← Фатава

Фатава · id 30275

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام

عبد الرحمن الحميزي

Полный текст (445 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بيوتِ أصحابِهِ شارعةٌ في المسجد، فقال: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ»، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ ولم يصنعْ القومُ شيئًا؛ رجاءَ أن ينزلَ فيهم رخصةٌ، فخرجَ إليهم، فقال: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ»، رواهُ أبو داود، والحديثُ عامٌّ في تحريمِ الجلوسِ في المسجدِ للحائضِ والجُنُبِ، ومرورِهما به، لكنَّه خصَّصَهُ قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ فإن معناها: يا أيُّها المؤمنونَ لا تقربوا مواضِعَ الصَّلاة -أي: المساجد- وأنتم سُكَارَى حتى تَفيقُوا من سُكْرِكُم، ولا تقربُوها وأنتم جُنُبٌ حتى تغتسلوا من الجنابة، إلا إذا كانَ دخولُكُم إيَّاها على وجهِ الاجتيازِ والمرورِ فلا بأسَ به، والحائضُ حُكميًّا حكمُ الجُنُبِ في ذلك، ويدلُّ على الاستثناءِ أيضًا: ما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في «سُنَنِه»، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّه: «كان أحدُنا يمرُّ بالمسجدِ جُنُبًا مُجتازًا»، وما رواهُ ابنُ المنذرِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يمشون في المسجدِ وهم جُنُب (١). س: إنني أقرأ القرآن، ولم ينشرح صدري إلا بقراءة القرآن، وأنا يمشي معي البول بدون ما أتحكم في نفسي، ولم أستطع الامتناع من البول، حيث إنه يمشي باستمرار وغير البول نظيف، فهل يجوز لي قراءة المصحف ؟ ج: إذا كان الواقعُ ما ذُكِرَ؛ فلا حرجَ عليك بقراءةِ القرآنِ، ومسِّ المصحفِ وأنت على حالكِ المذكورة، ولا حرجَ عليك في الصَّلاة وحالتُك

стр. 107

ما ذَكرت، لكن تستنجي وتتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ بعد دخولِ الوقتِ ولا يَضُرُّكَ ما خرجَ من البولِ بعد ذلك، وتغسلُ ما أصابَ بدنَك أو ثوبَك منه قبلَ الصَّلاة، ولا يضرُّكَ بعدُ لو وُجِدَ معك في الصَّلاة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). س: يتضمن عن الطرق التي يحفظ بها ما تمزق من المصاحف والكتب التي بها آيات من القرآن ؟ ج: ما تمزَّقَ من المصاحفِ والكُتُبِ والأوراقِ التي بها آياتٌ من القرآنِ يُدفنُ بمكانٍ طيِّب، بعيدٍ عن ممرِّ النَّاسِ، وعن مرامي القاذورات، أو يُحرق؛ صيانةً له، ومحافظةً عليه من الامتهان؛ لفعلِ عثمانَ ﵁ (٢). س: هل تجوز قراءة القرآن الكريم لمن كان مضطجعًا أو قائمًا أو ماشيًا ؟ ج: يجوزُ ذلك؛ لأنَّ الأصلَ: الجواز، ولم يوجدْ دليلٌ يدلُّ على المنعِ منه، ولعمومِ قولِ اللهِ في وصفِ أولي الألباب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وقراءةُ القرآنِ من الذِّكر (٣). * * *

стр. 108

س: ما حكم قول (صدق الله العظيم) بعد الفراغ من قراءة القرآن ؟ ج: قولُ (صدقَ اللهُ العظيمُ) بعدَ الانتهاءِ من قراءةِ القرآنِ بدعة؛ لأنَّه لم يفعلْهُ النَّبيُّ ﷺ ، ولا الخلفاءُ الرَّاشدون، ولا سائرُ الصَّحابة ﵃، ولا أئمَّةُ السَّلفِ ﵏، مع كثرةِ قراءتِهِم للقرآن، وعنايتهِم ومعرفتِهم بشأنِه، فكانَ قولُ ذلك والتزامُه عَقِبَ القراءةٍ بدعةً محدثةً، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، رواهُ مسلمٌ (١). س: هل يصح أو يجوز للفرد أن يتكلم بما فتح الله عليه من تدبر الآيات كما يسميه بعض العلماء بـ (لطائف التفسير)، بالرغم من أن هذا ليس مستندًا لأثر موقوف على صحابي أو حديث مرفوع إلى النبي ﷺ -؟ ج: يجوزُ لعالمِ بما يحيلُ المعاني ممَّن لديهِ معرفةٌ باللُّغةِ العربيَّةِ، وبقواعدِ الشَّريعةِ العامَّةِ أن يُفسِّرَ القرآنَ، مستعينًا في ذلك بتفسيرِ بعضِهِ لبعض، وبتفسيرِ السُّنَّةِ الصَّحيحةِ له، وسلفِ الأُمَّةِ المعتبرين. أمَّا تفسيرُهُ بمجرَّدِ الرَّأي والهوى: فحرامٌ؛ لما رَوى ابنُ جريرٍ وغيرُه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢). * * *

стр. 109

س: أرجو من سماحتكم أن تفهموني بعض معاني الآيات مثل: (حم - ألم- ألمص- حم- عسق)، وهل تقرأ هذه عين؛ لأن المدرسين يقولون هكذا؟ وهل هي معجزة يريد الله بها إعجاز فصحاء قريش، أم لا يعلم معناها إلا الله ؟ ج: فيه آراءٌ للعلماء، والرَّاجحُ: أنَّها ذُكِرتْ هذه الحروفُ -واللهُ أعلم- في أوَّلِ السُّوَرِ التي ذُكِرتْ فيها؛ بيانًا لإعجازِ القرآن، وأنَّ الخلقَ عاجزون عن معارضتِهِ بمثلِه، هذا مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروفِ المقطَّعةِ التي يتخاطبونَ بها، وهذا هو الذي نصرَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀، وارتضاهُ أبو الحجَّاجِ المزِّيِّ ﵀ (١). س: قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، آمين، أريد معرفة معنى الصراط المستقيم، ومن الذي أنعم الله عليهم بهذا الصراط، وما معنى آمين ؟ ج: معنى الصِّراطِ المستقيم: هو الطَّريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاجَ فيه، فقيلَ: هو القرآنُ، وقيل: الإسلامُ، وقيل: هو النَّبيُّ ﷺ ، والكلُّ حقٌّ، فإنَّ مَن اتَّبعَ النَّبيَّ ﷺ فقد اتَّبعَ الإسلام، ومَن اتَّبعَ الإسلامَ فقد اتَّبعَ القرآن. والذين أنعمَ اللهُ عليهم، قال ابنُ كثيرٍ في «تفسيرِه»: قال الضَّحاكُ، عن ابنِ عبَّاس: (صراطَ الذين أنعمتَ عليهم بطاعتِكَ، وعبادتِكَ من ملائكتِكَ، وأنبيائِكَ، والصِّدِّيقينَ، والشُّهداءِ، والصَّالحين، وذلك نظيرُ ما قالَ

стр. 110

ربُّنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ومعنى آمين: اللَّهمَّ استجبْ (١). س: عندي مشكلة في تفسير آية قرآنية، وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أرجو من فضيلتكم التشرف بشرحها بتفصيل ؟ ج: قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ الله تعالى في بيانِ تفسيرِ هذه الجملةِ المسئولِ عنها: يقول: لا تعتاضُوا عن الإيمانِ بآياتِي وتصديقِ رسولِي بالدُّنيا وشهواتِها؛ فإنَّها قليلةٌ فانيةٌ، وقال أيضًا: وفي «سننِ أبي داود» عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فأمَّا تعليمُ العلمِ بأجرةٍ: فإنْ كان قد تعيَّنَ عليه؛ فلا يجوزُ أنْ يأخذَ عليه أجرةً، ويجوزُ أنْ يتناولَ من بيتِ المالِ ما يقومُ بهِ حالُه وعيالُه، فإنْ لمْ يحصلْ لهُ منهُ شيءٌ وقطَعَهُ التَّعليمُ عن التَّكَسُّبِ؛ فهو كما لو لم يتعيَّن، وإذا لم يتعيَّن عليه؛ فإنَّه يجوزُ أنْ يأخذَ عليه أجرةً، عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وجمهورِ العلماءِ؛ كما في «صحيح البخاري» عن أبي سعيدٍ في قصَّةِ اللَّديغ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»، وقولِه ﷺ في قصَّةِ المخطوبةِ: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، فأمَّا حديثُ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أنَّه علَّمَ رجلا من أهلِ الصُّفَّةِ شيئًا من القرآنِ، فأهدى له قوسًا، فسألَ عنه رسولَ اللهِ ﷺ ؛ فقال: «إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُطَوَّقَ بِقَوْسٍ مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهُ»، فإنْ صحَّ إسنادُهُ؛ فترْكُهُ محمولٌ عند كثيرٍ من العلماءِ، منهم

стр. 111

أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ على أنَّه لمَّا علَّمهُ للهِ؛ لم يجزْ بعدَ هذا أن يعتاضَ عن ثوابِ اللهِ بذلك القوس، فأمَّا إذا كان من أوَّلِ الأمرِ على التَّعليمِ بالأجرةِ؛ فإنَّه يصحُّ، كما في حديثِ اللَّديغِ، وحديثِ سهلٍ في المخطوبةِ، واللهُ أعلم (١). س: ما تفسير هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ... يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا... هُوَ الْعَزِيزُ... الْحَكِيمُ﴾ ؟ ج: بعدَ أن وصفَ سبحانَه بأَّنه لا إلهَ إلا هو الحيُّ الذي لا يموتُ، وأنَّه القيُّومُ بشُئُونِ عبادِهِ؛ فلا وجودَ لهم، ولا استقامةَ لأحوالِهم إلا بهِ، مع غناهُ عنهم، وأنَّه العليمُ بكلِّ شيءٍ، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ أقامَ الدَّليل على ذلك بأنَّه وحدَهُ الذي يخلقُ النَّاسَ في أرحامِ أمهاتِهم كيفَ يشاءُ على صورٍ شتَّى وأحوالٍ مختلفةٍ من ذكرٍ وأُنثى، وحسنٍ وقبيحٍ، وشقيٍّ وسعيدٍ، لا إلهَ إلا هو، له العزَّةُ وكمالُ القوَّةِ والغلبةِ، وله الحكمةُ البالغةُ في كلِّ ما شرَعَهُ وخلقَهُ وقضى بهِ وقدَّرَه، ومن ذلك خلقُهُ لعيسى، وتقديرُه سبحانه أنْ تحملَ به أُمُّهُ بلا أبٍ، وأنْ يكونَ آيةً للنَّاسِ على كمالِ علمِ اللهِ وقدرتِهِ وبالغِ حكمتِهِ، كما خلقَ آدمَ من ترابٍ، وقالَ له: كنْ فكانَ كما أرادَ اللهُ، فلا حقَّ لهما من العبادةِ، بل هو حقٌّ لربِّ العالمين وحدَه لا شريكَ له، لا إلهَ إلا هو القويُّ الذي لا يُغْلَبُ ولا يُعْجِزُهُ شيءٌ، الحكيمُ في تدبيرِه، وفي خلقِهِ وتشريعِه. وفيها الرَّدُّ على النَّصارى القائلينَ بأنَّ عيسى ﵊ هو ابنُ الله؛ لأنَّ اللهَ هو الذي صوَّرَهُ في

стр. 112

رَحِمِ أُمِّهِ مريمَ، فكيف يكونُ ابنًا له أو إلهًا معه؟ تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا (١). س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ؟ ... ج: ذكرَ اللهُ تعالى أصولَ الإسلامِ في الآيتيْن اللَّتيْنِ قبل هذه الآيةِ فقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا... وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ثم أمر سبحانه بإتباع هذه الأصول في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، ونهى عن اتِّباعِ السُّبلِ: أي الطُّرقِ المخالفةِ لسبيلِه، وبيَّنَ أنَّهم إنْ اتَّبعوا غيرَ صراطِه وهديهِ الذي شرعَهُ لهم تفرَّقتْ بهمُ السُّبُلُ وضلَّوا عن سواءِ السَّبيل، وقد شرحَ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية، فيما رواهُ الإمامُ أحمدُ والحاكم، عن ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: خطَّ رسولُ اللهِ ﷺ خطًّا بيدِهِ، ثم قال: «هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيمًا»، وخطَّ عن يمينِهِ وشمالِه، ثم قال: «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقالَ الحاكِمُ:

стр. 113

صحيحٌ ولم يُخَرِّجَاهُ، ورواهُ النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، عن النَّوَّاسِ بنِ سمْعَانَ ﵁، وقالَ التِّرمذيُّ: حسنٌ غريبٌ (١). س: ما هي السبع المثاني في القرآن الكريم ؟ ج: المرادُ بالسَّبعِ المثاني في قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: هي سورةُ الفاتحةِ؛ لما رَواهُ البخاريُّ، عن أبي سعيدِ بنِ المُعلَّى قال: كنتُ أُصلِّي فدعاني النَّبيُّ ﷺ فلم أُجِبْهُ، قلت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي كنتُ أُصلِّي قال: «أَلَمْ يَقُل اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾»، ثم قال: «أَلا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ»، فأخذَ بيدي، فلمَّا أردْنَا أنْ نخرجَ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّك قلت: «لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ»، قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» (٢). س: صار نقاش في تفسير الآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فمنا من قال: هي عامة في أمور الدنيا والدين، ومنا من قال: هي خاصة في أمور الدين من كل فرائضه وسننه فقط. نرجو توضيح الجواب وجزاكم الله خيرًا . ج: يُطلقُ الذِّكرُ على القرآنِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وفي قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ

стр. 114

إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ويُطلقُ على اللَّوحِ المحفوظِ؛ كما في قولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، فالزَّبور: الكتبُ السَّماويَّة. والذِّكر: هو اللَّوحُ المحفوظُ، فحكمَ اللهُ تعالى قدَرًا وشرعًا بأنَّ الصَّالحين هم الذين يُنْصَرونَ في الدُّنيا والآخرة، فلهم السَّعادةُ في الدُّنيا، والفوزُ بسُكنى جنَّاتِ النَّعيمِ في الآخرة، ويُطلقُ الذِّكرُ على الشَّرفِ والرِّفعة، وعلى ذكرِ النَّاسِ لربِّهم، وذكرِ اللهِ لهم، إلى غيرِ ذلك من المعاني التي تبينُ لمَن تتبَّعَ آياتِ القرآنِ ولغةَ العرب، لكن المرادَ بالذِّكرِ في قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾، وفي قولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾، المرادُ في الآيتيْن: الكتبُ المنزَّلةُ على الرُّسلِ قبل نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ ، وأهلُ الذِّكرِ: مَن نزلتْ تلك الكُتُبُ على رسُلِهم كاليهودِ والنَّصارى، والمأمورُ بسؤالِهم: المشركون من أُمَّة محمَّدٍ ﷺ الذين أنكروا أن يكونَ محمَّدٌ ﷺ رسولا؛ لكونِهِ من البشر، والرُّسلُ إنَّما تكونُ من الملائكة، ليُبَيِّنَ لهم أهلُ الذِّكرِ من اليهودِ والنَّصارى أنَّ مَن سبَقَه من الرُّسلِ إنَّما كانوا من البشرِ لا الملائكة، غيرَ أنَّ هاتيْنِ الآيتيْن وإنْ نزلتا في أمرِ أولئك المشركين أن يسألوا أهلَ الكُتُبِ السَّابقةِ عن رسُلِهم؛ ليتبيَّنَ لهم أنَّهم من البشر، فهما دالَّتانِ على أمرِ كلِّ مَن يجهلُ شيئًا ينفعُهُ أن يسألَ عنه أهلَ العلمِ به؛ ليستفيدَ ما يعودُ عليه بالخيرِ وينهضُ به في دينِهِ ودنياه، فيدخلُ في ذلك شئونِ الدِّينِ أولا، وما يحتاجُهُ من شئونِ دنياهُ التي لها تعلُّقٌ بالدِّين، فإنَّ المُكلَّفَ مأمورٌ أنْ يعملَ لدينِهِ ودنياه (١).

стр. 115

س: ما هو التفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ . ج: التَّفسيرُ الصَّحيحُ لذلك هو: أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه يقولُ لنبيِّهِ محمَّدٍ ﷺ : وقلْ يا محمَّدُ لهؤلاءِ -الذين أغفلنا قلوبَهم عن ذِكرِنا واتَّبعوا أهواءَهم: يا أيُّها النَّاس، هذا الذي أتلُوهُ عليكم هو الحقُّ الذي أُنْزِلَ عليَّ من ربِّكم وإليهِ التَّوفيقُ والخُذلان، وبيده الهُدى والضَّلال، يهدي مَن يشاءُ منكم للرَّشاد؛ فيُؤمن، ويُضِلُّ مَن يشاءُ عن الهُدى؛ فيَكْفُر، ليس إليَّ من ذلك شيءٌ، ولست بطاردٍ من أجلِ هواكُم أحدًا ممَّن كان للحقِّ مُتَّبعًا، وباللهِ وبما أنزلَ عليَّ مؤمنًا، فإنْ شِئتمْ؛ فآمنوا، وإنْ شِئتمْ؛ فاكفروا، فإنَّكم إنْ كفرتُم؛ فقد أعدَّ اللهُ لكم على كُفرِكم به نارًا أحاطَ بكم سُرادِقُها، وإن آمنتمْ به وعمِلْتُم بطاعتِهِ؛ فإنَّ لكم ما وصفَ سبحانه لأهلِ طاعتِه، وليس المرادُ من هذا إباحةَ اللهِ تعالى الكفرَ لمَن شاءَ والإيمانَ لمَن شاء، وإنَّما هو تهديدٌ ووعيدٌ، وقد دلَّ على هذا ما ذكرَهُ تعالى بعدُ في ختامِ هذه الآيةِ من توعُّدِهم بالعذابِ الشَّديد، وما جاءَ في الآيتيْن بعدها من تبشيرِ المؤمنين بجنَّاتِ النَّعيم. ارجعْ إلى «تفسيرِ الإمامِ ابنِ جريرٍ الطَّبريِّ» ﵀ لهذه الآيةِ والآيتيْن بعدَها من سورةِ الكهف، أو «تفسيرِ ابنِ كثيرٍ» لها، وفيهما الكفاية (١). س: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا...﴾ الآية ؟ ج: يبيِّنُ اللهُ تعالى لعبادِه أنَّه لا أحدَ من النَّاسِ -برًّا كانَ أم فاجرًا-

стр. 116

إلا سَيمُرُّ على الصِّراطِ المضروبِ على متنِ جهنَّم، وإنَّ هذا المرورَ عَلِمَهُ اللهُ تعالى، وكَتَبَهُ، وأَوْجَبَهُ على نفسِه؛ عدلا منه تعالى وحكمةً وفضلا منه ورحمةً، فكان أمرًا مقضيًّا قضاءً لازمًا لا محيدَ عنه ولا مفرَّ منه، ثم ينجِّي اللهُ من عذابِ النَّارِ مَن اتَّقاهُ أيامَ الدُّنيا، ففعلَ ما أمرَهُ اللهُ به من الطَّاعات، واجتنبَ ما نهاهُ عنه من المعاصي والسَّيِّئات، ويتركُ الظَّالمين في جهنَّمَ مُكَدَّسينَ جِثيًّا، جزاءً وفاقًا بما كفروا بآياتِ اللهِ وكانوا بها يستهزئون (١). س: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ؟ ج: معناه: أنَّ اللهَ سبحانه يُغيثُ من استغاثَ به ممَّن أرادَه بشرٍّ من المخلوقات، ويمنعُهُ ممَّن أرادَهُ بسوءٍ؛ إذا شاء، ولا أحدَ من الخلقِ يستطيعُ أنْ يمنعَ أحدًا أرادَهُ الله بسوءٍ فيُنَجِّيْهِ من بأسِ اللهِ وعقابِه، ونظيرُهُ قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). س: من هم عباد الرحمن وعبيد الرحمن؟ وما الحكم فيمن يلقي كلمات دينية في طابور المدرسة وينقلها من بعض الكتب ثم يلقيها على الطلاب، هل يثاب على ذلك؟ وما منزلته إذا كان يقول ذلك لا رياءً ولا تظاهرًا، ولكنه يخشى أن يكون من الثلاثة الذين تسعَّر بهم النار ؟

стр. 117

ج: أولا: عبادُ الرَّحمنِ، وعبيدُ الرَّحمن: هم المسلمون الموحِّدون الملتزمونَ لشرائعِ الإسلام، وصفاتُ أولئك مذكورةٌ في آخرِ سورةِ الفرقان، ابتداءً من قولِ اللهِ سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى قوله جل شأنه: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. ثانيًا: اختيارُ كلمةٍ طيِّبةٍ من أيِّ كتابٍ وإلقاؤُها على شكلِ موعظةٍ في مدرسةٍ أو أيِّ اجتماعٍ، ويقصدُ عِظَةَ النَّاسِ وتعليمَهم لا شيءَ فيه، بل هو حسنٌ؛ إذا كانَ القصدُ منه وجهَ اللهِ سبحانه، وبذلك لا يكونُ من الثلاثةِ المتوعِّدين في الحديثِ الشَّريفِ بالنَّار (١). ... س: قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ما معناها؟ أفيدونا أفادكم الله وعفا عنكم ؟ ج: هذا جزءٌ من الآيةِ التي ضربَ اللهُ سبحانَه فيها مثلا لاتِّخاذِ المشركينِ آلهةً دونَ اللهِ يدعُونَها، ويتعلَّقون بها، ويَرجُونها عندَ الشَّدائد، ويتوسَّلونَ بها، فبيَّنَ أنَّ مَن يتعلَّقُ بهذه الآلهةِ الضَّعيفةِ كمَن يتعلَّقُ ببيتِ العنكبوتِ في ضعفِهِ وَوَهَنِه، وأنَّها لا تُغني عمَّن استعانَ بها شيئًا (٢). * * *

стр. 118

س: قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أرجو تفسير هذه الآية تفسيرا واضحًا ؟ ج: قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ومعنى الآيتيْن: أنَّ الكفَّارَ لمَّا اتَّهموا النَّبيَّ ﷺ بأنَّه شاعرٌ، وقالوا: إنَّ القرآنَ شعرٌ، ردَّ اللهُ مقالَتَهم بأنَّه مَا علَّمَ نبيَّهُ الشِّعر ولا أوحاهُ إليه، وبيَّنَ سبحانه أنَّه لا ينبغي له أن يكونَ شاعرًا، ولا يليقُ به ذلك؛ لأنَّه الصَّادقُ الأمينُ وإمامُ المهتدين، جاءَ أُمَّتَهُ بالحقِّ والهُدى والنُّور، أمَّا الشُّعراءُ: فهم في كلِّ وادٍ يهيمون، وأَتْباعُهُم هم الغاوون إلا الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات، فشتَّانَ بينه وبينَ الشُّعراءِ في الأخلاقِ والطِّباعِ، ثم بيَّنَ تعالى أنَّ ما أوحاهُ إليهِ ليس شعرًا، بل لا نسبَ بينَه وبينَ الشِّعرِ في أُسلوبِه ونظمِه، ولا في معناهُ -صدقًا وهدايةً وموعظةً وذكرى لمَن ألقى إليه سمعَه، وفتحَ له قلبَه، فكان له نورًا ورشادًا، وفوزًا وسعادةً-، فقالَ سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ الآية، أي: ليُنْذِرَ الرَّسولُ ﷺ بالقرآنِ كلَّ مَن كان حيَّا من الإنسِ والجِنِّ، ويخوِّفَهُ عواقبَ الإِعراضِ عن الإيمانِ به. ويحقَّ القول: أيْ كلمةُ العذابِ على مَن كفرَ باللهِ، وبرسولِه، وما جاءَ في القرآنِ الكريم. وفي هاتيْن الآيتيْن: ردٌّ على الكُفَّارِ في اتِّهامِهم النَّبيَّ ﷺ بأنَّه شاعرٌ، وزعمِهم أنَّ القرآنَ شعرٌ، وبيانٌ لعلوِّ قدرِه ﷺ وقدرِ القرآنِ، وبيانٌ لعمومِ رسالتِهِ ﷺ الثقليْن (١). * * *

стр. 119

س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ؟ ج: قد فازَ بجنَّةِ ربِّهِ، ورضوانِهِ من تطهَّرَ من الكفرِ، وسائرِ المعاصي، والأخلاقِ الخبيثةِ بالإيمانِ بالشَّريعةِ الإسلاميَّة، والعملِ بالطَّاعات، ويدخلُ في عمومِ ذلك أداءُ الزَّكاة وصِلةُ الأرحام، وما يتَّصلُ بهذا من الصَّدقاتِ والإنفاقِ في وجوهِ البِرِّ والإحسان، وذكرَ اسمَ ربِّه وَوَلِيَّ نعمتِهِ سبحانه، ذكرَ إجلالٍ وإعظامٍ ومُراقبةٍ له ومعرفةٍ لحقِّه، فحمَلَهُ ذلك على أداءِ الصَّلواتِ الخمسِ في أوقاتِها جماعةً في بيوتِ اللهِ، ويتبعُ هذه صلاةُ العيديْن وسائرُ نوافلِ الصَّلواتِ، ولم يخصَّ اللهُ بعضًا ممَّا ذكرَ دونَ بعضٍ؛ فعمَّ ما تقدَّمَ، وما في حُكمِه، وإن كان بعضُ ذلك أولى بالأداءِ من بعضٍ؛ فوجبَ أنْ تعمَّ في القولِ كما عمَّ اللهُ (١). س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ...﴾ الآيات ؟ ج: المرادُ بالبيوتِ في هذه الآية: المساجد، والجارُّ والمجرورُ: متعلِّقٌ بقولِه تعالى: ﴿يُوقَدُ﴾، أو بمحذوفٍ وقعَ صفةٍ لمصباحٍ، والمعنى: اللهُ نورُ السَّماوات والأرضِ، مَثَلُ نُورِهِ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحُ في زجاجةٍ صافيةٍ، يُوقَدُ من زيتِ شجرةِ الزَّيتونِ في مساجدٍ أمرَ اللهُ أنْ يُرفعَ بناؤُها، ويعظَّمَ قدرُها، وتكرمَ عن لهوِ الحديثِ ولغوِ الكلامِ ورفعِ الأصواتِ وكلِّ ما لا يليقُ بها، وأمرَ سبحانَه أنْ يُذْكَرَ فيها اسمُهُ بالقلبِ واللِّسانِ بالأذكارِ الثابتةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، لا على ما يفعلُهُ كثيرٌ

стр. 120

من أربابِ الطُّرقِ ومُريدُوهم من الأذكارِ المبتدعَة في ألفاظِها، أو في كيفيَّةِ أدائِها والذِّكرِ بها، يُسبِّحُ للهِ في هذه المساجدِ، ويقدِّسهُ بالصَّلاة فيها ودراسةِ العلمِ بها وتلاوةِ القرآنِ وسائرِ الأذكارِ المشروعةِ بالغدوِّ والآصالِ في الغداةِ والعشيِّ -أولِّ النَّهارِ وآخرِه- رجالٌ قدروا اللهَ قدرَه فلا تشغَلُهم مشاغلُ الدُّنيا من تجارةٍ وبيعٍ عن ذكرِ اللهِ بقلوبِهم، وألسنَتِهم، وأبدانِهم؛ لمراقبتِهم اللهَ، ونظرِهم في العواقب، وخشيتِهم من هولِ يومِ القيامةِ الذي تتقلَّبُ فيه القلوبُ والأبصارُ، وتذهلُ فيه كلُّ مرضعةٍ عمَّا أرضعت، وتضعُ كلُّ ذاتِ حملٍ حملَها، وترى النَّاسَ سُكارى وما هم بسُكَارى ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ، ثم ذكرَ اللهُ سبحانه جزاءَهم بأحسنِ ما عملوا، وتوفيتَهم أجرَهم بغيرِ حسابٍ؛ جزاءً وفاقًا بإخلاصِهم لربِّهم، وبيعِهم أنفسَهِم على وليِّ نعمتِهم اللهُ ذو الفضلِ العظيم (١). س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ؟ ج: هذه الآياتُ أوَّلُ ما نزلَ على رسولِ اللهِ ﷺ ، نزلتْ عليهِ في غارِ حراءَ، وبها بدأَ الوحيُ إليه ﵊، يقولُ اللهُ تعالى: اقرأْ يا محمَّد، مُفتَتِحًا قراءَتَك بذكرِ اسمِ ربِّك، أو مُستعينًا في قراءَتِكَ بذكرِ اسمِ ربِّكَ ووليِّ نعمتِكَ الذي خلقَ كلَّ شيءٍ، خلقَ ذُرِّيَّةَ آدمَ من علق، من دمٍ قد كان من قبلُ نطفة، ثم يصيرُ بعد مضغةً، فعظامًا، إلى آخرِ أطوارِ خلقِ الإنسانِ فعمَّمَ سبحانه في ثنائِهِ على نفسِهِ بأنَّه تفرَّدَ بخلقِ كلِّ شيءٍ، ثم خصَّ الإنسانَ تكريمًا له وتمهيدًا لذكرِ ما امتنَّ به عليهِ من نعمةِ الكتابةِ

стр. 121

والعلم، ثم أمرَهُ مرَّةً أخرى بالقراءَةِ؛ تنبيهًا إلى عِظَمِ شأنِها، وحثا على العنايةِ بها، ثم أثنى سبحانه على نفسِهِ بأنَّه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وأنَّه تفرَّدَ بكمالِ الكرمِ والجُود، ومن ذلك ما آتاهُ اللهُ محمَّدًا من النُّبوَّةِ والرِّسالةِ، وما خصَّه به من معجزةِ القرآنِ وهو الأُمِّيُّ الذي لا يقرأُ ولا يكتبُ ﷺ ، ومن كمالِ كرمِهِ وفيضِ نِعَمِهِ أنَّه علَّمَ الإنسانَ الكتابةَ بالقلم، وأنَّه علَّمَهُ ما لم يكنْ يعلمُ ممَّا لا يُحصى عدُّهُ ولا يُقْدَرُ قدْرُه، وما كان له ذلك لولا أنْ مَنَّ اللهُ عليه وأسبغَ عليه عظيمَ نِعَمَه، فتباركَ اللهُ أحسنَ الخالقين، وسعتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ، وهو أحكمُ الحاكمين (١). س: ما تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، وما معنى قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾؟ أفتوني جزاكم الله خيرًا ؟ ج: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ أي: والخيلِ المسرعاتِ في سيرِها إسراعًا شديدًا؛ نشأَ عنه الضبحُ، وهو: صوتُ نَفَسها الذي يتردَّدُ في صدرِها من شِدَّةِ سيرِها، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾: فالمُخرِجاتِ نارًا بقدْحِهنَّ الأحجارَ بحوافِرهِنَّ حينَ شِدَّةِ السَّيرِ، ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، فالمُغيراتِ على الأعداءِ وقتَ الصَّباح؛ جهادًا في سبيلِ اللهِ، ونصرةَ دينِه. وجملةُ المعنى: أنَّ اللهَ تعالى يُقسِمُ بالخيلِ المسرعاتِ في سيرِها سُرعةً يُسمعَ معها صوتُ نفَسِها المتردِّدُ في صدرِها، ويخرجُ من قدْحِها الأحجارَ بحوافِرها نارٌ تراها العيون، وتُغيرُ على الأعداءِ وقتَ الصَّباحِ؛ جهادًا في سبيلِ الله، وجوابُ القسمِ: قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ

стр. 122

لَكَنُودٌ﴾، ونُوصيكَ في مثلِ هذا: أنْ تقرأَ بعضَ كُتُبِ التَّفسيرِ المشهورةِ مثل: ابنِ كثيرٍ، والبغويِّ، والجلاليْن (١). س: ما هي كتب الحديث؟ وما هو متن الحديث؟ وما هي أصول علم الحديث ؟ ج: كتبُ الحديثِ: هي التي تجمعُ أحاديثَ النَّبيِّ ﷺ ، مثلَ «صحيحِ البخاريِّ»، و «صحيحِ مسلمٍ»، و «سننِ أبيِ داود»، و «سننِ النَّسائيِّ»، و «مسندِ الإمامِ أحمد»، و «موطَّأ مالك»، ونحوِ ذلك. ومتنُ الحديثِ: هو قولُ النَّبيِّ ﷺ ، وفعلُه، وتقريره. وأصولُ الحديثِ: هي ما يُبحثُ فيه عمَّا يتميَّزُ به الحديثُ الصَّحيحُ والحسنُ عن الحديثِ الضَّعيفِ والموضوعِ، ويُبيِّنُ درجاتِها، ويُسمَّى أيضًا: مصطلحُ الحديث، ومن كُتُبِه: «مُقدِّمةُ ابنِ الصَّلاح»، و «ألفيَةُ العراقيِّ»، و «التَّقريبُ» للنَّوويِّ، و «نُخبةُ الفِكَرِ» لابنِ حجر... إلخ (٢). س: في بعض الكتب الإسلامية التي نقرؤها ربما يذكر المؤلف حديثًا ويذكر الذي أخرجه، لكن لا يتعرض لتوضيح مدى صحته أو ضعفه، فعلى أي وجه نأخذ الحديث؟ وما هي أسهل الطرق في معرفة علوم الحديث ؟ ج: أولا: الحديثُ إذا أخرجَهُ البخاريُّ أو مسلمٌ مسندًا إلى

стр. 123

الرَّسولِ ﷺ فهو من الأحاديثِ الصَّحيحةِ؛ لأنَّ الأُمَّةَ تلقَّتْ صحيحيهِما بالقبولِ. ثانيًا: إذا لم يكنْ الحديثُ فيهما، بل في السُّننِ، أو المسانيدِ، أو المعاجم فإنَّ الأئمَّةَ يذكرون درجةَ صِحَّتِه، أو حُسْنِهِ، أو ضعفِه، وذلك مُبيَّنٌ في مظانِّه من كُتُبِ الحديث. ثالثًا: أسهلُ الطُّرقِ في معرفةِ الحديثِ وعلومِهِ هي دراستُهُ على مَن برعَ فيه من العلماءِ؛ مُبْتَدِأً بالمختصراتِ من كُتُبِ مصطلحاتِ علومِ الحديثِ، ومعرفةِ أحوالِ رجالِ الأسانيد، مثل: «نُخبةِ الفِكَر» وشرِحها، و «ألفيَّة العراقيِّ» وشرحِها (١). س: هناك أحاديث كثيرة جدًّا في كتب السنة ذات المعاني الصحيحة، وتفسيرات للآيات مقبولة إلا أنها ضعيفة، السُّؤال: هل يجوز ذكرها في الدروس والخطب والتحديث بها ؟ ج: المشروع: ألا يُذَكِّرَ المسلمُ في خُطبِهِ ومواعظِهِ ودروسِهِ إلا بما صحَّ عنه ﷺ ، وفي الآياتِ الكريمةِ والأحاديثِ الصَّحيحةِ ما يَشفي ويَكفي ويُغني عن ذكرِ الأحاديثِ الضَّعيفة، والحمدُ للهِ على ذلك، لكن يجوزُ عند أكثرِ أئمَّةِ الحديثِ ذِكْرُ الحديثِ الضَّعيفِ؛ إذا اقتضتْ المصلحةُ الشَّرعيَّةُ ذلك بصيغةِ التَّمريضِ، مثل: يُروى، ويُذْكَرُ عن النَّبيِّ ﷺ ، أمَّا الأحاديثُ التي نصَّ أهلُ العلمِ على أنَّها موضوعةٌ: فلا يجوزُ للمدرِّسِ والواعظِ وغيرِهما ذكرُها إلا لبيانِ أنَّها مكذوبة (٢).

стр. 124

س: أريد أن أعرف سيرة الرسول الكريم ؟ ج: سيرةُ الرَّسولِ ﵇ تُعرفُ من القرآنِ الكريمِ الذي قالَ اللهُ فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قالت زوجتُهُ عائشةُ ﵂: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ»، وفي السَّنَّةِ المُطهَّرة، وبإمكانِك أنْ تقرأَ ما ذكَرَهُ أهلُ الحديثِ عن سيرتِهِ وشمائِلِه، وما ذكرَهُ المؤرِّخون، كابنِ هشامٍ في كتابِ «السِّيرة»، وابنِ كثيرٍ في كتابِه «البدايةُ والنِّهاية»، وابنُ القيِّمِ في كتابِه «زادُ المعادِ في هدي خيرِ العباد»، وغيرها كـ «مختصرِ السِّيرةِ النَّبويَّة» للشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّاب، وابنِهِ عبدُ اللهِ ﵏، وستعرفُ إنْ شاءَ اللهُ سيرتَه، وأخلاقَه (١). س: ما معنى قول الرسول ﷺ : «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ»؟ أريد شرح هذا الحديث وما يستفاد منه ؟ ج: نهى النَّبيُّ ﷺ المُكلَّفَ أنْ يضرَّ نفسَهَ أو يضرَّ غيرَه، ففيهِ دلالةٌ على منعِ الإنسانِ من التَّعدي على نفسِهِ أو غيرِه، وهذا الحديثُ وإن كانَ فيه مقالٌ إلا أنَّه جاءَ من طُرُقٍ يُقوِّي بعضُها بعضًا، وله شواهدُ؛ فينهضُ إلى درجةِ الحَسنِ لغيرِه، ويصلحُ للاستدلالِ به. ونوصيكَ بمراجعةِ كتابِ «جامعِ العلومِ والحِكَم» للحافظِ ابنِ رجبٍ في شرحِ هذا الحديث (٢). * * *

стр. 125

س: كيف يمكننا التوفيق بين الحديث النبوي الشريف -على كل حال لا أدري مدى صحته - «الاختلاف رحمة...»، والآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؟ جزاكم الله خيرًا . ج: الحديثُ غيرُ صحيحٍ، والاختلافُ ابتلاءٌ وامتحانٌ من اللهِ لعبادِه، وليس رحمةً على الإطلاق، كما قالَ اللهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فمَن اجتهدَ في طلبِ الحقِّ في مسائلِ الخلافِ، وكان أهلا للاجتهادِ بِعلمِهِ وبصيرتِهِ، فأصابَ؛ فلهُ أجران، وإنْ أخطأَ؛ فله أجرٌ، أمَّا مَن تكلَّمَ في مسائلِ الخلافِ بغيرِ علمٍ وتابعَ الهوى فيها؛ فهو آثمٌ، وليس بمأجورٍ، وبهذا تجتمعُ الأدلَّةُ من الكتابِ والسُّنَّةِ وأقوالِ أهلِ العلم، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، وقالَ ﷺ : «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ وَاجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»، مُتَّفقٌ على صِحَّتِه (١). ... س: ما حكم إذا ذكر موضوع أو جرى حديث، ثم رد عن ذلك ببعض الآيات التي تحمل المعنى المتكلم به. كأن تحدث مشكلة مع إحدى المعلمات فتسأل الطالبة عما حدث، فترد بقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا... بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. هل في التلفظ بذلك إثم ؟ ج: أجازَ جمهورُ الفقهاءِ في الجملةِ الاقتباسَ من القرآنِ وتضمينَهُ

стр. 126

تضاعيفَ الكلامِ تحسينًا له، إذا كانَ لمقاصدٍ لا تخرجَ عن المقاصدِ الشَّرعيَّة. أمَّا إذا كان كلامًا مُحرَّمًا، أو مكروهًا: فلا يجوزُ الاقتباسُ فيه من القرآن، وذلك ككلامِ المبتدعةِ، وأهل المجونِ والفُحش. وهو تفصيلا ثلاثةُ أقسامٍ؛ كما ذكرَ السُّيوطيُّ: الأوَّلُ: مقبولٌ، وهو ما كان في الخُطَبِ، والمواعظ، والعهود. الثاني: مباحٌ، وهو ما كانَ في الرَّسائلِ، والقصص. الثالث: مردودٌ، وهو على ضِربيْن: أحدهما: اقتباسُ ما نسبَهُ اللهُ إلى نفسِهِ، بأنْ ينسبَهُ المقتبسُ إلى نفسِه. ثانيهما: تضمينُ آيةٍ في معنى هزلٍ، أو مُجون. وقالَ السُّيوطيُّ: (وهذا التَّقسيمِ حسنٌ جدًّا، وبه أقول). ا هـ (١). س: ما واجب المسلم تجاه القطع والقصاصات الورقية التي بها آيات قرآنية، ومن أحاديث الرسول ﷺ الملقاة في الشوارع والطرقات ؟ ج: ما رُؤيَ فيه آيةٌ من كتابِ اللهِ من الصُّحُفِ والأوراقِ، وكذلك ما فيه شيءٌ من حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ أو شيءٌ من ذِكرِ اللهِ أو سُنَّةِ رسولِهِ ﷺ ، أو لأسماءِ اللهِ وصفاتِه، فإنَّه يأخذُهُ ويرفَعُهُ، أو يحرقُهُ أو يدفنُهُ في أرضٍ طيِّبةٍ ليست طريقًا للنَّاس، ولا يُلقيهِ في الأرض؛ لأنَّ ذلك يُعَدُّ امتهانًا لكتابِ اللهِ (٢).

стр. 127

س: مس المصحف الشريف. نحن نعرف أن مس المصحف بدون وضوء لا يجوز، وفي القرآن الكريم ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. والبعض يقول: إن المسلم من المتطهرين، يجوز له مس المصحف وقراءته دون وضوء، إلا أن هناك استثناءات في مدارس الأولاد والبنات. أفيدونا جزاكم الله خيرًا . ج: الصَّحيحُ أنَّهُ لا يجوزُ مسُّ المصحفِ إلا على طهارةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وفي الكتابِ الذي كتبَ النَّبيُّ ﷺ لعمرِو بنِ حزمٍ: «أَنْ لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ»، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم، وطلابُ وطالباتُ المدارسِ يشملُهم هذا الحكم، وإذا كانوا صغارًا؛ فإنَّهم يُعلَّمون هذا الأدبَ مع القرآنِ؛ لينشؤوا على تعظيمِ القرآنِ، واحترامِه (١). س: ما هي آداب تلاوة القرآن الكريم ؟ ج: لتلاوة القرآن آداب منها: ١ - أن يكونَ قارئُ القرآنِ عملُهُ خالصًا لوجهِ اللهِ لا رياءً ولا سمعةً، ولا يطلبُ به أُجرة؛ لأنَّ عبادتَه تقرُّبًا إلى الله. ٢ - من آدابِ تلاوةِ القرآنِ أن يستعيذَ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجيمِ عند ابتدائِهِ للقراءة، ويقرأَ (بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم) إذا كان ابتداءُ قراءتِه من أوَّلِ السُّورةِ؛ عدا سورةَ التَّوبة. ٣ - يُستحبُّ لقارئِ القرآنِ عند قراءتِه أن يكونَ على وضوءٍ، فإنْ كانتْ قراءتُه من مصحفٍ؛ وجبَ عليه الوُضوء؛ لقولِه ﷺ : «لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ».

стр. 128

٤ - يُستحسنُ أن يجلسَ عند قراءةِ القرآنِ على هيئةٍ حسنةٍ ولباسٍ حسنٍ مستقبلَ القبلة، وفي مكانٍ مُحترمٍ يليقُ بالقرآن. ٥ - يُستحبُّ أن يقرأَ بخضوعٍ، وخشوعٍ، وتمهُّلٍ، وتدبُّرٍ، وتفكُّرٍ في آياتِه، ومنصرفٌ بقلبِه وحواسِّهِ لما يقرأُ من القرآن، ولا يقطعُ القراءةَ بكلامِ الآدميين من غيرِ حاجة. ٦ - يُستحبُّ أنْ يُرتِّلَ القرآنَ بصوتٍ حسنٍ مع تبيينِ الحروفِ والحركاتِ، والعنايةِ بأحكامِ التَّجويدِ حسبَ قدرتِه. ٧ - إذا كان أحدٌ يسمعُهُ وهو يقرأُ القرآنَ أو يصلِّي، فينبغي ألا يُزعجَهم برفعِ الصَّوتِ، أو يشوِّشَ على من يُصلِّي. ٨ - لا يهذُّ القارئُ القرآنَ هذًّا؛ فلا يُفهَمُ عنه ما يقول، ولا يُمَطِّطُهُ ويمدُّهُ مدًّا يخلُّ بألفاظِهِ؛ فيخرجُه عن المقصودِ من تلاوتِه، بل وسطًا بين ذلك. ٩ - لا يقرأُ القرآنَ بألحانِ الغناءِ كألحانِ أهلِ الفسق، ولا بترجيعِ النَّصارى، ولا نَوْحِ الرَّهبانيَّة؛ فإنَّ ذلك كلَّه لا يجوز. ١٠ - ومن آدابِ القراءةِ أنْ يُمْسِكَ عن القراءةِ إذا تثاءبَ حتى يذهبَ التَّثاؤب؛ تعظيمًا لله؛ لأنَّه مُخاطِبٌ ومناجٍ لربِّه، والتَّثاؤبُ من الشَّيطانِ. ١١ - ومن آدابِ القراءةِ أنْ يقفَ عند آيةِ الرَّحمةِ فيسألَ اللهَ من فضلِه، وأنْ يقفَ عند آيةِ العذابِ والوعيدِ فيستجيرَ باللهِ منه، وعندَ آية التَّسبيحِ فيُسبِّح، وذلك في غيرِ الصَّلاة المفروضة (١). * * *

стр. 129

س: هل هو حقيقة أن من لم يختم القرآن في ثلاثين يومًا يعتبر هاجرًا للقرآن ؟ ج: يُشرعُ للمسلمِ الإكثارُ من تلاوةِ كتابِ اللهِ جلَّ وعلا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾، ويُشرعُ ألا يتجاوزَ في ختمهِ للقرآنِ شهرًا؛ لفعلِ السَّلفِ، ولكن لو ختمَهُ في أكثرِ من شهرٍ لا يُعدُّ هاجرًا لتلاوةِ القرآن (١). س: كم يوما يحتاج الإنسان إلى ختم القرآن بالفهم والتدبر، وهل إذا ختم الإنسان القرآن في شهرين يكون قد تأخر في قراءته؟ أفيدونا أفادكم الله . ج: النبي ﷺ قال: لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأ القرآن في شهر، فلم يزل يقول: زدني يا رسول الله، حتى قال: اقرأه لي أسبوع». ثم طلب الزيادة إلى ثلاث. وكان الصحابة يقرءون في أسبوع، فالأفضل في أسبوع وإذا تيسر في الثلاثة أيام فلا بأس لكن مع العناية بالتدبر والتعقل والخشوع وإذا قرأ الإنسان القرآن في شهر أو شهرين فلا حرج لكن مع التدبر وإذا رتب الإنسان القراءة كل شهر يقرأ كل يوم جزءا فهذا حسن فقد قال النبي ﷺ : لعبد الله بن عمرو بن العاص: «اقرأه في شهر» فالحسنة بعشر أمثالها فالمقصود أن الإنسان يتحرى في قراءته الخشوع والتدبر والتعقل والاستفادة فمن قرأه في شهر أو شهرين أو أقل أو أكثر فلا حرج، لكن يكره أن يكون

стр. 130

ذلك في أقل من ثلاث، فأقل شيء ثلاثة أيام يقرأ في ثلاثة أيام ولياليها في كل يوم وليلة عشرة أجزاء هذا أقل ما ورد (١). س: هل الشخص الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب عند سماعه للقرآن من المذياع، يكون له أجر كأجر القارئ للقرآن ؟ ج: قراءةُ القرآنِ واستماعُه من وظائفِ المؤمنِ في هذه الحياة، وذلك من أفضلِ العبادات، وجاءَ التَّأكيدُ عليه والتَّرغيبُ فيه في آياتٍ وأحاديثَ كثيرة، والاستماعُ يحصُلُ باستماعِ شخصٍ حاضرٍ، أو من إذاعةٍ، أو من شريطٍ مسجَّلٍ، وكلُّ ذلك فيه أجرٌ وخيرٌ كثيرٌ، إن شاء الله، وعلى المستمعِ أن يتدبَّرَ، وأن يخشعَ عند سماعِ القرآنِ، وأن يعملَ بما فيه، فهذا هو المقصودُ الأعظمُ من إنزالِ القرآنِ العظيمِ لا مجردَ السَّماعِ فقط؛ كما هو حالُ كثيرٍ من النَّاس، واللهُ المستعان (٢). س: إذا ختمت القرآن جمعت أهل بيتي وقرأت الدعاء المعروف وهم يؤمنون، وبعد الفراغ كل يدعو لنفسه. فهل هذا مستحب أستمر عليه أم أنه بدعة وأتركه، أو أختم لنفسي وأقرأ الدعاء، أو أترك الدعاء بعد القراءة وأقرأ القرآن فقط؟ أفتونا جزيتم خيرًا . ج: القرآنُ الكريمُ أفضلُ الذِّكرِ، وهو كلامُ اللهِ جلَّ وعلا، وقد أمرَ سبحانَه بتلاوتِه، وتدبُّرِه، والعملِ به، وكونُ الإنسانِ يدعو بعد ذكرِ اللهِ

стр. 131

أرجى للإجابة، وقد كان كثيرٌ من السَّلفِ يفعلون ذلك، ومنهم أنسُ بنُ مالكٍ ﵁. فإذا جمعَ الإنسانُ أهلَه، ودعا؛ فلا حرجَ في ذلك، وتُرجَى لهم الإجابة (١). س: بماذا تنصحوننا بالعمل لحفظ ما نسيناه وللأسف الشديد مما حفظناه من كتاب الله ، وإن سبب ذلك هو مشاغل الحياة وليس بتفريط في القرآن، وهل يعتبر سماع القرآن من شريط مثل قراءته ؟ ج: أولا: من أعظمِ أسبابِ الحفظِ كثرةُ مراجعةِ المحفوظِ، ومذاكرتُهُ، والاهتمامُ به، مع دعاءِ اللهِ ، والاستعانةِ على ذلك بفعلِ الطَّاعاتِ وتركِ المعاصي. ثانيًا: سماعُ القرآنِ -سواءً كان من القارئِ مباشرةً أو من الأشرطةِ المسجَّلة -فيه ثوابٌ وأجر، غيرَ أنَّ قراءةَ الشَّخصِ نفسِهِ أعظمُ أجرًا (٢). س: بعض الجيران يرسلون لي الأطفال لتحفيظهم القرآن، ويعطونني بعض المال كمساعدة، وأنا لا أطلبه منهم، وأرفض ولكنهم يصرون على ذلك، ويقولون هو هدية وأنا فعلا أريد الأجر من الله؟ والآن أصبح كمرتب يرسلونه مع الأطفال دون إشراف مني، فما الحكم جزاكم الله خيرًا ؟ ج: الأصلُ جوازُ أخذِ الأُجرةِ على تعليمِ القرآنِ وإباحتِه؛ لعمومِ قولِ

стр. 132

النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»، أخرجَهُ البخاريُّ في «صحيحِه». وعلى ذلك فإنَّه يجوزُ لك قبولُ ما يُقدِّمُهُ أولياءُ الأطفالِ من مالٍ كهديَّةٍ لك؛ مقابلَ تعليمِ وتحفيظِ أولادِهم القرآنَ، ولك الأجرُ الكثيرُ والثوابُ العظيمُ من اللهِ تعالى على ذلك، مع إخلاصِ النِّيَّةِ والعملِ للهِ تعالى، والحرصِ على غرسِ الأخلاقِ الفاضلةِ في نفوسِ هؤلاءِ الأطفال (١). س: بعض الناس إذا قرأ القرآن يتمايل ذات اليمين وذات الشمال، أو إلى الأمام والخلف. فما حكم فعلهم هذا؟ أفتونا مأجورين . ج: هذا التَّمايلُ عند تلاوةِ القرآنِ هو من العاداتِ التي يجبُ تركُها؛ لأنَّها تتنافى مع الأدبِ مع كتابِ اللهِ ، ولأنَّ المطلوبَ عندَ تلاوةِ القرآنِ وسماعِه الإنصاتُ، وتركُ الحركاتِ والعبثِ؛ ليتفرَّغَ القارئُ والمستمعُ لتدبُّرِ القرآنِ الكريمِ، والخشوعِ للهِ ، وقد ذكرَ العلماءُ أنَّ ذلك من عادةِ اليهودِ عند تلاوةِ كتابِهم، وقد نُهينا عن التَّشَبُّهِ بهم (٢). س ما هو تفسير آية: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ... مَشْهُودًا﴾؟ ج: قولُهُ جلَّ وعلا: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ... مَشْهُودًا﴾، أي: صلاةُ الفجرِ؛ أخرجَ الإمامُ أحمدَ في «المسندِ» عن أبي هريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ... مَشْهُودًا﴾، قال: «تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ»، رواهُ النَّسائيُّ، وابنُ ماجه،

стр. 133

والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي «الصَّحيحينِ» عن أبي هريرةَ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ، وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (١). س: الرجاء تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ؟ ج: المرادُ بالآيةِ الكريمة: الوعيدُ الشَّديدُ في حقِّ مَن يؤخِّرون الصَّلاة عن وقتِها من غيرِ عذرٍ شرعيٍّ، فهي كقولِهِ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ فمَن أخَّرَ الصَّلاة عن وقتِها من غيرِ عذرٍ شرعيٍّ فهو متوعَّدٌ بالويلِ والغيِّ، وهما كلمتا عذابٍ، أو واديانِ في جهنم (٢). س: أريد من سماحتكم تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ج: معنى الآية الكريمة عند العلماء أن الله سبحانه منورها، فجميع النور الذي في السماوات والأرض ويوم القيامة كل من نوره سبحانه. والنور نوران: نور مخلوق وهو ما يوجد في الدنيا والآخرة وفي الجنة

стр. 134

وبين الناس الآن من نور القمر والشمس والنجوم. وهكذا نور الكهرباء والنار كله مخلوق وهو من خلقه . أما النور الثاني: فهو غير مخلوق بل هو من صفاته . والله سبحانه وبحمده بجميع صفاته هو الخالق وما سواه مخلوق، فنور وجهه ، ونور ذاته ، كلاهما غير مخلوق، بل هما صفة من صفاته جل وعلا. وهذا النور العظيم وصف له سبحانه وليس مخلوقا بل هو صفة من صفاته كسمعه وبصره ويده وقدمه وغير ذلك من صفاته العظيمة . وهذا هو الحق الذي درج عليه أهل السنة والجماعة (١). س: قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. بينوا لي معنى هاتين الآيتين . ج: قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾: يُخْبِرُ جلَّ شأنُهُ عن نفخةِ الفزَع، وهي النَّفخةُ التي تكونُ في آخرِ الدُّنيا، وهي نفخةُ الصَّعق، فينفُخُ إسرافيلُ ﵇ في الصُّورِ الذي هو القرنُ بأمرِ اللهِ ، فإذا نفخَ فيه؛ فَزِعَ جميعُ مَن في السَّماواتِ والأرضِ؛ إلا مَن استثنى اللهُ سبحانه، وهذه النَّفخةُ هي نفخةُ الصَّعقِ؛ فيموتُ جميعُ النَّاس، ثم تُنفخُ النَّفخةُ الثانية لقيامِ النَّاس من القبورِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي

стр. 135

السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، يُخبِرُ جلَّ وعلا أنَّه هو الحيُّ الباقي، وأنَّ ما سِواهُ هالكٌ، كما في قولِه تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾، فهو الأوَّلُ قبلَ كلِّ شيءٍ، وهو الآخرُ بعدَ كلِ شيءٍ (١). س: الرجاء شرح الحديث الشريف: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ...» إلخ الحديث ؟ ج: ثبتَ من حديثِ أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»، رواهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، هذا الحديثُ بيَّنَ فيه المصطفى ﷺ أنَّ الأرواحَ مخلوقةٌ على الائتلاف، والاختلافُ كالجنودِ المجنَّدة إذا تقابلتْ وتواجَهتْ، وذلك على ما جَعَلَها عليه من السَّعادةِ والشَّقاوة، والأجسادُ التي فيها الأرواحُ تلتقي في الدُّنيا؛ فتأتلفُ وتختلفُ على حسبِ ما جُعِلَتْ عليه من التَّشاكُلِ والتَّناكُر، فترىَ البرَّ الخيِّرَ يُحبُّ مثلَهُ ويَميلُ إليه، والفاجرَ يألفُ شكلَهُ ويميلُ إليه، وينفِرُ كلٌّ عن ضدِّه، ونُقل في «الفتح» عن الخطَّابيِّ أنَّه قال: يُحتملُ أن يكونَ إشارةً على معنى التَّشاكُلِ في الخيرِ والشَّرِّ، والصَّلاحِ والفسادِ، وأنَّ الخَيِّرَ من النَّاسِ يحنُّ إلى شكلِه، والشِّرِّيرَ نظيرُ ذلك يميلُ إلى نظيرِه، فتعارفُ الأرواحِ يقعُ بحسبِ الطِّباعِ التي جُبِلَتْ عليها من خيرٍ وشرٍّ، فإذا اتَّفقتْ؛ تعارفت، وإذا اختلفتْ؛ تناكرت (٢).

стр. 136

س: ما رأيكم بالحديث التالي: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ مَا لَهُ عِنْدَ اللهِ، فَلْيَنْظَرْ مَا لِلهِ عِنْدَهُ» ؟ ج: الحديثُ المذكورُ ذكرَه السُّيوطيُّ في «الجامعِ الصَّغيرِ»، ونسبَهُ إلى الدَّارقطنيِّ، وإلى أبي نُعيمٍ في «الحليةِ»، ورمزَ لهُ بالضَّعف. ومعنى الحديثِ: أنَّ اللهَ يُنْزِلُ العبدَ منه حيثُ أنزلَهُ من نفسِه، فمنزلةُ اللهِ عندَ العبدِ في قلبِهِ على قدرِ معرفتِهِ إيَّاه، وعلمِهِ به، وإجلالِهِ له، واحترامِ أمرِهِ ونهيه، والوقوفِ عند أحكامِهِ بقلبٍ سليمٍ ونفسٍ مطمئنَّةٍ، مع العملِ بما أوجبَ اللهُ عليهِ، وتركِ ما حرَّمَهُ اللهُ عليه عن إخلاصٍ للهِ وتعظيمٍ له ورغبةٍ ورهبةٍ، كما قالَ سبحانه عن أنبيائِهِ والصَّالحين من عباده: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١). س: (رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه) (كثرة الضحك تميت القلب) هل هذان أثران أم حديثان ومن ذكرهما أو رواهما، وما نسبة صحتهما ؟ ج: العبارةُ التي ذكرتَها بلفظ: «رَحِمَ اللهُ امْرَءًا عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ»: لا نعلمُ لها أصلا في المروياتِ بعد البحثِ والتَّتبُّع، فلم نجدْها في كتبِ أئمَّةِ الحديثِ المعتمدَة، ولم تُؤْثَرْ عن أحدٍ من الصَّحابةِ أو التَّابعين فيما نعلم، وهو من العباراتِ الدَّارجةِ على الألْسُنِ، ولا نعلمُ قائلَها. أمَّا الحديثُ الواردُ بلفظِ: «كَثْرَةُ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»، فقد أخرجَهُ ابنُ ماجه في «سننِهِ» عن أبي هريرةَ ﵁ بلفظ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا

стр. 137

تُكْثِرُوا الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ». قال البوصيريُّ في «الزَّوائد»: وهذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُهُ ثقاتٌ، وروى القُضاعيُّ والطَّبرانيُّ نحوَه، وأخرجَهُ ابنُ ماجه -أيضًا- من طريقِ واثلةَ بنِ الأسقعِ، عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا، تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ، تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»، قال في «الزَّوائد»: هذا إسنادٌ حسنٌ، وقد أخرجَ الإمامُ أحمدُ، والتِّرمذيُّ، والبيهقيُّ وغيرُهم نحوَه، وقال التِّرمذيُّ: حديثٌ غريبٌ، وللحديثِ طُرُقٌ أخرى كثيرةٌ غيرَ ما ذُكِرَ، وأقلُّ أحوالِ هذا الحديثِ أنَّه حسنٌ (١). س: ما صحة هذا الحديث: «أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُجَابَ الدَّعْوَةِ» ومَن رواه ؟ ج: هذا الحديثُ جزءٌ من حديثٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ ﵄، ولفظُه: تليتُ هذه الآيةَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، فقامَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ فقال: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ أنْ يجعلَني مُستجابَ الدَّعوة، فقال: «يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ وَالرِّبَا فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ»، رواهُ الطَّبرانيُّ في «الأوسطِ»، وهو حديثٌ ضعيفٌ.

стр. 138

لكن معنى هذا الحديثِ ثابتٌ في أحاديثَ أُخَر، كالحديثِ الذي في «صحيحِ مسلمٍ» ﵀، عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ «ثم ذكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ، ومطعمُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغُذِّي بالحرامِ يمدُّ يديهِ إلى السَّماءِ يا ربِّ، يا ربِّ، فأنَّى يستجابُ لذلك؟!» (١). س: هل هناك حديث صحيح يقول في ما معناه: «مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَلَى النَّارِ» ؟ ج: روى الإمامُ أحمدُ، وأصحابُ السُّننِ، والحاكم، عن أمِّ حبيبةَ ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، وقالَ التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٢). س: ما صحة هذا الحديث، فيما معناه: «رَحِمَ اللهُ مُؤْمِنًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» جزاكم الله خيرًا ؟ ج: هذا الحديثُ أخرجَهُ التِّرمذيُّ في «سننِهِ»، عن ابنِ عمرَ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعًا»، وقالَ: هذا حديثٌ غريبٌ حسنٌ، والحديثُ أخرجَهُ أبو داودَ، وابنُ حبَّانَ، وابنُ خزيمةَ من حديثِ ابنِ عمر، وفيهِ محمَّدُ بنُ مهرانَ، وفيه مقالٌ، وقد وردَ في التَّطوعِ قبلَ العصرِ حديثُ عليٍّ ﵁ قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ يصلِّي قبل العصرِ أربعَ

стр. 139

ركعاتٍ.. إلخ، رواهُ التِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وأحمد، وقالَ التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ (١).

стр. 140

فتاوى الطهارة

стр. 141

فتاوى الطهارة س: ما هو القول الراجح في مسألة المياه الرجاء الإفادة بالتوضيح ؟ ج: الأصلُ في الماءِ الطَّهارةُ، فإذا تغيَّرَ لونُهُ أو طعمُهُ أو ريحُهُ بنجاسةٍ؛ فهو نجسٌ سواءً كان قليلا أو كثيرًا، وإذا لم تُغيِّرْهُ النَّجاسةُ؛ فهو طهورٌ، لكن إذا كان قليلا جدًّا فينبغي عدمُ التَّطهُّرِ به؛ احتياطًا، وخروجًا من الخلافِ، وعملا بحديث أبي هريرة مرفوعًا «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ»، الحديث (١). س: أسمع من يقول: إن السواك داخل المسجد لا يجوز فهل هذا صحيح ؟ ج: السِّواكُ سُنًّةٌ، ويتأكَّدُ كلَّما دعتْ الحاجةُ إليه من: وُضوءٍ، وصلاةٍ، وقراءةِ قرآنٍ، وتغيُّرِ فمٍ، ونحو ذلك، ويجوزُ فِعْلُهُ داخِلَ المسجدِ وخارجَه، لعدمِ وجودِ نصٍّ يمنعُ منه داخلَ المسجدِ مع وجودِ الدَّاعي إليه، ولعمومِ حديث: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ»، إلا أنَّه ينبغي ألا يُبالغَ فيه إلى درجةِ التقايُئِ وهو في المسجدِ؛ خشيةَ أن يخرجَ منه قيءٌ أو دمٌ يلوِّثُ المسجد (٢).

стр. 142

س: ما حكم من صبغ لحيته بأشد صبغ أسود وهل يأثم من فعل ذلك أو لا وما الفرق بين حلقها وتسويدها ؟ ج: تغييرُ الشَّيبِ بصبغِ شعرِ الرَّأسِ واللِّحيةِ بالحنَّاءِ والكتمِ ونحوِهما جائزٌ بل مستحبٌّ، وتغييرُهُ بالصَّبغِ الأسودِ لا يجوز، وقد وردَ بهذا الأحاديثُ الصَّحيحةُ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ فعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: جِيءَ بأبي قُحافةَ يومَ الفتحِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وكأنَّ رأسَهُ ثَغَامَةٌ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ»، رواهُ أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه، وفي روايةٍ لأحمدَ قال ﷺ : «لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِى بَيْتِهِ لأَتَيْنَاهُ» مَكرمةً لأبِى بكرٍ، فأسلمَ ولحيتُهُ ورأسُهُ كالثغامةِ بياضًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «غَيْرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ»، وقال ﷺ : «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَاءُ وَالْكَتْمُ»، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجه، وصحَّحَهُ التِّرمذيُّ. وأمَّا الفرقُ بين حلقِ اللِّحيةِ وصبغِ شيْبِها بالسَّوادِ: فكلاهُما وإن كان ممنوعًا إلا أنَّ حلقَ اللِّحيةِ أشدُّ منعًا من صبغِها بالسَّواد (١). س: يلاحظ على بعض الشباب هذه الأيام إطالته لشعر رأسه ثم القيام بربط مؤخرة الشعر بشباصة أو بكلة كما تفعل النساء، فما حكم هذا الفعل؟ وما توجيهكم لمن يفعل ذلك ؟ ج: للرجل أن يحلق رأسه، ويجوز له أن يطيله، وإذا أطاله فإنه يتعاهده بالتنظيف والترجيل، ولا يجوز له أن يوفر رأسه على وجه يتشبه فيه

стр. 143

بالكفار في شعور رؤوسهم أو النساء لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن عمر ﵄ ولقوله ﷺ : «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء...» الحديث، رواه البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس ﵄ ومن ذلك ما ورد في السؤال من ربط مؤخرة الشعر كما تربط النساء رؤوسهن (١). س: ما حكم تربية الأظافر للنساء والرجال والحكمة في تحريمها إن كانت محرمة ؟ ج: قصُّ الأظافِرِ من سُننِ الفطرةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ»، رواهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، وثبتَ في حديثٍ آخرَ أنَّ سُننَ الفطرةِ عشرٌ، منها: قصُّ الأظفار، وعن أنسٍ ﵁ قال: وقَّتَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ في قصِّ الشَّاربِ، وقلمِ الظُّفرِ، ونتفِ الإبْطِ، وحلقِ العانةِ ألا نتركَ ذلك أكثرَ من أربعين يومًا. رواهُ أحمدُ، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ واللَّفظُ لأحمدَ، والنَّسائيِّ، فمَنْ لم يقصَّ أظفارَهُ فهو مخالفٌ لسُنَّةٍ من سُننِ الفطرة. والحكمةُ في ذلك: النَّظافةُ والنَّقاءُ ممَّا قد يكونُ تحتَها من الأوساخِ، والتَّرَفُّع عن التَّشَبُّهِ بمَنْ يفعلُ ذلك من الكفَّارِ، وعن التَّشَبُّهِ بذواتِ المخالبِ والأظفارِ من الحيوانات (٢). * * *

стр. 144

س: ما حكم من ترك بعض شعر الرأس أطول من بعض (التواليت) ؟ ج: روى أبو داودَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن القزعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ أوْ دَعْهُ كُلَّهُ». قال في «شرحِ الإقناعِ»: فيدخُلُ في القزعِ حلقُ مواضعَ من جوانبِ الرَّأسِ، أو أن يحلقَ وسطَهُ ويتركَ جوانِبَهُ؛ كما تفعلُهُ عامَّةُ النَّصارى، أو حلقُ جوانِبِهِ وتركُ وسطِهِ؛ كما يفعلُهُ كثيرٌ من السُّفهاء، وأن يحلقَ مقدمَهُ ويتركَ مؤخَّرَه، وسُئلَ أحمدُ عن حلقِ القفا فقال: (هو من فعلِ المجوسِ ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم). وبهذا يُعلمُ أنَّه لا يجوزُ تركُ بعضِ شعرِ الرَّأسِ أطول من بعض (١). س: ما هو النمص وهل يجوز للمرأة أن تزيل شعر اللحية والشارب وشعر الساقين واليدين، وإذا كان الشعر ملاحظًا على المرأة ويسبب نفرة الزوج فما حكمه ؟ ج: النَّمص: الأخذُ من شعرِ الحاجبين، وهو لا يجوز؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ لعنَ النَّامِصةَ والمتنَمِّصة، ويجوزُ للمرأةِ أن تُزيلَ ما قد ينبتُ لها من لحيةٍ أو شاربٍ أو شعرٍ في ساقيها أو يديها (٢). * * *

стр. 145

س: صلى رجل صلاة المغرب وبعد الصَّلاة اكتشف في قدمه سائلا يمنع الوضوء كالشمع مثلا هل تصح صلاته إذا علم بوجود شيء ما أثناء الوضوء ولم يره إلا بعد الصَّلاة ؟ ج: يجبُ عليهِ إزالةُ ما يمنعُ وُصولَ الماءِ إلى البشرةِ وإعادةِ الوُضوءِ، والصَّلاة (١). س: ماذا يستحب فعله عند الوضوء ؟ ج: إنَّ صفةَ الوُضوءِ الشَّرعيِّ هي: أنْ يُفْرِغَ الشَّخصُ من الإناءِ على كفَّيْهِ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يُدْخِلَ يدَهُ اليُمنى في الإناءِ فيتمضمض ويستنثر ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يغسلَ وجهَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يغسلَ يديْهِ إلى المرفقيْنِ ثلاثًا، ثم يمسحَ رأسَهُ وأُذنيْهِ مرَّةً واحدةً، ثم يغسلَ رجليْهِ إلى الكعبيْنِ ثلاثَ مرَّاتٍ، وإن غسلَ مرَّتيْنِ مرَّتيْنِ، أو مرَّةً مرَّةً؛ أجزأَ ذلك، ثم يقولُ بعدَ الوُضوء: أشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدُا عبدُهُ ورسولُهُ، اللَّهمَّ اجعلني من التَّوابينَ، واجعلني من المتطهِّرين (٢). * * * س: هل يجوز المسح على الشُّرَّابين في البرد ويكون يومًا وليلة دون أن تفسخ الشُّرًّاب ؟ ج: يجوزُ المسحُ على الشُّرَّابِ إذا كان صَفيقًا، أي: لا تُرى البشرةُ معه، ويكونُ ساترًا للمفروض.
следующие страницы →