Полный текст (7 463 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
يقول: إنّما يكون بكاء الطفل ساعة الولادة؛ لما يعلم: أنّ الدنيا موضع الفتن، ومكان المحن، وإلا فما يبكيه منها؛ والحال: أنه نجا من ضيق الرّحم، وانفصل منه إلى موضع هو أفسح، وأرغد منه؟!
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): حرف وجود لوجود عند سيبويه، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب، وهي ظرف بمعنى «حين» عند ابن السّراج، والفارسي، وابن جنّي، وجماعة. تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. وصوّب ابن هشام الأول، والمشهور الثاني. ﴿وَضَعَتْها:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ والتاء للتأنيث. و (ها) مفعول به، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (لمّا) حرفا، وهي في محل جر بإضافة (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا. ﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ أيضا. ﴿رَبِّ﴾ منادى حذف منه حرف النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، وانظر الآية رقم [١٢٦] من سورة (البقرة) إن أردت الزيادة، والجملة الندائية، وما بعدها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَتْ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له.
﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم اسمها. ﴿وَضَعَتْها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إنّ). ﴿أُنْثى:﴾ حال مؤكدة، وهي على تأويله ب «مؤنثا»، وقيل: بدل من الهاء. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ:﴾ مبتدأ وخبر. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿أَعْلَمُ﴾ وضعت: فعل ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ والجملة الفعلية صلة:
(ما) والعائد محذوف، التقدير: بالذي وضعته، واعتبار (ما) موصوفة، ومصدرية ضعيف معنى، والجملة الاسمية معترضة لا محلّ لها. ﴿وَلَيْسَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَيْسَ﴾): فعل ماض ناقص. ﴿الذَّكَرُ:﴾ اسمها. ﴿كَالْأُنْثى:﴾ متعلّقان بمحذوف خبر: (﴿لَيْسَ﴾) هذا؛ ويجوز اعتبار الكاف اسما بمعنى: مثل، فتكون مبنية على الفتح في محل نصب خبرها، وهي مضاف، و (الأنثى) مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر، وجملة:
(﴿لَيْسَ..﴾.) إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَإِنِّي:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنِّي﴾): حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلّم اسمها.
﴿سَمَّيْتُها:﴾ ماض، وفاعله، ومفعوله الأول. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل نصب مقول القول مثلها.
﴿وَإِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، والياء اسمها. ﴿أُعِيذُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنا، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (إنّ) والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. ﴿بِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَذُرِّيَّتَها:﴾ معطوف على الهاء الواقعة
стр. 772
مفعولا به. وها في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿مِنَ الشَّيْطانِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُعِيذُها﴾.
﴿الرَّجِيمِ:﴾ صفة: ﴿الشَّيْطانِ﴾.
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)﴾
الشرح: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ أي: فقبل الله سبحانه مريم؛ الّتي نذرتها أمّها، كما تقدّم. وقيل:
معنى التقبّل: التكفل في التربية، والقيام بشأنها. ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: قبلها الله قبولا حسنا. قال ابن عباس-﵄: سلك بها طريق السّعداء. ﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ أي: سوّى خلقها من غير زيادة، ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. هذا؛ والقبول، والنبات اسما مصدر، والمصدر: تقبّلا، وإنباتا؛ لأن فعلهما تقبّل، وأنبت، وهما مثل: عطاء، وسلام، وعذاب... إلخ، قال القطامي-وهو الشاهد رقم [٥٣٠] من كتاب: «فتح رب البريّة» -: [الوافر]
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا
أراد بعد إعطائك، لكن لمّا قال: أنبتها؛ دلّ على نبت، كما قال امرؤ القيس قائد الشّعراء إلى النّار. [الطويل]
فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا... ورضت فذلّت صعبة أيّما إذلال
وإنّما مصدر ذلّت: ذلّ، ولكنّه ردّه إلى معنى: أذللت، وكذلك كلّ ما يرد عليك في هذا الباب. فمعنى: تقبل، وقبل واحد، وأيضا قول القطامي: [الوافر]
وخير الأمر ما استقبلت منه... وليس بأن تتبعه اتّباعا
لأن تتبعت، وأتبعت بمعنى واحد، والأصل في القوم ضم القاف؛ لأنه مصدر مثل الدّخول، والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة، مثل الولوع، والوزوع، هذه الثلاثة لا غير، قاله أبو عمرو، والكسائي، والأئمة.
﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا:﴾ ضمها إليه؛ أي: ألزم الله زكريا كفالتها، وقدّر ذلك، ويسّره له، وكانت أمّها لمّا ولدتها لفّتها بخرقة، وأتت بها الأحبار سدنة بيت المقدس، وقالت: دونكم هذه النّذيرة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت إمامهم، وصاحب قربانهم، فقال زكريا-﵇: أنا أحقّ بها؛ لأن خالتها عندي؛ لأن زكريا، وعمران تزوجا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقوذ، وهي أمّ يحيى بن زكريا، وكانت حنّة بنت فاقوذ أخت إيشاع عند عمران، فقال الرّهبان،
стр. 773
والأحبار: لا! حتّى نقترع، فانطلقوا، وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن، وألقوا أقلامهم على أنّ من ثبت قلمه في الماء، وصعد؛ فهو أولى بها، فثبت قلم زكريا، فأخذها، وبنى لها غرفة في المسجد بسلّم، لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بأكلها، وشربها، ودهنها، فيجد عندها فاكهة الصّيف في الشّتاء، وفاكهة الشّتاء في الصيف.
هذا؛ والمحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس، والمراد به الغرفة التي بناها لها زكريا في المسجد، سمّيت بذلك؛ لأنها محلّ محاربة الشّيطان؛ لأنّ المتعبد فيها يحاربه، ولذلك يقال لكلّ محلّ من محال العبادة: محراب. قال وضاح اليمن: [السريع]
ربّة محراب إذا جئتها... لم ألقها أو أرتقي سلّما
أي: ربة غرفة. ﴿أَنّى لَكِ هذا﴾ أي: من أين لك هذا؟ قاله أبو عبيدة، والنحاس. وهذا فيه تساهل؛ لأنّ أين سؤال عن الموضع، وأنّى سؤال عن المذهب، والجهات، والمعنى: من أي المذاهب، ومن أي الجهات لك هذا؟ وقد فرّق الكميت بينهما؛ حيث قال: [المنسرح]
أنّى ومن أين آبك الطّرب... من حيث لا صبوة ولا ريب
﴿قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: هو من الجنّة يرزقني الله إياه. ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ يحتمل أن يكون من كلام مريم، وأن يكون مستأنفا من الله تعالى، وانظر الآية رقم [٢٧]. وفي هذا دليل على جواز كرامات الأولياء على أيديهم، وظهور خوارق العادات.
تنبيه: روى: أن فاطمة الزهراء-﵂-أهدت إلى رسول الله ﷺ على طبق رغيفين، وبضعة لحم، فرجع بها إليها؛ أي: أرسلها إليها، أو أخذها، ورجع بها مغطاة، وقال:
هلمّي يا بنية! فكشفت عن الطّبق، فإذا هو مملوء خبزا، ولحما، فقال لها: أنّى لك هذا؟ قالت:
هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: الحمد الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل! ثمّ جمع عليّا، والحسن، والحسين، وجميع أهل بيته، فأكلوا، وشبعوا، وبقي الطعام كما هو، فأوسعت على جيرانها! انتهى جمل نقلا من أبي السعود.
الإعراب: ﴿فَتَقَبَّلَها:﴾ الفاء: حرف عطف. (تقبلها): فعل ماض. و (ها) مفعول به. ﴿رَبُّها:﴾
فاعله، و (ها) في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالَتْ﴾ في الآية السابقة. هذا؛ ويقرأ الفعل بلفظ الدّعاء، و (﴿رَبُّها﴾) بالنصب؛ أي: يا ربها، وكذا الفعلان. (﴿أَنْبَتَها﴾) و (﴿كَفَّلَها﴾) قال أبو البقاء، والزّمخشري: فيكون الفاعل مستترا تقديره: أنت، وتكون الجملة من مقول ﴿اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ ولكن على تقدير الفاء الفصيحة؛ أي: وإذا كان ذلك حاصلا مني؛ فتقبلها. ﴿بِقَبُولٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول مطلق. ﴿حَسَنٍ:﴾ صفة (قبول)، وجملة: ﴿وَأَنْبَتَها﴾ معطوفة على ما قبلها على
стр. 774
القراءتين. ﴿نَباتاً:﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَناً:﴾ صفة له. (﴿كَفَّلَها﴾): فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّها﴾ و (ها) مفعول به أول. ﴿زَكَرِيّا:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، ويقرأ الفعل بتخفيف الفاء، فيكون: ﴿زَكَرِيّا﴾ فاعلا به.
﴿كُلَّما﴾. (كل): ظرفية متعلقة بجوابها؛ إذ هي تحتاج إلى جملتين، مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه. (ما): مصدرية توقيتية. ﴿دَخَلَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَلَيْها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿زَكَرِيّا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذر. ﴿الْمِحْرابَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل: ﴿دَخَلَ﴾ عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون-وعلى رأسهم الأخفش-ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام، وأيضا قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦١]: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وهذا إن كان الفعل ثلاثيّا، وأمّا إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين، فالمفعول الثاني يقال فيه ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأوّل يكون صريحا، مثل: أدخلت خالدا البيت، و (ما) والفعل: ﴿دَخَلَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بإضافة (كلّ) إليه، التقدير: كلّ وقت دخول عليها المحراب، وهذا التقدير، وهذه الإضافة هما اللذان سببا الظرفية ل (كل) وقيل: (ما) نكرة موصوفة، والجملة الفعلية بعدها صفة لها، وهي بمعنى: وقت أيضا، والمدرّسون في هذا الزمن يقولون: ﴿كُلَّما﴾ أداة شرط غير جازمة، ولا يعرفون هذا الإعراب، والتفصيل. ﴿وَجَدَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿عِنْدَها:﴾ ظرف مكان متعلق ب ﴿وَجَدَ﴾ أو هو متعلق بمحذوف حال من:
﴿رِزْقاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جواب: ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها، و ﴿كُلَّما﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا،﴾ (يا): أداة نداء، تنوب مناب «أدعو».
(﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (يا). ﴿أَنّى:﴾ اسم مبني على السكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿لَكِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه. ﴿هذا:﴾
اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والهاء حرف تنبيه لا محل له، والجملة الاسمية، والجملة الندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقد أغرب الجمل كلّ الغرابة حيث قال: إنّ ﴿قالَ﴾ هي العامل في ﴿كُلَّما﴾ وهو يعني: أنها الجواب، ثم ناقص نفسه، فقال: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: فماذا قال زكريا عند مشاهدة هذه الآية؟ فقل: ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى..﴾. إلخ، وعلى قوله الأول فجملة: ﴿وَجَدَ﴾
стр. 775
﴿عِنْدَها رِزْقاً﴾ في محل نصب حال من زكريا، والمعنى لا يؤيده. كما أغرب أبو البقاء، فقال:
ويجوز أن يكون التقدير: فقال، فحذف الفاء. وهو تكلّف لا داعي له أيضا.
﴿قالَتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل يعود إلى ﴿مَرْيَمُ﴾ هو: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَتْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿يَرْزُقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به أوّل، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يرزق الذي، أو: شيئا يشاؤه رزقا واسعا. ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ:﴾ ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان ب «واسعا» الذي قدرته لك. وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من المفعول؛ لأن الفعل ﴿يَرْزُقُ﴾ ينصب مفعولين؛ لأنه بمعنى: يعطي، ويمنح، وقد نصبهما، والثاني منهما: ﴿رِزْقاً﴾ الذي قدرته، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول؛ إن كانت من كلام مريم ﵍، ومستأنفة؛ إن كانت من كلام الله تعالى.
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨)﴾
الشرح: ﴿هُنالِكَ:﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم، أو في ذلك الوقت. فقد يستعار: هنا، وحيث، وثمّ للزّمان، وإن كان الأصل فيهنّ للمكان. ومثله قوله تعالى في سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ﴾ وقال في سورة (الكهف): ﴿هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ ومثلها في سورة (الأعراف)، و (الفرقان)، و (الأحزاب) وسورة (ص) و (غافر). ولمّا رأى زكريا، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وعلم: أنّ القادر على ذلك قادر على الإتيان بالولد على الكبر، وكان أهل بيته قد انقرضوا؛ سأل الله الولد، وكان ذلك في جوف اللّيل لمّا دخل محرابه للصّلاة، والعبادة.
﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: نسلا صالحا، مباركا، تقيّا، رضيّا. وإنما قال: ﴿طَيِّبَةً﴾ لتأنيث لفظ الذرية، كقول الشاعر: [الوافر]
أبوك خليفة ولدته أخرى... وأنت خليفة ذاك الكمال
فأنّث «ولدته» لتأنيث لفظ الخليفة، وروي من حديث أنس-﵁-قال، قال النبيّ ﷺ : «أيّ رجل مات، وترك ذريّة طيّبة؛ أجرى الله له مثل أجر عملهم، ولم ينقص من أجورهم شيئا». ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ:﴾ سامعه، ومجيبه.
стр. 776
وإذا ثبت هذا؛ فالواجب على الإنسان أن يتضرّع إلى الله في هداية ولده، وزوجه بالتوفيق لهما، والهداية، والصّلاح، والعفاف، والرعاية، وأن يكونا معينين له على دينه، ودنياه، حتّى تعظم منفعته بهما في أولاه، وأخراه، ألا ترى قول زكريا في سورة (مريم): ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ وقال هنا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.
هذا؛ ودلّت الآية الكريمة على طلب الولد الصّالح، وهي سنّة المرسلين والصّدّيقين، قال الله تعالى في الآية رقم [٣٨] من سورة (الرعد): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً﴾. وقال تعالى في سورة (الفرقان) في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. ودعا الرسول ﷺ لأنس، ولغيره من الصحابة بكثرة الولد.
وأخرج أبو داود عن معقل بن يسار-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».
الإعراب: ﴿هُنالِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب على الظّرفية المكانية، أو الزمانية متعلّق بالفعل بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له.
﴿دَعا:﴾ فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر. ﴿زَكَرِيّا:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿رَبَّهُ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى حذف منه أداة النداء منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة... إلخ. ﴿هَبْ:﴾ فعل دعاء، والفاعل تقديره: أنت. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ لَدُنْكَ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿هَبْ﴾ أيضا، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ كان صفة له: فلما قدم عليه صار حالا، و (لدن): مبني على السكون في محل جر ب (من) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ذُرِّيَّةً﴾ مفعول به. ﴿طَيِّبَةً:﴾ صفة له، وجملة: ﴿هَبْ لِي..﴾. إلخ في محلّ نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مفسرة للدعاء، لا محل لها مثلها. ﴿إِنَّكَ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
﴿سَمِيعُ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿الدُّعاءِ﴾ مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها، وهي في محل نصب مقول القول.
﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ:﴾ ناداه جبريل وحده، وجمع، كما في قولهم: فلان يركب الخيل، ويلبس الثياب، وماله غير فرس، وثوب. أو على أنه أريد بالعام الخاصّ تعظيما له. انتهى جمل.
стр. 777
ومثله نداؤه لمريم الآتي. وأنث الفعل؛ لأن لفظ: ﴿الْمَلائِكَةُ﴾ جمع تكسير، وما كان مثله، يجوز تذكير الفعل، وتأنيثه، تقول: جاء الرّجال، وجاءت الرجال، وذكّر في سورة (الرعد) في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ﴾ لذا. لا يستدل بهذه الآية على تأنيث الملائكة. ﴿وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ:﴾ من المعلوم: أنّ كيفية الصلاة تختلف في الديانات السّابقة عن كيفية صلاتنا. والمحراب موضع الصلاة، كما رأيته فيما سبق. ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى:﴾ سمّاه الله بذلك؛ لأنه أحياه بالإيمان، والعلم، والنبوّة. وقال بعضهم: سمي بذلك؛ لأن الله تعالى أحيا به النّاس بالهدى. وقيل: لأنّه أحيا به رحم أمّه. وقيل: هو أعجميّ لا اشتقاق له.
﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ:﴾ المراد به عيسى، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام. وسمّي (كلمة) لأن الله تعالى. قال له: كن، فكان من غير أب، وكان يحيى أول من آمن بعيسى، وصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، ويقال بستة أشهر، وكانا ابني خالة، كما قدّمت لك، فلمّا سمع زكريا شهادته؛ قام إلى عيسى فضمّه إليه، وهو في خرقة.
﴿وَسَيِّداً:﴾ يسود قومه، ويفوقهم في العلم، والتقوى، والصلاح. روي: أنه ما همّ بمعصية قطّ، وقال الزّجاج: السّيد: الذي يفوق أقرانه في كلّ شيء من الخير، وقال الكسائيّ-رحمه الله تعالى-السيد من المعز: المسنّ. وفي الحديث: «ثنيّ من الضّأن خير من السّيّد من المعز». قال الشاعر في ممدوحه: [الطويل]
سواء عليه شاة عام دنت له... ليذبحها للضّيف أم شاة سيّد
﴿وَحَصُوراً:﴾ أصله من الحصر، وهو الحبس. يقال: حصرني، وأحصرني: إذا حبسني. قال ابن ميادة: [الطويل]
وما هجر ليلى أن تكون تباعدت... عليك ولا أن أحصرتك شغول
والحصور: الذي لا يأتي النّساء، كأنّه محجم عنهنّ، ف (يحيى) ﵇ حصور، فعول بمعنى فاعل: لا يأتي النساء، ولا يقربهنّ مع القدرة على الجماع حصرا لنفسه عن الشّهوات، ولعلّ هذا كان شرعه، فأما شرعنا؛ فالنكاح مفضّل على العزوبة. والحصور: البخيل، قال الأخطل: [البسيط]
وشارب مربح بالكأس نادمني... لا بالحصور ولا فيها بسوّار
والحصور: الملك؛ لأنّه كالمحبوس من وراء حجاب. قال لسيد-﵁: [الكامل]
وقماقم غلب الرّجال كأنّهم... جنّ لدى باب الحصور قيام
﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ هذا؛ والصّلاح درجة عالية، ومكانة رفيعة، ولذلك سألها يوسف الصدّيق في الآية رقم [١٠١] من السورة المسماة باسمه. وسألها إبراهيم في الآية رقم [٨٣] من
стр. 778
سورة (الشعراء) وسألها سليمان في الآية رقم [١٩] من سورة (النمل) وقال تعالى في حقّ إسماعيل، وإدريس، وذي الكفل-على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة وألف سلام-:
﴿وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.
هذا؛ و ﴿قائِمٌ﴾ أصله: قاوم، اسم فاعل من: قام، فقلبت الواو ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، ومثله قل في اليائي: بائع، فإن أصله: بايع.
و (سيّد) أصله: سيود، فاجتمعت الياء والواو، والأول منهما ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، فصار سيد.
أمّا (كلمة) ففيها ثلاث لغات: الأولى: كلمة، على وزن: نبقة، وهي الفصحى، ولغة أهل الحجاز، وبها نطق القرآن الكريم في آيات كثيرة، وجمعها: كلم، كنبق. والثانية: كلمة، على وزن سدرة. والثالثة: كلمة، على وزن نمرة، وهما لغتا تميم، وجمع الأولى كلم كسدر، والثانية كلم كتمر، وكذلك كل ما كان على وزن فعل، نحو كبد، وكتف، فإنه يجوز فيه اللغات الثلاث، فإن كان الوسط حرف حلق، جاز فيه لغة رابعة، وهي إتباع الأول للثاني في الكسر، نحو: فخذ، وشهد.
وهي في الأصل: قول مفرد، مثل: محمد، وقام، وقعد، وفي، ولن، وقد تطلق على الجمل المفيدة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها﴾ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ﴾ وقال النبي ﷺ : «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: [الطويل]
ألا كلّ شيء-ما خلا الله-باطل»
المراد ب «كلمة»: الشطر الأول بكامله. وتقول: قال فلان: كلمة، والمراد به كلام كثير، وهو شائع، ومستعمل عربيّة في القديم، والحديث. قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
كلامنا لفظ مفيد كاستقم... واسم وفعل ثمّ حرف الكلم
واحده كلمة والقول عم... وكلمة بها كلام قد يؤم
الإعراب: ﴿فَنادَتْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (نادته): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة، والهاء مفعول به. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها في الآية السابقة، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية:
﴿وَهُوَ قائِمٌ﴾ في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به. ﴿يُصَلِّي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى زكريا، والجملة الفعلية تحتمل أن تكون في محل رفع خبر ثان للمبتدإ: (هو) وأن تكون في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، فيكون من تعدّد الحال، وهو جملة، وأن تكون في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿قائِمٌ﴾ فتكون من تداخل الحال، وعلى كلّ الوجوه؛ فالرابط الضمير، وهو الفاعل المستتر. ﴿فِي الْمِحْرابِ:﴾ متعلقان ب ﴿قائِمٌ﴾ أو بالفعل: ﴿يُصَلِّي﴾ على التنازع.
стр. 779
﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُبَشِّرُكَ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بكون الله، والجار والمجرور متعلقان بالفعل نادى. هذا؛ ويقرأ بكسر همزة («إن»). وعليه فالجملة اسمية، وهي في محل نصب مفعول به لنادى، وهو بمعنى: قال، وهو أولى من تقدير قول محذوف، ﴿بِيَحْيى:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿مُصَدِّقاً:﴾ حال من:
(يحيى). ﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ متعلقان ب ﴿مُصَدِّقاً﴾ لأنه اسم فاعل، لذا فيه ضمير مستتر هو فاعله. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (كلمة). ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا:﴾ هذه الأسماء معطوفة على ﴿مُصَدِّقاً﴾. ﴿مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (نبيّا).
﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ:﴾ هذا استفهام عن كيفية حدوث الغلام، ووجوده، واستبعاد من حيث العادة، أو استعظام لشأن خلقه، أو هو تعجب من قدرة الله، لا استبعاد، وإنكار، فلا يرد: كيف قال زكريا ذلك؟ ولم يكن شاكّا في قدرة الله تعالى عليه. انتهى جمل بتصرّف.
وأيضا في معنى الاستفهام وجهان: أحدهما: أنه سأل: هل يكون له الولد؛ وهو، وامرأته على حاليهما، أو يردّان إلى حال من يلد؟ الثاني: سأل: هل يرزق الولد من امرأته العاقر، أو من غيرها؟ هذا؛ وقد قال تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بمعنى أصلح رحمها، وهيأه للحمل، وجعلها ولودا بقدرته، وإرادته.
﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ:﴾ قال ابن عباس، والضّحاك-﵁: كان يوم بشّر ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة، وكان عمر إبراهيم، وزوجه سارة يوم بشّرا بإسحاق مثل عمر زكريا، وزوجه، كما ذكرته في الآية رقم [٧٢] من سورة (هود) على نبينا، وحبيبنا، وشفيعنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
﴿قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي: من العجائب، وخوارق العادات مثل ذلك الفعل، وهو إنشاء الولد من شيخ فان، وعجوز عاقر. هذا؛ وقد قال في حقّ زكريا: ﴿يَفْعَلُ﴾ وفي حق مريم: ﴿يَخْلُقُ﴾ مع اشتراكهما في بشارتهما بولد؛ لأن استبعاد زكريا لم يكن لأمر خارق، بل نادر، وبعيد، فحسن التعبير بيفعل، واستبعاد مريم كان لأمر خارق، أي: لأغربيّته؛ لأنه اختراع بلا مادة، أي: من غير إحالة على سبب ظاهر، فكان ذكر الخلق أنسب. انتهى جمل.
стр. 780
هذا، و ﴿عاقِرٌ:﴾ لا تلد؛ لأنه مشتق من العقر، وهو القطع؛ لقطعه النسل. ولم يؤنّث؛ لأن العقر من أوصاف النّساء، كما في حائض، وطالق، ونحو ذلك. وقيل: عاقر، يراد به ذات عقر على النّسب، ولو كان على الفعل؛ لقال: عقرت، فهي عقيرة؛ كأنّ بها عقرا، أي: كبرا من السنّ يمنعها من الولد. أما ﴿غُلامٌ﴾ فإنه يطلق على الصبي دون البلوغ مشتق من الغلمة، وهو شدة طلب النكاح، واغتلم الفحل غلمة: هاج من شهوة الضّراب. قالت ليلى الأخيليّة في مدح الحجّاج: [الطويل]
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضة... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضال الّذي بها... غلام إذا هزّ القناة سقاها
ويجمع غلام على: غلمان، وغلمة، وأغلمة. كما يطلق على العبد، والأجير؛ وإن كانا كبيرين. هذا؛ وقد يقال للأنثى غلامة. خذ قول الشاعر: [الطويل]
فلم أر عاما أكثر الدهر هالكا... ووجه غلام يشترى وغلامه
وقال أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسا: [الوافر]
ومركضة صريحي أبوها... تهان لها الغلامة والغلام
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبِّ:﴾ منادى مثل سابقه.
﴿أَنّى:﴾ اسم استفهام مبني على السكون بمعنى: كيف في محل نصب على الحال من ﴿غُلامٌ﴾ والعامل: ﴿يَكُونُ﴾. وإن اعتبرته بمعنى: من أين؟ فيكون في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُ﴾ على نقصانه، ومتعلق به على تمامه. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿يَكُونُ﴾ تقدم على اسمها، وذلك على الوجه الأول في: ﴿أَنّى﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿غُلامٌ﴾ وذلك على الوجه الثاني في: ﴿أَنّى﴾ وأيضا على اعتبار ﴿يَكُونُ﴾ تامّا. ﴿غُلامٌ:﴾ اسم ﴿يَكُونُ،﴾ أو فاعل به، وجملة: ﴿أَنّى يَكُونُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَقَدْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿قَدْ﴾): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. (﴿بَلَغَنِيَ﴾): فعل ماض، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به. ﴿الْكِبَرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَامْرَأَتِي:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة. ﴿عاقِرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وفاعله مستتر تقديره: هو، يعود إلى: (الله). ﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف:
حرف تشبيه وجر، و (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالكاف، واللام للبعد،
стр. 781
والكاف حرف خطاب لا محل له، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله الفعل الذي بعده، التقدير: الله يفعل ما يشاء فعلا كائنا مثل ذلك الفعل. هذا؛ وقيل: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر كذلك، كما قيل: متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ مؤخر. والأول هو المعتمد. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ على الوجهين الأولين في: ﴿كَذلِكَ﴾. ﴿يَفْعَلُ:﴾ فعل مضارع، وفاعله يعود إلى ﴿اللهُ﴾.
﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يَشاءُ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي أو شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو لفظ الجلالة، وأما على الوجه الثالث في لفظ الجلالة؛ فالجملة الفعلية في محل نصب حال منه، والكلام: ﴿كَذلِكَ اللهُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)﴾
الشرح: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً:﴾ علامة أعرف بها حمل امرأتي بالغلام؛ لأستقبله بالفرح، والسرور، والشّكر للربّ الغفور. ﴿قالَ آيَتُكَ﴾ أي: علامتك على الذي طلبت معرفة علمه: ﴿أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أي: لا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام؛ أي: مدّة ثلاثة أيام بلياليها. والقائل جبريل بأمر الله تعالى له. ﴿إِلاّ رَمْزاً﴾ يعني: إشارة، وهي قد تكون باليد، وبالعين وبالإيماء بالرأس، وكانت إشارته بالإصبع المسبّحة. وقد يكون الرمز باللّسان من غير تبيين كلام، وهو الصوت الخفي شبه الهمس. ومن الإشارة بالعين قول عمر ابن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها... إشارة محزون ولم تتكلّم
فأيقنت أنّ الطّرف قد قال مرحبا... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
قال جمهور المفسرين: عقد لسانه عن تكليم الناس ثلاثة أيام مع بقائه على قدرة التسبيح والذّكر، ولذلك قال في الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ يعني: في أيام منعك من الكلام. وهذه من الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة؛ لأنّ قدرته على التسبيح، والذكر مع عجزه على تكليم الناس بأمور الدنيا، وذلك مع صحة الجسم، وسلامة الجوارح من أعظم المعجزات. وإنما منع من الكلام مع الناس ليخلص في الأيام الثلاثة لعبادة الله تعالى، وذكره، ولا
стр. 782
يشغل لسانه بشيء آخر. توفيرا منه على قضاء حق هذه النعمة الجسيمة، وشكرا لله على إجابته فيما طلب الآية من أجله، وأن يكون ذلك دليلا على وجود الحمل؛ ليتمّ سروره بذلك. هذا؛ وقال قتادة، وغيره: إنّما أمسك لسانه عن الكلام عقوبة لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إيّاه ببشارة الولد. وقالوا: وكذلك إن لم يكن من مرض: خرس، أو نحوه؛ ففيه على كل حال عقاب له.
هذا؛ و ﴿رَمْزاً﴾ بفتح الراء، وسكون الميم، ويقرأ بضمهما، وقرئ بفتحهما، على أنه جمع:
رامز كخادم، وخدم، وهو حال من: ﴿زَكَرِيّا﴾ ومن ﴿النّاسَ﴾ أي: من الفاعل، والمفعول.
ومثله قول عنترة-وهو الشاهد رقم [١٥٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]
متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا
فقوله: فردين: حال من الفاعل المستتر، وياء المتكلّم المفعول به. وأيضا قول الآخر: [الكامل]
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن... أيّي وأيّك فارس الأحزاب؟
فقوله: خاليين حال من تاء المتكلم، وكاف الخطاب.
هذا؛ و (العشي) ومثله: عشية، وجمعها: عشيات، ويراد بهما: الوقت من صلاة المغرب إلى العتمة، وهو قول الجوهري، وقال: قلت: قال الأزهري: العشيّ ما بين زوال الشّمس وغروبها. انتهى. وهذا هو المعتمد. و (﴿الْإِبْكارِ﴾) هو من طلوع الشمس إلى الضّحوة الكبرى.
ومثله: بكرة (بضم الباء وسكون الكاف) قال زهير في معلقته: [الطويل]
بكرن بكورا واستحرن بسحرة... فهنّ ووادي الرّسّ كاليد في الفم
قال: بكر، وبكّر، وابتكر، وأبكر، وباكر كلّه بمعنى واحد. هذا؛ وبين (العشي) و (الإبكار) طباق، وهو نوع من المقابلة، كما يقال العشي بالغدو، كما في قوله تعالى في سورة (غافر) في حق فرعون، وأشياعه: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ كما يقابل العشي بالغداة، قال تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ كما يقابل الغدو بالآصال، وهو جمع أصيل، قال تعالى في سورة (النور): ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ..﴾. إلخ، ومثله في آخر سورة (الأعراف).
الإعراب: ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿زَكَرِيّا﴾. ﴿رَبِّ:﴾ تقدم إعرابها.
﴿اِجْعَلْ:﴾ فعل دعاء: والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آيَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية، والندائية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى جبريل.
﴿آيَتُكَ:﴾ مبتدأ، والكاف في محل جر بالإضافة. (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا):
نافية. ﴿تُكَلِّمَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن) والفاعل مستتر، تقديره: أنت، و (أن) والفعل
стр. 783
المضارع في تأويل مصدر في محل رفع خبر المبتدأ، التقدير: آيتك عدم تكليمك الناس، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿النّاسَ:﴾ مفعول به. ﴿ثَلاثَةَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، و ﴿ثَلاثَةَ:﴾ مضاف، و ﴿أَيّامٍ﴾ مضاف إليه. ﴿أَلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿رَمْزاً:﴾ مستثنى ب ﴿أَلاّ﴾ وانظر الشرح.
﴿وَاذْكُرْ﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اُذْكُرْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاشكر، واذكر، والفاء هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا حصل منك عدم القدرة على الكلام؛ فاشكر، واذكر. وهذا الكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿رَبَّكَ:﴾
مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿كَثِيراً:﴾ صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: اذكر ربك ذكرا كثيرا. وبعضهم يعربه: نائب مفعول مطلق. ﴿وَسَبِّحْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت، ومفعوله محذوف، التقدير: سبح ربك، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿بِالْعَشِيِّ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالْإِبْكارِ:﴾ معطوف على ما قبله.
خاتمة: ولد يحيى، ﵇، وتولاّه ربّه بعنايته، ورعاه برعايته، وحفظه من المعاصي، والسّيئات، وكمّله، وجمّله بأحسن الصفات، وكريم الأخلاق والعادات، وقد فاق قومه في عبادة، وطاعة ربّ الأرض، والسموات، وقد برع في الشريعة الموسوية، وصار مرجعا مهمّا لكل من يستفتي في أحكامها، وكان أحد حكام البلاد الشّامية في عهده. يقال له:
هيرودس، وكانت له بنت أخ، يقال لها: هيروديا بارعة الجمال، أراد عمّها أن يتزوّجها، وكانت البنت، وأمّها تريدان ذلك، غير أنّ يحيى ﵇ لم يرض عن هذا الزواج، ولم يوافق عليه؛ لأنّه محرّم في التوراة، فانتهزت أمّ الفتاة إخراج بنتها إلى عمّها في زينتها، فرقصت أمامه، فسرّ منها، وطلب إليها أن تقول ما تتمنّاه؛ ليعمله لها، وكانت أمّها قد لقّنتها أن تطلب رأس يحيى بن زكريا في هذا الطّبق إذا سألها عمّها أن تقول ما تتمنّاه، فقال: ويحك سليني غير هذا.
قالت: لا أسألك غيره، فلمّا أبت عليه؛ بعث إليه، فأتي برأسه في الطبق، والرأس يتكلّم؛ حتى وضع بين يديه، وهو يقول: لا تحلّ لك، فلمّا أصبح إذا دمه يغلي، ويفور، فأمر بتراب، فألقي عليه، فارتفع الدّم فوقه، فلم يزل يغلي، ويفور؛ حتى جاء بختنصر، كما عرفته.
فلمّا سمع زكريا ﵇ أن ابنه يحيى قد قتل؛ انطلق هاربا في الأرض؛ حتّى دخل بستانا عند بيت المقدس فيه الأشجار، فنادته شجرة: يا نبي الله! إلى هنا، فلمّا أتاها؛ انفتقت له الشّجرة، ودخل في وسطها، فانضمّت عليه، فأخذ إبليس-أخزاه الله-بطرف ردائه، فأخرجه من شقّها، وأخذ الملك، وأعوانه يبحثون عن زكريا، ﵇؛ حتّى أتوا البستان، فدلّهم إبليس
стр. 784
-أخزاه الله-على الشّجرة. التي دخلها زكريا، وأراهم طرف ردائه، فأخذوا المناشير، ونشروا الشّجرة نصفين، فسلّط الله عليهم أخبث أهل الأرض علجا مجوسيّا، كما رأيت في الآية رقم [٢٥٩] من سورة (البقرة) وذكرتها أيضا في الآية رقم [٥] من سورة (الإسراء) فانتقم الله منهم بدم يحيى، وزكريا، على نبينا، وحبيبنا، وعليهم ألف ألف صلاة، وألف ألف سلام، فقتل عظماءهم، وسبى منهم مائة وسبعين ألفا. انتهى بتصرف كبير من قصص الأنبياء للنجّار، وللثّعالبي. وهكذا كان خبث بني إسرائيل، وخروجهم عن طاعة الله تعالى، وقتلهم الأنبياء بغير حقّ.
وينبغي أن تعلم: أنّ قتل هذين النّبيّين كان في حياة عيسى، وأنّهم كانوا جميعا في زمن واحد، ولم يذكر أحد عمر يحيى ﵇، غير أنّ عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-قال: ولما بلغ المسيح أنّ يحيى قد قتل؛ جهر بدعوته، وقام في الناس واعظا. انتهى. وإذا علمت: أن يحيى، وعيسى متقاربان في زمن ولادتهما، وأن عيسى قد رفع، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة تبيّن لك أن يحيى لم يعش ثلاثين عاما. تأمل، وتدبّر، وربك أعلم، وأجلّ وأكرم، وصلّى الله على حبيبنا وشفيعنا محمد، وعلى عيسى، ويحيى، وزكريا، وجميع الأنبياء والمرسلين، وسلم.
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ:﴾ قال البيضاوي-رحمه الله تعالى-: كلّموها شفاها كرامة لها. ومن أنكر الكرامة زعم: أن ذلك كان معجزة لزكريا، ﵇، وإرهاصا لنبوة عيسى، ﵇، فإن الإجماع على أنّ الله تعالى لم يستنبئ امرأة لقوله تعالى في سورة (الأنبياء):
﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً﴾. وقيل: ألهموها. وصحّح القرطبي نبوتها.
والمعتمد الأوّل للآية القرآنية. والاصطفاء الأول: تقبلها من أمها، ولم تقبل قبلها أنثى، وتفريغها للعبادة، وإغناؤها برزق الجنّة عن الكسب، وتطهيرها عمّا يستقذر من النساء. والثاني:
هدايتها، وإرسال الملائكة إليها، وتخصيصها بالكرامات السّنية، كالولد من غير أب، وتبرئتها ممّا قذفها اليهود به بإنطاق الطفل، وجعلها، وابنها آية للعالمين. والمراد ب (﴿الْمَلائِكَةُ﴾): جبريل وحده، كما في ندائه لزكريا، ﵇. هذا؛ وقيل المراد ب ﴿نِساءِ الْعالَمِينَ:﴾ نساء زمانها، والمعتمد: أنّ المراد نساء العالمين أجمع إلى يوم الصّور. وقد نظم بعضهم الأفضلية بينها، وبين غيرها، فقال: [البسيط]
فضلى النّسا بنت عمران ففاطمة... خديجه ثمّ من قد برّأ الله
والمراد ب «من قد برأ الله»: عائشة-﵂. وعن أبي موسى الأشعري-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلاّ مريم بنت
стр. 785
عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام». متّفق عليه. وعن أنس-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون». أخرجه الترمذي.
قال القرطبي: وروي من طرق صحيحة: أنّه عليه الصلاة، والسّلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: «خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد». ومن حديث ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». وروى موسى بن عقبة بن كريب عن ابن عباس-﵄-قال:
قال رسول الله ﷺ : «سيدة نساء العالمين مريم، ثمّ فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية» ثم ذكر رحمه الله تعالى أمورا اختصّ الله بها مريم، واستدل بها على نبوّتها. والجواب ما ذكرته سابقا من أنّ الله لم ينبّئ امرأة بدليل الآية من سورة (الأنبياء). والله الموفق، والمعين، وبه أستعين.
هذا؛ وإن الله تعالى سيزوّج نبينا ﷺ في الجنّة مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وكلثوم أخت موسى بن عمران. فعن ابن عباس-﵄: أنّ النبي ﷺ دخل على خديجة-﵂، وهي في الموت، فقال لها: «يا خديجة! إذا لقيت ضرّاتك؛ فأقرءيهنّ مني السّلام».
فقالت: يا رسول الله! وهل تزوجت قبلي؟! قال: «لا، ولكنّ الله زوّجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وكلثوم أخت موسى». فقالت له: يا رسول الله بالرّفاه، والبنين!
وذكر الحافظ ابن عساكر عن ابن عمر-﵄-قال: جاء جبريل-﵇-إلى رسول الله ﷺ فمرّت خديجة-﵂-فقال جبريل: «إنّ الله يقرئها السّلام، ويبشّرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب لا صخب فيه، ولا نصب، من لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران، وبيت آسية بنت مزاحم». انتهى. والمحفوظ: أنّها قالت حينما أعلمها الرسول ﷺ بذلك:
هو السّلام، ومنه السّلام، وإليه يعود السّلام. فلم تقل: وعليه السّلام؛ لأنّه لا يجوز للعبد أن يقول: وعلى الله السّلام، وهذا من كمال عقلها، وفهمها، وذكائها-﵂، وأرضاها.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِذْ﴾): معطوف على مثله في الآية رقم [٣٥]، ﴿قالَتِ:﴾
فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها.
(﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب «أدعو». (﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿اِصْطَفاكِ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملتان بعدها معطوفتان عليها فهما في محل رفع مثلها. ﴿عَلى نِساءِ:﴾
стр. 786
متعلقان بما قبلهما، و ﴿نِساءِ:﴾ مضاف، و ﴿الْعالَمِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والآية كلّها في محل نصب مقول القول.
﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي..﴾. إلخ: القنوت: الطاعة، والانقياد، والخضوع. وقال تعالى عنها في آخر سورة التحريم: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: أي: أطيلي القيام في الصّلاة. وقال الأوزاعي: -رحمه الله تعالى-لما قالت لها الملائكة ذلك؛ قامت في الصّلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دما، وقيحا، ﵍. والقنوت: أن تذكر الله قائما، والقنوت: طول القيام. قاله ابن عمر-﵄-وقرأ قوله تعالى في سورة (الزّمر):
﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾. وقال النبي ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت». أخرجه مسلم، وغيره، وقال الشاعر: [الرمل]
قانتا لله يدعو ربّه... وعلى عمد من النّاس اعتزل
﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي:﴾ إنما قدّم السجود على الرّكوع؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، إنّما هي لمطلق الجمع، كأنه قيل لها: افعلي الركوع، والسجود. وقيل: إنّما قدم السجود على الركوع؛ لأنه كان كذلك في شريعتهم. وقال ابن الأنباري: أمرها أمرا عامّا، وحضّها على فعل الخير، فكأنه قال: استعملي السّجود في حال، والركوع في حال، ولم يرد تقديم السجود على الركوع، بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين، وإنما قال: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ولم يقل: مع الراكعات؛ لأن لفظ الراكعين أعمّ، فيدخل فيه الرجال، والنساء، والصّلاة مع الرجال أفضل، وأتم، وعلى كلّ ففيه تغليب الرّجال على النّساء، كما في قوله تعالى: ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾.
وانظر شرح الركوع في الآية رقم [٤٣] من سورة (البقرة) فإنّه جيد.
هذا؛ و (مريم) بالعبرية بمعنى الخادم، ثم سمّي به كثير من النّساء، و (مريم) في لسان العرب هي التي تكون مخالطة، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن الكريم إلا مريم، وقد ذكرت في ثلاثين موضعا. هذا؛ وفي القاموس المحيط: المريم: هي التي تحبّ مخالطة الرجال، ولا تفجر. وهذا يناقض ما قبله. قال الشاعر: [الطويل]
وزائرة ليلا كما لاح بارق... تضوّع منها للكساء عبير
فقلت لها أهلا وسهلا أمريم؟ ... فقالت: نعم من أنت قلت لها: زير
стр. 787
الإعراب: ﴿يا مَرْيَمُ:﴾ منادى مثل ما قبله. ﴿اُقْنُتِي:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون؛ لأن مضارعه من الأفعال الخمسة، وياء المؤنثة المخاطبة ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة الفعلية، وما عطف عليها، والجملة الندائية كلّ ذلك في محل نصب مقول قول الملائكة.
﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿الرّاكِعِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ.
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾
الشرح: ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما ذكر من أمر زكريا، ويحيى، ومريم، على نبينا، وعليهم ألف صلاة، وألف سلام. ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ:﴾ من أخبار الغيب. والغيب: كلّ ما غاب عنّا. ولم تدركه حواسنا، قال الشاعر: [الطويل]
وبالغيب آمنّا، وقد كان قومنا... يصلّون للأوثان قبل محمّد
ورحم الله من يقول: [الطويل]
إذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ:﴾ نخبرك به بواسطة جبريل الأمين، ﵇. وأصل الوحي: الإشارة السريعة، والوحي: الكتاب المنزل على الرّسول المرسل لقومه، مثل موسى، وعيسى، ومحمّد، صلّى الله عليهم أجمعين. والوحي أيضا: الكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك، وتسخير الطّير لما خلق له إلهام، والوحي إلى النّحل، وتسخيرها لما خلقها الله له إلهام. واختلف في الوحي إلى أمّ موسى، فقيل: كان في المنام. وقيل: كان إلهاما. وقيل:
كان يكلّمها جبريل، ﵇. قال تعالى في سورة (طه) حكاية عمّا أجاب به موسى فرعون:
﴿قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾. وعن عائشة-﵂-قالت: إن الحارث بن هشام-﵁-سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ فقال:
«أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فينفصم عنّي؛ وقد وعيت ما قال. وأحيانا يأتيني الملك رجلا، فيكلّمني، فأعي ما يقول». قالت عائشة-﵂: فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه؛ وإن جبينه ليتفصّد عرقا. أخرجه البخاريّ ومسلم، وعن عبد الله بن عمرو-﵁-قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت:
يا رسول الله! هل تحس بالوحي؟ فقال ﷺ : «أسمع صلاصل، ثمّ أسكت عند ذلك، فما من مرّة يوحى إليّ؛ إلاّ ظننت أنّ نفسي تقبض». أخرجه الإمام أحمد، رحمه الله تعالى.
стр. 788
﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ وما كنت موجودا عندهم. ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ في النّهر حين اختصموا، وتنافسوا على كفالة مريم، كلّ يريد أن تكون في كنفه، ورعايته، حتّى فصلت بينهم القرعة، وكانت من نصيب زكريا، كما رأيت في الآية [٣٧]. هذا؛ و ﴿يُلْقُونَ﴾ بمعنى: ألقوا، و ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ بمعنى: اختصموا، أو هما حكاية حال ماضية.
هذا؛ و ﴿لَدَيْهِمْ﴾ ظرف مكان بمعنى: عند، وهي معربة مثلها، وقد تستعملان في الزّمان، وإذا أضيف «لدى» إلى مضمر، -كما هنا-قلبت ألفه ياء عند جميع العرب، إلا بني الحارث بن كعب، وبني خناعة، فلا يقلبونها تسوية بين الظاهر، والمضمر، كما لا يقلبون ألف «على» و «إلى» ونحوهما، وعلى لغتهم جاء قول الشاعر: [الوافر]
إلاكم يا خناعة لا إلانا... عزا النّاس الضّراعة والهوانا
فلو برأت عقولكمو بصرتم... بأنّ دواء دائكمو لدانا
وذلكمو إذا واثقتمونا... على قصر اعتمادكمو علانا
ثمّ اعلم: أنّ «عند» أمكن من: «لدى» من وجهين: أحدهما: أنها تكون ظرفا للأعيان، والمعاني، تقول: هذا القول عندي صواب، وعند فلان علم به. ويمتنع ذلك في لدى، ذكره ابن الشّجري في أماليه، ومبرمان في حواشيه. والثاني: أنّك تقول: عندي مال؛ وإن كان غائبا، ولا تقول: لديّ مال إلا إذا كان حاضرا، قاله جماعة، منهم الحريري، وأبو هلال العسكري، وابن الشّجري. وزعم المعري: أنه لا فرق بينهما، وقول غيره أصحّ. انتهى. فتح القريب المجيب.
تنبيه: الآية الكريمة تذكّر النبي ﷺ بما أنعم الله عليه من نعم. ومثلها كثير في القرآن، وفيه منّ على الرّسول العظيم لا يخفى، وهذا المنّ من الله على نبيّه مقبول؛ لأنّ الله يمنّ بما يملك حقيقة، فهو المنعم، والمتفضل، بخلاف منّ العبد على العبد، فهو مذموم؛ لأنّ العبد يمنّ على العبد بما رزقه الله تعالى، وأنعم به عليه، فلا ملك له في الحقيقة. تأمّل، وتدبّر.
الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿مِنْ أَنْباءِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿أَنْباءِ:﴾
مضاف، و ﴿الْغَيْبِ﴾ مضاف إليه. ﴿نُوحِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والهاء مفعول به. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿نُوحِيهِ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، إن عاد الضمير على الإشارة، أو في محل نصب حال من الغيب إن عاد الضمير إليه، هذا وقال الجمل: جملة: ﴿نُوحِيهِ﴾ مستأنفة، وقال أبو البقاء: ﴿مِنْ أَنْباءِ﴾ متعلقان بالفعل بعدهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب. ولا أؤيد ما قالا.
стр. 789
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (ما): نافية. ﴿كُنْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السّكون، والتاء اسمه. ﴿لَدَيْهِمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: (كان) فهو منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المنقلبة ياء، لاتصاله بالهاء التي هي ضمير متّصل في محل جرّ بالإضافة.
﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان، مبني على السكون في محل نصب متعلق بالخبر المحذوف، والجملة الفعلية في محل نصب حال من كاف الخطاب، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يُلْقُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿أَقْلامَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿أَيُّهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَكْفُلُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
﴿أَيُّهُمْ﴾. ﴿مَرْيَمَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع جر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: ليعلموا أيهم... إلخ، ومعلوم: أن هذا المحذوف يتحصّل منه جار ومجرور بالتأويل، وهما متعلقان بالفعل: ﴿يُلْقُونَ﴾ وقدّر السّمين المحذوف:
ينظرون أيهم... إلخ، وبه قال مكيّ، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، وقدّر الجلال: يقترعون ليظهر لهم أيهم... إلخ، فاعتبره فاعلا لفعل محذوف، ولا وجه له؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، إلا إذا اعتبر: (أيكم) اسما موصولا، وجملة: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ..﴾. إلخ مثل سابقتها إعرابا، ومحلاّ بسبب العطف.
﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾
الشرح: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ:﴾ انظر الآية رقم [٤٢]. ﴿إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ سمي هذا الولد: كلمة؛ لأنه وجد بكلمة: «كن» فهو من باب إطلاق السبب على المسبّب، والمراد: أنّه وجد من غير واسطة أب؛ لأنّ غيره وإن وجد بتلك الكلمة لكنه بواسطة أب، وقوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إيحاء إليها بأنها تلده من غير أب، فلذا ينسب إليها. وعادة الرّجال نسبتهم إلى آبائهم. ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيا:﴾ ذا وجاهة عالية، ومكانة في الدنيا والآخرة، وجاهته في الدنيا بالنبوة، وكثرة الأتباع بالحقّ، لا الذين حرفوا، وغيروا، وزيّفوا شريعته، وتعاليمه، وفي الآخرة بالشّفاعة لهم، والتنصّل ممّن بدلوا دينه، وهديه، واتخذوه إلها. انظر آخر سورة المائدة، تجده مفصّلا. ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: عند الله يوم القيامة.
هذا؛ و ﴿الْمَسِيحُ﴾ لقب عيسى، ﵇، وهو من الألقاب المشرفة، كالصدّيق لأبي بكر، والفاروق لعمر-﵁. قال ابن عباس-﵄: سمي عيسى مسيحا؛ لأنه ما مسح ذا عاهة؛ إلا برأ منها. وقيل: لأنه مسح بالبركة، كما حكى القرآن قوله
стр. 790
في سورة (مريم): ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ﴾. وقيل: لأنه مسح من الأقذار، وطهّر من الذنوب. وقيل: سمّي مسيحا؛ لأنّه كان مسيح القدمين، لا أخمص له. ولا أرتضيه؛ لأنه عيب في الرّجال، ونبينا ﷺ كان خمصان الأخمصين. وأصله بالعبرانية المشيح بالشّين، فيعرّب، كما عرّب موسى، وأصله موشى، كما ذكرته لك مرارا. هذا وسمّي الدّجال مسيحا؛ لأنه ممسوح العينين، وقد يكون المسيح بمعنى الكذّاب، وهو بالدّجال ألصق، وعليه تكون الكلمة من الأضداد، وبعضهم يقول في الدّجال: المسيح بالخاء، قال الشاعر: [الرجز]
إنّ المسيح يقتل المسيحا
وأطلق على الدّجال المسيح بالحاء؛ لأنه يسيح في الأرض؛ أي: يطوفها، ويدخل جميع بلدانها إلا مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، فالدّجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب-﵁-عن النبيّ ﷺ :
وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم، وبيت المقدس، وأنّه يحصر المؤمنين في بيت المقدس... وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم-رحمه الله تعالى-من قول الرسول ﷺ : «فبينما هو كذلك؛ إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعا كفّيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه؛ قطر، وإذا رفعه؛ تحدّر منه جمان، كاللؤلؤ، فلا يحلّ لكافر يجد ريح نفسه إلا مات. ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه؛ حتى يدركه بباب لدّ، فيقتله...» إلخ الحديث بطوله.
قوله: مهرودتين، أي: في شقّتين، أو حلّتين. وقيل: الثوب المهرود الّذي يصبغ بالورس، ثمّ بالزعفران. والجمان-بضم الجيم-: حبات من الفضة، تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، ولدّ بضم اللام، وتشديد الدال: بلدة في فلسطين.
تنبيه: يحكى: أنّ طبيبا نصرانيّا حاذقا جاء مجلس هارون الرشيد، فناظر عليّ بن الحسين الواقدي، رحمه الله تعالى، فقال النّصرانيّ: إنّ في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله تعالى، وتلا هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٧٠]: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فقرأ الواقدي ﵀ له قوله تعالى في سورة (الأحقاف) رقم [١٣]: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ وقال له: إذا يلزم أن تكون جميع الأشياء جزءا منه سبحانه.
فانقطع النصرانيّ، وأسلم، وفرح الرّشيد بذلك فرحا شديدا، وأعطى الواقديّ هدية فاخرة.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من مثلها في الآية رقم [٤٢] وقال القرطبيّ: متعلقة ب ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ ويجوز أن تكون متعلّقة بقوله: ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ وقال مكي مثله. والمعنى لا يؤيد قوله قطعا، وعلى الأول فالكلام كلّه معترض بين البدل، والمبدل منه. ﴿قالَتِ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿الْمَلائِكَةُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (﴿يا﴾): أداة
стр. 791
نداء. (﴿مَرْيَمُ﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُبَشِّرُكِ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والآية كلّها في محل نصب مقول القول.
﴿بِكَلِمَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْهُ:﴾ جار، ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (كلمة).
﴿اِسْمُهُ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿الْمَسِيحُ:﴾ خبره. ﴿عِيسَى:﴾ بدل من المسيح، أو عطف بيان عليه، والجملة الاسمية: ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى﴾ في محل جر صفة ثانية ل (كلمة) أو في محل نصب حال من (كلمة) بعد وصفها بما تقدم، والرابط: الضمير. وذكّر؛ لأنّ المراد ب (كلمة) الولد، وذكّر لهذا المعنى. ﴿اِبْنُ:﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو، و ﴿اِبْنُ﴾ مضاف، و ﴿مَرْيَمُ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة؛ لأنّه ممنوع من الصّرف للعلمية والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من: ﴿عِيسَى﴾ أو من (كلمة).
وقال ابن المنير-رحمه الله تعالى-بعد كلام كثير: وأما ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فخبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو عيسى، وعلى قوله يكون (ابن) صفة عيسى، وتكون: الجملة: هو عيسى... إلخ في محل نصب حال من المسيح، والرابط المبتدأ المحذوف. ﴿وَجِيهاً:﴾ حال من: ﴿عِيسَى﴾.
﴿فِي الدُّنْيا:﴾ متعلقان ب ﴿وَجِيهاً﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ:﴾ معطوف على: ﴿الدُّنْيا﴾. ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ:﴾
متعلقان بمحذوف حال أيضا معطوفة على: ﴿وَجِيهاً﴾ أي: وكائنا من المقرّبين. هذا؛ واعتبر الجمل ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أخبارا للمبتدإ الأول. والمعتمد ما ذكرته أولا.
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ (٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ:﴾ المهد هو في الأصل: ما يمهّد للصبي، ويوطّأ؛ لينام فيه في رضاعه. قال تعالى في الآية رقم [١٢]: ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾. والكلام على حذف مضاف، أي: في زمان المهد، ومدته، والذي تكلّم به في المهد هو ما حكاه القرآن عنه في سورة (مريم): ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ..﴾. إلخ، وبعد ما تكلم بهذا الكلام سكت، فلم يتكلّم حتى بلغ أوان النّطق عادة. انتهى جمل. ﴿وَكَهْلاً:﴾ زمن الكهولة هو ما بين الثلاثين والأربعين سنة، وفائدة البشارة بكلامه كهلا؛ والناس في ذلك سواء: البشارة بحياته إلى سن الكهولة، وعدم التفاوت بين كلامه طفلا، وكلامه كهلا. انتهى جمل. وقال المهدوي: وفائدة الآية: أنه أعلمهم، أن عيسى ﵇ يكلمهم في المهد، ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا؛ إذ كانت العادة: أنّ من تكلّم في المهد لم يعش. انتهى قرطبي. وهذا يردّه ما أذكره قريبا.
وقال: ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ آية، ويكلمهم كهلا بالوحي، والرّسالة، وقال أبو العباس -رحمه الله تعالى-: كلمهم في المهد حين برّأ أمه، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾. وأما كلامه؛ وهو
стр. 792
كهل. فإذا أنزله الله من السماء؛ أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة-وهو الكهل-فيقول لهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ كما قال في المهد. فهاتان آيتان، وحجّتان. انتهى. قرطبي.
﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أي: من العباد الصّالحين، مثل إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وغيرهم من الأنبياء، وفي وصف عيسى-﵇-بهذه الصفات المتغايرة إشارة إلى أنّه بمعزل عن الألوهيّة. ففيه رد على النّصارى، وقوله: (﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾) أي: الكاملين في الصلاح، فإنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا؛ لأنه لا يكون لذلك إلا إذا كان في جميع الأفعال، والمتروك مواظبا على المنهج الأصلح، وذلك من تناول جميع المقامات في الدين، والدنيا، في أفعال القلوب، والجوارح، ولهذا قال سليمان-﵊-بعد النبوة:
B» وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ». وقال يوسف الصديق بعد النبوة أيضا: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾.
بعد هذا أقول: مشايخ هذا الزمن يحبّون أن تقبّل أيديهم، وأرجلهم، ويقولون: يستحب تقبيل يد الرّجل الصالح! فهلا يأتون بالرجل الصالح بعد ما قدمته في وصف الصالحين؟! وخذ ما يلي:
قال أبو هريرة-﵁: دخلت السّوق مع النبي ﷺ ، فاشترى سراويل، وقال للوزان:
«زن، وأرجح». فوثب الوزان إلى يد الرسول ﷺ ليقبلها، فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، وإنّما أنا رجل منكم». ثمّ أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال:
«صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله». فالرسول ﷺ لم يرض أن تقبل يده، وجذب يده من يد الوزّان. وقال ما قال، وهم يمدّون أيديهم على طولها؛ ليتبارك بها من يقبلها من الناس.
بعد هذا؛ فقد قال صاحب السيرة الحلبية-رحمه الله تعالى-: وقد تكلّم جماعة في المهد، نظمهم الجلال السّيوطي-رحمه الله تعالى-في قوله: [الطويل]
تكلّم في المهد النّبيّ محمّد... ويحيى وعيسى والخليل ومريم
ومبري جريج ثمّ شاهد يوسف... وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم
وطفل عليه مرّ بالأمة الّتي... يقال لها تزني ولا تتكلّم
وما شطة في عهد فرعون طفلها... وفي زمن الهادي المبارك يختم
وقال بعضهم: لكنّ النبي ﷺ حصر من تكلّم في المهد في ثلاثة، ولم يذكر نفسه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «لم يتكلّم في المهد إلاّ ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وابن المرأة الّتي مرّ عليها بامرأة، يقال لها: زنت».
وقد يقال: هذا الحصر إضافي، أي: ثلاثة من بني إسرائيل، أو إنّ ذلك كان قبل أن يعلم بما زاد، ثمّ بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك، فأخبره به، والله أعلم.
стр. 793
الإعراب: ﴿وَيُكَلِّمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يُكَلِّمُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى المسيح عيسى. ﴿النّاسَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على: ﴿وَجِيهاً﴾ فهي في محل نصب حال مثله. ﴿فِي الْمَهْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من فاعله المستتر. ﴿وَكَهْلاً:﴾ معطوف على: ﴿وَجِيهاً﴾ أيضا. ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف معطوف على وجيها أيضا، التقدير: وكائنا من الصالحين.
﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾
الشرح: ﴿قالَتْ:﴾ قالت تخاطب جبريل الأمين. ﴿رَبِّ:﴾ يا رب! أي: يا سيدي، ومثله في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: «اذكرني عند ربّك، فأنساه الشّيطان ذكر ربّه» لأنه لمّا تمثل لها؛ قال لها: ﴿قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾ فلمّا سمعت ذلك منه ذلك؛ استفهمت عن طريق الولد، فقالت: ﴿أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي: بنكاح: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فروي: أن جبريل-﵇-حين قال لها: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ وفي سورتها قال لها: ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ نفخ في جيب درعها، وكمّها. قاله ابن جريج. وقال ابن عباس-﵄: أخذ جبريل ردن قميصها بإصبعه.
فنفخ فيه، فحملت من ساعتها بعيسى. وقيل: غير ذلك. انظر ما ذكرته في سورتها. ﴿وَإِذا قَضى أَمْراً﴾ أي: إذا أراد إحكامه، وإتقانه، كما سبق في علمه. ﴿فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي:
احدث، فيحدث، وليس المراد حقيقة أمر، بل هو تمثيل لما تعلقت به إرادته تعالى. بلا مهلة بطاعة المأمور، والمطيع بلا توقف. انتهى بيضاوي. قال الشاعر: [الطويل]
إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له كن قولة فيكون
هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على الإنسان ذكرا، أو أنثى، مفردا، أو جمعا، مثل كلمة: «الفلك» تطلق على المفرد، والجمع. وسمي بنو آدم بشرا؛ لبدوّ بشرتهم، وهي ظاهر الجلد، بخلاف أكثر المخلوقات فإنّها مكسوة بالشّعر، أو بالصوف، أو بالرّيش. هذا؛ و ﴿بَشَرٌ﴾ يطلق على المفرد، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا﴾ الآية رقم [١٧] من سورة (مريم) ولذا ثنّي في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ الآية رقم [٤٧] من سورة (المؤمنون). ويطلق على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ رقم [٣٦] من سورة (مريم).
تنبيه: قال الشيخ أبو منصور-رحمه الله تعالى-: القضاء يحتمل الحكم، كقوله تعالى:
﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي: ليحكم ما قد علم: أنه يكون كائنا، أو ليتمّ أمرا كان قد أراده، وما أراد كونه؛ فهو مفعول لا محالة. انتهى. هذا؛ والماضي: قضى.
стр. 794
والمصدر: قضاء (بالمدّ) لأن لام الفعل ياء؛ إذ أصل ماضيه: (﴿قَضى﴾) بفتح الياء، فقلبت ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. ومصدره: (قضيا) فأبدلت الثانية همزة، فصار قضاء ممدودا.
وجمع القضاء أقضية كعطاء، وأعطية، وهو في الأصل: إحكام الشيء، وإمضاؤه، والفراغ منه، كما في قول الشاعر، وهو الشاهد رقم [١٧٩] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الخفيف]
وجهك البدر لا بل الشّمس لو لم... يقض للشّمس كسفة أو أفول
وقال الشّماخ في عمر-﵁-يرثيه: [الطويل]
قضيت أمورا ثمّ غادرت بعدها... بوائق في أكمامها لم تفتّق
ويكون بمعنى الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً،﴾ وبمعنى العلم. تقول: قضيت بكذا، أي: أعلمتك به. وبمعنى الإتمام. قال تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾. وبمعنى الفعل، قال تعالى، حكاية عن قول السحرة لفرعون: ﴿فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ﴾.
وبمعنى الكتابة، قال تعالى: ﴿وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ أي: مكتوبا في اللوح المحفوظ.
وبمعنى الفصل، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ،﴾ وبمعنى الخلق، كقوله تعالى:
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾. وبمعنى بلوغ الأرب، والمراد، قال تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ وبمعنى وفاء الدين، تقول: قضى فلان ما عليه: إذا أوفى ذمته، وأبرأها ممّا عليه من ديون. انتهى قسطلاني. شرح البخاري بتصرف. وأضيف: أنه يكون بمعنى:
أوحينا، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ..﴾. إلخ.
قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-فإذا كان القضاء بهذه المعاني؛ فلا يجوز إطلاق القول بأنّ المعاصي بقضاء الله تعالى؛ لأنّه إن أريد به الأمر، فلا خلاف: أنه لا يجوز ذلك؛ لأنّ الله لا يأمر بها، فإنه لا يأمر الفحشاء. وقال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن البصري، فقال:
إنّه طلق امرأته ثلاثا، فقال: قد عصيت ربك، وبانت منك، فقال الرجل: قضى الله عليّ، فقال الحسن، وكان فصيحا: ما قضى الله ذلك! أي: ما أمر به. وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾.
هذا (﴿وَالْأَمْرُ﴾) واحد الأمور، وليس بمصدر: أمر، يأمر. قال العلماء: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها: الأول: الدّين، قال تعالى: ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ أي: دين الإسلام. الثاني: القول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ يعني: قولنا. وقوله تعالى: ﴿فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ يعني: قولهم. الثالث: العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يعني لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى، ﵇. قال تعالى في هذه الآية: ﴿إِذا قَضى أَمْراً﴾ يعني: عيسى، وكان في علمه تعالى أن يكون من غير أب. الخامس: القتل ببدر، قال
стр. 795
تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ يعني: القتل ببدر، وقوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ يعني: قتل أهل مكّة.
السادس: فتح مكة، قال تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ يعني: فتح مكة. السّابع:
قتل قريظة، وجلاء النّضير، قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾.
الثامن: القيامة، قال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ﴾ التاسع: القضاء، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يعني: القضاء. العاشر: الوحي، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يقول: ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله تعالى: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ يعني: الوحي. الحادي عشر:
أمر الخلق، قال تعالى: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني: أمور الخلائق. الثاني عشر: النصر، قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعنون: النّصر. الثالث عشر: الذنب، قال تعالى: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها﴾ أي: جزاء ذنبها. الرابع عشر: الشأن، والفعل، قال تعالى: ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: فعله وشأنه، وقال جل شأنه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن فعله، وقوله. انتهى قرطبي.
الإعراب: ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ:﴾ انظر الإعراب في الآية رقم [٤٠] ففيها الكفاية.
﴿وَلَمْ:﴾ الواو: واو الحال، (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم، ﴿يَمْسَسْنِي:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به، ﴿بَشَرٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ياء المتكلم، والرابط: الواو، والضمير. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى جبريل المبلّغ عن الله-قال: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ انظر الآية رقم [٤٠] وما فيها من اعتبارات، والمرجح فيها، والمرجح هنا الوجه الثاني من الاعتبارات، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، يعني: على السكون في محل نصب. ﴿قَضى:﴾ فعل ماض مبني على الفتح مقدّر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ تقديره: هو. ﴿أَمْراً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. ﴿فَإِنَّما:﴾ الفاء: واقعة في جواب: ﴿إِذا﴾.
(إنما): كافة ومكفوفة. ﴿يَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿كُنْ:﴾ فعل أمر تام، وفاعله مستتر تقديره: أنت، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (إنما يقول...): جواب: ﴿إِذا﴾ لا محل لها، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف هنا، لا محلّ له.
تنبيه: ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، وفيه معنى الشرط، واختلف في ناصبها، فقيل: الجواب، واعترض بأن الجواب قد يقترن بالفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها.
стр. 796
وقيل: بالشرط. واعترض أيضا بأنّها مضافة للشرط، والمضاف إليه، لا يعمل في المضاف، وأجيب عن هذا الاعتراض بأنّ القائلين: إنّ الناصب هو الشرط، لا يقولون بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليه، فلذا كان الثاني أرجح، وإن كان الأول أشهر، فقول بعض المعربين، خافض لشرطه، منصوب بجوابه جري على غير الراجح، ولذا كانت عبارة سيبويه-رحمه الله تعالى- (خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك) محتملة لما في ذلك من احتمالات.
﴿فَيَكُونُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (يكون): فعل مضارع تام. وفاعله مستتر تقديره: هو يعود إلى: ﴿أَمْراً﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يكون، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. وهذا القول يعزى لسيبويه. وقيل: إنّ ﴿يَكُونُ﴾ معطوف على:
﴿يَقُولُ لَهُ﴾ وهذا يعزى للزّجاج، والطّبري. وقيل: معطوف على: ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، وهو قول الفارسي. انتهى سليمان الجمل. هذا؛ وقرأ ابن عامر بالفعل: («يكون») بالنّصب على أنه منصوب ب: «أن» مضمرة بعد الفاء على اعتبارها للسببية، وضعّفه أبو البقاء. وأقول: لا يمكن سبك مصدر من أن المضمرة، والفعل، وعطفه على مصدر متصيّد من الفعل السّبق؛ إذ لا يقال:
ليكن حدوث، فحدوث.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)﴾
الشرح: ﴿وَيُعَلِّمُهُ:﴾ الضمير المنصوب يعود إلى: (عيسى) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. والفاعل يعود إلى: (الله) ويقرأ الفعل بالياء، والنون. ﴿الْكِتابَ﴾ أي: الخط، والكتابة، فكان-عليه الصلاة، والسّلام-أحسن الناس خطّا. وقيل: المراد جنس الكتب الإلهية، وأفرد الكتابين: الإنجيل، والتوراة بالذّكر لزيادة فضلهما، وشرفهما. وانظر الآية رقم [٣]. أما (الحكمة) فهي المعرفة بالدّين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو منحة، ونور من الله تعالى. قاله مالك، رحمه الله تعالى. وقال أبو بكر بن دريد-رحمه الله تعالى-كلّ كلمة وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة، وقال أبو العالية-رحمه الله تعالى-: الحكمة: خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة. وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود-﵁-مرفوعا عن النبي ﷺ : «رأس الحكمة مخافة الله». وهو حديث لا أصل له في كتب السّنة إلاّ أنّ المعنى صحيح.
خاتمة بل فائدة: قال الصّلاح الصّفدي-رحمه الله تعالى-: رأيت بخط ابن خلّكان: أنّ مسلما ناظر نصرانيّا، فقال النّصرانيّ في خلال كلامه، مختفيا في خطابه بقبيح آثامه: يا مسلم! كيف كان وجه عائشة زوج نبيكم في تخلّفها عن الرّكب عن نبيكم، معتذرة بضياع عقدها؟! فقال
стр. 797
له المسلم: يا نصراني! كان وجهها كوجه بنت عمران لما أتت بعيسى تحمله من غير زوج! فمهما اعتقدت في دينك من براءة مريم؛ اعتقدنا مثله في ديننا من براءة عائشة زوج نبينا! فانقطع النّصرانيّ، ولم يحر جوابا.
الإعراب: ﴿وَيُعَلِّمُهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يُعَلِّمُهُ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
(الله) والهاء مفعول به أول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والأسماء بعده معطوفة عليه، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل، ذكرت تطييبا لقلبها، وإزاحة لما همّها من خوف العتاب، واللوم لمّا علمت أنّها تلد من غير زوج. وقيل: معطوفة على: ﴿وَجِيهاً﴾ أي: فهي في محل نصب حال مثله، وارتضاه مكيّ، وعلى هذين الاعتبارين؛ فالآية السابقة معترضة بين المتعاطفين.
﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾
الشرح: ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي: ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب، وآخرهم عيسى، على نبينا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام.
وتخصيص بني إسرائيل بالذّكر لبيان: أنه أرسل إليهم خاصة، ولم تكن رسالته، كما في رسالة نبينا، وعظيمنا محمد ﷺ ، فإنها كانت للإنس، والجنّ، والأبيض، والأسود، والعرب، والعجم.
﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بعلامة على صدقي. والمراد: المعجزات التي أيده الله بها. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾ أي: أصور لكم؛ أي: لأجل هدايتكم، وتصديقكم بي. ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الهيئة: الصورة المهيّأة. من قولهم: هيأت الشيء: إذا قدّرته، وأصلحته. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطين المصور. والضمير للكاف؛ أي: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير.
﴿فَيَكُونُ طَيْراً:﴾ فيصير طيرا كسائر الطيور، وانظر شرح الطير في سورة (البقرة) رقم [٢٦٠].
﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ معناه: بتكوين الله، وتخليقه. والمعنى: أني أعمل هذا التصوير أنا، فأما خلق الحياة؛ فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزة على يد عيسى، ﵇، مثل نفخ جبريل، ﵇، في كمّ مريم، والصانع هو الله تعالى، قال وهب-رحمه الله تعالى-: كان الطائر الذي يصنعه يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم؛ سقط ميتا؛ ليتميّز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غير الخفاش؛ هذا الذي يطير في الليل. إنما خص الخفاش؛ لأنه من أكمل الطير خلقا؛ لأنه يطير بلا ريش، وله أسنان. ويقال: إنّ الأنثى منه لها ثدي، وتحيض، ولا تبيض، كما تبيض سائر الطيور، وإنما يلد كما يلد الحيوان.
стр. 798
﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ وهو الذي يولد أعمى. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ البرص: داء معروف، وهو بياض يظهر على جلد الإنسان ينفر منه الناس، فهو داء قبيح. ولم يقل في هذين: ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنهما ليس فيهما كبير غرابة بالنسبة لغيرهما من المعجزات، فتوهّم الألوهيّة فيهما بعيد، فلا يحتاج للتنبيه على نفيه.
﴿وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ:﴾ قال ابن عباس-﵄: قد أحيا أربعة أنفس: العاذر، وكان صديقا له، وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح. فأما عاذر؛ فإنه كان توفي قبل ذلك بأيام، فدعا الله، فقام بإذن الله، فعاش، وولد له. وأما ابن العجوز، فإنه مرّ به يحمل على سريره، فدعا الله، فقام، ولبس ثيابه، وحمل السّرير على عنقه، ورجع إلى أهله، وولد له. وأما ابنه العاشر؛ فكان أبوها يأخذ العشور من الناس، فكان أتى عليها ليلة، فدعا الله فعاشت، وولد لها، فلمّا رأوا ذلك؛ قالوا: إنّك تحيي من كان موته قريبا، فلعلّهم لم يموتوا، فأصابتهم سكتة، فأحي لنا سام بن نوح.
فقال لهم: دلّوني على قبره، فخرج، وخرج معه القوم؛ حتى انتهى إلى قبره، فدعا الله:
فخرج من قبره، وقد شاب رأسه، فقال له عيسى-﵇: كيف شاب رأسك؛ ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله! إنك دعوتني، فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله!
فظننت: أنّ القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي، فسأله عن النّزع، فقال: يا روح الله، إن مرارة النزع لم تذهب من حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدّقوه، فإنّه نبي! فآمن به بعضهم، وكذّبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ هذه معجزة أخرى؛ حيث كان يتكلّم بشيء من الغائب، فقد كان ﵊ يخبر الرّجل بما أكل البارحة، وبما يأكله اليوم، وبما يدّخر للعشاء. وقال سعيد بن جبير، وغيره: كان يخبر الصبيان في الكتّاب بما يدّخر آباؤهم؛ حتى منعوهم من الجلوس معه. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ أي: في الذي ذكر من المعجزات. ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: لعلامة، ودلالة على صدق أنّي رسول من الله إليكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدقين بذلك.
تنبيه: قال السّمين-رحمه الله تعالى-: قال تعالى في سورة (المائدة) رقم [١١٠]: ﴿بِإِذْنِي﴾ أربع مرات عقيب أربع جمل، وفي (آل عمران): ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ مرّتين؛ لأن هناك أي: في آيات المائدة إخبار، فناسب الإيجاز، وهنا أي: في آيات (آل عمران) مقام تذكير بالنعمة، والامتنان، فناسب الإسهاب. انتهى بتصرف.
خاتمة: قال كثير من العلماء: بعث الله كلّ نبيّ من الأنبياء، وأيّده بمعجزة من جنس ما برع به قومه، فقد كان الغالب على زمان موسى ﵇ السّحر، وتعظيم السّحرة، فأيده الله بقلب العصا حيّة؛ حيث بهرت الأبصار، وحيّرت كل سحّار، فلما استيقن السّحرة: أنها من صنع
стр. 799
العظيم الجبار؛ انقادوا للإيمان، وصاروا من عباد الله الأبرار، وأما قوم عيسى؛ فقد برعوا في الطبّ، فجاءهم بما ذكر في هذه الآية من المعجزات. بما لا سبيل لأحد إليه؛ إلا أن يكون مؤيدا من ربّ الأرض، والسّماء، وأمّا قوم محمد ﷺ ؛ فقد برعوا في الفصاحة، والبلاغة، ونظم الشعر، والسّجع، فأتاهم بكتاب من عند الله أخرسهم، وأسكتهم، وتحدّاهم بأن يأتوا بعشر سور، بل بسورة من مثله، فعجزوا، وأنّى يستطيعون، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَرَسُولاً:﴾ معطوف على وجيها متضمنا معنى النّطق، فكأنّه قال: وناطقا بأنّي
إلخ، أو هو مفعول به ثان لفعل محذوف، التقدير: ويجعله رسولا، وتكون الجملة معطوفة على جملة: (﴿يُعَلِّمُهُ..﴾.) إلخ. ﴿إِلى بَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (﴿رَسُولاً﴾) أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿بَنِي:﴾ مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. ﴿أَنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء التكلم اسمه. ﴿قَدْ:﴾
حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿جِئْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (أنّ). ﴿بِآيَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، التقدير: جئتكم ملتبسا بآية. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (آية)، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير: بكوني... إلخ، والجار والمجرور متعلّقان ب (﴿رَسُولاً﴾) أو بمحذوف صفة له. وسيبويه يعتبره في محل نصب بنزع الخافض، وجوز أبو البقاء اعتباره في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو أني، ووجوها أخر غير جديرة بالاعتبار، والمصدر المؤول من: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه في محل جر بدلا من (آية). والثاني: أنه في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير:
هي أني. والثالث: أنه بدل من ﴿أَنِّي﴾ الأولى. وهذا هو الأقوى. هذا؛ ويقرأ بكسر الهمزة، فتكون الجملة اسمية، وهي مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَهَيْئَةِ:﴾ الكاف: اسم بمعنى:
مثل، مبني على الفتح في محل نصب مفعول به للفعل ﴿أَخْلُقُ﴾ والكاف مضاف، و (هيئة) مضاف إليه. هذا؛ ووقوع الكاف اسما بمعنى: مثل كثير في القرآن الكريم ذكرته في محاله، وهو وارد في الشعر العربي بكثرة، خذ قول العجّاج-وهو الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [٤٦١] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الرجز]
بيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ
﴿فَأَنْفُخُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أنفخ): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا.
﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿أَخْلُقُ..﴾.
стр. 800
إلخ، فهي في محل رفع مثلها، والضمير المجرور عائد على الكاف. وقال أبو البقاء: يعود على الهيئة؛ لأنها بمعنى المهيأ، أو يعود على ﴿الطَّيْرِ﴾ والمعتمد الأول. وجملة: (يكون ﴿طَيْراً﴾) معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بالفعل يكون، أو بمحذوف صفة طيرا، وجملة: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿وَأُحْيِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: أنا. ﴿الْمَوْتى:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (إذن): مضاف، و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.
﴿وَأُنَبِّئُكُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والكاف مفعول به أول. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَأْكُلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة: (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: أنبئكم بالذي، أو: بشيء تأكلونه ﴿وَما تَدَّخِرُونَ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في المحل، والتقدير. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل تدّخرون، وحذف مثلها من ﴿تَأْكُلُونَ﴾ اكتفاء، بها، فهو من حذف الأول لدلالة الثاني عليه، وإن علّقتها بالفعل: ﴿تَأْكُلُونَ﴾ فيكون الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والكاف في محل جر بالإضافة.
﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿فِي ذلِكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾ تقدّم على اسمها، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لَآيَةً:﴾ اللام: لام الابتداء، (آية): اسم ﴿إِنَّ﴾ المؤخر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: (آية)، والجملة الاسمية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، أو مستأنفة. ﴿إِنَّ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، والجملة الفعلية لا محلّ لها لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه.
﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾
الشرح: ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ:﴾ لما تقدّم قبلي من شريعة موسى، ﵇، وذلك؛ لأنّ الأنبياء-عليهم جميعا السّلام-يصدّق بعضهم بعضا، فكلّ واحد يصدّق الذي قبله، ويصدّق
стр. 801
بما أنزل الله من الكتب، والشرائع، والأحكام. وانظر ما عطف عليه في سورة (الصفّ) فإنّه جيد، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ..﴾. إلخ: أحلّ لهم ما حرّم عليهم في شريعة موسى كالشّحوم، والثّروب، والسّمك، ولحوم الإبل، والعمل في يوم السبت. وهو يدلّ على أن شرع عيسى ناسخا لشرع موسى، ﵉؛ أي لبعض الأحكام، فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقاً..﴾. إلخ يدلّ على أنه جاء مؤيدا لما في التوراة، يستثنى من ذلك ما أحلّه الله لهم في شريعة عيسى، وأيضا ما رفعه عنهم من الأغلال، والآصار. هذا؛ وبين (أحلّ) و (حرّم) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ وإنّما وحّد، وهي آيات كما رأيت في الآية السابقة؛ لأنها جنس واحد في الدّلالة على رسالته. ﴿فَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه، واعملوا ما يأمركم به. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾
فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإنّ طاعتي من طاعة الله. هذا؛ والبعض الذي أحلّه عيسى لهم، وكان محرّما عليهم في شريعة موسى-﵇-مثل تحليل لحوم الإبل، وأشياء من الشّحوم، كما ذكر الله في سورة الأنعام رقم [١٤٦] انظر شرحها هناك. وقد يوضع (البعض) بمعنى (الكلّ) إذا انضمّت إليه قرينة تدل عليه، كما في قول طرفة بن العبد، خاطب به عمرو بن هند الملك لما أراد قتله: [الطويل]
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
الإعراب: ﴿وَمُصَدِّقاً:﴾ حال معطوف على متعلق ب (آية) في الآية السابقة. وقال البيضاوي، وغيره: عطف على (﴿رَسُولاً﴾). ولا وجه له لاختلاف العامل، وفاعله. ثمّ قال: أو هو منصوب بإضمار فعل دل عليه ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أي: وجئتكم مصدقا. وهو جيد، ومؤيّد للأوّل؛ الذي ذكرته. ﴿لِما:﴾ انظر الآية رقم [٣] ففيها الكفاية. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة:
(ما) أو بمحذوف صلتها، التقدير: مصدقا للذي، أو: لشيء يوجد ﴿بَيْنَ يَدَيَّ:﴾ و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿يَدَيَّ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه مثنى، وحذفت النون للإضافة، وياء المتكلم ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ التَّوْراةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في متعلق الظرف، و ﴿مِنَ﴾ بيان لما أبهم في (ما).
﴿وَلِأُحِلَّ﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِأُحِلَّ﴾): مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل مستتر تقديره: أنا، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وجئتكم؛ لأحل، وقال البيضاوي- رحمه الله تعالى-: أو هو مردود على قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أو هو معطوف على معنى:
(﴿مُصَدِّقاً﴾) كقولهم: قد جئتك معتذرا، ولأطيّب قلبك. ﴿بَعْضَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿حُرِّمَ﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿الَّذِي﴾ وهو العائد، والجملة صلته. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به.
стр. 802
﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة على ما قبلها المقدّرة، وهي: وجئتكم لأحل لكم... إلخ، وكررت الجملة للتوكيد. ﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتقوا ﴿اللهَ﴾): فعل أمر، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جواب لشرط غير جازم، التقدير: وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاتقوا الله. ﴿وَأَطِيعُونِ:﴾ الواو:
حرف عطف. (﴿أَطِيعُونِ﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة المدلول عليها بالكسرة مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾
الشرح: ﴿اللهَ:﴾ انظر الآية رقم [٢]. ﴿رَبِّي:﴾ مالكي، وسيدي، ومولاي.
﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ مالككم، وسيدكم، ومتولّي أموركم. هذا؛ والربّ يطلق، ويراد به المالك، والسيد، ومنه قوله تعالى، حكاية عن قول يوسف الصديق-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾. وقال الأعشى: [الكامل]
ربّي كريم لا يكدّر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
كما يقال: رب الدار، ورب الأسرة؛ أي: مالكها، ومتولّي شئونها، كما يراد المربّي، والمصلح. يقال: ربّ فلان الضيعة، يربّها: إذا أصلحها. والله ربّ العالمين: مالكهم، ومربيهم، وموصلهم إلى كمالهم شيئا فشيئا، يجعل النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، ثم يكسو العظام لحما، ثم يصوره، ويجعل فيه الروح، ثم يخرجه خلقا، وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينمّيه، وينشّيه؛ حتى يجعله رجلا، أو امرأة كاملين. هذا؛ ولا يطلق لفظ الرب على غير الله تعالى إلا مقيدا بالإضافة، مثل قولك: ربّ الدار، ورب الناقة، ونحو ذلك، وقد قالوه في الجاهلية للملك. قال الحارث بن حلّزة في معلقته رقم [٣٨]: [الخفيف]
وهو الرّبّ والشّهيد على يو... م الحيارين والبلاء بلاء
والربّ: المعبود بحق، وهو المراد به عند الإطلاق، ومنه قول راشد بن عبد ربّه السلمي الصّحابي-﵁، وهو الشاهد رقم [١٥٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
أربّ يبول الثّعلبان برأسه... لقد هان من بالت عليه الثّعالب
ولا يجمع إذا كان بهذا المعنى، ويجمع إذا كان معبودا بالباطل، قال تعالى حكاية عن قول يوسف-﵇-لصاحبي السّجن: ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾. كما يجمع إذا كان بأحد المعاني السابقة، قال الشاعر: [الطويل]
стр. 803
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم... وللآكلين التّمر خمس مخمّسا
وهو اسم فاعل بجميع معانيه السابقة، أصله: رابب، ثم خفّف بحذف الألف، وإدخال أحد المثلين في الآخر.
﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ العبادة: غاية التذلّل، ولا يستحقّها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولذلك يحرم السّجود لغير الله تعالى. وقيل: العبودية أربعة: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. أما ﴿صِراطٌ﴾ فهو في لغة العرب بمعنى طريق واضح لا اعوجاج فيه، قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
أمير المؤمنين على صراط... إذا اعوجّ الموارد مستقيم
وقال عامر بن الطفيل: [الوافر]
شحنّا أرضهم بالخيل حتّى... تركناهم أذلّ من الصّراط
ثمّ إن العرب تستعير الصراط في كل فعل، وعمل وصف باستقامة، أو اعوجاج، والمراد به هنا: امتثال أمر الله في فيما أمر، وفيما نهى، والأخذ بقول الرسول ﷺ . و ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ لا اعوجاج فيه، وأصله: (مستقوم) لأنه من: استقام، وهو أجوف واوي، فقل في إعلاله: اجتمع معناه حرف صحيح ساكن، وحرف علة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها، فصار: (مستقوم) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.
بعد ما تقدّم: في الآية حجة بالغة على نصارى وفد نجران، ومن قال بقولهم من سائر النصارى إلى يوم القيامة بإخبار الله- -عن عيسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام-: أنه كان بريئا مما نسبه إليه النّصارى، وأنه كان عبد الله، وخصّه بنبوته، ورسالته.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿رَبِّي:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿وَرَبُّكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
﴿فَاعْبُدُوهُ:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اعبدوه): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنّها جواب لشرط غير جازم. التقدير:
وإذا كان ما ذكر حاصلا، وواقعا؛ فاعبدوه. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿صِراطٌ:﴾ خبره. ﴿مُسْتَقِيمٌ:﴾ صفة ﴿صِراطٌ﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة، أو تعليلية، لا محلّ لها على الاعتبارين.
стр. 804
﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾
الشرح: ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي: عرف من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ والخبث، واللؤم.
والإحساس: الإدراك ببعض الحواس الخمس، وهو الذوق، والشم، واللمس، والسمع، والبصر. وفيه استعارة؛ إذ الكفر ليس بمحسوس، وإنّما يعلم، ويفطن به، فإطلاق الحسن عليه من نوع الاستعارة. ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي: مع الله، والظاهر: أنه أراد: من أنصاري في الدّعوة إلى الله، كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج: «من يؤويني؛ حتّى أبلّغ رسالة ربّي؟ فإنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي». وهذه سنّة الله في أنبيائه، وأوليائه، وقد حكى الله عن لوط قوله في سورة (هود): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ..﴾. إلخ: جمع: حواري، وهم أصفياء عيسى، ﵇، وكانوا اثني عشر رجلا، واختلف في تسميتهم بذلك، فقال ابن عباس-﵄: سمّوا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. وقيل: كانوا قصارين. وقيل: كانوا ملوكا يلبسون الثياب البيض. والحواري: الناصر، فعن جابر-﵁-قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير-﵁، ثم ندبهم: فانتدب الزبير، فقال الرسول ﷺ : «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا وحواريي الزّبير». متفق عليه، والحواريات: النساء الحضريات لخلوص ألوانهن، وبياضهن، ونظافتهن. قال الشاعر: [الطويل]
فقل للحواريّات يبكين غيرنا... ولا تبكنا إلاّ الكلاب النّوابح
فهو يعني: أنه ليس من عرف بالحضر، والتنعم بالحياة، بل هو من أهل البدو، والمحاربة، ولا يبكى عليه إلا الكلاب؛ اللاتي تساق معه في البدو، والصيد. ﴿وَاشْهَدْ:﴾ الخطاب لعيسى ﵇؛ أي: اشهد لنا عند ربك يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم، أو عليهم.
﴿مُسْلِمُونَ:﴾ منقادون، طائعون. والإسلام: الاستسلام، والانقياد لأوامر الله. ﴿أَنْصارُ اللهِ:﴾
أنصار دينه. هذا؛ والآية الكريمة تبيّن: أن الإسلام، والإيمان شيء واحد، ولكن قد يختلفان، كما في آخر سورة (الحجرات).
هذا؛ وقال عبد الوهاب النجار-رحمه الله تعالى-: ﴿الْحَوارِيُّونَ﴾ هم أصحاب المسيح عيسى بن مريم-صلوات الله، وسلامه عليه-وخاصته؛ الذين اختارهم؛ ليكونوا تلاميذه، وبادروا إلى الإيمان به، وتتلمذوا له، وتعلّموا منه، وكانوا اثني عشر رجلا. وهذا اللفظ لم أعرفه عبرانيّا، وأما عربيّا فقد قال صاحب القاموس، وقد جاء إطلاق حواري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
стр. 805
على الزّبير بن العوام، ﵁، ويظهر: أن لفظ الأنصار في جانب رسول الله ﷺ بمنزلة الحواريين في جانب المسيح ﵇. والأناجيل تعبّر عنهم بلفظ التلاميذ.
وإذا جاز لي هذا اللفظ، فإنّي أقول: إنّ معناه: الإخوان في طلب العلم، من لفظ: حور العبري، وهو التلميذ، وجمعه: حوريم، نطق به في العربية حواري، وحواريين. هذا؛ وذكرت أسماء الحواريين في إنجيل متّى في الإصحاح العاشر، وقد ذكر برنابا أسماء التلاميذ في الفصل الرابع عشر من إنجيله، وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر من إنجيل متّى:
١ - سمعان الذي يقال له: بطرس
٢ - أندراوس أخو سمعان: بطرس
٣ - يعقوب بن زيدي
٤ - فيلبس
٥ - برثولماوس
٦ - يوحنّا أخو يعقوب
٧ - توما
٨ - متّى العشّار
٩ - يعقوب بن حلفي
١٠ - لباوس الملقّب تداوس
١١ - سمعان القانوني
١٢ - يهوذا الإسخريوطي
وهذه أسماء التلاميذ الاثني عشر عند برنابا
١ - أندراوس
٢ - بطرس
٣ - برنابا
٤ - متّى العشّار
٥ - يوحنا بن زيدي
٦ - يعقوب بن زيدي
٧ - تداوس
стр. 806
٨ - يهوذا
٩ - برثولماوس
١٠ - فيلبس
١١ - يعقوب بن حلفي
١٢ - يهوذا الإسخريوطي
ومن ذلك نرى: أنّ برنابا نقص من الحواريين عند متّى اثنين، وهما: سمعان الغيور المعروف بالقانوني، وتوما، ووضع مكانهما اسمه، واسم تداوس، فهل الصواب معه؟ ولكن الكنيسة لما رأت إنجيله يخالف ما تهوى حذفت اسمه، واسم سمعان من بين التلاميذ؛ لأنهما كانا متطابقين في الرأي، قد يكون ذلك، وأنّهم اكتفوا في عقابه بهذا مع بقاء اسمه بين الرسل؛ الذين حملوا قسطا عظيما في نشر الدعوة، والتبشير باقتراب ملكوت السموات، وهؤلاء الحواريون الذين استجابوا لعيسى، ﵇، وهم الذين بثهم في القرى اليهودية؛ ليدعوا الكفار بدعوة المسيح، ومن غلا في شأنه، أو كذّبه، وردّ دعوته. وقد قص شأن الحواريين في هذه السورة، وفي آخر سورة (المائدة) وفي سورة (الصف). انتهى بتصرف.
وهذا يدل على أنّ رسالة عيسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أعم من رسالة جميع المرسلين قبله، وذكرت أكثر من هذا في سورة (الصف).
الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٣٦] ﴿أَحَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا.
﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكفر.
﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿عِيسى﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارِي:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر، أو هو من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَنْصارِي﴾ أو بمحذوف حال منه، التقدير: ملتجأ، أو ذاهبا، ونحوه، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على محذوف التقدير: فكذبوه فلمّا... إلخ.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على
стр. 807
الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وإضافته لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿أَنْصارُ اللهِ﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها. فهذه احتمالات أربعة. وعلى الاستئناف فالوقف على لفظ الجلالة جيد. والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَاشْهَدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِشْهَدْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: أنت.
﴿بِأَنّا:﴾ الباء: حرف جر. (أنّا): حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، و (أنّا) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿آمَنّا﴾ وجملة: (﴿اِشْهَدْ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاسمع، واشهد... إلخ والفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا منا؛ فاشهد... إلخ، والشرط المقدّر، ومدخوله في محل نصب مقول القول.
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٥٣)﴾
الشرح: ﴿رَبَّنا آمَنّا:﴾ توجه الحواريّون بالخطاب إلى الله تعالى. ﴿بِما أَنْزَلْتَ﴾ أي: على عيسى، ﵇، والمراد به: الإنجيل؛ الذي أنزله الله، لا إنجيل متّى، ولا مرقس
إلخ. ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ أي: عيسى. ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ:﴾ لك بالوحدانية، ولرسولك بالصّدق، والبلاغ، فأثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم، ومعهم فيما تكرمهم به.
والمراد: مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم. وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين الذين سأل الحواريون أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم، وهم الأنبياء، كما قدمت؛ لأن كل نبي شاهد على أمته، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾. وقال ابن عباس-﵄: المراد: محمد ﷺ ، وأمته؛ لأنهم المخصوصون بتلك الفضيلة، فإنهم يشهدون للرّسل بالبلاغ، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى، حذفت منه أداة النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَنْزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: آمنا بالذي، أو: بشيء أنزلته،
стр. 808
والكلام من مقول الحواريين. ﴿وَاتَّبَعْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَاكْتُبْنا:﴾ الفاء في مثل ذلك يعتبرها من يجيز عطف الإنشاء على الخبر عاطفة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منا؛ فاكتبنا. (اكتبنا): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره:
«أنت»، ونا: مفعول به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، ﴿الشّاهِدِينَ:﴾
مضاف إليه مجرور... إلخ.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾
الشرح: ﴿وَمَكَرُوا﴾ يعني: كفار بني إسرائيل؛ الذين أحسّ عيسى منهم الكفر؛ حيث دبّروا قتل عيسى، ﵇. وأصل المكر: صرف الغير عمّا يقصده بضرب من الحيلة، وهذا شأن اليهود في غابر الأزمان، وحاضرها، فقد قتلوا يحيى، وزكريا، وغيرهما من الأنبياء، وقد نوّه القرآن الكريم بذلك كثيرا. ﴿وَمَكَرَ اللهُ:﴾ جازاهم الله على مكرهم، حيث رفع عيسى إلى السّماء، وألقى بشبهه على من أراد قتله؛ حتى قتل. هذا؛ والمكر معناه: الخبث، والخداع، والاحتيال، وهو مستحيل في حقّ الله تعالى، وإنّما ذكر ذلك من باب المقابلة، وهذا ما يسمّى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله سبحانه جزاءهم من جنس صنيعهم، ومنه قوله سبحانه:
﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (البقرة) إن أردت الزيادة.
قال صاحب البحر المحيط-رحمه الله تعالى-: سأل رجل الجنيد-رحمه الله تعالى-فقال:
كيف رضي الله-سبحانه-لنفسه المكر، وقد عاب به غيره. فقال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان الظّهراني: [الوافر]
ويقبح من سواك الفعل عندي... فتفعله فيحسن منك ذاكا
ثمّ قال له: قد أجبتك؛ إن كنت تعقل. ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ أي: هو أفضل المجازين بالسيئة العقوبة. ومكر الله في هذه الآية خاصة إلقاء الشبه على صاحبه؛ الّذي دلّهم على عيسى حين أرادوا قتله حتّى قتل، ورفع عيسى إليه. وذلك: أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى-﵇-دخل البيت هاربا منهم، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث، هو: يهوذا، وكان أحد الحواريين لكنّه نافق، ادخل عليه، فاقتله، أو أخرجه، فدخل البيت، فلم يجد عيسى فيه، وألقى الله عليه شبه عيسى، فلمّا خرج رأوه على شبه عيسى، ﵇، فأخذوه، وقتلوه، وصلبوه، وهو يقول لهم: أنا صاحبكم، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا صاحبنا؛ فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى؛ فأين صاحبنا؟ فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضا. قال تعالى في
стр. 809
سورة (النّساء) رقم [١٥٧]: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك.
ومنع الله عيسى منهم، ورفعه إليه، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش، وصار إنسيّا ملكيّا أرضيّا سماويّا؛ حتّى ينزل آخر الزمان.
فعن أبي هريرة-﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما، عدلا، مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال؛ حتّى لا يقبله أحد». زاد في رواية: «حتى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها». ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ متفق عليه.
الإعراب: ﴿وَمَكَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال.
﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْماكِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، ولفظ الجلالة، الذي أعيد للتفخيم، والتعظيم.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾
الشرح: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ:﴾ اختلف المفسّرون في هذه الوفاة، فقال جماعة، منهم: قتادة، والضحاك، والفرّاء: هذا من المقدّم، والمؤخّر. تقديره: إني رافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء في آخر الزمان، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ إذ التقدير: ولولا كلمة سبقت من ربّك، وأجل مسمّى؛ لكان لزاما. ومثل ذلك قول الأحوص-وهو الشاهد رقم [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام
وأيضا قول حسّان-﵁-يهجو أبا سفيان وزوجه هندا بعد موقعة أحد: [الكامل]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقال الحسن، وابن جريج: معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ قابضك، ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفّيت مالي من فلان، أي: قبضته. وقال وهب بن منبه: توفّاه الله ثلاث ساعات
стр. 810
من أوّل النهار، ثم رفعه إلى السّماء، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النّوم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وكان الرسول ﷺ يقوم إذا قام من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا». وعن ابن عباس ﵄-معنى متوفيك: مميتك. وهذا أضعف الأقوال، ولعل النسبة إليه ليست صحيحة. والحقّ: أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة، ولا نوم، كما قال الحسن، وابن زيد، وهو اختيار الطّبري، وهو الصّحيح عن ابن عباس، فترجع الوفاة إلى معنى القبض، وهو فحوى ما حكى الله في قوله في آخر سورة (المائدة): ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.
وهناك قول بأن المعنى: موفيك أجرك غير منقوص.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من سوء أعمالهم. وخبث صحبتهم. بمعنى: مخرجك من بينهم، ومنجّيك من كيدهم. ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي:
يغلبونهم بالحجّة، أو السيف في غالب الأمر، والّذين اتبعوا عيسى هم النصارى؛ الذين لم يغيّروا، ولم يبدّلوا، ويعتقدون: أنّه رسول الله، لا ابنه، ولكنّهم صاروا بعد ذلك شيعا، وفرقا ثلاثة، ثم صاروا اثنتين وسبعين فرقة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (التوبة) فإنّه جيد. والحمد لله!.
هذا؛ وإن الذين اتبعوا عيسى بالتوحيد، وعدم الشرك هم المسلمون، فهم أحقّ بعيسى-﵇-في الدّنيا، والآخرة، وإنّه إذا نزل في آخر الزّمان يكون واحدا من أمّة محمد ﷺ كما أنّ المسلمين أحقّ بموسى-﵇-بدليل قول نبينا ﷺ لليهود حينما هاجر من مكّة المكرمة إلى المدينة، ورآهم يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صومه، فقالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه، فقال لهم ﷺ : «أنا أحق منكم بموسى». فصامه، وأمر بصيامه، ولذا عزّ المسلمون لتمسّكهم بالتوحيد الذي هو دين محمّد، ودين جميع الأنبياء، والمرسلين، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وتحقّق لهم وعد الرسول ﷺ في غزوة الخندق، وهو تحقيق وعد الله لهم في الآية رقم [٥٥] من سورة (النور): ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بعيسى حقّا سلبوا النّصارى بلاد مصر، والشام... إلخ.
قال البيضاوي: -رحمه الله تعالى-: وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود على أتباع عيسى، ولم يتّفق لهم ملك، ودولة. انتهى. أقول: ولكن في هذه الآية قد قام لهم ملك، ودولة بمساعدة النّصارى أنفسهم، وبسبب تخاذل المسلمين، وتفرّقهم، وهجرهم تعاليم دينهم، وسنّة نبيهم، وما قام لهم في هذه الأيام إنما هو دليل قاطع على رسالة محمد ﷺ حيث أخبر بأنه سيقوم لهم ملك
следующие страницы →