القبوريِّونَ اليومَ حولَ الأضرحةِ من الشِّركِ بالله، ودعوةِ الأمواتِ، والذَّبحِ والنَّذر لهم.
وأمَّا التَّوسُّلُ البدعيُّ: فهو سؤالُ اللهِ بجاهِ أو بحقِّ أحدٍ من الأنبياءِ أو الأولياءِ والصَّالحين، دون أن يتقرَّبَ إليهم بشيءٍ من العبادة (١).
س: ما هو حكم الشرع حول الاعتقاد بصدق أبراج الحظ الموجودة في الجرائد والمجلات وقراءتها ؟
ج: تعليقُ النَّحسِ والسَّعدِ في الأفلاكِ والأبراجِ من شركِ الأوائلِ من المجوس، والصَّابئةِ من الفلاسفة، ونحوِهم من طوائفِ الكفرِ والشِّرك، وادِّعاءُ علمِ ذلك هو في الظَّاهرِ ادِّعاءٌ لعلمِ الغيب، وهذا منازعةٌ للهِ في حُكمِهِ، وهذا شركٌ عظيم، ثم هو في حقيقتِهِ دَجَلٌ وكَذِبٌ وتلاعبٌ بعقولِ النَّاس، وأكلٌ لأموالِهم بالباطل، وإدخالٌ للفسادِ في عقائِدِهم والتَّلبيسِ عليهمِ وعليه؛ فإنَّ (أبراجَ الحظ) يحرمُ نشرُها والنَّظرُ فيها وترويجُها بين النَّاس، ولا يجوزُ تصديقُهُم، بل هو من شُعَبِ الكفرِ والقَدْحِ في التَّوحيد، والواجبُ الحذرُ من ذلك، والتَّواصي بتركِه، والاعتمادُ على اللهِ ، والتَّوكُّلُ عليه في كلِّ الأمور (٢).
س: ما حكم الكهنة والعرافين الذين يدعون بالعلم بكل شيء، حتى إن بعضنا يذهب إليهم إذا فقد شيئا، وقد يتحقق البعض من ذلك ؟
стр. 72
ج: لا يجوزُ الذَّهابُ إلى الكهنةِ والعرَّافين، ولا سؤالُهم ولا تصديقُهم؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ »، وقولِه ﵊: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»، خرَّجَهُ مسلمٌ في «صحيحِه»، وهؤلاءُ الكهنةُ والعرَّافونُ بادِّعائِهم الغيبَ قد كفروا باللهِ العظيمِ، وخرَجُوا عن الإسلام؛ لأنَّ علمَ الغيبِ من خصائصِ الرَّبِّ جلَّ وعلا، قالَ سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ... عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١).
س: هناك فئة من الناس يعالجون بالطب الشعبي على حسب كلامهم، وحينما أتيت إلى أحدهم قال لي: أخبرني عن اسمك واسم والدتك، ثم ارجع في اليوم الفلان وحين رجعت قال لي: إنك مصاب بكذا وكذا. ويقول أحدهم: إنه يستعمل كلام المولى في العلاج. فما رأيكم في مثل هؤلاء، وما حكم الذهاب إليهم ؟
ج: هذا الرَّجلُ وأمثالُه الذي يزعمُ أنَّه يعرفُ أنَّ المريضَ مصابٌ بكذا وكذا بمجردِ أخذِ اسمِ المريضِ واسمِ والدتِه، أو أنَّه يستعملُ كلامَ المولى، هو من عملِ الكهنةِ والمشعوذِين، تجبُ نصيحتُه وتحذيرُه من عملِه، وأمرُه بالتَّوبةِ النَّصوحِ إلى الله، فإنْ تابَ وإلا رُفِعَ أمرُهُ للجهاتِ المختصَّةِ؛ لمنع شرِّهِ عن النَّاس. ويحرمُ الذَّهابُ إلى هذا الرَّجلِ وأمثالِه؛ لما رواهُ أبو هريرةَ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ »، أخرجَهُ أصحابُ السُّنَنِ،
стр. 73
والحاكمُ، وصحَّحه. وعلى ذلك فمَنْ يذهبُ للكهنةِ والعرَّافين ويصدِّقُهم فيما يقولونَه من أخبارِ الغيبِ، فإنَّه يكفرُ كفرًا يُخرِجُهُ من الملَّةِ والعياذُ بالله؛ لقولِ اللهِ سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (١).
س: لماذا قبح الله الشرك، وتوعد المشرك بعدم المغفرة وبالخلود في النار ؟
ج: قبَّحَ اللهُ الشِّركَ، وتوعَّدَ المُشْرِكَ بعدمِ المغفرةِ له، وبالخلودِ في النَّارِ إذا مات عليه؛ لأنَّه أعظمُ ذنبٍ عُصِيَ اللهُ به، وأعظمُ ما نهى اللهُ عنه، ولهذا أخبرَنا سبحانَه أنَّه لا يغفرُهُ لصاحبِه إذا ماتَ على شركِهِ ولم يَتُبْ منه، وأنَّ عملَ صاحبِه حابِطٌ، وأنَّه لا أحدَ أضلُّ من فاعلِه، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فمَن أشركَ مع اللهِ أحدًا غيرَه؛ فقد ساوى الخالقَ بالمخلوق، وجعلَ المخلوقَ نِدًّا للهِ، صرفَ لهُ من أنواعِ العبادةِ ما لا يستحقُّهُ إلا الله؛ ولهذا توعَّدَ اللهُ فاعلَهُ بالخلودِ في النَّار، قالَ تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا سُئلَ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قيل: ثم أيُّ؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قيل: ثم أيُّ؟ قال: «أَنْ
стр. 74
تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»، فأنزلَ اللهُ في ذلك قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (١).
س: ما الفرق بين المشرك والمنافق ؟
ج: المشركُ هو: من صرفَ شيئًا من العبادةِ لغيرِ الله، وأعلنَ ذلك، كعُبَّادِ القبورِ، ونحوِهم، وهذا هو الشِّركُ لا يبقى مع صاحبِهِ شيءٌ من التَّوحيد، وهذا المشركُ هو الذي حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ ومأواهُ النَّار، ولا يغفرُ اللهُ لهُ شِركَهُ إذا ماتَ عليه ولمْ يَتُبْ منه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
أما المنافقُ النِّفاق الاعتقاديّ، فهو من أظهرَ الإسلامَ وأبطنَ الكُفرَ، كتكذيبِ الرَّسولِ ﷺ وبُغضِهِ، أو تكذيبِ وبغضِ بعضِ ما جاءَ به، أو السُّرورِ بانخفاضِ دينِ الرَّسولِ ﷺ وكراهيةِ انتصارِه، ونحو ذلك. وصاحبُ هذا النِّفاقِ مُخَلَّدٌ في النَّار، ومن أهلِ الدَّركِ الأسفلِ من النَّار إذا ماتَ على ذلك، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (٢).
* * *
стр. 75
س: ما هو النفاق وأقسامه وصفته ؟
ج: حد النفاق: إظهار الخير وإبطان الشر: وهو قسمان:
نفاق أكبر: اعتقادي مخلد صاحبه في النار، وذلك مثل ما أخبر الله به عن المنافقين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]؛ من المبطنين للكفر المظهرين للإسلام.
ونفاق أصغر: عملي، مثل ما ذكره النبي ﷺ في قوله: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»، فالكفر الأكبر والنفاق لا ينفع معه إيمان ولا عمل، وأما الأصغر منهما فقد يجتمع مع الإيمان فيكون في العبد خير وشر، وأسباب ثواب وأسباب عقاب (١).
س: نأمل منكم التكرم بأن تبينوا لي التبرك الممنوع (البدعي) متى يكون شركًا أكبر، ومتى يكون شركا أصغر. مع ذكر الأمثلة ؟
ج: التَّبرُّكُ بالمخلوقِ قسمان: أحدُهُما: التَّبَرُّكُ بالمخلوقِ من قبرٍ أو شجرٍ أو حجرٍ أو إنسانٍ -حيٍّ أو ميّتٍ-، يعتقدُ فاعلُ ذلك حصولَ البركةِ من ذلك المخلوقِ المتبرَّكِ به، أو أنَّه يُقرِّبهُ إلى اللهِ سبحانه، ويشفع له عنده، كفعلِ المشركينَ الأوَّلين، فهذا يُعتبرُ شركًا أكبرَ من جنسِ عملِ المشركينِ مع أصنامِهم وأوثانِهم، وهو الذي وردَ فيه حديثُ أبي واقدٍ اللَّيثيِّ في تعليقِ المشركين أسلحتَهم على الشَّجرة، واعتبرَ النَّبيُّ ﷺ ذلك شركًا أكبرَ من المُعلِّقين، وشبَّهَ قولَ مَن طلبَ ذلك منه بقولِ بني إسرائيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.
стр. 76
القسمُ الثاني: التَّبرُّكُ بالمخلوقِ اعتقادًا أنَّ التَّبَرُّكَ به قربةٌ إلى اللهِ يُثيبُ عليها، لا لأنَّه يضرُّ أو ينفع، كتبرُّكِ الجُهَّالِ بكسوةِ الكعبة، وبالتَّمسُّحِ بجدرانِ الكعبة، ومقامِ إبراهيم، والحجرةِ النبويَّة، وأعمدةِ المسجدِ الحرامِ والمسجدِ النبويِّ؛ رجاءَ البركةِ من الله، فإنَّ هذا التَّبرُّكَ يُعتبر بدعةً، ووسيلةً إلى الشِّركِ الأكبرِ إلا ما خصَّهُ الدَّليل، كالشُّربِ من ماءِ زمزمَ، والتُّبرُّكِ بِعَرَقِ النَّبيِّ ﷺ ، وشعرِه، وما مسَّ جسدَه، وفضلِ وضوئِه -صلوات الله وسلامه عليه-فإنَّ هذا لا بأسَ به؛ لقيامِ الدَّليلِ عليه (١). ...
س: كيف نعالج العجب والرياء ؟
ج: الواجب على المسلم أن يعمل العمل مخلصًا لله فيه، مقتديًا بالنبي ﷺ ، يرجو ما عند الله من الأجر والثواب في الدار الآخرة، فلا يجوز أن يعمل العمل لأجل الناس وثنائهم، كما أنه لا يحل له ترك العمل خشية الناس؛ فإن ذلك عجز ومنقصة.
وعليه أن يحذر من الرياء؛ لأن الرياء يحبط العمل الذي خالطه واستمر معه ولم يتب منه صاحبه.
والعلاج من العجب بالعمل، والرياء: يكون بمجاهدة النفس في الإخلاص لله تعالى، والبعد عن الرياء، والاستعانة بالله في هذا، والتأمل في عاقبة الرياء في الدنيا والآخرة، فإن من تأمل ذلك كره إليه الرياء؛ لأن رياءه لن يجلب له نفع الناس، ولن يدفع عنه ضررهم، بل يجلب عليه
стр. 77
سخط الله تعالى وغضبه ومقته ويرد عمله، فيخسر بذلك الدنيا والآخرة، وفي (الصحيحين) أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ» ومما يعين على الخلاص من هذا الداء: سؤال الله تعالى العافية، والتعوذ منه، والتذكر أنه من أعمال المنافقين المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا... قَلِيلًا﴾، وقد خاطب النبي ﷺ أصحابه قائلا: «أيها الناس، اتقوا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل»، قالوا: وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه». رواه أحمد، والطبراني، عن أبي موسى الأشعري ﵁ (١).
س: فضيلة الشيخ: ما حكم إصلاح الناس بغير حكم القرآن والحديث، إذا كان يسكِّن فتنة دم، أو يقطع المخاصمة ؟
ج: إذا كانَ الإصلاحُ بين النَّاسِ يترتَّبُ عليه ارتكابُ مُحرَّمٍ أو التَّحاكمُ إلى القوانينَ الوضعيَّةِ المخالفةِ لكتابِ اللهِ وسنَّةِ رسوله؛ فإنَّ ذلك لا يجوزُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، فيجبُ على مَن يُصلحُ بين النَّاسِ أن يُصلِحَ بينهم بالعدلِ، ويحمِلَهُمْ على اتِّباعِ الحقِّ، وتركِ الظُّلمِ، والعفوِ عن خصمِهِ بأسلوبٍ حسنٍ وكلامٍ طيِّب، وقد يكونُ الإصلاحُ بين النَّاسِ بدفعِ المالِ لأحدِ المُتخاصِمين أو كليهما، كدفعِ الزَّكاة للغارمينَ، أو دفعِ المالِ لهم أو لغيرِهم من غيرِ الزَّكاة، إذا رأى أنَّ المالَ أنفعُ وأجدى من الكلامِ، وله الأجرُ والثوابُ
стр. 78
على ذلك. وعلى مَن يُصْلِحُ بين النَّاس أنْ يتَّقِيَ اللهَ في عَمَلِه، ولذلك بدأَ اللهُ بالتقوى قبل إصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ... مُؤْمِنِينَ﴾، وقالَ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١).
* * *
س: يقول الناس عند النوازل والشدائد: يا رسول الله، وغيره من الأولياء، ويذهبون إلى مقابر الصالحين في حالة المرض ويستغيثون بهم، ويقولون: إن الله يدفع البلاء بهم، نحن نستمدهم لكن نيتنا إلى الله، لأن المؤثر هو الله، هل هذا شرك أم لا، وهل يقال لهم: إنهم مشركون؟ والحال أنهم يصلون ويقرأون القرآن وغيره من العمل الصالح ؟
ج: ما يفعله هؤلاء هو الشِّركُ الذي كان عليه أهلُ الجاهليَّةِ الأولى، فإنَّهم كانوا يدعون اللاتَ والعُزَّى ومناةَ وغيرَهم ويستغيثونَ بهم؛ تعظيمًا لهم، ورجاءَ أن يُقرِّبوهم إلى الله ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويقولون أيضًا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقد بيَّنَ النبي ﷺ أن الدُّعاءَ عبادة، وأنها لا تكونُ إلا لله، ونهى الله تعالى عن دعاءِ غيرِه، فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وعلى المسلمين أنْ يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ في كلِّ ركعةٍ من صلواتِهم؛ إرشادًا لهم إلى أنَّ العبادةَ لا تكونُ إلا له، وأنَّ الاستعانةَ لا تكونُ إلا به دونَ الأمواتِ من الأنبياءِ وسائرِ الصَّالحين، ولا يغُرنَّك مع
стр. 79
ذلك كثرةُ صلاةِ هؤلاءِ وصيامِهم وقراءتِهم، فإنَّهم ممَّن ضلَّ سعيُهم في الحياةِ الدُّنيا وهم يحسبونَ أنَّهم يُحسنون صُنعًا؛ وذلك أنَّها لم تُبنَ على أساسِ التَّوحيدِ الخالص، فكانت هباءً منثورًا، والأدلَّةُ من الكتابِ والسُّنَّةَ على شِركِهِم وإحباطِ عَمَلِهم كثيرة، فراجعْ في ذلك آياتِ القرآنِ، والسُّنَّةَ الصَّحيحةَ، وكُتُبَ أهلِ السُّنَّة، نسألُ اللهَ لنا ولكَ الهداية (١).
س: ما هو حكم الذبح للميت الذي يَدَّعِي أنَّه ولي الله ويبنى عليه الجدران ؟
ج: الذَّبح لمَن ذكرتَ من الميِّتِ الذي يدعي أنه وليٌّ للهِ نوعٌ من أنواع الشِّرك، وذابِحُها للوليِّ مُشركٌ ملعونٌ، وهي ميتةٌ يحرمُ على المسلم الأكلُ منها؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ولِما ثبتَ عن عليِّ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» (٢).
س: ما الصفات التي ينبغي أن تتوفر فيمن يريد أن يقوم بإصلاح ذات البين ؟
ج: ينبغي أن يكون ذا حلم وتقوى لله وعمل صالح وإنصاف للنفس من النفس حتى يتوسط بين الناس بما أعطاه الله من العلم والبصيرة
стр. 80
والإنصاف والتواضع حتى يتوسط بين من زين لهم الشيطان الاختلاف والفرقة.
ومن صفاته أن يكون جوادا كريما سخيا يستطيع أن يبذل المال في الإصلاح بين الناس، فالمصلح من صفاته الخلق الحسن والتواضع والجود والكرم وطيب الكلام وحسن الكلام وعدم سوء الكلام.
يتوسط بكلام طيب وأسلوب حسن ورفق وجود وكرم، إذا دعت الحاجة إلى وليمة أو مساعدة بذل حتى يتمكن من الصلح، ومما يتعلق بالصلح أيضا بذل المال ولو بطريق السلفة والقرض، يتحمل حمالة يقترض من بعض إخوانه ليصلح بين المتنازعين والمختلفين من قبيلتين أو قرابتين أو أخوين أو ما أشبه ذلك، قد يحتاج إلى بذل المال ولو بالاقتراض ويعطى من الزكاة إذا تحمل للإصلاح، فالمصلح بين الناس جدير بأن يساعد ويعان حتى ولو من الزكاة، في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: «إن المسألة لا تحل لأحد إلا لأحد ثلاثة -وذكر منهم- رجلا تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك». رواه مسلم في «صحيحه» (١).
س: ما هي نواقض الإسلام ؟
ج: نواقضُ الإسلامِ كثيرةٌ، وأعظمُها الشِّركُ باللهِ ، بدعاءِ الأمواتِ، والاستغاثةِ بهم، والذَّبحِ والنَّذرِ لقبورهم، وغيرِ ذلك من أنواعِ العباداتِ التي تُفعلُ عند الأضرحةِ تقرُّبًا للأموات، لطلبِ الحاجاتِ منهم. ومن نواقضِ الإسلامِ: السِّحرُ -تعلمه وتعليمه- وادِّعاءُ علمِ الغيب، واستحلالُ الحكمِ بغيرِ ما أنزلَ الله، ومنها: تركُ الصَّلاة متعمِّدًا، ومنها
стр. 81
الاستهزاءُ بالدِّينِ، وسبُّ اللهِ وسبُّ رسولِه ﷺ ، والاستهزاءُ بالقرآنِ أو السُّنَّةِ المطهَّرة (١).
س: إذا نقض المسلم إسلامه، وبعد مدة قليلة استغفر ربه. فهل في هذه الحالة يشترط عليه أن يجدد توبته ويقول الشهادتين ؟
ج: توبةُ المرتدِّ على حسبِ حالِه، فإن كان بفعلِ شيءٍ مُحرَّمٍ يُوجبُ الرِّدَّةَ؛ فبتركِهِ، مع النَّدمِ على ما مضى منه، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه، وإن كانَ بتركِ شيءٍ واجبٍ؛ فبفعلِهِ، مع النَّدمِ على ما مضى، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه، وإن كانَ بقولِ شيءٍ، فتوبتِهِ بتركِ ذلك، مع النَّدمِ على ما مضى منه، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه. فتاركُ الصَّلاة توبتُهُ بفعلِها، مع النَّدمِ على ما مضى منه، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه، والمستبيحُ لفعلِ المحرَّماتِ الُمجْمَعِ على تحريمِها، والمعلومِ من الدِّينِ بالضَّرورة، توبتُهُ باعتقادِ تحريمِها، مع النَّدمِ على ما مضى منه، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه، وتوبةُ من يدعو غيرَ الله من الأمواتِ وغيرِهم تكونُ بتركِ ذلك، وإخلاصِ العبادةِ للهِ تعالى، مع النَّدمِ على ما مضى منه، والعزمِ الصَّادقِ ألا يعودَ فيه (٢).
* * *
стр. 82
س: هل لا يعلم ما في نفسي إلا الله ؟
ج: لا يعلمُ ما في النُّفوسِ، وما تُكِّنُهُ الصُّدُورُ من الخواطرِ والهواجسِ والأسرارِ إلا اللهُ ، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ... وَأَخْفَى﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾، وقالَ : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وقال: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فمَن ادَّعى أنَّه يعلمُ ما في نفوسِ النَّاسِ وما تُخفيهِ صدورُهُم؛ فقد نازعَ اللهَ جلَّ وعلا في ربوبيَّتهِ، وذلك كفرٌ باللهِ العظيم، فيجبُ الحذرُ منه (١).
س: ما معنى قول المؤلف في «حاشية الأصول الثلاثة»: (يجب معرفة الإسلام بالأدلة). يقول المؤلف في نفس الحاشية: أرسل الله إلينا رسولا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. هل المقصود طاعة الرسول أم توحيد الربوبية ؟
ج: معنى قولِ المؤلِّف: (يجبُ معرِفَةُ الإسلامِ بالأدلَّة): هو أنَّ الواجبَ على المُكَلَّفِ أن يتعلَّم الإسلامَ بأركانِه من مصادرِهِ الأصليَّة، وهي: الكتابُ الكريمِ، والسُّنَّةُ الشَّريفة، فيتعلَّمُ التَّوحيدَ، وما ينقصه، وما يُضادُه، ويتعلَّمُ الصَّلاة وشروطَها وأركانَها وواجباتِها وسُنَنَها من القرآنِ الكريمِ، ومن أقوالِ المصطفى ﷺ وأفعالِه وتقريراتِه، وهكذا بقيَّةُ أركانِ الإسلامِ وشرائِعِه.
والمقصودُ بقولِه: (أرسلَ اللهُ إلينا رسولا فمَن أطاعَهُ؛ دخلَ الجنَّةَ، ومن عصاهُ؛ دخلَ النَّار): أنَّ اللهَ جلَّ وعلا بعثَ محمدًا ﷺ بالتَّوحيدِ،
стр. 83
وبقيَّةِ شرائعِ الدِّين، فمَن استجابَ ودخلَ في دينِ اللهِ تعالى وامتثلَ ما أمرَهُ اللهُ به، وانتهى عمَّا حرَّمَ اللهُ عليه؛ دخلَ الجنَّة، ومَن خالفَ وعصى الرَّسولَ ولم يدخلْ في دينِ اللهِ؛ فلهُ النَّار؛ لذلك قالَ تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى»، قالوا: ومَن يَأْبَى، يا رسولَ الله؟! قال: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (١).
س: أسمع بالدعوة إلى تقوى الله، ولكن لم أستطع تحديد كيفية تقواه؛ لعموم هذه الكلمة، فما هو السبيل إلى تقوى الله ؟
ج: أمرَ اللهُ جلَّ وعلا بتقواهُ، فقالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، وتقوى اللهِ سبحانَه تكونُ بإتيانِ المأموراتِ، واجتنابِ المنهيات، فيفعلُ العبدُ ما أَمَرَ بهِ من الأقوالِ والأفعالِ والمقاصدِ، ويتركُ ما نَهى عنه من الأقوالِ والأفعالِ والمقاصدِ (٢).
س: ما معنى كلمة (الدين يسر) ؟
ج: كلُّ ما شرعَ اللهُ لعبادهِ -من عقائدَ، وأحكامٍ في العباداتِ والمعاملات- وكلَّفَهم بها لا ضررَ فيها، بل هي في حدودِ طاقتِهم، قالَ تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ
стр. 84
بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، ورخَّصَ في الفطرِ في السَّفرِ وفي المرض، وفي الصَّلاة قُعودًا لمَن لا يستطيعُ القيامَ، وعلى جَنْبٍ لمَن لا يستطيعُ الصَّلاة جالسًا، إلى أمثالِ ذلك من الرُّخصِ التي شُرِعَتْ لدفعِ الحرج (١).
س: عندنا إذا أنهى المصلون صلاة الجماعة يقول المصلي لأخيه أو للمصلي الذي قربه: (تقبل الله صلاتك)، فيرد عليه قائلا: تقبل الله صلاتنا وصلاة المؤمنين جميعا. فما قولكم في ذلك ؟
ج: التزامُ قولِ المصلِّي بعدَ السَّلامِ لمَن بجوارِهِ تقبَّلَ اللهُ ليس مشروعًا، بل ذلك من البدع؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ والصَّحابةَ ﵃ لم يفعلوا ذلك، وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
* * *
س: ما حكم السجود على المقابر والذبح عليها ؟
ج: السُّجودُ على المقابرِ والذَّبحِ عليها وثنيَّةٌ جاهليَّةٌ، وشركٌ أكبر، فإنَّ كُلا منهما عبادةٌ، والعبادةُ لا تكونُ إلا للهِ وحدَه، فمَن صرَفَها لغيرِ اللهِ فهو مشركٌ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقالُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، إلى غيرِ هذا من الآياتِ الدَّالةِ على أنَّ السُّجودَ والذَّبحَ عبادة، وأنَّ صرفَهُما لغيرِ اللهِ شركٌ أكبر، ولا شكَّ
стр. 85
أنَّ قصدَ الإنسانِ إلى المقابرِ للسُّجودِ عليها، أو الذَّبحِ عندَها إنَّما هو لإعظامِها وإجلالِها بالسُّجودِ، والقرابين التي تُذبحُ أو تُنْحَرُ عندها، ورَوى مسلمٌ في حديثٍ طويلٍ في بابِ (تحريمِ الذَّبحِ لغيرِ اللهِ تعالى ولعنِ فاعلِه)، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قال فيه: حدَّثني رسولُ اللهِ ﷺ بأربعِ كلماتٍ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ»، ورَوى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» من طريقِ ثابتِ بنِ الضَّحَّاكِ رضى اللهُ عنه قال: نذرَ رجلٌ أنْ ينحرَ إبلا ببوانَةَ، فسألَ رسولَ اللهِ ﷺ فقال: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟»، قالوا: لا، فقال: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قالوا: لا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصَيَةِ اللهِ، وَلا فَيمَا لا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ»، فدَلَّ ما ذُكِرَ على لعنِ مَن ذَبَحَ لغيرِ اللهِ، وعلى تحريمِ الذَّبحِ في مكانٍ يُعَظَّمُ فيه غيرُ اللهِ من وثنٍ أو قبرٍ أو مكانٍ فيه اجتماعٌ لأهلِ الجاهليَّةِ اعتادُوه، وإنْ قصدَ بذلك وجهَ الله (١).
س: هل يجوز قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن للميت عند زيارة قبره، وهل ينفعه ذلك ؟
ج: ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يزورُ القبورَ ويدعو للأمواتِ بأدعيةٍ علَّمَها أصحابَه، وتعلَّمُوها عنهُ، من ذلك: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ»، ولم يثبتْ عنه ﷺ أنَّه قرأَ سورةً من القرآنِ أو آياتٍ منه للأمواتِ مع زيارتِهِ لقبورهم، ولو كان ذلك مشروعًا؛ لفعلَهُ وبيَّنَه لأصحابِه؛ رغبةً في
стр. 86
الثوابِ ورحمةً بالأُمَّةٍ، وأداءً لواجبِ البلاغ؛ فإنَّه كما وصفَهُ تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فلمَّا لم يفعلْ ذلك مع وجودِ أسبابِهِ دلَّ على أنَّه غيرُ مشروع، وقد عرفَ ذلك أصحابُه ﵃ فاقتفوا أثرَه، واكتفوا بالعبرةِ والدُّعاءِ للأمواتِ عند زيارتِهم، ولم يثبتْ عنهم أنَّهم قرؤوا قرآنًا للأموات، فكانتْ القراءةُ لهم بدعةً مُحدثةً، وقد ثبتَ عنه ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
ثانيًا: يلحقُ المسلمُ بعد موتِه ممَّا عملَ بنيَّةِ أن يكونَ ثوابُه للميِّت ما وردَ فيه دليلٌ من الشَّرعِ؛ كالدُّعاءِ والاستغفارِ والصَّدقةِ والحجِّ والعمرةِ وقضاءِ الدَّينِ للميِّت، وكذلك الصَّومِ عنه إذا كان عليه صوم (١).
س: أرجو الإفادة عن قول كثير من الناس: يا وجه الله، يا فزعة الله، يا جاه الله خط الله ومحمد رسول الله. وكذلك إذا جاؤوا إلى المريض ووجدوه مرتفع السخونة وضعوا أيديهم على رأسه وقالوا: يا رسول الله ؟
ج: لا يجوزُ دعاءُ صفةٍ من صفاتِ اللهِ ، مثل: يا وجهَ الله، وإنَّما يُدعى الله ويتوسَّلُ إليه بأسمائِهِ وصفاتِه، بأنْ يُقال: يا رحمانُ ارحمنِي، يا غفورُ اغفرْ لي. وأمَّا قولُ القائلِ: يا وجهَ اللهِ، يا فزعةَ الله، ونحو ذلك فلا يجوز؛ لأنَّ الصِّفاتِ لا تُدعى، وإنَّما يُدعى الموصوفُ وهو اللهُ . وأمَّا مَن زارَ المريضَ ووضعَ يدَهُ على رأسِهِ، وقال: يا رسولَ اللهَ فهذا القولُ لا يجوز، بل هو من الشِّركِ الأكبرِ؛ لأنَّه دعاءٌ لغيرِ الله (٢).
* * *
стр. 87
س: بعض المصلين بعد الصَّلاة وفي أي وقت يكبرون بصوت جماعي، يقولون الله أكبر كلمة واحدة. هل هذا وارد أم لا ؟
ج: التَّكبيرُ الجماعيُّ بصوتٍ واحدٍ من المجموعةِ بعدَ الصَّلاة أو في غيرِ وقتِ الصَّلاة: غيرُ مشروعٍ، بل هو من البدعِ المُحْدَثَة في الدِّين، وإنَّما المشروعُ الإكثارُ من ذكرِ اللهِ جلَّ وعلا بغيرِ صوتٍ جماعيٍّ بالتَّهليلِ والتَّسبيحِ والتَّكبيرِ وقراءةِ القرآن، وكثرةِ الاستغفارِ؛ امتثالا لقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا... (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وعملا بما رغَّبَ فيهِ رسولُ اللهِ ﷺ بقولِه: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ». رواهُ مسلمٌ، وقولِه: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». رواهُ مسلمٌ، والتِّرمذيُّ واللَّفظُ له، واتِّباعًا لسلفِ هذه الأُمَّة، حيثُ لم يُنْقَلْ عنهم التَّكبيرُ الجماعيُّ، وإنَّما يفعلُ ذلك أهلُ البدعِ والأهواء، على أنَّ الذِّكرَ عبادةٌ من العبادات، والأصلُ فيها التَّوقيفُ على ما أمرَ به الشَّارع، وقد حذَّرَ النَّبيُّ ﷺ من الابتداعِ في الدِّين، فقال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١).
س: تحتفل بعض المؤسسات الإسلامية بمولد الرسول ﷺ . هل فعل الرسول ﷺ هذا أو أمر به بعد مماته ﷺ -؟
ج: الاحتفالُ بمناسبةِ المولدِ النَّبويِّ بدعةٌ مُحرَّمةٌ؛ لأنَّ ذلك لا دليلَ عليهِ من كتابِ اللهِ ولا سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولم يَعْمَلْهُ أحدٌ من خلفائِهِ
стр. 88
الرَّاشدين والقرونِ المُفضَّلَة، ولقولِه ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» (١).
س: ما حكم تعييد ميلاد الأولاد؟ يقال عندنا: إن من الأحسن الصوم في ذلك اليوم بدلا من التعييد. ما هو الصحيح ؟
ج: عيدُ الميلادِ، أو الصِّيامُ لأجلِ عيدِ الميلادِ كلُّ ذلك بدعة، لا أصلَ له، وإنَّما على المسلمِ أنْ يتقرَّبَ إلى اللهِ بما افترضَه عليه وبنوافلِ العبادات، وأنْ يكونَ في جميعِ أحيانِهِ شاكرًا لهُ وحامدًا لهُ على مرورِ الأيامِ والأعوامِ عليه وهو معافًى في بدنِه، آمِنًا على نفسِهِ ومالِهِ وولدِه (٢).
س: قال رسول الله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا لِثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى»؛ فما معنى (الرحال) في هذا الحديث، وما كيفية تشديدها في المساجد الثلاثة ؟
ج: معنى هذا الحديث أي: أنَّه لا يجوزُ السَّفرُ إلى مكانٍ بقصدِ عبادةِ اللهِ فيه بالصَّلاة أو الدُّعاءِ أو قراءةِ القرآنِ، إلا هذه البقاع الثلاث، وهي: المسجدُ الحرام، والمسجدُ النَّبويُّ، والمسجدُ الأقصى (٣).
* * *
стр. 89
س: ما حكم رجلين تعاهدا على شيء وقرأ الفاتحة، فهل يجب الوفاء بالعهد وما الكفارة ؟
ج: قراءةُ الفاتحةِ عند العهدِ لا أصلَ لها، والعهدُ إذا كانَ على فعلِ شيءٍ مباحٍ يجبُ الوفاءُ به؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ... مَسْئُولًا﴾، وقولِه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾، وقولِه ﷺ : «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». مُتَّفقٌ على صِحَّتِهِ، من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، وفي «الصَّحيحين» من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» (١).
س: يوجد في مدينة الطائف مسجد يسمى: مسجد الكوع، يقال: إن الرسول ﷺ قابل فيه عدَّاسًا عند عودته من الطائف، ويطلب منا نحن المعلمين -أحيانًا - أن نأخذ الطلاب في زيارة إليه لتعريفهم بهذا الأثر، فهل هذا جائز أم لا؟ وإذا كان الذهاب إليه غير جائز فما حكم أخذ الطلاب إليه لمجرد تعريفهم به؟ وما حكم من ذهب إليه ليصلي فيه ركعتين ؟
ج: ما يُسمَّى باسمِ مسجدِ (القنطرةِ)، وباسمِ مسجدِ الكوعِ بالطَّائف: هما مسجدانِ بدعيَّانِ لا أصلَ لهما، وليس لهما فضلٌ يخصُّهما، ولم يثبتْ
стр. 90
بشأنِهما حديثٌ ولا أثرٌ، وما يدورُ بين النَّاسِ بشأنِهما كذبٌ لا أصلَ له؛ لهذا فلا يجوزُ لمسلمٍ التَّعبُّدُ بزيارتِهما، كالشَّأنِ في المساجدِ المبتدعَة، ولأنَّه لا يجوزُ تخصيصُ مسجدٍ بالزِّيارةِ للتَّعبُّدِ فيه إلا المساجدَ الثلاثة، وهي: المسجدُ الحرام، ومسجدُ الرَّسولِ ﷺ بالمدينةِ، والمسجدُ الأقصى، ومسجدُ قباء في المدينةِ النَّبويَّة، وبه يُعلمُ أنَّه لا يجوزُ عملُ رحلةٍ طلابيَّةٍ لزيارتِهما، ولما في ذلك من تضليلِ عقولِ النَّاشئة، والواجبُ هو صيانةُ العقائدِ من البدعِ والضَّلالات (١).
س: ما معنى حديث الرسول ﷺ : «إِنَّ لله تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلا وَاحِدًا» هل أنه في الحديث الشريف حفظ أسماء الله أمْ حفظها والعمل بها ؟
ج: أولا: ليس معنى الحصرِ المذكورِ في الحديثِ أنَّه ليس للهِ غيرُ هذه التِّسعةِ والتِّسعين، وإنَّما المقصودُ: أنَّ مَن أحصى هذه الأسماءَ؛ دخلَ الجنة، فالمرادُ: الإخبارُ عن دخولِ الجنَّةِ بإحصائِها، لا الإخبارُ بحصرِ الأسماءِ... ثانيًا: معنى الإحصاءِ في الحديثِ هو: حفظُ الأسماءِ، وفهمُ معانِيها، والتَّعبُّدُ لله بها (٢).
* * *
стр. 91
س: هل يجوز أن تؤول كلمة (استواء) بمعنى استقامة أم لا ؟
ج: عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في توحيدِ الأسماءِ والصِّفات: أنَّهم يؤمنونَ بما جاءَ في كتابِ اللهِ ، وبما ثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، من غيرِ تأويلٍ ولا تمثيلٍ، ومن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ، فيصفونَ اللهَ تعالى بما وصفَ به نفسَهُ وبما وصفَهُ بهِ رسولُهُ ﷺ ، وقد وصفَ اللهُ سبحانَه نفسَهُ في عدَّةِ مواضعَ من القرآنِ الكريمِ بأنَّه مُسْتَوٍ على عرشِه، وهو استواءٌ يليقُ بجلالِه، فقالَ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقالَ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. وقد سُئِلَ إمامُ أهلِ السُّنَّةِ مالكُ بنُ أنسٍ عن كيفيَّةِ الاستواءِ؛ فقال: «الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معلومٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤال عنه بدعةٌ»؛ فيجبُ على المسلمِ أنْ يتَّبِعَ سلفَ هذه الأُمَّة، ويؤمنَ بما جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى من الصِّفاتِ على مرادِ اللهِ سبحانه، وبما ثبتَ عن رسولِ اللهِ ﷺ من الصِّفاتِ للهِ تعالى على مرادِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يجوزُ أنْ يُوصَفَ استواءُ اللهِ على عرشِهِ بأنَّه استقامةٌ، أو استيلاءٌ، ونحو ذلك (١).
* * *
س: هل من تبيين لنا عن فرقتي الخوارج والشيعة ؟
ج: الخوارج: هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع المارقين، القائلون بتكفير عثمان وعلي ﵄ ويقدمون ذلك على كل طاعة، وكذلك تكفير الحَكَمَيْن، وكل من رضي بالتحكيم، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًّا واجبًا، وينقسمون
стр. 92
إلى عدة فرق، ونوصيك بمراجعة كتاب: «الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي، و «الملل والنحل» للشهرستاني، و «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية».
ومذهب الشيعة الإمامية: مذهب مبتدع في الإسلام، يعتمد الغلو في أئمة أهل البيت، حيث يعتقدون عصمة اثني عشر إمامًا؛ آخرهم يصفونه بالمنتظر، يدعون اختفاءه عن الأعين وبقاءه حيًّا.
ونوصيك بمراجعة كتاب «الخطوط العريضة» لمحب الدين الخطيب، و «مختصر التحفة الاثني عشرية»، و «منهاج السنة» لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففي هذه المراجع بيان لحالهم وكثير من بدعهم (١)
س: آخر أصحاب الجنة الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة هل يرون الله، لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ؟
ج: كلُّ مَن دخلَ الجنَّةَ فإنَّه يرى اللهَ ؛ لأنَّ رؤيةَ اللهِ أعظمُ نعيمِ أهلِ الجنَّة، ولكن المؤمنين يتفاوتون في رؤيةِ اللهِ ، فأعظمُهُم رؤيةً مَن يرى اللهَ غدوةً وعشيًّا، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في تفسيرِ هذه الآية: أنَّ الحُسنى: الجنَّة، والزِّيادةَ: النَّظرُ إلى وجهِ اللهِ ، وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا مَا هُو، أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، أَلَمْ تُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللهِ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ نَظَرِهِمْ إِلَى وَجْهِ اللهِ جَلَّ وَعَلا» (٢).
стр. 93
س: ما هي الأسباب التي بها يقوى إيمان المسلم جزاكم الله خيرًا ؟
ج: من الأسبابِ التي يقوى بها إيمانُك ويزيدُ بها يقينُك: تصديقُك الجازمُ بأركانِ الإيمانِ السِّتَّة، وعملُك بشُعَبِ الإيمان.
وأركانُ الإيمانِ هي: الإيمانُ باللهِ جلَّ وعلا، وملائكتِهِ، ورُسُلِه، وكُتُبِه، والإيمانُ باليومِ الآخرِ، وبالقدرِ خيرِهِ وشَرِّهِ.
ومن شُعَبِ الإيمان: شهادةُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهَ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، والصَّلاة، والصِّيام، والزَّكاة، والحجُّ، والجهادُ في سبيلِ الله، وبرُّ الوالديْن، والإحسانُ إلى ذوي القُربى والأيتامِ والمساكينِ وابنِ السَّبيلِ والجيرانِ والعُمَّالِ والخدم، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر، ولزومُ الصَّبر في جميعِ الأمور، والتَّواضعُ وعدمُ الكِبْر، وحفظُ الفمِ والفرجِ فيما لا يحلُّ، ورِعايةُ الأمانةِ والعهدِ... إلخ؛ لما ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، شُعْبَةً، أَعْلاهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (١).
س: هل الإيمان يزداد بالطاعات وينقص بالمعاصي مع الدليل، وما حكم من ينكر ذلك ؟
ج: الإيمانُ يزيدُ بالطَّاعةِ وينقصُ بالمعصيةِ بإجماعِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ من الصَّحابة ﵃ ومَن سلكَ سبيلَهم من أهلِ العلمِ والإيمان، قالَ تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
стр. 94
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، وقال تعالى في نقص الإيمان: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، وقال ﷺ : «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ الإِيمَانِ» (١).
س: ما هي أركان الإيمان مع الشرح ؟
ج: أركانُ الإيمانِ سِتَّةٌ، هي: الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخرِ، والقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ.
فالإيمانُ باللهِ معناه: الاعتقادُ الجازمُ بربوبيَّتِهِ وإلهيَّتِه وأسمائِهِ وصفاتِه، وأنَّه سبحانَه هو المستحقُّ للعبادةِ.
والإيمانُ بالرُّسُل: هو اعتقادُ رسالتِهم من عندِ اللهِ، وتصديقُهم، واتِّباعُهم ومحبَّتُهم، وعلى رأسِهم خاتمُهم وأفضلُهم، ونصيبُنا منهم محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ عبدِ المطَّلِبِ ﵊.
والإيمانُ بالملائكةِ: التَّصديقُ بوجودِهم، وأنَّهم عبادٌ مُكرَمُونَ يُنفِّذونَ أوامِرَ اللهِ في خلقِه، وينزلونَ بالوحي منه على رُسُلِه، ويكتبونَ أعمالَ بني آدمَ ويحفظونَها.
والإيمانُ بالكُتُبِ: هو اعتقادُ أنَّها من اللهِ نزلتْ لهدايةِ الخلقِ، وأنَّه يجبُ اتِّباعُها، والعملُ بها على مَنْ نزلتْ عليهم، وأفضلُها وأكملُها القرآنُ الكريمُ، المنزَّلُ على نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ .
стр. 95
والإيمانُ باليومِ الآخرِ، وهو يومُ القيامة: هو اعتقادُ وقوعِه، وبعث النَّاسِ من قبورِهم، وجزاؤهم على أعمالِهم إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًا فشرٌّ.
والإيمانُ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ: هو اعتقادُ أنَّ كلَّ ما يجري في هذا الكونِ من خيرٍ وشرٍّ منذُ بدءِ الخليقةِ إلى قيامِ السَّاعةِ أنَّ اللهَ عَلِمَهُ وقدَّرَهُ وكتبَه في اللَّوحِ المحفوظ، وأنَّ اللهَ أرادَه وأوجدَه في وقتِ حدوثه (١). ...
س: في بعض الأحيان يأتيني الشيطان ببعض الأفكار، حيث يحاول أن يشكك لي في عقيدتي، وأستحي أن أذكر هذه الأفكار والسُّؤال: هل أحاسب على هذا ؟
ج: يجبُ عليك ألا تتمادى مع الشُّكوكِ والوَساوِسِ التي يُلقيها الشَّيْطانُ لتشكيكِك في عقيدتِكَ الإسلاميَّة، فإذا خطرتْ ببالِك؛ فاستعذْ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجيم، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فإذا انتهيتَ عن هذه الوساوسِ، ولم تعملْ بها، ولم تتكلَّمْ بها؛ فلا إثمَ عليك، فقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» (٢).
* * *
стр. 96
س: كيف يتخلص الإنسان من الوساوس وكيف يفرق بينها وبين الحقيقة ؟
ج: التخلص من الوساوس إنما يكون بالإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن والاستعاذة من الشيطان والمحافظة على الأوراد، وبمدافعة تلك الوساوس، وعدم الانسياق معها، والبعد عن كل ما يساعد على وجودها (١).
س: ما هي آثار التوحيد في الحياة ؟
ج: آثارُ التَّوحيدِ، وهو إفرادُ اللهِ بالعبادةِ في الحياةِ قد بيَّنها اللهُ بقولِه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، وقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، أي: بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، فقد بيَّنَ اللهُ في هاتيْنِ الآيتيْنِ آثارَ التَّوحيدِ في الحياةِ الدُّنيا والآخرةِ، وذلك بتوفُّرِ الأمنِ، وحصولِ الهدايةِ من الضَّلال، والاستخلافِ في الأرضِ، وتمكينِ الدِّينِ في القلوبِ والأعمال (٢).
* * *
стр. 97
س: من هم أولياء الله الصالحون وأولياء الشيطان ؟
ج: أولياءُ اللهِ هم المؤمنونَ المتَّقون، كما قالَ تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، والإيمانُ، والتَّقوى: هما العملُ بطاعةِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ ، واجتنابِ ما نهى اللهُ عنه ورسولُهُ من البدعِ والخُرافاتِ والشِّركيَّاتِ.
وأولياءُ الشَّيْطانِ: هم أتباعُه من المشركينَ والمُخرِّفين والمبتدِعَة، الذين يُميتُونَ السُّننَ ويُحيونَ البِدَعَ والمخالفاتِ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، فما كلُّ مَن ادَّعى الولايةَ أو ادُّعِيتْ له يكونُ كذلك، حتى يكونَ موحدًا لله، عاملا بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه، مُجانِبًا للشِّركِ والبِدَع (١). ...
س: ما الواجب نحو أصحاب النبي ﷺ ؟
الجواب: من تمام الإيمان برسول الله ﷺ ومحبته محبة أصحابه بحسب مراتبهم من الفضل والسبق، والاعتراف بفضائلهم التي فاقوا فيها جميع الأمة، وأن تدين الله بحبهم ونشر فضائلهم، وتمسك عما شجر بينهم. ونعتقد أنهم أولى الأمة بكل خصلة حميدة وأسبقهم إلى كل خير وأبعدهم من كل شر، وأنهم جميعهم عدول مرضيون (٢).
* * *
стр. 98
س: ما عذاب القبر، وهل هو حسي أم معنوي، والعذاب للروح والجسد أم إحداهما ؟
ج: عذابُ القبرِ حِسِّيٌّ بالنِّسبةِ للمُعذَّبِ، وإن كان الأحياءُ ممَّنْ في الدُّنيا لا يُشاهدونَه، وهو للرُّوحِ والجسدِ جميعًا، كما يدلُّ على ذلك ظاهرُ النُّصوصِ من الكتابِ والسُّنَّة، قالَ اللهُ تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١).
س: سؤالي حفظكم الله عن مناداة الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، هل هذا صحيح؟ وما الدليل عليه؟ وكيف نجمع بينه وبين أن الناس أو المؤمنين ينادون بأحب الأسماء إليهم وأن مناداتهم بأسماء أمهاتهم ليس محبوبًا لديهم ؟
ج: الناس يوم القيامة يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم»، رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان»، متفق عليه (٢).
* * *
стр. 99
س: هل يحاسب الإنسان بما يدور في نفسه ؟
ج: اللهُ لطيفٌ بعبادِهِ، رحيمٌ بهم، ومن رحمتِهِ أنَّه لم يُكلِّفْهُم ما لا يُطيقون، فلا يُؤاخِذُ الإنسانَ بخواطرِ نفسِهِ ووساوِسِها؛ لما ثبتَ عن أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ»، وفي «المسندِ» قالَ الإمامُ أحمدُ: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ إبراهيم، حدَّثني العلاءُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلتْ على رسولِ اللهِ ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتدَّ ذلك على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأتوا رسولَ اللهِ ﷺ ثم جثوا على الرُّكَب، وقالوا: يا رسولَ الله، كُلِّفْنَا من الأعمالِ ما نطيقُ الصَّلاة والصِّيامُ والجهادُ والصَّدقة، وقد أُنْزِلَتْ عليك هذه الآيةُ ولا نُطيقها. فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، فلمَّا أقرَّ بها القومُ، وذلَّتْ بها ألسنتُهم؛ أنزلَ اللهُ في إثْرِها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، فلمَّا فعلوا ذلك؛ نسخَها اللهُ، فأنزل اللهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١).
стр. 100
فتاوى التفسير
стр. 101
فتاوى التفسير
س: عندما يعتاد المسلم قراءة القرآن في أوقات معينة مثل بعد صلاة الفجر يوميًّا أو في يوم الجمعة فهل يجب عليه قراءة حزب أو ربع حزب أو عدد آيات محددة مثل (٣٠) آية، (٥٠) آية، أو أن ذلك يعود إلى ما تيسر من آيات الذكر الحكيم ؟
ج: يقرأُ ما تيسَّرَ له، بدونِ التزامٍ لعددٍ مُعيَّنٍ من السُّورِ أو الآيات، ويحاولُ المحافظةَ على القراءةِ يوميًّا إذا تيسَّرَ له ذلك؛ لما في ذلك من الخيرِ العظيمِ والأجرِ الكبير، وليحرصَ على التَّدبُّرِ والتَّعقُّلِ لما يقرأ، حتى يستفيدَ من كلامِ ربِّه سبحانه (١).
س: ألاحظ أغلبية المصلين قبل صلاة الجمعة يقرؤون القرآن الكريم، فهل ذلك أفضل؟ وما حكم من يرغب في أداء النوافل والتسبيح بدلا من ذلك ؟
ج: القرآنُ الكريمُ أفضلُ الذِّكر، وقد أمرَ اللهُ سبحانَه بتلاوتِهِ وتدبُّرِهِ والعملِ به، لكن لو اشتغلَ المُصلِّي بغيرِهِ من الصَّلاة والذِّكرِ فلا حرج؛ فكلُّ ذلك من أعمالِ الخير، ولكنْ يُشْرَعُ للقارئِ بين المُصلِّينَ والقراءِ ألا يرفعَ صوتَه؛ حتى لا يُشوِّشَ عليهم (٢).
стр. 102
س: ذكر السائل: أن بعض الجرائد يكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها ترمى بالشوارع، وبعض الناس يستعملها للتنظيف، فما حكم ذلك ؟
ج: كتابةُ «بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ» مشروعةٌ في أوَّلِ كُتُبِ العلمِ والرَّسائل، فقد جرى على ذلك رسولُ اللهِ ﷺ في مُكاتباتِه، واستمرَّ على ذلك خلفاؤُهُ وأصحابُه من بعدِه، وسارَ عليه النَّاسُ إلى يومِنا هذا، فتعظيمُها وصيانتُها واجبان، وإهانتُها مُحرَّمَةٌ، والإثمُ على مَن يهينُها؛ لأنَّها آيةٌ من كتابِ اللهِ جلَّ وعلا، وبعضُ آيةٍ من سورةِ النَّمل، ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يستعمِلَها في التَّنظيفِ أو اتِّخاذِها سُفْرةً أو ملفًّا للحوائج، كما لا يجوزُ إلقاؤُها بالزِّبالاتِ والقُمائِم (١).
س: استعمال بعض آيات القرآن في المزاح ما بين الأصدقاء مثال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾، ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾، هل يجوز استعمال هذه الآيات في المزاح ما بين الأصدقاء ؟
ج: لا يجوزُ استعمالُ آياتِ القرآنِ في المِزاحِ على أنَّها آياتٌ من القرآن، أمَّا إذا كانتْ هناك كلماتٌ دارجةٌ على اللِّسانِ لا يُقصدُ بها حكايةُ آيةٍ من القرآنِ أو جملةٍ منه؛ فيجوز (٢).
* * *
стр. 103
س: ما حكم العاجز عن أداء حرف الضاد من مخرجه، وقد اختلفت فيه الناس، فمنهم من يقول: على العاجز أن ينطق به ظاء، ومنهم من يقول: عليه أن ينطق به دالا، فبينوا لنا الحق في ذلك ؟
ج: يجبُ على مَن لا يُحسنُ إخراجَ الضَّادِ من مخرجِها أنْ يجتهدَ طاقتَه، ويبذُلَ وسعَهُ في تمرينِ لسانِهِ على إخراجِ الضَّادِ من مخرجِه، والنُّطقِ به نُطقًا صحيحًا، فإنْ عجزَ بعد بذلِ جُهدِهِ عن النُّطقِ الصَّحيحِ؛ فهو معذورٌ، وما عليه إلا أنْ ينطِقَ به كما يتيسَّرُ له، فلا يُكلَّفُ بنطقِهِ ظاءً أو دالا على الخصوصِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقولِه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١).
س: أقرأ القرآن ولا أستطيع حفظه، هل لي أجر على هذا ؟ ...
ج: الذي يقرأُ القرآنَ، ويتدبَّرُه، ويعملُ بهِ يثابُ عليه، وإن لم يحفظْهُ؛ ففي الحديثِ عن عائشةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ» (٢).
س: ما حكم من استظهر كتاب الله على ظهر قلبه ثم نسيه، هل يعاقب أو لا ؟
ج: القرآنُ كلامُ اللهِ تعالى، وهو أفضلُ الكلامِ ومجمعُ الأحكام،
стр. 104
وتلاوتُه عبادةٌ تلينُ بها القلوب، وتخشعُ النفوسُ، إلى غيرِ ذلك من منافِعِهِ التي لا تُحصى، من أجلِ ذلك أمرَ النَّبيُّ ﷺ بتعاهُدِهِ؛ حتى لا يُنسى، فقالَ ﷺ : «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»، فلا يليقُ بالحافظِ له أنْ يغفلَ عن تلاوتِه، ولا أنْ يُفرِّطَ في تعاهُدِه، بل ينبغي أن يتَّخِذَ لنفسِهِ منه وردًا يوميًّا يساعدُهُ على ضبطِهِ، ويحولُ دونَ نسيانِهِ؛ رجاءَ الأجرِ والاستفادةِ من أحكامِهِ عقيدةً وعملا، ولكن مَن حفِظَ شيئًا من القرآنِ، ثم نسيهَ عن شغلٍ أو غفلةٍ ليس بآثمٍ، وما وردَ من الوعيدِ في نسيانِ ما قد حَفِظَ لم يصحّ عن النَّبيِّ ﷺ (١).
س: قراءة القرآن واجبة أم مستحبة؟ وما حكم هجره، هل هو حرام أم مكروه ؟
ج: أولا: أنزلَ اللهُ القرآنَ للإيمانِ به، وتعلُّمِه، وتلاوتِه، وتدبُّرِه، والعملِ به، وتحكيمِه، والتَّحاكُمِ إليه، والاستشفاءِ به من أمراضِ القلوبِ وأدرانِها، إلى غيرِ ذلك من الحِكَمِ التي أرادَها اللهُ من إنزالِه. والإنسانُ قد يهجرُ القرآنَ فلا يؤمنُ بهِ ولا يسمعُهُ ولا يُصغِي إليه، وقد يُؤمنُ به، ولكن لا يتعلَّمُه، وقد يتعلَّمُه ولكن لا يتلُوه، وقد يتلُوه ولكن لا يتدبَّرُه، وقد يحصلُ التَّدبُّرُ ولكن لا يعملُ به؛ فلا يُحِلُّ حلالَه، ولا يُحرِّمُ حرامَه، ولا يُحَكِّمُه، ولا يتحاكمُ إليه، ولا يستشفي به ممَّا فيهِ من أمراضٍ في قلبِهِ وبدنِه، فيحصلُ الهجرُ للقرآنِ من الشَّخصِ بقدرِ ما يحصلُ منه من الإعراضِ؛ كما سبق. فعلى العبدِ أن يتَّقِيَ اللهَ في نفسِه، وأنْ يَحْرِصَ على الانتفاعِ بالقرآنِ في شتَّى وُجُوهِ الانتفاع؛ ويفوتُهُ من الخيرِ بقدرِ ما يتَّصِفُ به
стр. 105
من الهجر، أمَّا التِّلاوةُ: فمشروعةٌ، ويُستحبُّ الإكثارُ منها، وأن يختمَ كلَّ شهر، لكن لا يجبُ ذلك (١).
س: هل يجوز أن يقرأ الإنسان غيبا وهو جنب، أو يتيمم ؟ ...
ج: جمهورُ العلماءِ على: أنَّه لا يجوزُ للمسلِمِ أنْ يقرأَ القرآنَ وهو جُنُبٌ ولو عن ظهرِ قلبٍ دونَ أن يمسَّ المصحفَ؛ لما رواهُ أحمدُ، وأصحابُ السُّننِ عن عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه كان لا يحجزُهُ شيءٌ عن القرآنِ إلا الجنابة»، قال الحافظُ ابنُ حجر: فإن لم يجد الماءَ أو عجزَ عنه لمرضٍ؛ تيمَّم (٢).
س: أفتونا في حكم لمس الحائض المصحف وتلاوته، وكذلك في دخولها المسجد، وهل يحل لها أن تجلس فيه أوْ لا ؟ ...
ج: أولا: لا يجوزُ للحائضِ مسُّ المصحفِ عند جمهورِ العلماءِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ في كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ: «لا يَمّسَّ الْقُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ».
أمَّا قراءةُ الحائضِ والنُّفساءِ القرآنَ بلا مسِّ المصحفِ: فلا بأسَ به في أصحِّ قوْلَي العلماء؛ لأنَّهُ لم يثبتْ عن النَّبيِّ ﷺ ما يمنعُ من ذلك.
ثانيًا: لا يجوزُ للحائضِ ولا الجُنُبِ الجلوسُ في المسجدِ ولا اللُّبثُ فيه عندَ جمهورِ الفقهاءِ؛ لقولِ عائشةَ ﵂: جاءَ رسولُ اللهِ ﷺ ووجوهُ
стр. 106
بيوتِ أصحابِهِ شارعةٌ في المسجد، فقال: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ»، ثم دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ ولم يصنعْ القومُ شيئًا؛ رجاءَ أن ينزلَ فيهم رخصةٌ، فخرجَ إليهم، فقال: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَإِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ»، رواهُ أبو داود، والحديثُ عامٌّ في تحريمِ الجلوسِ في المسجدِ للحائضِ والجُنُبِ، ومرورِهما به، لكنَّه خصَّصَهُ قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ فإن معناها: يا أيُّها المؤمنونَ لا تقربوا مواضِعَ الصَّلاة -أي: المساجد- وأنتم سُكَارَى حتى تَفيقُوا من سُكْرِكُم، ولا تقربُوها وأنتم جُنُبٌ حتى تغتسلوا من الجنابة، إلا إذا كانَ دخولُكُم إيَّاها على وجهِ الاجتيازِ والمرورِ فلا بأسَ به، والحائضُ حُكميًّا حكمُ الجُنُبِ في ذلك، ويدلُّ على الاستثناءِ أيضًا: ما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في «سُنَنِه»، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّه: «كان أحدُنا يمرُّ بالمسجدِ جُنُبًا مُجتازًا»، وما رواهُ ابنُ المنذرِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يمشون في المسجدِ وهم جُنُب (١).
س: إنني أقرأ القرآن، ولم ينشرح صدري إلا بقراءة القرآن، وأنا يمشي معي البول بدون ما أتحكم في نفسي، ولم أستطع الامتناع من البول، حيث إنه يمشي باستمرار وغير البول نظيف، فهل يجوز لي قراءة المصحف ؟
ج: إذا كان الواقعُ ما ذُكِرَ؛ فلا حرجَ عليك بقراءةِ القرآنِ، ومسِّ المصحفِ وأنت على حالكِ المذكورة، ولا حرجَ عليك في الصَّلاة وحالتُك
стр. 107
ما ذَكرت، لكن تستنجي وتتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ بعد دخولِ الوقتِ ولا يَضُرُّكَ ما خرجَ من البولِ بعد ذلك، وتغسلُ ما أصابَ بدنَك أو ثوبَك منه قبلَ الصَّلاة، ولا يضرُّكَ بعدُ لو وُجِدَ معك في الصَّلاة، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١).
س: يتضمن عن الطرق التي يحفظ بها ما تمزق من المصاحف والكتب التي بها آيات من القرآن ؟
ج: ما تمزَّقَ من المصاحفِ والكُتُبِ والأوراقِ التي بها آياتٌ من القرآنِ يُدفنُ بمكانٍ طيِّب، بعيدٍ عن ممرِّ النَّاسِ، وعن مرامي القاذورات، أو يُحرق؛ صيانةً له، ومحافظةً عليه من الامتهان؛ لفعلِ عثمانَ ﵁ (٢).
س: هل تجوز قراءة القرآن الكريم لمن كان مضطجعًا أو قائمًا أو ماشيًا ؟
ج: يجوزُ ذلك؛ لأنَّ الأصلَ: الجواز، ولم يوجدْ دليلٌ يدلُّ على المنعِ منه، ولعمومِ قولِ اللهِ في وصفِ أولي الألباب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وقراءةُ القرآنِ من الذِّكر (٣).
* * *
стр. 108
س: ما حكم قول (صدق الله العظيم) بعد الفراغ من قراءة القرآن ؟
ج: قولُ (صدقَ اللهُ العظيمُ) بعدَ الانتهاءِ من قراءةِ القرآنِ بدعة؛ لأنَّه لم يفعلْهُ النَّبيُّ ﷺ ، ولا الخلفاءُ الرَّاشدون، ولا سائرُ الصَّحابة ﵃، ولا أئمَّةُ السَّلفِ ﵏، مع كثرةِ قراءتِهِم للقرآن، وعنايتهِم ومعرفتِهم بشأنِه، فكانَ قولُ ذلك والتزامُه عَقِبَ القراءةٍ بدعةً محدثةً، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، وقال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، رواهُ مسلمٌ (١).
س: هل يصح أو يجوز للفرد أن يتكلم بما فتح الله عليه من تدبر الآيات كما يسميه بعض العلماء بـ (لطائف التفسير)، بالرغم من أن هذا ليس مستندًا لأثر موقوف على صحابي أو حديث مرفوع إلى النبي ﷺ -؟
ج: يجوزُ لعالمِ بما يحيلُ المعاني ممَّن لديهِ معرفةٌ باللُّغةِ العربيَّةِ، وبقواعدِ الشَّريعةِ العامَّةِ أن يُفسِّرَ القرآنَ، مستعينًا في ذلك بتفسيرِ بعضِهِ لبعض، وبتفسيرِ السُّنَّةِ الصَّحيحةِ له، وسلفِ الأُمَّةِ المعتبرين.
أمَّا تفسيرُهُ بمجرَّدِ الرَّأي والهوى: فحرامٌ؛ لما رَوى ابنُ جريرٍ وغيرُه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢).
* * *
стр. 109
س: أرجو من سماحتكم أن تفهموني بعض معاني الآيات مثل: (حم - ألم- ألمص- حم- عسق)، وهل تقرأ هذه عين؛ لأن المدرسين يقولون هكذا؟ وهل هي معجزة يريد الله بها إعجاز فصحاء قريش، أم لا يعلم معناها إلا الله ؟
ج: فيه آراءٌ للعلماء، والرَّاجحُ: أنَّها ذُكِرتْ هذه الحروفُ -واللهُ أعلم- في أوَّلِ السُّوَرِ التي ذُكِرتْ فيها؛ بيانًا لإعجازِ القرآن، وأنَّ الخلقَ عاجزون عن معارضتِهِ بمثلِه، هذا مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروفِ المقطَّعةِ التي يتخاطبونَ بها، وهذا هو الذي نصرَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀، وارتضاهُ أبو الحجَّاجِ المزِّيِّ ﵀ (١).
س: قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، آمين، أريد معرفة معنى الصراط المستقيم، ومن الذي أنعم الله عليهم بهذا الصراط، وما معنى آمين ؟
ج: معنى الصِّراطِ المستقيم: هو الطَّريقُ الواضحُ الذي لا اعوجاجَ فيه، فقيلَ: هو القرآنُ، وقيل: الإسلامُ، وقيل: هو النَّبيُّ ﷺ ، والكلُّ حقٌّ، فإنَّ مَن اتَّبعَ النَّبيَّ ﷺ فقد اتَّبعَ الإسلام، ومَن اتَّبعَ الإسلامَ فقد اتَّبعَ القرآن. والذين أنعمَ اللهُ عليهم، قال ابنُ كثيرٍ في «تفسيرِه»: قال الضَّحاكُ، عن ابنِ عبَّاس: (صراطَ الذين أنعمتَ عليهم بطاعتِكَ، وعبادتِكَ من ملائكتِكَ، وأنبيائِكَ، والصِّدِّيقينَ، والشُّهداءِ، والصَّالحين، وذلك نظيرُ ما قالَ
стр. 110
ربُّنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، ومعنى آمين: اللَّهمَّ استجبْ (١).
س: عندي مشكلة في تفسير آية قرآنية، وهي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، أرجو من فضيلتكم التشرف بشرحها بتفصيل ؟
ج: قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ الله تعالى في بيانِ تفسيرِ هذه الجملةِ المسئولِ عنها: يقول: لا تعتاضُوا عن الإيمانِ بآياتِي وتصديقِ رسولِي بالدُّنيا وشهواتِها؛ فإنَّها قليلةٌ فانيةٌ، وقال أيضًا: وفي «سننِ أبي داود» عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، فأمَّا تعليمُ العلمِ بأجرةٍ: فإنْ كان قد تعيَّنَ عليه؛ فلا يجوزُ أنْ يأخذَ عليه أجرةً، ويجوزُ أنْ يتناولَ من بيتِ المالِ ما يقومُ بهِ حالُه وعيالُه، فإنْ لمْ يحصلْ لهُ منهُ شيءٌ وقطَعَهُ التَّعليمُ عن التَّكَسُّبِ؛ فهو كما لو لم يتعيَّن، وإذا لم يتعيَّن عليه؛ فإنَّه يجوزُ أنْ يأخذَ عليه أجرةً، عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ وجمهورِ العلماءِ؛ كما في «صحيح البخاري» عن أبي سعيدٍ في قصَّةِ اللَّديغ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»، وقولِه ﷺ في قصَّةِ المخطوبةِ: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»، فأمَّا حديثُ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أنَّه علَّمَ رجلا من أهلِ الصُّفَّةِ شيئًا من القرآنِ، فأهدى له قوسًا، فسألَ عنه رسولَ اللهِ ﷺ ؛ فقال: «إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُطَوَّقَ بِقَوْسٍ مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهُ»، فإنْ صحَّ إسنادُهُ؛ فترْكُهُ محمولٌ عند كثيرٍ من العلماءِ، منهم