← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وقال ذو الرّمّة-وهو الشاهد رقم [١١٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة... على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أي: حتى أتتهم، لفظه مضارع، ومعناه الماضي. والبينة: الحجة الواضحة، والمراد: الرسول ﷺ أتاهم بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم، وشركهم، وما كانوا عليه من الجاهلية، ودعاهم إلى الإيمان، فآمنوا، فأنقذهم الله من الجهالة، والضلالة، ولم يكونوا منفصلين عن كفرهم قبل بعثه إليهم. والآية فيمن آمن من الفريقين. قال الواحدي في بسيطه: وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما، وتفسيرا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء. قال الإمام فخر الدين في تفسيره: إنه لم يلخص كيفية الإشكال فيها. وأنا أقول: وجه الإشكال: أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة؛ التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عماذا؟ لكنه معلوم؛ إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول. ثم إن كلمة ﴿حَتّى﴾ لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي: أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول ﷺ . ثم قال بعد ذلك: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وهذا يقتضي: أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول ﷺ ، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى، والثانية تناقض في الظاهر، وهذا منتهى الإشكال في ظني. قال: والجواب عنه من وجوه: أولها، وأحسنها الذي لخصه صاحب الكشاف، وهو: أن الكفار من الفريقين: أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل بعث محمد ﷺ : لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود؛ الذي هو مكتوب في التوراة، والإنجيل، وهو محمد ﷺ ، فحكى الله عنهم ما كانوا يقولونه، ثم قال: ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي: أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ﷺ . ونظيره في الكلام ما يقول الفاسق الفقير لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى! فيرزقه الله الغنى، فيزداد فسقا، فيقول واعظه: لم تكن منفكا عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار. فيذكره ما كان يقول توبيخا، وإلزاما. قال الإمام فخر الدين: وحاصل الجواب يرجع إلى حرف واحد، وهو أن قوله تعالى: «لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة» مذكور حكاية عنهم. ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ إخبار عن الواقع، والمعنى: الذي وقع كان بخلاف ما ادّعوا.

стр. 7352

وثانيها: أن تقدير الآية: «لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم؛ وإن جاءتهم البينة». وعلى هذا التقدير يزول الإشكال، إلا أن تفسير لفظة: «حتى» بهذا ليس من اللغة في شيء. وذكر وجوها أخر، وقال: والمختار هو الأول. الإعراب: ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَكُنِ:﴾ مضارع ناقص مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع اسم (يكن). ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، التقدير: كفروا بالله، ورسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المشركين): معطوف على ﴿أَهْلِ﴾ مجرور مثله. ﴿مُنْفَكِّينَ:﴾ خبر ﴿يَكُنِ﴾ منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وهو اسم فاعل ناقص واسمه ضمير مستتر فيه، والخبر محذوف. انظر تقديره في الشرح. وقيل: هو تام، فلا يحتاج لتقدير خبر. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تَأْتِيَهُمُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» المضمرة، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّنَةُ:﴾ فاعله، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان ب: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ الشرح: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: البينة رسول مبعوث من الله، وهو محمد ﷺ . ﴿يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ أي: يقرأ الرسول صحفا مطهرة. قال ابن عباس-﵄: أي: من الباطل، والكذب، والزور، والشك، والنفاق، والضلالة. فهو كقوله تعالى في سورة (عبس): ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ فتطهير الصحف كناية عن كونها ليس فيها باطل على الاستعارة المصرحة، أو المكنية. وقيل: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ لا يمسها إلا المطهرون، كما في سورة (الواقعة) رقم [٧٩]. و (الكتب) بمعنى المكتوبات في القراطيس، فالقرآن يجمع ثمرة كتب الله المتقدمة عليه، والرسول ﷺ ، وإن كان أميا؛ لكنه لما تلا مثل ما في الصحف، كان كالتالي لها، فصح نسبة تلاوة الصحف إليه، وهو أمي لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يقرأ من كتاب، وإنما يقرأ بالوحي عن ظهر قلب. قال الصاوي-رحمه الله تعالى-: المراد بالصحف: القراطيس؛ التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب: الأحكام المكتوبة فيها. انتهى. ومعنى ﴿قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة ناطقة بالحق، والعدل، معتدلة، لا إفراط فيها، ولا تفريط. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٢] في وصف القرآن الكريم: ﴿قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً..﴾. إلخ. هذا؛ وأصل ﴿قَيِّمَةٌ:﴾ قيومة، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت الياء في الياء.

стр. 7353

الإعراب: ﴿رَسُولٌ:﴾ بدل من ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ بدل اشتمال، أو بدل كل من كل على سبيل المبالغة. وقال الفراء: خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي، أو هو رسول. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب: ﴿رَسُولٌ﴾ أو بمحذوف صفة له، وأجيز أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من ﴿صُحُفاً﴾ التقدير: يتلو صحفا مطهرة منزلة من الله، يعني كانت الحال في الأصل صفة للنكرة، فلما تقدمت عليها نصبت حالا. ﴿يَتْلُوا:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو، والفاعل يعود إلى رسول، والجملة الفعلية في محل رفع صفة ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿صُحُفاً:﴾ مفعول به. ﴿مُطَهَّرَةً:﴾ صفة ﴿صُحُفاً﴾. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿كُتُبٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿قَيِّمَةٌ:﴾ صفة ﴿كُتُبٌ،﴾ والجملة الاسمية في محل نصب صفة ﴿صُحُفاً،﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم، أو في محل نصب حال من الضمير المستتر في ﴿مُطَهَّرَةً﴾. هذا؛ ويجوز أن يكون النعت، أو الحال الجار، والمجرور فقط، و (كتب) فاعل به. وهو الأحسن. انتهى. سمين. ﴿وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ الشرح: أي: وما اختلف اليهود، والنصارى في شأن محمد ﷺ إلا بعد ما جاءتهم الحجة الواضحة، الدالة على صدق رسالته، وأنه الرسول الموعود به في كتبهم. وقيل: هو القرآن الجائي به معجزة له. والآية مسوقة لغاية التشنيع على أهل الكتاب خاصة، وتغليظ جناياتهم، ببيان: أن تفرقهم لم يكن إلا بعد وضوح الحق. وتبين الحال، وانقطاع الأعذار بالكلية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ الآية رقم [١٩] من سورة (آل عمران) وإنما خص أهل الكتاب هنا بالذكر؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوته، بما يجدون في كتبهم من ذكره. انتهى. صفوة التفاسير. وفي البيضاوي: هو كقوله تعالى: ﴿وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ رقم [٨٩] سورة (البقرة). وإفراد أهل الكتاب بالذكر بعد الجمع بينهم وبين المشركين، للدلالة على شناعة حالهم. وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى انتهى. بتصرف. وبالجملة فقد تفرق أهل الكتاب فرقا، وشيعا كثيرة قبل مبعث محمد ﷺ وبعده. وخذ ما يلي: عن معاوية-﵁-قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا إنّ من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وزاد فيه «وإنه سيخرج في أمتي أقوام، تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه

стр. 7354

عرق، ولا مفصل إلاّ دخله». ورواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو-﵁، وزاد فيه. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟! قال: «ما أنا عليه وأصحابي». هذا؛ وفي رواية قال الرسول ﷺ : «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين... إلخ». هذا؛ وأصول الفرق الإسلامية: ستة: حرورية، قدرية، جهمية، مرجئة، رافضة، جبرية، وانقسم كل منها إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين، وإنما سموا فرقا؛ لأنهم فارقوا الإجماع، والحديث الشريف بجميع رواياته معجزة من معجزات الرسول ﷺ ؛ لأنه إخبار عن غيب قد وقع بعد وفاة النبي ﷺ . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٥٣] من سورة (الأنعام) ففيها بحث قيّم. وهذا؛ وأصل ﴿أُوتُوا:﴾ «أوتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء، وبقيت الواو، فصار (أوتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. هذا؛ والكتاب في اللغة: الضم، والجمع، وسميت الجماعة من الجيش: كتيبة؛ لاجتماع أفرادها على رأي واحد، وخطة واحدة، كما سمي الكاتب كاتبا؛ لأنه يضم الكلام بعضه إلى بعض، ويجمعه، ويرتبه، وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من العلم، مشتملة على أبواب، وفصول ومسائل غالبا. ورحم الله من يقول في مدح الكتب: [الطويل] لنا جلساء ما يملّ حديثهم... ألبّاء مأمونون غيبا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى... وعقلا وتأديبا ورأيا مسدّدا فإن قلت أحياء فما أنت كاذب... وإن قلت أموات فلست مفنّدا وإني أتمثل بقول الآخر: [الخفيف] ما تطعّمت لذّة العيش حتّى... صرت للبيت والكتاب جليسا ليس عندي شيء ألذّ من ال... علم فلم أبتغ سواه أنيسا إنّما الذلّ في مخالطة النّا... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا ورحم الله من يقول: [الطويل] وقائلة أتلفت في الكتب ما حوت... يمينك من مال فقلت دعيني لعلّي أرى فيها كتابا يدلّني... لأخذ كتابي في غد بيميني ورحم الله من يقول: [الوافر] كتابي فيه بستاني وروحي... وفيه سمير نفسي والنّديم

стр. 7355

يسالمني وكلّ الناس حرب... ويسليني إذا عرت الهموم ويحيي لي تصفّح صفحتيه... كرام الناس إن فقد الكريم إذا اعوجّت عليّ طريق قومي... فلي فيه طريق مستقيم وبالجملة: فالكتاب هو نعم الذخر، والعدة، والشغل، والحرفة، جليس لا يضرك، ورفيق لا يملّك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، ويطيعك في السفر طاعته في الحضر، إن ألفته؛ خلد على الأيام ذكرك، وإن درسته؛ رفع بين الخلائق قدرك. الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، أو حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿تَفَرَّقَ:﴾ فعل ماض. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ والرابط: الواو فقط، أو هي مستأنفة، وهو الأقوى. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول به الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مستثنى من عموم الأحوال. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿جاءَتْهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول به، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿الْبَيِّنَةُ:﴾ فاعله، و ﴿ما﴾ والفعل (جاء) في تأويل مصدر في محل جر بإضافة ﴿بَعْدِ﴾ إليه. ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ الشرح: ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أي: أمر الذين تفرقوا بشأن محمد ﷺ وهم: اليهود، والنصارى أمروا في التوراة، والإنجيل. ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ﴾ أي: أن يعبدوا الله، ويوحدوه وحده، ولا يشركوا معه أحدا في العبادة، ويخلصوا له في الطاعة. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ:﴾ انظر ﴿الدِّينَ﴾ في الآية رقم [١٧] من سورة (الانفطار). هذا؛ والعبادة: غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذا يحرم السجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود، وعن النبي ﷺ قال: يقول الله : «أنا والإنس في نبأ عظيم! أخلق ويعبد غيري، وأرزق؛ ويشكر غيري». هذا؛ وقد أمر الله بالإخلاص؛ لأنه رأس العبادات في التوحيد، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي، كيف لا وقد قال الله ﵎ في سورة (الزمر) رقم [٣]: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ أي: من الشرك والرياء والنفاق. وقال جل ذكره في سورة (غافر) رقم [١٤]: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (١٤) وخذ من قول الرسول ﷺ ما يلي:

стр. 7356

فعن أنس-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ فارقها؛ والله عنه راض». رواه ابن ماجه، والحاكم. وعن ثوبان-﵁-عن النبي ﷺ قال: «طوبى للمخلصين، أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كلّ فتنة ظلماء». رواه البيهقي. وعن ابن عباس-﵄-أن رسول الله ﷺ قال: «من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه». رواه ابن حبان. وحذر الرسول ﷺ من الرياء وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تزيّن بعمل الآخرة وهو لا يريدها، ولا يطلبها لعن في السموات والأرض». رواه الطبراني في الأوسط، وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدّنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من الّلين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله : أبي يفترّون أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران». رواه الترمذي. والأحاديث في ذلك في الترغيب والترهيب للحافظ المنذري-رحمه الله تعالى-كثيرة. ﴿حُنَفاءَ:﴾ مسلمين. وقيل: مخلصين. وهو جمع، مفرده: حنيف. وتكرر الكلام على إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-بأنه كان حنيفا، وفسر بحقه بأنه مائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. قال الشاعر: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين هذا؛ والحنف: الميل في القدمين. هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: ولفظة «حنفاء» من الأضداد تقع على الاستقامة، وعلى الميل. أقول: وهذا يكون بالمعنى المأخوذ منه، وهو الميل، وقد ذكرت لك فيما مضى: أن الفعل: مال يتغير معناه بتغير الجار تقول: ملت إليه، وملت عنه. وفي الخطيب: ﴿حُنَفاءَ:﴾ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف في اللغة الميل، وخصه العرب بالميل إلى الخير، وسمّوا الميل إلى الشر إلحادا، والحنيف المطلق هو الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة: اليهود، والنصارى، والصابئين، والمجوس، والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، وعن توابعها من الخطأ، والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات، وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله، وهو ما لا يعني إلى ما يعني، وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول، وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدها إلى الحق، والثاني إلى الخلق. انتهى. وفي الرازي: واعلم: أن الكمال في كل شيء إنّما يحصل إذا حصل الأصل، والفرع معا. فقوم بالغوا بالأعمال التي هي الفروع، ولم يحكموا الأصول، وهم اليهود، والنصارى،

стр. 7357

والمجوس، وقوم حصّلوا الأصول دون الفروع. وهم المرجئة؛ الذين قالوا: لا يضر الذنب مع الإيمان. والله خطّأ الفريقين في هذه الآية، وبين أنه لا بدّ من الإخلاص في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ ولا بدّ من العمل في قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ انتهى. كله من الجمل. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي: يؤدوها على الوجه الأكمل من إتمام ركوعها، وسجودها، وخشوعها، وطهارتها في أوقاتها. ومن لم يؤدها على الوجه الأكمل يقال: صلى، ولا يقال: أدى الصلاة. ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ أي: يعطوها لمستحقيها كاملة في آخر حولها. ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: الملة المستقيمة، والشريعة المتبوعة. والإشارة إلى الإخلاص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وإنما أضاف (الدين) إلى ﴿الْقَيِّمَةِ،﴾ وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنث ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ ردا إلى الملة. وقيل: الهاء في ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ للمبالغة كعلامة. وقيل: (القيمة): الكتب التي جرى ذكرها؛ أي: وذلك دين أصحاب الكتب القيمة. وقيل: ﴿الْقَيِّمَةِ﴾ جمع: القيم، والقيم والقائم: واحد. قال تعالى في سورة (يوسف) رقم [٤٠]، وفي سورة (التوبة) رقم [٣٦] وفي سورة (الروم) رقم [٣٠]: ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ومعنى ﴿الْقَيِّمُ﴾ المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. وانظر سورة (الكهف) رقم [٢] وانظر شرح ﴿الصَّلاةَ﴾ و ﴿الزَّكاةَ﴾ في الآية رقم [١٣] من سورة (المجادلة). هذا؛ وأصل (يقيمون): «يؤقومون» حذفت الهمزة للتخفيف، حملا على المبدوء بهمزة المضارعة، مثل أأقوم الذي حذفت همزته الثانية للتخلص من ثقل الهمزتين، فصار: (يقومون) ثم يقال في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو، وهي الكسرة إلى القاف قبلها، فصار: (يقومون) ثم قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهذا الإعلال يجري في كل فعل ثلاثي، مزيدة الهمزة في أوله، مثل: أجاب يجيب، وأكرم يكرم... إلخ، كما حذفت الهمزة الثانية من يؤمنون؛ لأن ماضيه آمن، وأصله: أأمن والمضارع يؤأمن، فحذفت من الأول، وتسهل في الثاني، وقد يجيء على القياس، وهو الأصل المهجور، كما في الثاني، كما في قول أبي حيان الفقعسي: [الرجز] فإنّه أهل لأن يؤكرما ولا تنس: أن هذه الهمزة المزيدة، تحذف من اسمي الفاعل، والمفعول المأخوذين من الفعل الثلاثي المزيدة فيه الهمزة، وذلك مثل: مكرم، ومكرم، والقياس مؤكرم ومؤكرم، وقس على ذلك، وأصل (يؤتون): (يؤأتون)؛ لأن الماضي: آتى، فحذفت الهمزة لثقل الهمزتين، فصار: (يؤتون). الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (ما): نافية. ﴿أُمِرُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٦] من

стр. 7358

سورة (المنافقون). ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِيَعْبُدُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة بعد لام التعليل والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿أُمِرُوا﴾ وهما في محل نصب مفعوله الثاني. هذا؛ ويجوز اعتبار اللام صلة، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ثان محلا، وفي محل جر لفظا باللام، وهناك قول ثالث: أن اللام بمعنى: «أن» الناصبة، وأنها ناصبة للفعل بنفسها. قال الفراء: العرب تجعل لام كي في موضع «أن» في (أراد، وأمر). وإليه ذهب الكسائي أيضا. هذا؛ ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٢٦]: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ،﴾ والآية رقم [٧١] من سورة (الأنعام): ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ والآية رقم [٨] من سورة (الصف): ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ،﴾ وأيضا الآية رقم [٣٣] من سورة (الأحزاب). ومثل ذلك كله قول كثير عزة-وهو الشاهد رقم [٣٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿مُخْلِصِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿اللهَ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿الدِّينَ:﴾ مفعول به ل: ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿حُنَفاءَ:﴾ حال ثانية، أو حال من الضمير المستتر ب: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ فهي حال متداخلة. ﴿وَيُقِيمُوا﴾ و ﴿وَيُؤْتُوا:﴾ معطوفان على (يعبدوا) منصوبان مثله. ﴿الصَّلاةَ﴾ و ﴿الزَّكاةَ:﴾ مفعول بهما. ﴿وَذلِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (ذلك): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿الدِّينَ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْقَيِّمَةِ:﴾ مضاف إليه، وهناك صفة محذوفة، التقدير: دين الملة القيمة، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقيل: في محل نصب حال. ولا وجه له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾. إلخ: هذا شروع في بيان مقر الأشقياء، وجزاء السعداء، وحكم على الكفار من الفريقين بأمرين: الخلود في النار، وكونهم شرّ البرية، وبدأ بأهل الكتاب؛ لأنهم كانوا يطعنون في نبوة النبي ﷺ ، فجنايتهم أعظم؛ لأنهم أنكروه مع العلم به في كتبهم، و ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ظاهره العموم. وقيل: شر البرية الذين عاصروا الرسول ﷺ ؛ إذ لا يبعد أن يكون في كفار الأمم من هو شر من هؤلاء، كفرعون، وعاقر ناقة صالح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. انتهى. جمل.

стр. 7359

وقال الخازن: فإن قلت: إن المشركين أعظم جناية من أهل الكتاب؛ لأن المشركين أنكروا الصانع، والنبوة، والقيام، وأهل الكتاب اعترفوا بذلك غير أنهم أنكروا نبوة محمد ﷺ ، وإذا كان كذلك؛ كان كفرهم أخفّ. فلم سوّى بين الفريقين في العذاب؟! قلت: لما أراد أهل الكتاب الرفعة في الدنيا بإنكارهم نبوة محمد ﷺ ؛ أذلهم الله في الدنيا، وأدخلهم أسفل سافلين في الآخرة، ولا يمنع من دخولهم النار مع المشركين أن تتفاوت مراتبهم في العذاب. انتهى. ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: هم شر الخلق. والمعنى: أنهم لما استحقوا النار بسبب كفرهم. قالوا: فهل إلى خروج من سبيل؟ فقال لهم: بل تبقون خالدين فيها، فكأنهم قالوا: لم ذلك؟ قال: لأنكم شر البرية. هذا؛ وانظر شرح ﴿خَيْرُ﴾ و ﴿شَرُّ﴾ في سورة (الضحى) رقم [٤]. هذا؛ والبرية: الخلق، والجمع: البرايا، وفيها لغتان: الهمز: (البريئة) وتركه: (البرية) فمن همزها أخذها من: برأ الله الخلق؛ أي: خلقهم، فبنى «فعيلة» من ذلك، وهي بمعنى مفعولة، ومن لم يهمزها؛ كان له مذهبان: أحدهما: أن يقول: هي «فعيلة» من بريت، أبري، والثاني أن يقول: هي «فعيلة» من: برأ الله الخلق، بنيت على ترك الهمز. كما بنيت الخابية على ذلك، وهي من: خبأت. هذا؛ وقرأ نافع بالهمز في هذه السورة اللفظين، والقراءة بترك الهمز وتشديد الياء نشأت من قلب الهمزة ياء، وإدغامها في الياء الساكنة. فائدة: لم يقل جل ذكره في هذه الآية: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ كما قال بعد في صفة أهل الثواب؛ لأن رحمة الله أزيد من غضبه، فلم يتفق الخلودان في الأبدية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. التقدير: كفروا بالله، وبرسوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ:﴾ الواو: حرف عطف. (المشركين): معطوف على ما قبله. وقيل: معطوف على اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿فِي نارِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿نارِ:﴾ مضاف، و ﴿جَهَنَّمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ. وقال أبو البقاء: حال من الضمير في الخبر. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ،﴾ وفاعله مستتر فيه. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ أول، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُمْ شَرُّ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، و ﴿شَرُّ:﴾ مضاف، و ﴿الْبَرِيَّةِ:﴾ مضاف إليه.

стр. 7360

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: إن المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال هم خير الخليقة التي خلقها الله، وبرأها، فهم بسبب أعمالهم الصالحة، واجتنابهم الشرك، والأعمال القبيحة استحقوا أن يكونوا خير البرية. والخيرية يقال فيها ما قيل بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٧]: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ ولا تنس المقابلة بين الآية، وسابقتها. الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ:﴾ انظر الآية السابقة أيضا، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ الشرح: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أي: ثواب الذين آمنوا، وعملوا الصالحات. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مدخر عند ربهم، والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ جنات إقامة، وخلود، يقال: عدن بالمكان: أقام فيه، ومنه: المعدن الموجود في باطن الأرض. وقال النبي ﷺ : «عدن دار الله التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة: النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء-﵁. وقال عبد الله بن عمر-﵄: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق-﵁-قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها، وبين أشجارها. ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً:﴾ مقيمون لا يبرحون منها، لا يظعنون، ولا يموتون، ولا يهرمون. هذا؛ والأبد: الزمان الطويل؛ الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر. ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: قبل الله أعمالهم، فرضي عنهم، ونالوا ثوابه، فرضوا بما أعطاهم. وقال محمد بن الفضل: الروح، والراحة في الرضا، واليقين، والرضا باب الله الأعظم، ومحل استرواح العابدين. هذا؛ ولقد تكرر رضا الله عن عباده، ورضا عباده عنه في

стр. 7361

القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول: إن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، وفحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه من صحة، أو مرض، أو غنى، أو فقر، فيكون راضيا عن الله تعالى، فالله يثيبه رضاه؛ أي: رحمته وعفوه، وجوده، وإحسانه، فعليه: من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى؛ فلينظر منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله، وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه. وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء ﷺ : «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه الإمام مسلم، وغيره عن أبي هريرة-﵁، وخذ ما يلي: قال أبو زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى: ظننت أني أحبه، فإذا هو قد أحبني. قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وظننت: أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وظننت: أني أذكره، فإذا هو يذكرني قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾. وظننت: أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾. ﴿ذلِكَ﴾ أي: المذكور من الجزاء، والرضوان. ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم، والفعل: خشي، يخشى: والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل خشي بمعنى: علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل] ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النبيّ محمّد (قالوا): معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨١]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾. قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم. خاتمة: عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخير البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلّما كانت هيعة؛ استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشرّ البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «الذي يسأل بالله، ولا يعطي به». أخرجه أحمد. الإعراب: ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال منه، وكثير من النحويين لا يجيزون مجيء

стр. 7362

الحال من المبتدأ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل)، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَنّاتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال عامله محذوف، التقدير: دخلوها، أو أعطوها خالدين، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا. ﴿رَضِيَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها خبرا ثانيا للمبتدأ، وحالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة وقد قبلها مقدرة. والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل له. ﴿خَشِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم. وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (البينة) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7363

سورة الزّلزلة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (الزلزلة) مدنية في قول ابن عباس-﵄-ومكية في قول ابن مسعود، وعطاء، وجابر-﵃-وهي ثمان آيات، وخمس، وثلاثون كلمة، ومئة، وتسعة، وأربعون حرفا. وهذه السورة فضلها كثير، وتحتوي على عظيم. روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ﴾ عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾ عدلت له بربع القرآن، ومن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عدلت له بثلث القرآن». وقال: حديث غريب. وروى عبد الله بن عمرو-﵁-قال: لما نزلت ﴿إِذا زُلْزِلَتِ..﴾. إلخ؛ بكى أبو بكر ﵁-فقال النبي ﷺ : «لولا أنكم تخطئون، وتذنبون، ويغفر الله لكم؛ لخلق الله أمة يخطئون، ويذنبون، فيغفر لهم، إنه هو الغفور الرّحيم». وعن أنس بن مالك-﵁: أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان؟». قال: لا والله يا رسول الله! ولا عندي ما أتزوج به! قال: «أليس معك قل هو الله أحد؟». قال: بلى! قال: «ثلث القرآن». قال: «أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح؟». قال: بلى! قال: «ربع القرآن». قال: «أليس معك يا أيّها الكافرون؟». قال: بلى! قال: «ربع القرآن». قال: «أليس معك إذا زلزلت الأرض؟». قال: بلى. قال: «ربع القرآن تزوّج». أخرجه الترمذي. وانظر ما ذكرته في سورة (الكافرون). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣)﴾ الشرح: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ أي: تحركت حركة شديدة، واضطربت، وذلك عند قيام الساعة. قيل: تزلزلت من شدة صوت إسرافيل؛ حتى يتكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة، ولا تسكن؛ حتى تلقي ما على ظهرها من جبل، وشجر، وبناء. وفي وقت هذه الزلزلة قولان: أحدهما، (وهو قول الأكثرين): أنها في الدنيا، وهي من أشراط الساعة. والثاني: أنها زلزلة

стр. 7364

يوم القيامة. ويعين القول الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها﴾ فإن الإخراج إنما هو في النفخة الثانية، وكذا شهادتها بما وقع عليها إنما هو بعد النفخة الثانية، وكذلك انصراف الناس من الموقف إنما يكون بعد الثانية. تأمل. انتهى. جمل. ولا تنس قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [١]: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. هذا؛ و ﴿زِلْزالَها﴾ بكسر الزاي ويقرأ بفتحها مثل: ﴿الْوَسْواسِ﴾ ونحوه. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها:﴾ إظهار الأرض في موضع الإضمار لزيادة التقرير، فمن قال: إن الزلزلة تكون في الدنيا؛ قال: ﴿أَثْقالَها:﴾ كنوزها، وما في باطنها من الدفائن، والأموال، فتلقيها على ظهرها. يدل على صحة هذا القول ما روي عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب، والفضة، فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه، فلا يأخذون منه شيئا». أخرجه مسلم. والأفلاذ: جمع فلذة، وهي القطعة المستطيلة، شبه ما يخرج من باطنها بأقطاع كبدها؛ لأن الكبد مستور في الجوف، وإنما خص الكبد؛ لأنها من أطيب ما يشوى عند العرب من الجذور، واستعار القيء للإخراج، ومن قال بأن الزلزلة تكون يوم القيامة؛ قال: ﴿أَثْقالَها:﴾ الموتى، فتخرجهم إلى ظهرها. قيل: إن الميت إذا كان في باطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها، ومنه قيل للإنس، والجن: الثقلان؛ لأن الأرض تثقل بهم أحياء، وأمواتا، قالت الخنساء-﵂: [المتقارب] أبعد ابن عمرو من آل الشّر... يد حلّت به الأرض أثقالها؟ هذا؛ ووصافات الأرض بالإخراج توسعا، ومجازا، وفي الحقيقة: أن المخرج لما ذكر هو الله تعالى. وانظر قوله تعالى في سورة (الانشقاق): ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾. ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها﴾ أي: ما لها تزلزلت هذه الزلزلة العظيمة، ولفظت ما في بطنها؟! وفي الإنسان وجهان: أحدهما: أنه اسم جنس، يعم المؤمن، والكافر. وهذا على قول من جعل الزلزلة من أشراط الساعة، والمعنى: أنها حين وقعت لم يعلم الكافر: أنها من أشراط الساعة، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك. والثاني: اسم للكافر خاصة، وهذا على قول من جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن عارف بها، فلا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فإذا وقعت؛ سأل عنها، انتهى. خازن. وجملة القول: إن الناس يستنكرون أمر الأرض بعد أن كانت قارة ساكنة ثابتة؛ وهم مستقرون على ظهرها؛ حيث تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة قد جاءها من أمر الله تعالى ما قد أعده لها من الزلزال الذي لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطنها من الأموات من الأولين، والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ﴾

стр. 7365

الْواحِدِ الْقَهّارِ رقم [٤٨] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام انتهى. مختصر ابن كثير. بعد هذا، فإن الكافر يقول كما حكى الله قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ سورة (يس) رقم [٥٢]. وأما المؤمن فإنه يقول كما حكى الله قوله: ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ رقم [٥٢] من سورة (يس) والله أعلم بمراده، ولا تنس: أن التعبير بالماضي عن المستقبل إنما هو لتحقق الوقوع. الإعراب: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب. ﴿زُلْزِلَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ﴿الْأَرْضُ:﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿زِلْزالَها:﴾ مفعول مطلق، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، وحسن إضافة المصدر للضمير؛ لتتفق رؤوس الآي على لفظ واحد. ﴿وَأَخْرَجَتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (أخرجت): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْأَرْضُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿أَثْقالَها:﴾ مفعول به، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿وَقالَ الْإِنْسانُ:﴾ ماض، وفاعله. ﴿ما:﴾ اسم استفهام، وتعجب مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر أيضا. ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تخرج الأرض أثقالها. ﴿تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ أي: إن الأرض تحدث؛ أي: تشهد بكل ما عمل العبد على ظهرها من خير، أو شر، فتشكو العاصي، وتشهد عليه، وتشكر الطائع، وتشهد له. فعن أبي هريرة-﵁؛ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ أخبارها أن تشهد على كلّ عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا، وكذا». رواه أحمد، والترمذي، وصححه. وكذا الحاكم، وغيره. وعن ربيعة الجرشي-﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «استقيموا؛ ونعمّا إن استقمتم، وحافظوا على الوضوء، فإنّ خير أعمالكم الصلاة، وتحفّظوا من الأرض، فإنها أمّكم، وإنه ليس أحد عامل عليها خيرا، أو شرا إلاّ وهي مخبرة به». رواه الطبراني في الكبير. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها:﴾ أمرها بالكلام، وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها. قال ابن عباس-﵄: ﴿أَوْحى لَها﴾ قيل: إن الله تعالى يخلق في الأرض الحياة، والعقل، والنطق؛ حتى تخبر بما أمر الله به. وهذا مذهب أهل السنة، انتهى. خازن.

стр. 7366

وقال الجمل: الظاهر: أنه تحديث، وكلام حقيقي بأن يخلق الله فيها حياة، وإدراكا فتشهد بما عمل عليها من صالح، وطالح. وقيل: التحديث مجاز عن إحداث الله فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١١] من سورة (فصلت)، تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية؛ أي: يوم تخرج الأرض أثقالها، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين. كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما، و (إذ) في الأصل ظرف لما مضى من الزمان. وأتت في هذه الآية والتي بعدها لما يستقبل بدليل قوله تعالى قبلهما: ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾. الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من ﴿إِذا،﴾ والعامل فيه هو العامل في المبدل منه. وأجاز الزمخشري تعليقه بما بعده، و (إذ) مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿تُحَدِّثُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر يعود إلى ﴿الْأَرْضُ﴾. ﴿أَخْبارَها:﴾ مفعول به، و (ها) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية جواب (إذ) لا محل لها. ﴿بِأَنَّ:﴾ الباء: حرف جر. (أن): حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّكَ:﴾ اسم (إنّ)، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿أَوْحى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى ﴿رَبَّكَ﴾. ﴿لَها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿تُحَدِّثُ،﴾ وأجاز الزمخشري اعتبارهما بدلا من ﴿أَخْبارَها﴾ كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها. هذا؛ والفعل حدث، يحدث يتعدى إلى مفعولين: الأول منهما محذوف، التقدير: تحدث الناس. والثاني ﴿أَخْبارَها﴾ ويتعدى للثاني تارة بنفسه كما هنا، وتارة بحرف الجر، تقول: حدثته كذا، وحدثته بكذا. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ يوم تقع الزلزلة، وتخرج الأرض أثقالها. ﴿يَصْدُرُ النّاسُ:﴾ ينصرفون من موقف الحساب بعد العرض. ﴿أَشْتاتاً:﴾ متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار، وأشتاتا جمع: شتّ. ﴿لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ يعني: ثواب أعمالهم. وهذا كما روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا؛ فيقول: لم لا ازددت إحسانا؟ وإن كان غير ذلك؛ يقول: لم لا نزعت عن المعاصي؟»

стр. 7367

وهذا عند معاينة الثواب، والعقاب. هذا؛ وقيل: هذا الصدور إنما هو عند النشور، يصدرون أشتاتا من القبور، فيصار بهم إلى موقف الحساب؛ ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم، فكأنهم وردوا القبور. فدفنوا فيها، ثم صدروا عنها. والوارد الجائي، والصادر: المنصرف. هذا؛ وقيل: ﴿أَشْتاتاً﴾ بيض الوجوه، آمنين، وسود الوجوه فزعين. الإعراب: ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ بدل من سابقه، أو هو منصوب ب: ﴿يَصْدُرُ﴾ بعده، أو هو متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿يَصْدُرُ:﴾ مضارع. ﴿النّاسُ:﴾ فاعله. ﴿أَشْتاتاً:﴾ حال من الناس. والجملة الفعلية فيها معنى البدلية من جملة: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ فهي من جملة جواب ﴿إِذا﴾. ﴿لِيُرَوْا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول، والألف للتفريق. ﴿أَعْمالَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل ﴿يَصْدُرُ﴾. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ الشرح: قال مقاتل-رحمه الله تعالى-: نزلت الآيتان في رجلين، وذلك: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ..﴾. إلخ رقم [٤] من سورة (الدهر) كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة، والكسرة، والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة، والغيبة، والنظرة، ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر. فنزلت لترغيبهم في القليل من الخير يعطونه، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر. وقاله سعيد بن جبير-﵁. والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء. وقال ابن مسعود-﵁: هذه الآية أحكم آية في القرآن، وأصدق، وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. وقال كعب الأحبار: لقد أنزل على محمد ﷺ آيتان أحصتا ما في التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ..﴾. إلخ. وكان ابن عباس-﵄-يقول: من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر؛ عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة؛ إذا مات، ويتجاوز الله عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة. هذا؛ وقد قال الله تعالى في سورة (النساء) رقم [٤٠]: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ وهذا إذا كانت من مؤمن.

стр. 7368

وقال ابن عباس-﵄-أيضا: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيرا كان، أو شرا إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن؛ فيغفر له سيئاته، ويثيبه بحسناته، وأما الكافر؛ فترد حسناته تحسرا، ويعذب بسيئاته. وهذا الاحتمال يساعده النظم، والمعنى. وما قيل من أن حسنات الكافر تؤثر في نقص العقاب يردّه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً﴾ الآية رقم [٢٣] من سورة (الفرقان) انظر شرحها هناك، فإنه جيد إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن كعب القرظي-﵁: فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه، وماله، وأهله، وولده؛ حتى يخرج من الدنيا؛ وليس له عند الله خير. ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه، وماله، وولده، وأهله؛ حتى يخرج من الدنيا؛ وليس له عند الله شر. دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس ﵁-أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ وأبو بكر-﵁-يأكل، فأمسك، وقال: يا رسول الله! وإنا لنرى ما عملنا من خير، وشرّ؟ قال: «ما رأيت ممّا تكره؛ فهو مثاقيل ذرّ الشرّ، ويدّخر لكم مثاقيل ذرّ الخير؛ حتى تعطوه يوم القيامة». وخذ ما يلي. وسمى رسول الله ﷺ هذه الآية: «الجامعة الفاذة» حين سئل عن زكاة الحمير، فقال: ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ..﴾. إلخ وكان هذا السؤال حين ذكر الرسول ﷺ ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمير فقط؛ لأنهم لم يكن عندهم بغل يومئذ، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي ﷺ الدلدل؛ التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية. هذا؛ وفي صحيح البخاري عن عدي-﵁-مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، ولو بكلمة طيبة». وله أيضا في الصحيح: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا؛ ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، ولو أن تلقى أخاك؛ ووجهك إليه منبسط». أخرجه البخاري. وفي الصحيح أيضا: «يا نساء المسلمات! لا تحقرنّ جارة لجارتها؛ ولو فرسن شاة». يعني: ظلفها. أخرجه البخاري. وفي حديث آخر «ردّوا السائل ولو بظلف محرق». وعن عائشة-﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار، ولو بشقّ تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدّها من الشبعان». أخرجه الإمام أحمد، هذا كله بالنسبة لعمل الخير القليل. وأما بالنسبة لعمل الشر القليل فخذ ما يلي: فقد روي عن سعد بن جنادة-﵁ قال: لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين؛ نزلنا قفرا من الأرض، ليس فيها شيء، فقال النبي ﷺ : «اجمعوا، من وجد شيئا؛ فليأت به، ومن وجد عظما، أو سنا؛ فليأت به». قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي ﷺ : «أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، فلا يذنب صغيرة، ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه». أي:

стр. 7369

معدودة مسجلة عليه. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [٥٠]: ﴿وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾. وعن أنس-﵁-قال: إنكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، كنا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. رواه البخاري، وغيره. وانظر ما ذكرته في سورة (النجم) رقم [٥٢ و ٥٣] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، ولا تنس المقابلة بين الآيتين الكريمتين، وهي من المحسنات البديعية. هذا؛ و (الذرة) النملة الصغيرة. وقيل: ما يرى في شعاع الشمس الداخل إلى بيت مظلم من الهباء، وروي: أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي ﷺ يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ..﴾. إلخ فقال صعصعة: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة خيرا؛ رأيته، وإن عملت مثقال ذرة شرا؛ رأيته. طرفة: يحكى: أن أعرابيا قرأ سورة (الزلزلة) فأخر ﴿خَيْراً يَرَهُ﴾ وقدم ﴿شَرًّا يَرَهُ﴾ فقيل له: قدمت، وأخرت، فقال: [الطويل] خذا بطن هرشى أو قفاها فإنّه... كلا جانبي هرشى لهنّ طريق هرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ولها طريقان. فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع، وتفصيل ل: (يروا). (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْمَلْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من). ﴿مِثْقالَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿ذَرَّةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿خَيْراً:﴾ تمييز؛ لأنه بعد الوزن منصوبا. وقيل: بدل من ﴿مِثْقالَ﴾. ﴿يَرَهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والهاء مفعول به. هذا؛ وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان وهو المرجح لدى المعاصرين. والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها مستأنفة، ومفرعة عما قبلها، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (الزلزلة) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7370

سورة العاديات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (العاديات) مكية في قول ابن مسعود، وجابر، والحسن، وعكرمة، وعطاء-﵃-ومدنية في قول ابن عباس، وأنس، ومالك، وقتادة-﵃. وهي إحدى عشرة آية، وأربعون كلمة، ومئة وثلاثة وستون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥)﴾ الشرح: المراد بهذه الآيات: الخيل؛ التي تعدو في سبيل الله، فتضبح. قال قتادة: تضبح إذا عدت؛ أي: تحمحم. قال الفراء: الضبح: صوت أنفاس الخيل إذا عدون. وقال ابن عباس ﵄: ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس، والكلب، والثعلب. قال ابن العربي: أقسم الله بمحمد ﷺ ، فقال: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ وأقسم بحياته فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الآية رقم [٧٢] من سورة (الحجر)، وأقسم بخيله، وصهيلها، وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: ﴿وَالْعادِياتِ..﴾. إلخ. وعن ابن عباس-﵄ أنه حكى الضبح: أح أح. قال عنترة: [مجزوء الكامل] والخيل تكدح حين تض... بح في حياض الموت ضبحا وقال آخر: [الخفيف] لست بالتّبّع اليمانيّ إن لم... تضبح الخيل في سواد العراق وقال أهل اللغة في بيان: أن العاديات الخيل: [الرجز] وطعنة ذات رشاش واهيه... طعنتها عند صدور العاديه وإنما تضبح الحيوانات المذكورة إذا تغيرت حالها من فزع، أو تعب، أو طمع. وممن قال العاديات: الخيل ابن عباس، وأنس، والحسن، ومجاهد. وهناك قول ثان: إنها الإبل. قال الشعبي: فتمارى علي، وابن عباس-﵄-في العاديات، فقال عليّ-﵁: هي الإبل تعدو في الحج. وقال ابن عباس-﵄: هي الخيل، ألا تراه

стр. 7371

يقول: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ فهل تثير إلا بحوافرها، وهل تضبح الإبل؟ فقال علي: ليس كما قلت، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرسان: فرس للمقداد، وفرس للزبير، أتفتي الناس بما لا تعلم، فكيف تكون الخيل العاديات ضبحا؟! إنما العاديات الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. قال ابن عباس-﵄: فرجعت إلى قول علي. وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي-﵃. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب-﵂: [الوافر] فلا والعاديات غداة جمع... بأيديها إذا سطع الغبار يعني: الإبل. وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي. وقال آخر: [الطويل] رأى صاحبي في العاديات نجيبة... وأمثالها في الواضعات القوامس ومن قال: هي الإبل فقوله (ضبحا) بمعنى: ضبعا، فالحاء عنده مبدلة من العين؛ لأنه يقال: ضبعت الإبل، وهو أن تمد أعناقها في السير. وقال المبرد: الضبع مد أضباعها في السير، والضبح أكثر ما يستعمل في الخيل، والضبع في الإبل، وقد تبدل الحاء من العين. هذا؛ وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل كما استعير المشافر، والحافر للإنسان، والشفتان للمهر. أقول: والأكثر: أن المراد الخيل. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: وفي هذا دليل على أن هذه الأوصاف لذات واحدة لعطفها بالفاء؛ التي تقتضي التعقيب. والظاهر: أنها الخيل؛ التي يجاهد عليها العدو من الكفار، ولا يستدل على أنها الإبل بوقعة بدر، وإن لم يكن فيها إلا فرسان؛ لأنه لم يذكر: أن سبب نزول هذه السورة هو وقعة بدر، ثم بعد ذلك لا يكاد يوجد: أن الإبل جوهد عليها في سبيل الله، بل المعلوم أنه لا يجاهد إلا على الخيل في سبيل الله، في شرق البلاد، وغربها. ﴿فَالْمُورِياتِ قَدْحاً:﴾ هي الخيل حين توري النار بحوافرها، وهي سنابكها، وهذا يكون في القتال في الكرّ، والفرّ، وعلى الثاني هي أخفاف الإبل ترمي بالحجارة من شدة عدوها، فيضرب الحجر حجرا أخرى، فيوري النار. وقيل: هي النار بمنى. ﴿فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً:﴾ الخيل تغير على العدو عند الصبح عن ابن عباس، وأكثر المفسرين. وكانوا إذا أرادوا الغارة؛ سروا ليلا، ويأتون العدو صبحا؛ لأن ذلك وقت غفلة الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ رقم [١٧٧] من سورة (الصافات). وقيل: لعزهم أغاروا نهارا. وعلى قول علي-﵁: الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من مزدلفة إلى منى، والإغارة سرعة السير.

стр. 7372

﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ أي: غبارا. يعني: الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به، والضمير في (به) يرجع إلى المكان، أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة. وإذا علم المعنى جاز أن يكنّى بما لم يجر له ذكر بالتصريح، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ رقم [٢٦] من سورة (القيامة)، انظر شرحها، ففيه الكفاية. وعلى قول علي-﵁-يثور الغبار في ذلك المكان من أخفاف الإبل. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ أي: فوسطن بركبانهن العدوّ؛ أي: الجمع الذي أغاروا عليهم. وعلى قول علي-﵁. (فوسطن به جمعا) يعني: مزدلفة سميت: جمعا لاجتماع الناس فيها. وانظر ما ذكرته في أول سورة (الشمس) بشأن المقسم به؛ تجد ما يسرك. هذا؛ وتفرد البيضاوي بقوله: ويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كمالهنّ، الموريات بأفكارهنّ أنوار المعارف، المغيرات على الهوى، والعاديات إذا ظهر لهنّ مبدأ أنوار القدس، فأثرن به شوقا، فوسطن به جمعا من جموع العليين. انتهى. الإعراب: ﴿وَالْعادِياتِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره: أقسم. ﴿ضَبْحاً:﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: تضبح ضبحا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من العاديات. ﴿فَالْمُورِياتِ:﴾ الفاء: حرف عطف. (الموريات): معطوف على (العاديات) وفاعلهما مستتر فيه. ﴿قَدْحاً:﴾ مفعول به للموريات. ﴿فَالْمُغِيراتِ:﴾ معطوف على ما قبله. وفاعله مستتر فيه. ﴿صُبْحاً:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (المغيرات). هذا؛ وقيل: ﴿صُبْحاً:﴾ مصدر في موضع الحال، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ لأنه بمعنى: غائرا. وقيل: ﴿قَدْحاً﴾ منصوب على الحال أيضا، فالمعنى: قادحات. (أثرن): فعل ماض مبني على السكون، والنون فاعله. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿نَقْعاً:﴾ مفعول به. هذا؛ والفعل (أثرن) معطوف على الأسماء السابقة. وهو عطف فعل على اسم، وساغ ذلك؛ لأن الأسماء السابقة في تقدير الفعل؛ إذ المعنى: التي تعدو، والتي توري، والتي تغير، والتي تثير. أو المعنى: اللاتي عدون، واللاتي قدحن، واللاتي أغرن، واللاتي أثرن. هذا؛ وقال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلقته رقم [٩٥]: [الوافر] وأنّا الشّاربون الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا إذ المعنى: وأنا الذين يشربون الماء، ويشرب... إلخ. هذا؛ وقال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] واعطف على اسم شبه فعل فعلا... وعكسا استعمل تجده سهلا قال ابن عقيل-رحمه الله تعالى-في شرح هذا البيت: يجوز أن يعطف الفعل على الاسم المشبه للفعل، كاسم الفاعل، ونحوه. ويجوز أن يعطف على الفعل الواقع موقع الاسم اسم،

стр. 7373

فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَالْعادِياتِ..﴾. إلخ الآيات؛ التي نحن بصدد شرحها. وقوله تعالى في سورة (الحديد) رقم [١٨]: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ..﴾. إلخ وقال: ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل] فألفيته يوما يبير عدوّه... ومجر عطاء يستحقّ المعابرا ف: «مجر عطاء» معطوف على: «يبير»، وقول الشاعر: [الرجز] بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسوقها وجائر ف: «جائر» معطوف على: «يقصد». ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في الإعراب والتقدير، و ﴿جَمْعاً﴾ مفعول به. وأغرب مكي كل الغرابة حيث قال: حال. وقاله أبو البقاء أيضا. ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ:﴾ اللام للجنس؛ أي: جنس الإنسان. وقيل: المراد: الكافر. ﴿لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ:﴾ قال ابن عباس-﵄: لكفور جحود لنعم الله. وكذلك قال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-. وقال: يذكر النقم، وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه: [السريع] يا أيها الظّالم في فعله... والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتّى متى؟ ... تشكو المصيبات وتنسى النّعم وروى أبو أمامة الباهلي-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «الكنود: هو الذي يأكل، ويمنع رفده، ويضرب عبده». الرفد بكسر الراء: العطاء، والصلة. وعن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بشراركم؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده». خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وروي عن ابن عباس-﵄-أيضا: أنه قال: الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي. وبلسان ربيعة، ومضر: الكفور. وبلسان كنانة: البخيل السيئ الملكة. وقاله مقاتل. وقال الشاعر: [الطويل] كنود لنعماء الرجال ومن يكن... كنودا لنعماء الرجال يبعّد وقال إبراهيم بن هرمة: [الوافر] دع البخلاء إن شمخوا وصدّوا... وذكرى بخل غانية كنود

стр. 7374

وقيل: الكنود: قليل الخير، مأخوذ من الأرض الكنود، وهي التي لا تنبت شيئا. وقال الفضيل بن عياض: الكنود هو الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، وضده: الشكور؛ الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. وقيل غير ذلك. ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: وإن الله لشهيد على الإنسان بما يصنع. وعليه أكثر المفسرين. وقال الحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي-﵃: أي: وإن الإنسان لشاهد على نفسه بما يصنع؛ أي: شاهد بلسان حاله، ظاهر ذلك عليه في أقواله، وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ رقم [١٧] من سورة (التوبة). ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ:﴾ وإن الإنسان بلا خلاف. ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ أي: المال، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٨٠]: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ أي: مالا، والخير يكون بمعنى الطعام، كما في قوله تعالى حكاية عن قول موسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ رقم [٢٤] من سورة (القصص). والخير يكون بمعنى القوة، كما قال تعالى في سورة (الدخان) رقم [٣٧]: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. ويكون بمعنى العبادة، كقوله تعالى في سورة (الأنبياء) رقم [٧٣]: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ﴾ وقال عدي: [المنسرح] ماذا ترجّي النفوس من طلب ال... خير وحبّ الحياة كاربها أي: غامها. من: كربه الأمر: اشتد عليه. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ لقوي في حبه للمال. وقيل: المعنى: لبخيل. ويقال للبخيل: شديد، ومتشدد. قال طرفة بن العبد في معلقته رقم [٧١]: [الطويل] أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي... عقيلة مال الفاحش المتشدّد قال ابن زيد-رحمه الله تعالى-: سمى الله المال: خيرا؛ وعسى أن يكون شرا، وخيرا، ولكن الناس يعدونه خيرا، فسمّاه الله خيرا لذلك، وسمى الله الجهاد سوءا. فقال في سورة (آل عمران) رقم [١٧٤]: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ على ما يسميه الناس سوءا؛ أي: يتخوفون منه. بعد هذا فقد قال الإمام الفخر-رحمه الله تعالى-: لما ذكر الله المقسم به، وهو ثلاثة أمور، ذكر المقسم عليه، وهو أمور ثلاثة أيضا: أولها قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ،﴾ وثانيها قوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ،﴾ ثالثها قوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. وقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ..﴾. إلخ شروع في تخويف الإنسان بعد تعديد قبائح أفعاله عليه، فأقسم بثلاثة على ثلاثة. انتهى. جمل، والله أعلم بمراده. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْإِنْسانَ:﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِرَبِّهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله

стр. 7375

مستتر فيه. ﴿لَكَنُودٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (كنود): خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية جواب القسم، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿وَإِنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (إنه): حرف مشبه بالفعل. والهاء اسمها. ﴿لِحُبِّ:﴾ متعلقان ب: (شديد)، و (حب): مضاف، و ﴿الْخَيْرِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف. ﴿لَشَدِيدٌ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (شديد): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا. هذا؛ واللام بقوله (لحب) تسمى لام التقوية، انظر ما ذكرته في إعراب قوله تعالى في سورة (البروج) رقم [١٦]: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ تجد ما يسرك. ولا تنس: أن التأكيد ب: (إنّ) واللام في الآيات الثلاث إنما هو زيادة في التقرير، والبيان، وهذا من مباحث علم المعاني. ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ الشرح: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام؛ أي: أيفعل ما يفعل من القبائح، فلا يعلم إذا بعثر ما في القبور؟! هذا تهديد، ووعيد. هذا؛ والهمزة في الكلمة ﴿أَفَلا﴾ ومثلها ﴿أَفَلَمْ﴾ و ﴿أَوَلَمْ﴾ ونحوهما للإنكار، وهي في نية التأخير عن الفاء، والواو؛ لأنهما حرفا عطف، وكذا تقدم على «ثمّ» تنبيها على أصالتها في التصدير، نحو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقوله تعالت حكمته: ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وأخواتها تتأخر عن حروف العطف، كما هو قياس أجزاء الجملة المعطوفة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ هذا مذهب سيبويه، والجمهور، وخالف جماعة، أولهم الزمخشري، فزعموا: أن الهمزة في الآيات المتقدمة في محلها الأصلي، وأن العطف على جملة مقدرة بينها وبين العاطف، فيقولون: التقدير في ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا..﴾. إلخ، ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ..﴾. إلخ، ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ..﴾. إلخ: أمكثوا، فلم يسيروا في الأرض؟ أنهملكم، فنضرب عنكم... إلخ؟! أتؤمنون في حياته، فإن مات... إلخ؟ ويضعفه ما فيه من التكلف، وأنه غير مطرد في جميع المواضع. انتهى. مغني بتصرف. هذا؛ والفعل ﴿يَعْلَمُ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز] لعلم عرفان وظن تهمه... تعدية لواحد ملتزمه بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ، وخبر، وأيضا: فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم، فإن متعلقه المعاني،

стр. 7376

والنسب. وتفصيل ذلك: أنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى: أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا؛ لأن المعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا قائما؛ لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة. تأمل، وتدبر. ﴿بُعْثِرَ:﴾ البعثرة بالعين، والبحثرة بالحاء: استخراج الشيء، واستكشافه. وانظر قوله تعالى في سورة (الانفطار): ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. وقال أبو عبيدة: بعثرت المتاع: جعلت أسفله أعلاه. وقال الفراء: سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ: «(بحثر)» بالحاء مكان العين، وحكاها الماوردي عن ابن مسعود-﵁-وهما بمعنى. ﴿ما فِي الْقُبُورِ:﴾ من الموتى، وهذا على الأغلب، وهناك من هو في جوف الطير، وجوف السمك، وهناك من أحرق، وصار رمادا، فلم يدفن، كما هو معلوم لدى كل إنسان. هذا؛ وقال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: فإن قيل: لم قال: ﴿ما فِي الْقُبُورِ؟﴾ ولم يقل: من في القبور، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ؟﴾ أجيب عن الأول بأن ما في الأرض غير المكلفين أكثر، فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء، بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء. انتهى. أقول: وهذا؛ لأن (من) للعاقل، و (ما) لغيره. ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ أي: أخرج، وجمع بغاية السهولة ما في الصدور من خير، وشر، وإيمان، وكفر مما يظن مضمره: أنه لا يعلمه أحد أصلا، وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال. وهذا يدل على أن الإنسان يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. انتهى. خطيب. أقول: انظر قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٨٤]: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾. ولا تنس: أنه خص أعمال القلوب بالذكر، وترك أعمال الجوارح؛ لأنها تابعة لأعمال القلوب، فإنه لولا تحقق البواعث، والإرادات في القلوب؛ لما حصلت أعمال الجوارح. ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ:﴾ عالم لا يخفى عليه منهم خافية. وهو عالم بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، وعالم بما يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء. وإنما خص علمه بهم في ذلك اليوم، وهو يوم القيامة؛ لأنه يوم الجزاء بقصد الوعيد، والتهديد، وهو تضمين معنى (خبير). الإعراب: ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري. الفاء: عاطفة على محذوف. انظر تقديره في الشرح. (لا): نافية. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿الْإِنْسانَ﴾ تقديره: «هو». ﴿إِذا:﴾ ظرف مجرد عن الشرطية، العامل فيه ما دل عليه قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ ولا يعمل فيه ﴿يَعْلَمُ؛﴾ لأن الإنسان لا يراد منه العلم، ولا يقصد منه في ذلك الوقت،

стр. 7377

وإنما يراد منه، وهو في الدنيا، ولا يجوز أن يكون ظرفا ل: ﴿بُعْثِرَ؛﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا لقوله: (خبير)؛ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها... إلخ. انتهى. جمل بتصرف. ﴿بُعْثِرَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نائب فاعل. ﴿فِي الْقُبُورِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، التقدير: يوجد في الصدور، وجملة: ﴿بُعْثِرَ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، والكلام: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ..﴾. إلخ كله مستأنف، لا محل له، وجملة: ﴿وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ﴾ معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وهي مثلها في إعرابها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ اسم ﴿إِنَّ،﴾ والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿رَبَّهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: (خبير) بعدهما. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ ظرف زمان متعلق ب: (خبير) أيضا. و (إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض من جملة محذوفة التقدير: يوم إذ بعثر ما في القبور، ولا تمنع لام الابتداء من عمل ما بعدها فيما قبلها. (خبير): خبر (إنّ)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (العاديات) شرحا وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7378

سورة القارعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (القارعة)، وهي مكية باتفاق، وهي إحدى عشرة آية، وست وثلاثون كلمة، ومئة واثنان وخمسون حرفا. ومناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر وقت بعثرة القبور؛ أتبعه بأهوال يوم القيامة، وبيان وقتها. وقال الرازي-رحمه الله تعالى-: لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ فكأنه قيل: وما ذلك اليوم؟ فقيل: هو القارعة. انتهى. جمل. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣)﴾ الشرح: ﴿الْقارِعَةُ:﴾ أصل القرع: الصوت الشديد، ومنه: قوارع الدهر؛ أي: شدائده، والقرع أيضا: الضرب بشدة، ومنه: المقرعة. واتفقوا على أن القارعة اسم من أسماء القيامة، مثل: الحاقة، والطامة، والصاخة، سميت بذلك؛ لأنها تقرع القلوب بالفزع، والشدائد، وسبب ذلك: أن القارعة هي الصيحة التي يموت منها الخلائق سوى إسرافيل، ثم يميته، ثم يحييه، فينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس من قبورهم للحساب، والجزاء، وأهل اللغة يقولون: تقول العرب: قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة: إذا وقع بهم أمر فظيع. قال ابن أحمر: [الوافر] وقارعة من الأيّام لولا... سبيلهم لزاحت عنك حينا وقال تعالى في سورة (الرعد) رقم [٣١]: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾. ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ أي: أي شيء هي القارعة، فهو تهويل، وتعظيم. والمعنى: أنها فاقت القوارع في الهول، والشدة. ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ:﴾ زيادة في تعظيم القيامة، وتفخيم شأنها. معناه: لا علم لك بكنهها؛ لأنها في الشدة بحيث لا يبلغها فهم أحد، وكيفما أمرها، فهي أعظم من ذلك، انظر سورة (الحاقة) وسورة (القدر). هذا؛ وإنما سميت القيامة: القارعة؛ لشدة هولها على النفوس؛ لأنها لا تفزع القلوب فحسب، بل تؤثر في الأجرام العظيمة، فتؤثر في السموات بالانشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس، والقمر بالتكوير، والانكدار؛ إلى غير ما هنالك مما ذكرته فيما سبق، وفي بقية السورة بيان شيء من ذلك الهول المفزع.

стр. 7379

الإعراب: ﴿الْقارِعَةُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَا:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْقارِعَةُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿الْقارِعَةُ،﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، لا محل لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف، أو حرف عطف. (ما): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَدْراكَ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، والفاعل يعود إلى (ما)، والكاف مفعوله الأول، والجملة الاسمية: ﴿مَا الْقارِعَةُ﴾ في محل نصب سدت مسد مفعول ﴿أَدْراكَ﴾ الثاني المعلق عن العمل بسبب الاستفهام. وقال زاده: في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني، والثالث ل: (أدرى)؛ لأنه بمعنى: أعلم، والجملة الفعلية: ﴿أَدْراكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو (ما)، والجملة الاسمية لا محل لها على الوجهين المعتبرين بالواو. ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ الشرح: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ..﴾. إلخ أي: ذلك يحدث عند ما يخرج الناس من قبورهم فزعين، كأنهم فراش متفرق منتشر هنا وهناك، يموج بعضهم في بعض من شدة الفزع، والحيرة. قال الرازي: شبه تعالى الخلق وقت البعث هاهنا بالفراش المبثوث، وفي آية أخرى بالجراد المنتشر، أما وجه التشبيه بالفراش؛ فلأن الفراش إذا ثار لم يتجه إلى جهة واحدة، بل كل واحدة منها تذهب إلى غير جهة الأخرى، فدل على أنهم إذا بعثوا؛ فزعوا. وأما وجه التشبيه بالجراد فهو في الكثرة، يصبحون كغوغاء الجراد يركب بعضه بعضا، فكذلك الناس إذا بعثوا يموج بعضهم في بعض، كالجراد، والفراش، كقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٩٩]: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: الفراش: الطير الذي يتساقط في النار، والسراج، الواحدة: فراشة. وقال الفراء: إنه الهمج الطائر من بعوض، وغيره، ومنه: الجراد. ويقال: هو أطيش من فراشة. قال الشاعر: [الرجز] طويّش من نفر أطياش... أطيش من طائرة الفراش وقال جرير في هجاء الفرزدق: [الكامل] إنّ الفرزدق ما علمت وقومه... مثل الفراش غشين نار المصطلي وفي صحيح مسلم: عن جابر-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب، والفراش يقعن فيها، وهو يذبّهنّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النّار، وأنتم تفلّتون من يدي». وفي الباب عن أبي هريرة-﵁. و ﴿الْمَبْثُوثِ:﴾

стр. 7380

المتفرق. وقال في موضع آخر في قوله تعالى في سورة (القمر) رقم [٧]: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ فأوّل حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكونون كالجراد؛ لأن لها وجها تقصده، وفي أمثالهم: أضعف من فراشة، وأذل وأجهل من جرادة. وسمي فراشا لتفرشه، وانتشاره. ﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ أي: الصوف الذي ينفش باليد. وأهل اللغة يقولون: العهن: الصوف المصبوغ. وذلك؛ لأنها تتفرق أجزاؤها في ذلك اليوم حتى تصير كالصوف المتطاير عند الندف، وإنما جمع بين حال الناس وحال الجبال تنبيها على أن تلك القارعة أثرت في الجبال العظيمة الصلدة الصلبة حتى تصير كالصوف المندوف مع كونها غير مكلفة، فكيف حال الإنسان الضعيف المقصود بالتكليف؛ وهو مبعوث من قبره للحساب، والجزاء؟! وانظر ما ذكرته في سورة (النبأ) رقم [٢٠] تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بفعل محذوف، التقدير: تقرع يوم، أو تقديره: اذكر. وقيل: ﴿يَوْمَ﴾ مبني على الفتح في محل رفع من وجهين: أحدهما: أنه خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي يوم، كما هو رأي الكوفيين لإضافته إلى الفعل وإن كان مضارعا. وثانيهما: أنه فاعل لفعل محذوف، التقدير: سيأتي يوم يكون. وقيل: ﴿الْقارِعَةُ﴾ رفع بإضمار فعل، وذلك الفعل عامل في ﴿يَوْمَ﴾ تقديره: ستأتي القارعة يوم يكون. انتهى. مكي، والأول هو المعتمد بلا شك، ولا ريب. ﴿يَكُونُ:﴾ مضارع ناقص. ﴿النّاسُ:﴾ اسمها. ﴿كَالْفَراشِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ﴿يَكُونُ﴾ التقدير: يكون الناس مشبهين بالفراش. وإن اعتبرت ﴿يَكُونُ﴾ تاما؛ فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف حال، التقدير: يوجدون ويحشرون حال كونهم مشبهين بالفراش. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: مثل؛ فالمحل لها على الاعتبارين، وتكون مضافة، و (الفراش): مضاف إليه. ﴿الْمَبْثُوثِ:﴾ صفة (الفراش) وجملة: ﴿يَكُونُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، والتي بعدها معطوفة عليها، وهي مثلها في إعرابها وفي محلها. ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)﴾ الشرح: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ:﴾ هذا تفصيل لأحوال الناس في ذلك اليوم، العظيم شأنه، الطويل زمانه، القريب أوانه، وهذا التفصيل تجده في سورة (هود) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ..﴾. إلخ رقم [١٠٥] وما بعدها. ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت حسناته على سيئاته. يعني: رجحت موازين حسناته. قيل: هو جمع: موزون، وهو العمل الذي له قدر، وخطر عند الله تعالى. وقيل: هو جمع: ميزان، وهو

стр. 7381

الذي له لسان، وكفتان، توزن فيه الأعمال، فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة، فتوضع في كفة الميزان، فإن رجحت حسناته؛ فالجنة له. ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة، فتخف ميزانه، فيدخل النار. وقيل: إنما توزن أعمال المؤمنين. فمن ثقلت حسناته على سيئاته؛ دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته؛ دخل النار، فيقتص منه على قدرها، ثم يخرج منها، فيدخل الجنة، أو يعفو الله عنه بكرمه، فيدخل الجنة بفضل الله، وكرمه، ورحمته، وأما الكفار؛ فلا توزن أعمالهم. قال تعالى في سورة (الكهف) رقم [١٠٥]: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾. روي: أن أبا بكر-﵁-حين حضره الموت. قال في وصيته لعمر بن الخطاب ﵁: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا. هذا؛ وقد ذكر الله تعالى في هذه الآيات السعداء الذين غلبت حسناتهم على سيئاتهم، والأشقياء الذين غلبت سيئاتهم على حسناتهم، وبقي صنف ثالث، وهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف المذكورون في الآية رقم [٤٦] وما بعدها، من سورة (الأعراف) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ..﴾. إلخ. هذا؛ والمراد بالوزن: القضاء، أو وزن الأعمال، وهو مقابلتها بالجزاء. والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان، له لسان، وكفتان، ينظر إليه الخلائق، إظهارا للمعدلة، وقطعا للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم، فتعترف بها ألسنتهم، وتشهد بها جوارحهم. والحكمة من وزن الأعمال مع علم الله بمقاديرها تتجلى فيما يلي: منها: إظهار العدل الإلهي، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة. ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى. ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير، وشر، وحسنة، وسيئة. ومنها: إظهار علامة السعادة، والشقاوة، وخذ ما يلي: فعن أنس بن مالك-﵁-رفعه إلى النبي ﷺ قال: «ملك موكل بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه، نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خفّ ميزانه؛ نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا». رواه البيهقي، والبزار. عن سلمان الفارسي-﵁-عن النبي ﷺ قال: «يوضع الميزان يوم القيامة. فلو وزن فيه السموات، والأرض؛ لوسعهنّ. فنقول الملائكة: يا ربّ لمن يزن هذا؟ فيقول الله: لمن شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك». رواه الحاكم.

стр. 7382

هذا؛ و (موازين) جمع: ميزان، وأصله: موزان، قلبت الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها، ومثله: ميعاد، وميثاق، وميقات، وميراث. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي: راض بها صاحبها. ففيه إسناد مجازي عقلي. انظر سورة (الحاقة) رقم [٢١]. ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ أي: رجحت سيئاته على حسناته، كما رأيت فيما تقدم، فعن عائشة-﵂-قالت: ذكرت النار، فبكيت، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك؟». قلت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال: «أما في ثلاثة مواطن؛ فلا يذكر أحد أحدا، عند الميزان؛ حتى يعلم أيخفّ ميزانه، أم يثقل؟ وعند تطاير الصحف؛ حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم في شماله، أم وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم؛ حتى يجوز». رواه أبو داود. ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ يعني: جهنم، وسماها أمّا؛ لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمّه. قاله ابن زيد. وقيل للمأوى: أمّ على التشبيه؛ لأن الأمّ مأوى الولد، ومفزعه. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الكامل] فالأرض معقلنا وكانت أمّنا... فيها مقابرنا وفيها نولد وسميت النار هاوية؛ لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها، وليستقر فيها. وقال الشاعر: [السريع] يا عمرو لو نالتك أرماحنا... كنت كمن تهوي به الهاويه ويقال: هوت أمه فهي هاوية؛ أي: ثاكلة. قال كعب بن سعد الغنوي: [الطويل] هوت أمّه ما يبعث الصبح غاديا... وماذا يردّ الليل حين يؤوب ﴿وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ﴾ أي: ما الهاوية، الأصل: ما هي، فدخلت الهاء للسكت. ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أي: شديدة الحرارة. وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم». قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله! قال: «فإنّها فضّلت عليها بتسعة وستّين جزءا كلّها مثل حرّها». وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرّتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد». وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء مظلمة». وانظر الآية رقم [٤] من سورة (الغاشية). وفي الخبر عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ قال: «إن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول: ذلك مات قبلي، أما مرّ بكم؟ فيقولون: لا والله، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية». انتهى. قرطبي.

стр. 7383

وفي الجمل، فإن قلت: كيف قال: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ مع أن أكثر المؤمنين سيئاتهم راجحة على حسناتهم؟ قلنا: قوله: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ لا يدل على خلوده فيها، فيسكن المؤمن فيها بقدر ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة. وقيل: المراد بخفة الموازين: خلوها من الحسنات بالكلية، وتلك موازين الكفار. انتهى. كرخي. هذا؛ وما يقوله بعض المتمشيخة في هذا الزمن: إن المؤمن لا يعذب، ولا يحرق في نار جهنم؛ فهو كذب على الله صراح. هذا؛ وفي السورة المقابلة بين: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ..﴾. إلخ، وبين: ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ..﴾. إلخ وهو من المحسنات البديعية، وأيضا الاحتباك، وهو أن يحذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، فقوله تعالى: ﴿فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ حذف من الأول: (فأمه الجنة) وذكر فيها: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ وحذف من الآية الثانية: (فهو في عيشة ساخطة) وذكر: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ فحذف من كل ما أثبته في الآخر، وهو من المحسنات البديعية أيضا. الإعراب: ﴿فَأَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف وتفريع. (أما): انظر الآية رقم [١٥] من سورة (الفجر). ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿ثَقُلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والتاء للتأنيث حرف لا محل له. ﴿مَوازِينُهُ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿فَهُوَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿فِي عِيشَةٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿راضِيَةٍ:﴾ صفة ﴿عِيشَةٍ،﴾ والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل جزم جواب الشرط. والدسوقي يقول: لا محل لها. وخبر المبتدأ الذي هو ﴿مَنْ﴾ مختلف فيه كما رأيت في سورة (الزلزلة)، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ..﴾. إلخ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، بلا فارق. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿مَنْ﴾ اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: (هو...) إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. وهذا كثير في الآيات القرآنية. ﴿وَما أَدْراكَ..﴾. إلخ الإعراب مثل ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ﴾ بلا فارق، والهاء للسكت حرف لا محل له. ﴿نارٌ:﴾ خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هي نار، والجملة الاسمية مفسرة للضمير. ﴿حامِيَةٌ:﴾ صفة ﴿نارٌ﴾. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (القارعة) شرحا، وإعرابا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 7384

سورة التكاثر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة (التكاثر) مكية في قول جميع المفسرين. وروى البخاري: أنها مدنية، وهي ثمان آيات، وست وثلاثون كلمة، ومئة واثنان وخمسون حرفا. انتهى. خازن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢)﴾ الشرح: مناسبة السورة لما قبلها: أنه لما ذكر أهوال القيامة؛ ذم اللاهين والمشتغلين عنها، فقال: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾. انتهى. جمل، ومعنى ﴿أَلْهاكُمُ﴾ شغلكم أيها الناس التفاخر بالأموال، والأولاد، والرجال عن طاعة الله، وعن الاستعداد للآخرة؛ حتى متم، ودفنتم في المقابر. هذا؛ وقال الزمخشري: وقرأ ابن عباس ﵄: «(أألهاكم)» على الاستفهام؛ الذي معناه التقرير. قال ابن بريدة-﵁: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار: بني حارثة، وبني الحارث، تفاخروا، وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان. وقال الآخرون: مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان (يشيرون إلى القبور) ومثل فلان. وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله الآية، وما بعدها، وهذا يعني: أن السورة مدنية. وقال الزمخشري: روي: أن بني عبد مناف، وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا، فكثرتهم بنو عبد مناف، فقالت بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية، فعادونا بالأحياء، والأموات، فكثرهم بنو سهم، وهذا يعني: أن السورة مكية. والمعنى: ألهاكم التكاثر بالأموال، والأولاد، والتفاخر بالرجال إلى أن متم، وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا، والاستباق إليها، والتهالك عليها، إلى أن أتاكم الموت لا همّ لكم غير ذلك عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم، والعمل لآخرتكم. وزيارة القبور كناية عن الموت. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-الآية تعم جميع ما ذكر، وغيره. وخذ ما يلي: عن عبد الله بن الشخير-﵁-قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ..﴾. إلخ فقال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟». رواه مسلم، والترمذي، والنسائي.

стр. 7385

وعن أنس بن مالك-﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله، وماله، ويبقى عمله». رواه الشيخان. والأحاديث في ذلك كثيرة ومسطورة في كتاب: «الترغيب والترهيب» وغيره. وخذ قول الشاعر: [مجزوء الرجز] الموت يأتي بغتة... والقبر صندوق العمل المقابر: جمع مقبرة. بفتح الباء، وضمها، والقبور. جمع: القبر. قال الشاعر: [الوافر] أرى أهل القصور إذا أميتوا... بنوا فوق المقابر بالصّخور أبوا إلاّ مباهاة وفخرا... على الفقراء حتى في القبور وقد جاء في الشعر: المقبر، بفتح الباء قال الشاعر: [الطويل] لكلّ أناس مقبر بفنائهم... فهم ينقصون والقبور تزيد وانظر ما ذكرته في سورة (عبس) رقم [٢١]. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة، وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر الموت، والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنها تزهّد في الدنيا، وتذكّر الآخرة». أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود-﵁. وعن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ : «لعن زوّارات القبور». أخرجه الترمذي. وقد رأى بعض أهل العلم: أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ﷺ في زيارة القبور، فلما رخص دخل في رخصته الرجال، والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ. قلت: زيارة القبور للرجال متفق عليها عند العلماء، مختلف فيها للنساء، أما الشواب؛ فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد؛ فمباح لهن ذلك، وجائز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال، ولا يختلف في هذا؛ إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله: «زوروا القبور». عامّا، وأما موضع، أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال، والنساء؛ فلا يحل، ولا يجوز، فبينما الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة، فيفتتن، وبالعكس، فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم. انتهى. الإعراب: ﴿أَلْهاكُمُ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والكاف مفعول به، ﴿التَّكاثُرُ:﴾ فاعل، والمتعلق محذوف للتعميم. انظر الشرح. والجملة الفعلية مبتدأة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية، وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿زُرْتُمُ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل نصب ب: «أن» المضمرة بعد ﴿حَتّى،﴾ والتاء فاعله. ﴿الْمَقابِرَ:﴾ مفعول به، و «أن»

стр. 7386

المضمرة بعد ﴿حَتّى﴾ والفعل (زار) في تأويل مصدر في محل جر ب: ﴿حَتّى،﴾ والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. هذا؛ وقال الجمل: ﴿حَتّى زُرْتُمُ﴾ عطف على قوله: ﴿أَلْهاكُمُ﴾ وهو غاية في نفسه. أقول: والمعنى لا يؤيده؛ لأن معنى ﴿حَتّى﴾ هنا بمعنى إلى أن زرتم. ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ الشرح: ﴿كَلاّ:﴾ اعتبر الجلال ﴿كَلاّ﴾ الثالثة بمعنى: حقا والأوليين للردع، والزجر، وجرى غيره على التسوية بين الثلاثة، وفي القرطبي: وقيل: إن ﴿كَلاّ﴾ في المواضع الثلاثة بمعنى: ألا. قاله ابن أبي حاتم. وقال الفراء: هي بمعنى: حقا في المواضع الثلاثة. وقيل: هي للردع، والزجر في المواضع الثلاثة. انتهى. جمل. وانظر ما ذكرته بشأن ﴿كَلاّ﴾ في سورة (المدثر) برقم [١٦]. وقال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: ردع، وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه، وعظم سعيه للدنيا، فإن عاقبة ذلك وبال، وحسرة. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ خطأ رأيكم، إذا عاينتم ما وراءكم، وهو إنذار ليخافوا، ويتنبهوا من غفلتهم. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ:﴾ تكرير للتأكيد، وفي ﴿ثُمَّ﴾ دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول. أو الأول عند الموت، أو في القبر، والثاني عند النشور. انتهى. بيضاوي. وانظر مثل هذا التوكيد في سورة (القلم) رقم [٥] وفي أول سورة (النبأ). وقال ابن عباس-﵄: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبر. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب. فالأول في القبر، والثاني في الآخرة، فالتكرار للحالتين. وروى زرّ بن حبيش عن علي-﵁-قال: كنا نشك في عذاب القبر؛ حتى نزلت هذه السورة فأشار إلى أن قوله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني في القبور. وقيل ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسلي لنزع أرواحكم. ﴿ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع عنكم الجواب. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: فتضمنت السورة القول في عذاب القبر، وأن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم، حسب ما أخبر به الصادق، وأن الله يحيي العبد المكلف في قبره، يرد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف؛ الذي عاش عليه، ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعدّ له في قبره من كرامة، أو هوان. وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة. هذا؛ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٧] من سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، تجد ما يسرك. وانظر شرح ﴿ثُمَّ﴾ في الآية رقم [٣١] من سورة (الحاقة). والفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم، انظر الآية رقم [٩] من سورة (العاديات) هذا؛ و ﴿سَوْفَ﴾ في حق الله تعالى تفيد التوكيد، والتحقيق.

стр. 7387

الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ انظر ما قيل فيها في الشرح. ﴿سَوْفَ:﴾ حرف تسويف، واستقبال. وانظر الشرح أيضا. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها على الاعتبارين، والتي بعدها معطوفة عليها، وقد جعله ابن مالك من التوكيد اللفظي مع توسط حرف العطف. وقال الزمخشري: والتكرير تأكيد للردع، والرد عليهم، و ﴿ثُمَّ﴾ دالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول. وانظر الشرح. تنبيه: قال ابن هشام ﵀ في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ،﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى في سورة (الأعراف) [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا،﴾ وقوله تعالى في سورة (الإنسان) رقم [٢٠]: ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ إذا المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة. وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم؟ وأوقعوا الأكل، والشرب، وذروا الإسراف. وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ ألا ترى أنه عليه الصلاة، والسّلام إنما رحمهما؛ إذ كانتا على صفة الذياد، وقومهما على السقي، لا لكون مذودهما غنما ومسقيهم إبلا، وكذلك التصور من قولهما (نسقي) السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل قدر يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنما. انتهى. ﴿كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾ الشرح: أي: لو تعلمون اليوم من البعث، والحشر، والمجازاة ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وانشقت اللحود عن جثثكم كيف يكون حشركم، وجزاؤكم؛ لشغلكم ذلك عن التكاثر بالدنيا. وقيل: المعنى لو تعلمون كيف تتطاير الصحف؛ فالناس بين شقي، وسعيد في ذلك اليوم العظيم شأنه، الطويل زمانه. ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: علما يقينا. فهو من إضافة الموصوف إلى صفته. وقال القرطبي: وإضافة العلم إلى اليقين، كقوله تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٩٥]: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ،﴾ وفي سورة (الحاقة) رقم [٥١]: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. وقال النسفي: التقدير علم الأمر اليقين. ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ:﴾ فهو كقوله تعالى في سورة (النازعات): ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ والخطاب للكفار؛ الذين وجبت لهم النار. وقيل: هو عام لجميع الناس، كما قال تعالى في سورة (مريم) رقم [٧١]: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ فهي للكفار دار، ومقر، وللمؤمنين على ظهرها ممر.

стр. 7388

هذا؛ والقاعدة: أن الفعل المضارع المراد توكيده بنون التوكيد، إذا أسند إلى واو الجماعة، أو ياء المؤنثة المخاطبة. فإن كان صحيح الآخر؛ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وحذف منه واو الجماعة، وتبقى ضمة قبل نون التوكيد دليلا عليها، وحذف منه أيضا ياء المخاطبة، وتبقى كسرة قبل نون التوكيد دليلا عليها. وإن كان معتل الآخر، حذف منه حرف العلة، إن كان واوا، أو ياء، أو ألفا، وحذفت واو الجماعة أيضا؛ إلا مع المعتل بالألف، فتبقى محركة بحركة مجانسة لها مثل: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ ولا يجوز حذف الواو لالتقاء الساكنين؛ لأن قبلها فتحة، والفتحة لا تدل على الواو لو حذفت، كما هو الظاهر. الإعراب: ﴿كَلاّ:﴾ انظر الكلام عليها فيما سبق. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ﴿عِلْمَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الْيَقِينِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، انظر تقديره في الشرح، وقدره ابن هشام في المغني: لارتدعتم، وما ألهاكم التكاثر. وقال الرسول ﷺ : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا». و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف بعد ﴿كَلاّ،﴾ لا محل له. ﴿لَتَرَوُنَّ:﴾ اللام واقعة في جواب قسم محذوف، التقدير: وعزتي وجلالي. ونحو ذلك. (ترونّ): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي الأمثال. والواو فاعله، والنون حرف لا محل له. ﴿الْجَحِيمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف؛ الذي رأيت تقديره. والقسم وجوابه كلام مستأنف، لا محل له. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ الشرح: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ يعني: الجحيم. ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: عيانا، ومشاهدة بأبصاركم عن بعد، وإذا رأوها؛ فإنها تراهم كذلك. قال تعالى في سورة (الفرقان) رقم [١٢]: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ انظر شرحها هناك، فإنه جيد، والحمد لله. هذا؛ وقيل: معنى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ أي: لو تعلمون في الدنيا علم اليقين فيما أمامكم مما وصافات ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ بعيون قلوبكم، فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك، وهو أن تتصور لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي: عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن عينك. هذا؛ و ﴿عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ مثل: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ في سورة (الواقعة) وسورة (الحاقة). ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ أي: الذي ألهاكم، وشغلكم عن طاعة الله، وطاعة رسوله، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه، والنعيم مخصوص بما يشغله للقرينة، والنصوص

стр. 7389

الكثيرة، كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٢]: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ،﴾ وقال تعالى في سورة (البقرة) [١٦٨]: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ وما يشبهها في سورة (المائدة) رقم [٨٨] وسورة (الأنفال) رقم [٦٩] ونعيم الدنيا أهمه الأمن، والصحة، وسائر ما يتلذذ به من مطعم، ومشرب، ومسكن، ومفرش ومركب... إلخ. والسؤال يوم القيامة عن النعيم يعم الكافر، والمؤمن، وهو الأولى، لكن سؤال الكافر سؤال توبيخ، وتقريع؛ لأنه ترك شكر ما أنعم الله به عليه، والمؤمن يسأل سؤال تشريف، وتكريم؛ لأنه شكر ما أنعم الله به عليه، وأطاع ربه، فيكون السؤال في حقه تذكرة بنعم الله عليه. يدل على ذلك ما روي عن الزبير-﵁-قال: لما نزلت: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يا رسول الله! وأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان: التمر والماء. قال: «أما إنه سيكون». أخرجه الترمذي. انتهى. خازن. أقول: وهذا من النبي ﷺ بشارة، وإخبار بما سيكون من النعيم بعده، وقد كان، وكان، وكان... إلخ. وقال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: ما النعيم الذي يسأل عنه الإنسان، ويعاتب عليه؟ فما من أحد، إلا وله نعيم، قلت: هو نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب، ويلبس اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم، والعمل، ولا يحمل نفسه مشاقهما، فأما من تمتع بنعمة الله، وأرزاقه؛ التي لم يخلقها إلا لعباده، وتقوّى بها على دراسة العلم، والقيام بالعمل الصالح، وكان ناهضا بالشكر؛ فهو من ذاك بمعزل، وإليه أشار رسول الله ﷺ فيما يروى: «أنه أكل هو وأصحابه تمرا، وشربوا عليه ماء، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين». انتهى. كشاف. هذا؛ وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة-﵁-قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر، وعمر-﵄، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟». قالا: الجوع يا رسول الله! قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما!». فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة. قالت: مرحبا، وأهلا، فقال لها رسول الله ﷺ : «أين فلان؟». قالت: يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله ﷺ وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله! ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني! قال: فانطلق، فجاءهم بعذق، فيه بسر، وتمر، ورطب، فقال: كلوا من هذه. وأخذ المدية، فقال له رسول الله ﷺ : «إيّاك والحلوب!». فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا، ورووا؛ قال رسول الله ﷺ لأبي بكر، وعمر-﵄: «والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم». انتهى. وأخرجه الترمذي، وزاد فيه: «هذا والذي نفسي

стр. 7390

بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة: ظلّ بارد، ورطب طيب، وماء بارد». وكنّى الرجل الذي من الأنصار، فقال: أبو الهيثم بن التيهان، وذكر قصته. انتهى. قرطبي. قال القرطبي-رحمه الله تعالى-: اسم الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى: أبا الهيثم. وفي هذه القصة يقول عبد الله بن رواحة-﵁-يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان: [الطويل] فلم أر كالإسلام عزّا لأمّة... ولا مثل أضياف الأراشيّ معشرا نبيّ وصدّيق وفاروق أمّة... وخير بني حوّاء فرعا وعنصرا فوافوا لميقات وقدر قضيّة... وكان قضاء الله قدرا مقدّرا إلى رجل نجد يباري بجوده... شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا وفارس خلق الله في كلّ غارة... إذا لبس القوم الحديد المسمّرا ففدّى وحيّا، ثمّ أوفى قراهم... فلم يقرهم إلا سمينا متمّرا انتهى. كله من القرطبي. ومثله في الخازن ما عدا الشعر. وجاء في: «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري الحديث لكنه من رواية ابن عباس-﵄-وتخريج الطبراني، وابن حبان. والمضيف كان أبو أيوب، ﵁. هكذا ذكر هناك. الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿لَتَرَوُنَّها:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (ترونها): فعل مضارع مرفوع مثل سابقه، والواو فاعله، والنون حرف لا محل له، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والقسم، وجوابه كلام معطوف على ما قبله. ﴿عَيْنَ:﴾ مفعول مطلق، عامله ما قبله؛ لأن رأى، وعاين بمعنى واحد، و ﴿عَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿الْيَقِينِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَتُسْئَلُنَّ:﴾ مثل ما قبلها إعرابا ومحلا. ﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ (يوم): ظرف زمان متعلق بما قبله، و (إذ) في محل جر بالإضافة، والتنوين عوض عن جملة محذوفة، التقدير: يوم إذ ترون الجحيم. ﴿عَنِ النَّعِيمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما أيضا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انتهت سورة (التكاثر) شرحا، وإعرابا والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →