رسول الله ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبا، فيتوضّأ، ويحسن الوضوء، ثمّ يصلّي ركعتين، فيستغفر الله، ؛ إلاّ غفر له». ثم قرأ هذه الآية، والآية رقم [١١٠] من سورة (النساء).
أخرجه أبو داود، والترمذيّ. أقول: والمرأة مثل ذلك.
وعن أنس-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، قال الله : «يا بن آدم! إنّك ما دعوتني، ورجوتني؛ غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي. يا بن آدم! إنّك لو بلغت ذنوبك عنان السّماء، ثمّ استغفرتني؛ غفرت لك، ولا أبالي. يا بن آدم! إنّك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثمّ لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة». أخرجه التّرمذيّ، وقال: حديث حسن.
وعن أبي سعيد الخدري-﵁-قال: «قال إبليس: وعزّتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم! فقال: وعزّتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني!». رواه الإمام أحمد، والحاكم. وعن ابن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال:
أستغفر الله العظيم، الّذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه؛ غفرت ذنوبه، وإن كان فرّ من الزّحف». أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والحاكم. هذا بالإضافة لما ذكرته في الآية رقم [١٧] وفي الآية رقم [١٩٩] من سورة (البقرة) وخذ ما يلي:
فقد روي: أنّ عمر-﵁-خرج يستسقي، فما زاد الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها المطر. شبّه الاستغفار بالأنواء الصّادقة التي لا تخطئ. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-: أنّ رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر، فقال: استغفر الله، وآخر شكا إليه قلة الأولاد، فقال:
استغفر الله، وشكا إليه آخر قلة ريع أرضه، فقال: استغفر الله، فقال له الربيع ابن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا، ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلّهم بالاستغفار! فتلا عليه قوله تعالى في سورة نوح-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾.
بعد هذا؛ فالفعل: «استغفر» يتعدّى لاثنين، أولهما بنفسه، والثّاني ب «من» نحو: استغفرت الله من ذنبي، وقد يحذف حرف الجر، كقول الشاعر، وهو الشاهد رقم [٤٨٦]: من كتابنا فتح رب البريّة: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد إليه الوجه والقبل
ومثل: استغفر: أمر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكال، ووزن.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ معطوف على ما قبله في الآية السابقة على جميع الوجوه المعتبرة فيه. ﴿إِذا:﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب لجوابه، صالح لغير ذلك،
стр. 947
مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَعَلُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فاحِشَةً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها على المشهور المرجوح. وجملة: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ:﴾ معطوفة عليها، وجملة: ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها، وجملة: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ:﴾ معطوفة عليها، لا محلّ لها مثلها، والإعراب مثل الأولى، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام لا محلّ له؛ لأنه صلة الموصول.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف، واعتراض. (﴿مَنْ﴾): اسم استفهام بمعنى النفي مبني على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يَغْفِرُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: (﴿مَنْ﴾). ﴿الذُّنُوبَ:﴾
مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. ﴿إِلاَّ:﴾ حرف حصر. ﴿اللهَ:﴾ بدل من الفاعل المستتر، والجملة الاسمية: (﴿مَنْ يَغْفِرُ..﴾.) إلخ معترضة بين المتعاطفين، مؤكدة سعة رحمة الله تعالى، وعموم مغفرته، والحثّ على الاستغفار، والوعد بقبول التوبة.
(﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وجزم، وقلب. ﴿يُصِرُّوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى ما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، وجملة: ﴿فَعَلُوا﴾ صلة ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف، التقدير: ولم يصروا على الذي، أو: على شيء فعلوه، وعلى اعتبار ما مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر ب ﴿عَلى﴾ التقدير: على فعلهم، والجار والمجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا..﴾. إلخ معطوفة على جواب: ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها مثله، وإن اعتبرتها في محل نصب حال من واو الجماعة في «استغفروا» فلست مفندا.
الواو: واو الحال «هم»: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾
فعل مضارع، والواو فاعله، وانظر تقدير المفعول في الشرح، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل: ﴿يُصِرُّوا،﴾ والرابط: الواو، والضمير، فتكون حالا متداخلة على الوجه الثاني في الجملة قبلها.
﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى الموصوفين بما تقدّم، والإشارة بالبعيد للإشعار ببعد منزلتهم، وعلوّ مكانتهم في الفضل. ﴿جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ..﴾. إلخ: قدّم سبحانه المغفرة على الجنّة؛ لأنّ التخلية مقدّمة على التّحلية، فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذنوب، والآثام. هذا؛ وتفيد الآية الكريمة: أنّ المطلوب بالتوبة أمران: أحدهما الأمن من العقاب،
стр. 948
وإليه الإشارة بقوله جلّ ذكره: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ والثاني: إيصال الثواب، وإليه الإشارة بقوله تعالى شأنه: ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي..﴾. إلخ؛ أي: ذلك لهم ذخر لا يبخس، وأجر لا يوكس. ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ أي: ونعم ثواب المطيعين؛ أي: الجنة، وما فيها من النّعيم، والخير العميم.
تنبيه: لا يلزم من إعداد الجنّة للمتقين، والتائبين جزاء لهم ألا يدخلها المصرّون، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم ألا يدخلها غيرهم، بل المصرّون يدخلون الجنّة بعد أن يعذّبوا في نار الجحيم على حسب جرائمهم، ويدخل النّار من غير الكافرين عصاة المسلمين من الفاسدين، والظّالمين في هذه الدّنيا. وتنكير (﴿جَنّاتٌ﴾) على الأول يدلّ على أنّ ما لهم دون ممّا للمتّقين الموصوفين بتلك الصّفات المذكورة في الآية المتقدّمة، وكفاك فارقا بين القبيلتين: أنّه فصّل آيتهم، بأن بيّن: أنّهم محسنون، مستوجبون لمحبّة الله، وذلك؛ لأنّهم حافظوا على حدود الشرع، وتخطّوا التّخصّص بمكارمه. وفصّل آية هؤلاء بقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ؛﴾ لأنّ المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوّت على نفسه، وكم بين المحسن، والمتدارك، والمحبوب، والأجير! ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذا النّكتة. انتهى بيضاوي.
وفي هذا ردّ على الزّمخشري القائل: وفي هذه الآيات بيان قاطع: أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متّقون، وتائبون، ومصرّون، وأنّ الجنّة للمتّقين، والتّائبين منهم دون المصرّين.
ومن خالف في ذلك، فقد كابر عقله، وعاند ربّه. انتهى كشّاف. وقد صفعه ابن المنير-رحمه الله تعالى-صفعة ناعمة، ثمّ ذكر ما يلي:
روي: أنّ الله- -أوحى إلى موسى-﵇: «ما أقلّ حياء من يطمع بجنّتي بغير عمل؟! كيف أجود برحمتي على من بخل عليّ بطاعتي؟!» وعن شهر بن حوشب-رحمه الله تعالى-: طلب الجنّة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشّفاعة بلا سبب نوع من الغرور.
وارتجاء الرحمة ممّن لا يطاع حمق، وجهالة. وعن الحسن-﵁: يقول الله يوم القيامة: جوزوا الصّراط بعفوي، وادخلوا الجنّة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم. وعن رابعة البصريّة-﵂: أنها كانت تنشد، وفي كتاب أدب الدّنيا، والدّين: أن ذلك لأبي العتاهية الصّوفي: [البسيط]
ما بال دينك ترضى أن تدنّسه... وثوب دنياك مغسول من الدّنس
ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس
الإعراب: ﴿أُولئِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ ثان، والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. مغفرة: خبره، والجملة الاسمية في محلّ رفع خبر المبتدأ. هذا؛
стр. 949
وأجيز اعتبار: ﴿جَزاؤُهُمْ..﴾. بدلا من أولئك بدل الاشتمال، فيكون المصدر خبرا عنه، وذكرت في الآية رقم [٨٧] ضعفه، والجملة الاسمية: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ في محل رفع خبر: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ..﴾. إلخ على اعتباره مبتدأ على وجه من ذكره، كما يجوز اعتباره في محل رفع خبر:
(﴿الَّذِينَ إِذا..﴾.) إلخ على اعتباره مبتدأ، وغير معطوف على سابقه، أو هي مستأنفة لا محل لها من الإعراب بالإعراض عن الكلام السّابق. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان ب ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ أو بمحذوف صفة مقدّرة له. ﴿وَجَنّاتٌ:﴾ معطوف على: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما، و «ها» في محلّ جرّ بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل جر صفة: (﴿جَنّاتٌ﴾). ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من الضمير المجرور محلاّ بالإضافة، وذكرت لك فيما مضى صحّة مجيء الحال من المضاف إليه، وفاعله مستتر فيه. وقال مكي: حال من: ﴿أُولئِكَ﴾ ولا وجه له البتة. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿وَنِعْمَ﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿نِعْمَ﴾): فعل ماض جامد دالّ على إنشاء المدح. ﴿أَجْرُ:﴾ فاعله، وهو مضاف، و ﴿الْعامِلِينَ﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرّه الياء... إلخ من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، التقدير: ونعم أجر العاملين؛ الّذي ذكر، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾
الشرح: ﴿قَدْ خَلَتْ:﴾ مضت، وذهبت. وإعلاله مثل إعلال: «بدا» في الآية رقم [١١٨].
﴿سُنَنٌ:﴾ وقائع سنّها الله في الأمم التي كذبت رسلها؛ حيث أهلكها الله بسبب مخالفتها للأنبياء. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ الخطاب للمؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد، ففيه تسلية لهم على ما أصابهم من الحزن، والكآبة في هزيمة غزوة أحد. وهذا رجوع لتفصيل بقية قصّة أحد، بعد تمهيد مبادئ الرّشد، والصلاح، وأوّلها الآية رقم [١٢١]: فقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا﴾ إلى هذه الآية اعتراض في خلال القصّة الواحدة. وخذ قول الشاعر، من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها... فأوّل راض سنّة من يسيرها
والسّنّة: الإمام المتّبع المؤتمّ به. قال لبيد-﵁-في معلّقته: [الكامل]
من معشر سنّت لهم آباؤهم... ولكلّ قوم سنّة وإمامها
والسّنة: الأمّة، والسّنن: الأمم. قاله المفضل، وأنشد: [البسيط]
ما عاين النّاس من فضل كفضلهم... ولا رأوا مثلهم في سالف السّنن
стр. 950
هذا؛ والسّنة بمعنى: الشّريعة، والطّريقة، تكون حسنة، إن كانت في الخير، وتكون سيّئة إن كانت في الشرّ. وخذ ما يلي: عن النّبيّ ﷺ قال: «من سنّ خيرا، فاستنّ به؛ كان له أجره، ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا. ومن سنّ شرّا، فاستنّ به، كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئا». رواه الإمام أحمد، والحاكم عن حذيفة-﵁-ورواه مسلم، وابن ماجة، والترمذيّ عن جرير بن عبد الله البجلي بأطول من هذا.
﴿فَسِيرُوا:﴾ هذا الأمر لصحابة رسول الله ﷺ لينظروا، ويعتبروا بأحوال الأمم الماضية.
وفيه ردع، وزجر للكافرين المكذّبين بأنّ الله سيهلكهم، كما أهلك من قبلهم؛ لأنّ الكافر إذا تأمّل أحوال الكفار المهلكين تأمّل اعتبار؛ صار ذلك داعيا إلى الإيمان، والكف عن كثير من طغيانه، وجبروته؛ لأن النّظر إلى آثار المتقدّمين له أثر في النفس الكاملة، كما قيل: [الخفيف]
إنّ آثارنا تدلّ علينا... فانظروا بعدنا إلى الآثار
هذا؛ وعاقبه كلّ شيء آخره، ونتيجته، ومصيره، ومآله. ولم يؤنّث الفعل: ﴿كانَ﴾ لأنّ عاقبة مؤنث مجازي، وما كان منه يستوي فيه التذكير، والتأنيث، أو لأن عاقبة اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهو مصدر مثل: «العافية» ... إلخ.
بعد هذا: فإنّي ألفت النظر إلى أنّه تعالى، قال هنا: ﴿فَانْظُروا﴾ بعد الأمر بالسّير في الأرض، وقال جلّ ذكره في الآية رقم [١١] من سورة (الأنعام): ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ والفرق بينهما:
أنّ النظر جعل مسببا عن السّير، فكأنه قيل: سيروا؛ لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السّير هناك: إباحة السّير في الأرض للتّجارة، وغيرها، وإيجاب النّظر في آثار الهالكين، ونبّه على ذلك ب (ثم) التي هي للتراخي لتباعد ما بين الواجب، والمباح. انتهى.
الإعراب: ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرّب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث الساكنة. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجوز تعليقهما بمحذوف حال من: ﴿سُنَنٌ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا على القاعدة: نعت النكرة... إلخ، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿سُنَنٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿فَسِيرُوا:﴾ الفاء: هي الفصيحة؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدّر، التقدير: إنّ شككتم في ذلك ﴿فَسِيرُوا﴾. (سيروا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية في محلّ جزم جواب للشّرط المقدّر: «إن».
﴿فَانْظُروا:﴾ الفاء: حرف عطف. (انظروا): مثل سابقه في إعرابه، والجملة الفعلية معطوفة على سابقتها. ﴿كَيْفَ:﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم عليها وعلى اسمها. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ:﴾ اسم ﴿كانَ،﴾ وهو مضاف،
стр. 951
و ﴿الْمُكَذِّبِينَ:﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وجملة: ﴿كَيْفَ كانَ..﴾. إلخ في محل نصب مفعول به للفعل قبلهما المعلّق عن العمل لفظا بسبب الاستفهام.
﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾
الشرح: ﴿هذا:﴾ الإشارة إلى القرآن، أو إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ..﴾. إلخ، أو إلى ما ذكر من أحوال المتقين، والتّائبين. هذا؛ والبيان: الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة، بعد أن كانت حاصلة. والهدى: بيان طريق الرّشد المأمور بسلوكه دون طريق الغيّ. والموعظة: هي الكلام الذي يفيد الزّجر عمّا لا ينبغي في طريق الدّين، وإنّما خصّ المتّقين بالهدى، والموعظة؛ لأنّهم هم المنتفعون بهما دون غيرهم. انتهى خازن بتصرّف. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿هذا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له (ذا) اسم إشارة مبنيّ على السّكون في محل رفع مبتدأ. ﴿بَيانٌ:﴾ خبره. ﴿لِلنّاسِ:﴾ متعلقان ب ﴿بَيانٌ﴾ لأنّه مصدر، أو بمحذوف صفة له. ﴿وَهُدىً:﴾ معطوف على ﴿بَيانٌ﴾ مرفوع مثله، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والألف الثابتة دليل عليها، وليست عينها. ﴿وَمَوْعِظَةٌ:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿لِلْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب (﴿مَوْعِظَةٌ﴾) أو بمحذوف صفة لها، وحذف متعلق (﴿هُدىً﴾) لدلالة متعلق (﴿مَوْعِظَةٌ﴾) عليه، أو هو من باب التنازع. والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها.
﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة يوم أحد حين أمر رسول الله ﷺ أصحابه بطلب المشركين مع ما أصابهم من الجراح، والقتل، وكان قد قتل من الأنصار سبعون رجلا، ومن المهاجرين خمسة رجال، منهم: الحمزة، ﵃ أجمعين. ومعنى الآية: لا تضعفوا عن الجهاد، ولا تجزعوا على من قتل منكم؛ لأنهم في الجنّة. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ يعني: بالعزة، والنّصر، والغلبة عليهم.
قال ابن عباس-﵄: انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشّعب، فأقبل خالد ﷺ في خيل المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ لا يعلوه علينا، اللهمّ لا قوّة لنا إلاّ بك» فثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين؛ حتّى انهزموا، وعلا المسلمون الجبل. وقيل: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ؛﴾ لأنّ حالكم خير من حالهم؛ لأنّ قتلاكم في الجنّة، وقتلاهم في النّار، وأنتم تقاتلون على الحقّ، وهم يقاتلون على الباطل، ولأنّ العاقبة الحسنة لكم بالظفر، والنصر عليهم. وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة؛ لأنّه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، فقد قال لموسى-على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-:
стр. 952
﴿قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ وقال لهذه الأمة: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ مصدّقين بوعد الله، فلا تهنوا، ولا تحزنوا. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَهِنُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية معطوفة في المعنى على قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَلا تَحْزَنُوا:﴾ معطوفة على ما قبلها، وإعرابها مثلها. ﴿وَأَنْتُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمُ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿الْأَعْلَوْنَ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محلّ نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ:﴾ انظر إعراب مثلها في الآية رقم [١١٨] وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. انظر الشرح.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (١٤٠)﴾
الشرح: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٠]، ﴿قَرْحٌ:﴾ يقرأ بفتح القاف، وضمها، وهما لغتان، كالضّعف، والضّعف. وقيل: بالفتح: الجراح، وبالضّمّ: ألمها. ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ..﴾. أي: فقد أصاب الكفار أعداءكم قريب من ذلك من قتل، وجراح. قال تعالى في سورة (النّساء) رقم [١٠٤]: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ..﴾. إلخ. ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ:﴾ نصرفها بين الناس من فرح، وحزن، وصحّة، وسقم، وغنى، وفقر، واجتماع، وفرقة، كما قال الشاعر: [الطويل]
ثمانية للمرء لا بدّ منهم... وكلّ امرئ لا بدّ له من ثمانيه
سرور وحزن واجتماع وفرقة... عسر ويسر ثم سقم وعافيه
والدّولة: الكرّة، قال النّمر بن تولب الصّحابي-﵁-وهو الشاهد رقم [٢٠٩]:
من كتابنا: «فتح ربّ البرية» -: [المتقارب]
فيوم علينا ويوم لنا... ويوم نساء ويوم نسرّ
والمداولة: مثل المعاورة، قال الشاعر: [الكامل]
فلأهدينّ مع الرّياح قصيدة... منّي محيّرة إلى القعقاع
ترد المياه فلا تزال مداولا... في النّاس بين تمثّل وسماع
стр. 953
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ليظهر الله للناس إيمان الذين آمنوا، ويميّزهم من غيرهم، فهو سبحانه عليم بالناس، وأعمالهم، وأقوالهم، ونيّاتهم قبل أن يخلقوا وبعد أن خلقوا. فالعلم هنا بمعنى الظّهور، والتمييز. ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ أي: وليكرم قوما بالشهادة، من أراد أن يكرمهم بها، وذلك؛ لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنّون لقاء العدو، وأن يكون لهم يوم كيوم بدر، فيقاتلون العدوّ، ويلتمسون فيه الشهادة، ﴿شُهَداءَ..﴾. جمع: شهيد، سمّي بذلك؛ لأنّه مشهود له بالجنّة. والشهيد بمعنى الشّاهد؛ أي: الحاضر للجنّة. والشّهادة فضلها عظيم، ويكفيك في بيان فضلها قوله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١١١]: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ..﴾.
إلخ، وقوله تعالى في سورة (الصف): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ..﴾. إلخ.
هذا؛ وقال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-في هذه الآية دليل على أنّ الإرادة غير الأمر، كما يقوله أهل السنّة، فإنّ الله نهى الكفار عن قتل المؤمنين؛ حمزة، وأصحابه؛ وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشّجرة، وأراده، فواقعه آدم، وعكسه: أنّه أمر إبليس بالسّجود لآدم، ولم يرده، فامتنع، وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق في سورة (التوبة): ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنّه-جلّ ذكره-خلق الكسل، والأسباب القاطعة عن المسير، فقعدوا. انتهى.
﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ:﴾ تقدّم معنى محبة الله، وعدم محبته لعباده، وانظر شرح: ﴿الْأَيّامُ﴾ في الآية رقم [٢٥].
الإعراب: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَمْسَسْكُمْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والكاف مفعوله. ﴿قَرْحٌ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿مَسَّ:﴾ فعل ماض. ﴿الْقَوْمَ:﴾ مفعول به. ﴿قَرْحٌ﴾ فاعله. ﴿مِثْلُهُ... :﴾ صفته، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط فيما يظهر، وعند التأمل يتبيّن لك: أنّ الجواب محذوف، التقدير: إن يمسسكم قرح؛ فلا تحزنوا، أو: فتأسّوا. وعليه فجملة:
﴿فَقَدْ مَسَّ..﴾. إلخ تعليل للجواب المحذوف، و ﴿إِنْ﴾ ومدخولها كلام مستأنف، لا محلّ له.
﴿وَتِلْكَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿تِلْكَ﴾): اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محلّ له. ﴿الْأَيّامُ:﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عليه. ﴿نُداوِلُها:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: نحن، و (ها): مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ وجوز اعتبار: ﴿الْأَيّامُ﴾ خبر المبتدأ. وعليه فالجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿بَيْنَ:﴾ ظرف مكان متعلّق بالفعل قبله، و ﴿بَيْنَ﴾ مضاف، و ﴿النّاسِ﴾ مضاف إليه.
стр. 954
﴿وَلِيَعْلَمَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِيَعْلَمَ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور معطوفان على علة محذوفة، التقدير: نداولها بين الناس ليكون كذا، وكذا، وليظهر الله الذين آمنوا للنّاس. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محلّ لها. ﴿وَيَتَّخِذَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَتَّخِذَ﴾): فعل مضارع معطوف على (﴿يَعْلَمِ﴾) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾.
﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شُهَداءَ﴾ كان صفة له، فلما قدّم عليه؛ صار حالا... إلخ. ﴿شُهَداءَ:﴾ مفعول به.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو حرف استئناف، واعتراض. «الله»: مبتدأ. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى (﴿اللهُ﴾). ﴿الظّالِمِينَ... :﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الياء
إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، وهو أولى من اعتبارها حالا من فاعل (﴿يَتَّخِذَ﴾) المستتر، وعند ما تعلم: أنّ ﴿وَلِيُمَحِّصَ..﴾. إلخ معطوف على الكلام السابق؛ يتبيّن لك: أنّها معترضة لا محلّ لها.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)﴾
الشرح: ﴿وَلِيُمَحِّصَ..﴾. إلخ: ليطهّرهم، ويصفّيهم من الذنوب؛ إن كانت الدّولة عليهم، والتمحيص: التنقية، والإزالة. ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ:﴾ يهلكهم؛ إن كانت الغلبة عليهم. ومعنى الآية: إن قتلكم الكافرون؛ فهو شهادة لكم، وتطهير من الذنوب، والسّيئات، وإن قتلتموهم أنتم؛ فهو محقهم، واستئصالهم، ومحو آثارهم.
الإعراب: ﴿وَلِيُمَحِّصَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِيُمَحِّصَ﴾): إعرابه مثل إعراب: (﴿لِيَعْلَمَ﴾) والجار والمجرور معطوفان عليه أيضا. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة:
﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلته. ﴿وَيَمْحَقَ:﴾ فعل مضارع معطوف على (يمحص) منصوب مثله، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢)﴾
الشرح: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ..﴾. إلخ. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى: «بل» وقيل: الميم زائدة، ويبقى الاستفهام للتوبيخ، والإنكار. وانظر شرح (يحسب) في الآية رقم [٢٧٣]: من سورة (البقرة)، والمعنى: لا تظنوا أيّها المؤمنون أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامتي، وثوابي. ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ﴾
стр. 955
﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ:﴾ قال الإمام فخر الدّين الرازي-رحمه الله تعالى-: ظاهر الآية يدلّ على وقوع النفي عن العلم، والمراد وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولمّا يصدر الجهاد عنكم، وتقديره: أنّ العلم متعلّق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة؛ لا جرم حسن إقامة كلّ واحد منهما مقام الآخر. وقال الواحدي-رحمه الله تعالى- النفي في الآية واقع على العلم، والمعنى على الجهاد دون العلم، وذلك لما فيه من الإيجاز في انتفاء جهاد لو كان؛ لعلمه، والتقدير: ولمّا يكن المعلوم من الجهاد، الذي أوجب عليكم.
فجرى النفي على العلم للإيجاز على سبيل التوسّع في الكلام؛ إذ المعنى مفهوم من غير إخلال.
وقال الزجّاج-رحمه الله تعالى-: المعنى: ولما يقع العلم بالجهاد، والعلم بصبر الصابرين، أي: ولمّا يعلم الله ذلك واقعا منكم؛ لأنّه يعلمه غيبا، وإنّما يجازيهم على عملهم. انتهى خازن بحروفه.
﴿وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ يعني: في الحرب، وعلى ما نالهم في ذات الله من جراح، وألم، ومكروه. وفي هذه الآية معاتبة لمن انهزم يوم أحد، والمعنى: أم حسبتم أيها المنهزمون يوم أحد أن تدخلوا الجنّة كما دخلها الّذين قتلوا، وبذلوا مهجهم لربّهم، ، وصبروا على ألم الجراح، والطعن، وثبتوا لعدوّهم من غير أن تسلكوا طريقهم، وتصبروا صبرهم. انتهى خازن. وانظر سبب نزول الآية رقم [٢١٤] من سورة (البقرة) فهو شبيه بما هنا.
تنبيه: لعلّك تدرك معي: أنّ في الآيات التفاتا كثيرا من الخطاب إلى الغيبة، ثم إلى الخطاب، ثم إلى التكلّم، ثمّ إلى الغيبة، ثم إلى الخطاب، ثمّ إلى الغيبة، ثمّ إلى الخطاب، استخرج ذلك بنفسك، وانظر شرح الالتفات الآية رقم [٥٦]. والله ولي التوفيق.
الإعراب: ﴿أَمْ:﴾ حرف عطف. وهي بمعنى «بل» التي للإضراب. ﴿حَسِبْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تَدْخُلُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤوّل منهما في محل نصب سدّ مسدّ مفعولي: ﴿حَسِبْتُمْ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿الْجَنَّةَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية عند بعض النّحاة، وفي مقدّمتهم سيبويه، والمحقّقون، وعلى رأسهم الأخفش ينصبونه على التوسّع في الكلام بإسقاط الخافض، لا على الظّرفية، فهو منتصب عندهم انتصاب المفعول به على السّعة، بإجراء اللازم مجرى المتعدّي، ومثل ذلك قل في: (دخلت المدينة، ونزلت البلد، وسكنت الشّام)، وأيضا قوله تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ وهذا إذا كان الفعل ثلاثيّا، وأما إذا كان رباعيّا بأن دخلت عليه همزة التعدية، ونصب مفعولين؛ فإنه يقال في المفعول ما ذكر في مفعول الثلاثي، والمفعول الأول يكون صريحا، مثل: أدخلت خالدا البيت.
стр. 956
﴿وَلَمّا:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَمّا﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَعْلَمِ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمّا﴾) وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين، هذا وقرئ بالفتحة شاذّا على أنّ أصله: («يعلمن») فحذفت نون التوكيد الخفيفة، وبقيت الفتحة قبلها، وعليه فهو مبني على الفتح في محلّ جزم، وتوكيد المضارع بعد «لمّا» شاذ، لذا قلت: فالقراءة شاذة. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعوله.
وجملة: ﴿جاهَدُوا مِنْكُمْ..﴾. صلة الموصول، لا محلّ لها، وجملة: ﴿وَلَمّا يَعْلَمِ..﴾. إلخ في محل نصب حال من تاء الفاعل، أو من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير المجرور محلاّ ب (من) ﴿وَيَعْلَمَ:﴾ الواو: واو المعية. (﴿يَعْلَمِ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد الواو، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ﴾ و «أن» المضمرة، والفعل المضارع في تأويل مصدر معطوف بالواو على مصدر متصيّد من الفعل السّابق، التقدير: ولمّا يحصل علم الله بالذين جاهدوا، وعلمه بالصّابرين. هذا؛ ويقرأ الفعل بالرفع. فتكون الواو للحال، ولا يسوغ هذا إلا على إضمار مبتدأ قبله، فتكون الجملة الاسمية، كأنّه قال: ولمّا تجاهدوا؛ وأنتم صابرون. ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مفعول به، ولا تنس:
أنّ الفعل (﴿يَعْلَمِ﴾) من المعرفة، لا من العلم اليقيني. انظر الآية رقم [٢٩].
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ..﴾. إلخ: هذا خطاب خوطب به الّذين لم يشهدوا بدرا، وكانوا يتمنّون أن يحضروا مشهدا مع رسول الله ﷺ ؛ لينالوا كرامة الشّهادة، وهم الذين ألحوا على رسول الله ﷺ في الخروج من المدينة إلى أحد، وكان رأيه الإقامة فيها. والمعنى: وكنتم تمنّون الموت قبل أن تشاهدوه، وتعرفوا شدّته، فقد رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم، وشارفتم أن تقتلوا معهم. وهذا توبيخ لهم على ما تسبّبوا له من خروج رسول الله ﷺ بإلحاحهم عليه، ثمّ انهزموا عنه، وإنّما تمنّوا الشّهادة؛ لينالوا كرامة الشّهداء من غير قصد إلى ما يتضمّنه من غلبة الكفّار. ولقد قال عبد الله بن رواحة-﵁-حين نهض إلى مؤتة. وقيل له:
ردّكم الله سالمين غانمين! [البسيط]
لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة... وضربة ذات فرغ (١) تقذف الزّبدا
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتّى يقال إذا مرّوا على جدثي... أرشده الله من غاز وقد رشدا
بعد هذا؛ فجملة: (أنتم تنتظرون) مؤكدة لما قبلها؛ لأنّ الرؤية، والنظر بمعنى واحد، وانظر شرح الموت في الآية رقم [٩٠]. و ﴿تَمَنَّوْنَ﴾ أصله: «تتمنون» فحذفت إحدى التاءين. وهذا الحذف
стр. 957
كثير في كتاب الله، وفي الكلام العربيّ. هذا؛ والتمنّي: طلب الشيء البعيد حصوله بخلاف الترجيّ، فإنّه طلب الشيء الممكن حصوله. وتمنّى الشيء: أحبه، ورغب فيه، ويأتي «تمنّى» بمعنى: قرأ، قيل به في قوله تعالى في سورة (الحجّ) رقم [٥٢]: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: إذا تلا؛ ألقى الشيطان في تلاوته. انظر شرحها هناك، فإنّه جيد، والحمد لله! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان-﵁: [الطويل]
تمنّى كتاب الله آخر ليلة... تمنّي داود الزّبور على رسل
وقال كعب بن مالك-﵁-فيه أيضا: [الطويل]
تمنّى كتاب الله أوّل ليله... وآخره لاقى حمام المقادر
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ﴾ انظر الآية رقم [١٢٣]. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿تَمَنَّوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله.
﴿الْمَوْتَ:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب خبر: ﴿كُنْتُمْ،﴾ والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم، وجوابه كلام مستأنف، لا محلّ له. ﴿مِنْ قَبْلِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَلْقَوْهُ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» وعلامة نصبه حذف النّون، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والمصدر المؤول من: ﴿أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ في محل جر بإضافة: ﴿قَبْلِ﴾ إليه. هذا؛ ويقرأ شاذّا بضم لام (﴿قَبْلِ﴾) بقطعه عن الإضافة، فيكون المصدر المؤول في محل نصب بدل اشتمال من: ﴿الْمَوْتَ﴾ فيكون التقدير: تمنّون الموت لقاءه.
﴿فَقَدْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (قد): حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿رَأَيْتُمُوهُ..﴾. فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعله، والميم علامة جمع الذكور، وحرّكت بالضم لتحسين اللفظ، فتولّدت واو الإشباع، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿كُنْتُمْ..﴾. إلخ لا محل لها مثلها. ﴿وَأَنْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿أَنْتُمْ﴾): ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿تَنْظُرُونَ:﴾ فعل مضارع وفاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من تاء الفاعل، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ (١٤٤)﴾
الشرح: نزلت الآية الكريمة، وما بعدها بسبب انهزام المسلمين يوم أحد، وكان ذلك لمّا رمى عبد الله بن قمئة الحارثي-لعنه الله تعالى-رسول الله ﷺ بحجر، فكسر رباعيّته، وشجّ
стр. 958
وجهه، وأقبل يريد قتله، فذبّ عن النبي ﷺ مصعب بن عمير-﵁، وهو صاحب الراية يوم بدر، ويوم أحد؛ حتّى قتله ابن قمئة، وهو يرى: أنّه رسول الله ﷺ ، فقال: قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ: ألا إنّ محمدا قد قتل! وقيل: كان الصارخ الشّيطان، ففشا في الناس خبر قتله ﷺ فانكفا، فجعل الرسول ﷺ يدعو: إليّ عباد الله! حتّى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا: يا رسول الله! فديناك بآبائنا، وأمهاتنا! أتانا خبر قتلك، فرعبت قلوبنا، فولّينا مدبرين! فنزلت.
وروي: أنه لما صرخ الصّارخ؛ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان! وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيّا؛ لما قتل! ارجعوا إلى إخوانكم، وإلى دينكم.
فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك-﵁: يا قوم! إن كان محمد قتل؛ فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟! فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء! وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء! ثم شدّ بسيفه، فقاتل حتّى قتل-﵁، وأرضاه!
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ..﴾. إلخ؛ أي: محمد ﷺ من جملة الرّسل؛ الذين مضوا قبله، فكما ثبت أتباعهم على دينهم، فأثبتوا أنتم على دينكم بعد موته؛ لأنّ المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرّسالة، وإلزام الحجّة، لا وجوده بين أظهر قومه. ﴿أَفَإِنْ ماتَ﴾ محمد ﷺ : ﴿أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أي: رجعتم إلى دينكم الأول؟! ففيه استعارة تصريحية بالفعل، وذكرت في قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [١٤٣]: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أنها استعارة تمثيلية؛ حيث مثّل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. ومثله قوله تعالى في سورة (الأنفال): ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾.
هذا؛ والأعقاب: جمع عقب، وهو مؤخر الرّجل، وتثنيته: عقبان. قال الرسول ﷺ في حقّ الذين لا يغسلون الأعقاب في الوضوء جيدا: «ويل للأعقاب من النّار!». ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ:﴾ يرجع عن الإسلام. ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً﴾ وإنما يضرّ نفسه بتعريضها للسخط، والعذاب، والانتقام. ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ..﴾. أي: يثبّت الله المطيعين؛ الذين ثبتوا على الإيمان، ولم يرتدّ عن الإسلام. وهذه الجملة بعد سابقتها فيها اتصال الوعد بالوعيد.
ورحم الله القرطبي؛ إذ يقول: هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصدّيق، وجراءته، فإنّ الشّجاعة، والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ ﷺ ، كما هو معروف، فظهرت عنده شجاعته، وعلمه، فإن المسلمين اضطربوا عند موت النبي ﷺ ، وهاجوا، وماجوا، منهم عمر-﵁-حيث طار صوابه، وأخذ يقول: من قال:
إنّ محمدا قد مات؛ قطعت رأسه بهذا السّيف! وعثمان-﵁-قد أقعد، وعليّ
стр. 959
-كرم الله وجهه-قد أخرس، واضطرب الأمر، فكشفه الصدّيق-﵁، ولعن مبغضيه- بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسّنح... الحديث كما في البخاري، رحمه الله تعالى.
وفي سنن ابن ماجة-رحمه الله تعالى-عن عائشة-﵂-قالت: لمّا قبض رسول الله ﷺ ، وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبيّ ﷺ ، إنّما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي، فجاء أبو بكر-﵁، فكشف عن وجه النّبيّ ﷺ ، وقبّله بين عينيه، وقال: أنت أكرم على الله أن يميتك مرّتين. قد مات والله رسول الله ﷺ ! وعمر في ناحية المسجد يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ ، ولا يموت؛ حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين، وأرجلهم! فقام أبو بكر-﵁، ولعن الله مبغضيه-فصعد المنبر. فقال: من كان يعبد الله؛ فإن الله حيّ لا يموت، ومن كان يعبد محمّدا؛ فإنّ محمدا قد مات! وتلا الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها فقال عمر-﵁، ولعن الله مبغضيه أيضا-: والله لكأني ما قرأت هذه الآية إلا يومئذ! وتلا الصدّيق قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ..﴾. إلخ، كما تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾.
فعن أنس-﵁-قال: لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء فلمّا كان اليوم الذي مات فيه؛ أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن النبي ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجة.
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾): نافية مهملة. ﴿مُحَمَّدٌ:﴾ مبتدأ. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر ﴿رَسُولٌ:﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿خَلَتْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث التي هي حرف لا محلّ له. ﴿مِنْ قَبْلِهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿الرُّسُلُ:﴾ فاعل: ﴿خَلَتْ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع صفة رسول.
﴿أَفَإِنْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام إنكاري توبيخي. الفاء: حرف عطف، أو: حرف استئناف. (إن): حرف شرط جازم. ﴿ماتَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محلّ جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى: ﴿مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ ، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿قُتِلَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول معطوف على ما قبله، فهو في محل جزم مثله، ونائب الفاعل يعود إلى: ﴿مُحَمَّدٌ﴾ ﷺ أيضا.
﴿اِنْقَلَبْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني على السكون في محل جزم جواب الشرط، والتاء فاعله، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشّرط، ولم تقترن بالفاء ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ... :﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من تاء الفاعل، والتقدير:
انقلبتم مرتدّين على أعقابكم، والكلام: ﴿أَفَإِنْ..﴾. إلخ جملة مستأنفة، لا محلّ لها.
стр. 960
﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً:﴾ انظر إعراب مثله في الآية التالية. ﴿عَلى عَقِبَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلّقان بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْقَلِبْ﴾ أي: مرتدّا على عقبيه، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنّه مثنّى، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جرّ بالإضافة، و ﴿شَيْئاً..﴾. نائب مفعول مطلق، والجملة الاسمية:
﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محلّ لها.
﴿وَسَيَجْزِي:﴾ الواو: حرف استئناف. السين: حرف تنفيس، واستقبال. (يجزي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثّقل. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿الشّاكِرِينَ:﴾
مفعول به... إلخ، والجملة الفعلية لا محلّ لها مستأنفة.
﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ (١٤٥)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ: انظر الآية رقم [٧٩] والمعنى: لا يصح، ولا يكون لنفس الموت إلا بأمر الله تعالى، وقضائه، وقدره، وعلمه، وذلك: أنّ الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح، فلا يموت أحد إلا بإذن الله تعالى، وأمره. والمراد من الآية: تحريض المؤمنين على الجهاد، وتشجيعهم على لقاء العدو بإعلامهم بأنّ الجبن لا ينفع، وأن الحذر لا يدفع المقدور، وأنّ أحدا لا يموت قبل أجله؛ وإن خاض المهالك، واقتحم المعارك، كقوله تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣٤]: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً:﴾ أي: مؤقتا، له أجل معلوم، لا يتقدّم، ولا يتأخّر، والمراد ب ﴿كِتاباً:﴾
اللّوح المحفوظ؛ لأنّ فيه آجال جميع الخلائق. قال تعالى في سورة (فاطر) رقم [١١]: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ والمعتزلي يقول: يتقدّم الأجل، ويتأخر، وأن من قتل فإنّما يهلك قبل أجله، وكذلك: كلّما ذبح حيوان؛ كان هلاكه قبل أجله؛ لأنّه وجب على القاتل الضّمان، والدّية، وقد ردّ عليهم اللّقاني-رحمه الله تعالى بقوله: [الرجز]
وميّت بعمره من يقتل... وغير هذا باطل لا يقبل
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي: من يرد بعمله، وطاعته الدّنيا، ويعمل لها؛ نؤته منها ما يكون جزاء، والمعنى نؤته منها ما نشاء على ما قدّرناه له. نزلت في الذين تركوا الجبل يوم أحد، وطلبوا الغنيمة. قال تعالى في سورة (الإسراء): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي: نؤته جزاء عمله على ما وصف الله تعالى من تضعيف لمن يشاء، والمراد بهم: الّذين ثبتوا من الرّماة على الجبل. قال تعالى في سورة (الشورى): ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
стр. 961
﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ:﴾ المؤمنين المطيعين؛ الذين لم يشغلهم شيء عن الجهاد، ولم يريدوا بأعمالهم إلا الله، والدار الآخرة. هذا؛ و (نجزي) من الجزاء، والمجازاة، وهي المكافأة على عمل ما، تكون في الخير، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾. وتكون في الشر، قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فقد أراد جزاء الشرّ. والجزاء من جنس العمل، إن خيرا؛ فخير، وإن شرّا؛ فشرّ. والفعل منه ينصب مفعولين، تقول: جزى زيد عمرا خيرا. وانظر الشّكر في الآية رقم [١٢٣]. هذا؛ و «الشّكور» اسم من أسماء الله الحسنى ويفسّر بحقه تعالى بالّذي يعطي على العمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة. وخذ ما يلي: فعن عمر-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه». متفق عليه.
وعن زيد بن ثابت-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدّنيا همّه؛ فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدّنيا إلاّ ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيّته؛ جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدّنيا؛ وهي راغمة».
رواه ابن ماجة، والطّبرانيّ باختلاف في بعض ألفاظه. ومثل هذا كثير في: «التّرغيب والترهيب».
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿ما﴾) نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿لِنَفْسٍ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ تقدّم على اسمها. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿تَمُوتَ:﴾ منصوب ب «أن» والفاعل يعود إلى (نفس) والمصدر المؤول من:
﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ في محل رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر. ﴿بِإِذْنِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من فاعل ﴿تَمُوتَ﴾ المستتر، التقدير: أن تموت إلا مأذونا لها. هذا وجوز اعتبارهما متعلقين بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ وعليه يكون: ﴿لِنَفْسٍ﴾ متعلقين ب ﴿كانَ﴾. و (إذن) مضاف ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿كِتاباً﴾ مفعول مطلق، عامله محذوف، التقدير: كتب كتابا، والجملة الفعلية هذه في محل نصب حال أيضا، وهي على تقدير «قد» قبلها. ﴿مُؤَجَّلاً:﴾ صفة:
﴿كِتاباً..﴾. والجملة الفعلية: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ مستأنفة.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿مَنْ﴾): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُرِدْ:﴾ فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (﴿مَنْ﴾). ﴿ثَوابَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف و ﴿الدُّنْيا:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف للتعذر.
﴿نُؤْتِهِ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة، وهو الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والفاعل مستتر وجوبا تقديره: نحن، والهاء مفعول به. ﴿مِنْها:﴾
стр. 962
جار ومجرور متعلقان به، وهما في محل نصب مفعوله الثاني، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو (﴿مَنْ﴾) مختلف فيه. فقيل: جملة الشرط. وقيل: هو جملة الجواب. وقيل: الجملتان. وهو المرجّح لدى المعاصرين، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق بينهما. ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ:﴾ انظر الآية السابقة، فإعرابها مثلها.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ (١٤٦)﴾
الشرح: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: وكثير من الأنبياء قاتل معهم جماعات كثيرون، فأصابهم من أعدائهم قروح، وجراحات. ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ﴾ بل استمروا على جهادهم أعداءهم؛ لأنّ الذي أصابهم إنّما هو في سبيل الله، وطاعته. وإقامة دينه، ونصرة نبيه، فكان ينبغي لكم أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد! وحجّة هذه القراءة ما روي عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: أنه قال: ما سمعنا أن نبيّا قتل في القتال، وعلى هذه القراءة فالوقف على ﴿قاتَلَ﴾ جائز. هذا؛ ويقرأ: («قتل») بالبناء للمجهول، ففيه أوجه: أحدها: أن يكون القتل راجعا على النبيّ وحده. والوجه الثاني: أنّ القتل نال النبيّ، ومن معه من الربّيّين، ويكون المراد البعض، فيكون المعنى: وكأين من نبيّ قتل، وبعض من كان معه، فما ضعف الباقون لقتل من قتل من إخوانهم. والوجه الثالث أن يكون القتل نال الربّيّين لا النبيّ. والمعنى: وكأين من نبيّ قتل من كان معه، وعلى دينه من الربّيّين. والقراءة الأولى أقوى.
هذا؛ و (الرّبيّون): قال ابن عباس-﵄: جموع كثيرة. وقيل: هم فقهاء علماء. وقيل: هم الأتباع. ويقال: ربّيون بفتح الراء منسوب إلى الرّب. قال الخليل-رحمه الله تعالى-: الرّبّيّ: الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الرّبانيّون نسبوا إلى التألّه، والعبادة، ومعرفة الربوبية لله تعالى. وانظر شرح: ﴿رَبّانِيِّينَ﴾ في الآية رقم [٧٩].
﴿فَما وَهَنُوا:﴾ ضعفوا، وجبنوا. ﴿لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: من القتل، والجراح، وذهاب الأموال في سبيل إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه. ﴿وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا:﴾ خضعوا وذلّوا، وأصله: استكن من السّكون؛ لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده، والألف من إشباع الفتحة. أو أصله: استكون من الكون، فنقلت حركة الواو إلى الكاف؛ لأنّ الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلّة، ثم يقال: قلبت الواو ألفا لتحرّكها بحسب الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ:﴾ انظر المحبّة فيما تقدّم. وانظر «الصّبر» في آخر السّورة، والمراد هنا: الصّابرين في الجهاد، والمعنى: أنّ من صبر على تحمل الشّدائد في طلب
стр. 963
الآخرة، ولم يظهر الجزع، والعجز؛ فإنّ الله يحبّه، ومحبّة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه، وإعزازه، وإيصال الثواب له، وإدخاله الجنّة مع أوليائه، وأصفيائه.
بعد هذا: (﴿كَأَيِّنْ﴾) أصلها «أي» الاستفهامية، دخلت عليها كاف التشبيه، فصارت بمعنى «كم» الخبرية التكثيرية، وهي كناية عن عدد مبهم، مثل: كم، وكذا. وفيها خمس لغات، كلّها قرئ بها: إحداها: (﴿كَأَيِّنْ﴾) وهي الأصل، وبها قرأ الجماعة إلا ابن كثير، وقال الشاعر: [الوافر]
وكأيّن من أناس لم يزالوا... أخوهم فوقهم وهمو كرام
والثانية: كائن بوزن كاعن، وبها قرأ ابن كثير، وجماعة، وهي أكثر استعمالا من كأيّن، وإن كانت الأصل، وهو كثير في الشّعر العربي، مثل قول جرير-وهو الشّاهد رقم [٨٨٥]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [الوافر]
وكائن بالأباطح من صديق... يراني لو أصبت هو المصابا
وأيضا قول زهير-وهو الشاهد رقم [٩٦] من كتابنا: «فتح ربّ البريّة» -: [الطويل]
وكائن ترى من صامت لك معجب... زيادته أو نقصه في التّكلّم
والثالثة: كئين بوزن كريم. والرابعة: كيئن بياء ساكنة، وهمزة مكسورة، والخامسة: كأن بوزن: كفن. هذا؛ والجلال المحلّى اعتبر (﴿كَأَيِّنْ﴾) بسيطة غير مركبة، وأنّ آخرها نون من نفس الكلمة لا تنوين؛ لأن هذه الدّعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل-والشيخ رحمه الله تعالى- سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويّون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم، مع ما ينضمّ إلى ذلك من الفوائد، وتشحين الذّهن، وتمرينه. انتهى جمل بالإضافة إلى ما أضفته من شواهد شعرية.
الإعراب: ﴿وَكَأَيِّنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿كَأَيِّنْ﴾): اسم كناية بمعنى كثير مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ، وأجاز السّمين اعتباره مفعولا به لفعل محذوف يفسره المذكور بعده. ﴿مِنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿نَبِيٍّ:﴾ تمييز ل (﴿كَأَيِّنْ﴾) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدّرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿قاتَلَ:﴾ فعل ماض.
﴿مَعَهُ:﴾ ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿رِبِّيُّونَ:﴾ فاعل:
﴿قاتَلَ،﴾ أو هو نائب فاعل: (﴿قاتَلَ﴾) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض من التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.
هذا؛ وقيل: إنّ فاعل: ﴿قاتَلَ﴾ أو نائب فاعل (﴿قاتَلَ﴾) يعود إلى: ﴿نَبِيٍّ﴾ والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، ومعه: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم. و ﴿رِبِّيُّونَ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية هذه في محل نصب حال من الفاعل المستتر، أو من نائبه. كما قيل:
إن الجملة الفعلية في محل جر صفة: ﴿نَبِيٍّ،﴾ والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ.
стр. 964
وهنالك أقوال أخر ضعيفة ضربت عنها صفحا روما للاختصار. ﴿كَثِيرٌ﴾ صفة: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَكَأَيِّنْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿فَما:﴾ الفاء: حرف استئناف. (ما): نافية. ﴿وَهَنُوا:﴾ ماض وفاعله، والألف للتفريق.
﴿لِما:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة. ﴿أَصابَهُمْ:﴾
فعل ماض، والفاعل يعود إلى (ما) وهو العائد، أو الرابط، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها. ﴿فِي سَبِيلِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، وجملة: ﴿فَما وَهَنُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، وهو أولى من العطف على ما قبلها، والجملتان: ﴿وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا:﴾ معطوفتان عليها، لا محل لهما مثلها. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:
واو الحال. (﴿اللهِ﴾): مبتدأ. ﴿يُحِبُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى الله. ﴿الصّابِرِينَ:﴾ مفعول به منصوب... إلخ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو فقط، والحال بمعنى الظرف كما ذكرته في الآية رقم [٥٧] والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبل الجملة الاسمية.
﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧)﴾
الشرح: ﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ أي: قول الربّيّين الذين قاتلوا مع الأنبياء. ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا..﴾.
إلخ: أضافوا الذنوب، والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربّانيّين هضما لها، واستقصارا في العمل. والدّعاء بالاستغفار من الذنوب جعلوه مقدّما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب، والنصرة على العدوّ؛ ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاء، وطهارة، وخضوع أقرب إلى الاستجابة، ففيه تعريض بالمنهزمين يوم أحد. ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا:﴾ في مواطن الحرب؛ لكي لا تزول عند لقاء العدو، وذلك يكون بإزالة الخوف، والرّعب من قلوبهم. ﴿وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ:﴾ لأنّ النصر على الأعداء لا يكون إلا من عند الله. بيّن الله جلّت قدرته، وتعالت حكمته: أن الربّيّين كانوا مستعدّين عند لقاء العدو بالدّعاء، والتضرّع، وطلب الإعانة، والنّصر من الله تعالى. والغرض من ذلك أن يقتدي بهم في هذه الطريقة الحسنة أمّة محمّد ﷺ . وخذ ما يلي:
فعن أبي موسى الأشعري-﵁-عن النبي ﷺ : أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهمّ اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منّي». أخرجه مسلم. فالرّسول ﷺ منزّه عن الخطأ، والجهل، والإسراف في الأمر، فعلى المسلم أن يستعمل ما في كتاب الله، وصحيح السنة من الدّعاء، ويدع ما سواه، ولا يقول: أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه، وأوليائه، وعلّمهم كيف يدعون؟ وانظر: «الإسراف» في سورة (النساء) رقم [٦]
стр. 965
الإعراب: ﴿وَما:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ما﴾): نافية. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص.
﴿قَوْلَهُمْ:﴾ خبر كان مقدم. والهاء في محل جرّ بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿إِلاّ:﴾
حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب. ﴿قالُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق، و ﴿أَنْ﴾ والفعل: ﴿قالُوا﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم: ﴿كانَ﴾ مؤخر. هذا؛ ويقرأ برفع (﴿قَوْلَهُمْ﴾) على أنّه اسم كان، فيكون المصدر المؤول في محل نصب خبرها، ولهذا نظائر في كتاب الله كثيرة، وجملة: ﴿وَما كانَ..﴾. إلخ معطوفة على الجملة الفعلية السابقة لا محل لها مثلها، وعليه تكون الجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ معترضة بين المتعاطفتين، لا محلّ لها. ﴿رَبَّنَا:﴾ منادى حذف منه أداة النداء، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿اِغْفِرْ:﴾ فعل دعاء، وفاعله مستتر تقديره:
أنت. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿ذُنُوبَنا:﴾ مفعول به. ﴿وَإِسْرافَنا:﴾ معطوف على ما قبله، و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿فِي أَمْرِنا﴾ متعلقان بما قبلهما، و (نا) في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لفاعله. ﴿وَثَبِّتْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿ثَبِّتْ﴾): فعل دعاء، وفاعله: أنت. أقدامنا: مفعول به، (نا) في محل جرّ بالإضافة. (﴿اُنْصُرْنا﴾): فعل دعاء، وفاعله: أنت، و (نا) مفعول به. ﴿عَلَى الْقَوْمِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿الْكافِرِينَ:﴾ صفة:
﴿الْقَوْمِ﴾ مجرور مثله، والكلام: ﴿رَبَّنَا..﴾. إلخ كلّه في محل نصب مقول القول.
﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾
الشرح: ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا:﴾ أعطاهم الله، ومنحهم بسبب الاستغفار، واللّجوء في الشدائد إلى الله ثواب الدنيا من النّصر، والغنيمة، وقهر الأعداء، والثناء الجميل، وغفران الذنوب والخطايا. وحسن ثواب الآخرة؛ يعني: الجنة، وما فيها من النعيم المقيم. إنّما خص ثواب الآخرة بالحسن إجلالا له، وتنبيها على عظمته؛ لأنه غير زائل، ولم يشب بتنغيص، ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلّته؛ ولأنه سريع الزوال مع ما يشوبه من التنغيص، والأكدار، والهموم، والأحزان. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ انظر الآية رقم [١٣٤].
الإعراب: ﴿فَآتاهُمُ:﴾ الفاء: حرف عطف. (آتاهم): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والهاء مفعول به أول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ثَوابَ:﴾ مفعول به ثان، وهو مضاف، و ﴿الدُّنْيا﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر. ﴿وَحُسْنَ:﴾ معطوف على ﴿ثَوابَ﴾ وهو مضاف ﴿ثَوابَ:﴾ مضاف إليه، و ﴿ثَوابَ﴾ مضاف، و ﴿الْآخِرَةِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية: ﴿فَآتاهُمُ..﴾. إلخ معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها أيضا. ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ:﴾
انظر إعراب مثلها في الآية [١٤٦] وهي مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، لا محل لها.
стр. 966
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩)﴾
الشرح: قال عليّ-﵁: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة يوم أحد: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم. وعن الحسن البصري-رحمه الله تعالى-إن تستنصحوا اليهود، والنصارى، وتقبلوا منهم؛ لأنهم كانوا يستفزونهم، ويوقعون الشّبه في الدين، ويقولون: لو كان نبيّا؛ لما غلب، ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنّما هو رجل حاله كحال غيره من الناس، يوما له، ويوما عليه. وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان، وأصحابه، وتستأمنوهم. ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ إلى دينهم. وقيل: هو عامّ في جميع الكفار، وإن على المؤمنين أن يجانبوهم، ولا يطيعوهم في شيء، ولا ينزلوا على حكمهم، ولا على مشورتهم؛ حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وانظر الآية رقم [١٠٠]: فهي مثلها. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ:﴾ انظر الآية رقم [١٤٤]: وانظر ما ذكرته في النّداء في رقم [١٣٠].
﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي: في الدّارين، أما خسران الدنيا؛ فلأنّ أشقّ الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد إلى العدوّ، وإظهار الحاجة إليه، وأما خسران الآخرة؛ فالحرمان من الثواب المؤبّد، والوقوع في العقاب المخلّد. انتهى جمل.
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٠]: ﴿إِنْ:﴾ حرف شرط جازم.
﴿تُطِيعُوا﴾ فعل مضارع فعل الشر مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال:
لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿الَّذِينَ:﴾ مفعول به، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿يَرُدُّوكُمْ:﴾ فعل مضارع جواب الشرط مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية لا محلّ لها؛ لأنها جملة جواب الشرط ولم تقترن بالفاء، ولا ب «إذا» الفجائية. ﴿عَلى أَعْقابِكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول الثاني على اعتبار الفعل متعديا لمفعولين، أو هما متعلقان بمحذوف حال من الكاف على اعتباره متعديا لمفعول واحد، والجملة الشّرطية: لا محل لها كالجملة الندائية. ﴿فَتَنْقَلِبُوا:﴾ الفاء: حرف عطف، أو هي فاء السببية. (تنقلبوا): فعل مضارع مجزوم بسبب العطف على جواب الشرط، أو هو منصوب ب «أن» مضمرة بعد الفاء، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، ويجوز في مثل ذلك رفع الفعل، كما رأيت في الآية رقم [٢٨٤]: من سورة (البقرة) وعلى وجه النصب تؤول «أن» المضمرة مع الفعل بمصدر معطوف بالفاء على مصدر متصيّد من
стр. 967
الفعل السابق، التقدير: إن تطيعوا... يقع ردّكم على أعقابكم، فانقلابكم. ﴿خاسِرِينَ:﴾ حال من واو الجماعة منصوب... إلخ.
﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ (١٥٠)﴾
الشرح: ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ:﴾ وليكم، وناصركم، وحافظكم، فاستعينوا به، ولا تستعينوا بغيره. هذا؛ و (مولى) يطلق في الأصل على الإله المعبود بحقّ، كما هنا، ومن أسماء الله الحسنى: المولى، ويطلق على العبد، والسيد، والأمير، وابن العم، والحليف، والناصر، والمعين، كما في قوله تعالى في سورة (الدّخان): ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقال تعالى في سورة (الحج): ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ و «مولى» يكون بمعنى:
المقرّ، والمصير، والاستيلاء. قال تعالى في سورة (الحديد) مخاطبا الكافرين، والمنافقين:
﴿مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ كما يطلق على مولى العتاقة، والمحالفة، وكلّ منهما لا يكون متصل النّسب في القبيلة، ولكنّه لصيق بها، والموالي في نظر العرب من الخسّة، والضّعة بحيث لا يرونهم في مصافهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ أي: إنه تعالى قادر على نصركم، فكيف تطيعون الكفار، وتسمعون كلام المنافقين؛ وهم عاجزون عن نصر أنفسهم؛ فضلا عن نصرهم غيرهم؟!.
الإعراب: ﴿بَلِ:﴾ حرف إضراب تبتدأ بعده الجمل، انظر مبحثه في كتابنا: «فتح القريب المجيب» تجد ما يسرّك، ويثلج صدرك. ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿مَوْلاكُمْ:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الألف للتعذّر، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الاسمية مستأنفة لا محلّ لها، هذا وقرئ بنصب لفظ الجلالة، على تقدير: بل أطيعوا الله، فيكون: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ بدلا منه، أو عطف بيان عليه.
﴿وَهُوَ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿هُوَ﴾) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿خَيْرُ:﴾
خبره، وهو مضاف، و ﴿النّاصِرِينَ:﴾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء نيابة عن الكسرة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير المستتر في: ﴿مَوْلاكُمْ﴾ والرابط: الواو، والضمير.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ (١٥١)﴾
الشرح: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ..﴾. إلخ: وذلك: أنّ أبا سفيان، ومن معه ارتحلوا متوجهين إلى مكّة، فلمّا بلغوا بعض الطريق؛ ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا! قتلناهم؛ حتى إذا لم يبق منهم
стр. 968
إلا الشّريد؛ تركناهم، ارجعوا إليهم، فاستأصلوهم، فلمّا عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرّعب، يعني: الخوف الشديد، كما قال الله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ حتّى رجعوا عمّا همّوا به، فعلى هذا القول يكون الوعد بإلقاء الرّعب في قلوب الكفار مخصوصا بيوم أحد. وقيل: إنّه عام، وإن كان السبب خاصّا، وقد ثبت في الصّحيحين عن جابر بن عبد الله-﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي:
نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، وأحلّت لي الغنائم، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة».
هذا؛ و ﴿الرُّعْبَ﴾ يقرأ بضم العين، وسكونها. قال عيسى بن عمر-﵀: كلّ اسم ثلاثي يجوز فيه ضم العين، وسكونها، وذلك مثل عسر، ويسر، وحلم... إلخ.
﴿بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ أي: حجّة، وبرهانا. وسمّيت الحجّة:
سلطانا؛ لأن السّلطان مشتقّ من السّليط؛ وهو ما تستصبح به. وقيل: السّلطان: القوّة، والقدرة، وسمّيت الحجّة سلطانا؛ لقوّتها في دفع الباطل. وقال بعض المفسّرين المحقّقين: سمّيت الحجّة سلطانا؛ لأنّ صاحب الحجّة يقهر من لا حجّة له، كالسّلطان بقهر غيره. وقال الزجّاج:
السّلطان: هو الحجّة، وسمّي السّلطان سلطانا؛ لأنّه حجّة الله في أرضه، هذا؛ وجمعه بمعنى الحاكم، والمالك: سلاطين، ولا يجمع إذا كان بمعنى الحجّة، والبرهان.
هذا؛ والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، قال تعالى في سورة (الأعراف): ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾. وقال في سورة (الشّعراء): ﴿فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾. وقال فيها أيضا: ﴿فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ﴾ كما قد يستعار للمعاني، كما في هذه الآية، وكقوله تعالى في سورة (طه): ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾.
﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ:﴾ مستقرّهم، وملجؤهم النّار، وبئس القرار! ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ:﴾
مأواهم، والفرق بين مأوى، ومثوى: أن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ولو مؤقّتا، وقدّم المأوى على المثوى؛ لأنه على التّرتيب الوجودي، يأوي، ثم يثوي. انتهى جمل. والله أعلم بمراده.
الإعراب: ﴿سَنُلْقِي:﴾ السين: حرف استقبال. (نلقي): فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره: نحن. هذا؛ ويقرأ: («سيلقي») على أنّ الفاعل يعود إلى (الله)، وعلى القراءة الأولى يوجد التفات من الغيبة إلى التكلّم، وعلى هذه القراءة لا يوجد التفات. ﴿فِي قُلُوبِ:﴾ جار ومجرور متعلّقان بما قبلهما، و ﴿قُلُوبِ﴾ مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ مضاف إليه مبني على الفتح في محل جر، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿الرُّعْبَ:﴾ مفعول: (نلقي). ﴿بِما:﴾ الباء: حرف
стр. 969
جر. (ما): مصدرية. ﴿أَشْرَكُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، و (ما) والفعل: ﴿أَشْرَكُوا﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (نلقي). ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل: ﴿أَشْرَكُوا﴾. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ل ﴿أَشْرَكُوا﴾. ﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يُنَزِّلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب ﴿لَمْ﴾ والفاعل يعود إلى (الله). ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان به. ﴿سُلْطاناً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط: الضمير المجرور محلاّ بالباء.
﴿وَمَأْواهُمُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿مَأْواهُمُ﴾): مبتدأ، والهاء في جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله: ﴿النّارُ﴾ في المعنى؛ إذ المعنى: وتؤويهم النار. ﴿النّارُ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير، وإن اعتبرتها مستأنفة؛ فلا محلّ لها. ﴿وَبِئْسَ﴾ الواو: حرف عطف. (﴿بِئْسَ﴾): فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿مَثْوَى:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف للتعذر، و ﴿مَثْوَى﴾ مضاف، و ﴿الظّالِمِينَ﴾ مضاف إليه مجرور... إلخ، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره:
النّار، وهذا المخصوص فيه وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ مؤخر، والجملة الفعلية في محل رفع خبر مقدّم، والثاني: أنه خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هي النّار، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وعطفها على ما قبلها يقوّي الاستئناف.
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾
الشرح: قال محمد بن كعب القرظي-﵁: لمّا رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أحد؛ وقد أصيبوا، قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النّصر؟! فنزلت هذه الآية، وذلك: أنّ المسلمين قتلوا صاحب لواء المشركين، وسبعة نفر منهم بعده على اللّواء، وكان النصر ابتداء للمسلمين؛ غير أنّهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرّماة أيضا مركزهم طلبا للغنيمة، فكان ذلك سبب الهزيمة. وقال محمّد بن كعب: ولمّا قتل صاحب لواء المشركين، وسقط لواؤهم؛ رفعته عمرة بنت علقمة الحارثيّة، وفي ذلك يقول حسّان-﵁: [الطويل]
فلولا لواء الحارثيّة أصبحوا... يباعون في الأسواق بيع الجلائب
стр. 970
﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ:﴾ تقتلونهم قتلا ذريعا. وقيل: معناه: تستأصلونهم بالقتل بأمر الله، وقضائه، وقدره. و (الحسّ): الاستئصال بالقتل، قال جرير: [الوافر]
تحسّهم السّيوف كما تسامى... حريق النّار في الأجم الحصيد
وقال آخر: [الطويل]
حسسناهم بالسّيف حسّا فأصبحت... بقيّتهم قد شرّدوا وتبدّدوا
﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ﴾ أي: جبنتم، وضعفتم؛ إذ معنى الفشل: الضعف مع الجبن، قال تعالى في الآية رقم [١٢٢]: ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ وقال تعالى في سورة (الأنفال): ﴿وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾. ﴿وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ:﴾ اختلفتم. والمراد: الرّماة الذين أقامهم الرّسول ﷺ ردءا للجيش، حين قال بعضهم: نلحق المنهزمين من الكفّار. وقال بعضهم:
بل نثبت في مكاننا الّذي أمرنا النبي ﷺ بالثبوت فيه. ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي: خالفتم أمر الرسول ﷺ في الثبوت، وكان ثبت عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر يسير دون العشرة ممّن كان معه، فلمّا رأى خالد بن الوليد، وعكرمة ابن أبي جهل خلوّ الجبل من الرّماة؛ حملوا على الرّماة الذين بقوا مع عبد الله بن جبير-﵁-فقتلوهم، وانقضّوا على المسلمين من خلفهم، فدهش المسلمون، وتحولت الريح دبورا بعد أن كانت صبا، وانتفضت صفوف المسلمين، واختلطوا، فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا، وما يشعرون من الدّهش، ونادى إبليس: إنّ محمدا قد قتل. فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين. وذكرت لك فيما سبق: أنّ الذي قال: قتلت محمدا هو: عبد الله بن قمئة.
﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ:﴾ من النّصر، والظفر، والغنيمة يا معشر المسلمين! وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين، وولّوا الأدبار. ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ أي: الغنيمة.
قال ابن مسعود-﵁: ما شعرنا أنّ أحدا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا، وعرضها؛ حتى كان يوم أحد، والمراد بهم: من تركوا الجبل، كما رأيت فيما تقدم. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ:﴾ وهم الذين ثبتوا على الجبل مع أميرهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم ﷺ .
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يا معشر المسلمين بعد أن استوليتم على المشركين، ردّكم عنهم بالانهزام، والفشل، ودلّ هذا على: أن المعصية مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: المعنى: ثم انصرفتم. فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرّعب من قلوب الكافرين من المسلمين ابتلاء لهم، قال القشيري-رحمه الله تعالى-: هذا لا يغنيهم؛ لأنّ إخراج الرّعب من قلوب الكافرين حتّى يستخفّوا بالمسلمين قبيح عندهم، ولا يجوز أن يقع من الله قبيح، فلا يبقى لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ معنى. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ:﴾ ليمتحنكم، ويختبركم؛ ليميز المؤمن من الكافر، ومن المنافق، ومن يريد الدنيا ممّن يريد الآخرة.
стр. 971
﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ أي: سامحكم، فلم يعاقبكم أيّها المخالفون أمر رسول الله ﷺ ، فلم يستأصلكم بسبب المخالفة، والمعصية. ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ بالعفو، والمغفرة، وهذا من تمام نعم الله على عباده المؤمنين؛ لأنه نصرهم أولا، ثمّ عفا عن المذنبين منهم ثانيا؛ لأنه ذو الفضل، والإحسان.
وفي الآية الكريمة دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن، وأنّ الله تعالى يعفو عنه بفضله، وكرمه إن شاء؛ لأنه تعالى سمّاهم مؤمنين مع ما ارتكبوه من مخالفة أمر رسول الله ﷺ ، وهي كبيرة، وعفا عنهم بعد ذلك؛ لأنّ الرسول ﷺ اعتبر التولّي يوم الزحف من الموبقات، وخذ ما يلي:
فعن أبي هريرة-﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل:
يا رسول الله! وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
رواه الشّيخان، وغيرهما.
الإعراب: ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر الآية رقم [١٢٣] ففيها الكفاية. ﴿صَدَقَكُمُ:﴾ فعل ماض، ومفعوله الأول. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿وَعْدَهُ:﴾ مفعول به ثان، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها، والقسم جوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿إِذْ:﴾ ظرف لما مضى من الزمان مبني على السكون في محل نصب، متعلّق بالفعل: (صدق). ﴿تَحُسُّونَهُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والهاء مفعوله، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِإِذْنِهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما: أو هما متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة المصدر لفاعله. ﴿حَتّى:﴾ حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل: ﴿إِذا﴾. وقدّره ابن هشام في المغني. وقد اختلف في متعلّقها على قول الأخفش على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها متعلقة ب ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ والثاني: أنها متعلقة ب ﴿صَدَقَكُمُ﴾ وهو ظاهر قول الزمخشري. والثالث:
أنها متعلقة بمحذوف دلّ عليه السياق، تقديره: دام لكم ذلك إلى وقت فشلكم.
﴿إِذا﴾ على القول الثاني في: ﴿حَتّى:﴾ في محل جرّ ب ﴿حَتّى﴾ وعلى القول الأول:
ظرف لما يستقبل من الزّمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه. صالح لغير ذلك، مبني على السكون في محل نصب. ﴿فَشِلْتُمْ:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح. (﴿تَنازَعْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿فِي الْأَمْرِ:﴾ متعلقان به، والجملة معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جرّ مثلها. ﴿وَعَصَيْتُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿عَصَيْتُمْ﴾): فعل، وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها أيضا. ﴿ما:﴾ مصدرية. ﴿أَراكُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به أول. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به ثان، والفعل بصري، لكنّه تعدى إلى الثاني بهمزة
стр. 972
التعدية. ﴿تُحِبُّونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: أراكم الذي، أو: شيئا تحبّونه. و ﴿ما﴾ المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بإضافة: ﴿بَعْدِ﴾ إليه، التقدير: من بعد رؤيته لكم الذي تحبونه. قال القرطبيّ-رحمه الله تعالى-: وجواب ﴿حَتّى﴾ محذوف، وعند التأمل يتبيّن لك: أنّ جواب ﴿إِذا﴾ هو المحذوف. ثم قال: ومثل هذا جائز، كقوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٣٥] ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ..﴾. إلخ؛ إذ التقدير: فافعل. وقال الفرّاء: جواب ﴿حَتّى:﴾ ﴿وَتَنازَعْتُمْ﴾ والواو مقحمة زائدة، كقوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ﴾ أي: ناديناه.
وقال امرؤ القيس في معلّقته رقم [٣٧]: [الطويل]
فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وانتحى... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل
أي: انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم؛ عصيتم. وعلى هذا: فيه تقديم، وتأخير، أي: حتى إذا تنازعتم، وعصيتم؛ فشلتم.
وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون الجواب: ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ و ﴿ثُمَّ﴾ زائدة، والتقدير: حتى إذا فشلتم، وتنازعتم، وعصيتم؛ صرفكم عنهم، وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول زهير، وهو الشاهد رقم [١٨٥] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى... فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا
وجوز الأخفش أن تكون زائدة، كما في قوله تعالى في سورة (التوبة): ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ..﴾. إلخ. وقيل: ﴿حَتّى﴾ بمعنى «إلى» وحينئذ لا جواب له، أي: صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم؛ أي: كان ذلك الوعد بشرط الثبات. انتهى قرطبي بتصرّف. انظر ما ذكرته عنه من شواهد في محالها التي ذكرتها في كتبي؛ ليتبيّن لك: أنّ ﴿حَتّى﴾ لا جواب لها، وأن الجواب لأداة شرط جازمة أو غير جازمة، وعليه ف ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مبتدأ، أو مستأنف لا محلّ له.
(﴿مِنْكُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، ولا أعتمده، وإنّما أعتمد ما ذكرته في الآية رقم [١١٠] ﴿يُرِيدُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى: ﴿مِنْ﴾. ﴿الدُّنْيا:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الفعلية صلة: ﴿مِنْ﴾ أو صفتها، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، وإعرابها مثلها بلا فارق. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿صَرَفَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى: ﴿اللهُ،﴾ والكاف مفعوله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة جواب: ﴿إِذا﴾ المقدّرة، وعليه فالجملتان الاسميتان معترضتان بين المتعاطفتين لا محلّ لهما.
стр. 973
﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله) والكاف مفعول به، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلّقان بما قبلهما، أي: صرفكم عنهم؛ لابتلائكم، واختباركم. ﴿عَنْهُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ:﴾ انظر أول الآية. ﴿وَاللهُ:﴾ الواو:
حرف استئناف. (الله): مبتدأ ﴿ذُو:﴾ خبره مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة لأنّه من الأسماء الخمسة، و ﴿ذُو﴾ مضاف، و ﴿فَضْلٍ﴾ مضاف إليه. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ:﴾ متعلقان ب (فضل) أو بمحذوف صفة له، والجملة الاسمية: ﴿وَاللهُ ذُو..﴾. إلخ: مستأنفة، أو معترضة في آخر الكلام، الغرض منها بيان فضل الله، وجوده على عباده المؤمنين.
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾
الشرح: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ:﴾ تذهبون. والإصعاد: الذهاب في الأرض. قال القتبي، والمبرد: أصعد: أبعد في الذهاب، وأبعد فيه، فكأنّ الإصعاد: إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع. قال الأعشى من قصيدته الّتي هيأها لينشدها الرّسول ﷺ في المدينة بعد الهجرة، وقبل فتح مكة: [الطويل]
ألا أيّهذا السّائلي أين أصعدت... فإنّ لها في بطن يثرب موعدا
وقال الفرّاء: الإصعاد: الابتداء في السّفر. والانحدار: الرجوع منه. وأنشد أبو عبيدة: [الرجز]
قد كنت تبكين على الإصعاد... فاليوم سرّحت وصاح الحادي
﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ:﴾ تعرّجون، وتقيمون؛ أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض هربا، ولا يقف واحد منكم لآخر. وانظر الآية [٧٨]: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ:﴾ يناديكم من ورائكم. يقول: «إليّ عباد الله! إليّ عباد الله! من يكرّ؛ فله الجنة». ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمّا على غمّ. قال ابن عبّاس-﵄: الغمّ الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل النّبيّ ﷺ . والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ : «اللهمّ ليس لهم أن يعلونا!». وقال السّدي-رحمه الله تعالى-: الغمّ الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة، والنصر. والثاني: بإشراف العدوّ عليهم. وقال محمّد بن إسحاق-رحمه الله تعالى-: أي: كربا بعد كرب بقتل من قتل من إخوانكم، وعلوّ عدوّكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قتل بينكم، فكان ذلك متتابعا عليكم غمّا بغمّ. وقيل غير ذلك.
стр. 974
﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ أي: لكي تحزنوا على ما فاتكم، وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم أوامر الرسول ﷺ . قال ابن عباس-﵄:
الذي فاتهم الغنيمة، والّذي أصابهم القتل، والهزيمة. وهذا على اعتبار (لا) صلة، وأما على اعتبارها نافية، فالمعنى يكون: ولقد عفا عنكم؛ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا ما أصابكم؛ لأنّ عفوه يذهب كلّ همّ، وحزن.
هذا؛ وسميت العقوبة التي نزلت بالمسلمين: ثوابا على سبيل المجاز؛ لأنّ لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، وقد يجوز استعماله في الشرّ؛ لأنّه مأخوذ من: ثاب: إذا رجع، فأصل الثّواب كلّ ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله، سواء كان خيرا، أو شرّا، فمتى حملنا لفظ الثّواب على أصل اللغة؛ كان حقيقة، ومتى حملناه على الأغلب؛ كان مجازا، كقول الشاعر: [الطويل]
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه... أداهم سودا أو محدرجة سمرا
فجعل العطاء مكان العقاب؛ لأنّ الأداهم السّود هي: القيود الثقال. والمحدرجة هي:
السياط. ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي: عالم بأعمالكم صغيرها، وكبيرها، فيجازيكم بها. فيه ترغيب في الطّاعة، وترهيب من المعصية. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿إِذْ:﴾ ظرف متعلق بأحد الأفعال السابقة. وقيل: متعلق بفعل محذوف، تقديره:
اذكروا، فهو مبني على السّكون في محل نصب. ﴿تُصْعِدُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والمتعلّق محذوف، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: (﴿إِذْ﴾) إليها، والّتي بعدها معطوفة عليها، فهي في محل جرّ مثلها.
﴿وَالرَّسُولُ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿الرَّسُولُ﴾): مبتدأ. ﴿يَدْعُوكُمْ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدّرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى الرّسول، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير. ﴿فِي أُخْراكُمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وعلامة الجر كسرة مقدّرة على الألف للتعذّر، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿فَأَثابَكُمْ:﴾ الفاء: حرف عطف. (أثابكم): فعل ماض، والفاعل يعود إلى الله، والكاف مفعول به أول. ﴿غَمًّا:﴾ مفعول به ثان. ﴿بِغَمٍّ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿غَمًّا﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة:
﴿تُصْعِدُونَ﴾ أو هي معطوفة على جملة: ﴿صَرَفَكُمْ﴾. والأوّل أقوى.
﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا..﴾. إلخ: اللام: حرف تعليل وجر. (كي): حرف مصدري، ونصب.
(لا): نافية، أو حرف صلة، كما رأيت في الشرح. ﴿تَحْزَنُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب (كي)
стр. 975
وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿عَلى:﴾
حرف جر. (﴿ما﴾): اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل جر ب ﴿عَلى﴾ والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿فاتَكُمْ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (﴿ما﴾) وهو العائد، أو الرابط، والكاف مفعول به، والجملة الفعلية صلة (﴿ما﴾) أو صفتها. ﴿وَلا:﴾
الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): مثل سابقتها. ﴿ما أَصابَكُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، وإعرابه مثله، و (كي) والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿عَفا﴾ وعليه ف (﴿لا﴾) نافية، أو: هما متعلقان ب (أثابكم) وعليه ف (﴿لا﴾) صلة.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿خَبِيرٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محلّ لها، والحالية فيها ضعيفة. ﴿بِما:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية. ﴿تَعْمَلُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة (ما) أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: خبير بالّذي، أو بشيء تعملونه، وعلى اعتبار (ما) مصدرية تؤوّل مع الفعل بمصدر في محل جرّ بالباء، التقدير:
بعملكم. والجار والمجرور متعلقان ب ﴿خَبِيرٌ﴾
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾
الشرح: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين. ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً:﴾ الأمنة، والأمن سواء. وقيل: الأمنة إنّما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه. فقد روى البخاريّ-رحمه الله تعالى-عن أنس-﵁: أنّ أبا طلحة قال: غشينا النعاس؛ ونحن في مصافّنا يوم أحد. قال: فجعل سيفي يسقط من يدي، وآخذه، ويسقط، وآخذه. والنّعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، والطّمأنينة، كما قال تعالى في سورة (الأنفال) في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. قال عبد الله بن مسعود-﵁: النّعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصّلاة من الشّيطان. والفائدة في كون النّعاس أمنة في القتال: أنّ الخائف على نفسه، لا يأخذه النوم، فصار حصول النّوم وقت الخوف الشّديد دليلا على الأمن، وإزالة الخوف، والثقة بوعد الله
стр. 976
بالنّصر. وينبغي أن تعلم: أنّ النعاس في هذه السّورة لم يعقبه نوم، بخلافه في سورة (الأنفال) في غزوة بدر فقد أعقبه نوم، كما رأيت هناك. هذا؛ والنعاس، والسّنة، والوسن: أوائل النوم، قال أبو الطيب المتنبّي-وهو الشاهد رقم [٩٦٦]: من كتابنا: «فتح القريب المجيب» -: [البسيط]
ابلى الهوى أسفا يوم النّوى بدني... وفرّق الهجر بين الجفن والوسن
﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ:﴾ والمعنى: أعقبكم بما نالكم من الخوف، والرّعب أن أمنكم أمنا تنامون معه؛ لأن الخائف لا يكاد ينام، فأمّنهم بعد خوفهم. ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ:﴾
المراد بهم: المنافقون، أراد الله أن يميز المؤمنين من المنافقين، فأوقع النعاس على المؤمنين؛ حتّى أمنوا، ولم يوقع النعاس على المنافقين، فبقوا في الخوف، والرعب. قال الزبير بن العوام-﵁: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ علينا الخوف، أرسل الله تعالى علينا النّوم، والله إني لأسمع قول معتّب بن قشير، والنعاس يغشاني ما أسمعه كالحلم يقول ما قاله الله تعالى عنه: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾.
﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: يظنون: أنّ الله لا ينصر محمدا، وأصحابه، وأنّ دينه يضمحل، والمعنى: يظنّون غير الظنّ الذي يجب أن يظنّ به من نصر دينه، ورفعة شأنه وعزة في الدنيا، والآخرة، وينصر المؤمنين، ويمكنهم من أعدائهم، ويخذل المشركين أعداءه، وأعداء المؤمنين. ﴿ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ أي: كظن الجاهلية، الذين يحاولون أن يبطلوا دين الله بشتّى الأساليب، ومختلف المحاولات.
﴿يَقُولُونَ:﴾ أي: يقول المنافقون. ﴿هَلْ لَنا:﴾ أي: ما لنا. ﴿مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ:﴾ وذلك:
أنّه لمّا شاور النّبيّ ﷺ عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين في هذه الواقعة، وأشار عليه ألا يخرج من المدينة، فلمّا خالفه النبيّ ﷺ ، وخرج، وقتل من قتل؛ قيل لابن أبيّ: قد قتل بنو الخزرج، قال: هل لنا من الأمر من شيء؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار، أي: ما لنا أمر يطاع. وقيل: المراد بالأمر: النصر، والظفر، يعني: ما لنا من هذا الذي يعدنا به محمّد من النصر، والظفر من شيء، وإنّما هو لكفار قريش، وأشياعهم، أي: من المشركين.
﴿قُلْ..﴾. إلخ: الخطاب لسيد الخلق، وحبيب الحق محمّد ﷺ أي: قل لهؤلاء المنافقين:
إنّ النصر، والظفر، والأمور كلّها بيد الله، يصرّفها كيف يشاء، ويدبّرها كيف أراد، وأحبّ.
﴿يُخْفُونَ..﴾. إلخ: يعني: يخفون في أنفسهم من الكفر، والشكّ في وعد الله، ، أو:
يخفون النّدم على خروجهم مع المسلمين من المدينة. وقيل: الذي أخفوه هو قولهم: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ..﴾. إلخ.
﴿قُلْ:﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ:﴾ أي:
كتب عليهم القتل، وقدّر عليهم. ﴿إِلى مَضاجِعِهِمْ:﴾ إلى مصارعهم؛ الّتي يصرعون فيها وقت
стр. 977
القتل، ومعنى الآية: إنّ الحذر لا ينفع مع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير، فالذين قدّر عليهم القتل، وقضاه الله، وحكم به عليهم لا بدّ وأن يقتلوا. والمعنى: لو جلستم في بيوتكم؛ لخرجتم منها، ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل، وقضاه إلى حيث يقتلون فيه؛ لأن كلّ إنسان يموت في المكان الّذي قدّر الله فيه موته، وكذلك في الزّمان المحدّد فيه موته، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ:﴾ وجرى ما جرى، وحصل ما حصل في غزوة أحد؛ ليختبر الله إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق المنافقين، وليمحّص ما في قلوبكم: وليكشف الله ما في قلوبكم من الإيمان، أو من النفاق. وانظر الآية رقم [١٤١]. ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ:﴾ انظر الآية رقم [١١٩].
تنبيه وفائدة: روي: أنّ ملك الموت ﵇-حضر مجلس سليمان بن داود-على نبينا، وحبيبنا، وعليهما ألف صلاة، وألف سلام-فنظر إلى رجل من أهل المجلس نظرة هائلة، فلمّا قام؛ قال الرجل: يا نبيّ الله! من هذا؟ فقال سليمان: هذا ملك الموت. قال: أرسلني مع الرّيح إلى عالم آخر، فإنّي رأيت منه مرأى هائلا! فأمر سليمان الريح، فألقته في قطر سحيق-أي بعيد-من أقطار العالم، فما لبث أن عاد ملك الموت ﵇ إلى سليمان ﵇، فقال: كنت أمرت بقبض روح ذلك الرّجل في هذه الساعة في أرض كذا، فلما رأيته في مجلسك؛ قلت: متى يصل هذا إليها، وقد أوصلته الريح إلى هناك، فقضي أمر الله في زمانه، ومكانه من غير إخلال بشيء من ذلك. انتهى جمل نقلا عن أبي السّعود. فعليه: من قدّر الله موته في مكان كذا يجعل الله له حاجة في ذلك المكان؛ حتّى يقع كما قدّر الله تعالى، وأراد.
الإعراب: ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَنْزَلَ:﴾ فعل ماض، وفاعله يعود إلى: ﴿اللهُ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ:﴾
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، و ﴿بَعْدِ﴾ مضاف، و ﴿الْغَمِّ﴾ مضاف إليه. ﴿أَمَنَةً:﴾ مفعول به. ﴿نُعاساً:﴾ بدل من: ﴿أَمَنَةً﴾ بدل كلّ من كلّ. وقيل: بدل اشتمال. وقيل: ﴿نُعاساً﴾ مفعول به. ﴿أَمَنَةً﴾ حال منه متقدّمة، وساغ ذلك على القاعدة: «نعت النكرة إذا تقدم عليها؛ صار حالا». وقيل: ﴿أَمَنَةً﴾ حال من كاف الخطاب، بمعنى: ذوي أمنة.
وقيل: مفعول لأجله، وعليهما ف ﴿نُعاساً﴾ مفعول به. ﴿يَغْشى:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الألف للتعذّر، والفاعل يعود إلى: ﴿نُعاساً﴾. ﴿طائِفَةً﴾ مفعول به.
﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة: ﴿طائِفَةً﴾ وجملة: ﴿يَغْشى..﴾. إلخ في محل نصب صفة: ﴿نُعاساً﴾ ويقرأ الفعل بتاء المضارعة، وعليه فالجملة الفعلية صفة: ﴿أَمَنَةً﴾.
﴿وَطائِفَةٌ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿طائِفَةً﴾): مبتدأ، وصفتها محذوفة، ودلّ عليها ما قبلها. ﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَهَمَّتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والهاء مفعول
стр. 978
به. ﴿أَنْفُسُهُمْ:﴾ فاعله، والهاء في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. وقال أبو البقاء-رحمه الله تعالى-: الجملة في محل نصب حال، والعامل: ﴿يَغْشى﴾ وتسمّى هذه الواو واو الحال. وسبقه مكيّ إلى ذلك.
وقال القرطبيّ: الواو واو الحال بمعنى: «إذ» وهذا يعني: أنّ الحال بمعنى الظرف، والرابط:
الواو فقط. انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٧]: تجد ذلك مفصّلا. ﴿يَظُنُّونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الضمير المنصوب محلاّ. ﴿بِاللهِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿غَيْرَ:﴾ نائب مفعول مطلق لإضافته لمصدر محذوف، التقدير: غير الظنّ الحقّ، وهو مضاف، و ﴿الْحَقِّ﴾ مضاف إليه. ﴿ظَنَّ:﴾ بدل من ﴿غَيْرَ﴾ و ﴿ظَنَّ﴾ مضاف، و ﴿الْجاهِلِيَّةِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لفاعله، وهو في الأصل: كظن الجاهلية، فحذفت أداة التشبيه، فانتصب، كما ذكرت. هذا؛ وقال أبو البقاء: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ مفعول أوّل ل ﴿يَظُنُّونَ﴾ و ﴿بِاللهِ﴾ في محل المفعول الثاني، و ﴿ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ مفعول مطلق. هذا؛ وقال النّسفي-﵀:
وجملة: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ صفة ل ﴿طائِفَةً﴾ و ﴿يَظُنُّونَ﴾ خبر ل ﴿طائِفَةً﴾ أو صفة أخرى، أو حال؛ أي: قد أهمتهم أنفسهم ظانين.
﴿يَقُولُونَ:﴾ مضارع وفاعله. ﴿هَلْ:﴾ حرف استفهام بمعنى النفي، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ﴾. وقال امرؤ القيس، وهو الشاهد رقم [٦٥٦] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
وإن شفائي عبرة مهراقة... وهل عند رسم دارس من معوّل
﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾ متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، وبعضهم يعلقهما بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ ويقول: كان صفة له، فلما قدّم عليه صار حالا، وهو غير مسلّم لهم. ﴿مِنْ﴾ حرف جر صلة. ﴿شَيْءٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية:
﴿هَلْ لَنا..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ..﴾. إلخ بدل من جملة:
﴿يَظُنُّونَ﴾. أو هي مفسّرة لها.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: أنت. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَمْرِ:﴾
اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿كُلَّهُ:﴾ توكيد، وصح ذلك لاختلاف أنواع الأمر. ﴿لِلّهِ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿إِنَّ﴾. هذا؛ ويقرأ: («كلّه») فيكون مبتدأ، و ﴿لِلّهِ﴾ متعلقان بمحذوف خبره، وتكون الجملة الاسمية في محل رفع خبر: ﴿إِنَّ﴾ و ﴿إِنَّ﴾ واسمها، وخبرها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، أو معترضة كما ستقف عليه. ﴿يُخْفُونَ:﴾ فعل
стр. 979
مضارع، وفاعله. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يُبْدُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: يخفون الذي، أو: شيئا لا يبدونه. ﴿لَكَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿يُخْفُونَ..﴾. إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة في: ﴿يَقُولُونَ﴾ والرابط: الضمير فقط.
﴿يَقُولُونَ:﴾ فعل مضارع، وفاعله. ﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانَ:﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لَنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر: ﴿كانَ﴾ مقدّم. ﴿مِنَ الْأَمْرِ:﴾
متعلقان بالخبر المحذوف، أو بمحذوف خبر ثان، أو بمحذوف حال من الضمير المستتر في الخبر المحذوف. وقيل: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿شَيْءٍ﴾ وهو غير مسلّم. ﴿شَيْءٍ:﴾ اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، وجملة: ﴿كانَ..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿قُتِلْنا:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، مبني على السكون، و (نا) نائب فاعله. ﴿هاهُنا:﴾ الهاء: حرف تنبيه لا محل له. (هنا): اسم إشارة مبني على السّكون في محل نصب على الظّرفية المكانية متعلّق بما قبله، وجملة: ﴿ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿يَقُولُونَ لَوْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها. وقال أبو البقاء: حال من الضمير في: ﴿يُخْفُونَ﴾. وقال النّسفي: بدل من: ﴿يُخْفُونَ﴾ أو استئناف. هذا؛ وأرى جواز التفسير لما يخفون في أنفسهم. تأمّل، وتدبّر.
﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله: أنت. ﴿لَوْ﴾ مثل ما قبلها. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه. ﴿فِي بُيُوتِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر (كان) وجملة: ﴿كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ لا محل لها... إلخ. ﴿لَبَرَزَ:﴾ اللام: واقعة في جواب ﴿لَوْ﴾. (برز): فعل ماض.
﴿الَّذِينَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿عَلَيْهِمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، ﴿الْقَتْلُ:﴾ نائب فاعل: ﴿كُتِبَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿إِلى مَضاجِعِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل: (برز) والهاء في محل جر بالإضافة، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
(﴿لِيَبْتَلِيَ﴾): فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿ما:﴾
اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِكُمْ:﴾
متعلّقان بمحذوف صلة: ﴿ما﴾ أو: صفتها، و «أن» المضمرة والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، التقدير: وفعل الله ذلك بكم ليبتلي... إلخ، أو عطف على محذوف، التقدير: لبرز الذين.. لنفاذ القضاء، أو لمصالح
стр. 980
جمّة، وللابتلاء. أو عطف على قوله في الآية السابقة: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا..﴾. إلخ. وقدّر القرطبيّ-رحمه الله تعالى-ما يلي: فرض الله عليكم القتال، والحرب، ولم ينصركم يوم أحد؛ ليختبر صبركم، وليمحّص عنكم سيئاتكم؛ إن تبتم، وأخلصتم. ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ:﴾
إعرابه مثل إعراب ما قبله.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ:﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. ﴿بِذاتِ:﴾ متعلقان ب ﴿عَلِيمٌ﴾ و (ذات) مضاف، و ﴿الصُّدُورِ﴾ مضاف إليه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾ أي: انهزموا، وهربوا منكم يا معشر المسلمين من ساحة الحرب. فهو خطاب لمن كان مع النّبيّ ﷺ من المؤمنين يوم أحد، وكان قد انهزم أكثر المسلمين، ولم يبق مع النّبيّ ﷺ إلا أربعة عشر رجلا: سبعة من الأنصار، وسبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص-﵃ أجمعين-. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ أي: الجيشان.
﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أي: طلب زلّتهم، كما يقال: استعجله، أي: طلب عجلته. أو المعنى: دعاهم إلى الزلّة، وحملهم عليها بإلقاء الوسوسة في قلوبهم. ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ أي:
بمعصيتهم النّبيّ ﷺ ، فالإضافة إلى الشّيطان لطف، وتقريب، والتعليل بكسبهم وعظ، وتأديب، وانظر قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها﴾.
﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز الله، وصفح عن الّذين هربوا يوم أحد، فلم يعاقبهم بذلك، وغفر لهم، مع أنّ الهرب من ساحة الحرب من الموبقات السّبع كما ذكرته سابقا. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور لمن تاب، وأناب، حليم: لا يعجّل بالعقوبة على من عصاه. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢٦٣] من سورة (البقرة).
هذا؛ والعفو بمعنى ما ذكر كثير في القرآن الكريم كثرة لا تعدّ، ولا تحصى، كما يأتي (﴿عَفَا﴾) بمعنى الكثرة، قال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٩٥]: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا..﴾. إلخ؛ أي: حتى كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم، من قولهم: عفا النبات، وعفا الشّحم، والوبر: إذا كثر. قال الحطيئة: [الطويل]
بمستأسد الغربان عاف نباته
وعفا المنزل، يعفو عفاء،: إذا انمحت آثاره، ومعالمه ذهبت. قال الأخطل التّغلبي، وهو الشاهد رقم [٤٩٨] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [البسيط]
стр. 981
وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلاّ النّؤي والوتد
وعفو المال: ما يفضل عن الحاجة. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢١٩]: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ والعافي: طالب المعروف، والإحسان، قال عروة بن الورد العبسي المعروف بعروة الصّعاليك: [الطويل]
وإنّي امرؤ عافي إنائي شركة... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
وجمع العافي: عفاة، قال الأعشى في مدح ممدوحه: [المتقارب]
تطوف العفاة بأبوابه... كطوف النّصارى ببيت الوثن
الإعراب: ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم: ﴿إِنَّ﴾. ﴿تَوَلَّوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة، لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، التي هي فاعله، والألف للتفريق، والمتعلق محذوف. ﴿مِنْكُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة، التقدير: الذين تولوا كائنين منكم. ﴿يَوْمَ:﴾
ظرف زمان متعلق بالفعل قبله. ﴿اِلْتَقَى:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر.
﴿الْجَمْعانِ:﴾ فاعله مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الفعلية في محل جرّ بإضافة: ﴿يَوْمَ﴾ إليها. ﴿إِنَّمَا:﴾ كافة ومكفوفة. ﴿اِسْتَزَلَّهُمُ:﴾ فعل ماض، والهاء في محل نصب مفعول به. ﴿الشَّيْطانُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: (﴿إِنَّ﴾) والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿بِبَعْضِ:﴾ متعلقان بما قبلهما. ﴿ما:﴾ تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر بإضافة: (بعض) إليها. ﴿كَسَبُوا:﴾
فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية صلة: ﴿ما﴾ أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: ببعض الذي، أو: شيء كسبوه، وعلى اعتبار (﴿ما﴾) مصدرية تؤول مع الفعل بعدها بمصدر في محل جر بإضافة: (بعض) إليه، التقدير: ببعض كسبهم.
﴿وَلَقَدْ:﴾ الواو: حرف قسم وجر، والمقسم به محذوف، التقدير: والله، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: أقسم بالله. (اللام): واقعة في جواب القسم. (قد):
حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿عَفَا اللهُ:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٢٣]. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهُ:﴾ اسمها.
﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ:﴾ خبران لها، والجملة الاسمية مستأنفة، أو تعليلية، لا محل لها.
стр. 982
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾
الشرح ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ انظر الآية [١٣٠]. ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين عبد الله بن أبيّ، وأصحابه. وأطلق الله عليهم لفظ: الكفر؛ لأنهم أخبث من الكفار في كلّ زمان ومكان، وفي الآخرة يكون عذابهم أشدّ من عذاب الكفار. قال تعالى في سورة (النساء): ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾. ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾ يعني: إخوانهم في النفاق، والكفر.
وقيل: لإخوانهم في النسب، وكانوا مسلمين، فيكون المراد بهم الّذين بعثهم الرسول ﷺ إلى بئر معونة، ويطلق عليهم اسم القراء. ﴿إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سافروا في الأرض لتجارة، وغيرها. ففيه استعارة تشبيها للمسافر في البر بالسّابح الضارب في البحر؛ لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقّا لها، واستعانة على قطعها.
﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ أي: خرجوا غازين في سبيل الله. فهو جمع: غاز، أي: خارج للحرب، والقياس: غزاة؛ لأنه جمع: غاز، وهو اسم منقوص، كقاض، وقضاة، لكنّه جاء على: فعّل حملا على الصّحيح، نحو: شاهد، وشهّد، وغائب، وغيّب، ونائم، ونوّم، وصائم، وصوّم... إلخ.
﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾ أي: مقيمين في بلدنا معنا. ﴿ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ لأن المنافقين يعتقدون أن الموت، والقتل بسبب السفر في الأرض، أو الخروج إلى الحرب، لا بالأجل.
﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ﴾ أي: ظنهم، وقولهم. ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ غمّا، وتأسّفا في قلوبهم، والحسرة: شدّة الندم، وتألّم القلب على شيء فات، لا يمكن تداركه، قال الشاعر: [الطويل]
فوا حسرتي لم أقض منها لبانتي... ولم أتمتّع بالجوار وبالقرب
وقيل: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم يوم القيامة؛ لما هم فيه من الخزي، والنّدامة، ولما فيه المسلمون من النعيم، والكرامة. هذا؛ وجمعها: حسرات انظر الآية رقم [١٦٧]: من سورة (البقرة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك. وقد تكلّم الزمخشري في فاعل الحسرة في هذه الآية بما يوافق مذهبه الاعتزالي، ولم يتعرّض له ابن المنير كعادته.
﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنّ الله هو المؤثر في الحياة، والممات، لا الإقامة، ولا السفر، فإن الله قد يبقي المسافر، والغازي حيّا، ويميت المقيم في بيته، والقاعد في أهله. وهذا واقع ومشاهد. وفيه ردّ لما يعتقده المنافقون، وضعفاء الإيمان. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ فيه تهديد
стр. 983
ووعيد للمؤمنين؛ إن قالوا واعتقدوا اعتقاد الكافرين، والمنافقين، فإنّ الآية الكريمة تنهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم في الاعتقاد. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
روي: أنّ خالد بن الوليد-﵁-قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي، كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء!
الإعراب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انظر الآية رقم [١٣٠]. ﴿لا:﴾ ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا:﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم ب ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿كَالَّذِينَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر: ﴿تَكُونُوا﴾. هذا؛ وإن اعتبرت الكاف اسما، فهي الخبر، فهي مبنية على الفتح في محل نصب، وتكون مضافة، و (﴿الَّذِينَ﴾) مبني على الفتح في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلّق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها، وجملة: ﴿لا تَكُونُوا..﴾. إلخ لا محلّ لها؛ لأنّها ابتدائية كالجملة الندائية قبلها. (﴿قالُوا﴾): فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿لِإِخْوانِهِمْ﴾ متعلقان ب (﴿قالُوا﴾) والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿إِذا:﴾ ظرف زمان مجرّد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل: (﴿قالُوا﴾). ﴿ضَرَبُوا:﴾ ماض، وفاعله. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾
متعلقان به، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة: ﴿إِذا﴾ إليها. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿كانُوا:﴾
فعل ماض ناقص، والواو اسمه، والألف للتفريق. ﴿غُزًّى:﴾ خبر: ﴿كانُوا﴾ منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والثابتة دليل عليها، وليست عينها، وجملة: ﴿كانُوا غُزًّى﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها.
﴿لَوْ:﴾ حرف لما كان سيقع لوقوع غيره. ﴿كانُوا:﴾ مثل سابقه. ﴿عِنْدَنا:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر: ﴿كانُوا﴾ و (نا) في محل جر بالإضافة، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنّها جملة شرط غير ظرفي. ﴿ما:﴾ نافية. ﴿ماتُوا:﴾ ماض، وفاعله، والجملة الفعلية جواب: ﴿لَوْ﴾ لا محل لها، والتي بعدها معطوفة عليها، و ﴿لَوْ﴾ ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿وَقالُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿كَفَرُوا﴾ لا محلّ لها مثلها.
﴿لِيَجْعَلَ:﴾ فعل مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل. ﴿اللهُ:﴾ فاعله.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محل له. ﴿حَسْرَةً:﴾ مفعول به ثان. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متعلقان ب ﴿حَسْرَةً﴾ أو بمحذوف صفة لها، و «أن» المضمرة والفعل: (يجعل) في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قالوا، وهذا على أنّ اللام لام العاقبة، وهي متعلّقة بمحذوف؛ إن كانت للتعليل، التقدير: أوقع ذلك في قلوبهم ليجعله. وقيل غير ذلك.
﴿وَاللهُ:﴾ الواو: حرف استئناف. (﴿اللهُ﴾): مبتدأ. ﴿يُحْيِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة، مقدرة على الياء للثقل، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ،﴾ والجملة الفعلية في محل رفع
стр. 984
خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مبينة قدرة الله فيما يريد من الإحياء، والإماتة. والحالية ضعيفة. وجملة: ﴿وَيُمِيتُ:﴾ معطوفة على ما قبلها. ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ:﴾ إعراب هذه الجملة مثل قوله تعالى في الآية رقم [١٥٣]: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها، لا محلّ لها مثلها، فيها ما ذكرته في الشرح.
تنبيه: حذف مفعول: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ للعلم بهما من المقام، وقد قال ابن هشام رحمه الله تعالى في المغني: إذا تعلق الإعلام بمجرّد إيقاع الفاعل للفعل، فيقتصر عليه، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمّى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعوله له، ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٥٨]: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وقوله تعالى في سورة (الزمر) رقم [٩]: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الأعراف) رقم [٣١]: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ومثله في سورة (البقرة) رقم [١٨٦]:
وأيضا قوله تعالى في سورة (الدهر): ﴿وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ..﴾. إلخ.
إذ المعنى: ربي الذي يفعل الإحياء، والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل، والشرب، وذروا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك. ومنه على الأصح. قوله تعالى في سورة (القصص) رقم [٢٣]: ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ..﴾. إلخ: ألا ترى: أن موسى-على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام-إنما رحمهما؛ إذ كانتا على ضفة الذّياد، وقومهما على السّقي، لا لكون مذودهما غنما، ومسقيهم إبلا، وكذلك المقصود من قولهما: ﴿نَسْقِي﴾ السقي، لا المسقي، ومن لم يتأمل، قدّر: يسقون إبلهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا.
تنبيه: تكرار الماضي المتّصل به واو الجماعة في هذه الآية، والإعراب المتعارف عليه هو ما ذكرته، والإعراب الحقيقي أن تقول: مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضم الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة.
﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾
الشرح: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله. ﴿أَوْ مُتُّمْ:﴾ أي على فراشكم من غير قتل. ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ﴾ لمن آمن، وعمل صالحا، واهتدى بهدي النبي ﷺ . ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ..﴾. إلخ يعني: من الغنائم. والمعنى: ولئن وقع فيكم ما تخافونه من القتل في سبيل الله، أو الهلاك بالموت؛ فإنّ ما تنالونه من المغفرة، والرحمة من الله أفضل من الدنيا وحطامها الفاني، ومتاعها الزّائل.
стр. 985
هذا؛ والفعل: ﴿مُتُّمْ﴾ يقرأ بضم الميم، وكسرها، فالأول من باب: نصر، ك: «قلت» و «صنت». والثاني من باب: علم، ك «خفت» و «نمت». وقال المفسرون: من: مات، يمات، كخاف، يخاف، ونام ينام، وهو بعد الإعلال يعود على باب: علم.
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. اللام: موطئة لقسم محذوف، أي دالة عليه.
(إن): حرف شرط جازم. ﴿قُتِلْتُمْ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء نائب فاعله، والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فِي سَبِيلِ﴾ متعلقان بما قبلهما، و ﴿سَبِيلِ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿مُتُّمْ:﴾ فعل وفاعل والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها.
﴿لَمَغْفِرَةٌ:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (مغفرة): مبتدأ. ﴿مِنَ اللهِ:﴾ متعلقان ب (مغفرة) أو بمحذوف صفة لها. ﴿وَرَحْمَةٌ:﴾ معطوف على (مغفرة) وحذف متعلقه لدلالة ما قبله عليه. ﴿خَيْرٌ:﴾ خبر المبتدأ. ﴿مِمّا:﴾ جار ومجرور متعلقان ب ﴿خَيْرٌ﴾ و (ما) تحتمل الموصولة، والموصوفة، والمصدرية، فعلى الأولين مبنية على السكون في محل جر ب: (من)، ﴿يَجْمَعُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة (ما)، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف، التقدير: من الذي، أو من شيء يجمعونه، وعلى اعتبار (ما) أو مصدرية تؤوّل مع ما بعدها بمصدر في محل جر ب (من)، التقدير: من جمعهم، والجملة الاسمية: ﴿لَمَغْفِرَةٌ..﴾. إلخ لا محل لها؛ لأنها جواب القسم المحذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، على القاعدة: إذا اجتمع شرط، وقسم فالجواب للسابق منهما. قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم... جواب ما أخّرت فهو ملتزم
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾
الشرح: المعنى: سواء متم على فراشكم، أو قتلتم في ساحة الحرب؛ فإنّ مرجعكم إلى الله. فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم إلى الله. ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيله، والعمل بطاعته. ولله درّ القائل: [الطويل]
فإن تكن الأبدان للموت أنشئت... فقتل امرئ بالسّيف في الله أفضل
والموت لا بد منه، ورحم الله من قال: [الطويل]
ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره... تنوّعت الأسباب والموت واحد
الإعراب: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ انظر الآية السابقة. ﴿لَإِلَى:﴾ اللام: واقعة في جواب القسم المحذوف. (إلى الله): متعلقان بالفعل بعدهما. ﴿تُحْشَرُونَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول