← Тафсир

Тафсир · id 30271

تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة

محمد علي طه الدرة

Полный текст (7 463 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٨ - يهوذا ٩ - برثولماوس ١٠ - فيلبس ١١ - يعقوب بن حلفي ١٢ - يهوذا الإسخريوطي ومن ذلك نرى: أنّ برنابا نقص من الحواريين عند متّى اثنين، وهما: سمعان الغيور المعروف بالقانوني، وتوما، ووضع مكانهما اسمه، واسم تداوس، فهل الصواب معه؟ ولكن الكنيسة لما رأت إنجيله يخالف ما تهوى حذفت اسمه، واسم سمعان من بين التلاميذ؛ لأنهما كانا متطابقين في الرأي، قد يكون ذلك، وأنّهم اكتفوا في عقابه بهذا مع بقاء اسمه بين الرسل؛ الذين حملوا قسطا عظيما في نشر الدعوة، والتبشير باقتراب ملكوت السموات، وهؤلاء الحواريون الذين استجابوا لعيسى، ﵇، وهم الذين بثهم في القرى اليهودية؛ ليدعوا الكفار بدعوة المسيح، ومن غلا في شأنه، أو كذّبه، وردّ دعوته. وقد قص شأن الحواريين في هذه السورة، وفي آخر سورة (المائدة) وفي سورة (الصف). انتهى بتصرف. وهذا يدل على أنّ رسالة عيسى-على نبينا وعليه ألف صلاة، وألف سلام-أعم من رسالة جميع المرسلين قبله، وذكرت أكثر من هذا في سورة (الصف). الإعراب: ﴿فَلَمّا:﴾ الفاء: حرف استئناف. (لمّا): انظر الآية رقم [٣٦] ﴿أَحَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿عِيسى:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (لمّا) إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محلّ لها على اعتبار (لمّا) حرفا. ﴿مِنْهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكفر. ﴿الْكُفْرَ:﴾ مفعول به. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿عِيسى﴾. ﴿مَنْ:﴾ اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارِي:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. من إضافة المصدر، أو هو من إضافة جمع اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَى اللهِ:﴾ متعلقان ب ﴿أَنْصارِي﴾ أو بمحذوف حال منه، التقدير: ملتجأ، أو ذاهبا، ونحوه، والجملة الاسمية: ﴿مَنْ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ جواب (لمّا) لا محل لها، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، أو هو معطوف على محذوف التقدير: فكذبوه فلمّا... إلخ. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض. ﴿الْحَوارِيُّونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. ﴿نَحْنُ:﴾ ضمير منفصل مبني على

стр. 807

الضم في محل رفع مبتدأ. ﴿أَنْصارُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وإضافته لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿أَنْصارُ اللهِ﴾ وهي على تقدير «قد» قبلها، أو هي في محل رفع خبر ثان للمبتدإ، أو هي في محل نصب مقول القول، أو هي مستأنفة، لا محل لها. فهذه احتمالات أربعة. وعلى الاستئناف فالوقف على لفظ الجلالة جيد. والجملة الاسمية: ﴿نَحْنُ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَاشْهَدْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِشْهَدْ﴾): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. ﴿بِأَنّا:﴾ الباء: حرف جر. (أنّا): حرف مشبه بالفعل. و (نا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، و (أنّا) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿آمَنّا﴾ وجملة: (﴿اِشْهَدْ..﴾.) إلخ معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فاسمع، واشهد... إلخ والفاء هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا، وحاصلا منا؛ فاشهد... إلخ، والشرط المقدّر، ومدخوله في محل نصب مقول القول. ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٥٣)﴾ الشرح: ﴿رَبَّنا آمَنّا:﴾ توجه الحواريّون بالخطاب إلى الله تعالى. ﴿بِما أَنْزَلْتَ﴾ أي: على عيسى، ﵇، والمراد به: الإنجيل؛ الذي أنزله الله، لا إنجيل متّى، ولا مرقس إلخ. ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ أي: عيسى. ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ:﴾ لك بالوحدانية، ولرسولك بالصّدق، والبلاغ، فأثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم، ومعهم فيما تكرمهم به. والمراد: مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم. وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين الذين سأل الحواريون أن يكونوا معهم مزيد فضل عليهم، وهم الأنبياء، كما قدمت؛ لأن كل نبي شاهد على أمته، كما قال تعالى في سورة (النساء) رقم [٤١]: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾. وقال ابن عباس-﵄: المراد: محمد ﷺ ، وأمته؛ لأنهم المخصوصون بتلك الفضيلة، فإنهم يشهدون للرّسل بالبلاغ، كما قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ..﴾. إلخ. الإعراب: ﴿رَبَّنا:﴾ منادى، حذفت منه أداة النداء، و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَنْزَلْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: آمنا بالذي، أو: بشيء أنزلته،

стр. 808

والكلام من مقول الحواريين. ﴿وَاتَّبَعْنَا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿الرَّسُولَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿فَاكْتُبْنا:﴾ الفاء في مثل ذلك يعتبرها من يجيز عطف الإنشاء على الخبر عاطفة، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأراها الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك حاصلا منا؛ فاكتبنا. (اكتبنا): فعل دعاء، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، ونا: مفعول به. ﴿مَعَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿مَعَ﴾ مضاف، ﴿الشّاهِدِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾ الشرح: ﴿وَمَكَرُوا﴾ يعني: كفار بني إسرائيل؛ الذين أحسّ عيسى منهم الكفر؛ حيث دبّروا قتل عيسى، ﵇. وأصل المكر: صرف الغير عمّا يقصده بضرب من الحيلة، وهذا شأن اليهود في غابر الأزمان، وحاضرها، فقد قتلوا يحيى، وزكريا، وغيرهما من الأنبياء، وقد نوّه القرآن الكريم بذلك كثيرا. ﴿وَمَكَرَ اللهُ:﴾ جازاهم الله على مكرهم، حيث رفع عيسى إلى السّماء، وألقى بشبهه على من أراد قتله؛ حتى قتل. هذا؛ والمكر معناه: الخبث، والخداع، والاحتيال، وهو مستحيل في حقّ الله تعالى، وإنّما ذكر ذلك من باب المقابلة، وهذا ما يسمّى عند البلغاء بالمشاكلة؛ أي: ذكر الله سبحانه جزاءهم من جنس صنيعهم، ومنه قوله سبحانه: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ،﴾ ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ وانظر الآية رقم [١٥] من سورة (البقرة) إن أردت الزيادة. قال صاحب البحر المحيط-رحمه الله تعالى-: سأل رجل الجنيد-رحمه الله تعالى-فقال: كيف رضي الله-سبحانه-لنفسه المكر، وقد عاب به غيره. فقال: لا أدري، ولكن أنشدني فلان الظّهراني: [الوافر] ويقبح من سواك الفعل عندي... فتفعله فيحسن منك ذاكا ثمّ قال له: قد أجبتك؛ إن كنت تعقل. ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ أي: هو أفضل المجازين بالسيئة العقوبة. ومكر الله في هذه الآية خاصة إلقاء الشبه على صاحبه؛ الّذي دلّهم على عيسى حين أرادوا قتله حتّى قتل، ورفع عيسى إليه. وذلك: أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى-﵇-دخل البيت هاربا منهم، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث، هو: يهوذا، وكان أحد الحواريين لكنّه نافق، ادخل عليه، فاقتله، أو أخرجه، فدخل البيت، فلم يجد عيسى فيه، وألقى الله عليه شبه عيسى، فلمّا خرج رأوه على شبه عيسى، ﵇، فأخذوه، وقتلوه، وصلبوه، وهو يقول لهم: أنا صاحبكم، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا صاحبنا؛ فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى؛ فأين صاحبنا؟ فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضا. قال تعالى في

стр. 809

سورة (النّساء) رقم [١٥٧]: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ انظر شرحها هناك؛ تجد ما يسرك. ومنع الله عيسى منهم، ورفعه إليه، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم، والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش، وصار إنسيّا ملكيّا أرضيّا سماويّا؛ حتّى ينزل آخر الزمان. فعن أبي هريرة-﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم، حكما، عدلا، مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال؛ حتّى لا يقبله أحد». زاد في رواية: «حتى تكون السّجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها». ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ متفق عليه. الإعراب: ﴿وَمَكَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾ خبره، وهو مضاف، و ﴿الْماكِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والجملة الاسمية في في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط: الواو، ولفظ الجلالة، الذي أعيد للتفخيم، والتعظيم. ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ الشرح: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ:﴾ اختلف المفسّرون في هذه الوفاة، فقال جماعة، منهم: قتادة، والضحاك، والفرّاء: هذا من المقدّم، والمؤخّر. تقديره: إني رافعك إليّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء في آخر الزمان، كقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ إذ التقدير: ولولا كلمة سبقت من ربّك، وأجل مسمّى؛ لكان لزاما. ومثل ذلك قول الأحوص-وهو الشاهد رقم [٦٦٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام وأيضا قول حسّان-﵁-يهجو أبا سفيان وزوجه هندا بعد موقعة أحد: [الكامل] لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر وقال الحسن، وابن جريج: معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ قابضك، ورافعك إلى السماء من غير موت، مثل: توفّيت مالي من فلان، أي: قبضته. وقال وهب بن منبه: توفّاه الله ثلاث ساعات

стр. 810

من أوّل النهار، ثم رفعه إلى السّماء، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النّوم، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٦٠]: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾. وكان الرسول ﷺ يقوم إذا قام من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا». وعن ابن عباس ﵄-معنى متوفيك: مميتك. وهذا أضعف الأقوال، ولعل النسبة إليه ليست صحيحة. والحقّ: أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة، ولا نوم، كما قال الحسن، وابن زيد، وهو اختيار الطّبري، وهو الصّحيح عن ابن عباس، فترجع الوفاة إلى معنى القبض، وهو فحوى ما حكى الله في قوله في آخر سورة (المائدة): ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. وهناك قول بأن المعنى: موفيك أجرك غير منقوص. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: من سوء أعمالهم. وخبث صحبتهم. بمعنى: مخرجك من بينهم، ومنجّيك من كيدهم. ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ أي: يغلبونهم بالحجّة، أو السيف في غالب الأمر، والّذين اتبعوا عيسى هم النصارى؛ الذين لم يغيّروا، ولم يبدّلوا، ويعتقدون: أنّه رسول الله، لا ابنه، ولكنّهم صاروا بعد ذلك شيعا، وفرقا ثلاثة، ثم صاروا اثنتين وسبعين فرقة. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٣٠] من سورة (التوبة) فإنّه جيد. والحمد لله!. هذا؛ وإن الذين اتبعوا عيسى بالتوحيد، وعدم الشرك هم المسلمون، فهم أحقّ بعيسى-﵇-في الدّنيا، والآخرة، وإنّه إذا نزل في آخر الزّمان يكون واحدا من أمّة محمد ﷺ كما أنّ المسلمين أحقّ بموسى-﵇-بدليل قول نبينا ﷺ لليهود حينما هاجر من مكّة المكرمة إلى المدينة، ورآهم يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صومه، فقالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه، فقال لهم ﷺ : «أنا أحق منكم بموسى». فصامه، وأمر بصيامه، ولذا عزّ المسلمون لتمسّكهم بالتوحيد الذي هو دين محمّد، ودين جميع الأنبياء، والمرسلين، وفتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وتحقّق لهم وعد الرسول ﷺ في غزوة الخندق، وهو تحقيق وعد الله لهم في الآية رقم [٥٥] من سورة (النور): ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بعيسى حقّا سلبوا النّصارى بلاد مصر، والشام... إلخ. قال البيضاوي: -رحمه الله تعالى-: وإلى الآن لم يسمع غلبة اليهود على أتباع عيسى، ولم يتّفق لهم ملك، ودولة. انتهى. أقول: ولكن في هذه الآية قد قام لهم ملك، ودولة بمساعدة النّصارى أنفسهم، وبسبب تخاذل المسلمين، وتفرّقهم، وهجرهم تعاليم دينهم، وسنّة نبيهم، وما قام لهم في هذه الأيام إنما هو دليل قاطع على رسالة محمد ﷺ حيث أخبر بأنه سيقوم لهم ملك

стр. 811

ودولة، وذلك في قوله ﷺ : «تقاتلكم يهود، فتنصرون عليهم، حتى يقول الحجر والشّجر: يا مسلم! هذا يهوديّ اختبأ ورائي تعال فاقتله». ومقاتلتهم المسلمين لا تكون إلا عن ملك، ودولة، كما هو الحال في هذه الأيام. متى يكون هذا النّصر؟ ذلك في علم الله، وأغلب الظن أنه لا يكون إلا بعد نزول عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. وأخرج مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث النواس بن سمعان-﵁-قال: فبينما هما كذلك؛ إذ بعث الله المسيح ابن مريم، ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقيّ دمشق. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «ليس بيني، وبين عيسى نبيّ، وأنّه نازل، فإذا رأيتموه، فاعرفوه، فإنّه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض، ينزل بين ممصّرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدقّ الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله الملل في زمانه كلّها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفّى، ويصلّي عليه المسلمون». أخرجه أبو داود. وأخبر الرسول ﷺ في حديث آخر: أن عيسى-﵇-هو الذي يقتل الدّجال الذي ينتظره اليهود، ويكونون جندا له. كما روي: أن عيسى يتزوّج، ويولد له ولدان، يسمّي أحدهما موسى، والآخر أحمد. ونقل بعضهم: أنّ عيسى ﵇ يدفن في حجرة النبي ﷺ ، فيقوم أبو بكر وعمر-﵄-يوم القيامة بين نبيين: محمد، وعيسى، ﵉، والمعتمد: أنّ عيسى يمكث في الأرض سبع سنوات، ومكث ثلاثا وثلاثين قبل رفعه، فتكون مدة حياته في الأرض أربعين سنة. وهذا هو المعتمد إن شاء الله تعالى. وفي حديث عند أبي داود: أربعين سنة، فيحتمل: أن المراد لبثه في الأرض قبل الرفع، وبعده. وروي: أن الله أرسل سحابة إلى عيسى، فرفعته، فتعلّقت به أمّه، وبكت، فقال لها: إنّ القيامة تجمعنا، وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس. والله أعلم. الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب متعلق بالفعل: (﴿مَكَرُوا﴾)، أو هو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف. تقديره: اذكر، أو هو ظرف متعلق بهذا المقدّر. ﴿قالَ اللهُ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: «أدعو». (﴿عِيسى﴾): منادى مفرد علم مبني على الضم المقدّر على الألف في محل نصب ب (يا). ﴿إِنِّي:﴾ حرف مشبه بالفعل، وياء المتكلم في محل نصب اسمها. ﴿مُتَوَفِّيكَ:﴾ خبر (إن) مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَرافِعُكَ:﴾ معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله،

стр. 812

وهو مثله في إعرابه، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول. ﴿وَجاعِلُ:﴾ معطوف على ما قبله، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِتَّبَعُوكَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَوْقَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله. و ﴿فَوْقَ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا إِلى يَوْمِ:﴾ صلة الموصول، لا محل لها، و ﴿يَوْمِ:﴾ مضاف، و ﴿الْقِيامَةِ﴾ مضاف إليه. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِلَيَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ:﴾ مبتدأ مؤخر، والكاف في محل جر بالإضافة. من: إضافة المصدر الميمي لفاعله، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل نصب مقول القول أيضا. ﴿فَأَحْكُمُ:﴾ فعل مضارع والفاعل مستتر، تقديره: «أنا» والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿بَيْنَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل: (أحكم)، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿تَخْتَلِفُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (في). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦)﴾ الشرح: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ يعني: جحدوا نبوّة عيسى، وخالفوا ملّته، وقالوا فيه ما قالوا من الباطل، ووصفوه بما لا ينبغي، وهم من سائر اليهود، والنصارى. ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا﴾ يعني: بالقتل، والسبي، والذلّة، وأخذ الجزية منهم. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ مانعين يمنعونهم من عذابنا في الدنيا، والآخرة. هذا؛ وفي هذه الآية التفات من الخطاب في الآية السابقة إلى التكلّم في هذه الآية، ثم التفات من المتكلّم في هذه الآية إلى الغيبة في الآية التي تليها. وللالتفات فوائد كثيرة، منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد. هذه فوائده العامة، ويختص كل موضع بنكت، ولطائف كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حثّ السامع، وبعثه على الاستماع؛ حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة.

стр. 813

هذا؛ والمراد بالآخرة: الحياة الثانية؛ التي تكون بعد الموت، ثمّ بعد البعث، ثم بعد الحساب، والجزاء، ودخول الجنة، والخلود فيها، أو دخول النار، والخلود فيها. والأولى لمن آمن، وعمل صالحا، والثانية لمن كفر، وعمل سيئا. ورحم الله من يقول: [البسيط] الموت باب وكلّ النّاس داخله... فليت شعري بعد الباب ما الدّار؟! ورحم الله من أجابه بقوله: [البسيط] الدار جنّة عدن إن عملت بما... يرضي الإله وإن خالفت فالنّار هما محلاّن ما للنّاس غيرهما... فانظر لنفسك ماذا أنت مختار أما الكفر: فهو ضدّ الإيمان، وهو المراد في الآية، وقد يكون بمعنى جحود النعمة، والإحسان، ومنه قول النبي ﷺ في النّساء في حديث الكسوف: وأريت النّار، فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع، ورأيت أكثر أهلها النّساء. قيل: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهنّ». قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدهر كلّه، ثمّ رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ». أخرجه البخاريّ برقم (١٠٥٢) وغيره، ويروى بأطول من هذا من رواية أبي سعيد الخدري-﵁، وأصل الكفر في كلام العرب. السّتر، والتغطية. قال لبيد-﵁-في معلقته رقم [٤٢] في وصف بقرة وحشية: [الكامل] يعلو طريقة متنها متواتر... في ليلة كفر النّجوم غمامها وسمّي الزارع كافرا؛ لأنه يلقي البذر في الأرض، ويغطيه، ويستره بالتراب. قال تعالى في تشبيه حال الدنيا في سورة (الحديد) رقم [٢٠]: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾. ويسمى الليل كافرا؛ لأنه يستر كل شيء بظلمته، قال لبيد في معلقته رقم [٦٥]: [الكامل] حتّى إذا ألقت يدا في كافر... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها كما يطلق لفظ الكافر على النّهر، قال المتلمّس حين ألقى الصّحيفة في النّهر: [الطويل] وألقيتها بالثّني من جنب كافر... كذلك ألقي كلّ رأي مضلّل رضيت لها بالماء لمّا رأيتها... يجول بها التّيار في كلّ جدول هذا؛ وكفر فلان النعمة، يكفرها، كفرا، أو كفورا، وكفرانا: إذا جحدها، وسترها، وأخفاها. قال تعالى في سورة (إبراهيم) -على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ وقال القطامي: -وهو الشاهد رقم [٥٣١] من كتابنا: «فتح رب البريّة» -: [الوافر] أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المئة الرّتاعا

стр. 814

الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. (أما): أداة شرط، وتفصيل، وتوكيد. أمّا كونها أداة شرط؛ فلأنها قائمة مقام أداة الشرط، وفعله بدليل لزوم الفاء بعدها؛ إذ الأصل: مهما يك من شيء؛ فالذين كفروا... إلخ، فأنيبت (أمّا) مناب «مهما يك من شيء» فصار: (أما ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾). وأما كونها أداة تفصيل؛ فلأنها في الغالب تكون مسبوقة بكلام مجمل، وهي تفصله. ويعلم ذلك من تتبع مواقعها. وأمّا كونها أداة توكيد؛ فلأنها تحقق الجواب، وتفيد: أنّه واقع لا محالة؛ لكونها علقته على أمر متيقن. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب: (أما). (أعذبهم): فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنا، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. هذا؛ وأجيز اعتبار الجملة الفعلية في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فأنا أعذبهم، وعليه فالجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿عَذاباً:﴾ مفعول مطلق، وهو اسم مصدر؛ لأن المصدر: تعذيب. ﴿شَدِيداً:﴾ صفته. ﴿فِي الدُّنْيا:﴾ جار، ومجرور، متعلقان بالفعل: (أعذب) أو هما متعلقان بمحذوف صفة ثانيا ل ﴿عَذاباً﴾ أو هما متعلقان بمحذوف حال منه، بعد وصفه بما تقدّم. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿ناصِرِينَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء، التي جلبها حرف الجر الزائد، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وإن اعتبرت: (ما) نافية حجازية؛ فالأمر واضح، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير الواقع مفعولا به، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٥٧)﴾ الشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ الأعمال الصالحات على تفاوتها، واختلاف درجاتها. وعطف العمل الصالح على الإيمان يسمّى احتراسا. انظر الآية رقم [٢٧٧] من سورة (البقرة). ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ:﴾ يعطيهم ثواب أعمالهم الصالحة كاملا غير منقوص في الدنيا بالنّصر، والظفر، وفي الآخرة في الجنات العالية، والنعيم المقيم. ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي: يسخط، ولا يرحم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وارتكاب المعاصي، والمنكرات، هذا وعدم محبّة الله كناية عن البغض، والسخط، والغضب، والطرد من رحمته ورضوانه. ومحبته للعبد رضاه عنه، وغفر ذنوبه، وستر عيوبه. تنبيه: لمّا ذكر الله في الآية السابقة الكافرين، وما أعدّ لهم من العذاب الشديد، والعقاب الأليم؛ ذكر في هذه الآية المؤمنين الصادقين، وما أعدّ لهم من النعيم المقيم في جنات النعيم.

стр. 815

وتلك سنة الله في كتابه الكريم، حيث اقتضت حكمته تعالى، ورحمته، فلا يذكر التصديق من المؤمنين؛ إلا ويذكر التكذيب من الكافرين، ولا يذكر الإيمان؛ إلا ويذكر الكفر، ولا يذكر الجنّة؛ إلا ويذكر النار، ولا يذكر الرحمة؛ إلا ويذكر الغضب، والسّخط؛ ليكون المؤمن راغبا راهبا، راجيا خائفا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه. الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿الصّالِحاتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿فَيُوَفِّيهِمْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب (﴿أَمَّا﴾). (يوفيهم): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) تقديره: هو، والهاء مفعول به أول. ﴿أُجُورَهُمْ:﴾ مفعول به ثان، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ﴾ أو هي في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: فهو يوفيهم، والجملة الاسمية في محل رفع خبره، والجملة الاسمية: ﴿الَّذِينَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿اللهُ﴾). ﴿الظّالِمِينَ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ وإن اعتبرتها في محل نصب حال من الفاعل المستتر بالفعل (يوفيهم) على تأويلها بظرف؛ ويكون المعنى: فيوفيهم أجورهم وقت كون الله لا يحبّ الظالمين، والرابط: الواو فقط، ومثل هذه الآية قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٨٤٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -وهاكه: [الطويل] وقد أغتدي والطّير في وكناتها... بمنجرد قيد الأوابد هيكل والآية الكريمة، والبيت مثل قوله تعالى في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾. ﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ الشرح: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما ذكر من خبر عيسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ:﴾ نقرؤه، ونقصّه. والخطاب لسيد الخلق محمّد ﷺ . ﴿مِنَ الْآياتِ﴾ أي: آيات القرآن. وقيل: المراد بالآيات: المعجزات، والعلامات الدّالة على صدقك، ونبوّتك يا محمد! لأنها أخبار، لا يعلمها إلا من يقرأ، أو يكتب، أو نبيّ يوحى إليه، وأنت أميّ لا تقرأ، ولا تكتب، فثبت: أنّ ذلك من الوحي السّماويّ؛ الذي أنزل عليك. انتهى خازن. ﴿وَالذِّكْرِ:﴾ القرآن. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ المحكم؛ أي: لا خلل فيه، ولا تناقض. وقيل: ذو الحكمة. وقيل: الحاكم. أو: وصفه الله بالحكيم؛ لاشتماله على الحكم، أو: لأنه كلام حكيم، أو:

стр. 816

محكمة آياته، لم ينسخ منها شيء. وقيل: ﴿الْحَكِيمِ﴾ بمعنى المحكوم فيه؛ أي: حكم الله فيه بالعدل، والإحسان، وبالنّهي عن الفحشاء، والمنكر، وبالجنّة لمن أطاعه، وبالنّار لمن عصاه. الإعراب: ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿نَتْلُوهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ. ﴿مِنَ الْآياتِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الضمير المنصوب، والعامل الفعل، كما يجوز أن يكونا متعلّقين بخبر ثان للمبتدإ محذوف، كما جوز اعتبار ذلك خبرا لمبتدإ محذوف، التقدير: الأمر ذلك. وفيه ضعف ظاهر، وعلى جميع الاعتبارات؛ فالجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَالذِّكْرِ:﴾ معطوف على: ﴿الْآياتِ﴾. ﴿الْحَكِيمِ:﴾ صفته. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى..﴾. إلخ أي: شأن عيسى الغريب، وحاله العجيب كشأن آدم، وحاله، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب، والعجيب بالأعجب؛ ليكون أوقع في النفس، وأقطع للخصم، وأفحم له، وإن كان بين آدم، وعيسى-على نبينا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام- فرق كبير. بعد أن يجتمعا في وصف واحد، فإنّ آدم خلق من تراب، ولم يخلق عيسى من تراب، فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما: أنّهما خلقا من غير أب. ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ:﴾ صوّر جسمه من طين لازب مأخوذ من التراب. هذا؛ وقال تعالى في سورة (مريم): ﴿ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ثم قال له: كن فيكون: أي: أحدث، فيحدث، فهو حكاية حال ماضية، أي: فكان بشرا سويّا، قال الشاعر: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنّما... يقول له كن قولة فيكون هذا؛ و ﴿آدَمَ﴾ أصله: أأدم بهمزتين، انظر: (آل) في الآية رقم [١١] فهو مثله في إعلاله. تنبيه: ذكرت لك في أوّل هذه السورة: أنّ وفد نجران، قدموا على النبيّ ﷺ ، فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا، وتسبّه؟ فقال: من هو؟ قالوا: عيسى! تزعم: أنه عبد الله، قال: أجل! إنّه عبد الله! فقالوا: هل رأيت له مثلا خلق من غير أب؟! ومن لا أب له؛ فهو ابن الله. ثمّ خرجوا من عنده، فجاءه جبريل، ﵇، فقال له: قل لهم إذا أتوك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ..﴾. إلخ. والمعنى: أنّ من لم يقرّ بأنّ الله تعالى خلق عيسى من غير أب، مع اعترافه بخلق آدم من غير أب خارج عن طور العقلاء. انتهى خازن، وغيره.

стр. 817

روي: أنّ بعض العلماء أسر عند الروم، فقال لهم: لم تعبدون عيسى؟ قالوا: لأنه لا أب له، فقال لهم: آدم أولى؛ لا أب له، ولا أم، فقالوا: كان عيسى يحيي الموتى، فقال: حزقيل أولى؛ لأنّ عيسى أحيا أربعة نفر، وحزقيل أحيا ثمانية آلاف، فقالوا: إنه كان يبرئ الأكمه، والأبرص، فقال: جرجيس أولى؛ لأنه طبخ، وأحرق، ثمّ خرج سالما. انتهى نقلا من السّمين. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿مَثَلَ:﴾ اسمها. و ﴿عِيسى:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بمحذوف في محلّ رفع خبر أول، وهو ممهّد للثّاني، ولا تتمّ الفائدة به. و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف. و ﴿اللهِ:﴾ مضاف إليه، ﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ثان ل ﴿إِنَّ﴾ وهو الذي تمت به الفائدة، و (مثل): مضاف، و ﴿آدَمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ مَثَلَ:﴾ مستأنفة لا محل لها. ﴿خَلَقَهُ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آدَمَ﴾ والرابط: الضمير فقط، وهي على تقدير «قد» قبلها. وقيل: مفسرة ل (مثل آدم) وقيل: مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ:﴾ انظر إعراب هذا الكلام في الآية رقم [٤٧] والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها صناعة؛ لأنّ ﴿ثُمَّ﴾ هنا لترتيب الخبر، لا لترتيب المخبر عنه؛ لأنّ قوله: ﴿كُنْ﴾ لم يتأخر عن خلقه، وإنما هو في المعنى تفسير لمعنى الخلق، وقد جاءت: ﴿ثُمَّ﴾ غير مفيدة بترتيب المخبر عنه. انتهى عكبري باختصار. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ الشرح: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ؛ أي: ما ذكر في عيسى هو القول الحق؛ الذي لا محيد عنه، ولا مقبول سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟! لا ما يدعيه النّصارى من أنّ عيسى-﵇-ابن الله، أو هو الإله، كما يقول بعضهم: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ الشّاكّين في الذي أنت عليه، وهذا على سبيل الفرض، والتقدير؛ لأنّه من المحال أن يشكّ النبي ﷺ فيما أنزل إليه من ربّه. هذا؛ وقيل: الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد أمّته؛ لأن النهي المذكور محال في حقّه ﷺ . وحاصل الجواب: أنّ متعلّق الامتراء هو علم أهل الكتاب بحقيّة القرآن، وهو أحد الأجوبة في الكشاف. والثاني: أنّه من باب التهيّج، والتّحريض لزيادة الثبات على ما ورد في شأن عيسى، ﵇، والوقوف عنده، وهو لكلّ سامع من أمّة محمّد ﷺ بأنّ عيسى عبد الله، ورسوله، لا ابنه، كما زعمت النّصارى. بعد هذا؛ فالامتراء: الشّكّ، ومنه المراء، والتّماري، والمماراة؛ لأنّ كلّ واحد من المتخاصمين يشكّ في قول صاحبه، وما ذكر يكون بمعنى الجدال، كما في قوله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (الكهف): ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاّ مِراءً﴾

стр. 818

ظاهِراً... إلخ. بعد هذا فالآية مذكورة في سورة (البقرة) برقم [١٤٧] وهناك ذكرت بشأن مماراة اليهود النبيّ ﷺ في استقبال بيت المقدس في الصّلاة. الإعراب: ﴿الْحَقُّ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكَ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبره، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. هذا؛ وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو الحق، فيكون الجار، والمجرور متعلقين بمحذوف حال من: ﴿الْحَقُّ﴾ أو بمحذوف خبر ثان للمبتدإ المقدّر، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿فَلا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (لا): ناهية. ﴿تَكُنْ:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم، واسمه مستتر فيه، تقديره: أنت. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جواب للشرط المقدّر، التقدير: وإذا كان ما ذكر واقعا، وحاصلا؛ فلا تكن... إلخ، والجملة الشرطية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١)﴾ الشرح: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ:﴾ جادلك، وخاصمك. والمحاجّة: المجادلة. والخطاب للنبي ﷺ . ﴿فِيهِ:﴾ في شأن عيسى، ﵇. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: من البينات الموجبة للعلم بأنّ عيسى عبد الله، ورسوله. ﴿فَقُلْ تَعالَوْا:﴾ هلموا، وأقبلوا. والمراد: المجيء بالعزم، والرأي. ﴿نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ:﴾ فيه دليل على أن أبناء البنات يسمّون: أبناء، كيف لا؟! وقد قال الرسول ﷺ : «كلّ نبيّ أبناؤه من صلبه، وأبنائي من صلب عليّ». ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ:﴾ ندعو، ونتضرّع. والابتهال: التضرّع، والدعاء، مأخوذ من «البهلة» بفتح الباء، وضمها، وهي: اللعنة. هذا أصله، ثم استعمل في كلّ دعاء مجتهد فيه؛ وإن لم يكن التعانا. قال لبيد-﵁: [الرمل] في كهول سادة من قومه... نظر الدّهر إليهم فابتهل أي: اجتهد الدّهر في هلاكهم. ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ أي: نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى. روي: أنّ النبي ﷺ لمّا دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتّى ننظر في أمرنا، فلمّا تخالفوا؛ قالوا للعاقب-وكان صاحب رأيهم-: ماذا ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوّة محمد! ولقد جاءكم بالفصل في أمر عيسى، والله ما باهل قوم نبيّا قطّ إلا هلكوا! فإن أبيتم إلا إلف دينكم؛ فوادعوا الرّجل، وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله ﷺ ، وقد غدا محتضنا للحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ-﵁-يمشي خلفها، وهو يقول: «إذا أنا دعوت؛ فأمّنوا». فقال أسقفهم: يا معشر النّصارى! إني لأرى وجوها. لو سألوا

стр. 819

الله أن يزيل جبلا من مكانه؛ لأزاله، فلا تباهلوا؛ فتهلكوا! فأذعنوا لرسول الله ﷺ ، وبذلوا الجزية ألفي حلة حمراء، وثلاثين درعا من حديد كلّ عام، فقال النبي ﷺ : «والّذي نفسي بيده لو باهلوا؛ لمسخوا قردة، وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران، وأهله؛ حتّى الطّير على الشّجر!» وهو دليل على نبوّته، وفضل من أتى بهم من أهل بيته. انتهى بيضاوي، وغيره. وفي الآية رقم [٩٥] من سورة (البقرة) ما يشبه هذا مع اليهود. روي: أنهم قالوا للنّبي ﷺ : ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا! فقال رسول الله ﷺ : «ائتوني العشيّة؛ أبعث معكم القويّ الأمين». فكان عمر-﵁-يقول: ما أحببت الإمارة قطّ حبّي إيّاها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجّرا، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر؛ سلم، ثم نظر عن يمينه، وشماله. فجعلت أتطاول له؛ ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره؛ حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: «اخرج معهم، فاقض بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه». قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة-﵁. تنبيه: وإنما خص الله الأبناء، والنساء بالذّكر؛ لأنهم أعزّ الأهل، وإنما قدمهم في الذكر على النفس لينبه بذلك على لطف مكانهم، وقرب منزلتهم، ولأنّ الرّجل يخاطر بنفسه في سبيلهم، ويحارب دونهم. وينبغي أن تعلم: أن وفودهم على النبي ﷺ كان سنة تسع من الهجرة؛ لأنّ الزّهري قال: كان أهل نجران أول من أدّى الجزية إلى رسول الله ﷺ . وآية الجزية الموجودة في سورة (التوبة) رقم [٣٠] إنما نزلت بعد الفتح. هذا؛ و (نساء) اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ لأنّ مفرده: امرأة، وجمعها في القلّة: نسوة، وفي الكثرة: نساء، وتجمع أيضا على: نسوان، ونسون، ونسنين. وهذه الجموع كلها مأخوذة من النسيان؛ الذي شرحته مرارا، فهي مطبوعة عليه، إما إهمالا، وإما كذبا، ويقال لكل هذه الجموع: اسم جمع لا واحد له من لفظه، أمّا المرأة؛ فهي مأخوذة من المرء، وهو الرجل، فلذا سميت بذلك، والأم حواء-عليها ألف صلاة، وألف سلام-سميت بذلك؛ لأنها مأخوذة من: حي، وهو: آدم، ﵇. هذا؛ و (أبناء) أصله: أبناو، وهو جمع: ابن، وأصله: بنو. و (نساء) أصله: نساي. وأيضا: آباء أصله: أباو؛ لأنه جمع: أب، وأصله: أبو، فقل في الثلاثة: تحركت الواو والياء، وانفتح ما قبلهما، فقلبتا ألفا، ولم يعتدّ بالألف الزائدة؛ لأنها حاجز غير حصين، فالتقى ساكنان، الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية همزة. هذا؛ ولقد سئلت عمّا يلي: همزة المصدر: استغفار، ونحوه همزة وصل، فإذا جمعت: استغفارات، ونحوه تبقى الهمزة همزة وصل، وهمزة ابن همزة وصل أيضا، فلما جمع أبناء صارت الهمزة همزة قطع، فما الفرق بينهما؟ والجواب: أنّ همزة المصدر أصلية، وأما همزة

стр. 820

ابن؛ فليست أصلية، إذ أصله: بنو، كما رأيت، فالهمزة فيه بدل من حرف علة أصلي، فلما جمع؛ جمع على: أبناء، فهذه الهمزة همزة أفعال، وليست همزة ابن كما قد يتوهم. هذا؛ وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يجعل اللعنة على الكاذبين، ولقد كرر الله لعن الكافرين في الآية رقم [١٥٩] من سورة (البقرة) كما لعن الظالمين، والفاسقين، والناقضين للعهد في آيات متفرقة، وهو دليل قاطع على أن من مات على كفره؛ فقد استحق اللعن من الله، والملائكة، والناس أجمعين، وأما الأحياء من الكفار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معين؛ لأن حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان، وقد قيّد الله في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر. ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معين من الكفار، بدليل قتاله، وهو الصّحيح، كيف لا؟! وقد لعن حسّان بن ثابت-﵁-أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . خذ قوله: [الكامل] لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي، وغيرهم؛ الذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبي ﷺ : ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك! فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال له الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: «إنّي أعطيتهم الأمان» فقال الفاروق: اخرجوا في لعنة الله، وغضبه. ولم ينكر عليه النّبيّ ﷺ ذلك. كيف لا؛ وآية (النور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين؟! وأمّا العصاة من المسلمين فلا يجوز لعن واحد منهم على التّعيين قطعا، وأما على الإطلاق؛ فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات، والفاسدين، والفاسدات، والخبيثين، والخبيثات... إلخ؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ ، قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة، والحبل، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ : «الواشمة، والمستوشمة، وآكل الرّبا، ولعن من غيّر منار الأرض، ومن انتسب إلى غير أبيه، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن أتى امرأة في دبرها، وغير ذلك». وكل ذلك في الصّحيح من الأحاديث، وخذ ما يلي: عن أبي الدرداء-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ العبد إذا لعن شيئا؛ صعدت اللعنة إلى السّماء، فتغلق أبواب السّماء دونها، ثمّ تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثمّ تأخذ يمينا، وشمالا، فإن لم تجد مساغا؛ رجعت إلى الّذي لعن، فإن كان أهلا، وإلاّ؛ رجعت إلى قائلها». رواه أبو داود.

стр. 821

هذا، وأما (النّفس) فإنها تجمع في القلة: أنفس، وفي الكثرة: نفوس. والنفس تؤنث باعتبار الروح، وتذكّر باعتبار الشّخص؛ أي: فإنها تطلق على الذات أيضا-كما في هذه الآية- سواء أكان ذكرا، أم أنثى؟ فعلى الأول قيل: هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب، فتكون سارية في جميع البدن، قال الجنيد-رحمه الله تعالى-: الروح شيء استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي..﴾. إلخ. وقال بعضهم: إنّ هناك لطيفة ربانية، لا يعلمها إلا الله تعالى، فمن حيث تنكّرها تسمى عقلا، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى روحا، ومن حيث شهوتها تسمى نفسا. فالثلاثة متّحدة بالذّات، مختلفة بالاعتبار. وهذا ما تدل عليه الآثار الصّحاح. هذا؛ ومن الدليل على أن النّفس هي الروح قوله تعالى في سورة (الزّمر) رقم [٤٢]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ يريد الأرواح، وذلك بيّن في قول بلال-﵁-للنبي ﷺ في حديث ابن شهاب: «أخذ بنفسي يا رسول الله الّذي أخذ بنفسك». وهذا كان في الوادي الذي ناموا فيه عن صلاة الصبح؛ حتى طلعت الشمس، وهم قافلون من غزو تبوك. والنفس أيضا: الدم، يقال: سالت نفسه. قال الشاعر: [الطويل] تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا... وليست على غير الظّبات تسيل وقال إبراهيم النّخعي-رحمه الله تعالى، وهو المقرر في الفقه-: «ما ليس له نفس سائلة؛ فإنّه لا ينجس الماء إذا مات فيه». والنفس أيضا، الجسد، قال الشاعر: [الكامل] نبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا... أبياتهم تامور نفس المنذر والتامور أيضا: الدم. هذا؛ وقد ذكر القرآن الكريم: أنّ للنفس خمس مراتب: الأمّارة بالسوء، واللّوامة، والمطمئنة، والراضية، والمرضية. ويزاد: الملهمة، والكاملة. فالأمّارة: هي التي تأمر صاحبها بالسوء، ولا تأمر بالخير إلا نادرا، وهي مقهورة، ومحكومة للشّهوات. وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية، وأذعنت لاتباع الحق، لكن بقي فيها للشهوات سميت: لوامة. وإن زال عنها هذا الميل، وقدرت على معارضة الشهوات، وزاد ميلها إلى عالم القدس، وتلقّت الإلهامات؛ سميت: ملهمة. فإن سكن اضطرابها، ولم يبق للنفس الشّهوانية حكم أصلا؛ سميت مطمئنة، فإن ترقّت من هذا، وأسقطت المقامات من عينها، وفنيت من جميع مراداتها؛ سميت راضية. فإن زاد هذا الحال عليها؛ صارت مرضيّة عند الحق، وعند الخلق. فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم، وتكميلهم؛ سمّيت: كاملة. فالنفس لها سبع طبقات، ولها سبع درجات، كما ذكرت، وقدّمت. وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي-رحمه الله تعالى-: وفي الخبر عن النبي ﷺ : أنه قال: «ما تقولون في صاحب لكم، إن أكرمتموه، وأطعتموه، وكسوتموه؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية. وإن

стр. 822

أهنتموه، وأعريتموه، وأجعتموه؛ أفضى بكم إلى خير غاية؟» قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب، قال: «فو الّذي نفسي بيده، إنّها لنفوسكم الّتي بين جنوبكم». انتهى. الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿حَاجَّكَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، والكاف مفعول به. ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف. و ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿جاءَكَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿ما﴾ وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها. ﴿مِنَ الْعِلْمِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر العائد على: ﴿ما﴾ و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، هذا ويجوز على مذهب الأخفش اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية. فيكون فاعل (جاء) ﴿الْعِلْمِ﴾ و ﴿مِنْ﴾ مزيدة على مذهبه، وبعد سبك المصدر من: ﴿ما﴾ والفعل: (جاء) يكون التقدير: من بعد مجيء العلم لك. ﴿فَقُلْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قل): فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت» ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿نَدْعُ:﴾ فعل مضارع مجزوم لوقوعه جوابا للأمر، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الواو، والضمة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملتان في محل نصب مقول القول، وجملة: (قل...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لا تحلّ محلّ المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط. وقيل: جملة الجواب. وقيل: الجملتان، وهو المرجّح عند المعاصرين، والجملة الاسمية ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿أَبْناءَنا:﴾ مفعول به، وما بعده معطوف عليه، و (نا) والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿نَبْتَهِلْ:﴾ فعل مضارع معطوف على: ﴿نَدْعُ﴾ مجزوم مثله. ﴿فَنَجْعَلْ:﴾ معطوف عليه أيضا، وفاعلهما مستتر وجوبا تقديره: نحن. ﴿لَعْنَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَى الْكاذِبِينَ:﴾ متعلقان بالفعل (نجعل) وهما في محل نصب مفعوله الثاني، وهو قول أبي البقاء، وأرى: أنّه لا بأس بتعليقهما ب ﴿لَعْنَتَ﴾. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ؛ أي: ما قصّ الله علينا من خبر عيسى، ومريم هو الحقّ، دون ما يذكره النّصارى من أنّه الله، أو ابن الله. تعالى الله عمّا يقولون، ويكذّبون علوّا كبيرا! هذا؛

стр. 823

و ﴿الْقَصَصُ﴾ مصدر: قصّ فلان الحديث، يقصّه قصّا، وقصصا، وأصله: تتبع الأثر. فلان خرج يقصّ أثر فلان؛ أي: يتتبّعه؛ ليعرف أين ذهب، ومنه قوله تعالى في سورة (القصص): ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي: اتبعي أثره. ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ:﴾ فيه إثبات الإلهيّة لله وحده. وفيه ردّ على النصارى، وعلى المشركين؛ الذين يزعمون إلهية غير الله. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ:﴾ القوي، الغالب، المنتقم ممن عصاه، وخالف أمره، وادّعى معه إلها آخر. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قضائه، وتدبيره، يضع الأمور مواضعها. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب اسمها، والهاء حرف تنبيه، لا محل له. ﴿لَهُوَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (هو): ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الْقَصَصُ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ أو هو ضمير فصل لا محل له، و ﴿الْقَصَصُ﴾ خبر: ﴿إِنَّ﴾ ودخلت اللام على ضمير الفصل؛ لأنه إذا جاز أن تدخل على الخبر، فدخولها على ضمير الفصل أولى؛ لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. ﴿الْحَقُّ:﴾ صفة: ﴿الْقَصَصُ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ هذا..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿إِلهٍ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهُ:﴾ خبر المبتدأ. وقيل: خبر المبتدأ محذوف، التقدير: وما إله لنا، و ﴿اللهُ﴾ بدل من محل: ﴿إِلهٍ﴾ وفيه ضعف، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، أو هي معترضة بين الجملتين المتعاطفتين. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ الشرح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عن الإيمان، واتباع ما جئت به يا محمد. وانظر الآية رقم [٢٣]. ﴿فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غيره. ففيه تهديد، ووعيد لهم. ووضع المظهر: ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ موضع المضمر: «بهم» ليدل على أن التولّي عن الحجج، والإعراض عن التوحيد إفساد للدين، والاعتقاد المؤدّي إلى فساد النفس، بل إلى فساد العالم. انتهى بيضاوي. الإعراب: ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها

стр. 824

ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِالْمُفْسِدِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، و (إنّ) ومدخولها كلام مستأنف، لا محل له. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق محمد ﷺ . ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ المراد بهذا النداء: اليهود، والنصارى، فقد قال المفسرون: لمّا قدم وفد نجران المدينة؛ اجتمعوا مع اليهود عند النبي ﷺ واختصموا في إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-فزعمت النّصارى: أنه كان نصرانيّا، وهم على دينه، وهم أولى النّاس به. وزعمت اليهود: إنه كان يهوديّا، وهم على دينه، وأولى الناس به. فقال رسول الله ﷺ : كلا الفريقين بريء من إبراهيم، ودينه، بل كان حنيفا مسلما؛ وأنا على دينه، فاتّبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: ما تريد إلا أن نتّخذك ربّا، كما اتخذت النّصارى عيسى ربّا. وقالت النصارى: ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير. فأنزل الله : ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا..﴾. إلخ. ﴿إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أي: فيها عدل، وإنصاف، لا ميل فيها، ولا انحراف. قال زهير: [الوافر] أروني خطّة لا ضيم فيها... يسوّى بيننا فيها السّواء وقال تعالى في سورة (الأنفال) رقم [٥٨]: ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ..﴾. إلخ. هذا؛ ووصفت: ﴿كَلِمَةٍ﴾ ب ﴿سَواءٍ﴾ لأنه يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. هذا؛ و (بين) ظرف مكان بمعنى وسط بسكون السين، تقول: جلس بين القوم، كما تقول: جلس وسط القوم، ولا يضاف إلا لمتعدد، سواء أكان تعدده بسبب التثنية، أو الجمع، أم كان تعدده بسبب العطف، فمثال الأول: جلست بين الزيدين، وجلست بين الأدباء، وفي الآية أضيف إلى الضميرين، وهما بمعنى الجمع، كما ترى. هذا؛ والبين: الفراق، والبعاد. وهو أيضا: الوصل، فهو من الأضداد، كالجون يطلق على الأسود، والأبيض. وقرئ قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩٤]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بفتح النون، وضمها، وفسر بالمعنيين: الفراق، والوصل. ومن استعماله بمعنى الفراق، والبعاد قول كعب بن زهير ﵁-وهو الشاهد رقم [٨٠٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]

стр. 825

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا... إلاّ أغنّ غضيض الطّرف مكحول ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ:﴾ نوحده بالعبادة، ونخصه فيها. ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ أي: لا نجعل له شريكا في العبادة، ولا نرى شيئا في الوجود أهلا لأن يعبد. ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وذلك: أنّ النّصارى عبدوا غير الله، وهو المسيح، وأشركوا به، وهو قولهم: أب، وابن، وروح القدس، فجعلوا الواحد ثلاثة، واتّخذوا أحبارهم، ورهبانهم أربابا من دون الله، وذلك: أنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الشّرك. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا:﴾ أعرضوا عمّا دعوتهم إليه، وأمرتهم به. ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: مخلصون التوحيد لله وحده. والخطاب للنبي ﷺ ، ولأصحابه. وخذ ما يلي: فقد روى الترمذيّ، وأحمد عن عديّ بن حاتم-﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: «يا عديّ! اطرح عنك هذا الوثن» فطرحته، وسمعته يقرأ في سورة (براءة): ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ حتى فرغ، فقلت: يا رسول الله! إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليسوا يحرّمون ما أحلّ الله، فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله، فتستحلّونه؟» قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» قال عبد الله بن المبارك-رحمه الله تعالى-: [الوافر] وهل بدّل الدّين إلاّ الملو... ك وأحبار سوء ورهبانها؟ لذا فإن كل إنسان يتّبع إنسانا آخر في كلّ زمان، ومكان في تحليل، أو تحريم ما لم يأذن به الله كمن اتخذه ربّا. هذا؛ ولا تنس: أن النبي ﷺ أرسل إلى الملوك في السنة السادسة بعد الهجرة بعد غزوة الحديبية، ودعاهم إلى الإسلام، وفي كتابه إلى هرقل ما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم؛ تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، وإنّ تولّيت؛ فإنّ عليك إثم الأريسيّين». ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ..﴾. إلخ. وخذ ما يلي: قال ابن هشام-رحمه الله تعالى-في قطر الندى: وأمّا: «هات» و «تعال» فعدّهما جماعة من النحويين في أسماء الأفعال، والصّواب: أنهما فعلا أمر، بدليل: أنّهما دالان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة، فتقول: هاتي، وتعالي. واعلم: أنّ آخر «هات» مكسور أبدا، إلا إذا كان لجماعة المذكرين؛ فإنه يضم، فتقول: هات يا زيد، وهاتي يا هند، وهاتيا يا زيدان، وهاتيا يا هندان، وهاتين يا هندات، كلّ ذلك بكسر التاء، وتقول: هاتوا يا قوم بضمّها. قال تعالى في كثير من الآيات: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. وأنّ آخر «تعال» مفتوح في جميع أحواله من غير استثناء، تقول: تعال يا زيد، وتعالي يا هند، وتعاليا يا زيدان، وتعاليا يا هندان، وتعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات، كل ذلك بالفتح. قال تعالى في سورة

стр. 826

(الأنعام): ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ..﴾. إلخ، وقال الله جلّ ذكره في سورة (الأحزاب): ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾. ومن ثمّ لحّنوا أبا فراس الحمداني في قوله: [الطويل] أيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا... تعالي أقاسمك الهموم تعالي وأقول: إنّ الفعلين (هات، وتعال) ملازمان للأمرية، فلا يأتي منهما مضارع ولا ماض، وهما بمعنى: (أحضروا، أو: احضروا) فالأول متعد، وهو من الرّباعي، والثاني لازم، وهو من الثلاثي، وأما تعالى، يتعالى، فهما بمعنى: تعاظم، يتعاظم، أو بمعنى: يتنزه. وقل في إعلال تعالوا: أصله: تعالووا، ثم تعاليوا، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وبقيت الواو؛ لأنها ضمير، وبقيت الفتحة على اللام لتدلّ على الألف المحذوفة. الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. (يا): أداة نداء، تنوب مناب أدعو. (أهل): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿تَعالَوْا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلى كَلِمَةٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، ولم يذكر مثلهما في الآية رقم [٦١] لأنّ المقصود هناك مجرد الإقبال، ويجوز أن يكون حذفه للدلالة عليه، تقديره: تعالوا إلى المباهلة. انتهى جمل نقلا عن السّمين. ﴿سَواءٍ:﴾ صفة ﴿كَلِمَةٍ﴾. ﴿بَيْنَنا:﴾ ظرف مكان متعلّق بسواء، و (نا) في محل جر بالإضافة. (﴿بَيْنَكُمْ﴾): ظرف معطوف على ما قبله، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿أَلاّ:﴾ (أن): حرف مصدري، ونصب. (لا): نافية. ﴿نَعْبُدَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (أن)، والفاعل تقديره: نحن. ﴿أَلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والمصدر المؤول من: ﴿أَلاّ نَعْبُدَ﴾ تفسر ل ﴿كَلِمَةٍ﴾ أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي عدم عبادتنا لغير الله. هذا؛ وأجاز مكي اعتبار (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة الفعلية بعدها خبرها، ويقال في المصدر المؤول منها، واسمها، وخبرها ما قيل في المصدر السابق. ﴿نُشْرِكَ﴾ و ﴿يَتَّخِذَ﴾ معطوفان على: ﴿نَعْبُدَ﴾ وهما شريكان له في النصب، والتأويل. ﴿بَعْضُنا:﴾ فاعل ﴿يَتَّخِذَ﴾. ﴿بَعْضاً﴾ مفعول به أول. ﴿أَرْباباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿يَتَّخِذَ﴾ أو هما متعلقان ب ﴿أَرْباباً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا﴾ انظر الآية السابقة. ﴿اِشْهَدُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِأَنّا:﴾ الباء: حرف جر. (أنّا): حرف مشبه. و (نا) اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر: (أنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو، و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿اِشْهَدُوا﴾ والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: (قولوا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها... إلخ. ﴿فَإِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له، ورجّحه ابن هشام في المغني.

стр. 827

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ..﴾. إلخ: قال الزجاج رحمه الله تعالى: هذا الآية: أبين حجة على اليهود، والنصارى: إذا التوراة، والإنجيل أنزلا من بعده، وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كلّ كتاب؛ فكيف يكون يهوديّا، أو نصرانيّا، واليهودية، والنصرانية إنما حدثتا بعد إبراهيم بزمن طويل؟! ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تفهمون بطلان قولكم، ودحوض حجتكم يا معشر اليهود، والنصارى؛ حتى لا تجادلوا هذا الجدال المحال. هذا؛ و (﴿أَهْلَ﴾): اسم جمع لا واحد له من لفظه، مثل: معشر، ورهط. والأهل: العشيرة وذو القربى، ويطلق على الزوجة، والأتباع، والجمع: أهلون، وأهال، وآهال، وأهلات، وأهلات. وبالأوّلين قرئ قوله تعالى في سورة (التّحريم): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾. ﴿لِمَ:﴾ كلمة مؤلفة من حرف، واسم، فالحرف: اللام الجارة، والاسم: (﴿ما﴾) الاستفهامية. وقد حذفت ألفها، كما تحذف مع كلّ جار، نحو قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها،﴾ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ،﴾ ﴿*عَمَّ يَتَساءَلُونَ،﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ،﴾ وذلك للفرق بين الموصولة، والاستفهامية، ويقال: للفرق بين الخبر، والاستخبار. ومن شواهدها الشعرية قول الكميت وهو الشاهد رقم [٥٥٤] من كتابنا فتح القريب المجيب: [الطويل] فتلك ولاة السّوء قد طال مكثهم... فحتّام حتّام العناء المطوّل؟ وأيضا عمر بن معد يكرب-﵁-وهو الشاهد رقم [٢٥٠] من كتابنا المذكور: [الطويل] علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت وقد ثبتت ألفها مع دخول الجار عليها في ضرورة الشّعر، ومنه قول حسان بن ثابت-﵁-يهجو رجلا من بني مخزوم، وهو الشاهد رقم [٥٥٦] من الكتاب المذكور: [الوافر] على ما قام يشتمني لئيم... كخنزير تمرّغ في دمان الإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ انظر الآية السابقة، والجملة الندائية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل بعدهما، وعلامة الجر الكسرة المقدرة على الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار. ﴿تُحَاجُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون،

стр. 828

والواو فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها، كالجملة الندائية قبلها. ﴿فِي إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال، (﴿ما﴾): نافية. ﴿أُنْزِلَتِ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. ﴿التَّوْراةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والرابط: الواو، والضمير المجرور محلاّ بالإضافة الآتي. ﴿وَالْإِنْجِيلُ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ بَعْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُنْزِلَتِ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿أَفَلا:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقريع، وتأنيب، والفاء: حرف استئناف، أو حرف عطف. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة، التقدير: اطبع على قلوبكم، فلا تعقلون؟! والكلام كله معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ الشرح: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ:﴾ المراد بهم أهل الكتابين. يعني: يا معشر اليهود، والنصارى! ﴿حاجَجْتُمْ:﴾ جادلتم، وخاصمتم. ﴿فِيما لَكُمْ بِهِ﴾ يعني: فيما وجدتم في كتبكم، وأنزل الله عليكم بيانه في أمر عيسى، وموسى، ﵉، وادعيتم: أنكم على دينهما، وقد أنزل الله عليهما التوراة، والإنجيل؛ لتعملوا فيهما. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ..﴾. إلخ؛ أي: فلم تجادلون، وتخاصمون في شيء لا علم لكم به، وهو دعواكم: أنّ إبراهيم كان يهوديّا، أو نصرانيّا؛ لأنه لا ذكر لذلك في التوراة، والإنجيل. ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ:﴾ ما كان عليه إبراهيم-﵇-من الدين، والشريعة. ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ:﴾ شيئا من شأن إبراهيم، وما كان عليه من الدين والشريعة. الإعراب: (ها): حرف تنبيه لا محل له. (أنتم): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿هؤُلاءِ:﴾ الهاء: حرف تنبيه أيضا. (أولاء): اسم إشارة، مبني على الكسر في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها. ﴿حاجَجْتُمْ﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، مقرّرة لما قبلها. هذا؛ ويعتبر الكوفيون: ﴿هؤُلاءِ﴾ اسما موصولا خبر المبتدأ، والجملة الفعلية صلة له، لا محلّ لها. ولم يجزه البصريّون؛ لأن: ﴿هؤُلاءِ﴾ اسم إشارة، ولا يكون بمعنى «الذين». هذا وجه للإعراب. الوجه الثاني: اعتبار الضمير مبتدأ، والجملة الفعلية خبره، و ﴿هؤُلاءِ﴾ منادى بأداة نداء محذوفة، والجملة الندائية معترضة بين المبتدأ، والخبر. وهذا عند الكوفيين، واستدلوا بقول ذي الرّمّة-وهو الشاهد رقم [١٠٩٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل] إذا هملت عيني لها قال صاحبي... بمثلك-هذا-لوعة وغرام

стр. 829

فإنه أراد: (يا هذا). والبصريّون يعتبرون حذف حرف النداء من اسمي الجنس، والإشارة شاذّا، وابن هشام يقول بقولهم، أمّا ابن مالك، فلم يعتبره شاذّا؛ لوروده في الشعر العربي، وخذ قوله: [الرجز] وغير مندوب ومضمر وما... جا مستغاثا قد يعرّى فاعلما وذاك في اسم الجنس والمشار له... قلّ ومن يمنعه فانصر عاذله الوجه الثالث: اعتبار: ﴿هؤُلاءِ﴾ مفعولا به لفعل محذوف، التقدير: أعني هؤلاء، والجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ، والخبر. الوجه الرابع: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ:﴾ مبتدأ، وخبر على تقدير مضاف محذوف، التقدير: ها أنتم مثل هؤلاء، كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، فعلى هذا جملة: ﴿حاجَجْتُمْ﴾ في محل نصب حال من ﴿هؤُلاءِ،﴾ والعامل في الحال معنى التشبيه. الوجه الخامس: اعتبار ﴿هؤُلاءِ﴾ مبتدأ ثانيا، والجملة الفعلية خبره، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وهو الضمير. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، فهي مبنية على السكون في محل جر. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من: ﴿عِلْمٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة المعروفة: «نعت النكرة... إلخ». وهذا قول أبي البقاء، وسليمان الجمل، وهذا ضعيف؛ لأنّ كثيرا من النّحاة لا يجيزون مجيء الحال من المبتدأ، والأولى تعليقهما بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿عِلْمٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ:﴾ صلة (ما) أو صفتها، والعائد أو الرابط الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ:﴾ انظر الآية السابقة. فهي مثلها في إعرابها، والفاء تحتمل أن تكون حرف استئناف، وان تكون حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة، وأعتبرها في مثل ذلك الفصيحة. ﴿فِيما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليس تقدم على اسمها. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور، قل فيهما ما ذكرته فيما قبلهما. ﴿عِلْمٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، والجملة الفعلية (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾)، والمفعول محذوف للتعميم، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالباء، والرابط الواو فقط، وهي مؤولة بظرف كما رأيت في الآية رقم [٥٧]. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنتم): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية.

стр. 830

﴿تَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها. ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ الشرح: هذه الآية ردّ لما ادعى اليهود، والنصارى في شأن إبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام. ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً:﴾ مائلا عن الأديان الباطلة كلها إلى دين التوحيد. والحنيف: هو الذي يوحد، ويحجّ، ويضحّي، ويختتن، ويستقبل القبلة في صلاته، وهو أحسن الأديان، وأسهلها، وأحبّها إلى الله ، قال الشاعر المسلم: [الوافر] ولكنّا خلقنا إذ خلقنا... حنيفا ديننا عن كلّ دين ورجل حنيف: هو الذي تميل قدماه كلّ واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف بن قيس-﵁: [الرجز] والله لولا حنف برجله... ما كان في فتيانكم من مثله وقال قوم: الحنف: الاستقامة، فسمّي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته، وسمّي معوجّ الرجلين: أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للّديغ: سليم، وللمهلكة: مفازة. ﴿مُسْلِماً:﴾ موحدا، وليس المراد: أنه كان على ملة الإسلام، التي جاء بها محمد ﷺ ، ولو قلنا بذلك لردّ علينا بما رددنا به على اليهود، والنصارى من أنّ ملة الإسلام الحادثة حدثت بعد إبراهيم بزمن طويل، فكيف يكون إبراهيم عليها؟! وقل مثل ذلك في إسلام نوح، وغيره من الأنبياء من أنّ المراد بإسلامهم التوحيد. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ هذا تعريض بأنّ اليهود، والنصارى مشركون، لقولهم: عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله. وفيه أيضا ردّ على مشركي قريش في ادّعائهم: أنهم على ملة إبراهيم، وتعريض بشركتهم لعبادتهم الحجارة؛ التي لا تنفع، ولا تضرّ. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه! الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿إِبْراهِيمُ:﴾ اسمها. ﴿يَهُودِيًّا:﴾ خبرها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿نَصْرانِيًّا:﴾ معطوف على: ﴿يَهُودِيًّا﴾. ﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمُ﴾. ﴿حَنِيفاً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿مُسْلِماً:﴾ صفة: ﴿حَنِيفاً:﴾ صفة مؤكدة. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه

стр. 831

يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمُ﴾ أيضا. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ الشرح: ﴿إِنَّ أَوْلَى..﴾. إلخ؛ أي: أحقّ الناس بالانتساب إلى إبراهيم أتباعه؛ الذين سلكوا طريقه، ومنهاجه في عصره، وبعده. ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ أي: محمد ﷺ حثّ أمّته على الاقتداء به في سيرته. وأفرد ذكره تعظيما له ﷺ . وقد كان نبينا موافقا لإبراهيم في التوحيد، وفي أكثر فروع الشريعة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من أمة محمد، فهم أحق أيضا بإبراهيم. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: متولي أمورهم، وناصرهم، وحافظهم من شرّ أعدائهم. وقال ابن عباس-﵄: قال رؤساء اليهود: لقد علمت يا محمد! أنّا أولى الناس بإبراهيم منك، ومن غيرك، فإنّه كان يهوديّا، وما بك إلا الحسد لنا! فأنزل الله هذه الآية. هذا؛ وقد ذكر الخازن: أنّ سبب نزول الآية ما حدث لجعفر بن ابي طالب عند النّجاشي حين حاولت قريش ردّهم إليها. ولم يذكر ذلك غيره. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم. الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوْلَى:﴾ اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿أَوْلَى﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه. ﴿بِإِبْراهِيمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿أَوْلَى﴾ وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية والعجمة. ﴿لَلَّذِينَ:﴾ اللام هي المزحلقة. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَهذَا:﴾ الواو: حرف عطف. الهاء: حرف تنبيه لا محل لها. (ذا): اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع معطوف على الموصول. ﴿النَّبِيُّ:﴾ بدل، أو عطف بيان من اسم الإشارة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا:﴾ معطوف على: (الذين ﴿اِتَّبَعُوهُ﴾) وأجيز النعت. ﴿وَاللهُ وَلِيُّ:﴾ مبتدأ، وخبر. والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا، على اعتبارها مؤوّلة بظرف كما في الآية رقم [٥٧] سديد. ﴿وَلِيُّ:﴾ مضاف، و ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾ مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ الشرح: ﴿وَدَّتْ:﴾ تمنّت، وأحبّت، وأرادت. ﴿طائِفَةٌ:﴾ جماعة من الناس، ولا واحد لها من لفظها مثل: فريق، ورهط، ونفر. وجمعها: طوائف. ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ:﴾ المراد بهم:

стр. 832

اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ:﴾ يخرجونكم عن الإيمان، والإسلام. ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ لأن إثم إضلالهم يعود عليهم، والمؤمنون لا يطيعونهم فيه، فيبوءون بإثم ما تمنوا به إضلال المؤمنين. ﴿وَما يَشْعُرُونَ:﴾ الشعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ، ويخفى، مشتقّ من الشّعر لدقته، وسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته، ودقة معرفته. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أنّ وبال تمنيهم راجع على أنفسهم، وأنهم سيحاسبون حسابا عسيرا، وسيعاقبون عقابا شديدا. تنبيه: نزلت الآية الكريمة في معاذ بن جبل. وحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر-﵃ أجمعين-حين دعاهم اليهود من بني النضير، وبني قريظة وبني قينقاع إلى دينهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٠٩]: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. الإعراب: ﴿وَدَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة: ﴿طائِفَةٌ﴾. و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿لَوْ:﴾ حرف مصدري. ﴿يُضِلُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، و ﴿لَوْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودت طائفة... إضلالكم. وإن اعتبرت: ﴿لَوْ﴾ حرف امتناع لامتناع؛ يكون جوابها محذوفا، ويكون مفعول: ﴿وَدَّتْ﴾ محذوفا، ويكون التقدير: ودت طائفة إضلالكم، وكفركم، لو يضلونكم؛ لسرّوا بذلك، وفرحوا. انتهى جمل نقلا من السّمين. والأول أسهل، وأولى بالاعتبار؛ لأنه لا حذف فيه، ولا تقدير. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية مستأنفة، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلا بأس، والرابط: الواو، والضمير، وجملة: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ معطوفة عليها على الاعتبارين. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ الخطاب لليهود اللّؤماء. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ يعني: القرآن. أو المراد: الآيات الواردة في التوراة، والإنجيل من نعت محمّد ﷺ وصفته. وتحريفهم، وتبديلهم ما فيها من البشارة بنبوته، والأمر باتباعه، والاهتداء بهديه. ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ:﴾ أن نعته، وصفته مذكور في التوراة، والإنجيل، وذلك: أن أحبار اليهود، كانوا يكتمون الناس نعته، وصفته فإذا خلا بعضهم ببعض؛ أظهروا ذلك فيما بينهم، وشهدوا: أنه حقّ. ولا تنس: أن الاستفهام للتوبيخ، والتأنيب.

стр. 833

الإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥]. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَشْهَدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ الشرح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ:﴾ الخطاب لليهود الخبثاء. ﴿لِمَ﴾ الاستفهام للتوبيخ، والتأنيب. ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ:﴾ اللبس: الخلط، يقال: لبست عليه الأمر، ألبسه: إذا مزجت بيّنه بمشكله، وحقّه بباطله، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٩]: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ ومن هذا المعنى قول عليّ-﵁-للحارث بن حوط: يا حارث! إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرّجال، اعرف الحق؛ تعرف أهله. وقالت الخنساء-﵁: [البسيط] ترى الجليس يقول الحقّ تحسبه... رشدا، وهيهات، فانظر ما به التبسا صدّق مقالته، واحذر عداوته... والبس عليه أمورا مثل ما لبسا وروى سعيد بن جبير عن قتادة يقول: لا تلبسوا اليهودية، والنصرانية بالإسلام؛ وقد علمتم: أنّ دين الله الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي به الإسلام، وأنّ اليهودية، والنصرانية بدعة، وليست من الله. وعن ابن عباس، وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحقّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير، والتبديل؛ الذي فعلوه في التوراة. وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوث، ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حقّ، وجحدهم: أنه بعث إليهم باطل. ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نبوة محمد ﷺ ونعته الموجودين في التوراة، والإنجيل. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن نبوّته حق. وانظر الآية السابقة، والآية مذكورة بحروفها ومعناها في سورة (البقرة) [٤٢]. هذا؛ و (﴿تَكْتُمُونَ﴾) ماضيه: كتم، من باب: نصر، وربما عدّي إلى مفعولين، فيقال: كتمت زيدا الحديث. وقال تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ والأكثر: أن يتعدى للثاني بحرف الجر، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٥٩]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى﴾ وتزاد «من» جوازا في المفعول الأول، فيقال: كتمت من زيد الحديث، وقد تعدّى في الآية الكريمة إلى مفعول واحد. وكتم الشيء: بالغ في كتمانه، أي: في إخفائه. قال الرسول ﷺ : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان». قال صاحب القاموس: والكتم-محركة-والكتمان-بالضم-: نبت يخلط بالحناء، ويخضب به الشّعر، ويصنع منه مداد الكتابة. انتهى. ورحم الله البوصيري إذ يقول: [البسيط]

стр. 834

فإنّ أمّارتي بالسّوء ما اتّعظت... من جهلها بنذير الشّيب والهرم ولا أعدّت من الفعل الجميل قرى... ضيف ألمّ برأسي غير محتشم لو كنت أعلم أني ما أوقّره... كتمت سرّا بدا لي منه بالكتم أمّا (الباطل) فهو ضدّ الحق، و (الباطل) بمعنى الفاسد، والبطلان عبارة عن عدم الشيء، إما بعدم ذاته، أو بعدم فائدته، ونفعه. هذا؛ وبطل من باب: دخل، والبطل-بفتحتين-: الشجاع، والبطل-بضم فسكون-: الباطل، والكذب، والزور، والبهتان، والبطالة: التعطّل، والتفرّغ من العمل، ويجمع باطل على: أباطيل شذوذا، كما شذ: أحاديث، وأعاريض، وأفاظيع، في جمع حديث، وعريض، وفظيع. هذا؛ ومبطل اسم فاعل من: أبطل الرّباعي. هذا؛ والباطل في قوله تعالى في سورة (فصلت): ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾. قال السّدّيّ، وقتادة: الباطل: الشيطان: لا يستطيع أن يغير في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرسول ﷺ : «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة (البقرة)، و (آل عمران) السّحرة. الإعراب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمات في الآية رقم [٦٥] ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به. ﴿بِالْباطِلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: (﴿تَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾) معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. وانظر مثلها في الآية السابقة. ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في كعب بن الأشرف، ومالك بن الصّيف، وكانا من أحبار اليهود، فإنما قالا لأصحابهما لما حوّلت القبلة إلى الكعبة المعظّمة: آمنوا بما أنزل على المسلمين من تحويل القبلة، وصلّوا معهم إلى جهة الكعبة أول النهار، ثم صلّوا إلى صخرة بيت المقدس آخره، لعلهم يقولون: هم أعلم منا؛ وقد رجعوا، فيرجعون. وقيل: إن اثني عشر من أحبار اليهود تقاولوا فيما بينهم بأن يدخلوا في الإسلام أول النهار، ويقولوا في آخره: نظرنا في كتابنا، وشاورنا علماءنا، فلم نجد محمدا بالنّعت الذي ورد في التوراة. لعلّ أصحابه يشكّون فيه، فيرجعوا عن دينهم، ويقولون: هم أهل الكتاب، وهم أعلم منّا، فيرجعون إلى قبلتنا. فأطلع الله رسوله ﷺ على خبثهم، وما بيتوه من مكرهم، وأنزل الله هذه الآية؛ التي كشفت سوء صنيعهم، فلم يتم لهم ما دبّروا، ومكروا، ولم يحصل لمكيدتهم في قلوب المسلمين أيّ أثر،

стр. 835

ولولا هذا الإعلام من الله تعالى لرسوله؛ لكان ربما أثّر ذلك في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف. انتهى. بيضاوي وخازن بتصرف كبير. ووجه النهار: أوله، وسمي وجها؛ لأنّه أحسنه، وأوّل ما يواجه منه، قال لبيد-﵁: [الكامل] وتضيء في وجه النّهار منيرة... كجمانة البحريّ سلّ نظامها وفي معلّقته: «في وجه الكلام» وقال آخر: [الكامل] من كان مسرورا بمقتل مالك... فليأت نسوتنا بوجه نهار الإعراب: ﴿وَقالَتْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿قالَتْ﴾): فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةٌ﴾ و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿آمِنُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿بِالَّذِي:﴾ جار ومجرور، متعلقان بما قبلهما. ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: (الذي) وهو العائد، والجملة الفعلية صلته، لا محل لها. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿آمِنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَجْهَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، وهو مضاف، و ﴿النَّهارِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَاكْفُرُوا:﴾ فعل أمر، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿آمِنُوا..﴾. إلخ، فهي في محل نصب مقول القول مثلها. ﴿آخِرَهُ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿لَعَلَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿يَرْجِعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ)، والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها. ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)﴾ الشرح: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ:﴾ هذا متصل بما قبله، وهو من قول اليهود، يقول بعضهم لبعض: ولا تصدقوا إلا من تبع ملّتكم، وهي اليهودية. أو: لا تقرّوا، وتعترفوا بما نقول لكم إلا لأتباعكم في الدين. ﴿قُلْ﴾ هذا خطاب من الله لرسوله ﷺ . ﴿إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ﴾ أي: إنّ الدين دين الله، والبيان بيانه، هو الذي يهدي من يريد سعادته في الدنيا، والآخرة، بما يقيم له من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وإن أقمتم أيها اليهود المكايد، والحيل لتضليل المسلمين؛ فإنّ الهداية بيد الله.

стр. 836

﴿أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ فهذا متصل بكلامهم السّابق؛ أي: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم، والحكمة، والكتاب، والآيات من فلق البحر، وإنزال المنّ، والسلوى عليكم. ﴿أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم؛ لأنّكم أصح دينا منهم. وقيل: (﴿أَوْ﴾) بمعنى: «حتى» كما قرئ: («إن») بكسر الهمزة، فيكون المعنى: ما أعطى الله أحدا من النعم مثل ما أعطيتم يا أمة محمّد من الدّين، والحجّة، والبرهان؛ حتى يحاجّوكم عند ربكم، فيكون من كلام الله، وليس حكاية عن قول اليهود، وهو في محل نصب مقول القول، أو هو مستأنف. هذا؛ وقرأ ابن كثير: («آن») بالمدّ على الاستفهام، والتوبيخ، فيكون المعنى، والتقدير: ألأن يعطى أحد مثل ما أعطيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة، فتحسّونه، ولا تؤمنون به، فيكون كلّه من كلام الله تعالى، ثبّت به قلوب المؤمنين؛ لئلا يشكوا بسبب تلبيس اليهود، وتزويرهم في دينهم، فتكون الآية كلّها خطابا للمؤمنين عند تلبيس اليهود؛ لئلا يرتابوا، ولا يشكّوا. ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: الأمور كلّها تحت تصرّفه، وهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان، والعلم، والتصرّف التام، ويضلّ من يشاء، فيعمي بصره، وبصيرته، ويختم على قلبه، وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة. وله الحجّة، والحكمة البالغة. ﴿وَاللهُ واسِعٌ:﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية، والرزق، والجود، والعطاء، وهو واسع الفضل، والرحمة. وقيل: واسع القدرة، والعلم، والرزق. وقيل: هو الغني الّذي وسع جميع مخلوقاته غناه. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعال عباده، ما يغيب عنه منها شيء، قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. الإعراب: (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تُؤْمِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. وقيل: اللام زائدة، و (من): مفعول به فهو مجرور لفظا منصوب محلاّ. وقيل: (من) منصوبة على الاستثناء على معنى: ولا تؤمنوا لأحد إلا من، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿تَبِعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: (من) وهو العائد، أو الرابط، والجملة صلته، أو صفته. ﴿دِينَكُمْ:﴾ مفعول به، والكاف في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿آمِنُوا﴾ في الآية السابقة فهي محل نصب مقول القول مثلها. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْهُدى:﴾ اسمها. ﴿هُدَى:﴾ خبرها، وعلامة النصب في الأول وعلامة الرفع في الثاني مقدرتان على الألف للتعذر، و ﴿هُدَى﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ معترضة، أو مستأنفة حسب ما رأيت في الشرح. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿إِنَّ﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَحَدٌ:﴾ نائب فاعله، وهو المفعول

стр. 837

الأول. ﴿مِثْلَ:﴾ مفعول به ثان، و ﴿مِثْلَ:﴾ مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أُوتِيتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعل، وهو المفعول الأول، والجملة الفعلية صلة: (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، وهو المفعول الثاني، التقدير: مثل الذي، أو: شيء أوتيتموه، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يُؤْتى﴾ مفعول به لفعل محذوف، والفعل المحذوف، ومفعوله معطوف على ما قبله، وعليه فالجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الْهُدى..﴾. إلخ معترضة. هذا وجه للإعراب، كما أجيز اعتبار المصدر في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: بأن يؤتى، وهذا عند الخليل. أو المصدر في محل نصب بنزع الخافض عند سيبويه، وهناك وجه آخر، وهو: أن المصدر في محل نصب مفعول لأجله على حذف مضاف، التقدير: مخافة إتيان، وهذا عند البصريين. وعند الكوفيين، التقدير: لئلا يؤتى، وعلى جميع التقديرات؛ فتبقى الجملة الاسمية معترضة. هذا؛ وعلى قراءة: («إن») بكسر الهمزة، فالجملة منفية، وهي في محل نصب مقول القول، وعلى قراءة: («آن») بمد الهمزة، فالمصدر المؤول في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، التقدير: آن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، تصدقون، أو تقرون؛ أي: إيتاء موجود مصدّق، أو مقرّ به، كما جوز أن يكون المصدر في محل نصب مفعول به لفعل محذوف، التقدير: أتقرون أن يؤتى، أو: تذكرون ذلك، ونحوه، وعلى هذه القراءة؛ فالكلام مرتبط بما قبله، والجملة الاسمية معترضة، كما أجيز اعتبار المصدر في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هو: إتيان. قال الواحدي-رحمه الله تعالى-: وهذه الآية من مشكلات القرآن، وأصعبه تفسيرا، وإعرابا، ولقد تدبرت أقوال أهل التفسير، والمعاني في هذه الآية، فلم أجد قولا يطرد فيها من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى، وصحة النظم. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يُحاجُّوكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به. وقيل: إنّ النصب بأن مضمرة بعد: ﴿أَوْ﴾ لأنها هنا بمعنى: «حتّى» أو «إلا أن» فالأول كقول امرئ القيس: [الطويل] فقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا والثاني كقول زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٤٦] من كتابنا فتح رب البرية، والشاهد رقم [١٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿عِنْدَ:﴾ مضاف، و ﴿رَبِّكُمْ:﴾ مضاف إليه. والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْفَضْلَ:﴾ اسمها. ﴿بِيَدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبرها، و (يد) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل نصب مقول

стр. 838

القول، وجملة: ﴿قُلْ:﴾ إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿يُؤْتِيهِ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾) والهاء مفعول به أول. ﴿مَنْ﴾ مفعول به ثان، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية صلة: ﴿مَنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: يؤتيه الذي، أو: شخصا يشاؤه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ثان ل: ﴿إِنَّ﴾ وقيل: هي مستأنفة لا محل لها، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ معترضة في آخر الكلام متضمنة للتهديد، والوعيد. ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ الشرح: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ:﴾ بنبوته، وتوفيقه، وهدايته. ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني: أن كلّ خير يناله عباده في دينهم، ودنياهم فإنّه من الله تعالى تفضلا عليهم، ومنّة من غير استحقاق منهم لذلك، بل له المنة، والفضل على عباده. هذا؛ وذكرت في سورة (البقرة) نقلا عن الجمل: أنّ الفعل: ﴿يَخْتَصُّ﴾ يستعمل متعديا، ولازما، فعلى التعدي فاعله مستتر فيه، والموصول بصلته في محل نصب على المفعولية، والمعنى: والله يختص... إلخ وعلى اللزوم الفاعل هو الموصول بصلته، والمعنى: والله يتميّز برحمته من يشاء الله تمييزه. انتهى. ولم أجده لغيره، كما لم أجده في كتب اللغة. وهذه الآية مذكورة بحروفها في سورة (البقرة) برقم [١٠٥] وفي الآية الكريمة ردّ، وإبطال لما زعموه بالحجّة الواضحة. الإعراب: ﴿يَخْتَصُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهِ﴾). ﴿بِرَحْمَتِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مَنْ يَشاءُ:﴾ انظر مثله في الآية السابقة، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿ذُو﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو:﴾ مضاف، و ﴿الْفَضْلِ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَظِيمِ:﴾ صفة (﴿الْفَضْلِ﴾) والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من فاعل: ﴿يَخْتَصُّ﴾ المستتر؛ فلست منفدا، ويكون الرابط الواو، وإعادة لفظ الجلالة. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ الشرح: نزلت الآية الكريمة في اليهود، فأخبر الله تعالى: أن فيهم أمانة، وخيانة. وقسمهم قسمين. والقنطار: عبارة عن المال الكثير، كما رأيت في الآية رقم [١٤]. والدّينار: عبارة عن

стр. 839

المال القليل. وهو أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعيرات، مجموعه اثنتان وسبعون حبّة. هذا؛ والدينار أصله: دنّار، فعوضت من إحدى النونين ياء طلبا للخفة لكثرة استعماله، يدل عليه أنه يجمع: دنانير، ويصغّر: دنينير، ورحم الله من يقول فيه: [البسيط] النّار آخر دينار نطقت به... والهمّ أخر هذا الدّرهم الجاري والمرء بينهما إن كان ذا ورع... معذّب القلب بين الهمّ والنّار هذا؛ والأول من أهل الكتاب هو عبد الله بن سلام-﵁-كان حبرا من أحبار اليهود؛ الذين هداهم للإيمان، استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا، فأداه إليه لمّا طلبه بدون تأخير. والثاني هو فنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر دينارا، فجحده. وقيل: هو كعب بن الأشرف. ﴿إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾ إلا في مدة دوامك قائما على رأسه مبالغا في مطالبته، بالتقاضي، والترافع، وإقامة البينة لردّ الحق، والأمانة منه، هذا وذكر الله تعالى قسمين: من يؤدّي، ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة له، وقد يكون من الناس من لا يؤدي، وإن دمت عليه قائما، وما أكثرهم في هذا الزّمن! هذا؛ و ﴿دُمْتَ﴾ بضم الدال من باب فعل، يفعل، مثل: قال، يقول، ودام يدوم، وقرئ بكسر الدال فعل يفعل، مثل خاف يخاف، على دام يدام، وكذلك: (متّ) فيمن كسر الميم أو ضمها. ﴿ذلِكَ:﴾ الإشارة إلى ما يفعلونه من خيانة الأموال. والإشارة بالبعيد للإيذان بكمال غلوّهم في الشرّ، والفساد. ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ..﴾. إلخ؛ أي: ليس علينا حرج، ومؤاخذة في أكل أموال من ليس على ديننا من العرب؛ لمخالفتهم لنا في الدّين. وادّعوا: أنّ ذلك في كتابهم، فأكذبهم الله ، بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ أنهم كاذبون في دعواهم. هذا؛ و ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ جمع: أمّيّ، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في نبينا ﷺ ، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأوّلين، والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [١٥٧] من سورة (الأعراف) وأميّ منسوب إلى الأم؛ التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأن الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال الرسول ﷺ : «إنّا أمّة أمّيّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا...» الحديث، أو هو منسوب إلى الأمة؛ لأنّها ساذجة قبل أن تعرف المعارف. هذا؛ و (السّبيل) الطريق يذكّر، ويؤنث بلفظ واحد، فمن التذكير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾. ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ والجمع على التأنيث: سبول، وعلى التذكير: سبل-بضمتين-وسبل، بضمّ، وسكون.

стр. 840

هذا؛ والأمانة عظيمة القدر في الدّين، ومن عظم قدرها: أنها تقوم هي، والرّحم على جنبتي الصراط-كما في صحيح مسلم-فلا يمكّن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة-﵁-قال: حدّثنا النبي ﷺ عن رفع الأمانة، قال: «ينام الرجل النّومة، فتقبض الأمانة من قلبه... إلخ» وهو مذكور بطوله في كتاب التّرغيب والترهيب. وانظر ما ذكرته في آخر سورة (الأحزاب) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وخذ هنا ما يلي: عن عمران بن حصين-﵁-عن النبي ﷺ قال: «خير القرون قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون، ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» رواه البخاريّ، ومسلم، ورواه أبو يعلى من حديث أنس-﵁-قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام، وصلّى، وحجّ، واعتمر، وقال: إنّي مسلم». وعن عبد الله بن عمرو-﵁: أنّ النبي ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه؛ كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». رواه البخاريّ، ومسلم. عن صعصعة بن يزيد: أن رجلا سأل ابن عباس-﵄. فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمّة الدّجاجة، والشاة. قال ابن عباس: فتقولان ماذا؟ قال، نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. إنّهم إذا أدّوا الجزية؛ لم تحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم. الإعراب: ﴿وَمِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مِنْ أَهْلِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿أَهْلِ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْ:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. هذا هو الإعراب المتعارف عليه في مثل هذا الكلام، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما أذكره في الآية رقم [١١٠] الآتية. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَأْمَنْهُ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، والهاء مفعول به. ﴿بِدِينارٍ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والباء الجارة بمعنى: على، ومثله قول راشد بن عبد ربه السّلمي ﵁، وهو الشاهد رقم [١٥٧]: من كتابنا فتح القريب المجيب، والشاهد رقم [٤٧٤] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الطويل] أربّ يبول الثّعلبان برأسه؟ ... لقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب والجملة الفعلية: ﴿تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُؤَدِّهِ:﴾ جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء،

стр. 841

والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط المفعول في الجملة الأولى، والفاعل في الجملة الثانية؛ لأنّ كليهما عائد على: ﴿مَنْ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هذا الكلام مثل سابقه محلاّ، وإعرابا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ ظرفية مصدرية. ﴿دُمْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿قائِماً:﴾ خبر «دام» و ﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، متعلق بالفعل: ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾ وهو في الأصل مستثنى من الظرف العام؛ إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع الأزمان إلا في مدّة دوامك قائما عليه. وقيل: متعلق بحال محذوفة. ولا وجه له. ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، ويقال: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلٌ﴾ بعدهما، والتقدير: في أموال الأميين. ﴿سَبِيلٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا﴾ إلخ في محل رفع خبر (أنّ) و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به؛ لأنّ الفعل بمعنى: يفترون، ولو كان القول على حقيقته؛ لما نصبه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا﴾ فهي في محل رفع مثلها، أو هي في محل نصب حال، ولكن يجب تقدير مبتدأ قبلها، فتكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، وتقدير الكلام: وهم يقولون. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧١]. ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ الشرح: ﴿بَلى:﴾ ردّ لما ادعاه اليهود في الآية السابقة من: أنّه ليس عليهم إثم، ومؤاخذة في أكل أموال العرب الأميين؛ أي: بلى عليهم السّخط، والعذاب، والغضب بكذبهم، واستحلال أموال الناس بغير حقّ. ﴿مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى:﴾ هذه الجملة مقررة للجملة الّتي سدّت: ﴿بَلى﴾

стр. 842

مسدها، والمعنى من أدى حقوق الناس، ووفى بعهوده، ووعوده، واتقى الله، وخافه في جميع تصرفاته؛ فإنّ الله يحبه، ويرحمه، ويدخله جنته. هذا؛ والمراد ب ﴿مَنْ﴾ الجماعة، والناس، وقد وضع الظاهر؛ أي: ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضع المضمر، فإن الأصل: يحبهم، وذلك لإظهار شرف الموفين بعهد الله، والخائفين منه. هذا؛ وقيل: نزلت الآية في عبد الله بن سلام-﵁-وليس ذلك ببعيد، ومع ذلك فهي تعمّ كلّ من يفعل ذلك إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم. هذا؛ و «بلى» حرف جواب، ك (نعم)، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ «بلى» حرف جواب لنفي متقدّم؛ أي: وإبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول: بلى. أي: هو قائم، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم؛ لكفروا. هذا؛ وعهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود؛ الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم-﵇-بأن يقرّوا بربوبيته، وهو قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾. والعهد الثاني: خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدّين، وهو قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ. والعهد الثالث: خصّ به العلماء من كلّ أمة، وهو قوله في هذه السورة رقم [١٨٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾. الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول؛ إذ التقدير: قل: يا محمد: بلى. ﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿بِعَهْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقى﴾): معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهَ﴾. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت فيما سبق، هذا وإن اعتبرت (﴿مَنْ﴾) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية ﴿مَنْ أَوْفى..﴾. إلخ على الوجهين مستأنفة، لا محل لها. وقيل: جواب الشرط أو الخبر محذوف: تقديره: يحبه الله. ودل على حذفه قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ انتهى جمل نقلا من السّمين. وهو قول ابن هشام في المغني، وعليه؛ فالجملة الاسمية هذه تعليلية، لا محل لها.

стр. 843

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ (٧٧) ?????? U﴾ الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ:﴾ يستبدلون. ففيه استعارة تبعية، فالاشتراء مستعار للاستبدال، فعبر عنه بالاشتراء؛ لأن الشراء إنما يكون فيما يحبّه مشتريه. ﴿بِعَهْدِ اللهِ:﴾ بما عهد إليهم في التوراة من الإيمان بمحمّد ﷺ ، ومن الوفاء بالأمانات؛ التي عهد عليهم فيها. ﴿وَأَيْمانِهِمْ:﴾ بما حلفوا به من قولهم: لنؤمننّ به، ولننصرنّه. ﴿ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ عرض الدنيا؛ إذ كل ما فيها قليل، لا قيمة له بجانب الآخرة. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر. ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ:﴾ لا نصيب لهم في الآخرة، ونعيمها الدائم، وسعادتها الأبدية. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ أي: تكليم رضا، ورحمة، وإنّما يكلّمهم تكليم سخط، وغضب، مثل قوله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: نظر رحمة، ورضا، وإنّما ينظر إليهم نظر سخط. ومقت، وكلّ إنسان، وكلّ مخلوق في هذا الكون لا يعزب عن علم الله أبدا. وقيل: المراد به هنا: الإعراض؛ لأن من سخط على غيره، واستهان به؛ أعرض عنه، وعن التكلّم معه، والالتفات إليه، والمرضي عنه بالعكس. و ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يخرج الناس فيه من قبورهم للحساب والجزاء. وأصل القيامة: القوامة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ:﴾ لا يطهّرهم من دنس الذنوب بالعذاب المنقطع، إلى النعيم الدائم، بل يخلدهم في النار. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ مؤلم. بعد هذا قال عكرمة-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في أحبار اليهود، ورؤسائهم: أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب؛ الّذين كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبي ﷺ ، فبدلوه، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا: أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرّشا، والمآكل؛ التي كانوا يأخذونها من أتباعهم، وسفلتهم. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: روى الأئمة عن الأشعث بن قيس-﵁. قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : «هل لك بينة؟» قلت: لا، قال لليهودي: احلف، قلت: إذا يحلف. فيذهب بمالي. فأنزل الله تعالى الآية. بعد هذا أقول: الآية تعمّ كل واحد يفعل شيئا من ذلك إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. وخذ ما يلي: فعن أبي أمامة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه؛ فقد حرّم الله عليه الجنّة، وأوجب له النّار». فقالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئا يسيرا؟! «قال: وإن كان قضيبا من أراك». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حلف على مال امرئ مسلم، بغير حقّه؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان».

стр. 844

قال ابن مسعود: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله- : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ..﴾. إلخ. متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة. تنبيه: دلّت الآية الكريمة، والأحاديث الصّحيحة: أنّ حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر؛ إذا علم المحكوم له بطلانه. وقد روى الأئمّة عن أم سلمة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّكم تختصمون إليّ، وإنّما أنا بشر مثلكم، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، وإنّما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النّار، يأتي بها يوم القيامة». الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (عهد): مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَيْمانِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة له. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية للجنس، تعمل عمل: «إنّ» ﴿خَلاقَ:﴾ اسم. ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لا،﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُكَلِّمُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به. ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ الشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً﴾ أي: من المحرّفين للتوراة، ككعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وغيرهم جماعة. ﴿يَلْوُونَ:﴾ يميلون عن قراء التوراة الصحيحة إلى

стр. 845

قراءة ما حرّفوه، وزيّفوه منها. ومنه قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [٤٦]: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾. انظر شرح (الكتاب) في الآية [٣]. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ:﴾ يحرفون الكلم عن مواضعه؛ لتظنّوه من التوراة، وما هو منها. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: ما فعلوه من التحريف، والتزييف. ﴿وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ ليس من عند الله قطعا. وباقي الكلام ظاهر معناه. ﴿أَلْسِنَتَهُمْ﴾ جمع: لسان، وهو على هذا مذكر، كحمار، وأحمرة، ويجمع أيضا على: لسن، بضم اللاّم، وضمّ السّين، وتسكينها أيضا. ويجمع أيضا على: ألسن، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السّوء، كما في قول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر] لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا فيؤنّث لا غير، كما يجعل كناية عن الرّسالة، أو القصيدة من الشّعر، كقول الآخر: [البسيط] إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر قال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها، وكسرها. وفي سورة (النحل) رقم [١٠٣] حيث قال جلّ ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلّ ذكره في سورة (مريم)، على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. ﴿لَفَرِيقاً:﴾ اللام: لام الابتداء. (فريقا): اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر. ﴿يَلْوُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَلْسِنَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (فريقا) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على الآية رقم [٧٥]: لا محل لها أيضا. ﴿بِالْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿لِتَحْسَبُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعوله الثاني، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ لتحسبوه. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية مهملة، أو حجازية. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (﴿ما﴾). ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان
следующие страницы →