Полный текст (7 463 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾ والهاء مفعول به. ﴿إِلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط المفعول في الجملة الأولى، والفاعل في الجملة الثانية؛ لأنّ كليهما عائد على: ﴿مَنْ﴾ والجملة الاسمية:
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ هذا الكلام مثل سابقه محلاّ، وإعرابا. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ما:﴾ ظرفية مصدرية. ﴿دُمْتَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما.
﴿قائِماً:﴾ خبر «دام» و ﴿ما﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب على الظرفية الزمانية، متعلق بالفعل: ﴿لا يُؤَدِّهِ﴾ وهو في الأصل مستثنى من الظرف العام؛ إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع الأزمان إلا في مدّة دوامك قائما عليه. وقيل: متعلق بحال محذوفة. ولا وجه له.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه.
﴿قالُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر فيه، ويقال: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلٌ﴾ بعدهما، والتقدير: في أموال الأميين. ﴿سَبِيلٌ:﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة: ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالُوا﴾ إلخ في محل رفع خبر (أنّ) و (أنّ) واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿عَلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به؛ لأنّ الفعل بمعنى:
يفترون، ولو كان القول على حقيقته؛ لما نصبه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿قالُوا﴾ فهي في محل رفع مثلها، أو هي في محل نصب حال، ولكن يجب تقدير مبتدأ قبلها، فتكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، وتقدير الكلام: وهم يقولون. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٧١].
﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾
الشرح: ﴿بَلى:﴾ ردّ لما ادعاه اليهود في الآية السابقة من: أنّه ليس عليهم إثم، ومؤاخذة في أكل أموال العرب الأميين؛ أي: بلى عليهم السّخط، والعذاب، والغضب بكذبهم، واستحلال أموال الناس بغير حقّ. ﴿مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى:﴾ هذه الجملة مقررة للجملة الّتي سدّت: ﴿بَلى﴾
стр. 842
مسدها، والمعنى من أدى حقوق الناس، ووفى بعهوده، ووعوده، واتقى الله، وخافه في جميع تصرفاته؛ فإنّ الله يحبه، ويرحمه، ويدخله جنته. هذا؛ والمراد ب ﴿مَنْ﴾ الجماعة، والناس، وقد وضع الظاهر؛ أي: ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضع المضمر، فإن الأصل: يحبهم، وذلك لإظهار شرف الموفين بعهد الله، والخائفين منه. هذا؛ وقيل: نزلت الآية في عبد الله بن سلام-﵁-وليس ذلك ببعيد، ومع ذلك فهي تعمّ كلّ من يفعل ذلك إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب لا يمنع التعميم.
هذا؛ و «بلى» حرف جواب، ك (نعم)، وجير، وأجل، وإي، إلا أنّ «بلى» حرف جواب لنفي متقدّم؛ أي: وإبطال، ونقض، وإيجاب له، سواء دخله الاستفهام، أم لا؟ فتكون إيجابا له، نحو قول القائل: ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قام. وقوله: أليس زيد قائما؟ فتقول:
بلى. أي: هو قائم، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [١٧٢]: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ قال ابن عباس-﵄: لو قالوا: نعم؛ لكفروا.
هذا؛ وعهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود؛ الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم-﵇-بأن يقرّوا بربوبيته، وهو قوله تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾. والعهد الثاني: خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويقيموا الدّين، وهو قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ..﴾. إلخ. والعهد الثالث: خصّ به العلماء من كلّ أمة، وهو قوله في هذه السورة رقم [١٨٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.
الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب في محل نصب مقول القول؛ إذ التقدير: قل: يا محمد: بلى.
﴿مَنْ:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿أَوْفى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿بِعَهْدِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَاتَّقى:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿اِتَّقى﴾): معطوف على ما قبله، فهو مثله في محل جزم، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ أيضا. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إن): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى:
﴿اللهَ﴾. ﴿الْمُتَّقِينَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (إن). والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما رأيت فيما سبق، هذا وإن اعتبرت (﴿مَنْ﴾) اسما موصولا؛ فهي مبتدأ، والجملة الفعلية بعدها صلتها، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾.
إلخ في محل رفع خبرها، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية ﴿مَنْ أَوْفى..﴾. إلخ على الوجهين مستأنفة، لا محل لها. وقيل: جواب الشرط أو الخبر محذوف: تقديره: يحبه الله. ودل على حذفه قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ انتهى جمل نقلا من السّمين. وهو قول ابن هشام في المغني، وعليه؛ فالجملة الاسمية هذه تعليلية، لا محل لها.
стр. 843
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ (٧٧) ?????? U﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ:﴾ يستبدلون. ففيه استعارة تبعية، فالاشتراء مستعار للاستبدال، فعبر عنه بالاشتراء؛ لأن الشراء إنما يكون فيما يحبّه مشتريه. ﴿بِعَهْدِ اللهِ:﴾ بما عهد إليهم في التوراة من الإيمان بمحمّد ﷺ ، ومن الوفاء بالأمانات؛ التي عهد عليهم فيها.
﴿وَأَيْمانِهِمْ:﴾ بما حلفوا به من قولهم: لنؤمننّ به، ولننصرنّه. ﴿ثَمَناً قَلِيلاً:﴾ عرض الدنيا؛ إذ كل ما فيها قليل، لا قيمة له بجانب الآخرة. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر. ﴿لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ:﴾ لا نصيب لهم في الآخرة، ونعيمها الدائم، وسعادتها الأبدية. ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ أي: تكليم رضا، ورحمة، وإنّما يكلّمهم تكليم سخط، وغضب، مثل قوله تعالى: ﴿اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ﴾. ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي: نظر رحمة، ورضا، وإنّما ينظر إليهم نظر سخط. ومقت، وكلّ إنسان، وكلّ مخلوق في هذا الكون لا يعزب عن علم الله أبدا. وقيل:
المراد به هنا: الإعراض؛ لأن من سخط على غيره، واستهان به؛ أعرض عنه، وعن التكلّم معه، والالتفات إليه، والمرضي عنه بالعكس. و ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ:﴾ هو اليوم الذي يخرج الناس فيه من قبورهم للحساب والجزاء. وأصل القيامة: القوامة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها.
﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ:﴾ لا يطهّرهم من دنس الذنوب بالعذاب المنقطع، إلى النعيم الدائم، بل يخلدهم في النار. ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:﴾ مؤلم.
بعد هذا قال عكرمة-رحمه الله تعالى-: نزلت هذه الآية في أحبار اليهود، ورؤسائهم: أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب؛ الّذين كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن النبي ﷺ ، فبدلوه، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا: أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرّشا، والمآكل؛ التي كانوا يأخذونها من أتباعهم، وسفلتهم.
وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: روى الأئمة عن الأشعث بن قيس-﵁.
قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدّمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : «هل لك بينة؟» قلت: لا، قال لليهودي: احلف، قلت: إذا يحلف. فيذهب بمالي. فأنزل الله تعالى الآية. بعد هذا أقول: الآية تعمّ كل واحد يفعل شيئا من ذلك إلى يوم القيامة؛ لأن خصوص السبب، لا يمنع التعميم. وخذ ما يلي:
فعن أبي أمامة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه؛ فقد حرّم الله عليه الجنّة، وأوجب له النّار». فقالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئا يسيرا؟! «قال:
وإن كان قضيبا من أراك». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من حلف على مال امرئ مسلم، بغير حقّه؛ لقي الله؛ وهو عليه غضبان».
стр. 844
قال ابن مسعود: ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله- : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ..﴾. إلخ. متفق عليه، والأحاديث في ذلك كثيرة.
تنبيه: دلّت الآية الكريمة، والأحاديث الصّحيحة: أنّ حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر؛ إذا علم المحكوم له بطلانه. وقد روى الأئمّة عن أم سلمة-﵂-قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّكم تختصمون إليّ، وإنّما أنا بشر مثلكم، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، وإنّما أقضي بينكم على نحو ما أسمع منكم، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا؛ فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النّار، يأتي بها يوم القيامة».
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسمها. ﴿يَشْتَرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بِعَهْدِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (عهد): مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَأَيْمانِهِمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿ثَمَناً:﴾ مفعول به. ﴿قَلِيلاً:﴾ صفة له. ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لا:﴾ نافية للجنس، تعمل عمل: «إنّ» ﴿خَلاقَ:﴾
اسم. ﴿لا﴾ مبني على الفتح في محل نصب. ﴿لَهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
﴿لا،﴾ ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ مبتدأة، أو مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُكَلِّمُهُمُ:﴾ فعل مضارع، والهاء مفعول به.
﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، لا محل لها مثلها، والجملتان بعدها معطوفتان عليها. ﴿وَلَهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لَهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع أيضا.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً﴾ أي: من المحرّفين للتوراة، ككعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وغيرهم جماعة. ﴿يَلْوُونَ:﴾ يميلون عن قراء التوراة الصحيحة إلى
стр. 845
قراءة ما حرّفوه، وزيّفوه منها. ومنه قوله تعالى في سورة (النّساء) رقم [٤٦]: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾. انظر شرح (الكتاب) في الآية [٣]. ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ:﴾ يحرفون الكلم عن مواضعه؛ لتظنّوه من التوراة، وما هو منها. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: ما فعلوه من التحريف، والتزييف. ﴿وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ ليس من عند الله قطعا. وباقي الكلام ظاهر معناه.
﴿أَلْسِنَتَهُمْ﴾ جمع: لسان، وهو على هذا مذكر، كحمار، وأحمرة، ويجمع أيضا على:
لسن، بضم اللاّم، وضمّ السّين، وتسكينها أيضا. ويجمع أيضا على: ألسن، وهو على هذا مؤنث كذراع، وأذرع، وتصغيره على التذكير: لسين، وعلى التأنيث: لسينة، وقد يجعل اللسان كناية عن كلمة السّوء، كما في قول الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٣٣٠] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
لسان السّوء تهديها إلينا... وحنت وما حسبتك أن تحينا
فيؤنّث لا غير، كما يجعل كناية عن الرّسالة، أو القصيدة من الشّعر، كقول الآخر: [البسيط]
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها... من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى: «من علو» بضم الواو، وفتحها، وكسرها. وفي سورة (النحل) رقم [١٠٣] حيث قال جلّ ذكره: ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. كما أطلقه على الثناء الجميل، والذكر الحسن في قوله جلّ ذكره في سورة (مريم)، على نبينا، وعليها ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.
الإعراب: ﴿وَإِنَّ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿إِنَّ﴾): حرف مشبه بالفعل. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: (﴿إِنَّ﴾) تقدّم على اسمها. ﴿لَفَرِيقاً:﴾ اللام: لام الابتداء.
(فريقا): اسم (﴿إِنَّ﴾) مؤخر.
﴿يَلْوُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿أَلْسِنَتَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب صفة: (فريقا) والجملة الاسمية: ﴿وَإِنَّ..﴾. إلخ معطوفة على الآية رقم [٧٥]: لا محل لها أيضا. ﴿بِالْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، ﴿لِتَحْسَبُوهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والهاء مفعوله الأول. ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محلّ نصب مفعوله الثاني، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعلوا ذلك؛ لتحسبوه.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية مهملة، أو حجازية. ﴿هُوَ:﴾ ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، أو في محل رفع اسم (﴿ما﴾). ﴿مِنَ الْكِتابِ:﴾ متعلقان
стр. 846
بمحذوف خبر المبتدأ، أو بمحذوف خبر (﴿ما﴾) والجملة على الوجهين اسمية، وهي في محل نصب حال من الضمير المنصوب، والرابط: الواو، والضمير. وقيل: الجملة حال من:
﴿الْكِتابِ﴾ والأول أقوى. ﴿وَيَقُولُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقُولُونَ﴾): فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿يَلْوُونَ..﴾. إلخ. ﴿هُوَ:﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾
متعلقان بمحذوف خبره، والجملة الاسمية في محل نصب مفعول القول، و ﴿عِنْدِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه ﴿وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ:﴾ إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي في محل نصب حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والرابط: الواو، والضمير أيضا. ﴿وَيَقُولُونَ..﴾.
إلخ: معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب صفة مثلها.
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ:﴾ ما صحّ، وما ينبغي. والتعبير بهذين اللفظين، ونحوهما معناه:
الحظر، والمنع، فيجئ لحظر الشيء، والحكم بأنّه لا يجوز، كما في هذه الآية، وفي الآية رقم [٣٦] من سورة (الأحزاب) وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا، كقوله تعالى في سورة (النّحل):
﴿ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾. وربما كان العلم بامتناعه شرعا، كما في هذه الآية، وقوله تعالى في سورة (الشورى): ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾. وربما كان في المندوبات، كما تقول على سبيل التوبيخ: ما كان لك يا فلان أن تترك صلاة الصبح، والعشاء في الجماعة. ونحو ذلك. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ:﴾ أن يعطيه، وأن يمنحه. ﴿الْكِتابَ:﴾
الإنجيل، أو القرآن، والمراد ب (بشر) عيسى، أو محمد ﷺ . (الحكم) مثل: الحكمة المذكورة في الآية رقم [٤٨]. (النبوة): هي ما يمنحه الله للأنبياء، والمرسلين من العلوم، والمعارف، والفيوضات الإلهية، مأخوذة من: النبأ، وهو الخبر، أو: من النّبأة، وهي الارتفاع، والظهور؛ لأنّ مرتبة النبي فوق كلّ المراتب، وأعلى كلّ المناصب. ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي﴾ أي:
يدّعي ذلك الرسول، أو النبي الإلهية، ويدعو الناس إلى عبادته، وتأليهه. هذا؛ و (عباد) جمع:
عبد، وهو الإنسان حرّا، كان، أو رقيقا. ويقال للملوك: عبد قن، وله جموع كثيرة، أشهرها:
عبيد، وعباد، وعبدان، وعبدة. والإضافة في نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا..﴾. إلخ إضافة تشريف، وتكريم. وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنّبيّ ﷺ اسم أشرف منه، وأعظم؛ لسمّاه به حينما أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال جلّ ذكره:
﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ..﴾. إلخ. وفي معناه أنشدوا: [السريع]
стр. 847
يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي
لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنّه أشرف أسمائي
﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ جمع: رباني، وفيه قولان: أحدهما: أنه منسوب إلى الربّ، والألف والنون فيه زائدتان في النسب دلالة على المبالغة. والثاني: أنه منسوب إلى ربّان، والرّبان: هو المعلم للخير، ومن يسوس الناس، ويعرّفهم أمر دينهم، فالألف، والنون دالان على زيادة في الوصف، كهي في: عطشان، ونحوه. والثاني هو قول المبرد. واختلفوا في معنى الرّباني، فقال ابن عباس-﵄: معناه: كونوا فقهاء، علماء. وعنه: كونوا فقهاء معلّمين.
وقيل: الرّباني: الذي يربّي الناس بصغار العلم، وكباره. وقيل: الرّبانيّ: العالم الذي يعمل بعمله. وقيل: الرّباني: العالم بالحلال، والحرام، والأمر، والنهي. وقيل: الرّبانيّ: الذي جمع بين علم البصيرة، والعلم بسياسة الناس. ولما مات ابن عباس-﵄-قال ابن الحنفية-﵄: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة. وانظر شرح: ﴿رِبِّيُّونَ:﴾ في الآية رقم [١٤٦]: ومعنى الآية على ما تقدّم: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عبادا لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا، وعلماء، ومعلمين الناس الخير، ومواظبين على طاعة الله، وعبادته. وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: أحسب: أنّ هذه الكلمة ليست عربيّة، إنما هي عبرانيّة، أو سريانية، وسواء أكانت عربية، أو عبرانية؟ فهي تدل على الذي علم، وعمل بما علم، وعلّم الناس طريق الخير. ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ..﴾. إلخ: أي: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين، ومعلمين، وبسبب دراستكم الكتاب. فنزلت الآية على: أن العلم، والتعليم، والدراسة توجب أن يكون العبد ربانيّا، فمن اشتغل بالعلم، والتعليم لا لهذا المقصود؛ ضاع علمه، وخاب سعيه.
تنبيه: في الآية الكريمة تكذيب، وردّ على النصارى؛ حيث زعموا: أن عيسى-﵊-أمرهم بعبادته. وقيل: إنّ أبا رافع القرظي، والسّيد النّجراني، قالا للرّسول ﷺ : يا محمد! أتريد أن نعبدك، ونتخذك ربّا؟! فقال: معاذ الله أن يعبد غير الله، وأن نأمر بعبادة غير الله، فما بذلك بعثني الله، ولا بذلك أمرت، فنزلت الآية. وقيل: قال رجل: يا رسول الله! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم، واعرفوا الحقّ لأهله. وفي حديث آخر: «لو كان ينبغي لبشر أن يسجد لبشر؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها كلّما دخل عليها؛ لما فضّله الله عليها».
بعد هذا؛ ف (الناس) اسم جمع، لا واحد له من لفظه، مثل: قوم، ورهط... إلخ:
واحده: إنسان، وإنسانة من غير لفظه، وتصغيره: نويس. وناس، وإنسان، وأناسيّ، وإنس من مادة واحدة، وهو يطلق على الإنس، والجن، لكن غلب استعماله في الإنس. قال تعالى: ﴿مِنْ﴾
стр. 848
شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ وأصله:
الأناس، حذفت منه الهمزة تخفيفا على غير قياس، وحذفها مع لام التعريف كاللازم، فلا يكاد يقال: الأناس، وقد نطق القرآن الكريم بهذا الأصل، ولكن بدون لام التعريف في سورة (الإسراء) رقم [٧١]: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٦٠] ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.
هذا؛ وقيل: الناس مأخوذ من النّوس، وهو الحركة، يقال: ناس، ينوس: إذا تحرك.
وقيل: أصله من: نسي، فأصل ناس: نسي، قلب، فصار: نيس، تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام، فقيل: الناس، قال ابن عباس-﵄:
نسي آدم عهد الله، فسمي إنسانا. وقال النبي ﷺ : «نسي آدم، فنسيت ذرّيّته». وقال تعالى في سورة (طه): ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر: [الكامل]
لا تنسين تلك العهود فإنّما... سمّيت إنسانا لأنّك ناس
وقال آخر: [البسيط]
فإن نسيت عهودا منك سالفة... فاغفر فأوّل ناس أوّل النّاس
وقيل: سمي إنسانا؛ لأنسه بحواء، ﵍. وقيل: لأنسه بربه. قال الشاعر: [الطويل]
وما سمّي الإنسان إلاّ لأنسه... ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب
الإعراب: ﴿ما:﴾ نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِبَشَرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر:
﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿يُؤْتِيَهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، وما بعده معطوف عليه، والمصدر المؤوّل من: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ في محل رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر، التقدير: ما كان إتيان الله الكتاب... إلخ واقعا، أو حاصلا لبشر، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿يَقُولَ:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، ويقرأ بالرفع على الاستئناف، وهذا يعني: تقدير مبتدأ، التقدير: ثمّ هو يقول، والفاعل يعود إلى: (بشر).
والجملة الفعلية في محل رفع خبر للضمير المقدر، والجمة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كُونُوا:﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿عِباداً:﴾ خبر: ﴿كُونُوا﴾. ﴿لِي:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿عِباداً﴾.
﴿مِنْ دُونِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثانية ل ﴿عِباداً﴾ أو بمحذوف حال منه بعد وصفه بما تقدم، وجملة: ﴿كُونُوا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول.
стр. 849
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له، وجملة: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ في محل نصب مقول القول لفعل محذوف، التقدير: ولكن يقول: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ:﴾
والكلام معطوف على ما قبله. ﴿بِما﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تُعَلِّمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله.
﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر ﴿كانَ،﴾ و (ما) المصدرية و ﴿كُنْتُمْ﴾ في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: ﴿كُونُوا﴾ التقدير: بسبب كونكم معلّمين، وبسبب كونكم دارسين، وجوز تعليقهما ب ﴿رَبّانِيِّينَ﴾. ﴿وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ:﴾ إعرابه مثل إعراب سابقه. هذا؛ ويجوز اعتبار (ما) موصولة، أو موصوفة في الموضعين، وذلك على قراءة تشديد اللام، والسين، ويكون العائد، أو الرابط محذوفا، وهو مفعول الفعلين، تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجلّ، وأكرم.
﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾
الشرح: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا..﴾. إلخ؛ أي: لا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب. ويقرأ الفعل بالنصب عطفا على: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ ويقويه ما ذكرته عن اليهود في الآية السابقة، فيكون الفاعل عائدا على (بشر). ويقرأ بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام السابق، فيكون الفاعل عائدا إلى: (الله). ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ..﴾. إلخ: الاستفهام للتعجب، والإنكار. المعنى: لا يقول هذا، ولا يفعله! فالجهلة من الأحبار، والرّهبان، ومشايخ الضلال من المسلمين يدخلون في هذا الذّم، والتوبيخ، بخلاف الرّسل، وأتباعهم من العلماء العاملين. والخطاب للمسلمين، وللناس أجمعين.
هذا؛ وقد اتخذت بعض القبائل العربية، والصابئون الملائكة أربابا من دون الله. وقد ألزم الله الخلق حرمة الملائكة، والأنبياء، وتقديسهم. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقولنّ أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي. ولا يقل أحدكم: ربّي، وليقل سيّدي». وانظر ما ذكرته في سورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
هذا؛ و (الملائكة): أجسام نورانية لطيفة، قادرة على التشكّل، والتمثّل بأيّة صورة أرادوا، لا يأكلون، ولا يشربون، لا يبولون، ولا يتغوطون، لا ينامون، ولا يموتون، ولا يهرمون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. لا يتناكحون، ولا يتناسلون. يلهمون الحمد، والتسبيح لله، كما نلهم النّفس. لا يوصفون بذكورة، ولا أنوثة، فمن وصفهم بذكورة؛ فسق، ومن وصفهم بأنوثة: كفر، ولهم قدرة خارقة للعادة، ولا تحكم عليهم الصّورة. ومعناه: أن
стр. 850
الملك إذا تصور بصورة ما، وسدّد إنسان سهما نحوه، أو جني عليه بجناية؛ فلا يناله شيء من الأذى، بخلاف الجنّي؛ إذا تصور بصورة ما؛ فيجري عليه حكم الصّورة بلحوق الأذى إليه.
وانظر ما ذكرته في سورة (الجنّ) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك.
وهم كثيرون لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، قال تعالى في سورة (المدثر): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ يقومون بأعمال مختلفة، كلّ فيما وكل إليه من أعمال. ورؤساؤهم عشرة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ومنكر، ونكير، ورضوان خازن الجنة، ومالك خازن النار. ويتشكّلون بأشكال حسنة، بخلاف الجنّ؛ الذين يتشكلون بأشكال قبيحة.
الإعراب: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ:﴾ انظر الشرح لإعراب هذه الجملة. ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَتَّخِذُوا:﴾ في محل نصب مفعول به ثان عند سيبويه، وفي محل جر بحرف جر محذوف عند الخليل، التقدير: باتخاذكم، والجار، والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الْمَلائِكَةَ:﴾ مفعول به أول. ﴿وَالنَّبِيِّينَ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَرْباباً:﴾ مفعول به ثان. ﴿أَيَأْمُرُكُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكار، وتعجيب. (﴿يَأْمُرَكُمْ﴾): فعل مضارع، والكاف مفعول به، والفاعل يعود إلى (بشر) أو إلى: (الله) والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، ﴿بِالْكُفْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل المفعول الثاني. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. و ﴿بَعْدَ﴾ مضاف، و ﴿إِذْ﴾ ظرف مبني على السكون في محل جر بالإضافة. ﴿أَنْتُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ (٨١)﴾
الشرح: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ..﴾. إلخ: ذكروا في معنى أخذ الميثاق وجهين: أحدهما: أنه مأخوذ من الأنبياء، والثاني أنه مأخوذ لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في المعنيّ بهذه الآية، فذهب قوم إلى: أن الله تعالى أخذ ميثاقا من النّبيّين خاصّة قبل أن يبلّغوا كتاب الله، ورسالاته إلى عباده أن يصدّق بعضهم بعضا، وأخذ العهد على كل نبيّ أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء، وينصره-إن أدركه، وإن لم يدركه-أن يأمر قومه بنصرته؛ إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد ﷺ وعليهم أجمعين. هذا قول سعيد بن جبير، والحسن، وطاوس. وقيل: إنّما أخذ الميثاق من النبيين في أمر محمد ﷺ خاصّة، وهو قول عليّ، وابن عبّاس، وقتادة، والسّدّيّ. فعلى هذا القول اختلفوا، فقيل: إنّما أخذ الميثاق على أهل
стр. 851
الكتاب الذين أرسل إليهم النّبيّين، ويدلّ عليه قوله: ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ وإنّما كان محمّد ﷺ مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين، وإنما أطلق هذا اللفظ عليهم؛ لأنّهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمّد؛ لأنا أهل كتاب، والنّبيّون منا.
وقيل: أخذ الله الميثاق على النبيّين، وأممهم جميعا في أمر محمد ﷺ ، فاكتفى بذكر الأنبياء؛ لأنّ العهد مع المتبوع عهد مع التابع. وهو قول ابن عباس-﵄. قال عليّ كرّم الله وجهه: ما بعث الله نبيّا؛ آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمّد ﷺ ، وأخذ هو العهد على قومه ليؤمننّ به، ولئن بعث؛ وهم أحياء؛ لينصرنّه. انتهى خازن. وقال كثير من المفسّرين: إنّ الأنبياء كانوا يأخذون العهد، والميثاق على أممهم بأنّه إذا بعث محمد ﷺ أن يؤمنوا به، وينصروه.
ومعنى ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ:﴾ أنّ الله تعالى وصفه في كتب الأنبياء المتقدّمة، وشرح فيها أحواله، فإذا جاءت صفاته، وأحواله مطابقة لما في كتبهم المنزلة؛ فقد صار مصدّقا لها، فيجب الإيمان به، والانقياد له. ومعنى ﴿لِما مَعَكُمْ﴾ أي: من الشرائع، والكتاب، والحكمة.
هذا؛ وأصل الفعل: (تؤمنون) فلمّا اتّصلت به نون التوكيد؛ صار لتؤمنوننّ، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فالتقى ساكنان: واو الجماعة، والنون الأولى من المشدّدة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت الضمة على النّون قبلها؛ لتدل عليها. وإعلال ما بعده مثله.
﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي:﴾ قال البغويّ-رحمه الله تعالى-: قال الله- -للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم-والأنبياء فيهم كالمصابيح-وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمّد ﷺ : أأقررتم؟. وقال الفخر الرازي: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرّر في عقولهم من الدلائل الدّالة على أنّ الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء رسول، وظهرت المعجزات الدّالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك: أنّ الله أمر الخلق بالإيمان به؛ عرفوا عند ذلك وجوبه بتقرير هذا الدليل في عقولهم. فهذا هو المراد من الميثاق. وهذا إن فسرنا: أن أخذ الميثاق كان من النبيّين، وكان معناه: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به، والنصر له؟! وإن فسّرنا بأنّ أخذ الميثاق كان على الأمم؛ كان معناه: قال كل نبي لأمته: أأقررتم؟. وذلك؛ لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه. وإن كان النبيون أخذوه على الأمم؛ فذلك طلب هذا الإقرار، وأضافه إلى نفسه؛ وإن وقع من الأنبياء. هذا؛ والأصر-بفتح الهمزة، وكسرها لغتان-هو العهد، وهو المراد هنا، وهو في اللغة: الثّقل، وسمي العهد إصرا؛ لأنه منع، وتشديد. وانظر الآية الأخيرة من سورة (البقرة).
﴿قالُوا أَقْرَرْنا﴾ أي: قال النبيّون: أقررنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك؛ الذين ترسلهم مصدّقين لما معنا. ﴿قالَ فَاشْهَدُوا﴾ أي: قال الله- -للنبيّين: فاشهدوا على أنفسكم، أو
стр. 852
على أممكم، وأتباعكم الذين أخذتم عليهم الميثاق. وقيل: قال الله: للملائكة: فاشهدوا.
وقيل: معناه: فاعلموا، وبيّنوا؛ لأن أصل الشهادة العلم، والبيان. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: عليكم، وعلى أتباعكم.
الإعراب: (﴿إِذْ﴾): ظرف مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب، متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر وقت، أو هو مفعول به لهذا المحذوف. ﴿أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ:﴾ فعل ماض، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة (﴿إِذْ﴾) إليها، و ﴿مِيثاقَ:﴾ مضاف، و ﴿النَّبِيِّينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر الميمي لفاعله، أو لمفعوله. ﴿لَما:﴾ هذا اللفظ يقرأ بكسر اللام، وفتحها، فالكسر أمره هيّن. فاللام لام التعليل، و (ما) مصدرية تؤول مع الفعل بعده بمصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَخَذَ﴾. هذا قول البيضاوي. وقال القرطبيّ: متعلقان بمحذوف، التقدير: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمنّ الناس لما جاءكم من كتاب، وحكمة، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا. وقال ابن هشام في المغني:
متعلقان بقوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ الواقع جوابا لأخذ الميثاق على الاتساع في الظرف، والتقدير:
لإيتائي، لأجل إيتائي. وجوز اعتبار (ما) موصولة، وموصوفة، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: للذي، أو: لشيء آتيتكموه. وأما الفتح ففيه الأقوال الكثيرة، وها أنا ذا ألخصها لك مبتدئا بالمعتمد منها.
الأول: اللام لام الابتداء. (ما): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
﴿آتَيْتُكُمْ:﴾ فعل، وفاعل، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: للّذي آتيتكموه. ﴿مِنْ كُتُبٍ﴾ متعلقان بمحذوف حال من المفعول الثاني المحذوف، العائد على (ما)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر (ما) و ﴿مِنْ﴾ لبيان الجنس. ﴿وَحِكْمَةٍ:﴾ معطوف على:
﴿كِتابٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف.
﴿جاءَكُمْ﴾ فعل ماض، والكاف مفعول به. ﴿رَسُولٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة، والعائد في الأولى عائد فيها؛ لأن الجملتين المتعاطفتين كالجملة الواحدة، أو العائد محذوف، التقدير: ثم جاءكم به. ﴿مُصَدِّقٌ:﴾ صفة: ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿لَما:﴾ جار ومجرور متعلقان بمصدّق، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٣]. ﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة (ما) أو بمحذوف صفتها على اعتبارها موصوفة، والكاف في محل جر بالإضافة، وخبر المبتدأ الذي هو (ما) محذوف؛ إذ التقدير: للذي آتيتكموه... هو الحق، والجملة الاسمية هذه مؤكدة لمعنى القسم، أي: فكأنها قسم ثان. ﴿لَتُؤْمِنُنَّ:﴾ اللام: واقعة في جواب أخذ الميثاق المتضمّن معنى القسم. (تؤمنن): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه حذف النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة المدلول عليها بالضمة في محل رفع فاعله، ونون التوكيد حرف لا محل له،
стр. 853
والجملة الفعلية جواب أخذ الميثاق المتضمن معنى القسم، لا محل لها، والجملة: ﴿وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ معطوفة عليها، وإعرابها مثلها، والجملة الاسمية: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ..﴾. إلخ معترضة بين القسم، وجوابه مؤكدة لمعنى القسم، كما رأيت.
القول الثاني: اللام واقعة في جواب أخذ الميثاق المتضمّن معنى القسم، وجملة: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب قسم محذوف، والقسم المحذوف وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو: (ما) الموصولة، والجملة الاسمية: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ..﴾. إلخ جواب أخذ الميثاق المتضمّن معنى القسم.
القول الثالث: وهو للزمخشري، وتبعه البيضاوي، والنّسفي كعادتهما، وبه قال القرطبيّ، وهو قول المبرد، والكسائي، والزجاج: أن اللام هي الموطئة للقسم، و (ما) تحتمل الشرطية، والموصولة، فعلى الأول؛ فهي في محل نصب مفعول به مقدّم، وعلى الثاني؛ فهي مبتدأ، وجملة: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ فعل الشرط على الأول، وصلة الموصول على الثاني، والعائد محذوف، كما رأيت تقديره فيما سبق. و ﴿مِنْ كُتُبٍ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من الضمير المقدّر. كما سبق، وجملة: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة، وحذف جواب الشرط على القاعدة: «إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما». وهذا ضعيف، لا اعتبار له؛ لأنه لا يبقى لأخذ الميثاق جواب، وكذلك إن اعتبرت (ما) موصولة، وخبرها محذوفا، وجملة: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ جواب القسم المدلول عليه باللام، ولذا قال ابن هشام في المغني: وعلى هذا؛ فالأحسن ألا تكون اللام موطئة، و (ما) شرطية، بل للابتداء، و (ما) موصولة؛ لأنه حمل على الأكثر.
هذا؛ ويقرأ: («لمّا») بفتح اللام وتشديد الميم، وفيها وجهان: أحدهما: أنّها الزّمانية، أي:
أخذنا ميثاقهم لمّا آتيناهم شيئا من كتاب وحكمة، ورجع من الخطاب إلى الغيبة على المألوف من طريقتهم في الالتفات، والثاني: أنه أراد (لمن ما) ثم أبدل من النون ميما لمشابهتها إيّاها، فتوالت ثلاث ميمات، فحذفت الثانية لضعفها بكونها بدلا، وحصول التكرير بها. ذكر هذا المعنى ابن جني في المحتسب. انتهى أبو البقاء.
﴿قالَ:﴾ فعل ماض، وانظر الفاعل في الشرح. ﴿أَأَقْرَرْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام.
(﴿أَقْرَرْتُمْ﴾): فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. ﴿وَأَخَذْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿عَلى ذلِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿إِصْرِي:﴾ مفعول به، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والياء في محل جر بالإضافة.
وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿أَقْرَرْنا:﴾ فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: أقررنا بذلك، والجملة الفعلية في محل نصب مقول
стр. 854
القول، وجملة: ﴿قالُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى:
﴿اللهُ﴾. ﴿فَاشْهَدُوا:﴾ الفاء: صلة. (اشهدوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا؛ ويجوز اعتبار الفاء فصيحة، أفصحت عن شرط مقدّر، التقدير: قال: إذا كان ذلك حاصلا منكم؛ فاشهدوا. وهذا الكلام في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿وَأَنَا:﴾
الواو: واو الحال. (﴿أَنَا﴾) ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿مَعَكُمْ:﴾
ظرف مكان متعلّق بما بعده، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وجوز اعتبارها مستأنفة، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨٥] بشأن آل عمران، وتعليق الجار، والمجرور يقال مثله في الظرف: ﴿مَعَكُمْ﴾.
﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢)﴾
الشرح: ﴿فَمَنْ تَوَلّى:﴾ أعرض عن الإيمان بمحمد ﷺ ، ونصرته. ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾ الإقرار الذي تقدّم. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الإيمان والطاعة. هذا؛ وأعاد الضمير في ﴿تَوَلّى﴾ على لفظ (من) وجمع: (أولئك...) إلخ حملا على معناها، كما في الآية رقم [٨٤] الآتية.
هذا، و ﴿الْفاسِقُونَ﴾ جمع: فاسق، وهو الخارج عن حدّ الاستقامة، وأصل الفسق: الخروج عن القصد، والفاسق في الشرع: الخارج عن أوامر الله بارتكاب المعاصي، وله ثلاث درجات:
الأولى: التغابي، وهو أن يرتكب الكبيرة أحيانا مستقبحا إيّاها. والثانية: الانهماك، وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها، والثالثة: الجحود، وهو أن يرتكبها مستصوبا إيّاها. فإذا شارف هذا المقام، وتخطى خطّه؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ولا بس الكفر، لكن ما دام في درجة التغابي، والانهماك؛ فلا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتّصديق، الذي هو مسمّى الإيمان.
انتهى بيضاوي.
الإعراب: ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جزم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَوَلّى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) تقديره هو. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (أولئك): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿هُمُ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ثان. ﴿الْفاسِقُونَ:﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل رفع
стр. 855
خبر (أولئك) هذا؛ وإن اعتبرت الضمير فصلا ف: ﴿الْفاسِقُونَ﴾ خبر (أولئك) وعلى الوجهين فالجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدّسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت في الآية رقم [٦١] والجملة الاسمية: ﴿فَمَنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾
الشرح: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ:﴾ قال الكلبي-رحمه الله تعالى-: إن كعب بن الأشرف، وأصحابه اختصموا مع النّصارى إلى النبي ﷺ ، فقالوا: أينا أحقّ بدين إبراهيم؟ فقال لهم النبيّ ﷺ : «كلا الفريقين بريء من دينه». فقالوا: لا نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك.
فنزلت الآية الكريمة. والمراد بالاستفهام الإنكار، والتوبيخ. المعنى: أفبعد أخذ الميثاق عليهم، ووضوح الدلائل لهم: إنّ دين إبراهيم هو دين الله الإسلام؛ أي: أفغير دين الله تطلبون يا معشر اليهود، والنّصارى؟!.
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم، وانقاد، وخضع، وذلّ، وكلّ مخلوق فهو منقاد، ومستسلم لله؛ لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه. قال قتادة-رحمه الله تعالى-: أسلم المؤمن طوعا. والكافر عند موته كرها، ولا ينفعه ذلك لقوله تعالى في آخر سورة (غافر): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾. ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ:﴾ فيه تغليب العاقل على غيره، كما غلب غير العاقل على العاقل في غير ما موضع، مثل قوله تعالى: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾.
﴿طَوْعاً وَكَرْهاً:﴾ الطّوع: الانقياد، والاتّباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقّة، وإباء من النفس. وأحسن ما قيل في تفسيرها: إنّه لا سبيل لأحد من الخلق إلى الامتناع على الله في مراده، فأما المسلم؛ فينقاد لله فيما أمره، أو نهاه عنه طوعا، وأما الكافر، والفاجر؛ فينقاد لله كرها في جميع ما يقضي عليه، ولا يمكنه دفع قضائه، وقدره، وخذ قوله تعالى في سورة (الرّعد): ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يرجع الخلق كلهم إلى الله يوم القيامة. ففيه وعيد عظيم، وتهديد شديد لمن خرج عن طاعته، وخالف أمره في الدنيا. هذا؛ وتقرأ الأفعال بالتاء، والياء. هذا؛ وبين ﴿طَوْعاً﴾ و (﴿كَرْهاً﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعيّة.
(غير): اسم شديد الإبهام ك «مثل» لا يتعرّف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، ولا تدخل عليه (ال) وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، أو تقدّمت عليها كلمة
стр. 856
(ليس)، يقال: قبضت عشرة ليس غير. وهو مبني على الضّمّ، أو على الفتح، خلاف. وإن أردت الزيادة، فانظر مبحثنا في كتابنا: «فتح القريب المجيب».
فائدة: روى مجاهد عن ابن عباس-﵄-قال: إذا استصعبت دابة أحدكم، أو كانت شموسا؛ فليقرأ في أذنها هذه الآية: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿أَفَغَيْرَ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ. الفاء: حرف عطف، أو حرف استئناف. غير: مفعول به مقدم، وهو مضاف، و ﴿دِينِ﴾ مضاف إليه، و ﴿دِينِ﴾ مضاف ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿يَبْغُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو هي معطوفة على جملة مقدّرة قبلها، التقدير: أيتولون عن الإيمان الحقيقي فغير دين الله يبغون. ويكون الكلام كله مستأنفا. ﴿وَلَهُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَهُ﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿أَسْلَمَ:﴾ فعل ماض. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿فِي السَّماواتِ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الوصول. ﴿وَالْأَرْضِ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً:﴾ مصدران في موضع الحال من ﴿مَنْ﴾ أي: طائعين، ومكرهين. (﴿إِلَيْهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿يُرْجَعُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال مثلها، هذا؛ وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأن المضاف كجزء منه، قال ابن مالك -رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
ولا تجز حالا من المضاف له... إلاّ إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾
الشرح: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ:﴾ لمّا ذكر الله في الآية المتقدمة أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرّسول؛ الذي يأتي مصدقا لما معهم؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ﴾ وإنما وحّد الضمير في قوله: ﴿قُلْ﴾ وجمع في قوله: ﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ لأنّه إنما خاطبه بلفظ الوحدان، ليدل هذا الكلام على أنّه لا يبلغ هذا التكليف عن الله تعالى إلى الخلق إلا هو. ثم قال:
﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ تنبيها على أنّه حين قال هذا القول وافقه أصحابه، فحسن الجمع في قوله:
стр. 857
﴿آمَنّا﴾. وقال مكيّ-رحمه الله تعالى-: التقدير: قل: قولوا: آمنا، فالضمير في: ﴿آمَنّا﴾ للمأمورين، والآمر لهم النبي ﷺ . ويجوز: أنّ الأمر له ﷺ . يراد به أمّته.
﴿وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا:﴾ المراد به القرآن الكريم، وإنّما ذكره؛ لأنه أشرف الكتب، وأنّه لم يحرّف، ولم يبدّل، وغيره حرّف، وبدّل. ﴿وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ..﴾. إلخ: المراد به الصّحف التي أنزلت عليه، وقد عمل بها أولاده، وأحفاده. ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ هم أولاد يعقوب الاثنا عشر، ثم صاروا قبائل، يطلق عليها الأسباط، فالأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل. وقدّم إسماعيل على إسحاق في الذّكر لسببين: أولهما: أنه أسبق في الولادة بأربع عشرة سنة، وثانيهما: أنّه جدّ نبينا ﷺ ، فاستحق التقديم لذلك. وإنّما خص الله هؤلاء الأنبياء بالذكر؛ لأنّ أهل الكتاب يعترفون بوجودهم، ولم يختلفوا في نبوّتهم. ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى﴾ أي:
التوراة. ﴿وَعِيسى﴾ أي: الإنجيل.
﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ:﴾ كما فعل اليهود، والنصارى من الإيمان ببعض الرّسل، والكفر ببعضهم، كما قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ..﴾. إلخ رقم [١٥٠]: من سورة (النساء). ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي:
منقادون مخلصون له في العبادة، مقرّون له بالألوهية، والربوبية، لا نشرك معه أحدا أبدا، فالمؤمنون-كما في هذه الآية-يؤمنون بكل نبيّ أرسل، وبكلّ كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك. والحمد لله! هذا والآية مذكورة في سورة (البقرة) برقم [١٣٦]: مع الاختلاف في بعض الألفاظ، والمعنى واحد مع ملاحظة ما يلي:
عدّي الفعل: ﴿أُنْزِلَ﴾ هنا بحرف الاستعلاء (على) وفي سورة (البقرة) بحرف الانتهاء (إلى) لوجود المعنيين؛ إذ الوحي ينزل من فوق، وينتهي إلى الرّسول، فجاء تارة بأحد المعنيين، وتارة أخرى بالمعنى الآخر.
بعد هذا: ف: (﴿النَّبِيُّونَ﴾) جمع: نبي، يقرأ بالهمز، وبدونه، وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر؛ لأن النبي يخبر عن ربّه. وقيل: بل هو مأخوذ من النّبوة، وهي الارتفاع؛ لأن رتبة النبي ارتفعت عن رتب الخلق. هذا؛ والنبي غير الرسول بدليل عطفه عليه في قوله تعالى في سورة (الحج) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾. وقيل: هو أعمّ منه؛ لأنّ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، أمّا تعريفهما؛ فالرّسول: ذكر حرّ من بني أدم سليم عن منفّر طبعا، أوحي إليه بشرع يعمل به، ويؤمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بالتبليغ؛ فهو نبيّ، وليس رسولا، فنبينا ﷺ صار نبيّا بنزول سورة اقرأ عليه، وبعد ستة أشهر من نزولها صار رسولا بنزول سورة (المدثر).
هذا؛ ويروى: أن أبا ذر-﵁-سأل رسول الله ﷺ عن عدد الأنبياء، فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قال: كم عدد الرّسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولهم آدم،
стр. 858
وآخرهم نبيّكم». أخرجه الإمام أحمد، وفي بعض ألفاظه اختلاف بسيط. هذا؛ وأربعة منهم من العرب: هم: هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ . وإسماعيل بن إبراهيم مستعرب، سكن مكة مع قبيلة جرهم، وتزوّج منهم بامرأتين. والمذكور من الرّسل في القرآن الكريم بأسمائهم خمسة وعشرون، ومعرفتهم بأسمائهم واجبة على كلّ مسلم، ومسلمة من المكلّفين. وأعني بمعرفتهم:
أنه لو أعرض اسم رسول منهم على مسلم، فيحب أن يعرف: أهو من المرسلين، أم لا؟ هذا؛ وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ في سورة (النساء): ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقال في سورة (غافر): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. هذا؛ وقد قال ابن عباس-﵄: كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحا، وشعيبا، وهودا، وصالحا، ولوطا، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمدا، صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما كثيرا.
هذا؛ وقد ذكر الله في آيات (الأنعام) رقم [٨٣]: وما بعدها ثمانية عشر رسولا بأسمائهم من غير ترتيب لا بحسب الزّمان، ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو العاطفة لا تقتضي الترتيب، وبقي سبعة منهم، لم يذكروا في سورة (الأنعام)، وقد ذكروا في غيرها، وهم: إدريس، وشعيب، وصالح، وذو الكفل، وآدم، ومحمد، صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما كثيرا. فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولا الذين يحب الإيمان بهم، ومعرفتهم تفصيلا، وقد نظموا في قول بعضهم: [البسيط]
حتم على كلّ ذي التكليف معرفة... بأنبياء على التّفصيل قد علموا
في (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا...) منهم ثمانية﴾
من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو
إدريس هود ولوط صالح وكذا... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا
ويعني في قوله: (﴿تِلْكَ حُجَّتُنا﴾) آيات الأنعام المذكورة. وينبغي أن تعلم أن هؤلاء الرسل ليسوا بدرجة واحدة من الفضل، بل أرفعهم درجة، وأعلاهم منزلة، أولو العزم منهم، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وسيد الجميع، وأفضل الخلق قاطبة محمد صلّى الله عليهم جميعا، وسلم تسليما.
والرسل والأنبياء-صلوات الله، وسلامه عليهم أجمعين-تجوز عليهم الأعراض البشرية، فهم يأكلون، ويشربون، ويصحّون، ويمرضون، وينكحون النساء، ويمشون في الأسواق.
تعتريهم الأعراض البشرية من ضعف، وشيخوخة إلا أنهم يمتازون بخصائص كريمة عالية، ويتّصفون بصفات عظيمة جليلة، هي بالنسبة لهم من ألزم اللّوازم، وهي ما يلي: الصدق، والأمانة، والتبليغ، والفطانة، والعصمة من المعاصي قبل النبوّة، وبعدها، والسلامة من العيوب المنفّرة، ويستحيل عليهم ضدّها.
стр. 859
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: «أنت». ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل.
والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف على (الله). ﴿أُنْزِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، والجملة الفعلية صلتها. ﴿عَلَيْنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَما أُنْزِلَ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله. ﴿عَلى إِبْراهِيمَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، والأسماء بعده معطوفة عليه. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): معطوفة على ما قبلها. ﴿أُوتِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول. ﴿مُوسى:﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، والجملة الفعلية صلة (ما) والعائد محذوف، التقدير: والذي أوتيه موسى، وعيسى. ﴿وَالنَّبِيُّونَ:﴾ معطوف على ما قبله، فهو من عطف العام على الخاص. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أُوتِيَ﴾ والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وأجيز تعليق الجار والمجرور بمحذوف حال من الضمير المحذوف الواقع مفعولا ثانيا، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم في (﴿ما﴾).
﴿لا:﴾ نافية. ﴿نُفَرِّقُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل نصب حال من (نا) والرابط الضمير فقط. ﴿بَيْنَ﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿أَحَدٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (أحد)، ﴿وَنَحْنُ:﴾ الواو: واو الحال. (نحن): ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
﴿لَهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من (نا) أيضا، وهي مؤكدة للإيمان. والرابط: الواو والضمير.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)﴾
الشرح: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً﴾ يعني: إن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وإنّ كلّ دين سواه غير مقبول عنده؛ لأن الدّين الصحيح ما يأمر الله به، ويرضى عن فاعله، ويثيبه عليه. ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ يعني: الذين وقعوا في الخسار، وهو: حرمان الثّواب، وحصول العقاب.
هذا؛ وقيل في تفسير «الخسران»: إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النّار، فإذا كان يوم القيامة؛ جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنّة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النّار. فذلك هو الخسران! وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلاّ
стр. 860
له منزلان: منزل في الجنّة ومنزل في النّار، فإذا مات، فدخل النّار؛ ورث أهل الجنّة منزله».
فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون): ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَبْتَغِ﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾) تقديره: هو. ﴿غَيْرَ:﴾ مفعول به. ﴿دِيناً:﴾ تمييز، هذا وجه، ووجه ثان: ﴿غَيْرَ﴾ حال من ﴿دِيناً﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا. ﴿دِيناً:﴾ مفعول به. ووجه ثالث. ﴿غَيْرَ﴾ مفعول به. و ﴿دِيناً﴾ بدل منه، و ﴿غَيْرَ﴾ مضاف، و ﴿الْإِسْلامِ﴾ مضاف إليه. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يُقْبَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن) ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿غَيْرَ الْإِسْلامِ﴾. ﴿مِنْهُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، وخبر المبتدأ؛ الذي هو (من) مختلف فيه، كما رأيت فيما تقدّم.
﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (هو): مبتدأ. ﴿فِي الْآخِرَةِ:﴾ متعلقان باسم فاعل محذوف، التقدير: وإنه خاسر في الآخرة. وقيل: متعلقان بمصدر محذوف، التقدير: خسرانه في الآخرة.
وهذا؛ لأن (ال) بمعنى الموصول، والجار والمجرور من صلة الموصول، ولا تتقدم الصلة على الموصول. وقول ثالث: إنّ ﴿الْخاسِرِينَ﴾ ليس بمعنى: الذين خسروا، ولكنه اسم قائم بنفسه، كما يقال: الرجل، والغلام؛ أي: فالألف للتعريف، لا بمعنى «الذي». وهو أولى، وأسهل في الإعراب، فيكون الجار والمجرور: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلقين به. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ ب:
(من) والرابط: الواو، والضمير، والاستئناف ممكن.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٨٦)﴾
الشرح: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ..﴾. إلخ: قال الخازن-رحمه الله تعالى-: نزلت الآية الكريمة في اثني عشر رجلا ارتدّوا عن الإسلام، وذهبوا إلى مكّة كفارا، منهم: الحارث بن سويد الأنصاري، وطعمة بن أبيرق، وحجوج بن الأسلت. وقال ابن عباس-﵄: نزلت في اليهود، والنصارى، وذلك: أنّ اليهود كانوا قبل مبعث النبي ﷺ يستفتحون به على الكفار، ويقرّون به، ويقولون: قد أظلّ زمان نبي مبعوث، نقتلكم معه قتل عاد، وإرم، انظر الآية رقم [٤٩]: من سورة (البقرة) -فلمّا بعث محمد ﷺ كفروا به بغيا، وحسدا. ومعنى الآية: كيف يرشد
стр. 861
الله للصواب، ويوفق للإيمان قوما جحدوا نبوة محمد ﷺ بعد تصديقهم إيّاه، وإقرارهم بما جاء به من عند ربّه.
﴿وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي: الحجج، والبراهين، والمعجزات الدّالة على نبوّته؛ التي بمثلها ثبتت النبوة. ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أي: لا يوفقهم إلى الحقّ، والصّواب؛ لما سبق في علمه تعالى: أنهم ظالمون، وأنّهم لا يهتدون.
هذا؛ والمراد ب ﴿الظّالِمِينَ﴾ في هذه الآية: الكفار، كما عبّر الله عنهم في آيات كثيرة (﴿الْمُجْرِمِينَ﴾) و (﴿الْفاسِقِينَ﴾) و (﴿الْكاذِبِينَ﴾) وغير ذلك، وإننا نجد الكثير من المسلمين يتّصفون بهذه الصفات، فهل يوجه إليهم التهديد، والوعيد، كما يوجه إلى الكفار؟ الحقّ أقول: نعم، يوجّه إليهم ذلك، ولا سيّما من قرأ منهم القرآن الكريم، واطّلع على أخبار الأمم السابقة، والقرون السالفة؛ كيف نكّل الله بهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين؟! وإنّما سمّي الكافر ظالما؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها، وكلّ من يدّعي الإسلام، ولا يعمل بتعاليمه؛ فهو ظالم لنفسه، ويستحقّ ما يستحقّ الكافر من العذاب في الدّنيا، والآخرة.
الإعراب: ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام، واستبعاد مبني على الفتح في محل نصب حال، عامله ما بعده. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل.
﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿قَوْماً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿كَفَرُوا:﴾
فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿قَوْماً﴾. ﴿بَعْدَ:﴾
ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿إِيمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. (﴿شَهِدُوا﴾): ماض، وفاعله. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الرَّسُولَ:﴾ اسمها.
﴿حَقٌّ:﴾ خبرها، والمصدر المؤوّل منها، ومن اسمها، وخبرها في محل نصب مفعول به عند سيبويه، وفي محل نصب بنزع الخافض عند الخليل. والجملة الفعلية فيها ثلاثة أوجه: أحدها:
أنها في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وهي على تقدير «قد» قبلها. والثاني: أنّها معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها؛ أي: كيف يهديكم الله بعد اجتماع الأمرين. والثالث: أن يكون التقدير: وأن شهدوا؛ أي: بعد أن آمنوا، وأن شهدوا، فيكون معطوفا على: ﴿إِيمانِهِمْ﴾ على هذا التأويل. انتهى عكبري. وأقواها الوجه الأول.
﴿وَجاءَهُمُ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿جاءَهُمُ﴾): فعل ماض، والهاء مفعول به. ﴿الْبَيِّناتُ:﴾
فاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الأوجه الثلاثة فيها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَهْدِي:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به، ﴿الظّالِمِينَ:﴾ صفة: ﴿الْقَوْمَ﴾ منصوب مثله، وعلامة نصبه الياء... إلخ.
стр. 862
﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ﴾ أي: المرتدّون عن الإسلام؛ الّذين مرّ ذكرهم فيما سبق. ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أي:
الذي يستحقونه فيما سبق من كفرهم، وانظر شرح باقي الكلمات فيما تقدّم قريبا من هذه السورة.
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان. ﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿أَنَّ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿لَعْنَةَ:﴾ اسمها المؤخر، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله، و ﴿أَنَّ﴾ واسمها، وخبرها في تأويل مصدر في محل رفع خبر: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، هذا وأجيز اعتبار: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ بدلا من: ﴿أُولئِكَ﴾ بدل الاشتمال، فيكون المصدر خبرا عنه. وفيه ضعف ظاهر وانظر الآية رقم [١٣٦] الآتية.
﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ:﴾ معطوفان على لفظ الجلالة. ﴿أَجْمَعِينَ:﴾ تأكيد ل (﴿النّاسِ﴾) على لفظه.
﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)﴾
الشرح: ﴿خالِدِينَ فِيها:﴾ الخلود: الدّوام، والمراد عدم الخروج أبدا. ﴿فِيها﴾ أي: في اللّعنة المذكورة، أو النار المدلول عليها باللّعنة. والإضمار قبل الذّكر تفخيما لشأنها، وتهويلا لعظمهما، أو اكتفاء بدلالة اللّعنة عليها، وكثيرا ما وقع في القرآن: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ وهو عائد على النار. ﴿يُنْظَرُونَ:﴾ يمهلون، أو: لا ينظر إليهم نظر رحمة. قال تعالى في سورة (الزخرف):
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
هذا؛ وقال الإمام الفخر الرازي-رحمه الله تعالى-: قال قوم: إنّ عذاب الله للكافرين منقطع، وله نهاية، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ وبأنّ معصية الظالم متناهية، فالعقاب بما لا يتناهى ظلم. والجواب: أن قوله: ﴿أَحْقاباً﴾ لا يقتضي بأنّ له نهاية؛ لأنّ العرب يعبّرون به، وبنحوه عن الدّوام. ولا ظلم في ذلك؛ لأنّ الكافر كان عازما على الكفر ما دام حيّا، فعوقب دائما، ولم يعاقب بالدّائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقا.
الإعراب: ﴿خالِدِينَ:﴾ حال مقدّرة من الضمير المجرور في الآية السّابقة، وهو عائد على واو الجماعة، منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة... إلخ، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُخَفَّفُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول.
﴿عَنْهُمُ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْعَذابُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال أخرى من الضمير المجرور، وهي حال مؤكدة للحال المقدرة، والرابط: الضمير فقط. وقال أبو
стр. 863
البقاء: حال من الضمير المستتر في: ﴿خالِدِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة، أو هي مستأنفة، لا محل لها. أفاده مكيّ، ﵀. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿هُمْ:﴾ مبتدأ.
﴿يُنْظَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَلا هُمْ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب حال أيضا.
هذا؛ وذكرت لك: أنّ ﴿خالِدِينَ﴾ حال مقدرة؛ إذ الحال بالنسبة للزّمان على ثلاثة أقسام:
حال مقارنة، وهي الغالبة، نحو قوله تعالى حكاية عن قول امرأة إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾. وحال مقدرة، وهي المستقبلة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾. ومنها الحال في هذه الآية، كما رأيت، وحال محكية، وهي الحال الماضية، نحو: جاء زيد أمس راكبا. وهناك الحال الموطئة، وهي التي تذكر توطئة للصفة بعدها؛ بمعنى: أن المقصود الصّفة، وهذا كثير في القرآن الكريم، خذ قوله تعالى:
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ ف: ﴿آياتٍ﴾ حال من الضمير المنصوب، وليست مقصودة.
هذا؛ والحال أيضا على نوعين: مؤسّسة، ومؤكّدة، فالأولى هي التي لا يستفاد معناها بدونها، نحو جاء زيد ضاحكا، ونحوه، وأكثر ما تأتي الحال من هذا النوع مبينة هيئة فاعل، أو مفعول. والمؤكدة هي التي يستفاد معناها بدونها، وإنما يؤتى بها للتوكيد، وهذه ثلاثة أنواع:
الأولى: ما يؤتى بها لتوكيد عاملها، وهي الّتي توافقه معنى فقط، أو معنى، ولفظا، فالأول: كقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها،﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. والثاني: نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾.
النوع الثاني: ما يؤتى بها لتوكيد صاحبها، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾.
النوع الثالث: ما يؤتى بها لتوكيد مضمون جملة معقودة من اسمين معرفتين جامدين، نحو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ﴾ وقول سالم بن دارة اليربوعي-وهو الشاهد رقم [٣٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفا بها نسبي... وهل بدارة يا للنّاس من عار؟
وهناك الحال اللازمة في قراءة من قرأ قوله تعالى في سورة (ص) رقم [٢٩]: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ بالنّصب؛ لأن البركة لا تفارق الكتاب، وهو القرآن. وأيضا قوله تعالى في الآية رقم [١٩١] الآتية: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً﴾.
وأخيرا خذ الحال السببية، ولم يذكرها أحد من المفسرين، ولا المعربين، ومثالها قوله تعالى في سورة (الأنبياء): ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ،﴾ وقوله تعالى في سورة (المعارج) وفي سورة (ن):
стр. 864
﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ فلاهية، و ﴿خاشِعَةً﴾ حال ممّا من قبلهما في الإعراب، وعند التأويل يتبين لك: أنهما حالان مما بعدهما، وهذا كما في النّعت السببي في قولك: مررت برجال كريم آباؤهم، وبنسوة كريم آباؤهنّ، ف: «كريم» صفة لما قبله في الإعراب، وهو في الحقيقة صفة لما بعده. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾
الشرح: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ أي: رجعوا إلى الإيمان، وتابوا توبة نصوحا. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد ارتدادهم عن الإسلام. وذلك: أن الحارث بن سويد الأنصاري لمّا لحق بالكفار؛ ندم على ذلك، فأرسل إلى قومه أن سلوا رسول الله ﷺ : هل لي من توبة؟! ففعلوا، فأنزل الله الآية، فبعث بها إليه أخوه الجلاس مع رجل من قومه، فأقبل إلى المدينة تائبا، وقبل رسول الله ﷺ توبته، وحسن إسلامه. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أي: ضمّوا إلى التوبة الأعمال الصالحات. وهذا دليل على أنّ التوبة إذا لم تتبع بالعمل الصالح؛ فلا قيمة لها. قال تعالى في سورة (طه): ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى﴾.
قال سليمان الجمل-رحمه الله تعالى-: وهذا مشروع بيان تقسيم الكفار إلى ثلاثة أقسام:
قسم تاب توبة صحيحة، فنفعته توبته، كما هنا. وقسم تاب توبة فاسدة، فلم تنفعه، كما في الآية التالية. وقسم لم يتب أصلا، كما يأتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ..﴾. إلخ.
الإعراب: ﴿إِلاَّ:﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب على الاستثناء من واو الجماعة في الآية السابقة. ﴿تابُوا:﴾ فعل ماض، والواو فاعله، والألف للتفريق. والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له، وجملة: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ مع المفعول المحذوف معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: حرف عطف، وتفريع. (إنّ): حرف مشبه بالفعل.
﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خبران ل (إنّ) والجملة الاسمية مفرّعة عمّا قبلها، لا محلّ لها أيضا، وهذا الإعراب يجعل هذه الجملة لا ارتباط لها بما قبلها. والأولى اعتبار الموصول مبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ..﴾. إلخ في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. ومضمون الجملة الاسمية: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ..﴾. إلخ في محل نصب مستثنى من مضمون الكلام السابق. والاستثناء متصل، أو منقطع حسبما رأيت في الشرح، ومثل هذه الآية في الإعراب الآية رقم [١٦٠] من سورة (البقرة) والآية [٦٠] من سورة (مريم) على نبينا، وحبيبنا، وعليها، وعلى ولدها ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 865
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠)﴾
الشرح: ذكر الله في هذه الآية القسم الثاني من الناس، وهم الذين تابوا توبة فاسدة، وهم اليهود، فإنّهم كفروا بعيسى، وبالإنجيل بعد الإيمان بموسى، وبالتوراة، ثم ازدادوا كفرا بمحمّد ﷺ وبالقرآن. أو: هم اليهود، والنصارى جميعا، وذلك أنّهم كفروا بمحمّد ﷺ لمّا رأوه بعد إيمانهم به قبل مبعثه؛ لما ثبت عندهم من نعته، وصفته في كتبهم، ثمّ ازدادوا كفرا بتبديلهم، وتحريفهم التوراة، والإنجيل. ومثل هذه الآية ما ذكره الله بشأن المنافقين في قوله تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً..﴾. إلخ.
﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ:﴾ لقد اختلف المفسّرون في معنى هذه الجملة، فقال الحسن البصري، وعطاء، وقتادة، والسدي: لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت، وهو وقت الحشرجة؛ لأنّ الله تعالى قال في سورة (النساء): ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. وقال ابن عباس-﵄: إنّهم الذين ارتدوا، وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ضمائرهم. وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال الشّرك، ولم يتوبوا من الشّرك، فإن توبتهم في حال الشرك غير مقبولة.
وقيل غير ذلك. والأول أولى بالاعتبار. وانظر آية (النساء) رقم [١٧ و ١٨]. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن منهج الحقّ إلى طريق الغيّ.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿إِيمانِهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿اِزْدادُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها.
﴿كُفْراً:﴾ تمييز. وقيل: مفعول به، ولا وجه له. ﴿لَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿تُقْبَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿لَنْ﴾. ﴿تَوْبَتُهُمْ:﴾ نائب فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة لا محل لها. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٨٢] والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، وهي مؤكدة لمضمونها.
تنبيه: لم تدخل الفاء في خبر: ﴿إِنَّ﴾ هنا. ودخلت في الآية التالية؛ لأنّ الكلام فيها مبني على الشرط، والجزاء، وأنّ سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر بخلافه هنا؛ لأن الكلام مبتدأ، وخبر، ولا دليل فيه على التسبب، كما تقول: الذي جاءني له درهم. لم تجعل
стр. 866
المجيء سببا في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم. انتهى كشاف بتصرف كبير.
وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)﴾
الشرح: هذه الآية تعمّ جميع من مات على الكفر من اليهود، والنّصارى، والوثنيين بأنّ مأواهم جهنم، وبئس المصير، ولا يقبل من أحدهم فداء يفتدي به من عذاب الله، ولو كان بملء الأرض من ذهب. وهذا مبالغة في التيئيس، والتقنيط من رحمة الله، وعفوه. وذكر الذهب؛ لأنه أعز الأشياء، وأغلاها، وهو على سبيل الفرض والتقدير؛ لأنّ الملك يوم القيامة لله وحده، ولا يملك عبد يومئذ مثقال ذرة من تراب، ولا يقبل من الكافر شفاعة، ولا يؤخذ منه عدل، قال تعالى في سورة (المائدة): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. وقيل: معنى الآية: لو أن الكافر أنفق في الدنيا ملء الأرض ذهبا، ثم مات على كفره؛ لم ينفعه ذلك؛ لأنّ الطاعة مع الكفر غير مقبولة. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ مانعين يمنعونهم من عذاب الله.
فعن أنس-﵁-عن النبي ﷺ قال: يقول الله- -لأهون أهل النّار عذابا يوم القيامة: «لو أنّ لك ما في الأرض من شيء؛ أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم! فيقول الله:
أردت منك أهون من ذلك، وأخذت عليك في ظهر أبيك آدم ألاّ تشرك بي شيئا، فأبيت إلاّ الشّرك». أخرجه البخاريّ، ومسلم. وهذا يتعارض ظاهره مع قوله تعالى في سورة (الأعراف):
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾.
ويجاب بأن آية (الأعراف) معناها الخضوع، والتذلل، وما في الحديث معناه: الانقياد والطاعة. بعد هذا؛ فالموت: انتهاء الحياة بخمود حرارة البدن، وبطلان حركته، وموت القلب:
قسوته، فلا يتأثر بالمواعظ، ولا ينتفع بالنصائح.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسمها، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿وَهُمْ كُفّارٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء: صلة للتأكيد. (لن): حرف ناصب. ﴿يُقْبَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن). ﴿مِنْ أَحَدِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿مِلْءُ:﴾ نائب فاعل، وهو مضاف، و ﴿الْأَرْضِ:﴾ مضاف إليه. ﴿ذَهَباً:﴾ تمييز، وقال الكسائي: منصوب بنزع الخافض،
стр. 867
أي: من ذهب، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها بمنزلة البدل من الآية السابقة.
﴿وَلَوِ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَوِ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿اِفْتَدى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذّر، والفاعل يعود على ﴿أَحَدِهِمْ﴾. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب (﴿لَوِ﴾) محذوف؛ إذ التقدير: لو افتدى به لا يقبل منه. و (﴿لَوِ﴾) ومدخولها كلام معترض في آخر الكلام، واعتبار (﴿لَوِ﴾) وصلية، والجملة الفعلية في محل نصب حال ضعيف. هذا؛ وقيل: الواو متممة. ولا وجه له بعد التقدير؛ الذي رأيته.
﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿عَذابٌ:﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا، وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف خبر: ﴿أُولئِكَ﴾ و ﴿عَذابٌ﴾ فاعلا به؛ فهو كلام لا غبار عليه، والتقدير: أولئك ثابت لهم عذاب. وعلى كلّ فالجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٥٦] وهي معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها، أو هي في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ باللام. والرابط: الواو، والضمير.
﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾
الشرح: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ:﴾ فسّر البرّ بالجنّة، والمعنى: لن تدخلوا الجنة، وتعطوها حتى تنفقوا ممّا تحبّون. وقيل: البرّ: الطاعة، والعمل الصالح، وقد يستعمل في البرّ حسن الصّدق، وحسن الخلق؛ لأنّهما من الخير المتوسّع فيه. فعن عبد الله بن مسعود-﵁-قال:
قال رسول الله ﷺ : «عليكم بالصّدق! فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرّى الصّدق؛ حتّى يكتب عند الله صدّيقا. وإيّاكم والكذب! فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب، ويتحرّى الكذب؛ حتّى يكتب عند الله كذّابا». رواه الشّيخان، وغيرهما.
﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أي: من جيد أموالكم، وأنفسها عندكم. وقد نهى الله عن التصدّق بالرديء، قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٧]: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ..﴾. إلخ. هذا؛ والمراد: الصدقات في
стр. 868
وجوه الخيرات كلها. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: من أيّ شيء كان، من طيب تحبّونه، أو من خبيث تكرهونه، فإنّ الله يعلمه.
بعد هذا، فخذ ما يلي: عن أنس-﵁-قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل، وكان أحبّ أموال إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها عذب. قال أنس-﵁: فلمّا نزل قوله تعالى:
﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبو طلحة، وقال: يا رسول الله! إنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ..﴾. إلخ، وإنّ أحبّ أموالي إلي «بيرحاء» وإنّها صدقة لله، عزّ، وجل.
أرجو برّها، وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ :
«بخ بخ، ذلك مال رابح». فهذه كلمة تقال عند المدح، والرضا، وتكريرها للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإذا وصلت جرّت، ونوّنت: فقلت: بخ بخ.
هذا، وقد تبرّع كثير من الصحابة في سبيل الله ممّا يحبّون، منهم: عمر بن الخطاب، وزيد ابن حارثة، وأبو ذر الغفاري-﵃-وروي: أنّ عمر بن عبد العزيز-﵁ كان يشتري أعدالا من سكر، ويتصدّق بها، فقيل له: هلاّ تصدّقت بقيمتها؟ فقال: لأنّ السكر أحبّ إليّ، فأردت أن أنفق ممّا أحبّ.
الإعراب: ﴿لَنْ تَنالُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْبِرَّ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿حَتّى:﴾ حرف غاية وجر بعدها «أن» مضمرة. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل: ﴿تُنْفِقُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر ب ﴿حَتّى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل:
﴿تَنالُوا﴾. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، و (ما): تحتمل الموصولة، والموصوفة، وإن اعتبرت الجار والمجرور متعلقين بمحذوف صفة مفعول به محذوف، التقدير:
حتى تنفقوا شيئا كائنا من الذي تحبونه؛ فلا بأس به.
﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿تُنْفِقُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ شَيْءٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾)، و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها. ﴿فَإِنَّ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (إنّ): حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها.
﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبر: (إنّ). والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط... إلخ، والجملة الشرطية مستأنفة، لا محلّ لها.
стр. 869
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)﴾
الشرح: سبب نزول هذه الآية، والتي بعدها: أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : إنّك تزعم: أنك على ملّة إبراهيم، وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل، وألبانها، وأنت تأكل ذلك كلّه، فلست على ملّته، فقال النبي ﷺ : «كان ذلك حلالا لإبراهيم». قالوا: كلّ ما تحرمه التوراة اليوم كان ذلك حراما على نوح، وإبراهيم حتّى انتهى إلينا. فأنزل الله : ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾.
المعنى: ليس الأمر على ما تدّعيه اليهود من تحريم لحوم الإبل على إبراهيم، بل كان ذلك حلالا على إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وإنّما حرمه يعقوب-﵇-بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده. فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم رسول الله ﷺ بإحضار التوراة، وطلب منهم أن يستخرجوا منها: أن ذلك كان حراما على إبراهيم ﵇، فعجزوا عن ذلك، وافتضحوا وبان كذبهم فيما ادعوا من حرمة هذه الأشياء على إبراهيم، وفي هذا دليل على صحة نبوّة محمد ﷺ ؛ لأنه كان أميّا لم يقرأ الكتب، ولم يعرف ما في التوراة، فلمّا أخبر:
أن ذلك ليس في التوراة؛ علم: أنّ الذي أخبر به ﷺ وحي من الله تعالى. وفيه دليل على جواز نسخ الأحكام، وتغييرها؛ لأنّ اليهود كانوا ينكرونه.
﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أي: كل أنواع الطعام، أو سائر المطعومات. ﴿حِلاًّ:﴾ مصدر أخبر به عن جمع، فهو يستوي فيه المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث. ﴿إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ:﴾ فقد روى الطّبريّ بسنده عن ابن عبّاس-﵄: أنّ عصابة من اليهود حضرت عند رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا أبا القاسم! أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله ﷺ : «أنشدكم بالله الّذي أنزل التّوراة على موسى، هل تعلمون أنّ إسرائيل مرض مرضا شديدا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرا: لئن عافاه الله من سقمه؛ ليحرّمنّ أحبّ الطّعام، والشّراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لحم الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهمّ نعم! وكان سبب ذلك: أنه اشتكى عرق النّسا» وهو عرق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذين، ثم يمرّ بالعرقوب؛ حتى يبلغ الحافر.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها﴾ فلم يأتوا بالتوراة إلى رسول الله ﷺ . فثبت كذبهم، وافتراؤهم، فبهتوا، ولعنوا بما قالوا. ونزلت الآيات رقم [١٦٠]: وما بعدها من سورة (النساء) تبيّن: أن هذا التّحريم كان عقوبة لليهود بسبب ظلمهم، ومخالفتهم لأوامر ربّهم، وكان ذلك في زمن موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
стр. 870
بعد هذا، فقد أخرج ابن ماجة في سننه ما يلي: عن أنس بن مالك-﵁-قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شفاء عرق النّسا ألية شاة أعرابية تذاب، ثم تجزّأ ثلاثة أجزاء، ثمّ يشرب على الرّيق في كلّ يوم جزء». قال أنس-﵁: فوصفته لأكثر من مائة، فبرأ بإذن الله تعالى، وقال شعبة: حدّثني شيخ في زمن الحجّاج بن يوسف في عرق النّسا: (أقسم لك بالله الأعلى لئن لم تنته؛ لأكوينّك بنار، ولأحلقنّك بموسى!)، ويمسح على ذلك الموضع.
هذا؛ و (بني) أصله: بنين، حذفت النون للإضافة، وهو جمع: ابن مأخوذ من البناء؛ لأن الابن مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى الصّانع، وأصله بني. وقيل: بنو، وتصغيرها على الأول بنيّ، وعلى الثاني بنيو، ثم يقال فيه: قلبت الواو ياء، ثم أدغمت في الياء. فصار بنيّ.
﴿إِسْرائِيلَ﴾ هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، على نبيّنا، وحبيبنا، وعليهم جميعا ألف صلاة، وألف سلام، ومعناه في العربية: صفوة الله، أو عبد الله، ف (إسرا) هو: العبد، أو:
الصفوة، و (إيل) هو: الله، وفيه سبع لغات. قرئ بها كلّها، وتميم يقولون: إسرائين. قال الشاعر، انظر الشاهد [٣٣٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» وما يتعلّق به: [الرجز]
قالت وكنت رجلا قطينا... هذا لعمر الله إسرائينا
الإعراب: ﴿كُلُّ:﴾ مبتدأ وهو مضاف، و ﴿الطَّعامِ﴾ مضاف إليه. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿كُلُّ﴾. ﴿حِلاًّ:﴾ خبره، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿لِبَنِي:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿حِلاًّ﴾ أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و (بني): مضاف، و ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء من اسم: ﴿كانَ﴾ وجوّز أبو البقاء اعتباره مستثنى من الضمير المستتر في: ﴿حِلاًّ﴾. ﴿حَرَّمَ:﴾ فعل ماض.
﴿إِسْرائِيلَ:﴾ فاعله. ﴿عَلى نَفْسِهِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: إلا الذي، أو: شيئا حرّمه إسرائيل. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان ب ﴿حَرَّمَ﴾ وقيل: متعلقان ب ﴿كانَ حِلاًّ﴾. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري ونصب. ﴿تُنَزَّلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾. ﴿التَّوْراةُ:﴾ نائب فاعله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه، التقدير:
من قبل تنزيل التوراة.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿فَأْتُوا:﴾ الفاء: صلة. (ائتوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالتَّوْراةِ:﴾ متعلقان بما قبلهما،
стр. 871
والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول. هذا؛ وإن اعتبرت الفاء الفصيحة تفصح عن شرط مقدر، التقدير: قل: إذا كان ما تدّعونه صحيحا؛ فأتوا بالتوراة؛ فالكلام كلّه في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَاتْلُوها﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿أَنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾
فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿صادِقِينَ:﴾
خبره منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة الشرطية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (٩٤)﴾
الشرح: ﴿فَمَنِ افْتَرى..﴾. إلخ: الافتراء: اختلاق الكذب، والفجور، والإفساد في الأرض. مأخوذ من: فرى الأديم: إذا قطعه. ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي: من بعد ظهور الحجّة بأنّ التحريم إنّما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرّما من قبله. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾
المعتدون، المتجاوزون الحقّ إلى الباطل، المستحقّون للعذاب الأليم، والعقاب الشديد؛ لأنّ كفرهم ظلم منهم لأنفسهم، ولمن أضلّوه عن الدّين من بعدهم.
بعد هذا فالآية الكريمة تشنّع على اليهود كذبهم، وافتراءهم، وقبائح أعمالهم، فتصفهم بأنّهم كاذبون، والكذب ديدنهم، وصفة لازمة لهم في ماضيهم، وحاضرهم. والكذب من أفحش الذنوب الكبار، ومن أخبث ما يتصف به إنسان، وأبرز صفات المنافقين. هذا؛ فقد حذّر القرآن الكريم منه، والرّسول ﷺ حذّر منه؛ ولو في المزاح، والضّحك، ومهما دعت الحاجة إليه؛ لأنّ فيه الهلاك، وفي الصّدق النّجاة. وخذ ما يلي:
فعن منصور بن المعتمر-﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تحرّوا الصّدق-وإن رأيتم: أنّ الهلكة فيه-فإنّ فيه النّجاة». رواه ابن أبي الدنيا. وقال الشاعر: [السريع]
عليك بالصّدق، ولو أنّه... أحرقك الصّدق بنار الوعيد
واعتبر الرّسول ﷺ الكذب من أبرز صفات المنافقين مع الخيانة، والفجور، وخلف الوعد، ولا يكذب إلا حقير مهين، لا كرامة له بين الناس، قال الشاعر: [البسيط]
لا يكذب المرء إلاّ من مهانته... أو فعله السّوء أو من قلّة الأدب
لبعض جيفة كلب خير رائحة... من كذبة المرء في جدّ وفي لعب
وعن صفوان بن سليم-﵁-قال: قيل: يا رسول الله! أيكون المؤمن جبانا؟ قال: «نعم» قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: «نعم». قيل له: أيكون المؤمن كذّابا؟ قال:
«لا!». وهذا الحديث ضعيف، رواه مالك هكذا مرسلا.
стр. 872
هذا؛ وقال تعالى في سورة (النّحل) رقم [١٠٥] ﴿إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ ورحم الله من قال: [البسيط]
عوّد لسانك قول الصّدق تحظ به... إنّ اللّسان لما عوّدت معتاد
الإعراب: ﴿فَمَنِ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿اِفْتَرى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) على الله: متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكَذِبَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكذب، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر بالإضافة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ:﴾ انظر مثلها في الآية رقم [٨٢]: والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور. وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه، كما ذكرته لك مرارا. هذا؛ وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، والجملة الفعلية بعده صلته، والجملة الاسمية: (أولئك...): خبره، ودخلت الفاء على الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم. والجملة اسمية على الاعتبارين، وهي تحتمل الاستئناف، فلا محل لها، وتحتمل العطف على جملة: ﴿فَأْتُوا..﴾. إلخ في الآية السابقة، فتكون من جملة مقول القول.
﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ خطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿صَدَقَ اللهُ﴾ فيما أخبر: أن لحوم الإبل، وألبانها كانت محلّلة لإبراهيم، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام، وإنّما حرّمها يعقوب-﵇-على نفسه، وعلى ذرّيته للسّبب الذي ذكر في الآية السابقة، وكما ذكر الله في سورة (النساء) أنّ الله حرّم على اليهود أشياء كثيرة بفسادهم، وخروجهم عن طاعة ربّهم، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ أي: اتبعوا ما يدعوكم إليه محمّد ﷺ من ملّة إبراهيم، وهي الدّين الصّحيح، وهو الإسلام. هذا؛ و (الملّة): الطريقة، والشريعة، والدّين. وهي بفتح الميم:
الرّماد الحار. ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لم يدع مع الله إلها آخر، ولا عبد سواه.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿صَدَقَ اللهُ﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَاتَّبِعُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتبعوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِلَّةَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصّرف للعلمية، والعجمة. ﴿حَنِيفاً:﴾ حال من:
﴿إِبْراهِيمَ﴾. وجاز مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف كجزء منه. انظر ما ذكرته في
стр. 873
الآية رقم [٨٣]. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص، واسمه يعود إلى: ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿إِبْراهِيمَ﴾ والرابط: الواو، والضمير، وهي حال متعدّدة، ومؤكّدة لما قبلها.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ..﴾. إلخ سبب نزول الآية: أن اليهود قالوا للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة، وأقدم، وهو مهاجر الأنبياء، وقبلتهم، وأرض المحشر. فقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله الآية. ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أي: جعله الله موضعا للطّاعات، والعبادات، وقبلة للصلاة، وموضعا للحجّ، وللطواف، تزداد فيه الخيرات، وثواب الطاعات، والنّاس فيه سواء، كما قال تعالى في سورة (الحجّ): ﴿جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾.
وقوله ﴿لَلَّذِي﴾ أي: للبيت الّذي ببكة، وفي حذف الموصوف من التفخيم، والتعظيم ما لا يخفى.
﴿بِبَكَّةَ﴾ قيل: هي مكة نفسها، والعرب تعاقب بين الباء، والميم، مثل: ضربة لازب، ولازم. وقيل: (بكة) اسم لموضع البيت، و (مكة) اسم للبلد، وقال: محمد بن شهاب: (بكة):
المسجد، ومكة: الحرم كلّه تدخل فيه البيوت. هذا، وقد ذكروا لمكّة أسماء كثيرة: مكّة، وبكّة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، وأمّ القرى، والنّاءوس؛ لأنّها تطهّر من الذنوب، والمقدّسة، والحاطمة، والرأس، والبلدة، والبنيّة، والكعبة. هذا؛ وقيل: (بكّة) مشتقة من البك، وهو الازدحام، وسمّيت (بكة) لازدحام الناس في موضع طوافهم. وقيل: سميت بذلك؛ لأنّها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم. والبكّ: دق العنق. قال عبد الله ابن الزّبير-﵁: لم يقصدها جبّار بسوء؛ إلا وقصمه الله، عزّ، وجل. وأمّا مكّة؛ فقيل: إنها سميت بذلك؛ لأنّها تمكّ المخّ من العظم ممّا ينال قاصدها من المشقة.
واختلف العلماء في كون البيت أوّل بيت وضع الناس على قولين: أحدهما: أنّه أوّل في الوضع، والبناء. قال مجاهد-رحمه الله تعالى-: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرضين. وهذا قول ابن عمر، ومجاهد، وقتادة، والسّدي. وعن عليّ بن الحسين بن عليّ ﵃: أنّ الله تعالى وضع تحت العرش بيتا، وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثمّ أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتا في الأرض على مثاله، وقدره، فبنوا هذا البيت، واسمه الضراح، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. انظر شرح (البيت المعمور) في سورة (الطور). وروي: أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجّونه، فلمّا حجّه آدم؛ قالت الملائكة: برّ حجّك يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. هذا؛ و (البيت) اسم غالب للكعبة، كالنّجم للثريّا.
стр. 874
القول الثاني: أنّ المراد من الأوليّة كون هذا البيت أوّل بيت، وضع للنّاس مباركا. ويدلّ عليه سياق الآية. وسئل عليّ-﵁: أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت كثيرة، ولكنّه أول بيت وضع للناس مباركا، وهدى، وفيه مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا.
عن أبي ذرّ-﵁-قال: قلت: يا رسول الله! أيّ مسجد وضع أوّل؟ قال:
«المسجد الحرام». قلت ثم: أيّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة». قلت: ثمّ أيّ؟ قال: «حيث أدركتك الصّلاة فصلّ، فكلّها مسجد». رواه الإمام أحمد، وأخرجه الشيخان بنحوه، وعن ابن عمر-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام». متفق عليه.
وعن أبي الدّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصّلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصّلاة بمسجدي هذا بألف صلاة، والصّلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». الطّبراني.
هذا؛ و (الأول) هو الفرد السّابق المتقدّم على ما سواه. وقيل: هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء، سواء حصل عقبه شيء آخر، أو لم يحصل، وفيه مسائل: الأولى: أنّ أصله: أوأل بوزن أفعل، قلبت الثانية واوا، ثم أدغمت بما قبلها، فصار: أوّل، بدليل قولهم في الجمع:
أوائل. وقيل: أصله: ووّل بوزن فوعل، قلبت الأولى همزة، وإنّما لم يجمع على وأوائل لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
الثانية: الصحيح: أنّ أوّل لا يستلزم ثانيا، وإنّما معناه: ابتداء الشيء، ثم قد يكون له ثان، وقد لا يكون، تقول: هذا أوّل مال اكتسبته، وقد تكتسب بعده شيئا، وقد لا تكتسب. وقيل: إنّه يستلزم ثانيا، كما أنّ الآخر يقتضي أوّلا، فلو قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا؛ فأنت طالق، فولدت ذكرا، ولم تلد غيره وقع الطّلاق على الأول، دون الثاني.
الثالثة: ل (أول) استعمالان: أحدهما: أنه يكون صفة؛ أي: أفعل تفضيل بمعنى: الأسبق، فيعطى هذا حكم أفعل التفضيل، من منع الصرف، وعدم تأنيثه بالتاء، ودخول من عليه، نحو هذا أول هذين، ولقيته عاما أوّل. والثاني: أنه يكون اسما مصروفا، نحو لقيته عاما أوّلا، ومنه قولهم: ماله أوّل، ولا آخر.
قال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: في محفوظي: أنّ (أوّل) يؤنث بالتاء، ويصرف أيضا، فيقال: أولة، وآخرة بالتنوين. انتهى همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسّيوطي، رحمه الله تعالى.
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿أَوَّلَ:﴾ اسمها، وهو مضاف، و ﴿بَيْتٍ﴾ مضاف إليه.
стр. 875
﴿وُضِعَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والفاعل يعود إلى بيت، والجملة الفعلية في محل جر صفة ﴿بَيْتٍ﴾. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿لَلَّذِي:﴾ اللام: هي المزحلقة. (الّذي): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.
﴿بِبَكَّةَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وعلامة الجر الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والتأنيث. ﴿مُبارَكاً:﴾ حال من: (الّذي) أو من الضمير المستتر في متعلق الظرف. وقيل: من نائب فاعل ﴿وُضِعَ﴾ أفاده مكيّ، وهو ضعيف. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان بهدى، أو بمحذوف صفة له، وعلامة الجر الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد.
﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)﴾
الشرح: ﴿فِيهِ:﴾ في البيت المذكور في الآية السابقة. ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ:﴾ دلائل واضحات على حرمته، ومزيد فضله، ومن تلك الآيات: ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ أي: الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثّرت قدماه فيه، وغاصتا إلى القدمين، وبقي إلى الآن مع تطاول الزّمان، وتداول الأيدي عليه. ومنها: تضعيف الحسنات للأعمال الصّالحات، ومنها: انحراف الطّيور عن موازاتها، فلا تعلوه على مدى الأعصار، ومنها: أنّ كلّ جبّار قصده بسوء قصمه الله، كما فعل الله بأصحاب الفيل. ومنها: أنّ الوحوش لا تؤذي بعضها في الحرم؛ حتّى الكلاب لا تهيج الظّباء، ولا تصطادها. ومنها: أنّ الطير إذا مرض منه شيء استشفى بالكعبة، ومنها: تعجيل العقوبة لمن انتهك حرمة هذا البيت. ومنها: أنّ الغيث إذا كان ناحية الرّكن اليماني كان الخصب في اليمن، وإذا كان بناحية الشّام كان الخصب بالشّام، وإذا عمّ البيت كان الخصب في جميع البلدان، ومن الآيات التي فيه: الحجر الأسود، والملتزم، وزمزم، والحطيم، ومشاعر الحج؛ التي فيه؛ كلّها من الآيات. ومنها: أنّ الآمر ببناء هذا البيت هو الجليل، والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنائه هو إسماعيل. فهذه فضيلة عظيمة لهذا البيت، وخذ قول أبي طالب: [الطويل]
وموطئ إبراهيم في الصّخر رطبة... على قدميه حافيا غير ناعل
هذا؛ و ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ هو الحجر الّذي وقف عليه عند بناء الكعبة المعظّمة، كما رأيت، وأصله من الجنّة كالحجر الأسود. وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو-﵄-قال:
стр. 876
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الرّكن، والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاءتا ما بين المشرق، والمغرب». أخرجه الترمذيّ. وقال: هذا يروى عن ابن عمر موقوفا.
وأصل مقام: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها. ثمّ قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ على نفسه، وماله، ودمه من أن يهاج فيه، وكان العرب يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، وكان من دخل الحرم؛ أمن من القتل، والغارة. وهو المراد من حكم الآية على قول أكثر المفسرين. قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ؟﴾ وقيل: هو خبر بمعنى الأمر: أي: ومن دخله فأمّنوه. وهو قول ابن عبّاس، ﵄، فيكون خاصّا بالمسجد الحرام، حتى ذهب أبو حنيفة-﵀-إلى أنّ من وجب عليه القتل قصاصا كان، أو حدّا، فالتجأ إلى الحرم؛ فإنه لا يستوفى منه القصاص، أو الحد فيه، لكنّه لا يطعم، ولا يبايع، ولا يشارى، ويكلّم، ويضيّق عليه؛ حتى يخرج منه، فيقام عليه الحدّ خارج المسجد. انتهى خازن، وقرطبي. وفنّد رأيه القرطبي.
وقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: إذا وجب عليه القصاص خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم؛ استوفي منه في الحرم. وأجمعوا على: أنّه لو قتل في الحرم، أو سرق، أو زنى؛ فإنه يستوفى منه الحدّ عقوبة له. وقد أمر الرسول ﷺ بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. ولا تنس: أن إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد دعا الله أن يجعل هذا البلد آمنا في سورة (البقرة): ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾.
وفي بيان هذا الأمن قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا يصاد صيده، ولا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها، ولا يختلى خلاه». فقال العبّاس-﵁: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنّه لقينهم، ولبيوتهم. فقال: «إلاّ الإذخر». أخرجه الشّيخان عن ابن عباس-﵄. والقين: الحداد. ويختلى خلاه: يقطع النبات؛ الّذي ينبت بنفسه، أمّا ما يزرعه الآدميّون؛ فلا يمنع من قطعه، وخلعه.
تنبيه: -ذكر الله سبحانه آيتين من الآيات الكثيرة في الآية الكريمة، وطوى غيرهما، فلم يذكره؛ ليدلّ على تكاثر هذه الآيات. ونحوه في الطيّ قول الرسول ﷺ : «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث، الطّيب، والنّساء، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» ف «قرة عيني» ليس من الثلاث، بل هو ابتداء كلام؛
стр. 877
لأنّها ليست من الدّنيا، والثالث مطويّ، وكأنّه ﷺ ترك ذكر الثالث تنبيها على أنّه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئا من الدّنيا، فذكر شيئا من الدّين. ونحوه في طيّ الذكر قول جرير: [البسيط]
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهمو... من العبيد، وثلث من مواليها
فلم يذكر الثّلث الثالث.
﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ..﴾. إلخ أي: يجب على النّاس أن يحج البيت منهم المستطيع.
وقد فسّر الرسول ﷺ الاستطاعة بوجود الزّاد، والرّاحلة. فقد روى الترمذيّ-رحمه الله تعالى-عن الحارث، عن عليّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادا، أو راحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ؛ فلا عليه أن يموت يهوديّا، أو نصرانيّا». وذلك: أنّ الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾. وروي نحوه عن أبي أمامة، وعمر، ﵄.
هذا؛ ويشترط لوجوب الحج أن يكون الطريق آمنا، فإن كان فيه خوف من عدوّ مسلم، أو كافر، أو رصديّ يطلب الخفارة؛ لا يلزمه، وكذا إن احتاج لدفع رشوة، كما في هذه الأيّام.
وعن عبد الله بن جبير-﵄-عن عليّ-﵁: أنّ رسول الله ﷺ ، قال في خطبته: «يا أيّها النّاس إنّ الله فرض الحجّ على من استطاع إليه سبيلا، ومن لم يفعل؛ فليمت على أيّ حال شاء، إن شاء يهوديّا، أو نصرانيّا، أو مجوسيّا، إلاّ أن يكون به عذر من مرض، أو سلطان جائر، لا نصيب له في شفاعتي، ولا ورود حوضي». وقد كان الحجّ عند العرب معلما عندهم؛ مع كونهم كانوا يعبدون الحجارة، والأوثان، وكان لهم في أيام الحجّ أسواق معلومة، ينتفعون فيها.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيّها النّاس! قد فرض الله عليكم الحجّ، فحجّوا». فقال رجل: كلّ عام يا رسول الله؟! فسكت؛ حتى قالها الرّجل ثلاثا، فقال ﷺ : «لو قلت: نعم؛ لوجبت، ولما استطعتم». ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عنه؛ فدعوه». متّفق عليه.
بعد هذا في الاستطاعة وجهان: أن يكون مستطيعا ببدنه، واجدا من ماله ما يبلغه الحج.
والثاني: أن يكون معضوبا في بدنه، لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة، أو بغير أجرة بعد هذا: فالحج على التّراخي ما لم يضيق الوقت، وضيق الوقت هو: أن يناهز القادر على مئونة الحجّ الستّين من عمره؛ لأن النبيّ ﷺ قال: «أعمار أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين، وقلّ من يتجاوزها». فكأنّه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب، وقال رسول الله ﷺ : «معترك أمتي من الستّين إلى السّبعين، وقلّ من يتجاوز ذلك».
стр. 878
وإذا اعترض عليه الحجّ، والزّواج لنفسه، أو لولده؛ بمعنى: لا يقدر على تنفيذ الأمرين معا في عام واحد، فليقدّم الزواج لنفسه، أو لولده غضّا للبصر، وتحصينا للفرج، ولا اعتبار لمن يتحجّج بقوله: الحجاز قبل الزّواج.
وخذ ما يلي: عن أنس-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رزقه الله امرأة صالحة؛ فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الباقي». رواه الطبرانيّ، والحاكم. وفي رواية للبيهقي؛ قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين، فليتّق الله في النّصف الباقي».
والعبد يشمل الذّكر، والأنثى، والزّوجة، والزّوج أصبح كلّ منهما لصاحبه-في هذا الزمن الفاسد أهله-الدين كلّه، كيف لا؟! وربّنا يقول: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾.
﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ. قال ابن عباس-﵄: أي: ومن جحد فريضة الحجّ؛ فقد كفر، والله غنيّ عنه، ويدخل في ذلك اليهود، وغيرهم من الملل الضالّة؛ الّتي تدّعي الإسلام، ولا تؤدي فريضة الحجّ، ولقد وضعت الجملة موضع: «ومن لم يحج» تأكيدا لوجوبه، وتشديدا على تاركه، وتغليظا عليه. وخذ ما يلي:
عن ابن عباس-﵄، قال: كان الفضل بن عباس رديف النّبيّ ﷺ ، فجاءته امرأة خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشّقّ الآخر، قالت: يا رسول الله! إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجّ عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع.
أخرجاه في الصّحيحين.
فقه هذا الحديث: إن كان المتوفّى قبل أن يحجّ قادرا على الحج ماديّا؛ فيجب على ورثته أن يخرجوا حجّته من رأس ماله وجوبا، وإن كان فقيرا، فإن فعل الوارث ذلك؛ فهو من باب التبرّع، وله أجره إن شاء الله تعالى. وخذا ما يلي في التّرغيب في الحجّ.
عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة». متّفق عليه. وعن ابن مسعود-﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «تابعوا بين الحجّ، والعمرة، فإنّهما ينفيان الذّنوب، والفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضّة. وليس لحجة مبرورة ثواب إلاّ الجنّة. وما من مؤمن يظلّ يومه محرما إلاّ غابت الشّمس بذنوبه». أخرجه الترمذيّ. وله عن سهل بن سعد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يلبّي إلاّ لبّى ما عن يمينه، وشماله من حجر، أو شجر، أو مدر، حتّى تنقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا». وعن النبي ﷺ قوله: «من مات في أحد الحرمين؛ بعث يوم القيامة آمنا». وعنه ﷺ : «الحجون، والبقيع يؤخذ بأطرافهما، وينثران في الجنّة». وهما مقبرتا مكّة، والمدينة. وعن ابن مسعود-﵁-قال: وقف رسول الله
стр. 879
صلّى الله عليه وسلّم على ثنيّة الحجون، وليس فيها يومئذ مقبرة، فقال: «يبعث الله يوم القيامة من هذه البقعة، ومن هذا الحرم كلّه سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنّة بغير حساب، يشفع كلّ واحد منهم في سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر». انتهى كشاف.
الإعراب: ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر.
﴿بَيِّناتٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مفسّرة للهدى، والبركة، أو هي في محل نصب حال أخرى، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُبارَكاً﴾ وهو العامل فيها، كما جوز فيها الاستئناف. ﴿مَقامُ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف؛ إذ التقدير: منها مقام. قاله الأخفش، وقال المبرد: بدل من ﴿آياتٌ﴾ بدل بعض من كل. وقيل: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي مقام، وتبقى الجملة فيها معنى التفسير ل ﴿آياتٌ﴾. وقول الأخفش معروف في كلام العرب، كما قال زهير: [البسيط]
لها متاع وأعوان غدرن به... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا
وأجاز الزمخشري اعتبار: ﴿مَقامُ﴾ عطف بيان من ﴿آياتٌ﴾. ولا وجه له.
و ﴿مَقامُ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿دَخَلَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، واسمه يعود إلى (من). ﴿آمِناً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة:
﴿دَخَلَهُ:﴾ صلته، وجملة: ﴿كانَ آمِناً:﴾ خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة من حيث اللفظ، ومعطوفة على سابقتها من حيث المعنى؛ إذ التقدير: ومنها أمن من دخله.
وأغرب مكيّ-رحمه الله تعالى-حيث قال: (من) معطوفة على: ﴿مَقامُ﴾ على وجوهه.
﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بخبر مقدّم، التقدير: واجب لله على الناس؛ أي: متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿حِجُّ:﴾ مبتدأ مؤخّر، وهو مضاف، و ﴿الْبَيْتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعل المصدر مستتر فيه، وتقدير الكلام: وواجب لله على الناس أن يحجوا البيت. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من فاعل المصدر، أو في محل جر بدل من الناس، وقال الكسائيّ: في محل رفع فاعل بالمصدر، فيفسد المعنى عليه؛ إذ يصير المعنى: واجب لله على الناس أن يحج البيت كلّ من استطاع، سواء أكان
стр. 880
حاجّا، أم لم يحجّ؟ وهذا غير مراد، كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتَطاعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به. انتهى.
وقال الكسائي: ﴿مَنْ:﴾ شرط في موضع رفع بالابتداء، و ﴿اِسْتَطاعَ﴾ فعل شرطه، والجواب محذوف، التقدير: فعليه الحج. وهو تكلّف لا داعي له. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ: إعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وعلى اعتبار: ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر الموصول، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿مَنْ﴾ شرطية أجيز اعتبار الجواب محذوفا قياسا على قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [٢٣]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ وعليه؛ فالجملة: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها بخلافها في سورة (لقمان) فإنّها في محل جزم جواب الشرط.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾
الشرح: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، وفي هذه الآية من التعنيف، والتوبيخ للكفرة من اليهود، وغيرهم ما لا يخفى، وذلك لعنادهم للحقّ، وكفرهم بآيات الله، وصدّهم الناس عن دين الله؛ مع علمهم بأنّ ما جاء به الرسول ﷺ حقّ من الله، وقد توعّدهم الله على ذلك، وأخبر بأنّه مطلع على صنيعهم بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومعاملتهم الرّسول المبشّر به بالتكذيب، والجحود، والعناد.
والمراد ب (آيات الله) السّمعية، والعقلية الدّالة على صدق محمد ﷺ فيما يدّعيه من وجوب الحج، وغيره. وتخصيص أهل الكتاب بالنّداء، دليل على أنّ كفرهم أقبح؛ لأن معرفتهم بالآيات أقوى، وأنّهم وإن زعموا: أنّهم مؤمنون بالتوراة، والإنجيل؛ فهم كافرون بهما لعدم عملهم بتعاليمهما.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب:
أدعو. (﴿أَهْلَ﴾): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون على الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار في محل جرّ باللام. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾
متعلقان به، و (آيات): مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملتان: الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
следующие страницы →