فتاوى الطهارة
س: ما هو القول الراجح في مسألة المياه الرجاء الإفادة بالتوضيح ؟
ج: الأصلُ في الماءِ الطَّهارةُ، فإذا تغيَّرَ لونُهُ أو طعمُهُ أو ريحُهُ بنجاسةٍ؛ فهو نجسٌ سواءً كان قليلا أو كثيرًا، وإذا لم تُغيِّرْهُ النَّجاسةُ؛ فهو طهورٌ، لكن إذا كان قليلا جدًّا فينبغي عدمُ التَّطهُّرِ به؛ احتياطًا، وخروجًا من الخلافِ، وعملا بحديث أبي هريرة مرفوعًا «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ»، الحديث (١).
س: أسمع من يقول: إن السواك داخل المسجد لا يجوز فهل هذا صحيح ؟
ج: السِّواكُ سُنًّةٌ، ويتأكَّدُ كلَّما دعتْ الحاجةُ إليه من: وُضوءٍ، وصلاةٍ، وقراءةِ قرآنٍ، وتغيُّرِ فمٍ، ونحو ذلك، ويجوزُ فِعْلُهُ داخِلَ المسجدِ وخارجَه، لعدمِ وجودِ نصٍّ يمنعُ منه داخلَ المسجدِ مع وجودِ الدَّاعي إليه، ولعمومِ حديث: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ»، إلا أنَّه ينبغي ألا يُبالغَ فيه إلى درجةِ التقايُئِ وهو في المسجدِ؛ خشيةَ أن يخرجَ منه قيءٌ أو دمٌ يلوِّثُ المسجد (٢).
стр. 142
س: ما حكم من صبغ لحيته بأشد صبغ أسود وهل يأثم من فعل ذلك أو لا وما الفرق بين حلقها وتسويدها ؟
ج: تغييرُ الشَّيبِ بصبغِ شعرِ الرَّأسِ واللِّحيةِ بالحنَّاءِ والكتمِ ونحوِهما جائزٌ بل مستحبٌّ، وتغييرُهُ بالصَّبغِ الأسودِ لا يجوز، وقد وردَ بهذا الأحاديثُ الصَّحيحةُ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ فعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: جِيءَ بأبي قُحافةَ يومَ الفتحِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وكأنَّ رأسَهُ ثَغَامَةٌ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ»، رواهُ أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه، وفي روايةٍ لأحمدَ قال ﷺ : «لَوْ أَقْرَرْتَ الشَّيْخَ فِى بَيْتِهِ لأَتَيْنَاهُ» مَكرمةً لأبِى بكرٍ، فأسلمَ ولحيتُهُ ورأسُهُ كالثغامةِ بياضًا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «غَيْرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ»، وقال ﷺ : «إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَاءُ وَالْكَتْمُ»، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجه، وصحَّحَهُ التِّرمذيُّ.
وأمَّا الفرقُ بين حلقِ اللِّحيةِ وصبغِ شيْبِها بالسَّوادِ: فكلاهُما وإن كان ممنوعًا إلا أنَّ حلقَ اللِّحيةِ أشدُّ منعًا من صبغِها بالسَّواد (١).
س: يلاحظ على بعض الشباب هذه الأيام إطالته لشعر رأسه ثم القيام بربط مؤخرة الشعر بشباصة أو بكلة كما تفعل النساء، فما حكم هذا الفعل؟ وما توجيهكم لمن يفعل ذلك ؟
ج: للرجل أن يحلق رأسه، ويجوز له أن يطيله، وإذا أطاله فإنه يتعاهده بالتنظيف والترجيل، ولا يجوز له أن يوفر رأسه على وجه يتشبه فيه
стр. 143
بالكفار في شعور رؤوسهم أو النساء لقول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم». رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن عمر ﵄ ولقوله ﷺ : «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء...» الحديث، رواه البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس ﵄ ومن ذلك ما ورد في السؤال من ربط مؤخرة الشعر كما تربط النساء رؤوسهن (١).
س: ما حكم تربية الأظافر للنساء والرجال والحكمة في تحريمها إن كانت محرمة ؟
ج: قصُّ الأظافِرِ من سُننِ الفطرةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ»، رواهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، وثبتَ في حديثٍ آخرَ أنَّ سُننَ الفطرةِ عشرٌ، منها: قصُّ الأظفار، وعن أنسٍ ﵁ قال: وقَّتَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ في قصِّ الشَّاربِ، وقلمِ الظُّفرِ، ونتفِ الإبْطِ، وحلقِ العانةِ ألا نتركَ ذلك أكثرَ من أربعين يومًا. رواهُ أحمدُ، ومسلمٌ، والنَّسائيُّ واللَّفظُ لأحمدَ، والنَّسائيِّ، فمَنْ لم يقصَّ أظفارَهُ فهو مخالفٌ لسُنَّةٍ من سُننِ الفطرة.
والحكمةُ في ذلك: النَّظافةُ والنَّقاءُ ممَّا قد يكونُ تحتَها من الأوساخِ، والتَّرَفُّع عن التَّشَبُّهِ بمَنْ يفعلُ ذلك من الكفَّارِ، وعن التَّشَبُّهِ بذواتِ المخالبِ والأظفارِ من الحيوانات (٢).
* * *
стр. 144
س: ما حكم من ترك بعض شعر الرأس أطول من بعض (التواليت) ؟
ج: روى أبو داودَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵁ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن القزعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ أوْ دَعْهُ كُلَّهُ». قال في «شرحِ الإقناعِ»: فيدخُلُ في القزعِ حلقُ مواضعَ من جوانبِ الرَّأسِ، أو أن يحلقَ وسطَهُ ويتركَ جوانِبَهُ؛ كما تفعلُهُ عامَّةُ النَّصارى، أو حلقُ جوانِبِهِ وتركُ وسطِهِ؛ كما يفعلُهُ كثيرٌ من السُّفهاء، وأن يحلقَ مقدمَهُ ويتركَ مؤخَّرَه، وسُئلَ أحمدُ عن حلقِ القفا فقال: (هو من فعلِ المجوسِ ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم). وبهذا يُعلمُ أنَّه لا يجوزُ تركُ بعضِ شعرِ الرَّأسِ أطول من بعض (١).
س: ما هو النمص وهل يجوز للمرأة أن تزيل شعر اللحية والشارب وشعر الساقين واليدين، وإذا كان الشعر ملاحظًا على المرأة ويسبب نفرة الزوج فما حكمه ؟
ج: النَّمص: الأخذُ من شعرِ الحاجبين، وهو لا يجوز؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ لعنَ النَّامِصةَ والمتنَمِّصة، ويجوزُ للمرأةِ أن تُزيلَ ما قد ينبتُ لها من لحيةٍ أو شاربٍ أو شعرٍ في ساقيها أو يديها (٢).
* * *
стр. 145
س: صلى رجل صلاة المغرب وبعد الصَّلاة اكتشف في قدمه سائلا يمنع الوضوء كالشمع مثلا هل تصح صلاته إذا علم بوجود شيء ما أثناء الوضوء ولم يره إلا بعد الصَّلاة ؟
ج: يجبُ عليهِ إزالةُ ما يمنعُ وُصولَ الماءِ إلى البشرةِ وإعادةِ الوُضوءِ، والصَّلاة (١).
س: ماذا يستحب فعله عند الوضوء ؟
ج: إنَّ صفةَ الوُضوءِ الشَّرعيِّ هي: أنْ يُفْرِغَ الشَّخصُ من الإناءِ على كفَّيْهِ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يُدْخِلَ يدَهُ اليُمنى في الإناءِ فيتمضمض ويستنثر ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يغسلَ وجهَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يغسلَ يديْهِ إلى المرفقيْنِ ثلاثًا، ثم يمسحَ رأسَهُ وأُذنيْهِ مرَّةً واحدةً، ثم يغسلَ رجليْهِ إلى الكعبيْنِ ثلاثَ مرَّاتٍ، وإن غسلَ مرَّتيْنِ مرَّتيْنِ، أو مرَّةً مرَّةً؛ أجزأَ ذلك، ثم يقولُ بعدَ الوُضوء: أشهدُ أنَّ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدُا عبدُهُ ورسولُهُ، اللَّهمَّ اجعلني من التَّوابينَ، واجعلني من المتطهِّرين (٢).
* * *
س: هل يجوز المسح على الشُّرَّابين في البرد ويكون يومًا وليلة دون أن تفسخ الشُّرًّاب ؟
ج: يجوزُ المسحُ على الشُّرَّابِ إذا كان صَفيقًا، أي: لا تُرى البشرةُ معه، ويكونُ ساترًا للمفروض.
стр. 146
ومدَّةُ المسحِ للمقيمِ: يومٌ وليلةٌ، ولمسافرٍ: ثلاثةُ أيَّامٍ بلياليهنَّ.
وتبدأُ مُدَّةُ المسحِ من المسحِ بعدَ الحدثِ، والأصلُ في ذلك ما رواهُ مسلمٌ، عن عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ»، وما رواه أحمدُ، وغيرُهُ، وصحَّحهُ التِّرمذيُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «مسح على الجوربين والنعلين»، ولا مانعَ من جمعِ جوربيْن فأكثرَ يلبسُها جميعًا بعد كمالِ الطَّهارةِ؛ لعمومِ الأحاديث (١).
س: حكم مَن مس ذكره أثناء التنشيف بعد اغتساله ؟
ج: يُنْتَقَضُ وضوءُهُ إذا مسَّهُ بدونِ حائلٍ؛ لعمومِ قولِهِ ﷺ : «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٢).
س: هل لمس عورة صغيري أثناء تغيير ملابسه ينتقض وضوئي ؟
ج: لمسُ العورةِ بدونِ حائلٍ ينقضُ الوُضوءَ، سواءً كان الملموسُ صغيرًا أو كبيرًا؛ لما ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، وفرجُ الممسوسِ مثلُ فرجِ الماسِّ (٣).
стр. 147
س: هل يؤثر شك المتوضئ في الحدث من بول أو غائط أو ريح حيث إن عدم تأكده ناتج عن طول مدة بقاء الطهارة أم أنه إذا كان الأصل الطهارة فلا يلتفت إلى الشك إلا مع تيقن الحدث وكذلك العكس ؟
ج: إذا كان الإنسانُ متطهِّرًا ثم شكَّ في طُرُوِّ الحدثِ عليه؛ فلا تأثيرَ لشكِّهِ في طُرُوِّ الحدثِ على الطَّهارةِ السَّابقة، وإذا كان مُحْدِثًا ثم شكَّ هل تطهَّرَ أو لا؛ فهو مُحْدِثٌ، ولا أثرَ لهذا الشَّك؛ لأنَّ اليقينَ لا يُرفعُ بالشَّكِّ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ ما كان على ما كانَ حتى يثبتَ ما يرفعُهُ، ولحديثِ: شُكِيَ إلى النَّبيِّ ﷺ الرَّجلُ يُخيَّلُ إليه أنَّه يجدُ الشَّيءَ في الصَّلاة؛ فقال: «لا يَنْصِرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، رواهُ الجماعةُ؛ إلا التِّرمذيِّ، ولحديثِ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا، فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، رواهٌ مسلمُ، والتِّرمذيُّ (١).
س: هل يجب على المحتلم الغسل كغسل الجنابة، وما كيفية غسل الجنابة ؟
ج: يجبُ عليه غسلُ الجنابةِ إذا أنزلَ باحتلامِه، أمَّا كيفيَّةُ غسلِ الجنابةِ: فيجزِئهُ أنْ يَعُمَّ جسمَهُ بالماءِ، ولكن الأفضلَ أنْ يُزيلَ عن نفسِهِ الأذى، ثم يتوضَّأَ وضوءَهُ للصَّلاة، ثم يُخلِّلَ شعرَ رأسِهِ، ثم يصُبَّ ثلاثَ غرفاتٍ من الماءِ على رأسِهِ، ثم يفيضَ الماءَ على سائرِ جَسَدِه (٢).
стр. 148
س: إذا أصبح الإنسان مجنبًا ولديه ماء لكن الماء لا يكفي للغسل بل يكفي للوضوء فقط والوقت حاضر فماذا يفعل ؟
ج: إذا لم يجدْ من أصابته جنابةٌ ماءً يكفي للغسلِ؛ فإنَّه يتوضَّأُ بما وجدَه من الماءِ القليلِ ويتيمَّمُ للجنابةِ إذا ضاقَ الوقتُ، ولا يُؤخِّرُ الصَّلاة عن وقتِها (١).
س: إذا كنت مسافرًا ودخل وقت الظهر ولا معي ماء أتوضأ به وبيني وبين البلد الذي أمامي حوالي ساعتين أو ثلاث ساعات بحيث إنني أصل هذا البلد قبل خروج وقت الظهر هل أتيمم وأصلي أم أنتظر حتى أصل البلد ؟
ج: إذا دخلَ وقتُ الصَّلاة؛ وجبَ على المُكلَّفِ طلبُ الماءِ، فإنْ لمْ يجدْ؛ فإنَّهُ يتيمَّمُ، ويُصلِّي، ولا ينتظرُ وُصولَ البلدِ القادمِ عليهِ إلا إذا كان جادًّا في السَّيرِ فإنَّ له أنْ يُؤخِّرَ الصَّلاة إلى آخرِ وقتِها (٢).
س: ما هو حد المرض المبيح للتيمم مع وجود الماء ؟
ج: إنَّ المرضَ الذي يُشرعُ عند حصولِهِ التَّيمُّمُ هو المرضُ الذي يُخشى منه مع استعمالِ الماءِ زيادةَ المرضِ أو تأخُّرِ بُرءِ الجُرح (٣).
* * *
стр. 149
س: ما الحكمة في أن الحائض تقضي الصيام دون الصَّلاة ؟
ج: أولا: لا يخفى أنَّ واجبَ المسلمِ فعلُ ما أوجبَ اللهُ عليهِ من المأموراتِ، والكفِّ عن جميعِ ما نهى عنه من المحرَّمات، أدركَ حكمةَ الأمرِ أو النَّهي أم لم يدركْها، مع إيمانِهِ بأنَّ اللهَ لا يأمرُ العبادَ إلا بما فيه مصلحةٌ لهم، ولا نهاهُم إلا عمَّا فيه مضرةٌ عليهم، وأنَّ تشريعاتِه سبحانه جميعها لحكمةٍ يعلمُها سبحانه يُظْهِرُ منها لعبادِه ما شاء؛ وليزدادَ المؤمنُ بذلك إيمانًا ويستأثرُ سبحانه بما شاءَ؛ ليزدادَ المؤمنُ بتسليمِهِ لأمرِ اللهِ إيمانًا كذلك.
ثانيًا: معلومٌ أنَّ الصَّلاة كثيرةٌ متكرِّرَةٌ في اليومِ واللَّيلةِ خمسُ مرَّاتٍ؛ فيشقُّ قضاؤُها على الحائضِ بخلافِ الصَّومِ؛ فإنَّه يجبُ في السَّنَةِ مرَّةً واحدةً، وربَّما كان الحيضُ يومًا أو يوميْن، وصدقَ اللهُ العظيمُ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (١).
* * *
س: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أوْ لا ؟
ج: يجوزُ أن تستعملَ المرأةُ أدويةً في رمضانَ لمنعِ الحيض، إذا قرَّرَ أهلُ الخبرةِ الأُمناءُ من الدَّكاتِرةِ، ومنَ في حُكمِهم أنَّ ذلك لا يضرُّها، ولا يؤثرُ على جهازِ حملِها، وخيرٌ لها أنْ تكُفَّ عن ذلك، وقد جعلَ اللهُ لها رخصةً في الفطرِ إذا جاءَها الحيضُ في رمضان، وشرعَ لها قضاءَ الأيَّامِ التي أفطرتْها، ورضيَ لها بذلكَ دينًا (٢).
стр. 150
س: إذا انقطع دم النفاس قبل أربعين يومًا فهل يجوز للمرأة أن تغتسل وتصلي حتى ولو عاد مرة أخرى قبل الأربعين أيضًا ؟ ...
ج: إذا رأتْ المرأةُ النُّفساءُ الطُّهرَ قبل تمامِ الأربعينَ؛ فإنَّها تغتسلُ وتصلِّي وتصومُ، ولزوجِها جماعُها، فإن استمرَّ معها الدَّمُ بعد الأربعين؛ فإنَّها تعتبرُ نفسَها في حكمِ الطَّاهرة؛ لأنَّ الأربعينَ هي نهايةُ مُدَّةِ النِّفاسِ في أصحِّ قوْلَي العلماء، ويُعتبرُ الدَّمُ الذي معها بعد الأربعين دمُ فسادٍ، حكمُهُ حكمُ دمِ الاستحاضة، إلا إنْ صادفَ عادتَها فإنَّها تعتبرُهُ حيضًا؛ تدعُ له الصَّلاة والصَّومَ، ويحرُمُ على زوجِها جماعُها (١).
س: ما هو الحرام والحلال في ديننا الإسلام ؟
ج: الحلالُ والحرامُ حكمانِ شرعيَّانِ يُتَلَقَّيانِ من كتابِ اللهِ ومن سُنَّةِ رسولِهِ محمَّدٍ ﷺ ، وعلى المؤمنِ أن يعتقدَ تحريمَ ما حرَّمَ اللهُ، وإباحةَ ما أحلَّ اللهُ اعتقادًا جازمًا، فإنَّ هذا الاعتقادَ سببٌ لدخولِ الجَنَّة، كما في الحديث: أنَّ رجلا سألَ النَّبيَّ ﷺ فقال: أرأيتَ إنْ أحللتُ الحلالَ وحرَّمتُ الحرام، أأدخلُ الجنَّة؟ قال: «نَعَمْ»؛ لذا لا يجوزُ للمسلمِ أنْ يُحَلِّلَ ويُحرِّمَ من تلقاءِ نفسِه، فإنَّ ذلك من أعظمِ الحرامِ، قالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، وأجمعَ المسلمونَ على أنَّ مَن أحلَّ حرامًا عُلِمَ
стр. 151
تحريمَه من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كمَن أحلَّ الزِّنا أو الرِّبا أو الخمر، فإنَّ هذا كفرٌ وردَّةٌ عن دينِ الإسلام.
وكذلك مَن حرَّمَ حلالا عُلِمَ حِلَّهُ من الدِّينِ بالضَّرورة، كمَن حرَّم اللَّحمَ أو الخُبزَ ونحوَهما؛ فقد خالفَ شرعَ اللهِ، وارتدَّ عن دينِ الإسلام (١).
س: ما حكم التسمية في موضع دورة مياه المسجد إذ بينه وبين دورة المياه ما يقرب من مترين. هل تجوز التسمية أمْ لا ؟
ج: يُستحبُّ لمَن أرادَ دخولَ الخلاءِ (دورة المياه) أنْ يُقَدِّمَ رجلَهُ اليُسرى ويقولَ: (بسمِ اللهِ، اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الخُبُثِ والخبائثِ)، وإذا أرادَ أنْ يتوضَّأَ في المكانِ المُعَدِّ للوضوءِ فإنَّه يقولُ (بسمِ اللهِ) قبل الوُضوء؛ لأنَّ التَّسميةَ للوضوءِ واجبةٌ؛ لقولِه ﷺ «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ»، رواهُ جماعةٌ من الصَّحابةِ عن النَّبيِّ ﷺ ، وإسنادُهُ عنهم حسنٌ (٢).
س: ما حكم تطويل الأظافر ؟
ج: لا يجوزُ تطويلُ الأظافرِ؛ لأنَّ هذا مُخالفٌ لسننِ الفطرةِ التي حث عليها النَّبيُّ ﷺ ومنها (قصُّ الأظافِر)، فالواجبُ في تقليمِ الأظفارِ ونتفِ الإبْطِ وحلقِ العانةِ وقصِّ الشَّارب، أنْ لا يُتركَ شيءٌ من ذلك أكثرَ من
стр. 152
أربعينَ ليلة؛ لما رَوى مسلمٌ في «صحيحه» عن أنسٍ ﵁ قال: «وقِّت لنا في قص الشارب وقلم الأظفار وحلق العانة، أن لا نترك شيئًا من ذلك أكثر من أربعين ليلة». فيجبُ على هؤلاءِ النِّسوةِ التَّوبةُ إلى اللهِ، وتركُ هذه العادةِ السَّيِّئةِ المخالفةِ لما أمرَ بهِ النَّبيُّ ﷺ ، واللهُ يقولُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ويقولُ سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
س: ما حكم الصَّلاة التي يكون وضوؤها ناقصًا في بعض الفرائض، مثل الوجه والرجل والذراع، أي: أن الماء لا يسبغها تمامًا ؟
ج: يجبُ على الإنسانِ أن يُسبِغَ الوضوءَ على جميعِ الأعضاءِ، فإنْ تركَ شيئًا من الأعضاءِ لمْ يصلْهُ الماءُ؛ وجبَ عليه أنْ يُوصِلَ الماءَ إليه، فإن طالَ الفصلُ ونشفَ العضوُ؛ وجبَ إعادةُ الوُضوءِ، فإنْ صلَّى قبلَ ذلك؛ وجبَ عليه إعادةُ الوُضوءِ والصَّلاة (٢).
س: أريد أن أعرف يرحمكم الله الكيفية التي تقام بها المضمضة والاستنشاق والاستنثار، من حفنة واحدة من الماء في الوضوء ؟
ج: كيفيَّةُ جمعِ المضمضةِ والاستنشاقِ بكفٍّ واحدةٍ: أن يأخذَ الماءَ بكفِّهِ ويستنشقَ منه ويتمضمضَ؛ فيقسمُ الغَرفَةَ بين المضمضةِ والاستنشاقِ، ويكرِّرُ ذلك ثلاثَ مرَّات؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدِ: «توضَّأَ فمضمضَ
стр. 153
واستنشقَ ثلاثًا بكفٍّ واحدٍ»، وحديثِ عليٍّ: «مضمضَ واستنشقَ ثلاثًا بثلاثِ غَرفاتٍ»، وإنْ اكتفى بواحدةٍ أو اثنتينْ؛ فلا بأس، ولكن التَّثليثُ في الوضوءِ أفضلُ؛ للحديثيْنِ المذكوريْنِ وغيرِهما (١).
س: إذا نسيت في الوضوء غسل جزء صغير مثلا في أماكن الوضوء، فذكرته بعد الوضوء مباشرة. هل أعيد الوضوء أو أكتفي فقط بغسله ؟
ج: الموالاةُ شرطٌ في صحَّةِ الوُضوءِ، فإذا نسيَ الإنسانُ غسلَ عضوٍ من أعضاءِ الوُضوءِ أو جزءٍ منه ولو صغيرًا: فإنْ كان في أثناءِ الوُضوءِ أو بعدَه مباشرةً ولا زالتْ آثارُ الماءِ على أعضائِهِ لم تجف من الماءِ؛ فإنَّهُ يغسلُ ما نسيَهُ من أعضائِهِ وما بعدَه فقط، أمَّا إنْ ذكرَ أنَّه نسيَ غسلَ عضوٍ من أعضاءِ الوُضوءِ أو جزءٍ منه بعد أن جفَّتْ أعضاؤهُ من الماء، أو في أثناءِ الصَّلاة أو بعدَ أداءِ الصَّلاة؛ فإنَّه يستأنفُ الوُضوءَ من جديدٍ، كما شرعَ اللهُ ويُعيدُ الصَّلاة كاملةً؛ لانتفاءِ المُوالاةِ في هذه الحالةِ، وطولِ الفصلِ، واللهُ سبحانه أوجبَ غسلَ جميعِ أعضاءِ الوُضوءِ، فمَنْ تركَ جزءًا ولو يسيرًا من أعضاءِ الوُضوءِ فكأنَّما تركَ غسلَهُ كلَّه، ويدلُّ لذلك ما رواهُ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ قال: «رأى رسولُ اللهِ ﷺ رجلا توضَّأَ فتركَ موضِعَ الظُّفرِ على قدمِهِ، فأمرَهُ أنْ يُعيدَ الوُضوءَ والصَّلاة»، قال: «فرجعَ فصلَّى» أخرجَهُ ابنُ ماجَه في «سننِه»، وأخرجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ نحوَه (٢).
* * *
стр. 154
س: هل الرعاف يبطل الوضوء والصَّلاة أمْ لا ؟
ج: النَّجاساتُ الخارجةُ من سائرِ البدنِ من غيرِ السَّبيليْن، إن لم تكنْ بولا ولا غائطًا، كالرُّعافِ والقَيءِ ودمِ الجُروحِ ونحوِ ذلك، لا ينتقضُ بها الوُضوءُ إلا الكثير منها، وهو ما فحشَ في النَّفس؛ لما روى أبو الدَّرداءِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قاءَ فتوضَّأَ. وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة».
وأمَّا القليلُ من ذلك فلا يُنتقضُ الوُضوء به، وقد قالَ بذلك جماعةٌ من الصَّحابة، كابنِ عبَّاسٍ وأبي هريرةَ وابنِ عمرَ ﵃، ولم يُعرفْ لهم مُخالفٌ من الصَّحابةِ ﵃ أجمعين، وبه قال جماعةٌ من التَّابعين. وثبتَ عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّه عصرَ بثرةً فخرجَ دمٌ فصلَّى وتوضَّأ، وهذا محمولٌ على اليسير (١).
س: لماذا كان أكل لحم الإبل من النواقض للوضوء ؟
ج: أكلُ لحمِ الإبلِ خاصَّة ينقضُ الوُضوءَ، على الصَّحيحِ من أقوالِ العلماء، كما دلَّتْ على ذلك الأحاديثُ الصَّحيحة، والحكمةُ من نقضِهِ للوُضوءِ تعبديَّةٌ تعبَّدَنا اللهُ بها، ولسنا مكلَّفينَ بمعرفةِ الحكمةِ، فيجبُ علينا الإيمانُ والعملُ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ وإن لم ندرك الحكمةَ منها، مع الإيمانِ بأنَّ اللهَ سبحانه هو الحكيمُ العليم، وقد تُدْرَكُ بعضُ حكمةِ ذلك، ومن ذلك ما ذكرَه بعضُ العلماءِ أنَّ الإبلَ فيها من القُوَّةِ الشَّيْطانيَّةِ والشِّدَّةِ والحقدِ والكيدِ لمَن آذاها، وأنَّ الإنسانَ إذا أكلَ لحمَها اكتسبَ بعضَ صفاتِها وطباعَها؛ ولذلك شُرِعَ الوُضوءُ منها، ليذهبَ ما قد ينشأُ عندَه من ذلك (٢).
стр. 155
س: ما حكم من يتوضأ لصلاة ثم يغسل جسمه بالماء؟ أفتوني مأجورين
ج: إذا توضَّأَّ الإنسانُ للصَّلاةِ، ثم بدا له غسلُ جسمِهِ بالماء، فلا مانعَ من ذلك، سواءً كان غسلُهُ للتَّبَرُّدِ أو التَّنظُّفِ ونحوِ ذلك، ولا يُنتقضُ وضوؤهُ بذلك؛ إذا لم يمسَّ عورتَه المُغلَّظَةَ (الذَّكر، والدُّبُر)؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، أخرجَهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ التِّرمذيُّ، وابنُ حبَّان، وقال البخاريُّ: هو أصحُّ شيءٍ في هذا الباب (١).
س: إنه استيقظ إنسان في صلاة الصبح، فوجد نفسه جنبًا ولا يستطيع أن يغتسل، ماذا يفعل ؟
ج: من استيقظَ الفجرَ فوجدَ نفسَهُ جُنبًا؛ فإنَّه يجبُ عليه الاغتسالُ لأجلِ أداءِ الصَّلاة، أمَّا الصِّيامُ: فيجوزُ لهُ أن يصومَ وهو جُنُب؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُصبِحُ جُنُبًا ثم يغتسلُ ويصومُ ولا يقضي، والاحتلامُ لا يُبطِلُ الصَّومَ إذا وقعَ نهارًا؛ لأنَّه بغيرِ اختيارِ الإنسانِ، وإنَّما يلزمُ الغسلُ إذا أنزلَ المَنِيَّ. وإن كان في مكانٍ لا يوجدُ فيه ماء، أو كانَ فيه ماءٌ ولا يستطيعُ استعمالَهُ من أجلِ المرض؛ فإنَّه يتيمَّمُ بالتُّرابِ ويُصلِّي؛ لقولِهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٢).
* * *
стр. 156
س: ما المقصود بالاحتلام؟ وهل هو يأتي فقط للمرأة المتزوجة ؟
ج: تحتلمُ المرأةُ كالرَّجُلِ في أيٍّ من سِنِيِّ عُمُرِها، وهو من علاماتِ البُلوغ، وإذا رأتْ الاحتلامَ بأنْ خرجَ منها مَنِيٌّ؛ وجبَ عليها الغسل، فعنْ عائشةَ ﵂ قالت: سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الرَّجلِ يجدُ البللَ ولا يذكرُ احتلامًا؟ قال: يغتسل. وعن الرَّجلِ يرى أن قد احتلمَ ولا يجدُ البلل، فقال: «لا غُسْلَ عَلَيْهِ». فقالت أمُّ سُليمٍ: يا رسولَ اللهِ ﷺ : المرأةُ ترى ذلك هل عليها الغُسل؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ -يعني: المَنِيَّ - إِنَّمَا النِّساءُ شَقَائِقُ الرِّجِالِ»، رواهُ الخمسةُ؛ إلا النَّسائيُّ، وفي (الصَّحيحيْن) عن أمِّ سلمةَ ﵂ -أنَّ أُمَّ سُليمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ لا يستحِي منَ الحقِّ، هل على المرأةِ من غُسلِ إذا هي احتلمتْ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ» (١).
س: كيف نغتسل من الجنابة؟ وهل ورد حديث عن الصَّلاة بعد الاغتسال من الجنابة ؟
ج: أولا: الاغتسالُ للجنابةِ نوعانِ: كاملٌ، ومجزئٌ.
أمَّا الكاملُ: فهو المشتملُ على الواجباتِ والمستحبَّاتِ، الموافقُ لفعلِ النَّبيِّ ﷺ ، فينوي رفعَ الجنابةِ، ويقولُ: بسمِ اللهِ، ثم يغسلُ كفيْهِ ثلاثًا، ويغسلُ فرجَهُ بشمالِهِ ويزيلُ ما بهِ من أذًى، ويضربُ بشمالِهِ الأرضَ ويُدلِّكُها، أو يُغسِّلُها بالماءِ والصَّابونِ أو غيرِه من المُنَظِّفات، ثم يتوضَّأُ كما يتوضَّأُ للصَّلاة، وبعد ذلك يُخلِّلُ شعرَهُ حتى يروي بشرتَه، ثم يصبُّ على
стр. 157
رأسِهِ ثلاثَ حفناتٍ، ويبدأُ بشقِّهِ الأيمن، ثم الأيسر، ثم يفيضُ الماءَ على سائرِ جسدِهِ.
وأمَّا الغسلُ المجزئُ: فهو أن ينويَ رفعَ الجنابةِ، ويُسمِّي، ويتمضمضَ ويستنشقَ، ثم يَعُمَّ بدنَه بالماءِ.
ثانيًا: ليس هناك صلاةٌ خاصَّةٌ بعد الاغتسالِ للجنابة؛ لأنَّه لم يروَ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك شيءٌ فيما نعلم، أمَّا الصَّلاة بعد الوُضوءِ ركعتيْن، فهذا صحَّتْ به السُّنَّةُ عن النَّبيِّ ﷺ (١).
س: بعد الاغتسال من الجنابة هل أتوضأ، مع أنني في وقت الاغتسال أكون قد لمست الأعضاء، وكذلك عند اللباس. هل علي الوضوء مرة أخرى ؟
ج: السُّنَّةُ للجُنُبِ أن يتوضَّأَ أولا، ثم يغتسلُ للجنابة؛ لفعلِ النَّبيِّ ﷺ ، وإن نوى رفعَ الحدثيْنِ، فعمَّم جسمَهُ بالماءِ؛ أجزأَ ذلك؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وإذا لمْ يتوضَّأْ قبل الاغتسالِ ولم ينوِ الوُضوءَ مع الاغتسال، فلا بُدَّ من الوُضوءِ بعد الاغتسال، وكذلك إذا لمسَ فرجَه حالةَ الاغتسالِ فلا بُدَّ من إعادةِ الوضوء؛ لانتقاضِهِ بمسِّ الفرج (٢).
* * *
стр. 158
س: هل يجوز المشي والصَّلاة على الجنازة لشخص جنب، وذلك بالتيمم. علمًا أنه لو ذهب ليتطهر لفاتته الجماعة في الصَّلاة على الميت؟ وما الحكم لمن سبق له أن تبع الجنازة وصلى عليها بالتيمم وهو جنب ؟
ج: الطَّهارةُ شرطٌ لصحَّةِ الصَّلاة على الجنازة، ولا يصحُّ التَّيمُّمُ لها مع وجودِ الماءِ والقدرةِ على استعمالِه، وإذا لمْ يتمكَّنْ من الصَّلاة عليه مع الجماعةِ؛ صلَّى على قبرِهِ بعد دفنِهِ إذا لم يمضِ للدَّفنِ شهر، وأمَّا المشيُ في تشييعِ الجنازةِ للجُنُبِ: فلا بأسَ في ذلك.
وأمَّا ما سبقَ منك من الصَّلاة على الجنازةِ بالتَّيمُّمِ مع وجودِ الماءِ: فعليك الاستغفارُ من ذلك (١).
س: هل يحل للزوج أن يطأ زوجته قبل أن تغسل حيضتها ؟
ج: لا يحلُّ للزَّوجِ وطءَ زوجتِهِ الحائضِ حتى تغتسلَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، يعني إذا اغتسلن. هكذا فسَّرهُ ابنُ عبَّاس؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، أي: يزولُ عنهنَّ الأذى وهو دمُ الحيض، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، أي: فإذا اغتسلن فأتوهنَّ من حيث أمرَكُمُ الله، فجعلَ لحلِّ الحائضِ شرطيْن:
الشَّرطُ الأوَّلُ: انقطاعُ دمِ الحيضِ، وهو الطَّهرُ.
الشَّرطُ الثاني: الاغتسالُ من الحيض، وهو التَّطهُّر.
стр. 159
ثم أثنى على الملتزمين بشرعِهِ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١).
س: هل يجوز للحائض أن تقرأ القرآن دون أن تمس المصحف ؟
ج: يجوزُ للحائضِ أن تقرأَ عن ظهرِ قلبٍ من غيرِ أن تمسَّ المصحفَ مباشرةً إذا احتاجتْ لقراءةِ القرآنِ من أجل ألا تنساه، بخلافِ الجُنُبِ فليسَ لهُ أن يقرأَ القرآنَ لا من المصحفِ ولا عن ظهرِ قلبٍ حتَّى يغتسل؛ لما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه كان لا يمنُعهُ شيء من القرآنِ سوى الجنابةِ»، أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّنن. وفي روايةٍ عند أحمدَ، عن عليٍّ ﵁ بإسنادٍ جيِّدٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأَ شيئًا من القرآنِ، ثم قال: «هَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، أَمَّا الْجُنُبُ فَلا وَلا آيّةً». أمَّا الحديثُ الذي فيه نهيُ الحائضِ عن قراءةِ القرآنِ فهو ضعيف (٢).
س: قدر الله علي حادث سقوط من نخلة، وأصبت بشلل نصفي منذ ما يقارب خمس سنوات، ولا أقدر على التحكم في السبيلين، أصلي وأنا على ظهري مضطجع على السرير، وأتيمم بالتراب، وأحيانًا أكون واقفا على كرسي وأغسل وجهي ويدي إلى المرفقين. فما الحكم في هذا أثابك الله تعالى ؟
ج: عليك أن تستنجي وتتوضَّأَ عندما تريدُ الصَّلاة بعد دخولِ الوقت،
стр. 160
ثم تصلِّي في الحالِ ولو خرجَ منك شيءٌ في أثناءِ الصَّلاة؛ فلا حرجَ عليك؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ المستحاضةَ أن تستنجيَ وتتوضَّأَ لكلِّ صلاة، وإن كنتَ لا تستطيعُ الوُضوءَ بالماءِ؛ فإنَّك تتيمَّمُ بالتُّرابِ عندما تريدُ الصَّلاة (١).
س. إذا أسقطت المرأة الحامل (أجهضت) مولودًا متخلقًا يتم إجراء عملية تنظف للرحم، فيتوقف دم النفاس وينزل نزيف بسبب التنظيف أحيانًا، فهل تعتبر طاهرة أم أن الدم دم نفاس؟
ج: أولا: لا يجوزُ إجهاضُ الحملِ إلا بفتوى من أهلِ العلمِ، مبنيَّةٍ على الضَّرورةِ القصوى التي يُقرِّرها فريقٌ من الأطِّباءِ الموثُوقين.
ثانيًا: إذا جازَ الإجهاضُ شرعًا وكان الجنينُ مُخَلَّقًا، فالأصلُ في الدَّمِ الذي يخرجُ بعدَه، أنَّه دمُ نِفاسٍ؛ تتركُ من أجلِهِ الصَّلاة والصِّيامَ إلى تمامِ أربعين يومًا من إسقاطِه، إلا إذا تحقَّقَ أنَّه نزيفٌ، وأنَّ دمَ النِّفاسِ قد توقَّف، فإنَّه لا يُعتبرُ نفاسًا تتركُ من أجلهِ الصَّلاة والصيام (٢).
стр. 161
فتاوى الصَّلاة
стр. 162
فتاوى الصَّلاة
س: هل الصَّلاة واجبة في جميع الحالات، وهل الامتناع عن الصَّلاة لإحساس الشخص أنه غير جدير بالصَّلاة أو أنه يصلي ورغم هذا يفعل ما نهى الله عنه، هل هذا خطأ، وهل له أن يصلي في جميع الحالات ؟
ج: الصَّلاة واجبةٌ على كلِّ مكلَّفٍ من الرِّجالِ والنِّساءِ كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسُ مرَّاتٍ بالنَّصِّ والإجماعِ، وهي عمودُ الإسلامِ وأعظمُ أركانِه بعدَ الشَّهادتيْن، سواءً كان مُرتكبًا لشيءٍ من الذُّنوب أو غيرَ مُرتكبٍ لها بل مُرتكِبُ الذَّنوبِ أحوجُ إلى ما يغفرُ اللهُ به ذنوبَه بإتباعِ السَّيِّئةِ الحسنةَ كالصَّلاة والصِّيامِ والصَّدقاتِ ونحوِها من الأعمالِ الصَّالحات؛ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، وعلى المسلمِ أن يُحصِّنَ نفسَهُ بذكرِ اللهِ ومراقبتِهِ وتلاوةِ كتابِه الكريمِ وعظمِ الرَّجاءِ في عفوِهِ ومغفرتِه؛ حتى لا يتسرَّبَ اليأسُ إلى قلبِه، وليس وقوعُ الذُّنوبِ منه دليلا على فسادِ صلاتِه أو صيامِه أو زكاتِه أو غيرِها من عباداتِه؛ فقد يجتمعُ في الإنسانِ مطلقُ الإيمانِ والأعمالُ الصَّالحاتِ مع ارتكابِهِ لما نهىَ اللهُ عنه؛ سوى الشِّركِ باللهِ وغيرِه من نواقضِ الإسلام، ونسألُ اللهَ تعالى أن يمنحنا وإيِّاكَ الفقهَ في الدِّينِ، والثباتَ عليه، واللهُ المستعان (١).
стр. 163
س: مرضت عدة أيام ولم أصل في هذه المدة كيف أقضيها ؟ ...
ج: يجبُ على المكلَّفِ أداءُ الصَّلاة في وقتِها ولو كان مريضًا؛ ما دامَ أنَّه يعقلُ، وما فاتَ من الصَّلواتِ يجبُ عليك المسارعةُ إلى القضاءِ مُرتِّبًا، فتُصلِّي ما فاتَك في اليومِ الأوَّل مثلا الفجرَ، ثم الظُّهرَ، ثم العصرَ، ثم المغربَ، ثم العشاءَ، ثم اليوم الثاني كذلك، وهكذا إلى أن تنتهي الأيامِ التي فاتتكَ، مع الاستغفارِ والتَّوبة (١).
س: فيه رجل تارك فروض الصَّلاة، أو متهاون فيها ما عدا يوم الجمعة أول شخص يدخل الجامع هو، فما حكم ذلك علما أنه ليس بأمي بل متعلم ؟
ج: الصَّلاة ركنٌ من أركانِ الإسلامِ، فمَن تركَها جاحدًا لوجوبِها؛ فهو كافرٌ بالإجماع، ومَن تركَها تهاونًا وكسلا فهو كافرٌ، على الصَّحيحِ من قولَي العلماءِ في ذلك، والأصلُ في ذلك عمومُ الأدلَّةِ التي دلَّتْ على الحُكْمِ بكفرِهِ، ولم تُفَرِّقْ بين مَن تركَها تهاونًا وكسلا، ومَن تركَها جاحدًا لوجوبِها، فروى الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ بسندٍ صحيحٍ من حديثِ بُريدةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ». وروى مسلمٌ في «صحيحِهِ»، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «بيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ». وروى عبدُ اللهِ بنُ شقيقٍ قال كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ لا يرونَ شيئًا من الأعمالِ تركُهُ كفرٌ إلا الصَّلاة (٢).
стр. 164
س: مات أخ لي وعمره يتجاوز (٢٤) سنة ولم يصل ولا ركعة في حياته وقد يكون صام شهرًا واحدًا في حياته، وكان مدمن خمر وكان يزني ويسرق ومات وهو شارب للخمر مصطدمًا بسيارته مع شجرة، وأطلب من سيادتكم هل يجوز لوالديه وأحبابه أن يستغفروا له أم لا ؟
ج: إذا كان حالُ أخيك في حياتِه حتى ماتَ كما ذكرتَ فلا يجوزُ لمَن عَلِمَ حالَهُ أن يستغفِرَ له؛ لكفرِهِ بتركِهِ الصَّلاة؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «بيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، رواهُ الإمامُ مسلمٌ في «صحيحِهِ»، وقولِه ﷺ : «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (١).
س: رجل ترك الصَّلاة عدة شهور أو سنوات فهل يجب عليه قضاؤها ؟
ج: جمهورُ الفقهاءِ يقولُ بوجوبِ قضائِها، لأنَّها دَيْنٌ في ذِمَّتِه، ويستدلُّونَ بعمومِ قولِه ﷺ : «دَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ»، ويرى بعضُ الفقهاءِ أنَّه لا قضاءَ على من تركَها عمدًا، لأنَّه كفرَ بتركِهِ للصَّلاةٍ كفرًا خرجَ به من مِلَّةِ الإسلام، والعياذُ باللهِ، وحبِطَ عملُه، وقالوا: إنَّما يجبُ القضاءُ على مَن تركَها ناسيًا أو لنومِه، لأنَّه معذورٌ، فَشُرِعَ له قضاؤُها؛ ليتداركَ ما فاته، بخلافِ من تركَها عمدًا فإنَّه غيرُ معذور، وليس أهلا لإعطائِهِ فرصةً يتداركُ فيها ما فاته، وليس له جزاءٌ إلا النَّار، إلا أنْ يتوب (٢).
* * *
стр. 165
س: أفتوني جزاكم الله خيرًا عن حكم الرجل الذي ترك الصَّلاة وقتًا طويلا من الزمان ثم رجع إلى ربه وقام يؤديها في أوقاتها وندم على ما فاته، ولكنه لم يثبت حتى الآن ؟
ج: مَن تركَ الصَّلاة من المكلَّفين عمدًا جاحِدًا لوجوبِها؛ كفرَ بالإجماع، ومَن تركَها تهاونًا وكسلا كَفَرَ على الصَّحيحِ من قولي أهلِ العلم، وإذا عادَ وصلَّى وحافظَ على الصَّلواتِ مستقبَلا؛ حُكِمَ بإسلامِه، والتَّوبةُ تجُبُّ ما قبلَها، والإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه، فلا يقضي ما تركَه من الصَّلاة، والواجبُ عليه الثباتُ على ذلك والاستمرارُ عليه وسؤالُ ربِّهِ العونَ والتَّوفيق؛ لأن «القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء»، فنسألُ اللهَ له الثباتَ على الحقِّ والعافيةِ من شرِّ نفسِهِ وشيطانِهِ وهواه (١).
س: هل تجوز الصَّلاة على النبي ﷺ بعد الأذان مباشرة أم لا ؟
ج: نعم، تُشرعُ الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ بعد الأذانِ مباشرةً؛ لما روى مسلمٌ ﵀ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ رسولَ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَى اللهُ عَلَيْهَ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فِإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». ويكونُ ذلك بصوتٍ منخفضٍ بحيثُ يَسمعُهُ مَن حولَه، أمَّا جهرُ المؤذِّنِ بها مع الأذانِ: فبدعةٌ لا أصلَ لها في الشَّرعِ المُطهَّر (٢).
стр. 166
س: إن بعض المؤذنين في الفجر حينما ينتهي من الأذان ثم بعد ما يدعو الدعاء المأثور يقول في الميكرفون: صلوا هداكم الله، وأن بعض الناس اعترض عليه، وبعضهم يدعو له، ويسأل عن حكم ذلك ؟
ج: قالَ اللهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقالَ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»، وقال أيضًا: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، ووردَ عن بعضِ السَّلفِ الصَّالحِ قولُه: اتَّبعوا ولا تبتدعُوا؛ فقد كُفيتم، وعليهِ فينبغي للمسلِمِ في أمورِ العبادةِ الاقتصارُ على ما ثبتَ مشروعيتُه، وعدمُ الزِّيادةِ على ذلك بحُجَّةِ الاستحسانِ، فلو كانَ خيرًا لأخبرَ عنه ﷺ ، أو عَمِلَهُ، وعَمِلَهُ معه وبعدَه أصحابُه. وبهذا يتَّضِحُ الجوابُ على السُّؤال من أنَّه ينبغي الاقتصارُ في الأذانِ على ما ثبتَ شرعًا في صفةِ الأذان، وأنَّ الزِّيادةَ على ذلك من قبيلِ الابتداع، واللهُ أعلم (١).
س: هل يمكن للمسلم أن يصلي فوق الحصير الذي رسم فوقه صليب ؟
ج: إذا كانَ السُّؤال عن حكمِ صلاةٍ وقعتْ فوق الحصيرِ الذي رُسِمَ فوقَهُ صليبٌ: فالصَّلاة صحيحة إنْ شاءَ اللهُ، مع الكراهية، وإذا كان السُّؤالُ عن حكمِها مستقبلا فعليهِ أن يُزِيلَ الصَّليبَ من الحصيرِ، وذلكَ بطمسِهِ بما يُخفِى معالمَه، أو بوضعِ رقعةٍ ثابتةٍ عليه، أو يُبدِّلَ هذا الحصيرَ بحصيرٍ ليس
стр. 167
فيه صليب، لما صحَّ عن عائشةَ ﵂: «كانَ النَّبيُّ ﷺ لا يدعُ شيئًا فيه تصليبٌ إلا قَضَبَه» (١).
س: من أدركته صلاة الجماعة ولم يكن متوضئا وخاف إن توضأ أن تفوته صلاة الجماعة فماذا يفعل ؟
ج: الوُضوءُ شرطٌ لصحَّةِ الصَّلاةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية، ولما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»، رواهُ أحمدُ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، فيجبُ على الإنسانِ الوُضوءُ للصَّلاةِ، وإن فاتَتْه الصَّلاةُ في هذه الجماعة، وعليه أن يسعى لأداءِ الصَّلاةِ في جماعةٍ أخرى فإنْ تيسَّرَ له ذلك؛ فالحمدُ للهِ، وإلا؛ صلَّى منفردًا لقولِهِ تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقولِه ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، ولا يجوزُ لهُ أن يتيمَّمَ؛ ليُدرِكَ الجماعة، لأنَّ خوفَ فواتِها ليسَ ممَّا يُبيحُ الانتقالَ من الطَّهارةِ المائيَّةِ إلى الطَّهارةِ التُّرابيَّة (٢).
س: ما حكم من صلى وعليه ثوب نجس ولم يتذكر إلا وهو في الصَّلاة ؟
ج: يجبُ على مَن صلَّى وعليه ثوبٌ نجسٌ، وذكرَ أثناءَ الصَّلاةِ؛ أنَّ
стр. 168
يقطعَ صلاتَه ويُغيِّرَ الثوبَ النَّجِسَ بثوبٍ طاهر، أو يغسلَ النَّجاسة، لكن إنْ كانَ عليه ثوبٌ طاهرٌ تحتَ الثوبِ النَّجسِ كفى خلعُ الثوبِ النَّجسِ، ويستمرُّ في صلاتِه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا نبَّهَهُ جبرائيلُ ﵇ على وجودِ خبثٍ في نعليهِ خلعَها، واستمرَّ في صلاتِه (١).
س: أنا من قرية باليمن لا تزال تعيش في جهل شديد وبها خمسون رجلا تقريبًا ولا يوجد بها مسجد ولا مدرسة، والأولاد يزيدون فيها، وأريد أن أبني مسجدا لله، فأرجو إرشادي إلى ما فيه الخير لي ولهم من الخطب المتفقة مع الكتاب والسنة للجمع والأعياد والخسوف والكسوف، ومن كتب السنة النبوية ونحو ذلك .
ج: بناءُ المساجدِ من أعمالِ البرِّ والخيرِ، فإنَّ «مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»، فاحرصْ أيُّها الأخُ الكريمُ على تنفيذِ ما عزمتَ عليه ما دُمتَ قادرًا على تنفيذِه، وأخلصْ النِّيَّةَ للهِ في ذلك، وتخيَّرْ أنسبَ المواضعِ من البلدِ لبناءِ المسجد، وتعاونْ مع أهلِ الخبرةِ في القبلةِ على تحديدِ قبلته، واخترْ له إمامًا يُحسِنُ تلاوةَ القرآنِ والصَّلاة، متفقِّهًا في دينِهِ بقدرِ الإمكانِ عسى أن يتولَّى تحفيظَ الأولادِ القرآنَ، ومَن يرغبُ من الرِّجالِ، ويفقِّهَهُمْ في أمورِ دِينهم، وأمَّا الكُتُبُ: فمن أحسنها وأنسبِها لكم: كتاب «رياضِ الصَّالحين» للنَّوويِّ، وكتابُ «التَّوحيد» و «كشفُ الشُّبهاتِ» و «ثلاثةُ الأصول» للشَّيخِ محمَّدِ بنِ عبدِ الوهَّابِ، وكتابُ «تطهيرُ الاعتقاد»
стр. 169
للعلامةِ الأميرِ محمَّدِ بنِ إسماعيلَ الصَّنعانيِّ، وكتابُ «الجوابِ الكافي لمَن سألَ عن الدَّواءِ الشَّافي» لابنِ القيِّم، و «تفسيرِ ابنِ كثير»، وكتابُ «بلوغِ المرام» لابن حجر، وشرحه «سبلُ السَّلام» (١).
س: ما معنى قول الرسول ﷺ : «من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله». رواه مسلم، هل المقصود به هو من تكفل ببناء المسجد كاملا بدون أن يشاركه فيه أحد؟ وهل الشخص الذي يبني المسجد عظم فقط داخل في هذا القول؟ وهل المساهم في بناء المسجد يدخل أيضًا في هذا القول ؟
ج: قول النبي ﷺ : «من بنى مسجدًا لله بنى الله له في الجنة مثله: يشمل من قام ببناء المسجد كاملا، ويشمل من شارك في بعضه، ويكون لكل منهم من الأجر بقدر ما شارك فيه، والله لا يضيع أجر المحسنين.
س: هل التبرع والمساهمة في بناء بيوت الإمام والمؤذن تعتبر من بناء المساجد؛ لأنها من الأوقاف لهذا المسجد ؟
ج: التبرع ببناء بيت الإمام والمؤذن وغيرهما من مرافق المسجد يدخل في بناء المسجد من حيث الأجر والفضيلة؛ لأن ذلك من مصالح المسجد، وقد صدرت من اللجنة الدائمة فتوى برقم (١٩٥٧١) وتاريخ (٧/ ٤/١٤١٨ هـ)، هذا نصها: «التبرع لبناء مسجد معين يشمل بناء المسجد
стр. 170
ومرافقه من سكن الإمام والمؤذن ودورات مياه ونحو ذلك مما يتطلبه المسجد من فرش ونحو ذلك لأنها تدخل تبعًا للمسجد» (١).
س: هل تصح الصَّلاة في مسجد به ضريح ميت، والضريح مخالف للقبلة ؟
ج: إذا كانَ الميِّتُ قد دُفِنَ بعد بناءِ المسجدِ؛ وجبَ إخراجُ الميِّتِ من المسجدِ ودفنُهُ في المقبرةِ العامَّة، وإذا كان المسجدُ مبنيًّا على القبرِ؛ وجبَ هدمُ المسجد (٢).
س: ما حكم دخول الأطفال والمجانين المسجد ؟
ج: على وليِّ أمرِ المجنونِ منعُهُ من دخولِ المسجدِ؛ دفعًا لأذاهُ عن المسجدِ والمصلِّين، والسَّعيُّ في علاجِه، أمَّا الأطفالُ: فلا يُمنعونَ من دخولِ المسجدِ مع أولياءِ أمورِهم أو وحدَهم إذا كانوا مميِّزِين، وهم أبناءُ سبعِ سنينَ فأكثر؛ ليؤدُّوا الصَّلاةَ مع المسلمين (٣).
* * *
стр. 171
س: كثيرًا يوجد أناس من المصلين في منطقتنا يمكثون في المساجد دون أن يخرجوا بعد أدائهم صلاة المغرب؛ ينتظرون الأذان لصلاة العشاء، وأثناء هذا الانتظار يوجد منهم من يحادث غيره بكلام الدنيا وهما في المسجد، حتى يوجد فيهم من يأتي بمذياع إلى المسجد لسماع أخبار الدنيا، بينوا لنا هل في ذلك الفعل بأس أم لا ؟
ج: بُنيتِ المساجدُ لعبادةِ اللهِ وحدَه من صلاةٍ وتلاوةِ قرآنٍ ودراسةِ علمٍ والوعظِ والتَّذكيرِ باللهِ والتَّشاورِ في المعروف، ونحو ذلك من القُرُبَات، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ... اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولمْ تبنَ لتكونَ مجالسَ للهوِ ولغوِ الحديثِ والقيلِ والقال، فينبغي للمسلمين أن يعمروا المساجدَ بما بُنيتْ من أجلِه، وأن يصونُوها عمَّا هو من شئونِ الدُّنيا إلا ما كان قليلا (١).
س: هل يجوز التصفيق داخل المسجد تكريمًا للمحاضر أو الخطيب في الحفلات التي تقام في المناسبات ؟
ج: لا يجوزُ التَّصفيقُ إلا للنِّساءِ في الصَّلاةِ إذا نابَ الإمامَ شيءٌ في صلاتِه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَتُصَفِّقُ النِّسَاءُ». ولأنَّ تصفيقَ الرِّجالِ من عملِ أهلِ الجاهليَّة، كما في قولِه
стр. 172
سبحانَه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، وقد فسَّرَ أهلُ العلمِ المكاءَ: بالصَّفيرِ، والتَّصديةَ: بالتَّصفيق (١).
س: ما حكم التلفظ بالنية مثل قوله: (نويت أن أصلي لله تعالى ركعتين لوجهه الكريم صلاة الصبح) ؟
ج: الصَّلاةُ عبادةٌ، والعباداتُ توقيفيَّةٌ لا يُشرعُ فيها إلا ما دلَّ عليه القرآنُ الكريمُ أو السُّنَّةُ الصَّحيحةُ المُطهَّرة، ولم يثبتْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه تلفَّظَ في صلاةٍ فرضًا كانتْ أم نافلةً بالنِّيَّة، ولو وقعَ ذلك منه؛ لنقلَهُ أصحابُه ﵃ وعملوا به، لكن لم يحصلْ ذلك؛ فكان التَّلَفُّظُ بالنِّيَّةِ في الصَّلاةِ مُطلقًا بدعة، وقد ثبتَ عنه ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وقال: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» (٢).
س: إذا كبر الإنسان في صلاة نفل وهو لم يتسوك، وذكر بعد ما كبر قبل الإستفتاح وقبل أن يشرع في قراءة سورة الفاتحة هل يجوز له أن يستاك بدون كثرة حركة، أو يتركه لكراهية الحركة ؟
ج: يُشرعُ للمصلِّى أن يستاكَ قبل أن يُحرِمَ بالصَّلاةِ؛ لما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ
стр. 173
صَلاةٍ». لكن إذا لم يستكْ قبل أن يدخلَ في الصَّلاةِ؛ فإنَّه لا ينبغي له أن يستاكَ بعدَ أن يُكَبِّرَ للصَّلاةِ؛ لما في ذلك من مخالفةٍ للسُّنَّة (١).
س: هل يجوز رفع الرأس قليلا في الصَّلاة عند تكبيرة الإحرام وعند الدعاء والاستغفار أو لا ؟
ج: لا يجوزُ رفعُ الرَّأسِ للمصلِّي إلى السَّماءِ عند تكبيرةِ الإحرامِ ولا عند الدُّعاءِ؛ لحديث: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» (٢).
س: هل كان الرسول ﷺ يرفع يديه عند افتتاح الصَّلاة وكذلك في الركوع وعند الرفع من الركوع وعند قيامه من الركعة الثانية بعد التحية إلى الركعة الثالثة، وهل كان يضع يده اليمنى على اليسرى، وهل هذه السنة من سنن الرسول ﷺ وهل ثبت حديث في سدل اليدين أم لا؟ أفيدونا حتى نسعى للتمسك بالسنة الصحيحة ؟
ج: نعم، رفعُ اليديْنِ في الصَّلاةِ في المواضعِ المذكورةِ في السُّؤالِ من سُنَّةِ النَّبيِّ ﷺ ؛ لما ثبتَ عن عبدِ اللهِ بن عمرَ ﵄ قال: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا قامَ في الصَّلاةِ رفعَ يديْهِ حتى يكونا حذوَ منكبيْهِ، وكان يفعلُ ذلك حينَ يُكبِّرُ للرُّكوع، ويفعلُ ذلك إذا رفعَ رأسَهُ من الرُّكوعِ، ويقول: سَمِعَ اللهُ لمَن حمِدَه، ولا يفعلُ ذلك في السُّجود»، وفي روايةٍ
стр. 174
عنه: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يرفعُ يديْهِ حذوَ منكبيْهِ إذا افتتحَ الصَّلاةَ» الحديث. رواهُما البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود، وثبتَ أيضًا عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّه كانَ إذا دخلَ في الصَّلاةِ كبَّرَ، ورفعَ يديْهِ، ورفع ذلك ابنُ عمرَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، رواهُ البخاريُّ، والنَّسائيُّ، وثبتَ ذلك أيضًا في حديثِ أبي حميدٍ السَّاعديِّ، عن النَّبيِّ ﷺ .
وأمَّا وضعُ اليدِ اليُمنى على اليُسرى: فهو أيضًا من سُننِ الصَّلاةِ؛ لما رواهُ أحمدُ، والبخاريُّ، عن أبي حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ قال: «كان النَّاسُ يُؤمرونَ أنْ يضعَ الرَّجُلُ اليدَ اليُمنى على ذراعِهِ اليُسرى في الصَّلاة، قالَ أبو حازم: ولا أعلمُهُ إلا يُنمي ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ » (١).
س: هل وضع اليمين على الشمال فوق الصدر في الصَّلاة من فعل النبي ﷺ أوْ لا ؟
ج: من السُّنَّةِ وضعُ كفِّ اليُمنى على كفِّ اليُسرى، والرَّسغِ والسَّاعدِ فوقَ الصَّدرِ أثناءَ القراءةِ في القيام، وفي القيامِ أيضًا بعدَ الرَّفعِ من الرُّكوعِ إلى أنْ يخِرَّ ساجدًا، وهذا هديُ رسولِ اللهِ ﷺ وسنَّتِهِ العمليَّة (٢).
س: هل يؤتى بدعاء الاستفتاح بين التكبير والقراءة ؟
ج: السُّنَّةُ أن يؤتى بدعاءِ الاستفتاحِ بين تكبيرةِ الإحرامِ وقراءةِ سورةِ الفاتحة؛ لما ثبتَ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا كبَّرَ
стр. 175
للصَّلاةِ سكتَ هنيهةً قبل أن يقرأَ فسألتُه، فقال: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثلْجِ وَالْبَرَدِ»، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، وهناك أدعيةٌ أخرى في الاستفتاحِ فارجعْ إليها في دواوينِ السُّنَّةِ، وفي كتابِ: «الكلمِ الطَّيِّبِ» لابنِ تيميَّة، وكتابِ: «الأذكارِ» للنَّوويِّ، ونحوِ ذلك (١).
س: ما حكم المداومة على القراءة بسورة خاصة فمثلا إمامنا يوم الجمعة لا يقرأ سوى: (والضحى)، و (ألم نشرح) ؟
ج: السُّنَّةُ أنْ يقرأَ المُصلِّي في صبحِ يومِ الجُمُعةِ بسورةِ: الم تنزيلُ السجدة، ويقرأَ بسورةِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ في الرَّكعةِ الثانية، ويقرأَ في صلاةِ الجُمُعةِ بـ: (سبِّح، والغاشيةِ)، وتارةً بسورةِ الجُمُعةِ وسورةِ المنافقين، وتارةً يقرأَ في الجُمُعة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بعد الفاتحة. أمَّا المداومةُ على قراءةِ سورتَي الضُّحى والانشراحِ كما ذُكِرَ في السُّؤالِ: فهو خلافُ السُّنَّة (٢).
س: كيف كان النبي ﷺ يركع، وهل كان يفعل شيئًا بعد السلام ؟
ج: كان ﷺ يسوى ظهرَه في الرُّكوعِ، ويُمكِّنُ كفَّيْهِ من ركبتيْهِ، وكان يستغفرُ اللهَ ثلاثًا بعد السَّلام، ويقولُ: «لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ،
стр. 176
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لا إِلَهَ إِلااللهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثنَاءُ الْحَسَنُ، لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، اللهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»، وقد أرشدَ أصحابَه إلى أن يُسبِّحوا اللهَ ثلاثًا وثلاثين، ويُكبِّروهُ ثلاثًا وثلاثين، ويحمدُوه ثلاثًا وثلاثين، ويقولون تمامَ المائةِ: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، ويقرأُ آيةَ الكرسيِّ، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، بعدَ كلِّ صلاةٍ، ويُستحبُّ تكرارُ هذه السُّورِ الثلاثِ ثلاثَ مرَّات: بعد صلاةِ الفجر، وصلاةِ المغرب؛ لوُرُودِ الحديثِ الصَّحيحِ بذلك عن النَّبيِّ ﷺ ، كما يُستحبُّ أن يزيدَ بعد الذِّكرِ المُتقدِّمِ بعد صلاةِ الفجرِ وصلاةِ المغربِ قولَ: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)، عشرَ مرَّاتٍ؛ لثُبوتِ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ (١).
س: إذا رفع المصلي بعض أعضاء السجود عن الأرض، فهل تبطل صلاته ؟
ج: إن كانت رجله مرفوعة من ابتداء السجدة إلى آخرها لم تصح صلاته، لأنه ترك وضع بعض أعضاء الصلاة، وليس له عذر، وإن كان قد وضعها بالأرض في نفس السجدة، ثم رفعها وهو في السجدة فقد أدى الركن، لكنه لا ينبغي له ذلك (٢).
стр. 177
س: ماذا كان يقول الرسول ﷺ وهو ساجد وما هو الدعاء المفضل الذي كان يقوله ﷺ -؟
ج: كان يقولُ في سجودِه: سبحان ربي الأعلى، ويقول: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّهُ». ويقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ»، ويقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». وقد ثبتَ أنَّ النَّبيُّ ﷺ قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، رواهُ مسلمٌ، وهذا الحديثُ يدلُّ على شرعيَّةِ الإكثارِ من الدُّعاءِ الطَّيبِ في السُّجودِ، سواءً كانت الصَّلاةُ فرضًا أو نفلا (١).
س: ماذا يقول المصلي عندما يسجد للسهو في صلاته؟ وماذا يقول المصلي عندما يسجد لسجدة القرآن الكريم ؟
ج: يقول السَّاجدُ في سجودِ السَّهوِ، والتِّلاوةِ مثلَ ما يقولُ في سجودِهِ في صلاتِه: (سبحانَ ربِّيَ الأعلى)، والواجبُ في ذلك مرَّةٌ واحدةٌ، وأدنى الكمالِ ثلاثُ مرَّاتٍ، ويُستحبُّ الدُّعاءُ في السُّجودِ بما يسَّرَ اللهُ من الأدعيةِ الشَّرعيَّةِ المُهمَّة؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ «أَمَّا الرُّكُوعُ: فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ: فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، وقولِه ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، رواهما مسلمٌ في «صحيحِهِ»، وكان النَّبيُّ ﷺ يُكثِرُ أن يقولَ في ركوعِهِ وسجودِه: «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِي»، مُتَّفقٌ عليه من حديثِ
стр. 178
عائشةَ ﵂، وكانَ ﷺ يقولُ -أيضًا- في الرُّكوعِ والسُّجودِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ»، أخرجَهُ مسلمٌ في «صحيحِه» (١).
س: هل رفع النظر في الصَّلاة يبطلها أم مكروه أم لا شيء فيه، وكذلك ما حكم الحركة في الصَّلاة القليلة والكثيرة وما حكم الإشارة باليد أثناء الصَّلاة ؟
ج: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن رفعِ البصرِ إلى السَّماءِ في الصَّلاةِ، وتوعَّدَ عليه، ففي «صحيحِ البخاريِّ» وغيرِه عن أنسٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاتِهِمْ» فاشتد قوله في ذلك حتى قال: «لَيَنْتَهَنَّ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارَهُمْ»، فهذا وعيدٌ شديدٌ يدلُّ على التَّحريمِ، ولكنَّه لا يُبطلُ الصَّلاة، وأمَّا الحركةُ في الصَّلاةِ بأن يعبثَ بيدِهِ أو رجلِهِ أو لحيتِهِ أو ثوبِهِ أو غيرِ ذلك: فمنهيٌّ عنه؛ لما رُويَ في «سُننِ التِّرمذيِّ» أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلا يعبثُ في صلاتِه، فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ»، وإذا كثُرَ الفعلُ الذي من غيرِ جنسِ الصَّلاةِ عُرفًا وتوالى؛ أبطَلَها، والإشارةُ باليدِ جائزةٌ للحاجةِ؛ لما في الصَّحيحيْنِ من حديثِ عائشةَ وجابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ لمَّا صلَّى بهم النَّبيُّ ﷺ جالسًا في مرضٍ له، فقاموا خلفَهُ، فأشارَ إليهم أنِ اجلسوا (٢).
* * *
стр. 179
س: ما حكم تغميض العينين في الصلاة ؟
فأجاب: تغميض العينين في الصلاة مكروه، وقد علل العلماء ذلك بأنه من فعل اليهود، فلا ينبغي ذلك، لكن إذا أغمضها لأجل الخشوع ولتجنب رؤية الأشياء فلا بأس إن شاء الله، ما دام أنه أريد به معنى صحيح (١).
س: هل الخشوع شرط لصحة الصلاة ؟
ج: الخشوع خشوعان: واجب ومستحب، فالواجب هو: الطمأنينة في جميع أعمال الصلاة حتى يؤديها كاملة، وهي أن تسكن وتستقر أعضاؤه بقدر الإتيان بالذكر الواجب، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وهو المراد في حديث المسيء في صلاته، وهذه الطمأنينة ركن من أركان الصلاة التي لا تصح بدونها.
والمستحب هو: الطمأنينة التي يحضر فيها القلب ويتدبر القرآن والذكر، ويحصل معها العناية بإكمال الصلاة وأداء ما يستحب فيها من أفعال وأقوال (٢).
س: إذا عطس أو تثاءب شخص في الصَّلاة فهل يحمد الله للعطاس ويستعيذ بالله من الشيطان للتثاؤب ؟
ج: مَن عطسَ أو تثاءبَ في الصَّلاةِ يحمدُ اللهَ للعُطَاس، ولا يستعيذُ
стр. 180
باللهِ من الشَّيطانِ لتثاؤبِه؛ لعدمِ ورودِ ذلك، ولا يُجيبُ من شمَّتَهُ لعُطاسِهِ حالَ كونِه في صلاتِهِ، ولا يردُّ السَّلامَ على من سلَّمَ عليه وهو في الصَّلاةِ إلا بالإشارة؛ لعمومِ ما ثبتَ من قولِهِ ﷺ : «إِنَّ فِي الصَّلاةِ لَشُغُلا»، ولحديثِ معاويةَ بنِ الحكمِ السُّلميِّ لمَّا شمَّتَ رجلا في الصَّلاةِ قال لهُ النَّبيُّ ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»، أخرجَهُ مسلمٌ في «صحيحِه» (١).
س: عندما أصلي مع الجماعة في المسجد تطرأ علي هواجيس وأفكار وعندما يسلم الإمام لا أدري ماذا فعلت في الصَّلاة فما هي الطريقة للتخلص من هذه الهواجيس والأفكار ؟
ج: صلاتُكَ صحيحةٌ، لكن ثوابَها ناقصٌ بقدرِ ما أصبتَ فيها من الهواجسِ، وعليكَ أن تدفعَ عن نفسِكَ الهواجسَ بقدرِ الاستطاعةِ؛ حتى يتحقَّقَ لك الخشوعُ في الصَّلاة، وذلك بشغلِ نفسِك بتدبُّرِ ما تقرأُ من القرآنِ أو تسمعُ من الإمام، وباستحضارِ عَظَمَةِ اللهِ وجلالِهِ، ومراقبتِهِ قدرَ الإمكانِ، فإنَّه يراكَ وإن كنتَ لا تراهُ، وأكثِرْ من التَّعوُّذِ باللهِ من الشَّيطانِ الرَّجيم (٢).
* * *