن النبي ﷺ قال: «إنّ العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثمّ مرض. قيل للملك الموكّل به: اكتب له مثل عمله، إذا كان طليقا حتى أطلقه، أو أكفته إليّ». رواه الإمام أحمد. الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء منقطع. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَلَهُمْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿أَجْرٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُ:﴾ صفة له، و ﴿غَيْرُ﴾ مضاف، و ﴿مَمْنُونٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والجملة الاسمية خبره، وزيدت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، ومضمون الجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستثنى من مضمون الكلام السابق؛ فلا بأس به، والمعنى يؤيده، ومر معنا كثير مثله، وتكون ﴿إِلاَّ﴾ بمعنى: لكن. ولا تنس: أنّ الفاء لم تزد في آخر سورة (الانشقاق)؛ مع أن المعنى متقارب. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)﴾ الشرح: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾ يعني: يا أيها الإنسان. ﴿بَعْدُ:﴾ بعد هذه الحجة، والبرهان. ﴿بِالدِّينِ﴾ أي: بالحساب، والجزاء. والاستفهام فيه توبيخ، وتأنيب، وإلزام للحجة. والمعنى: فما الذي يلجئك أيها الإنسان إلى هذا الكذب، والتكذيب بيوم الحساب، والجزاء، ألا تتفكر في صورتك، وشبابك، ومبدأ خلقك، ثم هرمك، وشيخوختك، فتعتبر، وتقول: إن الذي فعل بي ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني، وقد أخبرك محمد ﷺ بما يؤول إليه أمرك، إما إلى جنة، وإما إلى نار؟! وقيل: هو خطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: فمن يكذبك أيها الرسول بعد ظهور هذه الدلائل، والبراهين؟! وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب. انظر الالتفات في سورة (الملك) رقم [٢٠]. ﴿أَلَيْسَ اللهُ..﴾. إلخ أي: بأقضى القاضين، وأصحهم، وأنفذهم قضاء؛ لأن قضاءه في خلقه نافذ، ولا بد، بخلاف قضاء غيره من القضاة، فكثيرا ما يخطئ، أو يرد، ولا ينفذ، فالله يحكم يوم القيامة بين أهل الحق، وأهل الباطل، وبين المظلومين، وبين الظالمين. وانظر الاستفهام التقريري في أول سورة (الشرح).

стр. 7329

وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فقرأ: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (القيامة). الإعراب: ﴿فَما:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فما يكذبك؟! (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُكَذِّبُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى (ما)، والكاف في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدر ب: «إذا»، والكلام مستأنف، لا محل له. ﴿بَعْدُ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وبني على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى. ﴿بِالدِّينِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا. ﴿أَلَيْسَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام وتقرير. (ليس): فعل ماض ناقص. ﴿اللهُ:﴾ اسمها. ﴿بِأَحْكَمِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (أحكم): خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و (أحكم) مضاف، و ﴿الْحاكِمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء... إلخ، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (التين) شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7330

سورة العلق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (العلق) وهي تسع عشرة آية، واثنتان وتسعون كلمة، ومئتان وثمانون حرفا. قال أكثر المفسرين: هذه السورة أول سورة نزلت من القرآن، وأول ما نزل منها خمس آيات من أولها إلى قوله: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. وانظر ما ذكرته في أول سورة (المدثر). فعن عائشة أم المؤمنين-﵂-أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة-ولمسلم: الصادقة في النوم-فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها؛ حتى جاءه الوحي. وفي رواية: حتى فجأه الحقّ، وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ!» قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ!» فأخذني فغطني الثانية؛ حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ!» فأخذني فغطني الثالثة؛ حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١) ... ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتى دخل على خديجة بنت خويلد، فقال: «زمّلوني! زملوني!» فزملوه؛ حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة-﵂: «أي: خديجة! مالي؟» وأخبرها الخبر. وقال: «لقد خشيت على نفسي!» قالت له خديجة-﵂: كلا أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق! فانطلقت به خديجة-﵂-حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد، بن عبد العزى-وهو ابن عمّ خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي-فقالت له خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك! فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى. يا ليتني فيها جذعا! ليتني أكون حيا؛ إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟». قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيا؛ أنصرك نصرا مؤزرا! ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي.

стр. 7331

زاد البخاري؛ قال: وفتر الوحي فترة؛ حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه، تبدّى له جبريل ﵇، فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ عينه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي؛ غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل؛ لكي يلقي نفسه منه؛ تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك. انتهى. خازن. في هذا الحديث دليل صحيح صريح على أن سورة (العلق) أول ما نزل من القرآن، وفيه ردّ على من قال: إن (المدثر) أول ما نزل من القرآن، وقد تقدّم الكلام على ذلك، والجمع بين القولين في أول سورة (المدثر) وهذا الحديث من مراسيل الصحابة؛ لأن عائشة-﵂ لم تدرك هذه القصة، فيحتمل أنها سمعتها من النبي ﷺ ، أو من غيره من الصحابة، ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء، إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. وإنما ابتدئ ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك، فيأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تحملها القوى البشرية، فبدئ بأول علامات النبوة توطئة للوحي. انتهى. خازن. هذا؛ وذكر السيوطي في إتقانه: أن أول سورة (اقرأ) مشتمل على ما اشتملت عليه (الفاتحة) من براعة الاستهلال، لكونها أول ما نزل من القرآن، فإن فيها الأمر بالقراءة، وفيها البداءة باسم الله، وفيها الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب، وإثبات ذاته، وصفاته، من صفة ذات، وصفة فعل، وفي هذا الإشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ ولهذا قيل: إنها جديرة أن تسمى: عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله. انتهى. جمل بحروفه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ الشرح: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أي: اقرأ القرآن مفتتحا قراءتك باسم ربك الجليل؛ الذي خلق جميع المخلوقات، وأوجد جميع العوالم، فهو أمر صريح بافتتاح القراءة بالبسملة، بعد الاستعاذة التي أمر الله بها في سورة (النحل) رقم [٩٨]: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: سواء قرأت في الصلاة، أو في خارجها. وهذا إذا قرأ من أول السورة، أما إذا قرأ من أثناء سورة فإنه إن كان في غير الصلاة؛ سنّ له أن يبسمل، وإن كان فيها لم تسن له البسملة؛ لأن قراءة السورة بعد الفاتحة تعد قراءة واحدة. هذا؛ وحذف مفعول ﴿خَلَقَ﴾ للتعميم؛ أي: خلق جميع العوالم، ثم خص خلق الإنسان بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ:﴾ فذكره بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجنس؛ أي: كل إنسان. وقال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ ولم يقل: من نطفة لمناسبة رؤوس الآي. وخص الإنسان بالذكر تشريفا، وتكريما له على جميع المخلوقات.

стр. 7332

﴿اِقْرَأْ﴾ أي: القرآن. ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ:﴾ الذي لا يساويه، ولا يدانيه كريم، ينعم على عباده بالنعم؛ التي لا تحصى، ويحلم عنهم، فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم، وجحودهم لنعمه، واقترافهم المناهي، وتركهم الأوامر، ويقبل توبتهم إذا تابوا، ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية، ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكريم بإفادة الفوائد العلمية تكريم؛ حيث قال: ﴿الْأَكْرَمُ﴾. ﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾ أي: الخط، والكتابة. ﴿بِالْقَلَمِ:﴾ فدل على كمال كرمه، وفضله بأنه علّم عباده ما لم يعلموا. وروى سعيد عن قتادة قال: القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه سبحانه بأنه علّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي؛ ما استقامت أمور الدين، والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل إلا أمر القلم، والخط؛ لكفى، وسمي قلما؛ لأنه يقلم؛ أي: يقطع، ومنه تقليم الأظافر. وقال بعض الشعراء المحدثين في وصف القلم: [الكامل] فكأنّه والحبر يخضب رأسه... شيخ لوصل خريدة يتصنّع ألاّ ألاحظه بعين جلالة... وبه إلى الله الصحائف ترفع وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: يا رسول الله! أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: «نعم اكتب فإن الله علّم بالقلم». وروى مجاهد عن ابن عمر قال: خلق الله أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر المخلوقات: كن، فكان: القلم، والعرش، والجنة، وآدم ﵇. واختلف فيمن خط بالقلم أولا: فقيل: إدريس. وقيل: آدم، على نبينا، وحبيبنا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ألف صلاة، وألف سلام، ونبينا ﷺ كان أميا لم يتعلم الكتابة، والقراءة، وكان عيسى ﵇ حسن الخط. هذا؛ وقال العلماء: فالأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول الذي خلقه الله بيده، وأمره أن يكتب ما كان، وما يكون، وما هو كائن إلى يوم القيامة. والقلم الثاني: أقلام الملائكة؛ التي جعلها الله بأيديهم، يكتبون بها المقادير، والكوائن، والأعمال، والآجال، والأرزاق... إلخ. والقلم الثالث: أقلام الناس جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها إلى مآربهم. وفي الكتابة فضائل جمة، وفوائد عظيمة، والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص الله به الآدمي. انتهى. قرطبي بتصرف كبير. وانظر مطلع سورة (القلم)، وما ذكرته في سورة (الانفطار) وفي سورة (ق)، و (الطارق).

стр. 7333

﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ قيل: الإنسان هنا: آدم ﵇، علمه الله أسماء كل شيء حسب ما نطق به القرآن في سورة (البقرة) رقم [٣١]: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ فلم يبق شيء إلا وعلّم الله سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكره آدم للملائكة كما علمه، وبذلك ظهر فضله، وعلا قدره، وثبتت نبوته، وقامت حجة الله على الملائكة، وامتثلت الملائكة الأمر لما رأت من شرف الحال، ورأت من جلال القدرة. انظر آية (البقرة) المذكورة. وقيل: المراد بالإنسان النبي ﷺ ، دليله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٣]: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ وقيل: هو عام لجميع البشر لقوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٧٨]: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ والله أعلم بمراده. تنبيه: وإنا لنفخر نحن معاشر المسلمين بقرآننا الذي يحثنا على العلم، ويرغبنا فيه، ودليلنا هذه الآيات التي أنزلت على قلب محمد ﷺ ، وهي أول ما أنزل عليه، كيف لا؟ وقد أقسم الله ب: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ بسورة (القلم) ونبينا الكريم ﷺ الذي جاء بالهدى، والعلم، والنور، رغبنا في طلب العلم، وجعله جهادا أعظم الجهاد، وخذ ما يلي: فعن أبي الدرداء-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع. وإن العالم ليستغفر له من في السموات، ومن في الأرض؛ حتى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء. وإنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا، ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظّ وافر». رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من جاءه أجله، وهو يطلب العلم لقي الله؛ ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوّة». رواه الطبراني في الأوسط. وعن أبي أمامة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالعالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف حتى تشفع للنّاس». رواه الأصبهاني، وغيره. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». رواه مسلم، وغيره. وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كلّ درجتين حضر الفرس سبعين عاما، وذلك؛ لأن الشيطان يبدع البدعة للناس، فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادة ربّه لا يتوجّه لها، ولا يعرفها». رواه الأصبهاني. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «فقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد». رواه الترمذي، وابن ماجه، والبيهقي.

стр. 7334

الإعراب: ﴿اِقْرَأْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والمفعول محذوف، التقدير: اقرأ القرآن. ﴿بِاسْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال، التقدير: مفتتحا باسم. وقيل: الباء صلة. و (اسم) هو المفعول، التقدير: اقرأ اسم، و (اسم): مضاف، و ﴿رَبِّكَ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر صفة ﴿رَبِّكَ،﴾ أو بدل منه، ويجوز اعتباره خبرا لمبتدأ محذوف، التقدير: هو الذي، كما يجوز اعتباره مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أعني الذي. وهذان الوجهان على القطع. ﴿خَلَقَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة ﴿الَّذِي﴾. ﴿خَلَقَ:﴾ بدل من سابقه، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ عَلَقٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْإِنْسانَ﴾. ﴿اِقْرَأْ:﴾ فعل أمر، وفاعله: أنت، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية مؤكدة لسابقتها، لا محل لها مثلها، الأولى بالابتداء، والثانية بالإتباع. ﴿وَرَبُّكَ:﴾ الواو: واو الحال. (ربك الأكرم): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الفاعل المستتر، والرابط: الواو، والضمير. ﴿الَّذِي:﴾ قل فيه مثل سابقه، وجملة: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والمفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني: الجار، والمجرور. ﴿عَلَّمَ:﴾ فعل ماض بدل من سابقه أيضا، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ أيضا. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ثان. ﴿عَلَّمَ:﴾ حرف جازم. ﴿يَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿عَلَّمَ،﴾ والفاعل يعود إلى الموصول أيضا، والجملة صلة ﴿ما﴾ والعائد محذوف، التقدير: الذي لم يعلمه. ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله لطغيانه؛ وإن لم يذكر لدلالته عليه. وانظر شرح ﴿كَلاّ﴾ في سورة (المدثر) رقم [١٦]. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ:﴾ المراد به: أبو جهل الخبيث، ﴿لَيَطْغى:﴾ ليتجاوز الحد، ويتعالى على ربه بكفره، وخروجه عن طاعته. ويقال: طغى، يطغى، يطغو، طغيانا، وطغوانا: جاوز الحد، وكل مجاوز حده في العصيان طاغ، كل مسرف في الظلم، والمعاصي طاغ، وطغى البحر: هاجت أمواجه، وطغى السيل: جاء بماء كثير. قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ رقم [١١] من سورة (الحاقة). ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ أي: رأى نفسه غنيا، فقد تعدى الفعل إلى ضميرين لواحد. وهذا خاص بأفعال القلوب. يقال: رأيتني، وعلمتني، ومعنى الرؤية: العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار؛ لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين.

стр. 7335

﴿إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ أي: المرجع في الآخرة، وفيه تهديد، وتحذير لهذا الإنسان من عاقبة الطغيان. ثم هو عام لكل طاغ متكبر، وإن الله سيحاسب العبد على المال؛ الذي يصل إليه من أين جمعه؟ وفيم أنفقه؟ وهو صريح قول النبي ﷺ : «ما تزال قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟». رواه البيهقي، وغيره عن معاذ-﵁. ولا تنس: أن ﴿الرُّجْعى﴾ بمعنى الرجوع فهي مصدر، ولا تنس الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. وانظر الآية رقم [٢٠] من سورة (الملك). الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر. وقيل: هي بمعنى حقا. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسمها. ﴿لَيَطْغى:﴾ اللام: هي المزحلقة. (يطغى): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره: «هو»، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿رَآهُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، وهو في محل نصب ب: ﴿إِنَّ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «هو»، والهاء مفعول به أول. ﴿اِسْتَغْنى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾ أيضا، والجملة الفعلية في محل نصب مفعول به ثان، و ﴿إِنَّ﴾ والفعل (رأى) في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: لأن رآه، أو لأجل، ولذا قالوا عنه: في محل نصب مفعول لأجله. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يطغى). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل، ﴿إِلى رَبِّكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقدم على اسمها، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، ﴿الرُّجْعى:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى (١٠)﴾ الشرح: نزلت السورة في أبي جهل الخبيث، ما عدا الآيات الخمس الأول التي حدثتك عنها، وعن سبب نزولها. والمناسبة بين تلك الآيات الخمس، وبين بقية السورة مع تطاول الزمن بين النزولين هو المقارنة بين العلم، والجهل وما يؤول إليه أمر كل منهما، وهو معروف لدى كل إنسان، لذا أحمد الله، وأتمثل بقول القائل: [الوافر] رضينا قسمة الجبار فينا... لنا علم وللجهّال مال ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلّى:﴾ تعجيب من حال ذلك الشقي الفاجر؛ أي: أخبرني يا محمد عن حال ذلك المجرم الأثيم؛ الذي ينهى عبدا من عباد الله عن الصلاة، ما أسخف

стр. 7336

عقله، وما أشنع فعله! قال أبو السعود: هذه الآية تقبيح وتشنيع لحال الطاغي، وتعجيب منها، وإيذان بأنها من الشناعة، والغرابة بحيث يقضي منها العجب. وقد أجمع المفسرون على أن العبد المصلي هو محمد ﷺ ، وأن الذي نهاه هو أبو جهل اللعين؛ حيث قال: لئن رأيت محمدا يصلي؛ لأطأن عنقه! وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم. فقال: واللات، والعزى لئن رأيته يفعل ذلك؛ لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب! قال: فأتى رسول الله ﷺ ؛ وهو يصلي؛ ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه! فقيل له: مالك؟! قال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا، وأجنحة! فقال النبي ﷺ : «لو دنا مني؛ لاختطفته الملائكة عضوا عضوا». فأنزل الله هذه الآية. انتهى. خازن. والمعنى: أرأيت الذي ينهى أشد الخلق عبودية لله عن طاعته لله تعالى، وهذا دأبه، وعادته. وقيل: إن هذا الوعيد يلزم لكل من ينهى عن الصلاة، وعن طاعة الله تعالى، ولا يلزم منه عدم جواز المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، وفي الأوقات المكروهة؛ لأنه قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة، ولا يلزم من ذلك أيضا عدم جواز السيد عبده، والرجل زوجته عن قيام الليل، وصوم التطوع، والاعتكاف؛ لأن في ذلك استيفاء مصلحة، إلا أن يأذن فيه المولى، والزوج. انتهى. خازن. هذا؛ والمراد ب: ﴿عَبْداً﴾ النبي ﷺ ، والتنكير للتفخيم، والتعظيم، وللمبالغة في تقبيح النهي، والدلالة على كمال عبودية المنهي. هذا؛ وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في المقام العظيم في ليلة الإسراء، والمعراج؛ حيث قال جل ذكره: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع] يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي علما بأنه ﷺ ، لم يذكر باسمه الصريح في القرآن إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران) وسورة (الأحزاب) وسورة (محمد) وسورة (الفتح) وذكر باسم: أحمد في سورة (الصف) وذكر باسم طه في سورة (طه) وذكر باسم: ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد: الإنسان حرا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك. الإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. وانظر الكلام على المفعول الثاني

стр. 7337

فيما بعد. ﴿يَنْهى:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل يعود إلى ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿عَبْداً:﴾ مفعول به. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل قبله. ﴿صَلّى:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿عَبْداً،﴾ والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢)﴾ الشرح: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ أي: أخبرني إن كان هذا العبد المصلي، وهو النبي ﷺ الذي تنهاه عن الصلاة صالحا مهتديا على الطريقة المستقيمة في قوله، وفعله. ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى﴾ أي: أو كان المنهي عن الصلاة آمرا بالإخلاص، والتوحيد، وطاعة الله، داعيا إلى الهدى، والرشاد، كيف تنهاه، وتزجره؟! فما أبلهك أيها الغبي الذي تنهى من أوصافه هذه: عبد مطيع لله مهتد منيب، داع إلى الهدى، والرشاد؟ فما أعجب من ينهى عن الخير، ويأمر بالشر، وهو أبو جهل الخبيث؛ الذي يتهدد النبي ﷺ ويتوعده: ليفعلن كذا، وكذا! إن وجده يصلي بجوار الكعبة! هذا هو الظاهر: أن الذي على الهدى، أو أمر بالتقوى هو محمد ﷺ ، وهو اختيار ابن عطية، والقرطبي، والخازن، وغيرهم. وذهب الزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنسفي كعادتهما إلى أن المراد الناهي. لذا قال الزمخشري: ومعناه: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته، إن كان ذلك الناهي على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله، أو كان آمرا بالمعروف، والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقد. والمعنى عليه ضعيف كما ترى، لذا فالمعتمد الأول. الإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام تعجبي. (رأيت): فعل، وفاعل. وانظر الكلام على مفعوليه فيما بعد. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمه يعود إلى المنهي، أو الناهي، كما رأيت في الشرح. ﴿عَلَى الْهُدى:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿كانَ،﴾ والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب الشرط محذوف، التقدير: إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني. قال الزمخشري: فإن قلت: فكيف صح أن يكون (الم يعلم) جوابا للشرط؟ قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك؛ أتكرمني؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه؟ ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف، وهي بمعنى الواو. ﴿أَمَرَ:﴾ فعل ماض، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى المنهي، أو إلى الناهي. ﴿بِالتَّقْوى:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ.

стр. 7338

﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى (١٤)﴾ الشرح أي: أخبرني يا محمد عن ذلك المجرم الآثم الناهي لك عن طاعة الله إن كذب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ أي: ألم يعلم ذلك الشقي: أن الله مطلع على أحواله، مراقب لأفعاله، وسيجازيه عليها، ويله ما أجهله وأغباه؟! وفيه وعيد شديد، وتهديد عظيم. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. ﴿وَتَوَلّى:﴾ الواو: حرف عطف. (تولى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى الآثم الناهي، تقديره: «هو». ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف تقرير، وجزم، وتوبيخ، وتقريع. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل تقديره: «هو» يعود إلى المجرم الناهي. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَرى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. هذا؛ وإن اعتبرت الباء صلة؛ فالمصدر يكون قد سد مسد المفعول، فهو في محل جر لفظا، وفي محل نصب محلا، والجملة الفعلية جواب الشرط، انظر كلام الزمخشري في الآية السابقة. هذا؛ وقد قال الجمل-رحمه الله تعالى-: واعلم: أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إذا كانت بمعنى: أخبرني كما هنا، فإنها تتعدى إلى مفعولين، ثانيهما جملة استفهامية. وقد تقدم هذا غير مرة، وهنا قد ذكرت ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فتكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً﴾ الواقع مفعولا أول ل: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، وأما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى فمفعولها الأول ﴿الَّذِي،﴾ والثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة، وأما ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، فحذف الأول لدلالة المفعول الأول من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى عليه، وحذف الثاني لدلالة مفعول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الثالثة عليه، فقد حذف الثاني من ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس ذلك من باب التنازع؛ لأنه يستدعي إضمارا، والجمل لا تضمر، إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة. انتهى. سمين. وأما جواب الشرط الذي في حيز الثانية، والثالثة؛ فمحذوف يدل عليه الجملة الاستفهامية، والتقدير: إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى ألم يعلم ذلك الناهي بأن الله يرى. وتقديره في الثالثة: إن كذب،

стр. 7339

وتولى ألم يعلم بأن الله يرى، كما يؤخذ من صنيع السمين في سورة (الأنعام) رقم [٤٠] وانظر ما ذكرته في سورة (يونس) رقم [٥٠]. ونقل هنا إعرابا عن الزمخشري محصله: أن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الأولى مفعولها الأول الموصول، وأن الثانية زائدة مكررة للتوكيد. وأن المفعول الثاني للأولى هو جملة الشرط الذي في حيز الثانية مع جوابها المحذوف؛ الذي يقدر جملة استفهامية، وهي التي صرح بها في حيز الثالثة، وأن مفعول الثالثة الأول محذوف، تقديره: أرأيته، وجملة الشرط الذي بعدها، وجوابه، وهو جملة الاستفهام المصرح بها سادة مسد المفعول الثاني. وقال في تقرير هذا الإعراب، انظر قول الزمخشري في الآية رقم [١١]. ﴿كَلاّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ ردع، وزجر للناهي المجرم الآثم. ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أي: الخبيث أبو جهل عن إيذائك يا محمد، ولم ينته عن الكفر. ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ أي: لنأخذن بناصيته؛ أي: فلنذلنه في الدنيا. وقيل: لنأخذن بناصيته يوم القيامة، وتطوى مع قدميه، ويطرح في النار، كما قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤١]: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ انظر شرحها في محلها، والمعنى هنا: لنأخذن بناصيته، فلنجرنه إلى النار. يقال: سفعت بالشيء: إذا أخذته، وجذبته جذبا شديدا، والناصية: شعر مقدم الرأس، والسفع: الضرب؛ أي: لنضربن وجهه في النار، ولنسودنه. ومن الأخذ، والجذب يقال: سفع بناصية فرسه: إذا أخذها، وجذبها. قال حميد بن ثور الهلالي الصحابي-﵁. [الكامل] قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم... ما بين ملجم مهره أو سافع وهذا هو الشاهد رقم [١٠٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب». وقيل: هو مأخوذ من: سفعته النار، والشمس: إذا غيرت وجهه إلى حال تسويده. قال زهير في معلقته رقم [٥]. [الطويل] أثافيّ سفعا في معرّس مرجل... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلّم والناصية: شعر مقدم الرأس، كما قدمت، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، كما يقال: هذه ناصية مباركة، إشارة إلى جميع الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله، وإهانته؛ أخذوا بناصيته، والآية وإن كانت في أبي جهل نزلت؛ فهي عظة للناس وتهديد ووعيد لكل من يمتنع، أو يمنع غيره من طاعة الله؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ أي: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها، خاطئة في أفعالها. والمراد: صاحبها؛ أي: أبو جهل كاذب خاطئ، كما يقال: نهاره صائم، وليله قائم؛ أي: هو صائم في

стр. 7340

نهاره، قائم في ليله، لذا فوصف الناصية بالكذب والخطيئة مجاز عقلي، والخاطئ: الذي يفعل الذنب متعمدا، والمخطئ: الذي يفعله بدون قصد. تأمل، وتدبر، وربك أعلم. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع، وزجر قطعا. ﴿لَئِنْ:﴾ اللام: موطئة للقسم. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَنْتَهِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ،﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها وهو فعل الشرط. والفاعل يعود إلى أبي جهل، تقديره: «هو»، والمتعلق محذوف، انظر تقديره في الشرح، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿لَنَسْفَعاً:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم. (نسفعن): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والفاعل مستتر تقديره: «نحن». ﴿بِالنّاصِيَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب القسم، وحذف جواب الشرط لتقدم القسم عليه على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم ﴿ناصِيَةٍ:﴾ بدل من (الناصية) بدل نكرة من معرفة. قال الزمخشري: لأنها وصافات، فاستقلت بفائدة، وليس وصفها بشرط عند البصريين في إبدال النكرة من المعرفة. ﴿كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ:﴾ صفتان ل: ﴿ناصِيَةٍ،﴾ والجملة الشرطية والقسمية كلام مبتدأ بعد ﴿كَلاّ﴾ لا محل له. هذا؛ وقرئ برفع «(ناصية)» على إضمار مبتدأ قبلها، وبالنصب على الذم بفعل محذوف، وهذان الوجهان على القطع. ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاُسْجُدْ وَاِقْتَرِبْ (١٩)﴾ الشرح: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ أي: فليدع أهل ناديه؛ لأن النادي لا ينادى، والنادي هو المجلس الذي ينتدي فيه القوم، ولا يسمى المكان ناديا حتى يكون فيه أهله. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٥] من سورة (الدهر) فإنه جيد بحمد الله، وتوفيقه، والمعنى: فليدع أهل مجلسه، وعشيرته؛ فليستنصر بهم؛ لينقذوه من عذاب الله. ففي الكلام مجاز مرسل من إطلاق المحل وإرادة الحال. ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ أي: الملائكة الغلاظ الشداد. وعن ابن عباس، وغيره: واحدهم زبنيّ قاله الكسائي. وقال الأخفش: زابن. وقال أبو عبيدة: زبنية. وقيل: زباني. وقيل: هو اسم للجمع، كالأبابيل، والعباديد. وقال قتادة: هم الشّرط في كلام العرب، والمراد بهم في الآية الكريمة: خزنة جهنم، فقد روي في الخبر: أن النبي ﷺ لما قرأ هذه السورة، وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي؛ حتى يمنعوا عني ربك. فقال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعا، فقيل له: خشيت منه؟ قال: لا، ولكن رأيت عنده فارسا فهددني بالزبانية، فما أدري ما الزبانية، ومال إليّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.

стр. 7341

وروي: أن أبا جهل الخبيث مر على النبي ﷺ ، وهو يصلي عند المقام، فقال له أبو جهل: ألم أنهك عن هذا يا محمد؟! فأغلظ له رسول الله ﷺ القول، فقال له أبو جهل: بأي شيء تهددني يا محمد؟! والله إني لأكثر أهل الوادي هذا ناديا! وروي: أنه كان قال للنبي ﷺ لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة: لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديا مني، لأملأن عليك هذا الوادي، إن شئت خيلا جردا، ورجالا مردا! فكانت الآية الكريمة ردا عليه. وفي الأخبار: أن الزبانية رؤوسهم في السماء، وأرجلهم في الأرض. وقيل: إنهم أعظم الملائكة خلقا، وأشدهم بطشا، والعرب تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه. قال الشاعر: [الطويل] مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى... زبانية غلب عظام حلومها ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ:﴾ ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل، فلا تطعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة. ﴿وَاسْجُدْ﴾ أي: صل لله. ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: تقرب إلى الله جل ثناؤه بالطاعة والعبادة. وقيل: المعنى إذا سجدت؛ فاقترب من الله بالدعاء. روى عطاء عن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربّه، وأحبّه إليه ما كانت جبهته في الأرض ساجدا لله». انتهى. قرطبي، والحديث المشهور: «أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد». قال العلماء: وإنما كان ذلك؛ لأنها نهاية العبودية، والذلة، ولله العزة التي لا مقدار لها، فكلما بعدت من صفته؛ قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره، وفي الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «أمّا الركوع، فعظّموا فيه الرّبّ، وأمّا السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم». ولقد أحسن من قال: [الكامل] وإذا تذلّلت الرقاب تواضعا... منّا إليك فعزّها في ذلّها هذا؛ والثابت عند الشافعي، وغيره: أنه يسن سجود التلاوة لقراءة هذه الآية، ولسماعها، وقد ذكرت لك في سجدة (الانشقاق) تثبت السجود لتلاوتها. وقد روى ابن وهب عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن علي-﵁-قال: (عزائم السجود أربع: الم، وحم تنزيل من الرحمن الرحيم، والنجم، واقرأ باسم ربك). وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: قلت: وقد روينا من حديث مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر-﵄-قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال رسول الله ﷺ لمعاذ: «اكتبها يا معاذ!». فأخذ معاذ-﵁-اللوح، والقلم، والنون، وهي الدواة، فكتبها معاذ-﵁. فلما بلغ: ﴿كَلاّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ سجد اللوح، وسجد القلم، وسجدت النون، وهم يقولون: اللهم ارفع به ذكرا، اللهم احطط به وزرا، اللهم اغفر به ذنبا. قال معاذ: سجدت، وأخبرت رسول الله ﷺ فسجد. وانظر الآية رقم [٢١] من سورة (الانشقاق).

стр. 7342

الإعراب: ﴿فَلْيَدْعُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (ليدع): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى أبي جهل المتحدّث عنه في هذه الآيات. ﴿نادِيَهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب شرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا به، وحاصلا له؛ فليدع. ﴿سَنَدْعُ:﴾ السين: حرف استقبال، ويفيد هنا التحقيق، والتوكيد. (ندع): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو المحذوفة قراءة، والفاعل ضمير مستتر تقديره: «نحن». ﴿الزَّبانِيَةَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَلاّ:﴾ حرف ردع. ﴿كَلاّ:﴾ ناهية. ﴿تُطِعْهُ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿كَلاّ،﴾ والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاسْجُدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (اسجد): فعل أمر، وفاعله أنت، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. خاتمة: أبو جهل كان العدو اللدود للنبي ﷺ منذ بدء الدعوة، وكان على رأس المستهزئين بالنبي ﷺ ، وبالمستضعفين، وقد أذله الله في غزوة بدر عند ما وقع جريحا لا يستطيع الحركة بسبب طعنات من شباب الأنصار، وبعد انتهاء المعركة بهزيمة قريش عثر ابن مسعود على أبي جهل مكوما على الأرض، فقال له: أخزاك الله يا عدو الله! ثم داس على رقبته، فقال له: لقد رقيت مرقى عاليا يا رويعي الغنم! فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه. فقال ابن مسعود: كيف تجدك؟ قال: أخبر محمدا بأني لا أزال أشد عداوة له من ذي قبل. فحز رأسه بسيفه؛ لأن سيف ابن مسعود لم يقطع برقبته لغلظها، ثم جره بشعره حتى ألقاه بين يدي الرسول ﷺ ، فلما أخبره بمقاله. قال: «لا إله إلا الله فرعوني أشد من فرعون موسى» أي: لأن فرعون موسى لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (العلق) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7343

سورة القدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (القدر) قيل: إنها مكية، وقيل: مدنية، وهو الأصح، وعليه الأكثرون. وقيل: إنها أول ما نزل بالمدينة. وهي خمس آيات، وثلاثون كلمة، ومئة واثنا عشر حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ الشرح: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ:﴾ يعني القرآن، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة؛ لأن المعنى معلوم. والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقد قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٥]: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقال تعالى في سورة (الدخان): ﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يريد: في ليلة القدر، وذلك: أن الله تعالى أنزل القرآن العظيم جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر. فوضعه في بيت العزة، ثم نزل به جبريل-﵇-على النبي ﷺ نجوما متفرقة في ثلاث وعشرين سنة، فكان ينزل بحسب الوقائع، ومقتضيات الأحوال. وقيل: إنما أنزله إلى السماء الدنيا لشرف الملائكة بذلك؛ ولأنها كالمشترك بيننا، وبين الملائكة، فهي لهم سكن، ولنا سقف، وزينة. هذا؛ ومعلوم: أن الإنزال مستعار للمعاني من الأجرام، شبه نقل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وثبوته فيها بنزول جسم من علو إلى أسفل، فعلى هذا هو مجاز مرسل. انتهى. نقلا عن كرخي. هذا؛ وذكر أبو بكر بن الأنباري في كتاب الرد: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا، ثم فرقه على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، فكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية تنزل جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع السورة، والآية، فانتظام السّور كانتظام الآيات، والحروف، فكله عن رسول الله خاتم النبيين-عليهم الصلاة والسّلام- عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة، أو قدّم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الآيات، وغير الحروف، والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم سورة (البقرة) على (الأنعام)، و (الأنعام) نزلت قبل سورة (البقرة)؛ لأن رسول الله ﷺ أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول: «ضعوا هذه السورة موضع كذا، وكذا من القرآن». وكان جبريل ﵇ يوقفه على مكان الآيات. انتهى. جمل. أقول: وتسمية السورة أيضا توقيفي عن النبي ﷺ .

стр. 7344

وسميت ليلة القدر؛ لأن فيها تقدير الأمور، والأحكام، والأرزاق، والآجال، وما يكون في تلك السنة إلى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة، يقدر الله ذلك في بلاده، وعباده. ومعنى هذا: أن الله يظهر ذلك لملائكته، ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك الليلة ويعرفهم إياه، وليس المراد منه: أنه يحدثه في تلك الليلة؛ لأن الله قدر المقادير قبل أن يخلق السموات، والأرض في الأزل. قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات، والأرض؟ قال: نعم. قيل له: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقيل: سميت ليلة القدر لعظم قدرها، وشرفها على الليالي، من قولهم: لفلان قدر عند الأمير؛ أي: منزلة، وجاه. وقيل: سميت بذلك؛ لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله؛ لكونه مقبولا. وقيل: سميت بذلك؛ لأن الأرض تضيق بالملائكة فيها. انتهى. خازن. أخذا من قوله تعالى في سورة الطلاق رقم [٧]: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ..﴾. إلخ. هذا؛ وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الجمعة) من مناقشة قول من يقول بتفضيل ليلة المولد النبوي الشريف على ليلة القدر، وليلة الجمعة وليلة عرفة... إلخ تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: أيّ شيء يبلغ درايتك قدرها ومبلغ فضلها؟ وهذا على سبيل التعظيم لها، والتشويق إلى خيرها، وبركتها، ثم بين الله فضلها من ثلاثة أوجه، وهو ما ذكره في الآيات الثلاث الآتية. هذا؛ وقال يحيى بن سلام-رحمه الله تعالى-: بلغني: أن كل شيء في القرآن: ﴿وَما أَدْراكَ﴾ فقد أدراه إياه، وعلمه، وكل شيء قال: ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ فهو مما لم يعلمه. وانظر شرح درى، يدري في آخر سورة (الانفطار)؛ تجد ما يسرك. الإعراب: ﴿إِنّا:﴾ (إنّ): حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿أَنْزَلْناهُ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿فِي لَيْلَةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب؛ أي: حالة كونه منزلا في ليلة، و ﴿لَيْلَةِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقَدْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (ما)، تقديره: «هو»، والكاف مفعول به أول. ﴿ما لَيْلَةُ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعول (أدراك) الثاني المعلق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى (أعلم) و ﴿لَيْلَةِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقَدْرِ:﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (ما أدراك...) إلخ مستأنفة.

стр. 7345

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ الشرح: هذا الوجه الأول من الأوجه الثلاثة التي ذكرها الله في بيان فضل ليلة القدر. قال ابن عباس-﵄: ذكر لرسول الله ﷺ رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله ﷺ لذلك، وتمنى ذلك لأمته، فقال: «يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا». فأعطاه الله ﵎ ليلة القدر، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأمتك إلى يوم القيامة. وعن مالك: أنه سمع ممّن يثق به من أهل العلم: أن النبي ﷺ أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل الذي يبلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر. أخرجه مالك في الموطأ. ومعناه: العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وإنما ذلك لما يريد الله تعالى فيها من المنافع، والأرزاق، وأنواع الخير، والبركة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. هذا؛ وذكر السيوطي في أسباب النزول، وكذا القرطبي ما يلي: أخرج الترمذي، والحاكم، وابن جرير عن الحسن بن علي-﵄-قال: إن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ ونزلت: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ تملكها بعدك بنو أمية. قال القاسم بن الفضل الحرّاني: فعددناها، فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص. قال الترمذي: غريب: وقال المزني وابن كثير: منكر جدا. هذا؛ وأقول: ألف منكر، فكيف يسوء النبي ﷺ ما قدر الله، وقضاه، وهو الذي قال في حق الحسن-﵄: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين متنازعتين». وقد اعتبر بعض العلماء هذا الحديث مصححا لخلافة معاوية، ومن بعده، وإن كان في بعضها بعض الظلم. الإعراب: ﴿لَيْلَةُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الْقَدْرِ:﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ، ﴿مِنْ أَلْفِ:﴾ متعلقان ب: ﴿خَيْرٌ،﴾ و ﴿أَلْفِ:﴾ مضاف، و ﴿شَهْرٍ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، كأنها جواب لسؤال نشأ عن تعظيم ليلة القدر، تقديره: وما فضلها؟

стр. 7346

﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ الشرح: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي: تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى، ومسكن جبريل على وسطها، فينزلون إلى الأرض، ويؤمنون على دعاء المؤمنين إلى وقت طلوع الفجر. وانظر شرح الملائكة في سورة (الجن) آخرها، فإنه جيد بحمد الله، وتوفيقه، ﴿وَالرُّوحُ﴾ يعني: جبريل ﵇. قاله أكثر المفسرين، وفي حديث أنس-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «إذا كانت ليلة القدر؛ نزل جبريل في كبكبة من الملائكة، يصلّون، ويسلّمون على كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله ». ذكره ابن الجوزي. وقيل: إن الروح طائفة من الملائكة، لا تراهم الملائكة إلاّ في تلك الليلة، ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقيل: إن (الروح) ملك عظيم ينزل مع الملائكة في تلك الليلة. انتهى. خازن. وقيل: (الروح) الرحمة ينزل بها جبريل ﵇ مع الملائكة في ليلة القدر على أهلها، دليله قوله تعالى في سورة (النحل) رقم [٢]: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٣٨] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك؛ حيث تجده من ذكره الخاص بعد العام. وفي سورة (النبأ) من ذكر العام بعد الخاص، هذا؛ و ﴿تَنَزَّلُ﴾ أصله: تتنزل حذفت منه تاء المضارعة، وهذا الحذف كثير في الآيات القرآنية وفي الكلام العربي. ﴿فِيها﴾ أي: في ليلة القدر. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمر ربهم. ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أي: بكل أمر من الخير، والبركة، وبكل أمر قدره الله، وقضاه في تلك السنة إلى قابل. قاله ابن عباس-﵄، وليس المراد: أن تقدير الله لا يحدث إلا في تلك الليلة؛ لأنه تعالى قدر المقادير في الأزل قبل خلق السموات، والأرض، بل المراد إظهار تلك المقادير للملائكة. وهذا تقدم من قول الحسين بن الفضل (سوق المقادير إلى المواقيت). هذا؛ وروي: أنه إذا كانت ليلة القدر تنزل الملائكة، وهم سكان سدرة المنتهى، وجبريل ﵇ ومعه أربعة ألوية، فينصب لواء على قبر النبي ﷺ ، ولواء على ظهر بيت المقدس، ولواء على ظهر المسجد الحرام، ولواء على ظهر طور سيناء، ولا يدع بيتا فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخله وسلم عليه، يقول: يا مؤمن! أو يا مؤمنة! السّلام يقرئكم السّلام؛ إلا على مدمن خمر، وقاطع رحم، وآكل لحم خنزير. انتهى. جمل. الإعراب: ﴿تَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعل. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَالرُّوحُ:﴾ الواو: حرف عطف. (الروح): معطوف على (الملائكة). ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: متعلقان بمحذوف حال من (الملائكة) ولا وجه. ويجوز اعتبار (الروح) مبتدأ، والجار، والمجرور متعلقين بمحذوف خبره، والجملة الاسمية

стр. 7347

معطوفة على ما قبلها. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من ﴿الْمَلائِكَةُ،﴾ التقدير: متلبسين بإذن ربهم، و (إذن) مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿مِنْ كُلِّ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تَنَزَّلُ،﴾ و ﴿مِنْ﴾ تحتمل أن تكون بمعنى اللام؛ أي: تنزل لأجل كل أمر قضي إلى العام القابل. وتحتمل أن تكون بمعنى الباء؛ أي: تنزل بكل أمر، و (كل) مضاف، و (أمر) مضاف إليه. ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ الشرح: ﴿سَلامٌ هِيَ:﴾ هذا الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة التي ذكرها الله تعالى في بيان فضل ليلة القدر، والمعنى: ليلة القدر سلامة، وخير كلّها لا شرّ فيها. وقال الشعبي: قيل: هو تسليم الملائكة في ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر. وقيل: الملائكة ينزلون فيها كلما لقوا مؤمنا، أو مؤمنة يسلمون عليه من ربه . وهذا معنى من قال: سلام من الله على أوليائه، وأهل طاعته. وقال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا، والسلامة. هذا؛ وقرئ ﴿مَطْلَعِ﴾ بفتح اللام وكسرها لغتان، والأصل الفتح، وقد قرئ بسورة (الكهف): ﴿مَطْلَعِ﴾ أيضا بفتح اللام وكسرها، والكسر على أنه مما شذ عن قياسه، نحو: المشرق، والمغرب، والمنبت، والمسكن، والمنسك، والمحشر، والمسقط، والمرفق، والمنخر، والمجزر. وإنما شذ قياس ما ذكر؛ لأن المصدر الميمي، واسمي الزمان، والمكان إذا أخذ أحدها من فعل ثلاثي مفتوح العين، أو مضمومها في المضارع أن يكون بفتح العين قياسا، ولكن التلاوة جاءت بكسرها في بعض الكلمات وهو مذكور في كتب النحو، واللغة. والتحقيق: أن الأسماء المذكورة نوعية غير جارية على فعلها، وإلا فلا مانع من الفتح. الإعراب: ﴿سَلامٌ:﴾ خبر مقدم. ﴿هِيَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ مؤخر، ويجوز عند الأخفش، والكوفيين الذين لا يشترطون الاعتماد على نفي، وشبهه أن يكون ﴿سَلامٌ﴾ مبتدأ، و ﴿هِيَ:﴾ فاعل به، والمعتمد الأول. ﴿حَتّى مَطْلَعِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿تَنَزَّلُ﴾ أو ب: ﴿سَلامٌ،﴾ وجاز الفصل بين المصدر ومعموله بالضمير؛ لأنه يتوسع في الظرف، والجار ما لا يتوسع في غيرهما. وقيل: متعلقان بمحذوف، التقدير: ويستمرون على التسليم من غروب الشمس؛ حتى مطلع الفجر، و ﴿مَطْلَعِ﴾ مضاف، و ﴿الْفَجْرِ﴾ مضاف إليه. تأمل، وتدبر، وربّك أعلم. تنبيه: لقد ذكر في فضل ليلة القدر أحاديث كثيرة، أكتفي منها بما يلي:

стр. 7348

فعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه». متفق عليه، وقد ذكرت لك في الشرح الأوجه الثلاثة التي ذكرها الله في بيان فضلها. تنبيه: لقد اختلف في تحديد ليلتها، والمعتمد: أنها في العشر الأواخر من رمضان، في ليالي الوتر على المعتمد أيضا، والراجح عند الشافعي: أنها في ليلة الواحد والعشرين، ثم في ليلة الثالث والعشرين. ومال إليه مالك، وأحمد، والأوزاعي، وأبو ثور-رحمهم الله تعالى- وأبو حنيفة-رحمه الله تعالى-ثبتها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وقد استدل بما يلي: فقد روى ابن عمر-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «من كان متحرّيا ليلة القدر فليتحرّها ليلة سبع وعشرين». وقال أبي بن كعب-﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين». وقال أبو بكر الوراق: إن الله تعالى قسم ليالي هذا الشهر على كلمات هذه السورة، فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها، فقال: هي، وأيضا، فإن (ليلة القدر) كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فتجيء سبعا وعشرين. هذا؛ وقد ذكرت في سورة (المؤمنون) رقم [١٤]: أن ابن عباس-﵄-ثبتها في الليلة السابعة والعشرين، واستدل بأشياء على ذلك انظرها هناك تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وبالجملة فقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وجعلها أرجى ما تكون في ليالي الوتر منه، ولذا كان الرسول ﷺ يجتهد في العبادة في العشر الأخير ما لا يجتهده في غيره، فعن عائشة-﵂؛ قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره». أخرجه مسلم. وعنها أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. متفق عليه. وعن عائشة-﵂-أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده. متفق عليه. وعن ابن عمر-﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، متفق عليه، وعن عائشة-﵂-قالت: قلت: يا رسول الله! إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها. قال: «قولي: اللهمّ إنك عفوّ كريم تحبّ العفو فاعف عني». أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. هذا؛ وقال البغوي: وبالجملة أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي شهر رمضان كلها، طمعا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في القرآن في أسمائه الحسنى، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرا من قيامها، وأخفى العبد الصالح بين العباد رحمة منه وحكمة.

стр. 7349

هذا؛ ومن علامات ليلة القدر ما روي عن الحسن رفعه «أنها ليلة بلجة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها بيضاء لا شعاع لها» انتهى. ومعنى بلجة: مشرقة مضيئة، لا حارة أي: في الصيف كثيرا. ولا باردة أي: في الشتاء كثيرا فهي معتدلة الحرارة والبرودة في أي فصل كانت فيه لا شعاع للشمس صبيحتها من كثرة الأنوار. وقيل: من كثرة هبوط الملائكة وصعودها، فهم أنوار، ويؤثر ذلك على ضوء الشمس. انتهى. من الخازن والقرطبي وغيرهما، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (القدر) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7350

سورة البيّنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (لم يكن) وتسمى سورة (البينة) وهي مدنية في قول ابن عباس، والجمهور. وقيل: مكية في قول يحيى بن سلام، وهي ثمان آيات. وقيل: تسع. وأربع وتسعون كلمة، وثلاثمئة وتسعة وتسعون حرفا، وورد في فضلها ما روي عن أنس-﵁-أن النبي ﷺ قال لأبيّ ابن كعب-﵁: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ قال: وسماني لك؟! قال: «نعم». فبكى. خرجه البخاري، ومسلم. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفيه من الفقه: قراءة العالم على المتعلم. قال بعضهم: إنما قرأ النبي ﷺ على أبيّ ليعلم الناس التواضع، لئلا يأنف أحد من التعلم، والقراءة على من دونه في المنزلة. انتهى. وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ-﵁. هذا؛ ومناسبة السورة لما قبلها: أنه لما ذكر إنزال القرآن في ليلة القدر. وقال في السورة التي قبلها: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ذكر هنا: أن الكفار لم يكونوا منفكين مما هم عليه؛ حتى جاءهم الرسول يتلو عليهم من الصحف المطهرة؛ التي أمر بقراءتها. انتهى. جمل نقلا من البحر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ الشرح: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بمحمد ﷺ ، وبما أنزل عليه من ربه، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ يعني اليهود، والنصارى، والمشركين: وهم عبدة الأوثان؛ الذين كانوا في مكة، وحولها، وفي المدينة وما حولها من قبائل العرب، وذلك: أن الكفار كانوا جنسين: أحدهما أهل كتاب، وسبب كفرهم ما أحدثوه في دينهم، أما اليهود؛ فقولهم: عزير ابن الله، وتشبيههم الله بخلقه، وأما النصارى فقولهم: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، وغير ذلك، والثاني: المشركون أهل الأوثان؛ الذين لا ينتسبون إلى كتاب، فذكر الله الجنسين في الآية الكريمة. ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: منتهين عن كفرهم، مائلين عنه. وقيل: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ زائلين، والعرب تقول: ما انفككت أفعل كذا؛ أي: ما زلت، والمضارع: لا ينفك. قال طرفة في معلقته رقم [٩١]: [الطويل] فآليت لا ينفكّ كشحي بطانة... لعضب رقيق الشّفرتين مهنّد

стр. 7351

وقال ذو الرّمّة-وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى أتتهم، لفظه مضارع، ومعناه الماضي. والبينة: الحجة الواضحة، والمراد: الرسول ﷺ أتاهم بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم، وشركهم، وما كانوا عليه من الجاهلية، ودعاهم إلى الإيمان، فآمنوا، فأنقذهم الله من الجهالة، والضلالة، ولم يكونوا منفصلين عن كفرهم قبل بعثه إليهم. والآية فيمن آمن من الفريقين. قال الواحدي في بسيطه: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما، وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. قال الإمام فخر الدين في تفسيره: إنه لم يلخص كيفية الإشكال فيها. وأنا أقول: وجه الإشكال: أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة؛ التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عماذا؟ لكنه معلوم؛ إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول. ثم إن كلمة ﴿حَتّى﴾ لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي: أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ﷺ . ثم قال بعد ذلك: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وهذا يقتضي: أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول ﷺ ، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى، والثانية تناقض في الظاهر، وهذا منتهى الإشكال في ظني. قال: والجواب عنه من وجوه: أولها، وأحسنها الذي لخصه صاحب الكشاف، وهو: أن الكفار من الفريقين: أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل بعث محمد ﷺ : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود؛ الذي هو مكتوب في التوراة، والإنجيل، وهو محمد ﷺ ، فحكى الله عنهم ما كانوا يقولونه، ثم قال: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ﷺ . ونظيره في الكلام ما يقول الفاسق الفقير لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى! فيرزقه الله الغنى، فيزداد فسقا، فيقول واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار. فيذكره ما كان يقول توبيخا، وإلزاما. قال الإمام فخر الدين: وحاصل الجواب يرجع إلى حرف واحد، وهو أن قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة» مذكور حكاية عنهم. ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ إخبار عن الواقع، والمعنى: الذي وقع كان بخلاف ما ادّعوا.

стр. 7352

وثانيها: أن تقدير الآية: «لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم؛ وإن جاءتهم البينة». وعلى هذا التقدير يزول الإشكال، إلا أن تفسير لفظة: «حتى» بهذا ليس من اللغة في شيء. وذكر وجوها أخر، وقال: والمختار هو الأول. الإعراب: ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم (يكن). ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: كفروا بالله، ورسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المشركين): معطوف على ﴿أَهْلِ﴾ مجرور مثله. ﴿مُنْفَكِّينَ:﴾ خبر ﴿يَكُنِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وهو اسم فاعل ناقص واسمه ضمير مستتر فيه، والخبر محذوف. انظر تقديره في الشرح. وقيل: هو تام، فلا يحتاج لتقدير خبر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّنَةُ:﴾ فاعله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ الشرح: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: البينة رسول مبعوث من الله، وهو محمد ﷺ . ﴿يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ أي: يقرأ الرسول صحفا مطهرة. قال ابن عباس-﵄: أي: من الباطل، والكذب، والزور، والشك، والنفاق، والضلالة. فهو كقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ فتطهير الصحف كناية عن كونها ليس فيها باطل على الاستعارة المصرحة، أو المكنية. وقيل: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ لا يمسها إلا المطهرون، كما في سورة (الواقعة) رقم [٧٩]. و (الكتب) بمعنى المكتوبات في القراطيس، فالقرآن يجمع ثمرة كتب الله المتقدمة عليه، والرسول ﷺ ، وإن كان أميا؛ لكنه لما تلا مثل ما في الصحف، كان كالتالي لها، فصح نسبة تلاوة الصحف إليه، وهو أمي لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يقرأ من كتاب، وإنما يقرأ بالوحي عن ظهر قلب. قال الصاوي-رحمه الله تعالى-: المراد بالصحف: القراطيس؛ التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب: الأحكام المكتوبة فيها. انتهى. ومعنى ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق، والعدل، معتدلة، لا إفراط فيها، ولا تفريط. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢] في وصف القرآن الكريم: ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً..﴾. إلخ. هذا؛ وأصل ﴿قَيِّمَةٌ:﴾ قيومة، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء.

стр. 7353

الإعراب: ﴿رَسُولٌ:﴾ بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ بدل اشتمال، أو بدل كل من كل على سبيل المبالغة. وقال الفراء: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي، أو هو رسول. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من ﴿صُحُفاً﴾ التقدير: يتلو صحفا مطهرة منزلة من الله، يعني كانت الحال في الأصل صفة للنكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالا. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى رسول، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿صُحُفاً:﴾ مفعول به. ﴿مُطَهَّرَةً:﴾ صفة ﴿صُحُفاً﴾. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُتُبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿قَيِّمَةٌ:﴾ صفة ﴿كُتُبٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿صُحُفاً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُطَهَّرَةً﴾. هذا؛ ويجوز أن يكون النعت، أو الحال الجار، والمجرور فقط، و (كتب) فاعل به. وهو الأحسن. انتهى. سمين. ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ الشرح: أي: وما اختلف اليهود، والنصارى في شأن محمد ﷺ إلا بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، الدالة على صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم. وقيل: هو القرآن الجائي به معجزة له. والآية مسوقة لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان: أن تفرقهم لم يكن إلا بعد وضوح الحق. وتبين الحال، وانقطاع الأعذار بالكلية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (آل عمران) وإنما خص أهل الكتاب هنا بالذكر؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره. انتهى. صفوة التفاسير. وفي البيضاوي: هو كقوله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ رقم [٨٩] سورة (البقرة). وإفراد أهل الكتاب بالذكر بعد الجمع بينهم وبين المشركين، للدلالة على شناعة حالهم. وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى انتهى. بتصرف. وبالجملة فقد تفرق أهل الكتاب فرقا، وشيعا كثيرة قبل مبعث محمد ﷺ وبعده. وخذ ما يلي: عن معاوية-﵁-قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا إنّ من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وزاد فيه «وإنه سيخرج في أمتي أقوام، تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه

стр. 7354

عرق، ولا مفصل إلاّ دخله». ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو-﵁، وزاد فيه. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟! قال: «ما أنا عليه وأصحابي». هذا؛ وفي رواية قال الرسول ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين... إلخ». هذا؛ وأصول الفرق الإسلامية: ستة: حرورية، قدرية، جهمية، مرجئة، رافضة، جبرية، وانقسم كل منها إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين، وإنما سموا فرقا؛ لأنهم فارقوا الإجماع، والحديث الشريف بجميع رواياته معجزة من معجزات الرسول ﷺ ؛ لأنه إخبار عن غيب قد وقع بعد وفاة النبي ﷺ . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام) ففيها بحث قيّم. وهذا؛ وأصل ﴿أُوتُوا:﴾ «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو، فصار (أوتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول ومسائل غالبا. ورحم الله من يقول في مدح الكتب: [الطويل] لنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا فإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا وإني أتمثل بقول الآخر: [الخفيف] ما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغ سواه أنيسا إنّما الذلّ في مخالطة النّا... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا ورحم الله من يقول: [الطويل] وقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني لعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني ورحم الله من يقول: [الوافر] كتابي فيه بستاني وروحي... وفيه سمير نفسي والنّديم

стр. 7355

يسالمني وكلّ الناس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم ويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام الناس إن فقد الكريم إذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم وبالجملة: فالكتاب هو نعم الذخر، والعدة، والشغل، والحرفة، جليس لا يضرك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلد على الأيام ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَفَرَّقَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، وهو الأقوى. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْبَيِّنَةُ:﴾ فاعله، و ﴿ما﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أي: أمر الذين تفرقوا بشأن محمد ﷺ وهم: اليهود، والنصارى أمروا في التوراة، والإنجيل. ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾ أي: أن يعبدوا الله، ويوحدوه وحده، ولا يشركوا معه أحدا في العبادة، ويخلصوا له في الطاعة. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:﴾ انظر ﴿الدِّينَ﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (الانفطار). هذا؛ والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود، وعن النبي ﷺ قال: يقول الله : «أنا والإنس في نبأ عظيم! أخلق ويعبد غيري، وأرزق؛ ويشكر غيري». هذا؛ وقد أمر الله بالإخلاص؛ لأنه رأس العبادات في التوحيد، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي، كيف لا وقد قال الله ﵎ في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي: من الشرك والرياء والنفاق. وقال جل ذكره في سورة (غافر) رقم [١٤]: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (١٤) وخذ من قول الرسول ﷺ ما يلي:
следующие страницы →