Полный текст (7 463 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الرّكن، والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنّة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما؛ لأضاءتا ما بين المشرق، والمغرب». أخرجه الترمذيّ. وقال: هذا يروى عن ابن عمر موقوفا.
وأصل مقام: مقوم، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصّحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها بعد سلب سكونها. ثمّ قل: تحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا.
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ على نفسه، وماله، ودمه من أن يهاج فيه، وكان العرب يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض، وكان من دخل الحرم؛ أمن من القتل، والغارة. وهو المراد من حكم الآية على قول أكثر المفسرين. قال تعالى في سورة (العنكبوت) رقم [٦٧]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ؟﴾ وقيل: هو خبر بمعنى الأمر: أي: ومن دخله فأمّنوه. وهو قول ابن عبّاس، ﵄، فيكون خاصّا بالمسجد الحرام، حتى ذهب أبو حنيفة-﵀-إلى أنّ من وجب عليه القتل قصاصا كان، أو حدّا، فالتجأ إلى الحرم؛ فإنه لا يستوفى منه القصاص، أو الحد فيه، لكنّه لا يطعم، ولا يبايع، ولا يشارى، ويكلّم، ويضيّق عليه؛ حتى يخرج منه، فيقام عليه الحدّ خارج المسجد. انتهى خازن، وقرطبي. وفنّد رأيه القرطبي.
وقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: إذا وجب عليه القصاص خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم؛ استوفي منه في الحرم. وأجمعوا على: أنّه لو قتل في الحرم، أو سرق، أو زنى؛ فإنه يستوفى منه الحدّ عقوبة له. وقد أمر الرسول ﷺ بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة. ولا تنس: أن إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-قد دعا الله أن يجعل هذا البلد آمنا في سورة (البقرة): ﴿رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً﴾.
وفي بيان هذا الأمن قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا يصاد صيده، ولا تلتقط لقطته إلاّ من عرّفها، ولا يختلى خلاه». فقال العبّاس-﵁: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنّه لقينهم، ولبيوتهم. فقال: «إلاّ الإذخر». أخرجه الشّيخان عن ابن عباس-﵄. والقين: الحداد. ويختلى خلاه: يقطع النبات؛ الّذي ينبت بنفسه، أمّا ما يزرعه الآدميّون؛ فلا يمنع من قطعه، وخلعه.
تنبيه: -ذكر الله سبحانه آيتين من الآيات الكثيرة في الآية الكريمة، وطوى غيرهما، فلم يذكره؛ ليدلّ على تكاثر هذه الآيات. ونحوه في الطيّ قول الرسول ﷺ : «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث، الطّيب، والنّساء، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» ف «قرة عيني» ليس من الثلاث، بل هو ابتداء كلام؛
стр. 877
لأنّها ليست من الدّنيا، والثالث مطويّ، وكأنّه ﷺ ترك ذكر الثالث تنبيها على أنّه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئا من الدّنيا، فذكر شيئا من الدّين. ونحوه في طيّ الذكر قول جرير: [البسيط]
كانت حنيفة أثلاثا فثلثهمو... من العبيد، وثلث من مواليها
فلم يذكر الثّلث الثالث.
﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ..﴾. إلخ أي: يجب على النّاس أن يحج البيت منهم المستطيع.
وقد فسّر الرسول ﷺ الاستطاعة بوجود الزّاد، والرّاحلة. فقد روى الترمذيّ-رحمه الله تعالى-عن الحارث، عن عليّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من ملك زادا، أو راحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ؛ فلا عليه أن يموت يهوديّا، أو نصرانيّا». وذلك: أنّ الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾. وروي نحوه عن أبي أمامة، وعمر، ﵄.
هذا؛ ويشترط لوجوب الحج أن يكون الطريق آمنا، فإن كان فيه خوف من عدوّ مسلم، أو كافر، أو رصديّ يطلب الخفارة؛ لا يلزمه، وكذا إن احتاج لدفع رشوة، كما في هذه الأيّام.
وعن عبد الله بن جبير-﵄-عن عليّ-﵁: أنّ رسول الله ﷺ ، قال في خطبته: «يا أيّها النّاس إنّ الله فرض الحجّ على من استطاع إليه سبيلا، ومن لم يفعل؛ فليمت على أيّ حال شاء، إن شاء يهوديّا، أو نصرانيّا، أو مجوسيّا، إلاّ أن يكون به عذر من مرض، أو سلطان جائر، لا نصيب له في شفاعتي، ولا ورود حوضي». وقد كان الحجّ عند العرب معلما عندهم؛ مع كونهم كانوا يعبدون الحجارة، والأوثان، وكان لهم في أيام الحجّ أسواق معلومة، ينتفعون فيها.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيّها النّاس! قد فرض الله عليكم الحجّ، فحجّوا». فقال رجل: كلّ عام يا رسول الله؟! فسكت؛ حتى قالها الرّجل ثلاثا، فقال ﷺ : «لو قلت: نعم؛ لوجبت، ولما استطعتم». ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر؛ فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عنه؛ فدعوه». متّفق عليه.
بعد هذا في الاستطاعة وجهان: أن يكون مستطيعا ببدنه، واجدا من ماله ما يبلغه الحج.
والثاني: أن يكون معضوبا في بدنه، لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة، أو بغير أجرة بعد هذا: فالحج على التّراخي ما لم يضيق الوقت، وضيق الوقت هو: أن يناهز القادر على مئونة الحجّ الستّين من عمره؛ لأن النبيّ ﷺ قال: «أعمار أمّتي ما بين السّتّين إلى السّبعين، وقلّ من يتجاوزها». فكأنّه في هذا العشر قد يتضايق عليه الخطاب، وقال رسول الله ﷺ : «معترك أمتي من الستّين إلى السّبعين، وقلّ من يتجاوز ذلك».
стр. 878
وإذا اعترض عليه الحجّ، والزّواج لنفسه، أو لولده؛ بمعنى: لا يقدر على تنفيذ الأمرين معا في عام واحد، فليقدّم الزواج لنفسه، أو لولده غضّا للبصر، وتحصينا للفرج، ولا اعتبار لمن يتحجّج بقوله: الحجاز قبل الزّواج.
وخذ ما يلي: عن أنس-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رزقه الله امرأة صالحة؛ فقد أعانه على شطر دينه، فليتّق الله في الشّطر الباقي». رواه الطبرانيّ، والحاكم. وفي رواية للبيهقي؛ قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوّج العبد؛ فقد استكمل نصف الدّين، فليتّق الله في النّصف الباقي».
والعبد يشمل الذّكر، والأنثى، والزّوجة، والزّوج أصبح كلّ منهما لصاحبه-في هذا الزمن الفاسد أهله-الدين كلّه، كيف لا؟! وربّنا يقول: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾.
﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ. قال ابن عباس-﵄: أي: ومن جحد فريضة الحجّ؛ فقد كفر، والله غنيّ عنه، ويدخل في ذلك اليهود، وغيرهم من الملل الضالّة؛ الّتي تدّعي الإسلام، ولا تؤدي فريضة الحجّ، ولقد وضعت الجملة موضع: «ومن لم يحج» تأكيدا لوجوبه، وتشديدا على تاركه، وتغليظا عليه. وخذ ما يلي:
عن ابن عباس-﵄، قال: كان الفضل بن عباس رديف النّبيّ ﷺ ، فجاءته امرأة خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشّقّ الآخر، قالت: يا رسول الله! إنّ فريضة الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحجّ عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع.
أخرجاه في الصّحيحين.
فقه هذا الحديث: إن كان المتوفّى قبل أن يحجّ قادرا على الحج ماديّا؛ فيجب على ورثته أن يخرجوا حجّته من رأس ماله وجوبا، وإن كان فقيرا، فإن فعل الوارث ذلك؛ فهو من باب التبرّع، وله أجره إن شاء الله تعالى. وخذا ما يلي في التّرغيب في الحجّ.
عن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة». متّفق عليه. وعن ابن مسعود-﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «تابعوا بين الحجّ، والعمرة، فإنّهما ينفيان الذّنوب، والفقر، كما ينفي الكير خبث الحديد، والذهب، والفضّة. وليس لحجة مبرورة ثواب إلاّ الجنّة. وما من مؤمن يظلّ يومه محرما إلاّ غابت الشّمس بذنوبه». أخرجه الترمذيّ. وله عن سهل بن سعد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يلبّي إلاّ لبّى ما عن يمينه، وشماله من حجر، أو شجر، أو مدر، حتّى تنقطع الأرض من هاهنا، وهاهنا». وعن النبي ﷺ قوله: «من مات في أحد الحرمين؛ بعث يوم القيامة آمنا». وعنه ﷺ : «الحجون، والبقيع يؤخذ بأطرافهما، وينثران في الجنّة». وهما مقبرتا مكّة، والمدينة. وعن ابن مسعود-﵁-قال: وقف رسول الله
стр. 879
صلّى الله عليه وسلّم على ثنيّة الحجون، وليس فيها يومئذ مقبرة، فقال: «يبعث الله يوم القيامة من هذه البقعة، ومن هذا الحرم كلّه سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنّة بغير حساب، يشفع كلّ واحد منهم في سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر». انتهى كشاف.
الإعراب: ﴿فِيهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿آياتٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر.
﴿بَيِّناتٌ:﴾ صفة له، والجملة الاسمية مفسّرة للهدى، والبركة، أو هي في محل نصب حال أخرى، أو هي في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مُبارَكاً﴾ وهو العامل فيها، كما جوز فيها الاستئناف. ﴿مَقامُ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف؛ إذ التقدير: منها مقام. قاله الأخفش، وقال المبرد: بدل من ﴿آياتٌ﴾ بدل بعض من كل. وقيل: خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي مقام، وتبقى الجملة فيها معنى التفسير ل ﴿آياتٌ﴾. وقول الأخفش معروف في كلام العرب، كما قال زهير: [البسيط]
لها متاع وأعوان غدرن به... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا
وأجاز الزمخشري اعتبار: ﴿مَقامُ﴾ عطف بيان من ﴿آياتٌ﴾. ولا وجه له.
و ﴿مَقامُ﴾ مضاف، و ﴿إِبْراهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية، والعجمة. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿دَخَلَهُ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من) والهاء مفعول به. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم جواب الشرط، واسمه يعود إلى (من). ﴿آمِناً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (من) مختلف فيه كما ذكرته لك مرارا، وإن اعتبرت (من) اسما موصولا؛ فهو مبتدأ، وجملة:
﴿دَخَلَهُ:﴾ صلته، وجملة: ﴿كانَ آمِناً:﴾ خبره، والجملة الاسمية على الاعتبارين مستأنفة من حيث اللفظ، ومعطوفة على سابقتها من حيث المعنى؛ إذ التقدير: ومنها أمن من دخله.
وأغرب مكيّ-رحمه الله تعالى-حيث قال: (من) معطوفة على: ﴿مَقامُ﴾ على وجوهه.
﴿وَلِلّهِ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لِلّهِ﴾): جار ومجرور متعلقان بخبر مقدّم، التقدير: واجب لله على الناس؛ أي: متعلقان بالخبر المحذوف، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿حِجُّ:﴾ مبتدأ مؤخّر، وهو مضاف، و ﴿الْبَيْتِ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعل المصدر مستتر فيه، وتقدير الكلام: وواجب لله على الناس أن يحجوا البيت. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع بدل من فاعل المصدر، أو في محل جر بدل من الناس، وقال الكسائيّ: في محل رفع فاعل بالمصدر، فيفسد المعنى عليه؛ إذ يصير المعنى: واجب لله على الناس أن يحج البيت كلّ من استطاع، سواء أكان
стр. 880
حاجّا، أم لم يحجّ؟ وهذا غير مراد، كما رأيت في الشرح. ﴿اِسْتَطاعَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلتها. ﴿إِلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. وأجيز اعتبارهما متعلقين بمحذوف حال من: ﴿سَبِيلاً﴾ كان صفة له... إلخ. ﴿سَبِيلاً:﴾ مفعول به. انتهى.
وقال الكسائي: ﴿مَنْ:﴾ شرط في موضع رفع بالابتداء، و ﴿اِسْتَطاعَ﴾ فعل شرطه، والجواب محذوف، التقدير: فعليه الحج. وهو تكلّف لا داعي له. والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿وَمَنْ كَفَرَ..﴾. إلخ: إعرابها مثل إعراب سابقتها بلا فارق، والجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، وعلى اعتبار: ﴿مَنْ﴾ موصولة فالجملة الاسمية: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر الموصول، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأن الموصول يشبه الشرط في العموم، هذا؛ وعلى اعتبار ﴿مَنْ﴾ شرطية أجيز اعتبار الجواب محذوفا قياسا على قوله تعالى في سورة (لقمان) رقم [٢٣]: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ وعليه؛ فالجملة: ﴿فَإِنَّ اللهَ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها بخلافها في سورة (لقمان) فإنّها في محل جزم جواب الشرط.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)﴾
الشرح: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ ، وفي هذه الآية من التعنيف، والتوبيخ للكفرة من اليهود، وغيرهم ما لا يخفى، وذلك لعنادهم للحقّ، وكفرهم بآيات الله، وصدّهم الناس عن دين الله؛ مع علمهم بأنّ ما جاء به الرسول ﷺ حقّ من الله، وقد توعّدهم الله على ذلك، وأخبر بأنّه مطلع على صنيعهم بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومعاملتهم الرّسول المبشّر به بالتكذيب، والجحود، والعناد.
والمراد ب (آيات الله) السّمعية، والعقلية الدّالة على صدق محمد ﷺ فيما يدّعيه من وجوب الحج، وغيره. وتخصيص أهل الكتاب بالنّداء، دليل على أنّ كفرهم أقبح؛ لأن معرفتهم بالآيات أقوى، وأنّهم وإن زعموا: أنّهم مؤمنون بالتوراة، والإنجيل؛ فهم كافرون بهما لعدم عملهم بتعاليمهما.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر، تقديره: أنت. (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب:
أدعو. (﴿أَهْلَ﴾): منادى، وهو مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه ﴿لِمَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما، و (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون على الألف المحذوفة للفرق بين الخبر، والاستخبار في محل جرّ باللام. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾
متعلقان به، و (آيات): مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملتان: الندائية، والفعلية كلتاهما في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
стр. 881
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: واو الحال. (الله شهيدا): مبتدأ، وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. أو من: لفظ الجلالة، والرابط: الواو، وإعادة الاسم الكريم بلفظه للتفخيم، والتعظيم. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿شَهِيدٌ﴾ و ﴿ما﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾ والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير:
شهيد على الذي، أو: شيء تعملونه، وعلى اعتبارها مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى﴾ التقدير: شهيد على عملكم. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾
الشرح: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: تصرفون، وتمنعون الناس عن دين الإسلام من آمن بالله ورسوله. والفعل بضمّ الصّاد. وقرأ الحسن: («تصدّون») بضم التاء، وكسر الصاد. وهما لغتان: صدّ، وأصد، مثل: صد اللحم، وأصد: إذا أنتن، وضمّ، وأضم أيضا: إذا تغيّر، وهو من صدّ صدودا: إذا تنكّب. وليس فصيحا؛ لأن في «صدّ» مندوحة عن تكلّف التعدية بالهمزة. هذا؛ ويأتي الفعل بمعنى: يعرضون، ويميلون، كما في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾. ويأتي بمعنى: يضجّون فرحا، ولكنه بكسر الصاد، كما في قوله تعالى في سورة (الزخرف): ﴿*وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ومصدر الأولين صدّ، وصدود، ومصدر الأخير: صديد. والصّدد: القرب، يقال: داري صدد داره، أي: قبالتها، وقربها.
والصّدد: القصد، تقول: رجعنا إلى ما نحن بصدده؛ أي: بقصده. وهو أيضا: الميل، والناحية.
﴿تَبْغُونَها عِوَجاً:﴾ تطلبون لها اعوجاجا، وميلا عن القصد، والاستقامة، وذلك بمنعكم الناس عن الدّخول في الإسلام، وأنّث الضمير على اعتبار (السبيل) مؤنثة. والعوج بكسر العين وفتحها، وقد فرّق العرب بينهما، فخصّوا المكسور في المعاني، والمفتوح في الأعيان. تقول في دينه، وقوله، وعمله: عوج. وتقول في الجدار، وكلّ شيء قائم: عوج (بالفتح) ومعنى قوله تعالى في سورة (طه): ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا معدل لهم عن دعائه، فلا يزيغون، ولا ينحرفون. وعاج بالمكان، وعوّج: أقام، ووقف. والعائج: الواقف. قال الفرزدق من قصيدة مدح بها هشام بن عبد الملك: [الوافر]
ألستم عائجين بنا لعنّا... نرى العرصات أو أثر الخيام
стр. 882
«لعنّا» لغة في لعلّ. والرّجل الأعوج: السّيّئ الخلق، وفاسد العمل. والعوج من الخيل هي الكريمة، التي في أرجلها تحنيب، ويقال: فرس محنّب: إذا كان بعيد ما بين الرجلين بغير فج.
والخيل الأعوجيّة تنسب إلى فرس كان في الجاهلية.
﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ جمع: شاهد، أو شهيد بمعنى حاضر، وعالم، فيكون المعنى: وأنتم عالمون: أنّ في التوراة مكتوبا: أنّ دين الله؛ الّذي لا يقبل غيره هو الإسلام؛ الذي جاء به محمد ﷺ .
﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تكرّر ورود هذه الجملة في مواطن من القرآن. قال أبو حيّان-رحمه الله تعالى-: ولا تأتي هذه الجملة إلا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة: أن الله لا يترك أمر الفاسدين سدى. انتهى. وبالجملة فيها تهديد، ووعيد شديدان، والمعنى: أن الله عالم، ومحيط بأعمالهم صغيرها، وكبيرها، ويجزيهم بها. علما بأنّ اليهود، والنصارى جمعوا بين الوصفين: الضلال، والإضلال. كما أشارت الآيتان الكريمتان، فقد كفروا بالإسلام، ثم صدّوا الناس عن الدخول فيه بإلقاء الشّبه، والشّكوك في قلوب الضّعفة من أتباعهم.
الإعراب: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ انظر إعراب مثل هذا الكلام في الآية السابقة. ﴿مَنْ:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿آمَنَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿مَنْ﴾ وهو العائد، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلتها. ﴿تَبْغُونَها:﴾ فعل مضارع، وفاعل، ومفعوله الأول، والضمير كان مجرورا بحرف الجر، فلمّا حذف الجار؛ اتصل بالفعل، وانتصب به على حدّ قوله في سورة (المطففين): ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ ومثل ذلك قول الشاعر-وهو الشاهد رقم [١٠١] من كتابنا فتح رب البريّة، والشّاهد رقم [٧٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الكامل]
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
﴿عِوَجاً:﴾ مفعول به ثان على التوسّع. وقيل: إنّ الضمير مفعول به صراحة، و ﴿عِوَجاً﴾ حال من الضمير بمعنى معوجّة، ولا بأس به، وجملة: ﴿تَبْغُونَها عِوَجاً﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، أو من ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾ لاشتمالها على ضميرين راجعين إليهما، والجملة الاسمية:
﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿وَمَا:﴾
الواو: واو الحال. (ما): حجازية تعمل عمل: «ليس». ﴿اللهِ:﴾ اسمها. ﴿بِغافِلٍ:﴾ الباء:
حرف جر صلة. (غافل): خبر (ما) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وفاعله مستتر فيه. ﴿عَمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب (غافل) و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب (عن) والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط
стр. 883
محذوف، التقدير: بغافل عن الّذي، أو: عن شيء تعملونه. وعلى اعتبارها مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب (عن) التقدير: وما الله بغافل عن عملكم. والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، فتكون الحال قد تعدّدت، وهي جملة، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠)﴾
الشرح: سبب نزول الآية الكريمة، والتي بعدها ما ذكر: أنّه مرّ «شاس بن قيس اليهودي» -لعنه الله تعالى! -على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدّثون، فغاظه تحدّثهم، وتآلفهم، فأمر شابّا من اليهود أن يذكّرهم «يوم بعاث» لعلّهم يغضبون-وكان يوما اقتتلت فيه الأوس، والخزرج قبل الإسلام، وكان الظّفر فيه للأوس-ففعل، فتنازع القوم عند ذلك، وقالوا: السلاح السلاح، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، والأنصار، فقال: «أدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وألّف بين قلوبكم؟!». فعرف القوم: أنها نزعة من الشّيطان، وكيد من عدّوهم، فألقوا السّلاح. وبكوا، وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع الرّسول ﷺ سامعين مطيعين، ونزلت الآيتان. قال جابر بن عبد الله-﵁: ما رأيت يوما أقبح أوّل، وأحسن آخرا من ذلك اليوم! هذا؛ وإنما خاطبهم الله بنفسه بعد أن أمر رسوله بأن يخاطب أهل الكتاب إظهارا لجلالة قدرهم، وإشعارا بأنّهم هم الأحقّاء بأن يخاطبهم الله، ويكلمهم. والله أعلم، وأجلّ، وأكرم.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء تنوب مناب: أدعو. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنيّة على الضمّ في محل نصب ب (يا) و (ها): حرف تنبيه لا محل له من الإعراب، وأقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى.
﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدلا من: (أي). وانظر الآية رقم [١] من سورة (النساء). ﴿آمَنُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة الموصول، والمتعلق محذوف. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَرِيقاً:﴾ مفعول به.
﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿فَرِيقاً﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿أُوتُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَرُدُّوكُمْ:﴾ جواب الشرط مجزوم مثل سابقه، وعلامة
стр. 884
جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعوله الأول. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، ويجوز تعليقه ب ﴿كافِرِينَ﴾. و ﴿بَعْدَ:﴾ مضاف، و ﴿إِيمانِكُمْ:﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿كافِرِينَ﴾ مفعول به ثان، أو هو حال من الكاف؛ إن اكتفى: (يردّ) بمفعول واحد، فهو منصوب، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكّر سالم... إلخ، وجملة:
﴿يَرُدُّوكُمْ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية: ﴿إِنْ تُطِيعُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها كالجملة الندائية قبلها.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾
الشرح: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ:﴾ الخطاب للأوس، والخزرج، والاستفهام للإنكار، والتعجّب لكفرهم بنعم الله في وقت اجتمعت لهم الأسباب الدّاعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر، والتعجّب إنّما يليق بمن لا يعلم السّبب، وذلك على الله محال، فالمراد منه: المنع، والتغليظ، وذلك؛ لأنّ تلاوة آيات الله-وهي القرآن-حالا بعد حال، وكون رسول الله ﷺ فيكم يرشدكم إلى مصالحكم، وذلك يمنع من وقوع الكفر، فكان وقوع الكفر منهم بعيدا على هذا الوجه.
قال قتادة-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية علمان بينان: كتاب الله تعالى، ونبي الله ﷺ ، أما نبي الله؛ فقد مضى، وأما كتاب الله تعالى؛ فقد أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه، ونعمة، فيه حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته. وخذ ما يلي:
عن زيد بن أرقم-﵁-قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا بما يدعى: خمّا بين مكّة، والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ، وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد ألا أيّها النّاس إنّما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربّي، فأجيب، وتارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه الهدى، والنّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وأهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي! أذكّركم الله في أهل بيتي!». أخرجه مسلم. وعن ابن عباس: ﵁: أنّ رسول الله ﷺ خطب الناس في حجّة الوداع، فقال: «إنّ الشّيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك ممّا تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا. إنّي تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا، كتاب الله، وسنّة نبيّه». رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ أي: يمتنع بالله، ويستمسك بدينه، وطاعته. يقال: أعصم به، واعتصم، وتمسّك به، واستمسك: إذا امتنع به من غيره، وكلّ متمسّك بشيء معصم، ومعتصم، وكل مانع شيئا؛ فهو عاصم. قال الفرزدق: [الوافر]
أنا ابن العاصمين بني تميم... إذا ما أعظم الحدثان نابا
стр. 885
وقال النّابغة الذبياني في معلّقته رقم [٤٦] [البسيط]
يظلّ من خوفه الملاّح معتصما... بالخيزرانة بعد الأين والنّجد
وقال أوس بن حجر: [الطويل]
فأشرط فيها نفسه، وهو معصم... وألقى بأسباب له وتوكّلا
وعصمه الطعام: منعه من الجوع. قال أحمد بن يحيى: العرب تسمّي الخبز: عاصما، وجابرا، وأنشد: [الرجز]
فلا تلوميني ولومي جابرا... فجابر كلّفني الهواجرا
ويسمّونه: عامرا. ويسمّون: الجوع: أبا مالك، قال الشاعر: [الطويل]
أبو مالك يعتادني بالظّهائر... يجيء فيلقي رحله عند عامر
﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى طريق واضح، وهو طريق الحقّ المؤدّي إلى الجنّة، ومن يجعل ربه ملجأ، ومفزعا، ومستغاثا؛ يسدّد خطاه على طريق الحقّ، والصواب، ويلهمه رشده في جميع أموره، وحركاته، وسكناته، والله ولي التوفيق.
الإعراب: ﴿وَكَيْفَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿كَيْفَ﴾): اسم استفهام، وإنكار، وتعجب، مبني على الفتح في محل نصب حال من واو الجماعة، والعامل في الحال الفعل بعده. ﴿تَكْفُرُونَ:﴾
فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الشرطية قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال.
(﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تُتْلى:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتُ:﴾ نائب فاعل: ﴿تُتْلى،﴾ و ﴿آياتُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلى..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. (﴿فِيكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿رَسُولُهُ:﴾ مبتدأ مؤخر، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها. فهي في محل نصب حال مثلها.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْتَصِمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به.
﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال.
﴿هُدِيَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿إِلى صِراطٍ﴾ متعلقان به.
﴿مُسْتَقِيمٍ:﴾ صفة صراط، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي
стр. 886
يقول: لا محلّ لها؛ لأنها لم تحل محلّ المفرد. هذا وإن اعتبرت الجواب محذوفا، تقديره: فهو آمن، أو: فلا يحزن؛ فالجملة الفعلية تكون تعليلا للجواب المحذوف، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه، كما قد ذكرته لك مرارا، والجملة الاسمية: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ:﴾ مستأنفة لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄-في معنى هذه الآية: هو أن يطاع، فلا يعصى، ويشكر، فلا يكفر، ويذكر، فلا ينسى. وقال مجاهد-رحمه الله تعالى-: هو أن تجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط؛ ولو على أنفسكم، وآبائكم، وأبنائكم. وعن أنس-﵁-قال: لا يتّقي الله عبد حقّ تقاته حتى يخزن لسانه.
واختلف العلماء في هذا القدر من هذه الآية، هل هو منسوخ، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه منسوخ، وذلك: أنّه لمّا نزلت هذه الآية؛ شقّ ذلك على الصحابة الكرام، وقالوا: يا رسول الله! ومن يقوى على هذا؟! فأنزل الله النّاسخ، وهو قوله تعالى في سورة (التّغابن): ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وابن زيد، والسّدّي. والقول الثاني: أنها محكمة غير منسوخة. وهو رواية عن ابن عباس أيضا، وبه قال طاوس.
وموجب هذا الاختلاف يرجع إلى معنى الآية، فمن قال: إنّها منسوخة، قال: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ:﴾ هو أن يأتي العبد بكل ما يجب عليه، ويستحقّه. فهذا يعجز العبد عن الوفاء به، فتحصيله ممتنع. ومن قال: إنّها محكمة؛ قال: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ:﴾ أداء ما يلزم العبد على قدر طاقته، فكان قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسرا لحقّ تقاته، لا ناسخا، ولا مخصّصا، فمن اتقى الله ما استطاع؛ فقد اتّقاه حقّ تقواه. وقيل: معنى ﴿حَقَّ تُقاتِهِ:﴾ كما يجب أن يتقى، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه. وقيل في معنى قول ابن عباس: هو أن يطاع فلا يعصى: صحيح، والذي يصدر من العبد على سبيل الخطأ، والسهو، والنسيان غير قادح فيه؛ لأنّ التكليف في تلك الحالات مرفوع عنه، وكذلك قوله: وأن يشكر فلا يكفر؛ فواجب على العبد حضور ما أنعم الله به عليه بالبال، وأمّا عند السّهو، والخطأ؛ فلا يجب عليه. وكذلك قوله: وأن يذكر فلا ينسى، فإنّ هذا إنّما يجب عند الدّعاء، والعبادة، لا عند السّهو، والنسيان. انتهى خازن.
﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: الزموا الإسلام، ودوموا عليه، ولا تفارقوه؛ حتّى تموتوا.
فالنهي في اللّفظ عن الموت على غير الإسلام، وهو في المعنى على غير ذلك؛ إذ المعنى: لا تفارقوا الإسلام؛ حتى تموتوا، كما في قولك: لا تصلّ؛ إلا وأنت خاشع. والمعنى صلّ الصلاة مقترنة بالخشوع. وقيل: المعنى: لا تموتن إلا وأنتم مخلصون، مفوضون إلى الله أموركم، تحسنون الظنّ بالله، .
стр. 887
عن ابن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية، ثمّ قال: «لو أنّ قطرة من الزّقوم، قطرت في الدّنيا؛ لأفسدت على أهل الدّنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!» رواه الترمذي، والنسائي وابن ماجة. وانظر إعلال: ﴿تُقاتِهِ﴾ في الآية رقم [٢٨] مع اختلاف المعنى هنا، وهناك.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿اِتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية مبتدأة كالجملة الندائية قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿حَقَّ:﴾ نائب مفعول مطلق، وهو مضاف، و ﴿تُقاتِهِ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية. ﴿تَمُوتُنَّ:﴾
فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة المدلول عليها بالضمة فاعله، ونون التوكيد حرف لا محلّ له، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال.
(﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿مُسْلِمُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال مستثنى من واو الجماعة مستثنى من عموم الأحوال، والرابط: الواو، والضمير. وهذه الجملة مذكورة بحروفها في سورة (البقرة) [١٣٢].
﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾
الشرح: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً:﴾ الحبل: لفظ مشترك بين معان كثيرة، وأصله في اللغة: السبب الذي يتوصّل به إلى البغية، والحاجة، وهو: حبل العاتق بين العنق، والمنكب.
والحبل: المستطيل من الرّمل، ومنه الحديث: والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه؛ فهل لي من حجّ، والحبل: رسن الدّابة، والحبل: العهد، قال الأعشى: [الكامل]
وإذا تجوّزها حبال قبيلة... أخذت من الأخرى إليك حبالها
يريد الأمان، والحبل: الدّاهية، قال كثيّر عزّة: [الطويل]
فلا تعجلي يا عزّ أن تتفهّمي... بنصح أتى الواشون أم بحبول
وقال ابن مسعود-﵁: حبل الله: القرآن، وعن عليّ-﵁-مرفوعا:
القرآن حبل الله المتين، وصراطه المستقيم. وروى ابن مردويه عن ابن مسعود-﵁-
стр. 888
قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النّور المبين، وهو الشّفاء النّافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن اتّبعه». وروي عن ابن مسعود أيضا قال: حبل الله الجماعة. والمعنى متقارب متداخل في كلّ ما ذكر، فإنّ الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإنّ الفرقة هلكة، والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك؛ حيث قال: [البسيط]
إنّ الجماعة حبل الله فاعتصموا... منه بعروته الوثقى لمن دانا
وعلى كلّ ففيه استعارة، حيث شبّه القرآن بالحبل، واستعير المشبّه به-وهو الحبل-للمشبّه -وهو القرآن-على سبيل الاستعارة التّصريحية، والجامع بينهما النّجاة في كلّ.
﴿وَلا تَفَرَّقُوا:﴾ ولا تختلفوا في الدّين، كما اختلف من قبلكم من اليهود، والنّصارى. فعن معاوية؛ قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا، فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النّار وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة». رواه أحمد، وأبو داود برقم [٤٥٩٧]. وزاد في رواية: «وإنّه سيخرج من أمّتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق، ولا مفصل إلاّ دخله». هذا؛ وفي رواية عن ابن عمر-﵄-عن النبي ﷺ : «وإنّ بني إسرائيل تفرّقت اثنتين وسبعين ملّة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلّهم في النّار إلاّ ملّة واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: «ما أنا عليه، وأصحابي».
بعد هذا: أصول الفرق ستّ: الحروريّة، والقدريّة، والجهميّة، والمرجئة، والرافضة والجبريّة.
هذه أصول الفرق الضّالّة، وقد انقسمت كلّ فرقة إلى اثنتي عشرة فرقة، فصارت اثنتين وسبعين فرقة.
انتهى قرطبي. وقد فصّل-رحمه الله تعالى-هذه الفرق تفصيلا واسعا، وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم. ويكره لكم ثلاثا: قيل، وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال». أخرجه مسلم.
فأوجب الله علينا التمسّك بكتابه، وسنّة نبيه، والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع، والمحبّة، والتآلف، وعدم المنازعات في الأشياء الباطلة، التي لا تمتّ إلى الدّين بصلة، وليس فيه دليل على الاختلاف في فروع الشّريعة، فإن ذلك ليس اختلافا؛ إذ الاختلاف ما يتعذّر من الائتلاف، والجمع. وأما حكم مسائل الاجتهاد، فإنّ الاختلاف فيها بسبب بيان الأحكام، واستخراج معاني العبادة، فليس اختلافا، وما زالت الصحابة والتابعون لهم بإحسان يختلفون في أحكام الحوادث: وهم مع ذلك متآلفون متحابّون. قال رسول الله ﷺ : «اختلاف أمّتي رحمة». انتهى قرطبي بتصرف.
стр. 889
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ..﴾. إلخ: أمر تعالى بتذكر نعمه، وأعظمها الإسلام، واتّباع محمد ﷺ ، فإنّ به زالت العداوة، والفرقة، وحلّت محلّها المحبّة، والألفة. والمخاطب بذلك الأنصار من الأوس، والخزرج، كما تقدّم. ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة (الأنفال) رقم: [٦٢ و ٦٣] ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ..﴾. إلخ، وقد امتنّ عليهم، وذكّرهم رسول الله ﷺ بذلك يوم قسم غنائم حنين، وعتب عليه من عتب منهم، بما فضّل عليهم في القسمة بما أراده الله، فخطبهم، فقال: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلاّلا، فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرّقين، فألّفكم الله بي؟ وكنتم عالة، فأغناكم الله بي؟» فكلما قال شيئا؛ قالوا: الله ورسوله أمنّ. و (أصبحتم) بمعنى: صرتم، فليس على بابه من التوقيت في الصّباح.
هذا؛ و ﴿أَعْداءً﴾ أصله: أعدوا؛ لأنّ مفرده: عدو، ويجمع أيضا على أعاد، وعدات، وعدى. وقيل: أعاد جمع: أعداء، فيكون جمع الجمع. وفي القاموس المحيط: والعدا بالضم والكسر اسم الجمع، وسمي العدوّ عدوّا لعدوه عليك عند أوّل فرصة تسنح له للإيقاع بك، والقضاء عليك. كما سمّي الصديق صديقا لصدقه فيما يدّعيه لك من الألفة، والمودة، والمحبّة.
وعدو: ضدّ الصديق، وهو على وزن فعول بمعنى فاعل، مثل: صبور، وشكور. وما كان على هذا الوزن يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمفرد، والمثنى، والجمع؛ إلا لفظا واحدا جاء نادرا، قالوا: هذه عدوة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ رقم [٦] من سورة (فاطر) فقد عبّر به عن مفرد، وقال تعالى حكاية عن قول إبراهيم-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ رقم [٧٧] من سورة (الشعراء) فقد عبّر به عن جمع، ومثله: صديق؛ أي: في إتيانه بلفظ واحد للمفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، قال الشاعر-وهو الشّاهد رقم [٣٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
فلو أنك في يوم الرّخاء سألتني... طلاقك لم أبخل وأنت صديق
وقال آخر: [الرجز]
هنّ صديق للّذي لم يشب
﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ..﴾. إلخ: على طرف حفرة، وشفا كل شيء: طرفه، وحرفه، وكذلك شفيره، مثل: شفا البئر، ومنه قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٩]: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾. وقال الراجز: [الرجز]
نحن حفرنا للحجيج سجله... نابتة فوق شفاها بقله
وأشفى على الشيء: أشرف عليه، ومنه: أشفى المريض على الموت، وما بقي منه إلا شفا؛ أي: قليل: قال ابن السّكيت-رحمه الله تعالى-: يقال للرجل عند موته، وللقمر عند امّحاقه، وللشّمس عند غروبها: ما بقي منه إلا شفا؛ أي قليل. قال العجاج: [الرجز]
стр. 890
ومربا عال لمن تشرّفا... أشرفته بلا شفى أو بشفى
قوله: بلا شفى: أي: غابت الشمس، أو بشفى، أي بقيت منها بقيّة. هذا؛ فقد شبّه الله حالهم التي كانوا عليها في الجاهلية بحال من كان مشرفا على حفرة عميقة، وهوّة سحيقة. ففيه استعارة تمثيلية.
وأصله: شفو فقل في إعلاله: تحرّكت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وقيل: أصله:
شفي. والمعتمد الأول. ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها:﴾ يحتمل عود الضمير إلى الحفرة، أو إلى النار، أو للشفا، وإنّما أنّث للإضافة للمفردة، فاكتسب التأنيث منها على حدّ قول الأعشى-وهو الشاهد رقم [٩٠٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
وتشرق بالقول الّذي قد أذعته... كما شرقت صدر القناة من الدّم
﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ..﴾. إلخ أي: كما بيّن الله لكم: أنّه ألف بين قلوبكم، وصرتم إخوانا متآلفين متحابين، كذلك يبيّن سائر أحكام دينه على لسان عبده، ورسوله محمد ﷺ . ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى طريق الحقّ والصّواب، والترجي في هذه الآية، وأمثالها، إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يقع منه ترجّ لعباده، وأعمالهم. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا!.
الإعراب: ﴿وَاعْتَصِمُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، والتي بعدها معطوفة على ما قبلها. ﴿بِحَبْلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (حبل) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿جَمِيعاً:﴾ حال من واو الجماعة. (﴿لا تَفَرَّقُوا﴾): فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق.
(﴿اُذْكُرُوا﴾): أمر، وفاعله... إلخ. ﴿نِعْمَتَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿نِعْمَتَ﴾. ﴿إِذْ:﴾ ظرف زمان بمعنى وقت مبني على السكون في محل نصب متعلّق ب ﴿نِعْمَتَ﴾ أيضا، أو بالفعل اذكروا.
﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السّكون، والتاء اسمه. ﴿أَعْداءً:﴾ خبره. ﴿فَأَلَّفَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ،﴾ والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، و ﴿بَيْنَ:﴾ مضاف، و ﴿قُلُوبِكُمْ:﴾
مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة.
(أصبحتم): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿بِنِعْمَتِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: (أصبح) أي: متلبسين، أو مشمولين بنعمته. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِخْواناً:﴾ خبر ثان ل (أصبح) أو هو حال من تاء الفاعل، أو من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو هو خبر واحد ل (أصبح)، وعليه يكون: ﴿بِنِعْمَتِهِ:﴾ متعلقين بمحذوف حال من تاء الفاعل، أو بمحذوف حال من: ﴿إِخْواناً:﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، ومثله قول الأخطل التّغلبي-وهو الشاهد رقم [١٣٢] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
стр. 891
كانت منازل ألاّف عهدتهم... إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا
هذا؛ وإن اعتبرت الفعل تاما؛ فالإعراب لا يتغيّر. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص، والتاء اسمه. ﴿عَلى شَفا﴾ متعلقان بمحذوف خبره، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، و ﴿شَفا﴾ مضاف، و ﴿حُفْرَةٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ النّارِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ﴿حُفْرَةٍ﴾.
(أنقذكم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾ والكاف مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها من جمل، فهي في محل جرّ أيضا.
﴿كَذلِكَ:﴾ الكاف: حرف تشبيه، وجر، و (ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محلّ جرّ بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف، عامله ما بعده، التقدير: يبين الله لكم أحكام دينه تبيينا مثل تبيينه لكم: أنه ألف بين قلوبكم... إلخ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع، ﴿اللهِ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَهْتَدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الخطاب، والرابط الضمير فقط، وبعضهم يعتبرها للتّعليل، لا محلّ لها.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾
الشرح: لمّا حذر الله من مكايد أهل الكتاب، وأمر بالاعتصام بحبل الله المتين، والتمسّك بشرعه القويم؛ دعا المؤمنين إلى القيام بواجب الدّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأمر بالائتلاف، وعدم الاختلاف، ثمّ ذكر ما حلّ باليهود من الذلّ، والصّغار بسبب البغي، والعدوان.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ..﴾. إلخ: اللام لام الأمر، و (من) للتبيين، وذلك؛ لأنّ الله- أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على كلّ الأمة في قوله تعالى في الآية رقم [١١٠] الآتية، فيجب على كل مكلف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، كما في قول النبيّ المعظّم ﷺ : «من رأى منكم منكرا؛ فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». رواه مسلم، وغيره عن أبي سعيد الخدري، ﵁.
فعلى هذا يكون معنى الآية: كونوا دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر. ومن قال بهذا القول يقول: إنّ الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض؛ سقط
стр. 892
الإثم عن الباقين. وقيل: إنّ معنى (من) للتبعيض، وذلك؛ لأنّ في الأمّة من لا يقدر على الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر لعجز، أو ضعف. وقيل: إنّ ذلك يختصّ بالعلماء، وولاة الأمور، فعلى هذا يكون المعنى: ليكن بعضكم آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وخذ ما يلي:
فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان، أو أمير جائر». رواه أبو داود، والترمذيّ. وعن جابر-﵁-عن النبيّ ﷺ قال:
«سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله». أخرجه الترمذيّ، والحاكم. وعن جرير بن عبد الله-﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيّروا عليه، فلا يغيروا؛ إلاّ أصابهم الله منه بعقاب من قبل أن يموتوا». رواه أبو داود، وابن ماجة. وعن ابن عباس-﵃-عن النبي ﷺ قال: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقّر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر». رواه أحمد، والترمذيّ، وابن حبّان، والأحاديث في ذلك كثيرة.
بعد هذا: ولكن يجب على من يأمر، وينهى أن يكون مؤتمرا منتهيا بنفسه، وإلا كان أمره، ونهيه وبالا عليه. وخذا ما يلي: عن أسامة بن زيد-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يؤتى بالرّجل يوم القيامة، فيلقى في النّار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرّحى، فيجتمع إليه أهل النّار، فيقولون: يا فلان! مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟! فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف، ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه». رواه البخاري، ومسلم. وعن أبي برزة-﵁-قال قال رسول الله ﷺ : «مثل الّذي يعلّم النّاس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للنّاس، وتحرق نفسها». والأحاديث في ذلك كثيرة، ورحم الله أبا الأسود الدؤلي؛ إذ يقول-وهو الشاهد رقم [٦٧٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٢] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]
لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم
ويروى من قول سيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ : «كيف بكم إذا طغى نساؤكم، وفجر شبابكم، وتركتم جهادكم؟!». قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «نعم والّذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؟!» قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «نعم والّذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا، والمنكر معروفا؟!». قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «نعم والّذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف؟!» قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟! قال: «والذي نفسي بيده، وأشدّ منه سيكون! يقول الحقّ : بي حلفت لأفتننّهم فتنة تدع الحليم حيران». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] والآية رقم [٧٨] من سورة (المائدة).
стр. 893
بعد هذا انظر شرح الخير في الآية رقم [٢٧١] من سورة (البقرة). و ﴿أُمَّةٌ﴾. المراد بها هنا:
جماعة، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به، كقوله تعالى في حق إبراهيم-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً..﴾. إلخ، وقال الرسول ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: «يبعث أمّة وحده»؛ لأنه لم يشرك في دينه غيره. والأمّة:
الطريقة، والملّة، والدين، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين: ﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ:﴾
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. وكلّ جنس من الحيوان أمّة، كقوله تعالى في سورة (الأنعام): ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾. ويستدل بهذه الآية من يقول بتناسخ الأرواح. والأمّة: الحين، والوقت، كقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: بعد وقت وحين، والأمة: الشجّة التي تبلغ الدّماغ. يقال: رجل مأموم. والأمة: أيضا القامة، يقال:
فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة. قال الشاعر: [المتقارب]
وإنّ معاوية الأكرمي... ن حسان الوجوه طوال الأمم
هذا؛ والمعروف: ما استحسنه الشرع، والعقل، والفطرة السليمة. والمنكر: ما استقبحه الشرع، والعقل، والفطرة السّليمة. (أولئك): الإشارة إلى الذين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وهو جمع: «ذلك» وقد يجمع على: ألالك، وأنشد ابن السكيت: [الطويل]
ألالك قومي لم يكونوا أشابة... وهل يعظ الضّلّيل إلاّ ألالكا؟
وأولئك: لجماعة العقلاء، وربما جاء لغير العقلاء، ومنه قوله تعالى في سورة (الإسراء) رقم [٣٦]: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ وقال جرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق-وهو الشاهد رقم [٨٠] من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الكامل]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى... والعيش بعد أولئك الأقوام
﴿الْمُفْلِحُونَ:﴾ الفائزون برضا الله، الناجون من غضبه، وعقابه، فهو جمع اسم فاعل من أفلح الرجل: فاز ببغيته، ومراده، وأصله: مؤفلح، فاستثقلت الفتحة على الهمزة فحذفت، فصار: موفلح، ثم حذفت الواو لالتقائها ساكنة مع الفاء الساكنة، فصار: مفلح. هذا؛ والفلح، والفلاح مشتقان في اللغة من الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرضين، أي: شقها للحرث، ولذلك سمي الزّراع فلاّحا، ويقال للذي شقت شفته السفلى، أو العليا: أفلح، والفلاح: البقاء، والدوام، قال الأضبط بن قريع السّعدي في الجاهلية: [المنسرح]
لكلّ همّ من الهموم سعه... والمسي والصّبح لا فلاح معه
يقول: ليس مع كرّ الليل، والنّهار بقاء. وقال آخر: [الطويل]
نحلّ بلادا كلّها حلّ قبلنا... ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير
стр. 894
ولا تنسى أنّ بين الجملتين: (﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾) و (﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾) مقابلة، وهي من المحسّنات البديعية.
الإعراب: ﴿وَلْتَكُنْ:﴾ الواو: حرف عطف. اللام: لام الأمر. (تكن): فعل مضارع ناقص مجزوم بلام الأمر. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل الناقص، أو بمحذوف حال من:
﴿أُمَّةٌ﴾ كان نعتا له، انظر الآية السابقة. ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم: (تكن). ﴿يَدْعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، ومفعوله، ومفعول ما بعده محذوف للعلم به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (تكن). هذا؛ وإن اعتبرت الفعل تامّا، ف ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعله، وجملة: ﴿يَدْعُونَ﴾ في محل صفة له، وقد جمع الضمير مع كونه راجعا إلى:
﴿أُمَّةٌ﴾ وذلك باعتبار عدد أفراد الأمة. ﴿إِلَى الْخَيْرِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملتان:
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ معطوفتان على الجملة السابقة على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٨٢]
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾
الشرح: ينهى الله عباده المؤمنين عن التفرّق، والاختلاف كما اختلف اليهود، والنصارى في أمر دينهم. وانظر ما ذكرته فيما مضى. قيل: تفرقوا بسبب العداوة، واتباع الهوى، واختلفوا في دين الله، فصاروا فرقا مختلفين. وقال ابن عباس-﵄: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف، والفرقة، وأخبرهم إنّما هلك من كان قبلهم بالمراء، والخصومات في الدّين. ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ أي: الحجج الواضحات، فعلموها، ثم خالفوها. وذكّر الفعل؛ لأنّ البينات ليست مؤنثا حقيقيّا وفي كثير من الآيات: ﴿جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ..﴾. إلخ أي: لهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا عذاب عظيم في الآخرة، وفيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرّق، والاختلاف، وخذ ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى» قالوا: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني؛ دخل الجنّة، ومن عصاني؛ فقد أبى». أخرجه البخاري. وعن ابن عمر-﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله لا يجمع أمّتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار». أخرجه الترمذيّ.
وعن أبي ذرّ-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». أخرجه أبو داود. أراد ب «ربقة الإسلام»: عقد الإسلام. وأصله: أنّ
стр. 895
الرّبق حبل في عدّة عرا، يشدّ بها الغنم، الواحدة من العري: ربقة. وروى البغوي عن عمر ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من سرّه أن يسكن بحبوحة الجنّة؛ فعليه بالجماعة، فإنّ الشيطان مع الفذّ، وهو مع الاثنين أبعد». وقد ذكرت لك فيما مضى: أنّ النّهي مخصوص بالتفرّق في أصول الدّين دون فروع الشّريعة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق: ﴿كَالَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾ وإن اعتبرت الكاف اسما بمعنى: «مثل» فهي الخبر، وهي مضاف و (الذين) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿تَفَرَّقُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق، والجملة صلة الموصول، لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بأحد الفعلين على التنازع. ﴿ما:﴾ مصدرية.
﴿جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله، وفاعله، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جرّ بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، والجملة الفعلية: ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ إلخ معطوفة على جملة: (اعتصموا...) إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [٩١] وهي في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محل لها. بعد هذا: وقوع الكاف اسما كثير في اللغة انظر ما ذكرته في الشاهد رقم [٣٢٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وهذا نصّه، وقائله العجّاج: [الرجز]
بيض ثلاث كنعاج جمّ... يضحكن عن كالبرد المنهمّ
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾
الشرح: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ:﴾ يكون هذا يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم، تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة. قال تعالى في سورة (طه): ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ والمجرمون على اختلاف مللهم من كافرين، وظالمين، ومنافقين... إلخ، وفي بياض الوجوه، وسوادها قولان:
أحدهما: أن البياض كناية عن الفرح، والسرور. والسّواد كناية عن الغمّ، والحزن. وهذا مجاز مستعمل، يقال لمن نال بغيته، وظفر بمطلوبه: ابيضّ وجهه، يعني: من السرور، والفرح، ولمن ناله مكروه: اسودّ وجهه، واربدّ لونه؛ يعني: من الحزن، والغمّ. قال تعالى في سورة (النحل): ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ يعني: من الحزن.
стр. 896
والقول الثاني: أنّ بياض الوجوه، وسوادها حقيقة فيهما، والحكمة في بياض الوجوه وسوادها: أن أهل الموقف إذا رأوا بياض وجه المؤمن؛ عرفوا أنه من أهل السّعادة، وإذا رأوا سواد وجه الكافر، والمنافق؛ عرفوا: أنه من أهل الشقاوة، وبين كلمتي، ﴿تَبْيَضُّ،﴾ و (﴿تَسْوَدُّ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ..﴾. إلخ. اختلف العلماء في هؤلاء، فروي عن أبيّ بن كعب ﵁: أنه قال: أراد به الإيمان يوم أخذ الميثاق حين قال لهم في عالم الذّرّ:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى﴾ فآمن الجميع في ذلك الحين، فكلّ من كفر بعد بلوغه؛ فقد كفر بعد الإيمان. وقال الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: هم المنافقون، وذلك أنهم تكلّموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروه بقلوبهم، وقال عكرمة-رحمه الله تعالى-: هم أهل الكتاب، وذلك: أنهم آمنوا بمحمد ﷺ قبل مبعثه، فلمّا بعث؛ أنكروه، وكفروا به. وقيل: هم الذين ارتدّوا بعد وفاة النبي ﷺ . وقيل: هم الخوارج، والملل، والنحل الّتي شذّت، وزيّن لهم الشيطان سوء أعمالهم، فيكون في الكلام إخبار بما سيقع بعد وفاة الرسول ﷺ . وخذ ما يلي:
فعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ إليّ رجال منكم حتّى إذا أهويت إليهم لأنالهم؛ اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ! أصحابي! فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك». متّفق عليه. وعن زيد بن وهب-﵁:
أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ كرم الله وجهه لمّا سار إلى الخوارج، فقال عليّ-﵁: أيها الناس! إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمّتي، يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن، وهم يحسبون: أنّه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة». متفق عليه، ويزاد في رواية أخرى: «فأينما لقيتموهم، فاقتلوهم، فإنّ في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة». والأحاديث في ذلك كثيرة.
﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ..﴾. إلخ: هذا الأمر للإهانة؛ أي: يقال لهم: ذوقوا جزاء كفركم. هذا؛ والذوق يكون محسوسا، ومعنى، وقد يوضع موضع الابتلاء، والاختبار، تقول: اركب هذا الفرس، فذقه. وانظر فلانا؛ فذق ما عنده. قال الشمّاخ يصف قوسا: [الطويل]
فذاق فأعطته من اللّين جانبا... كفى ولها أن يفرق السّهم حاجز
وقد يعبّر بالذّوق عمّا يطرأ على النفس، وإن لم يكن مطعونا لإحساسها به كإحساسها بذوق المطعوم، قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: [الطويل]
فذق هجرها إن كنت تزعم أنّها... فساد ألا يا ربّما كذب الزّعم
стр. 897
وتقول: ذقت ما عند فلان؛ أي: اختبرته. وذقت القوس: إذا جذبت، وترها لتنظر ما شدّتها؟ وأذاقه الله وبال أمره؛ أي: عقوبة كفره، ومعاصيه. قال طفيل بن سعد الغنوي: [الطويل]
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر... من الغيظ في أكبادنا والتّحوب
وتذوّقته؛ أي: شيئا، فشيئا. وأمر مستذاق، أي: مجرب معلوم. قال الشاعر: [الوافر]
وعهد الغانيات كعهد قين... دنت عند الجعائل مستذاق
وأصل الذوق بالفم، وذوقوا في كثير من الآيات للإهانة، وفيه استعارة تبعيّة تخيليّة. وذكر العذاب في كثير من الآيات استعارة مكنية، حيث شبّه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل، وشبّه الذوق بصورة ما يذاق، وأثبت للذوق تخيلا.
الإعراب: ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق ب ﴿عَظِيمٌ﴾ في الآية السّابقة، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكروا اليوم. وقيل: متعلق بالخبر المحذوف الذي تعلق به: ﴿لَهُمْ﴾.
﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ:﴾ مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها، وجملة:
﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ معطوفة عليها، فهي في محل جر مثلها. ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف استئناف، وتفريع. (أمّا): انظر الآية رقم [٥٦]. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿اِسْوَدَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿وُجُوهُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محلّ جرّ بالإضافة، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَكَفَرْتُمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وإنكار، وتوبيخ، (﴿كَفَرْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق بما قبله، وهو مضاف، و ﴿إِيمانِكُمْ﴾ مضاف إليه، والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول لقول محذوف، التقدير: فيقال لهم: أكفرتم... إلخ، والفاء واقعة في جواب (أمّا)، والجملة الفعلية في محل رفع المبتدأ، وهي في الوقت نفسه جواب (أمّا) وهي ومدخولها كلام مفرع عما قبله لا محلّ له. ﴿فَذُوقُوا..﴾. إلخ: الفاء: هي الفصيحة؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبر (كان)، و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلّقان بالفعل: (ذوقوا) أو بمحذوف حال من: ﴿الْعَذابَ:﴾ واعتبار (ما) موصولة فيه ضعف ظاهر، وجملة: (ذوقوا...) إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب لشرط محذوف، التقدير: إذا كان ما ذكر من كفركم حاصلا؛ فذوقوا. والجملة الشرطية هذه معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مقول القول.
стр. 898
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧)﴾
الشرح: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ..﴾. إلخ انظر الآية السابقة. ﴿فَفِي رَحْمَتِ اللهِ:﴾ جنته، وثوابه؛ الذي لا ينقطع. والجنّة: هي رحمة الله الخالدة. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبيّ ﷺ قال: «احتجّت الجنّة والنّار، فقالت النّار: فيّ الجبّارون، والمتكبّرون. وقالت الجنّة:
فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنّك الجنّة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم.
هذا؛ وإن الله- -ذكر في الآية السّابقة: أن سواد وجوه الكافرين في الآخرة، وإذاقتهم العذاب الأليم إنّما هو بسبب كفرهم، وذكر في هذه الآية: أن بياض وجوه المؤمنين، وإدخالهم جنّات النعيم إنّما هو برحمة الله، ومحض كرمه، تنبيها على أنّ المؤمن-وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى-لا يدخل الجنة إلا برحمته، وفضله. وإليك ما يلي:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يدخل أحدا عمله الجنّة».
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني الله بفضله، ورحمته! فسدّدوا، وقاربوا». أخرجه البخاريّ. بعد هذا انظر المقابلة في الآية رقم [٥٧] هذا؛ وكان من حقّ الترتيب أن يقدّم ذكر المؤمنين، ولكن قصد أن يكون مطلع الكلام، وانتهاؤه حلية المؤمنين، وثوابهم، وهو ما يعبّر عنه في البلاغة بحسن المطلع، وحسن الانتهاء، كما يعبّر عنه باللّف، والترتيب، والنشر المشوّش، وكرّر الله كلمة (في) لأن في كلّ واحدة منهما معنى غير الأخرى، المعنى: أنهم في رحمة الله، وأنّهم في الرّحمة خالدون.
الإعراب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ:﴾ الإعراب مثل الآية السابقة بلا فارق. ﴿فَفِي:﴾
الفاء: واقعة في جواب (أمّا). (في رحمة): متعلقان بمحذوف خبر لمبتدإ، التقدير: فهم في رحمة، و ﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الاسمية هذه في محل رفع خبر المبتدأ، وهي جواب (أمّا) و (أمّا) ومدخولها معطوف على ما قبله في الآية السابقة، لا محلّ له مثله. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ.
﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مفيدة للتوكيد، كأنّه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقال: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ،﴾ ولا يلتفت لمن يقول:
(في رحمة) متعلقان ب: ﴿خالِدُونَ﴾.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨)﴾
الشرح: ﴿تِلْكَ..﴾. إلخ؛ أي: الواردة في وعده، ووعيده، المبيّنة لنعيم الأبرار، وتعذيب الكفار. ﴿نَتْلُوها:﴾ نقرؤها. ﴿عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ الواضح؛ الذي لا ارتياب فيه، ولا شكّ. ﴿وَمَا اللهُ﴾
стр. 899
يُرِيدُ... إلخ؛ أي: ليس بظالم لهم، بل هو الحاكم العدل؛ الّذي لا يجور؛ لأنّ القادر على كلّ شيء، العالم بكلّ شيء، لا يعجزه شيء، لذا فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه.
والالتفات ظاهر من التكلّم إلى الغيبة. انظر الالتفات في الآية رقم [٥٦].
هذا و (العالمين) جمع: عالم بفتح اللام، وجمع؛ لاختلاف أنواعه، وهو جواب عمّا يقال:
إنّه اسم جنس يصدق على ما سوى الله، والجمع لا بدّ أن يكون له أفراد ثلاثة، فأكثر. وجمع بالياء والنون، كما يجمع بالواو والنون تغليبا للعقلاء على غيرهم، وهو يقال لكلّ ما سوى الله، ويدلّ له قوله تعالى حكاية عن قول «موسى» -على نبينا، وعليه أفضل الصلاة، وأتم التّسليم-لمّا قال له فرعون: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. هذا والعوالم كثيرة لا تحصيها الأرقام، وهي منتشرة في هذا الكون المترامي الأطراف في البرّ والبحر؛ إذ كلّ جنس من المخلوقات يقال له: عالم، قال تعالى: ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ ولا واحد له من لفظه مثل: معشر، ورهط، وقال مقاتل-رحمه الله تعالى-: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البرّ، وأربعون ألف عالم في البحر. انتهى. وجمع جمع المذكّر السالم، وذلك بتغليب من يعقل على ما لا يعقل. والعالم مشتق من العلامة؛ لأنه دالّ على وجود خالقه، وصانعه، وعلى وحدانيته، جلّ، وعلا، كما قال أبو العتاهية: [المتقارب]
فيا عجبا كيف يعصى الإل... هـ أم كيف يجحده الجاحد؟
وفي كلّ شيء له آية... تدلّ على أنّه واحد
الإعراب: ﴿تِلْكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿آياتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه.
﴿نَتْلُوها:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن، و (ها) مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من: ﴿آياتُ اللهِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة على حدّ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾. ﴿عَلَيْكَ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿بِالْحَقِّ:﴾ متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، وهذا يعني: أنّها حال متداخلة.
﴿وَمَا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَا﴾): نافية حجازية تعمل عمل «ليس». ﴿اللهِ:﴾ اسمها.
﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهِ﴾. ﴿ظُلْماً:﴾ مفعول به. ﴿لِلْعالَمِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿ظُلْماً﴾ أو بمحذوف صفة له. هذا؛ ونقل الجمل عن السّمين اعتبار اللام زائدة، لا تعلّق لها بشيء، زيدت في مفعول المصدر تقوية له، وأنّ فاعل المصدر محذوف، التقدير: وما الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام تقوية للعامل؛ لكونه فرعا في العمل، كقوله تعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾. انتهى بحروفه. هذا؛ والجملة الفعلية في محل نصب خبر (﴿مَا﴾) أو في محل رفع خبر
стр. 900
المبتدأ؛ إن اعتبرتها مهملة، والجملة الاسمية على الوجهين معطوفة على ما قبلهما، أو هي مستأنفة، لا محلّ لها على الاعتبارين.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾
الشرح: قال المهدويّ-رحمه الله تعالى-: وجه اتصال هذا بما قبله: أنه لمّا ذكر أحوال المؤمنين، والكافرين، وأنّه لا يريد ظلما للعالمين؛ وصله بذكر اتّساع قدرته، وغناه عن الظلم بكون ما في السّماوات، وما في الأرض له؛ حتّى يسألوه، ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره. انتهى قرطبي. والمراد: كلّ ما فيهما ملك لله تعالى ملكا، وخلقا، وعبيدا. وفي: ﴿ما﴾ تغليب غير العاقل على العاقل؛ لأنّهم أكثر. ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: أمور الخلق كلّهم يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. هذا؛ والفعل يقرأ بالبناء للمجهول، فيكون من المتعدّي، ويقرأ بالبناء للمعلوم فيكون من اللّازم؛ لأن هذا الفعل يكون متعدّيا، ولازما، فمن المتعدي صراحة قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾. ومن اللازم قوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها. ﴿وَما فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَإِلَى اللهِ:﴾ متعلقان بما بعدهما. ﴿تُرْجَعُ:﴾ فعل مضارع يقرأ بالبناء للمعلوم، وبالبناء للمجهول. ﴿الْأُمُورُ:﴾ فاعله، أو نائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠)﴾
الشرح: ذكر الخازن-رحمه الله تعالى-: أن سبب نزول الآية مثل ما ذكرته في الآية رقم [١٠٠] ولا وجه له، بل هو كلام مستأنف. ومعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾. إلخ؛ أي: في علم الله تعالى، أو في اللّوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدّمين. و ﴿خَيْرَ﴾ أفعل تفضيل، أصله:
أخير، نقلت حركة الياء للخاء قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثم حذفت الهمزة استغناء عنها بحركة الخاء. ومثله قل في حبّ، وشرّ، اسمي تفضيل؛ إذ أصلها أحبب وأشرر، فنقلت حركة الباء الأولى والراء الأولى إلى ما قبلهما، ثم أدغم الحرفان
стр. 901
المتماثلان في بعضهما، ثمّ حذفت الهمزة من أولهما، استغناء عنها بحركة الخاء والشين، وقد يستعمل «خير» و «شر» على الأصل، كقراءة بعضهم قوله تعالى في سورة (القمر): («سيعلمون غدا من الكذّاب الأشر») بفتح الشين، ونحو قول رؤبة بن العجّاج: [الرجز]
يا قاسم الخيرات وابن الأخير... ما ساسنا مثلك من مؤمّر
و: خير، وشر، وحب، يستعملن بصيغة واحدة للمذكّر، والمؤنث، والمفرد، والمثنّى، والجمع؛ لأنهنّ بمعنى أفعل، كما رأيت. ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ:﴾ انظر الآية رقم [١٠٤] وخذ هنا ما يلي:
عن حذيفة بن اليمان-﵁: أنّ النبيّ ﷺ قال: «والّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله لأن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم تدعونه، فلا يستجاب لكم». أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجة. وعن درّة بنت أبي لهب-﵂ قالت: قلت يا رسول الله ﷺ ! من خير النّاس؟ قال: «أتقاهم للرّبّ، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر». رواه البيهقيّ، وغيره. وقال الإمام أحمد: قام رجل إلى النبيّ ﷺ ؛ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله! أيّ النّاس خير؟ ... إلخ الحديث، وذكر ما روته درّة.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ:﴾ الإيمان بالله يتضمن كلّ ما أمر أن يؤمن به. وإنّما أخّره، وحقّه أن يقدّم؛ لأنّه قصد بذكره الدّلالة على أنّهم أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر إيمانا بالله، وتصديقا به، وإظهارا لدينه. وأيضا: فالإيمان يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنّما فضّلت هذه الأمّة الإسلاميّة على غيرها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فكان ذلك سببا في تأخير الإيمان بالذّكر.
﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ أي: اليهود، والنّصارى بمحمّد ﷺ ، وبالدّين الذي جاء به.
﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ أي: لكان الإيمان خيرا لهم ممّا هم فيه من الرّئاسة، ومن حطام الدّنيا؛ الذي اغترّوا فيه، ولو أنّهم آمنوا؛ لحصل لهم عزّ الدنيا، وسعادة الآخرة. ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبد الله بن سلام، وأصحابه؛ الّذين أسلموا من اليهود، والنّجاشي، وأصحابه؛ الّذين أسلموا من النصارى. ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: المتمرّدون في الكفر، والطّغيان، والفساد. بعد هذا فخد ما يلي بشأن هذه الأمة.
ففي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ : «أنتم توفون سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ». وإنّما حازت هذه الأمّة قصب السبق إلى الخيرات بنبيّها ﷺ فإنّه أشرف خلق الله، وأكرم الرّسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم، لم يعطه نبيّ، ولا رسول قبله، فالعمل على منهاجه، وسبيله يقوم القليل منه مالا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه. ومن قوله ﷺ من الأمور التي خصّه الله بها: «وجعلت أمّتي خير الأمم». رواه الإمام أحمد من حديث عليّ، كرّم الله وجهه.
стр. 902
وعن ابن مسعود-﵁، قال: قال النبيّ ﷺ : «عرضت عليّ أمّتي بالمواسم، فراثت (تأخرت) عليّ أمّتي، ثمّ رأيتهم، فأعجبتني كثرتهم، وهيئتهم، قد ملئوا السّهل، والجبل.
فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم، قال: فإنّ مع هؤلاء سبعين ألفا، يدخلون الجنّة بغير حساب، وهم الّذين لا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون». فقام عكّاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم». فقام رجل آخر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكّاشة».
وعنه-﵁-قال: قال يا رسول الله ﷺ : «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة» فكبّرنا.
ثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» فكبّرنا. ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة؟». أخرجه الشّيخان. فهذه الأحاديث في معنى الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾.
إلخ، فمن اتصف من هذه الأمّة بهذه الصّفات؛ دخل معهم في هذا المدح، كما قال قتادة- رحمه الله تعالى-: بلغنا: أنّ عمر-﵁-في حجّة حجّها رأى من الناس كثرة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ..﴾. إلخ، ثمّ قال: (من سرّه أن يكون من هذه الأمّة؛ فليؤدّ شرط الله فيها). رواه ابن جرير.
ومن لم يتّصف بذلك أشبه أهل الكتاب؛ الذين ذمّهم الله بقوله: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. ولهذا مدح الله هذه الأمة على هذه الصّفات. هذا؛ وقال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السّنن: عن محمد بن زياد، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «وعدني ربّي أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفا، مع كلّ ألف سبعون ألفا، لا حساب عليهم، ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربّي، ». وأكتفي بهذا القدر بشأن هذه الأمّة.
الإعراب: ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمها. ﴿خَيْرَ:﴾ خبرها، وهو مضاف، و ﴿أُمَّةٍ:﴾ مضاف إليه، وقال القرطبيّ، وغيره: (كان) التّامة، والمعنى: خلقتم، ووجدتم خير أمّة، و ﴿خَيْرَ﴾ حال من تاء الفاعل.
وقيل: (كان) زائدة، والمعنى أنتم خير أمّة. وليسا بشيء؛ لأنّ كان من أفعال الاستمرار تصلح لكلّ زمان، مثل قوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ وزيادة «كان» لا تقع إلا بين شيئين متلازمين، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-: [الرجز]
وقد تزاد كان في حشو ك: ما... كان أصحّ علم من تقدّما
﴿أُخْرِجَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿أُمَّةٍ﴾ والتاء للتأنيث.
﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: ﴿أُمَّةٍ﴾. ﴿تَأْمُرُونَ:﴾ فعل مضارع
стр. 903
مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للعلم به، وكذا مفعول ما بعده. ﴿بِالْمَعْرُوفِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محلّ نصب خبر ثان ل (كان): أو هي في محل نصب حال من تاء الفاعل. قاله الراغب، وابن عطية. والثالث: أنها في محل نصب صفة ل ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ قاله الحوفي. والرابع: أنها مستأنفة. وهذا أغرب الأوجه. انتهى نقلا عن السّمين. والجملتان بعدها معطوفتان عليها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، وجملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلَوْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿لَوْ﴾): حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿آمَنَ أَهْلُ:﴾
ماض، وفاعله، و ﴿أَهْلُ:﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ:﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، وحذف المتعلق للعمل به بداهة، انظر الشرح. ﴿لَكانَ:﴾ اللام: واقعة في جواب (﴿لَوْ﴾). (كان): فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله، التقدير: لكان الإيمان خيرا لهم. والجملة الفعلية جواب (﴿لَوْ﴾) لا محلّ لها، و (﴿لَوْ﴾) ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.
﴿مِنْهُمُ:﴾ مضمون الجار والمجرور مبتدأ؛ لأنهما بمعنى: بعضهم، ويؤيده عطف (﴿أَكْثَرُهُمُ﴾) عليه، ومقابلته به، ولا يصح المعنى إلا على هذا الاعتبار، وهو خير ما يؤيّد ما ذهبت إليه فيما مضى. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، واعتبارها في محل نصب حال من: ﴿أَهْلُ الْكِتابِ﴾ لا بأس به، ويكون الرابط الضمير فقط، والتي بعدها معطوفة عليها على الاعتبارين.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾
الشرح: سبب نزول هذه الآية: أن رؤساء اليهود عمدوا إلى من آمن منهم، كعبد الله بن سلام، وأصحابه-رضوان الله عليهم-يؤذونهم لإسلامهم. والمعنى: لن يضرّوكم أيّها المؤمنون إلا أذى، يعني: باللّسان، من طعنهم في دينكم، أو تهديد، أو إلقاء شبهة، وتشكيك في القلوب، وكلّ ذلك يسبب الأذى، والغمّ. ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ أي: منهزمين مخذولين. ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ:﴾ لا يكون لهم النصر عليكم، بل تنصرون عليهم. فأخبر الله سبحانه: أن الدائرة على اليهود؛ إن قاتلوا، وأنّ عاقبتهم العجز، والخذلان. وهذه الآية من الإخبار بالمغيبات؛ الّتي وافقها الواقع؛ إذ كان كذلك حال قريظة، والنّضير، وبني قينقاع، ويهود خيبر، كلّهم أذلّهم الله، وكذلك النّصارى في الشّام هزمهم الصّحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام. والتاريخ شاهد صدق على ذلك، وانظر إعلال مثل: ﴿أَذىً:﴾ في الآية رقم [٣].
стр. 904
هذا؛ و ﴿الْأَدْبارَ﴾ جمع دبر بضم الباء، وسكونها، وهو الظّهر. ودبر كل شيء: آخره، وعقبه، فعن كعب بن عجرة-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «معقّبات لا يخيب قائلهنّ، أو فاعلهنّ دبر كلّ صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة». رواه مسلم، والترمذي، والنّسائي.
الإعراب: ﴿لَنْ:﴾ حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَضُرُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَذىً:﴾ مستثنى من المصدر العام، كأنه قيل: لن يضروكم ضررا البتّة إلا ضرر أذى لا يبالى به. وقيل: هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: إلا بأذى يسير، ولا بأس به، وعليه: فالجار، والمجرور متعلقان بمحذوف في محل نصب على الاستثناء. ﴿وَإِنْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو حرف استئناف. (﴿إِنْ﴾): حرف شرط جازم. ﴿يُقاتِلُوكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية.
ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿يُوَلُّوكُمُ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم مثل فعل شرطه، والواو فاعله، والكاف مفعوله الأول. ﴿الْأَدْبارَ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف في الإعراب، وفي المعنى حرف استئناف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُنْصَرُونَ﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، ولهذا ثبتت فيها النون، وللزمخشري كلام جيد ملخصه: وعدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنّه قيل:
ثمّ أخبركم: أنهم مخذولون منتف عنهم النصر، ولو جزم؛ لكان نفي النّصر مقيدا بقتالهم، بينما النّصر وعد مطلق بقتال، أو بدونه، فهم مخذولون على كلّ حال. وهو جيد، وألف جيد.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾
الشرح: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي: لزمهم الذلّ، والهوان. ﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أي: أحاط بهم كما يحيط البيت المضروب بصاحبه، ففيه استعارة بالكناية، حيث شبّه الذلّ بالخباء المضروب على أصحابه. قال الشاعر في مدح ابن الحشرج أمير خراسان: [الكامل]
إنّ السّماحة والمروءة والنّدى... في قبّة ضربت على ابن الحشرج
стр. 905
وقال الفرزدق في هجاء جرير، ووعيده، وتهديده له: [الكامل]
ضربت عليك العنكبوت بنسجها... وقضى عليك به الكتاب المنزل
﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا:﴾ أينما وجدوا. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. هذا؛ والثّقف في الأصل: الحذق في إدراك الشيء علما كان، أو عملا، فهو يتضمّن معنى الغلبة، يقال: ثقف، يثقف ثقفا، ويقال: رجل ثقف لقف، أي: خفيف حاذق: إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. قال الشاعر: [الوافر]
فإمّا تثقفوني فاقتلوني... فمن أثقف فليس إلى خلود
﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ أي: إلا بعهد من الله، وهو أن يسلموا، فتزول عنهم الذلّة. ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ بعهد من الناس أي: المؤمنين ببذل الجزيرة، والمعنى: ضربت عليهم الذلّة في عامّة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل من النّاس، وهو ذمّة الله، وعهده، وذمّة المسلمين، وعهدهم، لا عزّ لهم إلا بهذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوه من بذل الجزية، ولذا قدّر القرطبي: إلا أن يعتصموا بحبل، وإنّما سمي العهد حبلا؛ لأنه يوصل إلى الأمن، وزوال الخوف. وانظر الاستعارة في الآية رقم [١٠٣].
﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ﴾ أي: انقلبوا، ورجعوا بغضب من الله؛ أي: لزمهم ذلك. وصاروا أحقاء به، ومنه قول النبي ﷺ في حديث الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي» أي: أعترف بنعمتك عليّ، وأرجع بذنبي إليك؛ لتغفره لي. وقال تعالى في سورة (المائدة) حكاية عن قول هابيل لأخيه قابيل: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ وأصله في اللغة: الرجوع، ومثله: آب بتقديم الهمزة على الباء، قال عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [٧٧] [الوافر]
فآبوا بالنّهاب وبالسّبايا... وأبنا بالملوك مصفّدينا
أي: رجعوا، ورجعنا. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ هذا؛ والذلّة: الذلّ والصّغار، والمسكنة:
الفقر، فلا يوجد يهوديّ، وإن كان غنيّا خاليا من زيّ الفقر، وخضوعه، ومهانته، ولقد أذلّهم الله كلّ حياتهم، وفي جميع عصورهم، ف (بختنصر) المجوسي أذلّهم، وامتهنهم، كما رأيت في أوّل سورة الإسراء، ثمّ النصارى ساموهم سوء العذاب، ولمّا جاء الإسلام؛ طردهم الرسول ﷺ من المدينة المنوّرة، ثمّ طهّر الفاروق بلاد الحجاز من رجسهم، ثمّ لما فتح بيت المقدس في عهده ضرب عليهم الجزية، ولكن في هذه الأيام صار لهم صولة، ودولة بسبب تفرّق المسلمين، وإهمالهم لتعاليم دينهم، وتركهم لسنّة نبيّهم، وتركهم الجهاد في سبيل الله، وإقبالهم على الدّنيا، وكأنّ الله نزع الذلّة، والمسكنة من رقاب اليهود، وألبسهما أعناق المسلمين بسبب ذلك. وخذ ما يلي:
عن ثوبان-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» فقال قائل: من قلّة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثيرون،
стр. 906
ولكنّكم غثاء كغثاء السّيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن». قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: «حبّ الدّنيا، وكراهية الموت». أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما.
وعن عبد الله بن عمر-﵄-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلّط الله عليكم ذلاّ، لا ينزعه عنكم حتّى ترجعوا إلى دينكم». أخرجه أبو داود. ومن قول ابن مسعود-﵁: نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، إذا طلبنا العزّة بغيره؛ أذلّنا الله.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ أي: بسبب كفرهم بآيات الله؛ أي: التوراة، أو بالمعجزات؛ الّتي أجراها الله على يد موسى تأييدا لدعوته، وتقوية لحجّته. ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ﴾ مثل: يحيى، وزكريا، وشعيا، وغيرهم، فعن ابن مسعود-﵁-قال: «كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثمّ يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار» بمعنى: لا يهمهم ذلك، ولا يكترثون به، ولا يحسبون له حسابا. رواه أبو داود الطيالسي. وكلمة: «في اليوم» لا تعني كلّ يوم، ولكن في بعض الأيام، وعن ابن مسعود-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبيّ، أو قتل نبيّا، وإمام ضلالة، وممثّل من الممثّلين». أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث قاله الرسول ﷺ حين طعن أبيّ بن خلف في غزوة أحد، وكان ذلك سببا في موته.
﴿بِغَيْرِ حَقٍّ:﴾ معلوم: أنّه لا يقتل نبيّ بحقّ، ولكن يقتل بالدّفاع عن الحقّ، فصرح بقوله ذلك للتّشنيع عليهم، فلم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله. فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم، وزيادة في علوّ مقاماتهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك خذلانا لهم. قال ابن عبّاس، والحسن-﵃-لم يقتل نبيّ قطّ من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلّ من أمر بقتال؛ نصر. انتهى، ومعلوم: أن نبينا ﷺ أمر بقتال، فنصر. والحمد لله!
﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا:﴾ الإشارة إلى ما تقدّم من ضرب الذلّة، والمسكنة عليهم، والعصيان:
خلاف الطاعة. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ:﴾ يتجاوزون حدود الله، فينتهكونها، ويؤخذ من هذا: أنّ صغار الذنوب يجرّ إلى كبارها، وأنّ صغار الطّاعات يجرّ إلى كبارها أيضا، فاليهود جرّهم ارتكاب معصية الله إلى عظائم الأمور؛ حيث قتلوا الأنبياء، واستحلّوا المحرّمات، وجرّهم ذلك أيضا إلى الكفر بمحمّد ﷺ ، وتحريف التّوراة، وغير ذلك ممّا ذكره القرآن الكريم عنهم.
الإعراب: ﴿ضُرِبَتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث حرف لا محلّ له. ﴿عَلَيْهِمُ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الذِّلَّةُ:﴾ نائب فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها.
стр. 907
﴿أَيْنَ ما:﴾ اسم شرط جازم مبني على السكون، ويقال: مبني على الفتح و (﴿ما﴾) زائدة في محل نصب على الظرفية المكانية متعلّق بالفعل بعده. ﴿ثُقِفُوا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، وإن اعتبرت الشرط متعلقا بجوابه؛ فالجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿أَيْنَ ما﴾ إليها، وجواب الشرط محذوف، التقدير: عذّبوا، وذلّوا. وقيل: دلّ عليه ما قبله. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿أَيْنَ ما﴾ ظرفا مجردا عن الشرطية؛ فلا يحتاج إلى جواب، ويكون متعلقا بالفعل:
﴿ضُرِبَتْ﴾ والمعنى لا يأباه. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بِحَبْلٍ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل نصب حال مستثنى من عموم الأحوال، والمعنى: ضربت عليهم الذلّة في عامّة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة (﴿حَبْلٍ﴾). ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. (﴿باؤُ﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿بِغَضَبٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقال أبو البقاء: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة؛ أي: رجعوا مغضوبا عليهم، وهو جيّد. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: (غضب) أو هما متعلقان به؛ لأنه مصدر، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محل لها مثلها: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ:﴾ هذه الجملة معطوفة على سابقتها، وهي مثلها في إعرابها بلا فارق.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿بِأَنَّهُمْ:﴾ الباء: حرف جر. (أنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها.
﴿كانُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿يَكْفُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿بِآياتِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و (آيات) مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كانُوا﴾. وهذه الجملة في محل رفع خبر (أنّ) و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل جرّ بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿ذلِكَ..﴾. إلخ مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل نصب مثلها. ﴿بِغَيْرِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: مبطلين بغير.
و (غير) مضاف، و ﴿حَقٍّ﴾ مضاف إليه.
﴿ذلِكَ:﴾ مبتدأ مثل سابقه. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿عَصَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة؛ التي هي فاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار ولمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم. والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محل لها، وهي مؤكّدة لسابقتها. ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ:﴾ إعرابها مثل إعراب: ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ وهي
стр. 908
معطوفة على ما قبلها، وتؤوّل مثلها بمصدر بسبب العطف، التقدير: ذلك بسبب عصيانهم، وبسبب اعتدائهم.
﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾
الشرح: قال ابن عباس ﵁: لمّا أسلم عبد الله بن سلام، وأصحابه من اليهود؛ قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد ﷺ إلا شرارنا، ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم. فأنزل الله الآية الكريمة. وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قولان: أحدهما: أنه كلام تامّ يوقف عليه.
والمعنى عليه: أن أهل الكتاب الّذين سبق ذكرهم: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ ليسوا سواء. وقيل: لا يستوي اليهود، وأمّة محمد ﷺ القائمة بأمر الله، الثابتة على الحقّ.
والأوّل هو الأقوى. والقول الثاني: أنّ قوله: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ متعلّق بما بعده، ولا يوقف عليه.
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ:﴾ فيه اختصار، وإضمار، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب.
﴿لَيْسُوا:﴾ الضمير يعود إلى أهل الكتاب. ﴿سَواءً:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٦] ﴿أَهْلِ الْكِتابِ:﴾
انظر الآية رقم [٦٤] ﴿أُمَّةٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ١٢٨]. ﴿قائِمَةٌ:﴾ انظر إعلال مثله في الآية رقم [١٨] ومعناه: المستقيمة العادة الثابتة، وهم الذين أسلموا منهم ك «عبد الله بن سلام» وأصحابه، وجماعة من نصارى نجران أسلموا. ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ:﴾ يقرءون القرآن. وقيل:
المراد: يصلون في الليل، فيقرءون القرآن، وانظر الآية رقم [٢/ ٣٩] ﴿اللهِ:﴾ انظر الاستعاذة.
﴿آناءَ:﴾ ساعات، واحدها إنى بفتح الهمزة والنون، أو: إنى بكسر الهمزة وفتح النون، أو أني بالفتح والسكون، و: إنّي بالكسر والسكون، أو: إنو بالكسر والسكون وبالواو، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان. وانظر مفرد آلاء في الآية رقم [٧/ ٦٨] فهو قريب منه. ﴿اللَّيْلِ:﴾ انظر الآية رقم [٢/ ٥١] ﴿يَسْجُدُونَ:﴾ يصلون. هذا وقد جمع الضمير فيه وفي يتلون، وكذلك فيما يأتي مع كونه راجعا إلى أمة، وذلك باعتبار عدد أفرادها.
الإعراب: ﴿لَيْسُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضمّ، والواو اسمه، والألف للتفريق.
﴿سَواءً:﴾ خبرها، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿مِنْ أَهْلِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدّم، و ﴿أَهْلِ﴾ مضاف، و ﴿الْكِتابِ﴾ مضاف إليه. ﴿أُمَّةٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وهي مفيدة للتفصيل المتضمّن نفي التسوية بين المستقيمين من أهل الكتاب، وبين المنحرفين منهم. ﴿قائِمَةٌ:﴾ صفة ﴿أُمَّةٌ﴾. هذا؛ وأجاز الفرّاء رفع ﴿أُمَّةٌ﴾ ب ﴿سَواءً﴾ وليس بشيء يعتدّ به. وقال أبو عبيدة-رحمه الله تعالى-: ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم (ليس) و ﴿سَواءً﴾ خبرها، وأتى الضمير في (ليس) على لغة من قال: أكلوني البراغيث. وهذا بعيد جدّا.
стр. 909
﴿يَتْلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محلّ رفع صفة ثانية ل ﴿أُمَّةٌ﴾ أو في محل نصب حال من الضمير المستتر ب ﴿قائِمَةٌ﴾. ﴿آناءَ:﴾
ظرف زمان متعلّق بالفعل: ﴿يَتْلُونَ﴾ وهو مضاف، و ﴿اللَّيْلِ﴾ مضاف إليه. ﴿وَهُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والجملة بعده في محل رفع خبره، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة. والرابط: الواو، والضمير.
وأجيز اعتبارها معطوفة على جملة: ﴿يَتْلُونَ﴾ فتكون حالا من الضمير المستتر ب ﴿قائِمَةٌ﴾ مثلها.
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ (١١٤)﴾
الشرح: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ:﴾ يقرّون بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبسيّدنا محمد ﷺ نبيّا، وشفيعا، ورسولا. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:﴾ يعتقدون بوجوده، وبوقوعه لا محالة، وذلك؛ لأن إيمان أهل الكتاب فيه شرك، ويصفون اليوم الآخر بغير ما يصفه المؤمنون من أمّة محمد ﷺ ، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه، وأهل الكتاب ليسوا كذلك، والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من جميع المعاصي، وأهل الكتاب لا يحترزون منها، فلم يحصل الإيمان الخالص بالله واليوم الآخر. ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ..﴾. إلخ: يعني غير مداهنين، كما يداهن أهل الكتاب بعضهم بعضا، ويأمرون بتوحيد الله وبمحمّد ﷺ وينهون عن الشرك، وعن كتم صفة محمد ﷺ .
﴿وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ أي: يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابها، ومبادرتهم بالعمل الصّالح قبل الموت. قال تعالى في وصف الأنبياء في سورة (الأنبياء):
﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ..﴾. إلخ. ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ:﴾ أي: مع الصالحين في الجنة، وهم أصحاب محمد ﷺ الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى، واستحقّوا رضاه، وإحسانه، وثناءه. والإشارة بالبعيد لبيان علوّ درجتهم، ومنزلتهم في الفضل. هذا؛ والصّلاح:
ضد الفساد، فإذا حصل الصّلاح للعبد؛ فقد حصل له أعلى الدّرجات، وأكمل المقامات، كيف لا؛ والصّدّيق يوسف-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-حكى القرآن دعاءه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ وحكى دعاء سليمان-على حبيبنا، وعليه ألف تحيّة-: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ ولكن بعض مشايخ المسلمين يمدّ يده لتقبّل، ويقول: يسنّ تقبيل يد الرجل الصّالح، والرّسول ﷺ رفض تقبيل يده، وخذ ما يلي:
قال أبو هريرة-﵁: دخلت السّوق مع النبيّ ﷺ ، فاشترى سراويل، وقال للوزان:
(زن وأرجح) فوثب الوزّان إلى يد رسول الله ﷺ ليقبّلها، فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم
стр. 910
بملوكها، ولست بملك، وإنّما أنا رجل منكم» ثمّ أخذ السراويل، فذهبت لأحملها، فقال:
«صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» ولكنّ المشايخ في هذه الأيام يمدّون أيديهم للتّقبيل.
هذا؛ وقد تكرّر الحثّ على الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر في هذه السّورة الكريمة.
وخذ ما يلي ملخصا من القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى-: أنّ المنكر واجب تغييره على كلّ من قدر عليه، وأنّه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللّوم؛ الذي لا يتعدى إلى الأذى؛ فإنّ ذلك لا ينبغي أن يمنعه من تغييره، فإن لم يقدر، فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبه، فقد أدّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال:
والأحاديث عن النبيّ ﷺ في تأكيد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كثيرة جدّا، ولكنّها مقيّدة بالاستطاعة، قال الحسن البصريّ-رحمه الله تعالى-: إنّما يكلّم مؤمن يرجى، أو جاهل يعلم، فأمّا من وضع سيفه، أو سوطه، فقال: اتّقني! اتّقني! فما لك، وماله. وقال ابن مسعود-﵁: بحسب المرء إذا رأى منكرا، لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه: أنه له كاره.
وروى ابن لهيعة عن الأعرج، عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ لمؤمن أن يذلّ نفسه». قالوا: يا رسول الله! وما إذلال نفسه؟ قال: «يتعرّض من البلاء لما لا يقوم له». وروي عن بعض الصّحابة: أنه قال: إنّ الرّجل إذا رأى منكرا، لا يستطيع النكير عليه؛ فليقل ثلاث مرات: اللهم إنّ هذا منكر. فإذا قال ذلك؛ فقد فعل ما عليه. وزعم ابن العربيّ: أنّ من رجا زواله، وخاف على نفسه من تغييره الضّرب، أو القتل؛ جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله؛ فأيّ فائدة عنده؟ قال: والذي عندي: أنّ النية إذا خلصت؛ فليقتحم، كيف ما كان، ولا يبالي.
الإعراب: ﴿يُؤْمِنُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان به. ﴿وَالْيَوْمِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿الْآخِرِ:﴾ صفة: (﴿الْيَوْمِ﴾) والجملة الفعلية في محل رفع صفة ثانية ل ﴿أُمَّةٌ﴾ أو في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الضمير فقط، أو من الضمير في: ﴿قائِمَةٌ﴾ أو هي مستأنفة لا محل لها بالإعراض عمّا قبلها.
وما بعدها مثلها في محلّها، وإعرابها. ﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف، (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، وعطفها على ما قبلها لا يجيزه من لا يجيز عطف الاسمية على الفعلية.
﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)﴾
الشرح: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ..﴾. إلخ: قرئ الفعلان بالياء؛ لأنّ الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، وذلك: أنّ اليهود قالوا لعبد الله بن سلام، وأصحابه: إنّكم خسرتم
стр. 911
بسبب هذا الدّين؛ الذي دخلتم فيه ما عملتم من الصّالحات. فأخبر الله-عزّ، وجلّ-: أنهم فازوا بالدّرجات العلى، وما فعلوه من خير يجازيهم به الله. ولا يمنع خصوص السبب عموم الحكم، فيدخل فيه كلّ فاعل للخير، وقرئ الفعلان بالتاء على أنّه ابتداء كلام، وهو خطاب لجميع المؤمنين، فيدخل فيه مؤمنو أهل الكتاب أيضا. ومعنى: (فلن تكفروه): فلن تعدموا ثوابه، أو تمنعوه، بل يشكره الله لكم، ويجازيكم به. هذا وسمّى الله ذلك كفرانا، كما سمّى توفية الثواب شكرا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ بمعنى: إنّ الله عليم بعمل المتقين، فيجازيهم على عملهم أحسن الجزاء. ففيه بشارة لهم، وإشعار بأنّ التّقوى مبدأ الخير، وحسن العمل، وأنّ الفائز عند الله هم المتّقون، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
و (المتقين) جمع: متق، فهو مأخوذ من التّقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من «الوقاية» وهي: الحفظ، والتحرّز من المهالك دنيا، وأخرى. وفيه تغليب الرجال على النّساء؛ إذ ما من شكّ أنّ في النساء متّقيات، وصالحات. هذا؛ وأصل (المتقين): الموتقين، فيقال في إعلاله: قلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء، وحذفت الكسرة عن الياء الأولى، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار:
(المتقين).
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿يَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾). و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والجملة الفعلية ابتدائية، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.
﴿يُكْفَرُوهُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ عَلِيمٌ﴾): مبتدأ، وخبر ﴿بِالْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفنّدا، وتكون الحال بمعنى الظرف كما رأيت في الآية رقم [٥٧]. هذا؛ وتعدّى: ﴿يُكْفَرُوهُ﴾ إلى مفعولين؛ وإن كان: (شكر)، و (كفر) لا يتعدّيان إلا إلى واحد، تقول: شكر النّعمة، وكفرها؛ لتضمّنه معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه؛ أي: فلن تحرموا جزاءه، وأجره.
стр. 912
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: المراد بهذه الآية بنو قريظة، وبنو النضير، وذلك: أنّ رؤساء اليهود مالوا إلى تحصيل الأموال في معاداة الرّسول ﷺ ، وإنّما كان مقصودهم بمعاداته تحصيل الرئاسة، والأموال، فقال الله- : ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ﴾. وقيل: نزلت في مشركي قريش، فإن أبا جهل الخبيث كان كثير الافتخار بالأموال، وأنفق أبو سفيان مالا كثيرا في يومي بدر وأحد على المشركين. وقيل: إنّ الآية عامّة في جميع الكفار؛ لأن اللفظ عام، ولا دليل يوجب التخصيص، فوجب إجراء اللّفظ على عمومه. وإنّما خصّ الأموال، والأولاد بالذّكر؛ لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بالفداء بالمال، وتارة بالاستعانة بالأولاد، فأعلم الله : أن الكافر لا ينفعه شيء من ذلك في الآخرة، ولا مخلص من عذاب الله. وهو فحوى الجملة التالية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر سورة (البقرة) رقم [٢٥٧].
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَنْ تُغْنِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾.
﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿أَمْوالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها.
﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تُغْنِيَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول مطلق، أو نائب عنه، وجوّز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا.
﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾
مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى التشبيه، والرابط الضمير فقط، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوّز اعتبارها خبرا ثانيا ل (﴿أُولئِكَ﴾). والأول أقوى.
стр. 913
﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾
الشرح: في الآية الكريمة تشبيه، وتمثيل لنفقات الكافرين في معاداة الرسول ﷺ ، ومحاربة الإسلام. ويشمل أيضا نفقات المرائين، كما رأيت في الآية رقم [٢٦٣] من سورة (البقرة) والتي بعدها. كما يشمل أيضا نفقات المنّانين، وانظر شرح (﴿مَثَلُ﴾) في الآية رقم [٢٦٤]: منها أيضا، وشرح (أصاب) فيها أيضا، ولقد وصف الله الحياة الّتي نحياها ب (﴿الدُّنْيا﴾) لحقارتها، ومهانتها، وأنّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ورحم الله من يقول: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
وما أحسن قول الشّافعي-﵁-في ذمّها: [الطويل]
وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
وانظر شرح ﴿الرِّياحِ﴾ في الآية رقم [١٦٤]: من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿فِيها:﴾ في الريح. ﴿صِرٌّ:﴾ فيه وجهان: أحدهما وهو قول أكثر المفسرين، وأهل اللغة: أنّ الصّر: البرد الشديد. قاله ابن عباس، وقتادة، والسّدّي، وابن زيد-﵃. والوجه الثاني: أنّ الصّر: هو السموم الحارّة؛ التي تقتل. وهو رواية عن ابن عباس-﵄-وبه قال ابن الأنباري من أهل اللغة. وعلى الوجهين فالتشبيه صحيح، والمقصود منه حاصل؛ لأنّها سواء كان فيها برد، فهي مهلكة، أو حرّ، فهي مهلكة أيضا، وعليه، فهو من الأضداد واللغة العربية غنيّة بالكلمات التي تعني الضدّين، ومنه: «الغارين» في كثير من الآيات، فهو يحتمل أن يكون بمعنى الماضين، وبمعنى الباقين. قال أبو ذؤيب الهذليّ من قصيدته في رثاء أولاده: [الكامل]
فغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع
ومنها لفظ: «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذّهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [السّريع]
فلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب]
بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل
стр. 914
أي: هيّن حقير، لا قيمة له. ومنها «الجون» للأبيض، والأسود، و «البين» للقرب، والبعد و «الصّريم» للّيل، والنهار، وبهما فسّر قوله تعالى في سورة (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ و «النّاصع» للأبيض، والأسود، و «النّاهل» للريّان، والعطشان، و «السّليم» للّديغ، والصحيح، و «وراء» بمعنى خلف، وقدام، و: شعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و «الصّارخ» للمغيث، والمستغيث، و «الهاجد» للمصلّي في الليل، والنائم، و «الوهدة» للانحدار، والارتفاع، و «التعزير» للإكرام، والإهانة، و «التقريظ» للمدح، والذم، و «ترب» للغنيّ، والفقير، و «الإهماد» للسرعة في السّير والإقامة، و «عسعس» إذا أقبل، وإذا أدبر، قال تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ و «القرء» للحيض، والطّهر.
ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢]: من سورة (طه) وفي الآية رقم [٣]: من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ وفي الآية رقم [٥٤]: من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾. إنّ أسروا: يحتمل أن يكون بمعنى:
أظهروا، أو أن يكون بمعنى: أخفوا، فهو من الأضداد، كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي
﴿أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي: أصابت الرّيح التي فيها صرّ زرع قوم. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله فيه. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: أهلكت الريح الزّرع، وفحوى الآية: أنّ مثل نفقات الكفار، والمنافقين، والمرائين في ذهابها وقت الحاجة إليها، كمثل زرع أصابته ريح باردة، فأهلكته، أو نار، فأحرقته، فلم ينتفع به أصحابه. وفي الآية التشبيه المركّب، وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين، وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين. فعلى هذا زال الإشكال. ومن التشبيه ما حصلت فيه المشابهة بين المقصودين من الجملتين، وبين أجزاء كلّ واحدة منهما، فإن جعلنا هذا المثل من هذا القسم؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون التقدير: مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون، كمثل الريح المهلكة للحرث.
الوجه الثاني: مثل ما ينفقون كمثل مهلك الرّيح، هو الحرث. والمقصود من ضرب هذا المثل هو تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكليّة، ولا يبقى منه شيء. ويطلق على هذا التشبيه اسم:
التشبيه التمثيلي أيضا.
﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ أي: بعدم قبول نفقاتهم. ﴿وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، فاستحقّوا عقابه، وحرموا الأجر، والثواب. حيث لم يجعلوها محلاّ للقبول، ومنارة للوصول. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٦١].
الإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع،
стр. 915
وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: مثل الذي، أو: شيء ينفقونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل إنفاقهم المال. ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، التقدير: كائنا في هذه. ﴿الْحَياةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعتبره نعتا.
﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر.
﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿صِرٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿فِيها صِرٌّ:﴾ في محل جر صفة: ﴿رِيحٍ﴾. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش تعليق الجار والمجرور بمحذوف صفة: ﴿رِيحٍ﴾ واعتبار: ﴿صِرٌّ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور.
﴿أَصابَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رِيحٍ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿رِيحٍ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿حَرْثَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿رِيحٍ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿أَصابَتْ..﴾. إلخ على الوجهين: المعتبرين فيها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿ظَلَمَهُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة في: ﴿ظَلَمَهُمُ﴾ لا يأباه المعنى، ويكون الرّابط الواو، والضمير.
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدّم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄-في سبب نزول هذه الآية: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة، والصّداقة، والحلف، والجوار، والرّضاع، فأنزل الله هذه الآية، ونهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم. ويدلّ على صحّة هذا القول: أنّ الآيات المتقدّمة فيها ذكر اليهود، فتكون هذه الآية كذلك. وقيل: كان قوم من
следующие страницы →