بسبب هذا الدّين؛ الذي دخلتم فيه ما عملتم من الصّالحات. فأخبر الله-عزّ، وجلّ-: أنهم فازوا بالدّرجات العلى، وما فعلوه من خير يجازيهم به الله. ولا يمنع خصوص السبب عموم الحكم، فيدخل فيه كلّ فاعل للخير، وقرئ الفعلان بالتاء على أنّه ابتداء كلام، وهو خطاب لجميع المؤمنين، فيدخل فيه مؤمنو أهل الكتاب أيضا. ومعنى: (فلن تكفروه): فلن تعدموا ثوابه، أو تمنعوه، بل يشكره الله لكم، ويجازيكم به. هذا وسمّى الله ذلك كفرانا، كما سمّى توفية الثواب شكرا. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ بمعنى: إنّ الله عليم بعمل المتقين، فيجازيهم على عملهم أحسن الجزاء. ففيه بشارة لهم، وإشعار بأنّ التّقوى مبدأ الخير، وحسن العمل، وأنّ الفائز عند الله هم المتّقون، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
و (المتقين) جمع: متق، فهو مأخوذ من التّقوى، وهي حفظ النفس من العذاب الأخروي بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ لأن أصل المادة من «الوقاية» وهي: الحفظ، والتحرّز من المهالك دنيا، وأخرى. وفيه تغليب الرجال على النّساء؛ إذ ما من شكّ أنّ في النساء متّقيات، وصالحات. هذا؛ وأصل (المتقين): الموتقين، فيقال في إعلاله: قلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء، وحذفت الكسرة عن الياء الأولى، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار:
(المتقين).
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدّم. ﴿يَفْعَلُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنْ خَيْرٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (﴿ما﴾). و ﴿مِنْ﴾ بيان لما أبهم فيها، والجملة الفعلية ابتدائية، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿فَلَنْ:﴾ الفاء واقعة في جواب الشرط. (لن): حرف نفي، ونصب، واستقبال.
﴿يُكْفَرُوهُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب (لن) وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعله، وهو المفعول الأوّل، والهاء مفعوله الثاني، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ عَلِيمٌ﴾): مبتدأ، وخبر ﴿بِالْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة؛ فلست مفنّدا، وتكون الحال بمعنى الظرف كما رأيت في الآية رقم [٥٧]. هذا؛ وتعدّى: ﴿يُكْفَرُوهُ﴾ إلى مفعولين؛ وإن كان: (شكر)، و (كفر) لا يتعدّيان إلا إلى واحد، تقول: شكر النّعمة، وكفرها؛ لتضمّنه معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه؛ أي: فلن تحرموا جزاءه، وأجره.
стр. 912
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄: المراد بهذه الآية بنو قريظة، وبنو النضير، وذلك: أنّ رؤساء اليهود مالوا إلى تحصيل الأموال في معاداة الرّسول ﷺ ، وإنّما كان مقصودهم بمعاداته تحصيل الرئاسة، والأموال، فقال الله- : ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ﴾. وقيل: نزلت في مشركي قريش، فإن أبا جهل الخبيث كان كثير الافتخار بالأموال، وأنفق أبو سفيان مالا كثيرا في يومي بدر وأحد على المشركين. وقيل: إنّ الآية عامّة في جميع الكفار؛ لأن اللفظ عام، ولا دليل يوجب التخصيص، فوجب إجراء اللّفظ على عمومه. وإنّما خصّ الأموال، والأولاد بالذّكر؛ لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بالفداء بالمال، وتارة بالاستعانة بالأولاد، فأعلم الله : أن الكافر لا ينفعه شيء من ذلك في الآخرة، ولا مخلص من عذاب الله. وهو فحوى الجملة التالية. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٠] فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿وَأُولئِكَ..﴾. إلخ: انظر سورة (البقرة) رقم [٢٥٧].
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿لَنْ تُغْنِيَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿لَنْ﴾.
﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿أَمْوالُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي. ﴿أَوْلادُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ والجملة الاسمية مبتدأة، أو مستأنفة لا محل لها.
﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿تُغْنِيَ﴾ وهما في محل نصب مفعول به. ﴿شَيْئاً:﴾ مفعول مطلق، أو نائب عنه، وجوّز أن يكون مفعولا به، وعليه فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال منه، كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا.
﴿وَأُولئِكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿أُولئِكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿أَصْحابُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿النّارِ:﴾
مضاف إليه، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها، لا محل لها على الاعتبارين. ﴿هُمْ:﴾ ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان بما بعدهما. ﴿خالِدُونَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من: ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ والعامل في الحال اسم الإشارة لما فيه من معنى التشبيه، والرابط الضمير فقط، وفيها معنى التأكيد للكلام السابق، وجوّز اعتبارها خبرا ثانيا ل (﴿أُولئِكَ﴾). والأول أقوى.
стр. 913
﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾
الشرح: في الآية الكريمة تشبيه، وتمثيل لنفقات الكافرين في معاداة الرسول ﷺ ، ومحاربة الإسلام. ويشمل أيضا نفقات المرائين، كما رأيت في الآية رقم [٢٦٣] من سورة (البقرة) والتي بعدها. كما يشمل أيضا نفقات المنّانين، وانظر شرح (﴿مَثَلُ﴾) في الآية رقم [٢٦٤]: منها أيضا، وشرح (أصاب) فيها أيضا، ولقد وصف الله الحياة الّتي نحياها ب (﴿الدُّنْيا﴾) لحقارتها، ومهانتها، وأنّها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ورحم الله من يقول: [الكامل]
يا خاطب الدّنيا الدّنيّة إنّها... شرك الرّدى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها... أبكت غدا تبّا لها من دار
وما أحسن قول الشّافعي-﵁-في ذمّها: [الطويل]
وما هي إلاّ جيفة مستحيلة... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
وانظر شرح ﴿الرِّياحِ﴾ في الآية رقم [١٦٤]: من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿فِيها:﴾ في الريح. ﴿صِرٌّ:﴾ فيه وجهان: أحدهما وهو قول أكثر المفسرين، وأهل اللغة: أنّ الصّر: البرد الشديد. قاله ابن عباس، وقتادة، والسّدّي، وابن زيد-﵃. والوجه الثاني: أنّ الصّر: هو السموم الحارّة؛ التي تقتل. وهو رواية عن ابن عباس-﵄-وبه قال ابن الأنباري من أهل اللغة. وعلى الوجهين فالتشبيه صحيح، والمقصود منه حاصل؛ لأنّها سواء كان فيها برد، فهي مهلكة، أو حرّ، فهي مهلكة أيضا، وعليه، فهو من الأضداد واللغة العربية غنيّة بالكلمات التي تعني الضدّين، ومنه: «الغارين» في كثير من الآيات، فهو يحتمل أن يكون بمعنى الماضين، وبمعنى الباقين. قال أبو ذؤيب الهذليّ من قصيدته في رثاء أولاده: [الكامل]
فغبرت بعدهم بعيش ناصب... وإخال أنّي لاحق مستتبع
ومنها لفظ: «جلل» للعظيم، والحقير، فمن الأول قول الحارث بن وعلة بن ذهل بن شيبان الذّهلي-وهو الشاهد رقم [١٩٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [السّريع]
فلئن عفوت لأعفون جللا... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومن الثاني قول امرئ القيس لمّا قتل أبوه، وهو الشاهد رقم [١٩٣] من كتابنا المذكور: [المتقارب]
بقتل بني أسد ربّهم... ألا كلّ شيء سواه جلل
стр. 914
أي: هيّن حقير، لا قيمة له. ومنها «الجون» للأبيض، والأسود، و «البين» للقرب، والبعد و «الصّريم» للّيل، والنهار، وبهما فسّر قوله تعالى في سورة (ن): ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ و «النّاصع» للأبيض، والأسود، و «النّاهل» للريّان، والعطشان، و «السّليم» للّديغ، والصحيح، و «وراء» بمعنى خلف، وقدام، و: شعبت الشيء: أصلحته، وشققته، و «الصّارخ» للمغيث، والمستغيث، و «الهاجد» للمصلّي في الليل، والنائم، و «الوهدة» للانحدار، والارتفاع، و «التعزير» للإكرام، والإهانة، و «التقريظ» للمدح، والذم، و «ترب» للغنيّ، والفقير، و «الإهماد» للسرعة في السّير والإقامة، و «عسعس» إذا أقبل، وإذا أدبر، قال تعالى في سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ و «القرء» للحيض، والطّهر.
ومنه قيل في قوله تعالى في الآية رقم [٦٢]: من سورة (طه) وفي الآية رقم [٣]: من سورة (الأنبياء): ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوى﴾ وفي الآية رقم [٥٤]: من سورة (يونس) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾. إنّ أسروا: يحتمل أن يكون بمعنى:
أظهروا، أو أن يكون بمعنى: أخفوا، فهو من الأضداد، كما قيل به في قول امرئ القيس-وهو الشاهد رقم [٤٧٢]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الطويل]
تجاوزت أحراسا عليها ومعشرا... عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي
﴿أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي: أصابت الرّيح التي فيها صرّ زرع قوم. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ بالكفر، والمعاصي، ومنع حق الله فيه. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: أهلكت الريح الزّرع، وفحوى الآية: أنّ مثل نفقات الكفار، والمنافقين، والمرائين في ذهابها وقت الحاجة إليها، كمثل زرع أصابته ريح باردة، فأهلكته، أو نار، فأحرقته، فلم ينتفع به أصحابه. وفي الآية التشبيه المركّب، وهو ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين، وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين. فعلى هذا زال الإشكال. ومن التشبيه ما حصلت فيه المشابهة بين المقصودين من الجملتين، وبين أجزاء كلّ واحدة منهما، فإن جعلنا هذا المثل من هذا القسم؛ ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكون التقدير: مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون، كمثل الريح المهلكة للحرث.
الوجه الثاني: مثل ما ينفقون كمثل مهلك الرّيح، هو الحرث. والمقصود من ضرب هذا المثل هو تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكليّة، ولا يبقى منه شيء. ويطلق على هذا التشبيه اسم:
التشبيه التمثيلي أيضا.
﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ﴾ أي: بعدم قبول نفقاتهم. ﴿وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، فاستحقّوا عقابه، وحرموا الأجر، والثواب. حيث لم يجعلوها محلاّ للقبول، ومنارة للوصول. وانظر شرح (النفس) في الآية رقم [٦١].
الإعراب: ﴿مَثَلُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿ما:﴾ مبنية على السكون في محل جر بالإضافة، وهي تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع،
стр. 915
وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: مثل الذي، أو: شيء ينفقونه، وعلى اعتبار: ﴿ما﴾ مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جر بالإضافة، التقدير: مثل إنفاقهم المال. ﴿فِي هذِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. أو هما متعلقان بمحذوف حال من المفعول المحذوف، التقدير: كائنا في هذه. ﴿الْحَياةِ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه، وبعضهم يعتبره نعتا.
﴿الدُّنْيا:﴾ صفة: ﴿الْحَياةِ﴾ مجرور مثله، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذّر.
﴿كَمَثَلِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿صِرٌّ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: ﴿فِيها صِرٌّ:﴾ في محل جر صفة: ﴿رِيحٍ﴾. هذا؛ ويجوز على مذهب الأخفش تعليق الجار والمجرور بمحذوف صفة: ﴿رِيحٍ﴾ واعتبار: ﴿صِرٌّ﴾ فاعلا بمتعلق الجار والمجرور.
﴿أَصابَتْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿رِيحٍ﴾ والتاء للتأنيث، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل ﴿رِيحٍ﴾ أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدّم. ﴿حَرْثَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿قَوْمٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿ظَلَمُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جرّ صفة: ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ:﴾ الفاء: حرف عطف. ﴿فَأَهْلَكَتْهُ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث والفاعل يعود إلى: ﴿رِيحٍ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿أَصابَتْ..﴾. إلخ على الوجهين: المعتبرين فيها. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (ما): نافية.
﴿ظَلَمَهُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة في: ﴿ظَلَمَهُمُ﴾ لا يأباه المعنى، ويكون الرّابط الواو، والضمير.
﴿وَلكِنْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لكِنْ﴾): حرف استدراك مهمل لا عمل له. ﴿أَنْفُسَهُمْ:﴾ مفعول به مقدّم، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿يَظْلِمُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄-في سبب نزول هذه الآية: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة، والصّداقة، والحلف، والجوار، والرّضاع، فأنزل الله هذه الآية، ونهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم. ويدلّ على صحّة هذا القول: أنّ الآيات المتقدّمة فيها ذكر اليهود، فتكون هذه الآية كذلك. وقيل: كان قوم من
стр. 916
المؤمنين يصافون المنافقين، ويفشون إليهم الأسرار، ويطلعونهم على الأحوال الخفيّة، فنهاهم الله عن ذلك. وحجّة هذا القول الآية التالية، فإنّها من صفات المنافقين. انتهى خازن.
هذا؛ و (البطانة) مصدر يطلق على الواحد، والجمع. وبطانة الرجل: خاصته؛ الذين يعرفون أسراره ثقة بهم، شبّهوا ببطانة الثوب، كما شبهوا في الشّعار في قول النبي ﷺ : «الأنصار شعار، والناس دثار» ومثل (البطانة): ﴿وَلِيجَةً:﴾ المذكورة في سورة (التوبة) رقم [١٦].
قال الشاعر: [الطويل]
أولئك خلصائي نعم وبطانتي... وهم عيبتي من دون كلّ قريب
فقد نهى الله المؤمنين في هذه الآية أن يتخذوا من الكفّار، والمنافقين دخلاء، وولجاء، يفاوضونهم في الآراء؛ لأن الإنسان يلوث بهم، وينسب إليهم، قال طرفة بن العبد في معلّقته: [الطويل]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم... ولا تصحب الأردى فتردى مع الرّدي
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة-﵁-عن النبي ﷺ ، قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٨] فإنّه جيد. والحمد لله! وقد انقلبت الأحوال في هذه الأيّام، فاتّخذ المسلمون أحبابا، وأعوانا، وأنصارا من الكافرين، والمنافقين. وخذ ما يلي: فقد روى البخاريّ، والنّسائي عن أبي سعيد الخدريّ-﵁:
أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبيّ، ولا استخلف من خليفة، إلاّ كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير، وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشّرّ، وتحثّه عليه، والمعصوم من عصمه الله». وقيل لعمر-﵁: إنّ هاهنا غلاما من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتّخذته كاتبا، فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين. ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على: أنّ الكافرين لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين، واطّلاع على دواخل أمورهم؛ التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب. ومعنى ﴿مِنْ دُونِكُمْ:﴾ من سواكم، من غيركم.
قال الفرّاء في قوله تعالى: ﴿لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ﴾ أي: سوى ذلك.
﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً:﴾ لا يقصّرون فيما فيه الفساد عليكم، ولا يتوانون في إيصال الضّرر إليكم. هذا؛ ويقال: لا آلو جهدا؛ أي: لا أقصّر، قال امرؤ القيس، أمير الشعراء، وحامل لوائهم إلى النار: [الطويل]
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
стр. 917
هذا؛ والخبال، والخبل: الفساد، وقد يكون ذلك في الأفعال، والأبدان، والعقول، وفي حديث النبي ﷺ : «من أصيب بدم، أو خبل» أي: جرح يفسد العضو. وأنشد الفرّاء قول الشّاعر: [الكامل]
نظر ابن سعد نظرة ويلا لها... كانت لصحبك والمطيّ خبالا
هذا؛ وأصل: (دون) من الدون، وهو القرب، ومثله: أدنى، قال تعالى في سورة (النساء):
﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ ومنه تدوين الكتب؛ لأنّه إدناء، أي: تقريب البعض من البعض، ثم استعير للرّتب، فيقال: زيد دون عمرو، أي: في الشرف، والسيادة، ثمّ اتّسع فيهما؛ أي: «دون» و «أدنى»، فاستعملا في كلّ تجاوز حدّ إلى حد، وتخطّي حكم إلى حكم، قال تعالى في الآية رقم [٢٨] ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يتجاوز وقاية المؤمنين إلى الكافرين، وقال أميّة بن أبي الصّلت: [البسيط]
يا نفس مالك دون الله من واق... وما على حدثان الدّهر من باق
أي: إذا تجاوزت وقاية الله، ولم تناليها؛ لم ينفعك غيره. ويأتي «دون» بمعنى قدّام، قال الأعشى: [الطويل]
تريك القذى من دونها وهي دونه... إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق
و «دون» نقيض «فوق» وهو تقصير عن الغاية. ويكون اسم فعل أمر، كقولك: دونك الدّرهم، أي: خذه، ويكون ظرفا، وهو الأصل فيه، والدّون: الحقير الخسيس، قال الشاعر: [المتقارب]
إذا ما علا المرء رام العلاء... ويقنع بالدّون من كان دونا
﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أي: أحبّوا، وتمنّوا عنتكم، والعنت: المشقّة، والتضييق. قال تعالى في سورة (البقرة): ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ و ﴿الْعَنَتَ﴾ في قوله تعالى في سورة (النساء) ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ المراد به: الزنى، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ أي: ظهرت العداوة، والتكذيب لكم من أفواههم؛ لأنّهم لا يتمالكون لفرط عداوتهم، وبغضهم، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. والفعل به اتصلت به تاء التأنيث، فصار بدات، فحذفت الألف لالتقائها مع تاء التأنيث ساكنة. ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ:﴾ هذا إخبار، وإعلام من العليم الحكيم بأنّهم يبطنون من العداوة، والبغضاء أكثر ممّا ينطقون به.
﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ:﴾ وضّحنا. ﴿الْآياتِ﴾ أي: الدّالة على وجوب موالاة المؤمنين، والإخلاص في العمل، والدّالة على وجوب معاداة الكافرين، والمنافقين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون ما بيّن لكم، فتتعظون به. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
стр. 918
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]. ﴿لا تَتَّخِذُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية، لا محل لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. ﴿بِطانَةً:﴾ مفعول به. ﴿مِنْ دُونِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف صفة: ﴿بِطانَةً﴾ والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَأْلُونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، وجمع الضمير على إرادة أفراد البطانة. ﴿خَبالاً:﴾
مفعول به ثان. وقيل: مفعول مطلق على تأويل: ﴿يَأْلُونَكُمْ:﴾ لا يخبلونكم خبالا. وقيل:
منصوب بنزع الخافض. وقيل: تمييز، والجملة الفعلية في محل نصب صفة ثانية ل ﴿بِطانَةً﴾ أو بمحذوف حال منها بعد وصفها بما تقدّم.
﴿وَدُّوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿ما:﴾ مصدرية.
﴿عَنِتُّمْ:﴾ فعل وفاعل، و ﴿ما﴾ والفعل في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، التقدير: ودّوا عنتكم، والجملة الفعلية مثل ما قبلها، واعتبارها حالا من واو الجماعة؛ فلا بأس به، ولكن يجب تقدير «قد» قبلها لتقربها من الحال. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿بَدَتِ:﴾
فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث؛ التي هي حرف لا محلّ له. ﴿الْبَغْضاءُ:﴾ فاعله. ﴿مِنْ أَفْواهِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْبَغْضاءُ﴾ التقدير: ظاهرة من أفواههم، والجملة الفعلية مثل سابقتها، واعتبار الحالية فيها قويّ لوجود «قد» قبلها. وقيل: الجمل الثلاث مستأنفة، ومفيدة للتعليل.
﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنيّة على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تُخْفِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.
﴿صُدُورُهُمْ:﴾ فاعل، والهاء في محل جر بالإضافة. والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: الذي، أو: شيء تخفيه صدورهم. ﴿أَكْبَرُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، والرابط:
الواو، والضمير.
«قد»: حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿بَيَّنّا:﴾ فعل، وفاعل. ﴿لَكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿الْآياتِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محلّ لها.
﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه. ﴿تَعْقِلُونَ:﴾ مضارع، وفاعله، ومفعوله محذوف، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: (كان)، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط
стр. 919
غير ظرفي، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، التقدير: إن كنتم تعقلون؛ فقد بينا لكم الآيات. وقدره الجلال: فلا توالوهم. و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام معترض مستأنف، لا محلّ له.
﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)﴾
الشرح: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الصادقين. و ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ للمنافقين، والمعنى: أنتم أيها المؤمنون تحبّون المنافقين؛ واليهود؛ الذين نهيتكم عن مباطنتهم، وموالاتهم للأسباب التي بينكم، وبينهم من القرابة، والرّضاع، والمصاهرة، والحلف. ﴿وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي:
لا يصافونكم المحبّة؛ وإن تظاهروا بألسنتهم بأنّهم يحبّونكم، ويودّونكم. ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ أي: تؤمنون يا مسلمون بجميع الكتب السماوية؛ التي أنزلها الله على رسله، واليهود يؤمنون بالبعض، والمنافقون لا يؤمنون بشيء.
﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ أي: بمحمد ﷺ ، وبالقرآن الذي أنزل عليه، ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٤]. ﴿وَإِذا خَلَوْا﴾ أي: خلا بعضهم إلى بعض. ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: عضّوا أطراف الأصابع من الغيظ، والحنق عليكم، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء ظهروا، وكثروا؟! والعض: عبارة عن شدّة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، ويوصف المغتاظ، والنّادم بعضّ الأنامل، والبنان، والإبهام ومنه قول أبي طالب: [الطويل]
يعضّون غيظا خلفنا بالأنامل
وقال الحارث بن ظالم المرّيّ: [الطويل]
فأقتل أقواما لئاما أذلّة... يعضّون من غيظ رءوس الأباهم
وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية، قال: هم الإباضية. قال ابن عطيّة-رحمه الله تعالى-:
وهذه الصفة قد تترتّب في كثير من أهل البدع، وهو الصحيح، فتشمل الفرق الضالّة الاثنتين والسبعين، الذين ذكرتهم في الآية رقم [١٠٣]. والعضّ يعبّر به عن الشدّة، والألم. قال الفرزدق في مدح عبد الملك: [الطويل]
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع... من المال إلاّ مسحتا أو مجلّف
«مجلّف» معطوفة على معنى: لم يبق من المال إلا مسحة، أو مجلّف. والعضّ يعبّر به عن شدة التمسّك بالشيء، ومنه قول النبي ﷺ في الحديث الذي يرويه عنه العرباض بن سارية-﵁: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنّواجذ». هذا؛
стр. 920
والأنامل جمع: أنملة، والأصابع جمع: إصبع، ففيهما تسع لغات: تثليث همزتهما، وتثليث ميم أنملة، وتثليث باء إصبع، وتزيد أصبوعا، وقد نظم بعضهم ذلك، فقال: [البسيط]
با إصبع ثلّثن مع ميم أنملة... وثلّث الهمز أيضا وارو أصبوعا
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ:﴾ دعاء عليهم بدوام الغيظ، وزيادته بتضاعف قوّة الإسلام، وأهله إلى أن يهلكوا، فعليه يتّجه أن يدعو عليهم بهذا مواجهة، وغير مواجهة بخلاف اللّعنة. ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ:﴾
خبير، وبصير، لا يعزب عن علمه شيء. ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: إنّ الله عليم بما في صدور عباده من نيّة حسنة، أو نيّة خبيثة، فيفعل بهم على حسب ما تكنّه صدورهم من غدر، وخيانة، وتبييت للشرّ، وغير ذلك.
هذا؛ و (ذات) بمعنى: صاحبة، فجعلت صاحبة الصّدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها.
نحو قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ و ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾. هذا، و (ذات) مؤنث «ذو» الذي هو بمعنى:
صاحب، وقد يثنّى على لفظه، فيقال: ذاتا، أو ذاتي، كذا من غير ردّ لام الكلمة، وهو القياس، كما يثنّى «ذو» ب «ذوا» أو «ذوي» على لفظه ويجوز فيها: «ذواتا» على الأصل بردّ لام الكلمة، وهي الياء ألفا لتحرّك العين، وهي الواو قبلها، وهو الكثير في الاستعمال، قال تعالى في سورة (الرحمن) رقم [٤٨]: ﴿ذَواتا أَفْنانٍ﴾ وقال في سورة (سبأ) رقم [١٦]: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
هذا؛ والتاء في (ذات) لتأنيث اللفظ، مثل تاء: (ثمّت، وربّت، ولات) ولكنّها تعرب بالحركات الظاهرة على التّاء، فالجر كما في الآية الكريمة، ومثلها كثير، والرفع جاء في قوله تعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ والنّصب جاء في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ﴾ سورة (المسد) وكلّ معانيها في القرآن الكريم: صاحبة؛ إلا في موضعين، فإنّها جاءت بمعنى:
الجهة، وذلك في قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ﴾ وقد رأيت تثنيتهما في الآيتين المذكورتين في حالتي النّصب، والجر، ولم ترد في القرآن الكريم بمعنى الجمع. هذا؛ ولم يتعرّض لها النحويّون بهذا المعنى مع كثرة تعرّضهم ل: «ذي» بمعنى صاحب، وتثنيته، وجمعه، ولكنهم ذكروا: «ذات» بمعنى: الّتي، و «ذوات» بمعنى: اللّواتي، وذلك في مبحث الاسم الموصول، قال ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
وكالّتي أيضا لديهم ذات... وموضع اللاّتي أتى ذوات
قال الأشموني رحمه الله تعالى: أي: عند طيئ ألحقوا ب «ذو» تاء التأنيث مع بقاء البناء على الضم، وحكى الفراء: «بالفضل ذو فضّلكم الله به، والكرامة ذات فضّلكم الله بها». وقريب منه لابن هشام في أوضحه، وكلاهما أورد بيت رؤبة: [الرجز]
جمعتها من أينق موارق... ذوات ينهضن بغير سائق
стр. 921
والفرق بين الأولى، والثانية: أن الأولى لا تكون إلا مضافة لما بعدها كما رأيت، بخلاف الثانية، فإنها معرفة بالصّلة التي تذكر بعدها، كما في بيت رؤبة. تنبه لهذا، وأفهمه، فإنّه معنى دقيق، وأسأل الله لي المزيد من التّوفيق. هذا؛ وأضيف: أنّ جمع «ذات»: «ذوات» من لفظه كما يجمع على: أولات من غير لفظه، قال تعالى في سورة (الطلاق): ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. كما يجمع المذكر «ذو» بمعنى صاحب: «أولو» من غير لفظه، وهو كثير في القرآن الكريم.
الإعراب: ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ:﴾ لا أرى حاجة إلى المزيد عمّا ذكرته في الآية رقم [٦٦] والله المستعان. ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): نافية. ﴿يُحِبُّونَكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها على جميع الوجوه المعتبرة فيها، والتي بعدها معطوفة أيضا عليها.
﴿بِالْكِتابِ﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿كُلِّهِ:﴾ توكيد لما قبله، وهو بمعنى: الكتب، كما رأيت في الشرح، والهاء في محل جرّ بالإضافة.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿إِذا﴾): ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿لَقُوكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله والكاف مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (﴿إِذا﴾) إليها على القول المشهور المرجوح. ﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعله، والألف للتفريق، ﴿آمَنّا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، والجملة: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جواب (﴿إِذا﴾) لا محلّ لها، و (﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام مستأنف، أو معطوف على ما قبله، لا محلّ له على الاعتبارين. ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا:﴾ إعرابه ظاهر إن شاء الله، وهو معطوف على ما قبله.
﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿الْأَنامِلَ﴾ التقدير: عضوا الأنامل مغتاظين عليكم. ﴿الْأَنامِلَ:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الْغَيْظِ:﴾ متعلقان بالفعل:
﴿عَضُّوا﴾ وهما في محلّ مفعول لأجله.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله تقديره: أنت. ﴿مُوتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِغَيْظِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبرها. ﴿بِذاتِ:﴾
متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية تحتمل أن تكون في محل نصب مقول القول، وأن تكون مستأنفة، ومفيدة للتعليل، ومردّها إلى مقول القول.
стр. 922
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾
الشرح: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ:﴾ تصبكم أيّها المؤمنون. وأصل المسّ: الجسّ باليد، ثمّ يطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه، كما يقال: مسّه نصب، وتعب، وهو يأتي للخير، والشرّ، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١٧]: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. و ﴿حَسَنَةٌ:﴾ نعمة، كنصر، وغنيمة، ورخاء عيش، وخصب بالثّمار، والزروع. ﴿تَسُؤْهُمْ:﴾ تحزنهم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ:﴾ شرّ، كهزيمة، وجدب، وبلاء، وأمثال ذلك. ﴿يَفْرَحُوا بِها:﴾ يسرّوا بها. والمعنى في الآية الكريمة إنّ من كان هذا شأنه، وهذه صفته من شدّة الحسد، والحقد يفرح بنزول الشّدائد، ويغتمّ بنزول الخير لم يكن أهلا لأن يتّخذ صديقا، وبطانة، تفشى إليه الأسرار، ويطّلع على بواطن الأمور، ويركن إليه في هذه الحياة. ولله درّ القائل: [الطويل]
وداريت كلّ النّاس إلاّ حواسدي... مداراتهم عزّت وعزّ نوالها
وكيف تداري عنك حاسد نعمة... إذا كان لا يرضيه إلاّ زوالها
هذا؛ وعبر سبحانه بالمسّ في الخير، وبالإصابة في الشرّ، وذلك للإشارة إلى أنّ الحسنة تسوء الأعداء الحاسدين، ولو كانت بأيسر الأشياء؛ ولو مسّا خفيفا، وأمّا السيئة؛ فإذا تمكّنت الإصابة إلى الذي يرثي له الشّامت؛ فإنّهم لا يرثون، بل يفرحون، ويسرّون. ورحم الله من يقول: [البسيط]
كلّ العداوة قد ترجى إزالتها... إلاّ عداوة من عاداك من حسد
هذا؛ وفي الجملتين من المحسّنات البديعيّة: المقابلة، حيث قابل الحسنة، والمساءة بها بالسّيئة، والفرح بها. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على أذاهم، وعلى طاعة الله، وموالاة المؤمنين، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله فيما أمر وفيما نهى. ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً:﴾ لا يضرّكم مكرهم، وعداوتهم، وحسدهم شيئا؛ لأنكم في حفظ الله، ورعايته، وعنايته. يقال: ضارّه، يضوره ضورا، ويضيره ضيرا. ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: هو سبحانه عالم بما يدبّرونه، ويحيكونه لكم من مكائد، فيصرف عنكم شرّهم، ويعاقبهم على نواياهم الخبيثة بما يستحقّون، فلا يفوتونه، ولا يعجزونه. يقال: أحاط السّلطان بفلان: إذا أخذه حاصرا من كلّ جهة، فهو من باب المجاز، بل هي استعارة تبعيّة في الصّفة، سارية إليها من مصدرها، وقال الشاعر: [الطويل]
أحطنا بهم حتّى إذا ما تيقّنوا... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السّلم
стр. 923
ومنه قوله تعالى في سورة (الكهف): ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ وقال تعالى في آخر سورة (الطلاق):
﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾. هذا؛ وأصل ﴿مُحِيطٌ:﴾ (محوط) لأنّه من أحاط يحيط، أو من حاط يحوط، وهو أولى فهو من الباب الأول، فقل في إعلاله:
اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى الحاء فصار: (محوط) ثم انقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها.
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَمْسَسْكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعوله. ﴿حَسَنَةٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿تَسُؤْهُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿حَسَنَةٌ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها. وقال الجلال، ووافقه الجمل: متّصلة بالجملة الشرطية: ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ..﴾. إلخ، وجملة: ﴿قُلْ مُوتُوا..﴾. إلخ معترضة بين الجملتين.
﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ..﴾. إلخ: هذه الجملة إعرابها مثل إعراب سابقتها، وهي معطوفة عليها. ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿وَتَتَّقُوا:﴾ يجوز أن يكون مجزوما بسبب العطف على فعل الشرط، ويجوز أن يكون منصوبا على إضمار: «أن» كما هي القاعدة في عطف المضارع على فعل الشرط، وعلامة الجزم، أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، وعلى الأول فالجملة معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها، وعلى اعتبار الفعل منصوبا ب «أن» مضمرة يؤوّل معها بمصدر معطوف على مصدر متصيّد من الفعل السابق، التقدير: وإن يكن صبر، وتقوى.
﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَضُرُّكُمْ:﴾ هذا الفعل يقرأ بكسر الضاد، وسكون الراء على أنّه جواب الشرط، وقد ظهر جزمه، وعليه: فهو من: ضار، يضير ضيرا بمعنى: ضرّ، ويقرأ بضم الضّاد، وتشديد الرّاء، وضمها، وهو من: ضرّ يضرّ، وفي رفعه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في نية التقديم، أي: لا يضرّكم كيدهم شيئا؛ إن تتقوا. وهو قول سيبويه، وعليه قول زهير بن أبي سلمى-وهو الشاهد رقم [٧٨٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
وإن أتاه خليل يوم مسغبة... يقول لا غائب مالي ولا حرم
والثاني: أنه حذفت الفاء الرابطة للجواب؛ إذ التقدير: فلا يضركم، وهو قول المبرّد، وعليه قول حسّان بن ثابت-﵁، وهو الشاهد رقم [٧٨٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان
стр. 924
وعلى هذين الوجهين فالضمة إعراب. والثّالث: أنّها ليست إعرابا، بل لمّا اضطرّ إلى التحريك؛ حرّك بالضم إتباعا لضمّة الضاد. وقيل: حركها بحركتها الإعرابية المستحقّة لها في الأصل. أبو البقاء بتصرف كبير. أقول: وهذا القول الأخير لا ضرورة فيه، وإنّما هو وجه من أوجه ثلاثة تجري في المضعّف المجزوم كما هو مقرّر في القواعد النحوية. ويقرأ بفتح الراء على أنّه مجزوم، حرّك بالفتحة لالتقاء الساكنين؛ إذ كان أخف من الضم والكسر. والكاف مفعول به.
﴿كَيْدُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿شَيْئاً:﴾ نائب مفعول مطلق. والجملة الفعلية لا محل لها مثل ما قبلها.
﴿إِنْ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿بِما:﴾ متعلقان ب ﴿مُحِيطٌ﴾ بعدهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿يَعْمَلُونَ:﴾ التقدير: بالذي، أو: بشيء يعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بعدها بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير:
بعملهم. ﴿مُحِيطٌ:﴾ خبر: ﴿إِنْ﴾. والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ اللهَ..﴾. إلخ معترضة في آخر الكلام، متضمنة للوعيد، والتهديد لأعداء المسلمين.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾
الشرح: في الآيات الكريمة الحديث عن غزوة أحد. ومناسبتها لما قبلها: أنّه تعالى لمّا حذّر من اتّخاذ بطانة السوء؛ ذكر هنا: أنّ السبب في همّ الطائفتين من الأنصار بالفشل إنّما كان بسبب تثبيط المنافقين، وعلى رأسهم رأس النفاق ابن أبيّ، كما ذكر الله تعالى أن فشل المؤمنين في هذه الحرب إنّما هو مخالفة أوامر الرسول ﷺ . إذا فالمناسبة واضحة.
﴿غَدَوْتَ:﴾ خرجت غدوة، وهي السّاعات الأولى من الصّباح. ﴿مِنْ أَهْلِكَ:﴾ من بيت عائشة-﵂، وفيه مفخرة لها، ورفعة لشأنها. ﴿تُبَوِّئُ:﴾ تنزل. وفي سورة (الحشر) [٩]: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ:﴾ اتخذوها منزلا. يقال: بوّأته منزلا، وبوّأت له، كما يقال: مكّنته، ومكّنت له، والمبوّأ: المنزل الملزوم، ومنه: بوّأه الله منزلا؛ أي: ألزمه إيّاه، وأسكنه فيه، قال الرسول ﷺ : «من كذب عليّ متعمّدا؛ فليتبوّأ مقعده من النّار». أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة ﵁. وقال الشاعر: [المنسرح]
وبوّئت في صميم معشرها... فتمّ في قومها مبوّؤها
﴿مَقاعِدَ لِلْقِتالِ:﴾ مواطن، ومواقف من الميمنة، والميسرة، والقلب، والجناحين، والسّاقة. على أنّه جمع: مقعد، وفي سورة (الجن) قوله تعالى حكاية عن قولهم: ﴿وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾. ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم. ﴿عَلِيمٌ:﴾ بنيّاتكم، وسرائركم.
стр. 925
تنبيه: الآية الكريمة، وما بعدها تتحدّث عن غزوة أحد. وملخّصها كما يلي: نزل كفّار قريش، وحلفاؤهم بأحد يوم الأربعاء ثاني عشر شوال، سنة ثلاث من الهجرة، وكانوا ثلاثة آلاف مقاتل، ليأخذوا بثأرهم ممّن قتل يوم بدر، فاستشار الرّسول ﷺ أصحابه، وقد دعا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، ولم يدعه من قبل، فقال هو، وأكثر الأنصار: أقم يا رسول الله بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدوّ إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟! فدعهم، فإن أقاموا؛ أقاموا بشرّ محبس، وإن دخلوا؛ قاتلهم الرّجال، ورماهم النّساء، والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا؛ رجعوا خائبين. وأشار بعضهم إلى الخروج، فقال ﷺ :
«إنّي رأيت في منامي بقرا مذبوحة حولي، فأوّلتها خيرا. ورأيت في ذباب سيفي ثلما، فأوّلتها هزيمة. ورأيت كأنّي أدخلت يدي في درع حصينة، فأوّلتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا في المدينة، وتدعوهم».
فقال رجال فاتتهم بدر، وأكرمهم الله بالشّهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا! وبالغوا في ذلك حتى دخل الرسول ﷺ ، فلبس لأمته-أي: درعه-فلما رأوا ذلك؛ ندموا على مبالغتهم، وقالوا: يا رسول الله! اصنع ما رأيت. فقال: لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته. فيضعها؛ حتّى يقاتل، فخرج بعد صلاة الجمعة بألف إلا خمسين رجلا، وأصبح بشعب أحد يوم السبت، ونزل في عدوة الوادي، وجعل ظهره، وعسكره إلى جبل أحد، وسوّى صفهم، وأمّر عبد الله بن جبير-﵁-على الرّماة الّذين وضعهم على ظهر الجبل، وقال: «انضحوا بالنّبل عنّا، لا يأتونا من ورائنا! وقال لهم: اثبتوا في هذا المقام، فإذا عاينوكم؛ ولّوا الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين، ولا تخرجوا من هذا المقام على أيّ حال، وإن رأيتمونا تخطفنا الطّير؛ فلا تبرحوا مكانكم!».
ولمّا خالف رسول الله ﷺ رأي رأس المنافقين؛ شقّ عليه ذلك، وقال لأصحابه:
أطاع الولدان، وعصاني! ثم قال لأصحابه: إنّ محمدا إنّما يظفر بعدوّه بكم. وقد وعد أصحابه: أنّ أعداءهم إذا عاينوهم؛ انهزموا، فإذا رأيتم أعداءه، فانهزموا أنتم. فيتبعونكم، فيصير الأمر إلى خلاف ما قاله محمد لأصحابه، فلمّا التقى الجمعان، وكان عسكر المسلمين ألفا، وكان المشركون ثلاثة آلاف؛ انخذل الخبيث بثلاثمائة من أصحابه من المنافقين، وبقي مع رسول الله ﷺ نحو سبعمائة من أصحابه، فقوّاهم الله تعالى، وثبّتهم؛ حتى هزموا المشركين.
فلمّا رأى المؤمنون أصحاب عبد الله بن جبير انهزام المشركين؛ طمعوا أن تكون هذه الوقعة كوقعة بدر، فطلبوا المدبرين، وخالفوا أمر رسول الله ﷺ ، فأراد الله أن يقطعهم عن هذا الفعل؛ لئلا يقدموا على مثله من مخالفة رسول الله ﷺ ، وليعلموا: أنّ ظفرهم يوم بدر إنّما كان ببركة طاعة الله، وطاعة رسول الله ﷺ . ثمّ إنّ الله نزع الرّعب من قلوب المشركين، فكرّوا راجعين
стр. 926
على المؤمنين، فانهزم المسلمون، وبقي رسول الله ﷺ في جماعة من أصحابه، منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، وسعد، وقتل الحمزة مع من قتل، ﵃ أجمعين، وكسرت رباعيّة رسول الله ﷺ ، وشجّ وجهه يومئذ، وكان من غزوة أحد ما كان.
الإعراب: ﴿وَإِذْ:﴾ الواو: حرف عطف، أو استئناف. (﴿إِذْ﴾): ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب، متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر، وابن هشام يعتبره مفعولا به لهذا المحذوف. ﴿غَدَوْتَ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة (إذا) إليها، والكلام معطوف على ما قبله، أو هو مستأنف لا محل له على الاعتبارين. ﴿مِنْ أَهْلِكَ:﴾
متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، التقدير: خارجا من أهلك، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿تُبَوِّئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل تقديره: أنت. ﴿الْمُؤْمِنِينَ:﴾
مفعول به أوّل منصوب، وعلامة نصبه الياء... إلخ. ﴿مَقْعَدِ:﴾ مفعول به ثان، ويتعدّى ﴿تُبَوِّئُ﴾ في الأصل للثاني بحرف الجر. كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿مَقاعِدَ﴾ ظرف مكان؛ فلست مفنّدا. ﴿لِلْقِتالِ:﴾ متعلقان بالفعل ﴿تُبَوِّئُ﴾ أو: هما متعلقان بمحذوف صفة: ﴿مَقْعَدِ﴾ وجملة: ﴿تُبَوِّئُ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط الضمير فقط. هذا؛ وإن اعتبرت: ﴿غَدَوْتَ﴾ فعلا ناقصا؛ فالتاء اسمه، وجملة: ﴿تُبَوِّئُ..﴾. إلخ في محل نصب خبره، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾
الشرح: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ:﴾ عزمت، وأرادت، والهمّ: العزم على الشيء، والمقاربة من الفعل من غير دخول فيه، ومنه قوله تعالى في سورة يوسف الصدّيق-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ وقال عمرو بن ضابئ البرجمي: [الطويل]
هممت ولم أفعل وكدت وليتني... تركت على عثمان تبكي حلائله
والهمّ أيضا: الحزن، ومثله: الغمّ، ويفرّق بينهما بأن الأوّل لأجل تحصيل شيء في المستقبل، والثاني: لأجل فوات شيء، وفقدانه في الماضي، وبأنّ الأوّل يطرد النّوم، ويسبّب الأرق، والثاني: يجلب النوم، ويسبب الهدوء والسّكون. والهموم، والأحزان، إذا تفاقمت على الإنسان أسرع فيه الشيب، وهزل جسمه. روي عن النبي ﷺ : أنه قال: «الهمّ نصف الهرم».
وقال أبو الطّيّب المتنبي: [الكامل]
والهمّ يخترم الجسيم نحافة... ويشيب ناصية الصّبيّ فيهرم
стр. 927
﴿طائِفَتانِ:﴾ قبيلتان، وهما: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي عسكر المسلمين. وانظر شرح: ﴿طائِفَةٌ﴾ في الآية رقم [٦٩]. ﴿أَنْ تَفْشَلا:﴾ أن تجبنا عن القتال، وترجعا كما رجع الخبيث عبد الله بن أبيّ المنافق، وأصحابه، وقال: علام نقتل أنفسنا، وأولادنا؟! فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري-﵁-وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم! فقال ابن أبيّ الخبيث: لو نعلم قتالا؛ لاتّبعناكم، فهمّ الحيّان باتّباعه، فعصمهما الله، ولم يرجعا. روى البخاريّ عن جابر-﵁-قال: فينا نزلت الآية الكريمة ونحن الطائفتان، وما نحبّ: أنّها لم تنزل لقول الله : ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾. وانظر شرح: ﴿وَلِيُّ﴾ في الآية رقم [٢٥٧] من سورة (البقرة).
هذا؛ والتوكّل: تفويض الإنسان الأمر إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه، وضره.
وقالوا: المتوكل من إذا دهمه أمر؛ لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله تعالى. فعلى هذا: إذا وقع الإنسان في محنة، ثمّ سأل غيره خلاصه منها؛ لم يخرج عن حدّ التوكّل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى، وإنّما هو من متعاطي الأسباب في دفع المحنة. وخذ ما يلي:
فعن عمر بن الخطاب-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أنّكم تتوكّلون على الله حقّ توكّله؛ لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا، وتروح بطانا». أخرجه الترمذيّ. هذا؛ وللفرق بين التوكّل، والتّسليم، والتّفويض يقال: التوكل: أن تسكن إلى وعد الله، والتّسليم: أن تكتفي بعلم الله تعالى، والتّفويض: أن ترضى بحكم الله تعالى. وانظر الآية رقم [١٦٠] تجد ما يسرك.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزّمان مبني على السكون في محل نصب متعلق ب ﴿عَلِيمٌ﴾ أو هو بدل من سابقه. ﴿هَمَّتْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث. ﴿طائِفَتانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جر إضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَتانِ﴾. ﴿أَنْ تَفْشَلا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والألف فاعله، و ﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به، أو هو منصوب بنزع الخافض، التقدير: بالفشل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما، ومثله قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [١١٣]. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿وَلِيُّهُما:﴾ خبره، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والميم، والألف حرفان دالان على التثنية، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ألف الاثنين، والرابط: الواو، والضمير.
стр. 928
﴿وَعَلَى:﴾ الواو: زائدة فيما أرى. (﴿عَلَى اللهِ﴾): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ:﴾ الفاء:
حرف استئناف، أو هي الزائدة، والواو حرف استئناف. اللام: لام الأمر، (يتوكل): فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿الْمُؤْمِنُونَ:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الفعلية هذه مستأنفة لا محلّ لها. هذا؛ وقال أبو البقاء- رحمه الله تعالى-: دخلت الفاء لمعنى الشرط، والمعنى: إن فشلوا؛ فتوكلوا أنتم، وإن صعب الأمر؛ فتوكلوا. وعليه: فالواو ليست زائدة، وإنّما هي عاطفة جملة شرطية على الكلام السابق، وتكون الفاء هي الفصيحة، ولا يخفى ما فيه من التكلّف. وهذه الجملة مذكورة في الآية رقم [١٦٠] الآتية، انظرها هناك.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾
الشرح: يذكّر الله الصحابة الكرام-الذين أصيبوا في غزوة أحد-بنعمته عليهم في غزوة بدر الكبرى، وكان ذاك حين اعتمدوا، وتوكّلوا على الله. وبدر: ماء هنالك، وبه سمي الموضع، وقال الشعبيّ-رحمه الله تعالى-: كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمّى بدرا، وبه سمّي الموضع، ويوم بدر كان يوم الجمعة وافق السّابع عشر من رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان؛ الّذي أعز الله فيه الإسلام، وأهله، ودفع فيه الشرك، وحزبه مع قلّة المسلمين، وكثرة المشركين. ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: ذليلون، جمع: ذليل، واسم الذلّ هنا مستعار؛ لأنّهم كانوا في أنفسهم أعزّة، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم، وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند المتأمّل ذلّتهم، وأنهم يغلبون لقلّة عددهم، وضعف عددهم من ضعف الحال، وقلّة السلاح، والمركوب، والمال، وذلك؛ لأنهم خرجوا يوم بدر على نواضح. وقد تكفّلت سورة (الأنفال) بشرح غزوة بدر.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: في الثبات مع رسول الله ﷺ ، واصبروا، فإنّ النّصر مع الصبر، وأنّ مع العسر يسرا. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: بتقواكم، وطاعتكم لله ما أنعم عليكم من نصرته يوم بدر مع قلّة عددكم، وضعف قوّتكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم به عليكم. والترجّي إنّما هو بحسب عقول البشر؛ لأنّ الله تعالى لا يحصل منه ترجّ لعباده. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا! هذا، والفعل يتعدّى بنفسه، وبحرف الجر، تقول: شكرته، وشكرت له، كما تقول: نصحته، ونصحت له، وباللام أفصح، هذا ومن أسماء الله تعالى: الشّكور، ومعناه: هو الذي يجازي على يسير الطاعات كثير الدّرجات، ويعطي في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ ما يلي: قيل في معنى الشكر لله تعالى ما يلي:
стр. 929
قال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-: الشكر: هو الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السرّ، والعلانية. وقالت طائفة أخرى: الشكر: هو الاعتراف في تقصير الشّكر للمنعم، ولذلك قال تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ فقال داود-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: كيف أشكرك يا ربّ؛ والشكر نعمة منك عليّ؟ فقال تعالى: الآن قد عرفتني، وشكرتني؛ إذ قد عرفت: أن الشكر منّي نعمة عليك. وقال موسى-﵇:
كيف أشكرك، وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ فأوحى الله إليه:
يا موسى! الآن شكرتني. وقال ذو النون المصري-رحمه الله تعالى-: الشكر لمن فوقك بالطّاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان، والإفضال. قرطبي بتصرف.
هذا؛ وشكر الله يستوجب المزيد من النعم، قال تعالى في سورة (إبراهيم) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وجحودها يستوجب سلبها، وذهابها. قال تعالى في الآية نفسها رقم [٧]: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾. لذا قيل: إنّ الشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. وينبغي أن تعلم: أن فائدة الشكر تعود على الشاكر نفسه، قال تعالى في سورة (النّمل) رقم [٤٠]: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. وقال تعالى في سورة (لقمان) رقم [١٢]: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. هذا؛ والشكر مطلوب لكلّ منعم، ومحسن، ولو كان من البشر، لذا فقد ندبنا سيّد الخلق، وحبيب الحقّ ﷺ على أن نشكر من أحسن إلينا من الناس؛ لذا قال تعالى: ﴿اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وخذ ما يلي:
فعن جابر بن عبد الله-﵄-عن النبي ﷺ ، قال: «من أعطي عطاء، فوجد؛ فليجز به، فإن لم يجد؛ فليثن، فإنّ من أثنى؛ فقد شكر، ومن كتم؛ فقد كفر، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذيّ. وعن أسامة بن زيد-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا؛ فقد أبلغ في الثّناء».
وعن النّعمان بن بشير-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر النّاس؛ لم يشكر الله. والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: هذا الكلام يتأول على معنيين: أحدهما: أنّ من كان طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم؛ كان من عادته كفران نعم الله، ، وترك الشكر له. والوجه الآخر: أنّ الله تعالى لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان النّاس إليه، ويكفر معروفهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر. ورحم الله من قال: [الطويل]
ومن لم يؤدّ الشّكر للنّاس لم يكن... لإحسان ربّ النّاس يوما بشاكر
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، تقديره: والله. والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم. هذا؛ وبعضهم يعتبر (الواو) عاطفة. وبعضهم
стр. 930
يعتبرها حرف استئناف، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف. ولا أسلّمه أبدا؛ لأنه على هذا يكون حذف واو القسم، والمقسم به، ويصير التقدير: وو الله أقسم، أو: وأقسم والله، واللام واقعة في جواب القسم المحذوف. وبعضهم يقول: اللام موطئة للقسم، والموطئة معناها المؤذنة، وهذه اللام إنّما تدخل على «إن» الشرطية، لتدل على القسم المتقدّم على الشرط، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام، والمتقدّم على الشرط حكما، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ..﴾. إلخ. الآية رقم [١٢] من سورة (الحشر). افهم هذا، واحفظه، فإنّه جيد، والله ولي التوفيق.
فإن قيل: ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به، وبقاء حرف القسم. فالجواب:
أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السور، مثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ،﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ فإن التقدير: وربّ النجم، وربّ الشمس... إلخ، الدليل على ذلك التصريح به في قوله تعالى في سورة (الذاريات): ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى في سورة (مريم): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها..﴾. إلخ، وأظهر منه في سورة (المائدة) رقم [٧٣]: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. قالوا: (الواو) في الآيتين حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف بلا ريب.
(قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿نَصَرَكُمُ اللهُ:﴾ ماض، ومفعوله، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿بِبَدْرٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو بمحذوف حال من كاف المخاطبين، والجملة الاسمية:
﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ في محل نصب حال من الكاف أيضا، والرابط: الواو، والضمير.
﴿فَاتَّقُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة. (اتقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿اللهُ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية لا محلّ لها على جميع الوجوه؛ التي تعتبر في الفاء، والجملة القسمية مستأنفة لا محل لها أيضا. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تَشْكُرُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، ومفعوله محذوف للعلم به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (لعلّ) والجملة الاسمية:
﴿لَعَلَّكُمْ..﴾. إلخ مفيدة للتعليل، لا محلّ لها.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤)﴾
الشرح: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق ﷺ . ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ..﴾. إلخ: هذا حكاية من قول الرسول ﷺ للمؤمنين يوم بدر حين استقلّوا عددهم،
стр. 931
واستكثروا عدد عدوّهم، فوعدهم الرسول المعظم بأنّ الله سيمدّهم بألف من الملائكة. واختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر، أو يوم أحد؟ على قولين: أحدهما: أنّ هذا الكلام متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾. قاله عباد بن منصور، واختاره ابن جرير. وقال الربيع بن أنس-﵁: أمدّ الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة، ثم صاروا خمسة آلاف.
القول الثاني: أنّ هذا الوعد متعلّق بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ..﴾. إلخ، وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحّاك، ﵃، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأن المسلمين فرّوا يومئذ، ولم يصبروا، ولم يثبتوا، ولكن ثبت بأنّ الله أيّد الرسول ﷺ يوم أحد، فقد قال عمير بن إسحاق-﵁: لما كان يوم أحد؛ انجلى القوم عن رسول الله ﷺ ، وبقي سعد بن مالك-﵁-يرمي-وفتى شاب يتنبّل له، كلّما فني نبله؛ أتاه به فنثره، وقال: أرم أبا إسحاق! ارم أبا إسحاق! مرّتين. فلمّا انجلت المعركة سئل عن ذلك الرّجل، فلم يعرف. وعن سعد بن أبي وقاص-﵁-قال: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ ، وعن شماله يوم أحد رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه، كأشدّ القتال، ما رأيتهما قبل، ولا بعد. يعني: جبريل، وميكائيل، ﵉. متفق عليه.
وهناك من يقول: إنّ الملائكة نزلت يوم الخندق، فقد صبر المسلمون يومئذ، واتّقوا، وثبتوا. فقد قالت عائشة-﵂: لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل؛ أتاه جبريل، ﵇، فقال: قد وضعت السّلاح؟ والله ما وضعناه! أخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا. وأشار إلى بني قريظة. فخرج النبي ﷺ إليهم. متّفق عليه.
وعن أنس-﵁-قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل ﵇ حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة. أخرجه البخاري.
هذا؛ ونزول الملائكة إنّما هو لتشريف هذه الأمّة، ولإلقاء الرّعب في قلوب المشركين. ويسأل لماذا ينزل الآلاف من الملائكة، وجبريل-﵇-أهلك أقواما كثيرين بصيحة واحدة، كقوم لوط، وقوم صالح، والجواب: أن هذا كلّه في عذاب الاستئصال، وقوم محمد ﷺ لم يستأصلوا كما هو معروف؛ لأنّ الله علم: أن فيهم من يؤمن بالله. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ بدل من: (﴿إِذْ غَدَوْتَ﴾) أو هي متعلقة بالفعل: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ على حسب ما رأيت من الاختلاف في التفسير. وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره: اذكر. ﴿تَقُولُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: أنت. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿أَلَنْ:﴾
الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (﴿لَنْ﴾): حرف نفي، ونصب، واستقبال. ﴿يَكْفِيَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب (﴿لَنْ﴾) والكاف مفعول به. (﴿أَنْ﴾): حرف مصدري، ونصب. ﴿يُمِدَّكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ:﴾ والكاف مفعول به. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جر
стр. 932
بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، و ﴿أَنْ،﴾ والفعل مضارع في تأويل مصدر في محل رفع فاعل، وتقدير الكلام: ألن يكفيكم إمداد ربكم. والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿تَقُولُ..﴾. إلخ في محل جر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِثَلاثَةِ:﴾
متعلقان بالفعل قبلهما، و (ثلاثة) مضاف، و ﴿آلافٍ:﴾ مضاف إليه. ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من (ثلاثة ﴿آلافٍ﴾) أو صفة له، وهما تمييز له في الأصل. ﴿مُنْزَلِينَ:﴾ حال من الملائكة، أو صفة ثانية له، وهو أظهر. انتهى نقلا عن السمين.
﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾
الشرح: ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا:﴾ على لقاء العدو، وتثبتوا في ميدان الحرب. لكنّهم صبروا في موقعة بدر، وفي غزوة الخندق، ولم يصبروا في غزوة أحد. ﴿وَتَتَّقُوا﴾ الله في جميع أحوالكم، وتخافوه في جميع تصرّفاتكم، وحركاتكم، وسكناتكم. ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا:﴾ الفور:
السرعة، والعجلة، وهو من: فارت القدر: إذا غلت، فاستعير للسّرعة، ثمّ سميت بها الحالة؛ التي لا ريث فيها، ولا تعريج على شيء من صاحبها، يقال: خرج من فوره، كما يقال: خرج من ساعته، ولم يلبث.
﴿مُسَوِّمِينَ:﴾ بكسر الواو المشدّدة، أي: معلمين أنفسهم، أو خيولهم بعلامة يعرفون بها في الحرب. والسّيماء، والسّيمة، والسّومة: العلامة، وهذه العلامة يعلّمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها. قال عنترة في معلّقته: [الكامل]
فتعرفوني أنّني أنا ذلكم... شاكي السّلاح في الحوادث معلم
هذا؛ ودلّت الآية الكريمة على اتّخاذ العلامة للقبائل، والكتائب يجعلها السّلطان لهم لتتميز كلّ قبيلة، وكتيبة من غيرها عند الحرب. وفي عصرنا هذا كلّ دولة تتخذ علما خاصّا بها. ويقرأ بفتح الواو المشدّدة بمعنى معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم، أو معلمين بعمائم بيض.
فعن ابن عباس-﵄-قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا معلمين بالصّوف الأبيض في نواصي الدواب، وأذنابها، وقد كانوا على صور الرّجال، ويقولون للمؤمنين: اثبتوا؛ فإنّ عدوّكم قليل. والله معكم.
تنبيه: سئل السّبكي-رحمه الله تعالى-عن الحكمة في قتال الملائكة مع أنّ جبريل ﵇ قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه. وأجاب بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبيّ ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش في الحرب، رعاية لصورة الأسباب؛ التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل للجميع. وذكرت الجواب في الآية السابقة.
стр. 933
الإعراب: ﴿بَلى:﴾ حرف جواب، لا محل له. ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿تَصْبِرُوا:﴾ فعل مضارع فعل الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. انظر الشرح. والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي، والفعلان: (تتقوا) و (يأتوكم): يجوز اعتبارهما مجزومين، أو منصوبين، كما رأيت: (تتقوا) في الآية رقم [١٢٠]. ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿هذا:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل جر صفة: ﴿فَوْرِهِمْ﴾ والهاء حرف تنبيه لا محل له. ﴿يُمْدِدْكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، والكاف مفعوله. ﴿رَبُّكُمْ:﴾ فاعله، والكاف في محل جرّ بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا بإذا الفجائية. ﴿بِخَمْسَةِ:﴾ متعلّقان بما قبلهما، وباقي الإعراب مثل الآية السابقة، والآية بكاملها في محل نصب مقول القول فيما يظهر، وهو أولى من الاستئناف.
﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾
الشرح: ﴿وَما جَعَلَهُ:﴾ وما جعل الإمداد المذكور في الآية السابقة. وقيل: تعود الهاء على المدد، وهم الملائكة. وقيل: تعود على التّسويم. وقيل: على الإنزال، ودل عليه ﴿مُنْزَلِينَ﴾ وقيل: تعود على العدد. ﴿بُشْرى لَكُمْ:﴾ بشارة لكم بالنصر، والعزّة، والكرامة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: لتسكن، وتستقرّ ضمائركم، فلا تجزع من كثرة عدوّكم، وقلّة عددكم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي: لا تحيلوا النصر على الملائكة، والجند، وكثرة العدد، والعدد؛ فإن النّصر من عند الله، لا من عند غيره. والفرض أن يكون توكّلهم على الله، لا على الملائكة الّذين أمدّوا بهم. وفيه تنبيه على الإعراض عن الأسباب، والإقبال على مسبّب الأسباب. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فاستعينوا به، وتوكلوا عليه؛ لأنّ العزّ، وهو كمال القدرة، والقوّة، والحكم، وهو كمال العلم، فلا تخفى عليه مصالح العباد، والبلاد. وعلى كلّ فقد كان ذلك الإمداد بمنزلة السّكينة لبني إسرائيل (١)، بشارة بالنّصر، وطمأنينة للقلوب، وهذه الآية مذكورة بجميع ألفاظها بسورة (الأنفال) رقم [١٠].
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿جَعَلَهُ اللهُ:﴾ فعل ماض. ومفعوله الأول، وفاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿بُشْرى:﴾ مفعول لأجله مستثنى من عموم العلل. أو هو
стр. 934
مفعول ثان. والأول أقوى، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿لَكُمْ:﴾
جار، ومجرور متعلقان ب ﴿بُشْرى﴾ أو بمحذوف صفة له. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ الواو: حرف عطف.
(﴿لِتَطْمَئِنَّ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: فعل الله ذلك بكم؛ لاطمئنان قلوبكم، وهذا على اعتبار: ﴿بُشْرى﴾ مفعولا ثانيا، أو هما معطوفان على: ﴿بُشْرى﴾ على اعتباره مفعولا لأجله، وتقدير الكلام: إلا للبشارة، وللاطمئنان. ﴿قُلُوبُكُمْ:﴾ فاعله والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف.
(﴿ما﴾): نافية. ﴿النَّصْرُ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿مِنْ عِنْدِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، و ﴿عِنْدِ:﴾ مضاف، و ﴿اللهُ:﴾ مضاف إليه. ﴿الْعَزِيزِ:﴾ بدل من لفظ الجلالة. ومثله:
﴿الْحَكِيمِ﴾ وانظر ما ذكرته في إعراب البسملة أول سورة (الفاتحة). والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها؛ إن لم تجوز عطف الاسمية على الفعلية.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧)﴾
الشرح: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ هذا متعلّق بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ﴾.
والمعنى: إن المقصود من نصركم ببدر؛ ليقطع طرفا؛ أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا.
وقيل: المعنى: ليهدم ركنا من أركان الشّرك بالقتل، والأسر، فقتل من سادات قريش، وقادتهم سبعون، وأسر سبعون. ومن حمل الآية على غزوة أحد؛ قال: قتل من الكافرين ستة عشر، وكان النّصر فيه للمسلمين حتّى خالفوا أمر رسول الله ﷺ . فانقلب الحال.
﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ:﴾ أصل الكبت في اللّغة: صرع الشيء على وجهه. والمعنى: أن يصرعهم على وجوههم. والمراد منه: القتل، والهزيمة، أو الإهلاك، أو اللّعن، والخزي. ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أي: فيرجعوا بالخيبة، لم ينالوا شيئا من الّذي أمّلوه. قال القحيف العقيلي شاعر إسلامي-وهو الشاهد رقم [١٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
فما رجعت بخائبة ركاب... حكيم بن المسيّب منتهاها
الإعراب: ﴿لِيَقْطَعَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ وأن المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جرّ بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿نَصَرَكُمُ﴾ أو بالفعل: ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾. وقيل: متعلقان بفعل محذوف يدلّ عليه أحد الفعلين المذكورين. ﴿طَرَفاً:﴾ مفعول به. ﴿مِنَ الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طَرَفاً﴾. ﴿كَفَرُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتّفريق، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿أَوْ:﴾ حرف
стр. 935
عطف. ﴿يَكْبِتَهُمْ:﴾ فعل مضارع معطوف على: (يقطع) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى:
﴿اللهُ﴾ أيضا، والهاء مفعول به. ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾ الفاء: حرف عطف. (ينقلبوا): فعل مضارع معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق.
﴿خائِبِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب، وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨)﴾
الشرح: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: بل الأمر كلّه إليّ. كما قال تعالى في سورة (الرّعد): ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (سورة البقرة)). وقال محمد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: المعنى: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، ثمّ ذكر بقيّة الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ممّا هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضّلالة. ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدّنيا، والآخرة على كفرهم، وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ أي: يستحقّون ذلك. وخذ ما يلي:
عن أنس-﵁: أنّ النبي ﷺ لما كسرت رباعيته، وشجّ وجهه يوم أحد؛ حتّى سال الدم على وجهه؛ قال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيّهم؛ وهو يدعوهم إلى الله ؟!». فأنزل الله الآية الكريمة. أخرجه الإمام أحمد. وقيل: استأذن ربّه في أن يدعو في استئصالهم، فأنزل الله الآية، فعلم: أنّ منهم من سيسلم. وقد آمن الكثير منهم، مثل: خالد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وصفوان، وغيرهم. وقيل: نزلت في أهل بئر معونة، قتلهم عامر بن الطفيل، فعن عبد الله بن عمر-﵄: أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الرّكوع في الركعة الثانية من الفجر يقول: «اللهمّ العن فلانا، وفلانا، وفلانا» فأنزل الله الآية.
والمعتمد: أنّ الآية نزلت في وقعة أحد، والذي شجّ وجه رسول الله ﷺ وكسر رباعيّته هو: عتبة بن أبي وقّاص أخو سعد-﵁.
الإعراب: ﴿لَيْسَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر:
﴿لَيْسَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، وهو غير مسلّم، والأولى تعليقهما بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. ﴿شَيْءٌ:﴾ اسم: ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر.
﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿يَتُوبَ:﴾ معطوف على (يقطع) في الآية السابقة، فهو منصوب مثله، وعليه: فجملة ﴿لَيْسَ..﴾. إلخ معترضة بين المتعاطفين، ويحتمل أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد: ﴿أَوْ﴾ ويكون المصدر المؤول منها، ومن الفعل المضارع معطوفا على الأمر، أو على:
стр. 936
﴿شَيْءٌ﴾. التقدير: ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم، أو: ليس لك من أمرهم شيء، أو التعدية عليهم، أو: تعذيبهم. فيكون مثل قوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٥١]: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً..﴾. إلخ. ومثل هذه الآية قول ميسون بنت بحدل الكلبيّة-وهو الشّاهد رقم [٤٧٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف
وأيضا قول الآخر-وهو الشاهد رقم [١٣٩] من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [البسيط]
لولا توقّع معترّ فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب
وأيضا قول أنس بن مدركة الخثعمي-وهو الشاهد رقم [١٤٠]: من الكتاب المذكور-: [البسيط]
إنّي وقتلي سليكا ثمّ أعقله... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر
وخذ القاعدة من قول ابن مالك-رحمه الله تعالى-في ألفيته: [الرجز]
وإن على اسم خالص فعل عطف... تنصبه إن ثابتا أو منحذف
وقيل: ﴿أَوْ﴾ بمعنى: إلاّ أن، كقولك: ألزمنّك، أو تعطيني حقي، على معنى: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم، فتفرح بحالهم، أو يعذبهم، فتشفى منهم، ومثل ذلك قول زياد الأعجم-وهو الشاهد رقم [١٠٤]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، والشاهد رقم [١٤٦]: من كتابنا: «فتح رب البرية» -: [الوافر]
وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما
﴿عَلَيْهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿يُعَذِّبَهُمْ:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، وفاعله ما قبله، يعود إلى: (الله) والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿فَإِنَّهُمْ:﴾ الفاء: حرف تعليل. (إنهم): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿ظالِمُونَ:﴾ خبرها مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية تعليل لعذابهم؛ إن عذبهم الله تعالى. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾
الشرح: ﴿وَلِلّهِ ما فِي..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٠٩]: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ:﴾ بفضله، ورحمته. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي: بعدله، وحكمته، يحكم فيهم بما يشاء، لا منازع له في
стр. 937
حكمه، ولا معارض له في فعله. وبين: ﴿يَغْفِرُ﴾ و (﴿يُعَذِّبُ﴾) طباق، وهو من المحسّنات البديعية. ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: أنه تعالى يستر ذنوب عباده، لا على سبيل الوجوب عليه؛ لأنه تعالى لو أدخل جميع خلقه الجنّة؛ لكان ذلك برحمته، ولو أدخل جميع خلقه النّار؛ لكان ذلك بمحض عدله، ولكن جانب المغفرة، والرّحمة غالب. والله أعلم بمراده.
الإعراب: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [١٢٩] ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (الله) ومفعوله محذوف، والجملة في محل نصب حال من لفظ الجلالة، والرابط الضمير فقط، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلست مفنّدا. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما. ﴿يَشاءُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (الله) والجملة الفعلية صلة: (من) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يغفر للذي، أو: لشخص يشاؤه. والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. (الله): مبتدأ. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ خبران له، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الاسمية، لا محلّ لها مثلها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة؛ أي: يا من صدّقتم بالله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان، الذي هو زينة الإنسان. وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم. ونداء المخاطبين باسم المؤمنين، يذكّرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطاعة، والامتثال. وإنّما خصّهم الله بالنداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، المنتهون عمّا نهى عنه؛ إذا الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا:﴾ ينهى الله عن تعاطي الربا، وإنما ذكر الأكل؛ لأنّه أعظم منافع المال؛ لأنّ المال لا يؤكل، إنّما يصرف في المأكول، ثم يؤكل... إلخ، وانظر الآية رقم [٢٧٥]. من سورة (البقرة). ﴿أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ أراد به ما كانوا يفعلونه في الجاهلية عند حلول الدّين من زيادة المال، وتأخير الأجل. كان الرّجل في الجاهلية إذا كان له على آخر دين، فإذا جاء الأجل، ولم يكن للمدين ما يؤدّي؛ قال صاحب الدّين: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل، فربما فعلوا ذلك مرارا فيصير الدّين أضعافا مضاعفة، فنهى الله عن ذلك، وحرّم الله أصل الرّبا، ومضاعفته.
هذا؛ و ﴿أَضْعافاً﴾ جمع: ضعف، وهو بكسر الضاد، وسكون العين: مثل الشيء، وضعفاه:
مثلاه، وأضعافه: أمثاله. هذا هو الأصل في الضّعف، ثم استعمل في المثل، وما زاد، وليس
стр. 938
للزيادة حدّ، فيقال: هذا ضعف هذا؛ أي: مثله، أو مثلاه، أو ثلاثة أمثاله، وهكذا. ويقال:
أضعفت الشيء، وضعّفته، وضاعفته. فمعناه: ضممت إليه مثله فصاعدا. وقال بعضهم: ضاعفت أبلغ من: ضعّفت، ولذا قرأ أكثرهم في سورة (الأحزاب): ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾. وفي (الفرقان): ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾. وفي (النّساء): ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾. هذا؛ وللضّعف بفتح الضاد، والضّعف بكسرها، والضّعف بضمها معان نظمها بعضهم بقوله: [الرجز]
في الرّأي والعقل يكون الضّعف... والوهن في الجسم فذاك الضّعف
زيادة المثل كذا والضّعف... جمع ضعيف وهو شاكي الضّرّ
﴿وَاتَّقُوا اللهَ:﴾ خافوه في أكل الرّبا، واحذروه، فلا تأكلوه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ أي لكي تسعدوا بثوابه في الآخرة؛ لأنّ الفلاح والفوز النجاح يتوقف على التقوى. وانظر ما ذكرته بشأن الربا في سورة (البقرة) رقم [٢٧٥].
بعد هذا ينبغي أن تعلم: أنّ ذكر الأضعاف المضاعفة في الآية الكريمة ليس للقيد، والشرط، وإنّما هو لبيان الحالة التي كان الناس عليها في الجاهلية، وللتشنيع عليهم بأن هذه المعاملة ظلما صارخا، وعدوانا مبينا؛ حيث كانوا يأخذون الربا أضعافا مضاعفة، قال أبو حيّان -رحمه الله تعالى-نهوا عن الحالة الشّنعاء، الّتي يوقعون عليها الربا، فربما استغرق بالنّذر اليسير مال المدين، فالرّبا محرّم بجميع أنواعه، فهذه الحالة ليست قيدا في النّهي.
وينبغي أن تلاحظ: أن هذا النهي عن أكل الرّبا جاء اعتراضا بين أثناء قصّة غزوة أحد، وإنّما خصّه الله بالذكر من بين المعاصي؛ لأنّه هو الذي آذن فيه بالحرب في قوله في سورة (البقرة) رقم [٢٧٩]. والحرب يؤذن بالقتل، فكأنّ الله- -يقول: إن لم تتقوا الرّبا هزمتم، وقتلتم، فأمرهم بترك الرّبا؛ لأنّه كان معمولا به عندهم، والاعتراض بشيء بين ما هو بحث في شيء آخر إنّما هو للتنبيه على أهميته، كما في ذكر الدّعاء الذي بين آيات الصيام، وذكر الصّلاة بين الآيات المتعلّقة بالنّكاح، والطّلاق. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية رقم [١٠٠]: ففيها الكفاية. ﴿لا تَأْكُلُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها.
﴿الرِّبَوا﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿أَضْعافاً:﴾ حال من: ﴿الرِّبَوا﴾. ﴿مُضاعَفَةً:﴾ صفة له. ﴿وَاتَّقُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ﴿اللهَ:﴾
منصوب على التعظيم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١٢٣].
стр. 939
﴿وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١)﴾
الشرح: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ:﴾ هذا الوعيد لمن استحل الرّبا، ومن استحلّ الرّبا؛ فإنّه يكفر، وكلّ معصية من يستحلّها؛ فإنه كافر، ويستحقّ النار، وبئس القرار. قال ابن عباس-﵄: هذا تهديد للمؤمنين أن يستحلّوا ما حرّم الله من الرّبا وغيره مما أوجب الله فيه النّار، وقال بعضهم: إن هذه الآية أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنّار المعدّة للكافرين؛ إن لم يتقوه، ويجتنبوا محارمه. وقال الواحديّ-﵀: في هذه الآية تقوية لرجاء المؤمنين برحمة من الله تعالى؛ لأنه قال: أعدّت للكافرين، فجعلها معدّة للكافرين دون المؤمنين. وجوابه ما تقدّم من أنّ من استحلّ شيئا من محارم الله؛ فإنه كافر بالإجماع.
﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ:﴾ هيئت، وفيه دليل على أنّ النار موجودة الآن، وكذلك الجنّة، لقوله تعالى في كثير من الآيات: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وفيه ردّ على المعتزلة، وغيرهم الّذين ينكرون وجودهما الآن. هذا؛ وأصل: (﴿اِتَّقُوا﴾): اوتقيوا، قلبت الواو تاء، وأدغمت بالتاء، وحذفت الضمة التي على الياء فالتقى ساكنان: الياء، والواو، فحذفت الياء، فصار: (﴿اِتَّقُوا﴾) ثم قلبت الكسرة ضمّة لمناسبة الواو.
أمّا ﴿النّارَ﴾ فأصلها: النور، تحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. وهي المؤنث من المجازي، وقد تذكّر. وتصغيرها: نويرة، والجمع: أنور، ونيران، ونيرة، ويكنى بها عن جهنّم، الّتي سيعذب الله بها الكافرين، والفاسقين الفاسدين يوم الدّين، كما أنّها تستعار للشدّة، والضّيق، والبلاء، قال الشاعر: [الطويل]
وألقى على قيس من النّار جذوة... شديدا عليها حرّها والتهابها
فهي مستعارة في هذا البيت لشدّة النكاية؛ التي أذاقها قبيلة قيس. والفعل: نار، ينور، يستعمل لازما، ومتعديا؛ إذا بدئ بهمزة التعدية، كما في قولك: أنارت الشمس الكون.
الإعراب: ﴿وَاتَّقُوا النّارَ:﴾ إعرابه مثل ما قبله. ﴿الَّتِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب صفة: ﴿النّارَ﴾. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل يعود إلى النّار، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿لِلْكافِرِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَاتَّقُوا..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها.
﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾
الشرح: فهذه الآية تقرن طاعة الرّسول بطاعة الله تعالى، وهذا كثير في الآيات القرآنية، ومنه قوله تعالى في سورة (النساء) رقم [٨٠]: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾. وانظر ما ذكرته
стр. 940
في الآية رقم [٣٢]: فإنّه جيد، والحمد لله! ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فقد أتبع سبحانه الوعد بالوعيد، ترهيبا عن المخالفة، وترغيبا في الطّاعة. وانظر مثل هذا الترجّي في الآية رقم [١٢٣].
هذا؛ و (لعل) و «عسى» في مثل ذلك تفيدان تحقيق ما ذكر، وفي هذه الآية إطماع من ربّ كريم، فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه.
فائدة: وفي السّمين ما نصه: (لعل) في كلام الله تعالى للناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ لعل على بابها من الترجّي، والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين؛ أي: لعلّكم ترحمون على رجائكم، وطمعكم. وكذا قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ أي: اذهبا على رجائكما.
والثاني: أنّها للتعليل؛ أي: أطيعوا الله؛ لكي ترحموا، وبه قال قطرب، والطبري، وغيرهما.
والثالث: أنها للتعرّض للشّيء، كأنه قيل: افعلوا ذلك متعرّضين لأن ترحموا.
الإعراب: (﴿أَطِيعُوا﴾): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو وفاعله، والألف للتفريق.
﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم. ﴿وَالرَّسُولَ:﴾ معطوف عليه. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها. ﴿تُرْحَمُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر (لعلّ) والجملة الاسمية تعليل للأمر، لا محل لها.
﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾
الشرح: ﴿وَسارِعُوا..﴾. إلخ؛ أي: سارعوا بالأعمال الصّالحة، التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتّوبة؛ لأنّها تؤدي إلى المغفرة. ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا..﴾. إلخ: لو وصل بعضها ببعض. وقيل: إنّ الله شبه عرض الجنّة بعرض السموات والأرض، لو وصل بعضها ببعض؛ لكان عرض الجنة في قدرها جميعا. وقيل: إنّ السّماوات السّبع، والأرضين السّبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها ببعض؛ لكان عرض الجنة في قدرها جميعا. وقيل: إنّ الله تعالى شبّه عرض الجنة بعرض السّماوات والأرض، ولا شكّ: أن الطّول يكون أزيد من العرض، فذكر العرض تنبيها على أنّ طولها أضعاف ذلك، ومن عادة العرب: أنّها تعبّر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله، قال الشّاعر: [الطويل]
كأن بلاد الله وهي عريضة... على الخائف المطلوب كفّة حابل
«الكفّة» بكسر الكاف: ما يصاد به الظباء، يجعل كالطوق. والأصل فيه: أنّ ما اتّسع عرضه؛ لم يضق، ولم يدقّ، وما ضاق عرضه؛ دقّ، فجعل العرض كناية عن السّعة. وروي: أنّ هرقل أرسل إلى النبي ﷺ : إنك تدعوني إلى جنّة، عرضها السموات والأرض. فأين النّار؟ فقال
стр. 941
رسول الله ﷺ : «سبحان الله فأين اللّيل إذا جاء النّهار؟» قيل: معناه-والله أعلم بذلك-: أنّه إذا دار الفلك حصل النّهار في جانب، والليل في ضدّ ذلك الجانب، فكذلك الجنّة في جهة العلوّ، والنار في جهة السّفل.
وروى طارق بن شهاب: أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب-﵁-وعنده أصحابه، فقالوا: أرأيتم قولكم: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النّار؟ فقال: فأين الليل إذا جاء النهار؟ فقالوا: إنّ لمثلها في التوراة. ومعناه: حيث يشاء الله تعالى.
وقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، ويقع في نفوسهم وأفكارهم، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بعرض السموات والأرض على ما يعرفه الناس. هذا؛ وقال ابن عباس-﵄: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تبسط الثياب، ويوصل بعضها ببعض، فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله، وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر. فإن في حديث أبي ذر-﵁-عن النبي ﷺ قال: «ما السّماوات السّبع والأرضون السّبع في الكرسيّ إلاّ كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسيّ في العرش إلاّ كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض» فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدّا من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ذلك كله. هذا وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢١] من سورة (الحديد) تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك، هذا؛ وفي الآية تشبيه بليغ حيث حذف أداة التشبيه، وصرح بها في آية (الحديد) رقم [٢١].
بعد هذا: فقد حثّنا الله هنا إلى المسارعة إلى ما يوجب مغفرة الذنوب، وحضّنا على المسابقة إلى مثل ذلك في سورة (الحديد) وقال في سورة (المائدة) رقم [٤٨]: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ:﴾ وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٤٨] من سورة (البقرة) ففيها شفاء، ودواء لقلبك.
تنبيه: حثّ الله في الآيات التي ذكرتها على المسارعة إلى الأعمال الصّالحة، كما وصف أنبياءه بأنّهم كانوا يسارعون في الخيرات، وهذا لا يناقض ما روي:
«العجلة من الشيطان والتأنّي من الرّحمن» لأنه مستثنى منه، كما أنّ هناك أمورا تسنّ المبادرة إلى فعلها، كأداة الصّلاة المكتوبة إذا دخل وقتها، وقضاء الدّين بحقّ الموسر، وتزويج البكر البالغ إذا أتى الكفؤ لها، ودفن الميت، وإكرام الضّيف إذا نزل. وخذ ما يلي: فعن عليّ-﵁-قال: قال رسول الله له: «يا عليّ! ثلاث لا تؤخّرها، الصّلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيّم إذا وجدت كفؤا». أخرجه الترمذيّ، وجاء في الشعر العربيّ الحثّ على العجلة. قال بشار بن برد الأعمى: [البسيط]
من راقب النّاس لم يظفر بحاجته... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
واختصره سلم الخاسر، فقال: [مخلّع البسيط]
من راقب النّاس مات همّا... وفاز باللّذة الجسور
стр. 942
ونسب للأعشى، ولغيره ما يلي: [البسيط]
وربّما فات قوما جلّ أمرهم... من التّأنّي وكان الحزم لو عجّلوا
وقال آخر: [البسيط]
وربّما ضرّ بعض النّاس بطؤهم... وكان خيرا لهم لو أنّهم عجّلوا
الإعراب: ﴿وَسارِعُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها. ويقرأ بدون واو على الإفراد، فتكون الجملة مستأنفة. ﴿إِلى مَغْفِرَةٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ:﴾ متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ أو بمحذوف صفة لها، والكاف في محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿وَجَنَّةٍ:﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٍ﴾. ﴿عَرْضُهَا:﴾ مبتدأ، و (ها) في محل جر بالإضافة. ﴿السَّماواتُ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جر صفة: (﴿جَنَّةٍ﴾). ﴿وَالْأَرْضُ:﴾
معطوف على ما قبله. ﴿أُعِدَّتْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى: (﴿جَنَّةٍ﴾) والتاء للتأنيث. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية في محل جر صفة ثانية ل (﴿جَنَّةٍ﴾) أو في محل نصب حال منها بعد وصفها بما تقدّم، والاستئناف ممكن.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ أي: المال. ﴿فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ أي: في العسر، واليسر، في الغنى، والفقر، والرّخاء، والشدّة، لا يتركون الإنفاق في جميع الحالات، لا في فرح وسرور، ولا في حال محنة وبلاء، وسواء أكان الواحد منهم في عرس، أو حبس، فإنّهم لا يدعون الإحسان إلى النّاس، فأول ما ذكر الله من أخلاقهم الموجبة للجنّة السّخاء، وبذل المال؛ لأنّه أشقّ على النفس، وكانت الحاجة إلى بذل المال في ذلك الوقت أعظم الأحوال للحاجة إليه في مجاهدة الأعداء، ومواساة الفقراء المسلمين مهاجرين، وغيرهم. وقد ذكرت لك فيما مضى كثيرا من الأحاديث النبوية التي ترغّب في إنفاق المال في وجوه الخير. وخذ هنا ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «مثل البخيل والمنفق، كمثل رجلين عليهما جنّتان من حديد، من ثديّهما إلى تراقيهما، فأمّا المنفق؛ فلا ينفق شيئا إلا مادت على جلده؛ حتى تجنّ بنانه، وتعفو أثره، وأمّا البخيل؛ فلا يريد أن ينفق شيئا، إلاّ لزقت كلّ حلقة موضعها، فهو يوسّعها، ولا تتّسع». متّفق عليه. ولا تنس: أنّ بين ﴿السَّرّاءِ﴾ و ﴿وَالضَّرّاءِ﴾ طباق، وهو من المحسّنات البديعية.
стр. 943
﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ؛ كظموه، بمعنى: كتموه، فلم يعملوه، وعفوا عمّن أساء إليهم، وقد ورد في بعض الآثار: يقول الله : «يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت، فلا أهلك فيما أهلك». رواه ابن أبي حاتم. والغيظ: شدّة الغضب، ومنه رجل كظيم، ومكظوم: إذا كان ممتلئا غمّا، وحزنا. قال تعالى في حقّ «يعقوب» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في من يسوءه ولادة الأنثى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. وقال تعالى في حقّ «ذي النّون» على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾. والغيظ: أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان، لكن فرقان ما بينهما: أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح، بخلاف الغضب، فإنّه يظهر على الجوارح مع فعل ما، ولا بدّ، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى: أنّه هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، وخذ ما يلي:
فعن معاذ بن أنس-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفّذه؛ دعاه الله سبحانه على رءوس الخلائق حتّى يخيّره من الحور العين ما شاء». رواه أبو داود، والترمذيّ.
وعن أبي هريرة-﵁: أن النبي ﷺ قال: «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب». رواه البخاريّ، ومسلم، وغيرهما. وانظر الترغيب، والترهيب للحافظ المنذري؛ إن أردت الزيادة.
﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ:﴾ يعفون عمّن أساء إليهم، أو ظلمهم، والعفو عن الناس أجلّ ضروب فعل الخير، والإحسان، والأحاديث المرغّبة في ذلك كثيرة، أكتفي منها هنا بما يلي:
عن أبي كبشة الأنماريّ-﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ثلاث أقسم عليهنّ، وأحدّثكم حديثا، فاحفظوه. قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلاّ زاده الله عزّا، فاعفوا؛ يعزّكم الله، ولا فتح عبد باب مسألة إلاّ فتح الله عليه باب فقر». رواه أحمد، والترمذي. وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلاّ عزّا، وما تواضع أحد لله؛ إلاّ رفعه الله ». رواه مسلم، والترمذيّ. وروى أنس: أنّ رجلا قال: يا رسول الله! ما أشدّ من كلّ شيء؟ قال: «غضب الله» قال: فما ينجي من غضب الله؟ قال: «لا تغضب». قال العرجي: [الكامل]
وإذا غضبت فكن وقورا كاظما... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع
فكفى به شرفا تصبّر ساعة... يرضى بها عنك الإله وترفع
وقال عروة بن الزّبير-﵄-في العفو: [البسيط]
لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا... حتّى يذلّوا وإن عزّوا لأقوام
стр. 944
ويشتموا فترى الألوان مشرقة... لا عفو ذلّ ولكن عفو إكرام
﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يثيبهم على إحسانهم. قال سريّ السّقطي-رحمه الله تعالى- الإحسان أن تحسن وقت الإمكان، فليس كلّ وقت يمكنك الإحسان، قال الشاعر: [البسيط]
بادر بخير ما كنت مقتدرا... فليس في كلّ وقت أنت مقتدر
وقال أبو العباس الجماني، فأحسن: [الخفيف]
ليس في كلّ ساعة وأوان... تتهيّأ صفائح الإحسان
وإذا أمكنت فبادر إليها... حذرا من تعذّر الإمكان
هذا؛ وللإحسان المقبول شرطان: أحدهما: أن يكون خالصا لوجه الله تعالى. والثاني: أن يكون موافقا للشريعة؛ التي جاء بها محمّد ﷺ . فمتى اختلّ شرط منهما؛ كان العمل غير مقبول قطعا.
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: الجر على أنّه صفة ل (المتقين) أو بدل منه. والثاني: النصب على إضمار فعل، تقديره: أعني، أو أمدح. والثالث: الرّفع من وجهين:
أحدهما: أنه خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هم الذين. والثاني: أنه مبتدأ، خبره ما بعده، وهو مبني على الفتح في محل جرّ، أو في محل نصب، أو في محل رفع. ﴿يُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والمفعول محذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿فِي السَّرّاءِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿وَالضَّرّاءِ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿وَالْكاظِمِينَ:﴾
معطوف على: ﴿الَّذِينَ﴾ على الجر والنصب، ولم يقرأ بالرفع، وفاعله مستتر فيه. ﴿الْغَيْظَ:﴾
مفعول به ب (﴿الْكاظِمِينَ﴾). ﴿وَالْعافِينَ:﴾ معطوف على: (﴿الْكاظِمِينَ﴾) على الوجهين المعتبرين فيه، والياء هي النائبة مناب الكسرة، أو الفتحة في الاسمين؛ لأنهما صفتا جمع مذكر سالم، والنون فيهما عوض من التنوين في الاسم المفرد. ﴿عَنِ النّاسِ:﴾ متعلقان ب (﴿الْعافِينَ﴾) قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به، وفاعله مستتر فيه. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿الْمُحْسِنِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: (﴿اللهُ يُحِبُّ..﴾.) إلخ معترضة بين المتعاطفين مقرّرة لمحبّة الله للمحسنين.
﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً:﴾ يعني: فعلة فاحشة خارجة عمّا أذن الله فيه.
والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال، والأقوال. وقال جابر بن عبد الله-﵁:
стр. 945
الفاحشة: الزنى. ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ ظلم النفس هو ما دون الزنى، مثل القبلة، والمعانقة، واللمس، والنظر. ﴿ذَكَرُوا اللهَ:﴾ ذكروا وعيد الله، وعقابه، ووقوفهم بين يديه حين يسألهم عن أعمالهم يوم الفزع الأكبر، ذكروا عظمته، وكبرياءه. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: لأجل ذنوبهم، فتابوا منها، وأقلعوا عنها، نادمين على فعلها، عازمين على ألا يعودوا إليها. وهذه شروط التوبة المقبولة من حقّ الله، وأمّا التوبة من حقّ العبد؛ فلها شرط رابع، وهو ردّ الحقّ إلى صاحبه.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ أي: لا يغفر الذنوب إلا الله. وصف سبحانه نفسه بسعة الرحمة، وقرب المغفرة، وأن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا إلى فضله، وكرمه، وعفوه، ورحمته، وإحسانه. وفيه تنبيه على: أنّ العبد لا يطلب المغفرة إلا منه، وأنّه القادر على عقاب المذنب، وكذلك هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه، فثبت: أنّه لا يجوز طلب المغفرة إلا منه، .
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ يعني: ولم يقيموا على الذنوب، ولم يستمرّوا عليها، ولكن تابوا منها، وأنابوا، واستغفروا. والإصرار: هو العزم بالقلب على ترك الأمر، والإقلاع عنه، ومنه صرّ الدّنانير، أي: الربط عليها. وقال قتادة: الإصرار: الثبوت على المعاصي، قال الشاعر: [البسيط]
يصرّ باللّيل ما تخفي شواكله... يا ويح كلّ مصرّ القلب ختّار
قال سهل بن عبد الله-رحمه الله تعالى-الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك. والإصرار هو التّسويف، والتّسويف أن يقول: أتوب غدا. وبمعنى الثبوت قوله تعالى في سورة (الجاثية) رقم [٨]: ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها،﴾ وفي سورة (الواقعة) قوله تعالى: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾. وقيل: الإصرار: ترك الاستغفار.
فعن أبي بكر-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما أصرّ من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرّة». الترمذيّ.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ:﴾ فيه أقوال كثيرة، قال ابن عباس-﵄: وهم يعلمون: أنها معصية، وأنّ لهم ربّا يغفرها. وقيل: وهم يعلمون: أن الإصرار ضارّ. وقيل: وهم يعلمون: أنّ الله ملك مغفرة الذنب. وقيل: وهم يعلمون: أنّ الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب؛ وإن كثرت.
وقيل: وهم يعلمون: أنهم إن استغفروه؛ غفر لهم. قال ثابت البناني-رحمه الله تعالى-: بلغني:
أنّ إبليس بكى حين نزلت الآية الكريمة. وذكر في مختصر ابن كثير عن أنس-﵁.
بعد هذا: فقد ندبنا الله في كثير من الآيات القرآنيّة إلى الاستغفار، وحثّنا عليه الرسول ﷺ في أحاديثه الكثيرة الصّحيحة. وخذ من ذلك ما يلي: فعن عليّ-﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدّثني عنه غيره؛ استحلفته، فإذا حلف لي؛ صدّقته، وإنّ أبا بكر-﵁-حدّثني، وصدق: أنّه سمع
стр. 946
رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضّأ، ويحسن الوضوء، ثمّ يصلّي ركعتين، فيستغفر الله، ؛ إلاّ غفر له». ثم قرأ هذه الآية، والآية رقم [١١٠] من سورة (النساء).
أخرجه أبو داود، والترمذيّ. أقول: والمرأة مثل ذلك.
وعن أنس-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، قال الله : «يا بن آدم! إنّك ما دعوتني، ورجوتني؛ غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي. يا بن آدم! إنّك لو بلغت ذنوبك عنان السّماء، ثمّ استغفرتني؛ غفرت لك، ولا أبالي. يا بن آدم! إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة». أخرجه التّرمذيّ، وقال: حديث حسن.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: «قال إبليس: وعزّتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم! فقال: وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». رواه الإمام أحمد، والحاكم. وعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال:
أستغفر الله العظيم، الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه؛ غفرت ذنوبه، وإن كان فرّ من الزّحف». أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والحاكم. هذا بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٧] وفي الآية رقم [١٩٩] من سورة (البقرة) وخذ ما يلي:
فقد روي: أنّ عمر-﵁-خرج يستسقي، فما زاد الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها المطر. شبّه الاستغفار بالأنواء الصّادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أنّ رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله، وآخر شكا إليه قلة الأولاد، فقال:
استغفر الله، وشكا إليه آخر قلة ريع أرضه، فقال: استغفر الله، فقال له الربيع ابن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا، ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلّهم بالاستغفار! فتلا عليه قوله تعالى في سورة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾.
بعد هذا؛ فالفعل: «استغفر» يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثّاني ب «من» نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر، كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٨٦]: من كتابنا فتح رب البريّة: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والقبل
ومثل: استغفر: أمر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب لجوابه، صالح لغير ذلك،
стр. 947
مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَعَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فاحِشَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. وجملة: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ:﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، والإعراب مثل الأولى، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنه صلة الموصول.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، واعتراض. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿مَنْ﴾). ﴿الذُّنُوبَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ بدل من الفاعل المستتر، والجملة الاسمية: (﴿مَنْ يَغْفِرُ..﴾.) إلخ معترضة بين المتعاطفين، مؤكدة سعة رحمة الله تعالى، وعموم مغفرته، والحثّ على الاستغفار، والوعد بقبول التوبة.
(﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وجزم، وقلب. ﴿يُصِرُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وجملة: ﴿فَعَلُوا﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ولم يصروا على الذي، أو: على شيء فعلوه، وعلى اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى﴾ التقدير: على فعلهم، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها مثله، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة في «استغفروا» فلست مفندا.
الواو: واو الحال «هم»: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾
فعل مضارع، والواو فاعله، وانظر تقدير المفعول في الشرح، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُصِرُّوا،﴾ والرابط: الواو، والضمير، فتكون حالا متداخلة على الوجه الثاني في الجملة قبلها.
﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الموصوفين بما تقدّم، والإشارة بالبعيد للإشعار ببعد منزلتهم، وعلوّ مكانتهم في الفضل. ﴿جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ..﴾. إلخ: قدّم سبحانه المغفرة على الجنّة؛ لأنّ التخلية مقدّمة على التّحلية، فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذنوب، والآثام. هذا؛ وتفيد الآية الكريمة: أنّ المطلوب بالتوبة أمران: أحدهما الأمن من العقاب،
стр. 948
وإليه الإشارة بقوله جلّ ذكره: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ والثاني: إيصال الثواب، وإليه الإشارة بقوله تعالى شأنه: ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي..﴾. إلخ؛ أي: ذلك لهم ذخر لا يبخس، وأجر لا يوكس. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي: ونعم ثواب المطيعين؛ أي: الجنة، وما فيها من النّعيم، والخير العميم.
تنبيه: لا يلزم من إعداد الجنّة للمتقين، والتائبين جزاء لهم ألا يدخلها المصرّون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم ألا يدخلها غيرهم، بل المصرّون يدخلون الجنّة بعد أن يعذّبوا في نار الجحيم على حسب جرائمهم، ويدخل النّار من غير الكافرين عصاة المسلمين من الفاسدين، والظّالمين في هذه الدّنيا. وتنكير (﴿جَنّاتٌ﴾) على الأول يدلّ على أنّ ما لهم دون ممّا للمتّقين الموصوفين بتلك الصّفات المذكورة في الآية المتقدّمة، وكفاك فارقا بين القبيلتين: أنّه فصّل آيتهم، بأن بيّن: أنّهم محسنون، مستوجبون لمحبّة الله، وذلك؛ لأنّهم حافظوا على حدود الشرع، وتخطّوا التّخصّص بمكارمه. وفصّل آية هؤلاء بقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ؛﴾ لأنّ المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوّت على نفسه، وكم بين المحسن، والمتدارك، والمحبوب، والأجير! ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذا النّكتة. انتهى بيضاوي.
وفي هذا ردّ على الزّمخشري القائل: وفي هذه الآيات بيان قاطع: أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متّقون، وتائبون، ومصرّون، وأنّ الجنّة للمتّقين، والتّائبين منهم دون المصرّين.
ومن خالف في ذلك، فقد كابر عقله، وعاند ربّه. انتهى كشّاف. وقد صفعه ابن المنير-رحمه الله تعالى-صفعة ناعمة، ثمّ ذكر ما يلي:
روي: أنّ الله- -أوحى إلى موسى-﵇: «ما أقلّ حياء من يطمع بجنّتي بغير عمل؟! كيف أجود برحمتي على من بخل عليّ بطاعتي؟!» وعن شهر بن حوشب-رحمه الله تعالى-: طلب الجنّة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشّفاعة بلا سبب نوع من الغرور.
وارتجاء الرحمة ممّن لا يطاع حمق، وجهالة. وعن الحسن-﵁: يقول الله يوم القيامة: جوزوا الصّراط بعفوي، وادخلوا الجنّة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم. وعن رابعة البصريّة-﵂: أنها كانت تنشد، وفي كتاب أدب الدّنيا، والدّين: أن ذلك لأبي العتاهية الصّوفي: [البسيط]
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه... وثوب دنياك مغسول من الدّنس
ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. مغفرة: خبره، والجملة الاسمية في محلّ رفع خبر المبتدأ. هذا؛
стр. 949
وأجيز اعتبار: ﴿جَزاؤُهُمْ..﴾. بدلا من أولئك بدل الاشتمال، فيكون المصدر خبرا عنه، وذكرت في الآية رقم [٨٧] ضعفه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ على اعتباره مبتدأ على وجه من ذكره، كما يجوز اعتباره في محل رفع خبر:
(﴿الَّذِينَ إِذا..﴾.) إلخ على اعتباره مبتدأ، وغير معطوف على سابقه، أو هي مستأنفة لا محل لها من الإعراب بالإعراض عن الكلام السّابق. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة مقدّرة له. ﴿وَجَنّاتٌ:﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و «ها» في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (﴿جَنّاتٌ﴾). ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وذكرت لك فيما مضى صحّة مجيء الحال من المضاف إليه، وفاعله مستتر فيه. وقال مكي: حال من: ﴿أُولئِكَ﴾ ولا وجه له البتة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَنِعْمَ﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿نِعْمَ﴾): فعل ماض جامد دالّ على إنشاء المدح. ﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الياء... إلخ من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: ونعم أجر العاملين؛ الّذي ذكر، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾
الشرح: ﴿قَدْ خَلَتْ:﴾ مضت، وذهبت. وإعلاله مثل إعلال: «بدا» في الآية رقم [١١٨].
﴿سُنَنٌ:﴾ وقائع سنّها الله في الأمم التي كذبت رسلها؛ حيث أهلكها الله بسبب مخالفتها للأنبياء. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد، ففيه تسلية لهم على ما أصابهم من الحزن، والكآبة في هزيمة غزوة أحد. وهذا رجوع لتفصيل بقية قصّة أحد، بعد تمهيد مبادئ الرّشد، والصلاح، وأوّلها الآية رقم [١٢١]: فقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا﴾ إلى هذه الآية اعتراض في خلال القصّة الواحدة. وخذ قول الشاعر، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها
والسّنّة: الإمام المتّبع المؤتمّ به. قال لبيد-﵁-في معلّقته: [الكامل]
من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها
والسّنة: الأمّة، والسّنن: الأمم. قاله المفضل، وأنشد: [البسيط]
ما عاين النّاس من فضل كفضلهم... ولا رأوا مثلهم في سالف السّنن
стр. 950
هذا؛ والسّنة بمعنى: الشّريعة، والطّريقة، تكون حسنة، إن كانت في الخير، وتكون سيّئة إن كانت في الشرّ. وخذ ما يلي: عن النّبيّ ﷺ قال: «من سنّ خيرا، فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا. ومن سنّ شرّا، فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة-﵁-ورواه مسلم، وابن ماجة، والترمذيّ عن جرير بن عبد الله البجلي بأطول من هذا.
﴿فَسِيرُوا:﴾ هذا الأمر لصحابة رسول الله ﷺ لينظروا، ويعتبروا بأحوال الأمم الماضية.
وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذّبين بأنّ الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم؛ لأنّ الكافر إذا تأمّل أحوال الكفار المهلكين تأمّل اعتبار؛ صار ذلك داعيا إلى الإيمان، والكف عن كثير من طغيانه، وجبروته؛ لأن النّظر إلى آثار المتقدّمين له أثر في النفس الكاملة، كما قيل: [الخفيف]
إنّ آثارنا تدلّ علينا... فانظروا بعدنا إلى الآثار
هذا؛ وعاقبه كلّ شيء آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله. ولم يؤنّث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأنّ عاقبة مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن عاقبة اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهو مصدر مثل: «العافية» ... إلخ.
بعد هذا: فإنّي ألفت النظر إلى أنّه تعالى، قال هنا: ﴿فَانْظُروا﴾ بعد الأمر بالسّير في الأرض، وقال جلّ ذكره في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما:
أنّ النظر جعل مسببا عن السّير، فكأنه قيل: سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السّير هناك: إباحة السّير في الأرض للتّجارة، وغيرها، وإيجاب النّظر في آثار الهالكين، ونبّه على ذلك ب (ثم) التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿سُنَنٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: نعت النكرة... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سُنَنٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَسِيرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: إنّ شككتم في ذلك ﴿فَسِيرُوا﴾. (سيروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محلّ جزم جواب للشّرط المقدّر: «إن».
﴿فَانْظُروا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف،