← Фатава

Фатава · id 30275

المنتقى من فتاوى الأئمة الأعلام

عبد الرحمن الحميزي

Полный текст (445 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

س: إذا حج المشرك شركًا أكبر حجة الإسلام، وبعد رجوعه من الحج بزمن هداه الله وصحت عقيدته وعبادته وتاب وصار موحِّدًا فهل تغني عنه حجته تلك أيام إشراكه، أم لا بد له من حجة أخرى بعد توحيده ؟ ج: من حج وهو كافر كفرًا أكبر ثم دخل بعد في الإسلام لم تجزئه حجته تلك عن حجة الإسلام، لكن من كان مسلمًا ثم ارتد بارتكابه ما يخرجه من ملة الإسلام ثم تاب وعاد إلى الإسلام أجزأته حجته تلك عن حجة الإسلام؛ لكونه أدى الحج وهو مسلم، وقد دل القرآن على أن عمل المرتد قبل ردته إنما يحبط بموته على الكفر؛ لقوله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). س: أخذت من البنك العقاري مبلغًا قدره مائتان وواحد وخمسون ألف وتسعمائة ريال يدفع قصودًا سنوية، هل يحق لي أن أحج وهذا المبلغ علي للبنك العقاري ؟ ج: الاستطاعة على الحج شرط من شروط وجوبه، فإن قدرت عليه وعلى دفع القسط المطلوب منك حين الحج لزمك أن تحج، وإن تواردا عليك جميعًا ولا تستطيعهما معًا فقدم تسديد القسط الذي تطالب به، وأخِّر الحج إلى أن تستطيعه؛ لقول الله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢).

стр. 282

س: هل أحج عن والدي اللذين ماتا ولم تجب عليهما فريضة الحج لفقرهما، إلا أني أردت الحج؟ ولذا أريد حكم الشرع فيه . ج: يجوز لك أن تحج عن والديك بنفسك، أو تنيب من يحج عنهما إذا كنت أنت حججت عن نفسك، أو كان الشخص الذي يحج عنهما قد حج عن نفسه؛ لما روى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عباس ﵄، أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبْرُمة، قال: «مَنْ شُبْرُمَةُ؟» قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: «حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟» قال: لا، قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (١). س: هل يجوز أن يحج عن الميت الواحد في العام الواحد شخصان فأكثر ؟ ج: يسوغ أن يحج عن الميت الواحد شخصان أو أكثر في عام واحد؛ شرط أن يكون كل واحد من النواب قد حج عن نفسه، وإن اكتفي بحج نائب واحد وتصدق بما زاد عن ذلك فهو أولى (٢). س: رجل مات ولم يقض فريضة الحج، وأوصى أن يحج عنه من ماله ويسأل عن صحة الحجة، وهل حج الغير مثل حجه لنفسه ؟ ج: إذا مات المسلم ولم يقض فريضة الحج وهو مستكمل لشروط وجوب الحج وجب أن يحج عنه من ماله الذي خلفه سواء أوصى بذلك

стр. 283

أم لم يوصِ، وإذا حج عنه غيره ممن يصح منه الحج وكان قد أدى فريضة الحج عن نفسه صح حجه عنه وأجزأ في سقوط الفرض عنه، وأما تقويم حج المرء عن غيره هل هو كحجه عن نفسه أو أقل فضلا أو أكثر؟ فذلك راجع إلى الله سبحانه، ولا شك أن الواجب عليه المبادرة بالحج إذا استطاع قبل أن يموت؛ للأدلة الشرعية الدالة على ذلك، ويخشى عليه من إثم التأخير (١). س: ما حكم من أخذ عمرة لوالده بعد أن أخذ عمرة لنفسه، وأعاد عمرة أبيه من مكان الإحرام بمكة المكرمة (التنعيم)، هل عمرته صحيحة أم عليه أن يحرم من الميقات الأصلي ؟ ج: إذا أخذتَ عمرةً لنفسِكَ، ثم تحلَّلتَ منها وأردتَ أن تأخذَ عمرةً لأبيكَ إذا كانَ ميتًا أو عاجزًا؛ فإنَّك تخرجُ إلى الحِلِّ كالتَّنعيمِ، وتُحرِمُ بالعمرةِ منه ولا يجبُ عليك السَّفرُ إلى الميقات (٢). س: إذا أراد الحج أو العمرة، ويشق عليه الإحرام بالطائرة، ثم هو مع ذلك لا يعرف مقدار الميقات، فهل له تأخير الإحرام إلى جدة أم لا ؟ ج: إذا أرادَ الحجَّ والعمرةَ وهو في الطَّائرةِ: فلهُ أن يغتسلَ في بيتِهِ، ويلبسَ الإزارَ والرِّداءَ إن شاء، وإذا بقيَ على الميقاتِ شيءٌ قليلٌ أحرَمَ بما يُريدُ من حجٍّ أو عُمرةٍ، وليس في ذلك مشقَّةٌ، وإذا كانَ لا يعرفُ الميقاتَ

стр. 284

فإنَّه يسألُ قائدَ الطَّائرة، أو أحدَ المساعِدينَ له، أو أحدَ المُضيفين، أو الرُّكَّابَ ممَّنْ يثقُ به من أهلِ الخِبرةِ بذلك (١). س: إذا لبس الإحرام لعمرة أو لحج ثم فسخها ماذا يجب عليه ؟ ج: إذا كان لبسَ الإزارَ والرِّداءَ، ولمْ ينوِ الدُّخولَ في الحجِّ أو العمرةَ، ولم يلبِّ بذلك فهو بالخيارِ: إن شاء دخلَ في الحجِّ أو العمرةِ، وإن شاءَ تركَ ذلك، ولا حرجَ عليه إذا كانَ قد أدَّى حجةَ وعمرةَ الإسلام، أمَّا إن كان قد نوى الدُّخولَ في الحجِّ أو العمرةِ: فليس له فسخُ ذلك والرُّجوعُ عنه، بل يجبُ عليه أن يُكملَ ما أحرمَ به على الوجهِ الشَّرعيِّ؛ لقولِ اللهِ سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وبهذا يتَّضحُ لك: أنَّ المسلمَ إذا دخلَ في حجٍّ أو عمرةٍ بالنِّيَّةِ فليس له رفضُ ذلك، بل يجبُ عليه أن يُكملَ ما شَرعَ فيه؛ للآيةِ الكريمةِ المذكورةِ، إلا أن يكونَ قد اشترط، وحصلَ المانعُ الذي خافَ منه؛ فلهُ أن يتحلَّل؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ لضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ لمَّا قالت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُريدُ الحجَّ وأنا شاكيةٌ، قال: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»، مُتَّفقٌ على صحَّتِه (٢). ... س: ما حكم حجة الحائض ؟ ج: الحيضُ لا يمنعُ من الحجِّ، وعلى مَن تُحرِمُ وهي حائضٌ أنْ تأتيَ بأعمالِ الحجِّ، غيرَ أنَّها لا تطوفُ بالبيتِ إلا إذا انقطعَ حيضُها واغتسلتْ، وهكذا النُّفساء، فإذا جاءتْ بأركانِ الحجِّ؛ فحجُّها صحيحٌ (٣).

стр. 285

س: هل يجوز للرجل عندما يحرم من الميقات أن يجلس ويقلم أظافره، أم لا يجوز له ذلك إلا بعد أن يذبح ضحية ؟ ج: إذا فعلَ ذلك قبلَ الإحرامِ؛ فلا حرجَ في ذلك، إلا أن يكونَ أرادَ أن يُضحِّي وقد دخلَ شهرُ الحِجَّةِ؛ فلا يجوزُ له ذلك؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ نهى عن ذلك، وأمَّا فعلُ ذلك بعد الإحرامِ -أي: بعد نيَّةِ الدُّخولِ في الإحرام- فلا يجوزُ مطلقًا؛ لأنَّ الُمحرمَ ليس له أن يُقلِّمَ أظفارَه، أو يأخذَ شيئًا من شعرِهِ إلا إذا فرغَ من طوافِهِ وسعيهِ للعمرة، فإنَّه يتحلَّلُ من إحرامِهِ بالحلقِ أو التَّقصير، وهكذا في الحجِّ إذا رمى جمرةَ العقبة، فإنَّهُ يُشرعُ له أنْ يحلقَ أو يُقصِّر، والحلقُ أفضل، ثم يتحلَّلُ سواءً كان ذلك قبل الذَّبحِ أو بعدَه، وكونُه بعد الذَّبحِ أفضلُ؛ إذا تيسَّرَ ذلك (١). س: لماذا حرم الله على الحجاج لبس المخيط، وما الحكمة من ذلك ؟ ج: أولا: فرضَ اللهُ الحجَّ على من استطاعَ إليه سبيلا من المكلَّفين، مرَّةً في العمرِ، وجعلَهُ ركنًا من أركانِ الإسلام، لما هو معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورة، فعلى المسلمِ أن يُؤدِّيَ ما فرضَهُ اللهُ عليه؛ إرضاءً للهِ وامتثالا لأمرِه، رجاءَ ثوابِهِ وخوفَ عقابِه، مع الثقةِ بأنَّ اللهَ تعالى حكيمٌ في تشريعِهِ وجميعِ أفعالِه، رحيمٌ بعبادِه، فلا يُشَرِّعُ لهم إلا ما فيه مصلحتُهم، وما يعودُ عليهم بالنَّفعِ العميمِ في الدُّنيا والآخرة، فإلى ربِّنا الملكِ الحكيمِ سبحانَه التَّشريع، وعلى العبدِ الامتثالُ مع التَّسليم.

стр. 286

ثانيًا: لمشروعيَّةِ التَّجرُّدِ من المخيطِ في الحجِّ والعمرةِ حِكَمٌ كثيرةٌ منها: تذكُّرُ أحوالِ النَّاسِ يومَ البعثِ؛ فإنَّهم يُبعثونَ يومَ القيامةِ حفاةً عُراةً ثم يُكسون، وفي تذكرةِ أحوالِ الآخرةِ عِظَةٌ وعبرة، ومنها: إخضاعُ النَّفس، وإشعارُها بوجوبِ التَّواضع، وتطهيرُها من درنِ الكبرياء، ومنها: إشعارُ النَّفسِ بمبدأ التَّقارُبِ والمُساواةِ والتَّقشُّف، والبعدُ عن التَّرفِ الممقوت، ومواساةُ الفقراءِ والمساكين... إلى غيرِ ذلك من مقاصدِ الحجِّ على الكيفيَّةِ التي شرعَها اللهُ وبيَّنها رسولُه ﷺ (١). س: هل يجوز للمرأة الحاجة أو المعتمرة الطواف حول الكعبة وهي كاشفة عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب ؟ ج: وجهُ المرأةِ عورةٌ لا يجوزُ كشفُهُ لغيرِ مَحرم، لا في الطَّوافِ ولا في غيرِه، ولا وهي محرمةٌ أو غيرُ مُحرمة، وإن طافتْ وهي كاشفة لوجهِها أثمتْ بكشفِ وجهِها، وصحَّ طوافُها، ولكنْ تسترُه بغيرِ النِّقابِ إنْ كانت مُحرِمة (٢). س: الطواف حول الكعبة أنواع، فما هي هذه الأنواع وما حكم كل نوع منها ؟ ج: أنواعُ الطَّوافِ حولَ الكعبةِ كثيرةٌ: منها: طوافُ الإفاضةِ في الحجِّ، ويُسمَّى -أيضًا- طوافُ الزِّيارة، ويكونُ بعدَ الوقوفِ بعرفات يومَ

стр. 287

عيدِ الأضحى أو بعدَه، وهو ركنٌ من أركانِ الحجِ، ومنها: طوافُ القُدُومِ للحجِّ، ويكونُ للمُحرمِ بالحجِّ وللقارنِ بين الحجِّ والعمرةِ حينما يصلُ إلى الكعبة، وهو واجبٌ من واجباتِ الحجِّ أو سنةٌ من سُننِهِ على خلافٍ بين العلماء، ومنها: طوافُ العمرةِ، وهو ركنٌ من أركانِها، لا تصحُّ بدونِه، ومنها: طوافُ الوداعِ، ويكونُ بعد انتهاءِ أعمالِ الحجِّ والعزمِ على الخروجِ من مكَّةَ المُكرَّمة، وهو واجبٌ على الصَّحيحِ من قولي العلماءِ على كلِّ حاجٍّ ما عدا الحائض والنُّفساء، فمَنْ تركَهُ وجبَ عليه ذبيحةٌ تجزئُ أضحيةً، ومنها: الطَّوافُ وفاءً بنذرٍ من نُذورِ الطَّوافِ بها، وهو واجبٌ من أجلِ النَّذر، ومنها: الطَّوافُ تطوُّعًا. وكلٌّ منها: سبعةُ أشواطٍ، يُصلِّي الطَّائفُ بعدَها ركعتيْنِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ إذا تيسَّرَ ذلك، فإنْ لمْ يتيسَّرْ صلاهُما في بقيَّةِ المسجد (١). س: ما حكم التبرع بأجر الطواف لشخص آخر، حيث إن البعض إذا رأى شخصا سيذهب يقول له: خذ لي سبعا، أي: سبعة أشواط، ينوي أجرها له، هل هذا جائز أم لا ؟ ج: الطَّوافُ بالكعبةِ لا يقبلُ النِّيابةَ، فلا يطوفُ أحدٌ عن غيرِهِ إلا إذا كان حاجًّا عنه أو معتمرًا؛ فينوبُ عنه فيه تبعًا لجملةِ الحجِّ أو العمرة (٢). * * *

стр. 288

س: ما كيفية التكبير على الصفا والمروة؟ فنحن نكبر كما نكبر للصلاة قائلين: الله أكبر، ثلاث مرات . ج: يرقى على الصَّفا إن تيسَّرَ له، أو يقفُ عندَهُ ويقرأُ قولَ اللهِ سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ويقولُ: أبدأُ بما بدأَ اللهُ به، ويُستحبُّ أن يستقبلَ القبلة، ويحمدُ اللهَ، ويُكبِّرُه، ويقولُ: (لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده). ثم يدعو رافعًا يديه بما تيسَّرَ من الدُّعاء، ويُكرِّرُ هذا الذِّكرَ والدُّعاءَ ثلاثَ مرَّاتٍ، ويفعلُ على المروةِ كذلك، ما عدا قراءةِ الآيةِ؛ فإنَّهُ لا يُكرِّرُها، وإنَّما يقرؤُها في مبدأ الشَّوطِ الأوَّل (١). س: كم المدة التي يجب مكثها في منى بعد النحر؟ وفيه آية كريمة في ذلك: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ . ج: المُدَّةُ التي يجبُ على الحاجِّ أن يمكُثَها في مِنى بعدَ يومِ النَّحرِ يومان، هي: الحادي عشر، والثاني عشر من ذي الحِجَّة، أمَّا اليومُ الثالثُ عشرَ من ذي الحِجَّةِ: فلا يجبُ عليهِ أن يمكثَهُ في منى، ولا يجبُ عليهِ رميُ الجمراتِ فيه، بل يُستحبُّ فقط، إلا إذا غربتْ عليه شمسُ اليومِ الثاني عشرَ وهو في منى، فيجبُ عليه المبيتُ ليلةَ الثالثِ عشرَ، ثم رميُ الجمراتِ الثلاثِ بعدَ الزَّوال.

стр. 289

وأمَّا معنى ما ذُكِرَ من الآيةِ: فمَنْ تعجَّلَ بالنُّزولِ من منى بعدَ أنْ باتَ ليلتيْن بها عقبَ يومِ النَّحر، وبعد رميِ الجمراتِ الثلاثِ في اليومِ الحادي عشرَ والثاني عشرَ؛ فلا إثمَ عليه، ولا يجبُ عليه دمٌ؛ لأنَّه أدَّى ما وجبَ عليه، ومن تأخَّرَ بمنى فباتَ بها ليلةَ الثالثِ عشرَ ورمى الجمراتِ الثلاث في اليومِ الثالثِ عشرَ؛ فلا إثمَ عليه، بل مبيتُهُ بمنى هذه اللَّيلةِ ورميهُ الجمراتِ في يومَها أفضلُ وأعظمُ أجرًا؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَ ذلك. ثم ختمَ الآيةَ بالحث على التَّقوى والإيمانِ باليومِ الآخِر، وما فيهِ من حسابٍ وجزاء؛ ليكونَ باعثًا لمَن تذكَّرَ ما فيهِ على الإكثارِ من الأعمالِ الصَّالحات، وعلى اجتنابِ المنكرات؛ رجاءَ رحمةِ اللهِ، وخوفَ عقابه (١). س: هناك أناس يوم العيد أو ثاني العيد، يوكلون على من يرمي عنهم الجمرات، ويسافرون إلى بلادهم، هل يعتبر حجهم كاملا أم أنه غير ذلك ؟ ج: أمرَ اللهُ سبحانه في كتابِهِ الكريمِ بإتمامِ الحجِّ والعمرةِ بقولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وتمامُهما لا يحصلُ إلا بإخلاصِهما لله، والمتابعةِ فيهما لرسولِ اللهِ ﷺ ، فلا يجوزُ لمسلمٍ أحرمَ بحجٍّ أو عمرةٍ أن يخلَّ بشيءٍ من أعمالِهما، أو أنْ يرتكبَ من الأمورِ المنهيِّ عنها ما ينقصهما، ومَن وكَّلَ في رمي جمراتِهِ أيَّامَ التَّشريقِ أو أحدَ أيَّامِ التَّشريقِ، ونفرَ يومَ النَّحرِ؛ يُعتبرُ مُخطئًا مُستهترًا بشعائرِ الله، ومَن يوكِّلُ في رمي الجمراتِ اليومَ الحادي عشرَ أو الثاني عشرَ من أيَّامِ التَّشريقِ، ويطوفُ طوافَ الوداعِ ليتعجَّلَ بالسَّفرِ؛ فقد خالفَ هديَ الرَّسولِ ﷺ ، وما أمرَ به في أداءِ المناسكِ

стр. 290

وترتِيبِها، وعليهِ التَّوبةُ والاستغفارُ من ذلك، ويلزمُ من فعلَ ذلك دمٌ عن تركِ المبيتِ بمنى، ودمٌ عن تركِهِ رميَ الجمراتِ التي وكَّلَ فيها ونفرَ، ودمٌ ثالثٌ عن طوافِ الوداعِ وإن كانَ طافَ بالبيتِ لدى مغادرتِه؛ لوُقوعِ طوافِهِ في غيرِ وقته؛ لأنَّ طوافَ الوداعِ إنَّما يكونُ بعد انتهاءِ رمي الجمرات (١). ... س: هل يلزم الحجاج، من رجال ونساء، زيارة قبر الرسول ﷺ والبقيع وأحد وقباء، أم الرجال فقط ؟ ج: لا يلزمُ الحُجَّاجُ -رجالا أو نساءً- زيارةَ قبرِ الرَّسولِ ﷺ ، ولا البقيعِ، بل يحرمُ شدُّ الرِّحالِ إلى زيارةِ القبورِ مُطلقًا، ويحرمُ ذلك على النِّساء، ولو بلا شدِّ الرِّحالِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى»، مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّه ﷺ لعنَ زائراتِ القُبور، ويكفي النَّساءَ يُصلينَ في المسجدِ النَّبويِّ، ويُكثرنَ من الصَّلاةِ على الرَّسولِ ﷺ في المسجدِ، وغيرِه (٢). ... س: هل يجوز لمن حج قارنا أن يشتري الهدي من ميقات إحرامه، أو يسوقه من بلده ؟ ج: يجوزُ لمَن حجَّ قارنًا أن يسوقَ من ميقاتِ إحرامِهِ أو قبله أو بعده، وأن يشتريَهُ من بلدِه، وأن يشتريَهُ من عرفات (٣).

стр. 291

س: عن العيوب التي تمنع الإجزاء في الأضاحي، والعيوب التي تكره فيها مع الإجزاء، وعن نوعية الأفضل في الأضاحي . ج: ممَّا لا يُجزئ: أنْ يذبحَ في الهديِ والأُضحيةِ العوراءَ البَيِّنَ عورُها، والعمياءَ، والمريضةَ البَيِّنَ مرضُها، ولا ذاتَ هُزالٍ لا تُنقي، وعرجٍ يمنعُ اتِّباعَ الغنمِ، وعضبٍ يذهبُ لأكثرِ القرنِ والأُذُنِ، وأفضلُها الإبلُ، ثم البقرُ، ثم الغنمُ، والأسمنُ والأملحُ أفضل. أمَّا تمامُ التفصيلِ فيما يُكرهُ ويُستحبُّ: ففي إمكانِكَ مراجعةُ كُتُبِ الحديثِ والفقهِ في هذا البابِ؛ لمزيدِ الفائدة (١). س: الحديث من أراد أن يضحي أو يضحى عنه فمن أول شهر ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا بشرته ولا أظفاره شيئًا حتى يضحي، فهل هذا النهي يعم أهل البيت كلهم، كبيرهم وصغيرهم أو الكبير دون الصغير ؟ ج: لا نعلمُ أنَّ لفظَ الحديثِ كما ذكرَهُ السَّائِلُ، واللَّفظُ الذي نعلمُ أنَّهُ ثابتٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ : هو ما رواهُ الجماعةُ إلا البخاريَّ، عن أمِّ سلمةَ ﵂، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ»، «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أَهَلَّ هِلالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ»، ولفظُ أبي داودَ، وهو لمسلمٍ، والنَّسائيِّ أيضًا «حَتَّى يُضَحِّي»، فهذا الحديثُ دالٌّ على المنعِ من أخذِ الشَّعرِ والأظفارِ بعد دخولِ عشرِ ذي الحِجَّةِ لمَن أرادَ أن يُضحِّيَ،

стр. 292

فالرِّوايةُ الأولى فيها الأمرُ والتَّرك، وأصلُهُ أنَّه يقتضي الوجوب، ولا نعلمُ له صارفًا عن هذا الأصل، والرِّوايةُ الثانيةُ فيها النَّهيُ عن الأخذِ، وأصلُهُ أنَّه يقتضي التَّحريم، أي: تحريمُ الأخذ، ولا نعلمُ صارفًا يصرفُه عن ذلك؛ فتبيَّنَ بهذا: أنَّ هذا الحديثَ خاصٌّ بمَن أرادَ أن يُضحِّي فقط، أمَّا المُضحَّى عنه: فسواءً كان كبيرًا أو صغيرًا فلا مانعَ من أن يأخذَ من شعرِه أو بشرتِهِ أو أظفارِهِ بناءً على الأصلِ وهو الجواز، ولا نعلمُ دليلا يدلُّ على خلافِ الأصل (١). س: هل يصح لمن ولِد له مولود من المسلمين أن يطبخ طعامًا ويدعو إخوانه المسلمين إليه ؟ ج: شرعَ رسولُ اللهِ ﷺ العقيقةَ عن الذَّكرِ شاتيْن، وعن الأنثى شاةً واحدةً، كما شرعَ الأكلَ والإهداءَ والتَّصدُّقَ منها، فإذا صنعَ مَن وُلِدَ له المولودُ طعامًا ودَعا بعضَ إخوانِه المسلمين إليه، وجعلَ مع هذا الطَّعامِ شيئًا من لحمِها؛ فليس في ذلك شيءٌ، بل هو من بابِ الإحسان، وأمَّا ما يفعلُهُ بعضُ النَّاسِ من طبخِ الطَّعامِ يومَ وُلادةِ المولودِ، ويُسمُّونَه عيدَ الميلاد، ويتكرَّرُ هذا على حسبِ رغبةِ مَن وُلِدَ له المولودُ، أو رغبةِ غيرِه، أو رغبةِ المولودِ إذا كَبرَ: فهذا ليس من الشَّرعِ، بل هو بدعةٌ، قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وقالَ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٢). * * *

стр. 293

س: هل من السنة أن يؤذن في أذن الصبي ؟ ج: يستحب أن يؤذن في الأذن اليمنى للمولود، وأن يقيم في أذنه اليسرى، وذلك حين يولد، لحديث عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ أذَّن في أُذُنِ الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة ﵄»، رواه الترمذي، وقال: «هذا حديث صحيح، والعمل عليه -أي: عند العلماء- ورواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي وغيرهم، وعلى هذا اعتمد الإمام ابن القيم في «تحفة الودود في أحكام المولود»، وترجم فيه بقوله: «استحباب التأذين في أذن المولود، والإقامة في أذنه اليسرى» ثم أبدى ابن القيم الحكمة في ذلك فقال: «سر التأذين -والله أعلم- أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلمات الأذان، المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي هي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين للطفل شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها، وغير مستنكر وصول التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى: وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد فيقارنه للمحنة التي قدرها الله وشاءها، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به، وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها، ولغير ذلك من الحكم». والله سبحانه أعلم (١). * * *

стр. 294

س: جاء لإنسان ولد بستة أشهر، خرج من أمه حيًّا ومات بيومه، هل له تمايم أوْ لا ؟ ج: إذا كان الأمرُ كما ذكرتَ من خروجِ الولدِ من أُمِّهِ لستَّةِ أشهرٍ حيًّا؛ سُنَّ أنْ يُذبحَ عنه عقيقة، ولو ماتَ بعد ولادتِه، وذلك في اليومِ السَّابعِ من ولادتِه، ويُسمَّى، لما رواهُ أحمدُ والبخاريُّ وأصحابُ السُّننِ، عن سلمانَ بنِ عامرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَعَ الغُلامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى»، وما رواهُ الحسنُ، عن سَمُرةَ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ غُلامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى»، رواهُ أحمدُ، وأصحابُ السُّننِ، وصحَّحهُ التِّرمذيُّ، والعقيقةُ شاتانِ عن الغلام، وشاةٌ عن الأنثى؛ لما رواهُ عمرُو بنُ شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْسَكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ، عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ». رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ والنَّسائيُّ بإسنادٍ حسنٍ (١). س: ماذا يجب على من رمى الجمار ضحى ثاني يوم العيد، ثم علم بعد ذلك أن وقت الرمي هو بعد الظهر ؟ ج: من رمى الجمارَ ثانيَ يومِ عيدِ الأضحى قبلَ الزَّوالِ؛ فعليهِ أن يُعيدَ رميَها بعدَ زوالِ ذلك اليوم، فإنْ لم يعلمْ خطأَهُ إلا في اليومِ الثالثِ أو الرَّابعِ؛ أعادَ رميَها بعدَ الزَّوالِ من اليومِ الثالث أو الرَّابعِ بعدَ الزَّوالِ، قبل أن يرميَ لذلك اليومِ الذي ذكرَ فيه، فإنْ لمْ يعلمْ إلا بعدَ غُروبِ شمسِ اليومِ الرَّابعِ؛ لم يرمِ، وعليه دمٌ يُذبحُ بالحرمِ، ويُطعمُهُ الفقراء (٢).

стр. 295

س: هل يجوز للمرأة المتزوجة أن تذهب للحج بدون رضا زوجها وهي مع أقاربها وهم إخوانها ؟ ج: لا يجوزُ للمرأةِ أن تسافرَ للحجِّ إلا بإذنِ زوجِها إلا إذا كانَ الحجُّ حجَّ فريضة؛ لأنَّه ليس لزوجِها الحقُّ في منعِها منه إذا توافرَ لها المحرَم، ولا يجوزُ لها أن تُسافرَ بدونِ مَحْرَمٍ لا للحجِّ ولا لغيرِه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ إِلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ»، وجماعةُ النِّساءِ لا تكفي عن المَحْرَم، وحجُّ الفريضةِ وغيرُه في هذا سواء (١). س: هل يجوز أن يتبرع محسن لطلاب العلم الفقراء أو غيرهم بأن يحجوا عن أنفسهم حجة الإسلام، وهل يجوز هذا في حجة النافلة ؟ ج: مساعدةُ الفقراءِ بالمالِ ليتمكَّنُوا من الحجّ فرضًا أو نافلةً فيها فضلٌ عظيمٌ؛ لأنَّها من التَّعاونِ على البرِّ والتَّقوى، أمَّا الأغنياءُ فإنَّهم يحجُّونَ من مالِهم، وليسوا بحاجةٍ إلى المساعدة (٢). س: أمرأة اعتمرت ولكنها لم تكشف وجهها، هل يجوز ذلك أم عليها فدية ؟ ج: المرأةُ لا تكشفُ وجهَهَا عند الرِّجالِ الذين ليسوا من محارِمِها لا في العمرةِ ولا في غيرِها، فالمرأةُ المُحرِمَةُ تكشفُ وجهَهَا إذا لم تكنْ

стр. 296

بحضرةِ رجالٍ، وتغطِّيهِ بحضرتِهم؛ لأنَّه عورةٌ، قالتْ عائشةُ ﵂: (كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فإذا دَنَا مِنَّا الرِّجالُ؛ سدلتْ إحدَانَا خمارَها من على رأسِها على وجهِهَا، فإذا جاوَزُونَا كشفنَاه) ولكنَّها لا تلبسُ النِّقابَ وقتَ الإحرامِ، ولكنَّها عندَ وُجودِ الرِّجالِ غيرِ المحارمِ تُغطِّي وجهَهَا بغيرِ النِّقاب (١). س: رمى الجمار في اليوم الحادي عشر قبل الزوال ورمى في اليوم الثاني عشر قبل طلوع الشمس ثم طاف للوداع في الساعة التاسعة صباحًا ثم سافر فماذا يلزمه ؟ ج: يجبُ عليكِ فديتان: فديةٌ؛ لرَمْيِكَ الجمراتِ في اليومِ الحادي عشرَ والثاني عشرَ قبل الزَّوالِ، وفديةٌ أخرى لطوافِكَ الوداعَ قبل أدائِكَ الرَّميَ رميًا مُجزيًا، والفديتانِ هما: رأسانِ من الغنمِ تُجزئُ في الأُضحيةِ، أو سُبْعا بدَنةٍ تجزئ في الأُضحيةِ، وهي ما تمَّ لها خمسُ سنين، أو سُبْعا بقرةٍ تجزئُ في الأُضحيةِ، وهي ما تمَّ لها سنتان، وتَذْبَحُ في الحرمِ المكِّيِّ وتوزِّعُ على الفقراءِ، فإن لم تستطعْ؛ فصُمْ عشرةَ أيَّامٍ عن كلِّ واحدةٍ من الفديتيْن (٢)

стр. 297

فتاوى العلم والدعوة والحِسْبَة

стр. 298

فتاوى العلم والدعوة والحِسْبَة س: توفيت والدتي منذ عشرين عامًا تقريبًا، وذلك بأن سقطت في بئر ليس ممتلئًا تمامًا بالماء، وقد كانت امرأة صالحة، فهل هي من عداد الشهداء ؟ ج: نعمْ، الغريقُ من الشُّهداءِ؛ لما ثبتَ عن أبي هريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، رواهُ مالكٌ في «المُوَطَّأ»، والبخاريُّ، ومسلمٌ، والتِّرمذيُّ (١). س: ما هي الطريقة المثلى لتعلم العلوم الشرعية؟ هل هي القراءة فقط، أم كتابة كل ما يقرؤه الإنسان، أم حفظ كل ما يقرءه، أم هو حسب أحوال الشخص واتساع ذهنه ؟ ج: نُوصيكَ بتقوى اللهِ، وأن تتعلَّمَ من العلمِ الشَّرعيِّ ما تُقيمُ به أمورَ دِينِك ودُنياك، وأن تسألَ أهلَ العلمِ عمَّا أُشْكِلَ عليك، وأن تُسَجِّلَ من العلومِ ما تحتاجُ إلى تسجيلِه، وتحرصَ على حفظِ القرآنِ الكريم، وحفظِ ما تيسَّرَ من السُّنَّة، كـ «عمدةِ الحديثِ» للشَّيخِ عبدِ الغنيِّ المقدسيِّ، و «بُلوغِ المرامِ» للحافظِ ابنِ حجر (٢).

стр. 299

س: إذا كان الإنسان يريد أن يتعلم، ولا يملك من يساعده إذا لم يتعلم، هل عليه ذنب ؟ ج: الواجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يتفقَّهَ في دينِه؛ حتى يعرفَ ما أوجبَ اللهُ عليهِ وما حرَّم، فيما لا يسعُهُ جهلُه، ولو بالسَّفَرِ من بلدٍ إلى بلدٍ؛ إذا لم يجدْ في بلدِهِ مَن يُعَلِّمُهُ؛ لقولِ اللهِ سبحانَه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، وقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، مُتَّفق على صِحَّتِه (١). س: هل دراسة العلم الشرعي فرض ؟ ج: العلمُ الشَّرعيُّ على قسميْن: منه ما هو فرضٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، وهو معرفةُ ما يُصحِّحُ به الإنسانُ عقيدتَهُ وعبادتَهُ، وما لا يَسَعُهُ جهلُه، كمعرفةِ التَّوحيدِ، وضدُّهُ الشِّرك، ومعرفةُ أُصولِ الإيمانِ، وأركانِ الإسلامِ، ومعرفةُ أحكامِ الصَّلاةِ، وكيفيَّةِ الوُضوءِ، والطَّهارةِ من الجنابةِ، ونحوِ ذلك، وعلى هذا المعنى فُسِّرَ الحديثُ المشهورُ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، والقسمُ الآخرُ: فرضُ كفايةٍ، وهو معرفةُ سائرِ أبوابِ العلمِ والدِّين، وتفصيلاتِ المسائلِ وأدلَّتِها، فإذا قامَ به البعضُ؛ سقطَ الإثمُ عن باقي الأُمَّة (٢). * * *

стр. 300

س: هل يجوز الدراسة الدينية من أجل الشهادة ؟ ج: لا بأسَ أن يدرسَ لأخذِ الشَّهادة، وعليه أن يُجاهدَ نفسَهُ في إصلاحِ النِّيَّةِ؛ حتى تكونَ الدِّراسةُ للهِ وحدَه، وأن يكونَ أَخَذَ الشَّهادةَ ليستعينَ بها على طاعةِ اللهِ ورسولِه، وخدمةِ المسلمين (١). س: ما الحكم إذا نَجَّحَ المدرسُ الطلابَ في القرآنِ الكريم؛ بغرضِ عدمِ تعقيدِهِم من القرآن، كما يقولُ البعض، وما مدى صحَّة هذا الفعل ؟ ج: لا يجوزُ الغشُّ في تنجيحِ الطُّلابِ في الامتحانِ في القرآنِ ولا غيرِه، وفي القرآنِ أشدُّ؛ لأنَّ المطلوبَ تعلُّمُ القرآنِ على الوجهِ الصَّحيح، والتَّساهُلُ في ذلك يحملُ على إهمالِ تَعَلُّمِ القرآنِ الكريم (٢). س: سماحة الشيخ: إني لا أستطيع أن أجيد تلاوة القرآن وحفظه، فما هي الطريقة لحُسن التلاوة والحفظ كذلك؟ علمًا بأنه لا يوجد من يعلمنا ويدرسنا ونحن قد كبرنا . ج: الطَّريقةُ المُثلى لتجويدِ القرآن: أن يعرضَ الشَّخصُ قراءتَهُ على شيخٍ مُتقن، فإنْ لمْ يُوجدْ في بلدِهِ؛ فالسَّفرُ لأجلِ تحصيلِ هذا العلم، مطلوبٌ ومُرَغَّبٌ فيه شرعًا، فإنْ لمْ يتيسَّرْ ذلك؛ فينبغي للمسلمِ أن يستفيدَ

стр. 301

من إخوانِه، ومن الأشرطةِ المُسَجَّلَةِ بأصواتِ القُّرَّاءِ المُجَوِّدين، وإذا علمَ اللهُ صدقَ نيَّةِ العبدِ؛ فتحَ له أبوابَ الخير (١). س: ما هي أحسن الكتب الدينية لمن يريد أن يكون دينه سليمًا، ويلقى الله وهو عنه راض؟ فقد كثرت الكتب وكنت أحيانًا أشعر بحيرة كما قال الشاعر: تَكَاثَرَتِ الظِّبَاءُ عَلَى خِرَاشٍ... فَمَا يَدْرِي خِرَاشٌ مَا يَصِيدُ ج: عليك بكتابِ اللهِ ، ففيهِ الهُدى والنُّور، وسُنَّةِ رسولِه ﷺ ، وما يبينهما من كُتُبِ التَّفسيرِ وشرحِ الأحاديث، وتعلَّم ذلك على أهلِ العلم، كلٌّ في اختصاصِه، واحرصْ على العملِ بما عَلِمْتَ، فإنَّ مَن عَمِلَ بما عَلِمَ أورثَهُ اللهُ علمَ ما لمْ يعلمْ، ونُوصيكَ أيضًا بالصَّحيحيْن، و «بلوغِ المرام»، و «عمدةِ الحديث» للشَّيخِ عبدِ الغنيِّ بنِ عبدِ الواحدِ المقدسيِّ، و «منتقى الأخبار»، و «زادِ المعاد» لابنِ القيِّم، و «العقيدةِ الواسطيَّة» لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ رحمهما اللهُ وجميعَ علماءِ المسلمين، و «كتابَ التَّوحيد»، و «فتحِ المجيد»، و «كشفِ الشُّبهات» (٢). س: هل يجوز للشخص أن يكتب قَصصًا من نسج الخيال، وكل ما فيها في الحقيقة كذب، ولكن يقدمها كقصص للأطفال لقراءتها وأخذ العبر منها ؟

стр. 302

ج: يحرُمُ على المسلمِ أن يكتبَ هذه القصصِ الكاذبةِ، وفي القصصِ القرآنيِّ والنَّبويِّ وغيرِهما ممَّا يَحكي الواقعُ ويمثلُ الحقيقةَ ما فيهِ الكفايةُ في العبرةِ والموعظةِ الحسَنَة (١). س: في أغلب الأحيان أكون مع أصدقائي، نتناقش في أمور دينية، حتى يشتد النزاع بيننا. فما حكم ذلك؟ وأطلب من سماحة الشيخ حفظه الله أنه ينصحنا . ج: المطلوبُ عند النِّقاشِ والمجادَلَة في مسائلَ علميَّةٍ البحثُ عن الحقِّ بدليلِه، وعدمُ التَّعصُّبِ لرأي، فمَن كان الحقُّ معَه وجبَ اتِّباعه، ومَن كان الحقُّ ليس معَه وجبَ تركُهُ مع مُراعاةِ الجدالِ بالتي هي أحسن، لا بالعنفِ والشِّدَّة، وقد أمرَ اللهُ سبحانَه المؤمنينَ بردِّ النِّزاعِ إلى كتابِ اللهِ تعالى وإلى سُنَّةِ نبيِّهِ ﷺ بقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ... تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقولِه سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، وقولِه سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). س: نحن كبراعم في الدعوة ما هي الطريقة التي نتبعها حتى ندعوا الناس على أحسن وجه ؟

стр. 303

ج: أولا: التَّسَلُّحُ بالعلمِ النَّافعِ من الكتابِ والسُّنَّةِ، كما قالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، والحكمةُ: هي العلم، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، والبصيرة: هي: العلم، فالجاهلُ لا يصلحُ للدَّعوة. ثانيًا: العملُ الصَّالحُ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وقال شُعيْبٌ ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، فيُشترطُ في الدَّاعيةِ أن يجتهدَ في العملِ بما يدعو النَّاسَ إليه، حتى يُقتدى بهِ، ويُحسنَ به الظَّن؛ لقولِهِ سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. ثالثًا: الصَّبرُ على ما ينالُه، قال تعالى عن لقمانَ الحكيمِ أنَّه قالَ لابنِه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وقالَ تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. رابعًا: الرِّفقُ بالمدعوِ وتَألُّفُهُ إلى الخيرِ، قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، وقالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وقالَ تعالى يُخاطِبُ نبيَّهُ محمَّدًا ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. خامسًا: البداءةُ بما هو أهمُّ، وهو إصلاحُ العقيدة، ثم بعدَها شيئًا فشيئًا، كما فعلَ النَّبيُّ ﷺ في العهدِ المكيِّ والمدنيِّ (١). * * *

стр. 304

س: ما هي الطريقة التي أدعو بها إخوتي الصغار الصبيان سن عشر سنوات للالتزام حتى يشبوا ملتزمين، وما هو المنهج الذي أتبعه معهم ؟ ج: ننصحكَ بتعليمِهم القرآنَ الكريم، والسُّنَّةَ النَّبويَّةَ الصَّحيحة، وما فيهما من أخلاقِ الإسلام، من البرِّ والصِّلةِ والصِّدقِ والأمانةِ وغيرِها، وتعاهُدِهِم في المحافظةِ على الصَّلواتِ في الجماعة، وكذلك آدابِ الإسلامِ في الأكلِ والشُّربِ والحديثِ وغيرها، فإنْ هم شبُّوا على هذه الأخلاقِ والآدابِ العظيمةِ؛ اهتدَوا واستقامُوا بإذنِ اللهِ تعالى، ونبتُوا نباتًا حسنًا؛ فنفعُوا أنفسَهُم ونفعُوا أُمَّتَهُم، ولك في ذلكَ الأجرُ العظيم (١). س: بم تنصح الشباب الذي يتخبط في سن المراهقة ؟ ج: يجبُ على الشَّبابِ أن يتَّقوا اللهَ جلَّ وعلا في جميعِ أُمورِهم، وأن يعملوا بأركانِ الإسلامِ، وأن يتمسَّكوا بسُنَّةِ نبيِّهِم محمَّدٍ ﷺ ، وأنْ يحفظُوا أوقاتَهم ويشغلُوها بما ينفعُهم في الدُّنيا والآخرة، وأن يحذَرُوا كلَّ الحذرِ من قرناءِ السُّوء، ويبتعدُوا عنهم كلَّ البعد، حتى يَسْلَمُوا من شرِّهم ويحفظُوا أنفسَهُم من البلاء (٢). س: إذا كنت أعظ إخواني وأحذرهم من بعض المعاصي، لكن أقع أنا في هذه المعاصي؛ هل أعتبر منافقًا؟ أفيدوني جزاكم الله خيرًا . ج: يجبُ عليك التَّوبةُ من المعاصي، وموعظةُ إخوانِك عنها،

стр. 305

ولا يجوزُ لكَ الإقامةُ على المعاصي وتركُ النَّصيحةِ لإخوانِك، لأنَّ هذا جمعٌ بين معصيتيْن، فعليكَ التَّوبةُ إلى اللهِ من ذلك، مع النَّصيحةِ لإخوانِك، ولا تكونُ بذلك مُنافقًا، ولكنَّك تقعُ فيما ذمَّهُ اللهُ وعابَ بهِ مَن فعلَهُ في قولِه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وفي قولِهِ سبحانه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١). س: عندما يشكل علي أمر من أمور ديني، كالصَّلاة والصيام والحج والمعاملات والطلاق، فهل يكفيني رأي واحد من علماء المسلمين المشهود لهم بالعلم والصلاح والتقوى، وأنهم أهل للفتوى كأحد هيئة كبار العلماء، أو من في علمهم، وأن آخذ منه جوابًا ثابتًا وألتزم به، أو إنه يتوجب علي التوجه بما أشكل علي سائلا العديد منهم، ومن ثَم اختيار ما يناسبني من هذه الآراء في حالة اختلافها ؟ ج: إذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ من أمورِ دينِكَ فإنَّ عليك سؤالَ أهلِ العلمِ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فإنْ أفتاكَ مَن تثقُ بعلمِهِ وتقواهُ؛ فيجبُ عليك الالتزامُ بتلك الفتوى، ولا يجوزُ للإنسانِ أن يسألَ عددًا من العلماءِ لكي يختارَ من فتاوِيْهم الأسهلَ له أو ما يُوافقُ هواهُ ورأيَه (٢). * * *

стр. 306

س: ما هو تفسيرُ الحديثِ الشريفِ الذي رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ وهو: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» فما هو التغيير بالقلب وهل يثاب عليه المغير له ؟ ج: جاء في هذا الحديث مراتبُ تغييرِ المنكر، وأنَّها ثلاثُ درجات: التغييرُ باليد للقادر عليه كالحُكَّام، والرجل مع ولدِه، وزوجتِه، فإن لم يتمكَّن المكلفُ من التغيير باليد فبلسانِه كالعلماءِ ومن في حكمهم، وإذا لم يتمكن من التغيير باللِّسانِ فينتقل إلى التغيير بالقلب، والتغييرُ بالقلبِ يكونُ بكراهةِ فعلِ المنكرِ وكراهةِ المنكرِ نفسِه، والتغييرُ بالقلبِ من عمل القلب، وعملُ القلب إذا كان خالصًا صوابًا يثاب عليه الشخص، ومن تمام الإنكار بالقلب مغادرةُ المكانِ الذي فيه المنكر (١). س: هل شكوى الإمامِ للشَّخصِ الذي لا يحضرُ صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ، أم يكفي نصحه فقط ؟ ج: مَنْ يتخلفُ عن صلاةِ الجماعةِ، ولم تؤثرْ فيه النصيحةُ فإنَّه يجبُ أن يُبَلَّغَ عنه أهلَ الحسبةِ للأخذِ على يدِه، ولا يترك؛ لأن النبي ﷺ هم أن يُحرِّق بيوت المتخلفين عن الصَّلاة عليهم بالنار؛ عقوبةً لهم وردعًا لأمثالهم، ولما أوجب اللهُ على المسلمين من التآمرِ بالمعروفِ والتناهي عن المنكر في قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢).

стр. 307

س: هل يجوز أن تصلي المرأة في جماعة من النساء؟ وهل يجوز لها أن تصلي مع زوجها ؟ ج: نعم، يجوز للمرأة أن تصلي مع جماعة من النساء، وإن صلت منفردة فلا بأس، لأن الجماعة لا تجب على النساء، إنما هي واجبة على الرجال، فلو صلى الرجل منفردا بلا عذر فإنه يأثم، أما المرأة لو صلت منفردة بلا عذر فلا بأس، وإن صلتها مع جماعة من النساء فلا بأس، لخبر أم ورقة أنها استأذنت النبي ﷺ أن تؤم أهل دارها. ولها أجر الجماعة إن شاء الله. ولا مانع أن تصلي المرأة مع زوجها لكن تقف خلفه، والله أعلم (١). س: كيف يمكنُ إقناعَ الفتاةِ المتبرجةِ بارتداءِ الحجاب، وما حكمُ صلاتِها، هل هي صحيحةٌ أم باطلة ؟ ج: يمكنُ إقناعُ المتبرجةِ مِن النساءِ بأنَّ إسلامَها الذي تدينُ بِهِ يأمرُها بالحجابِ والتَّسَتُّرِ، وعدمِ الاختلاطِ بالرجالِ الأجانب، وعدمِ الخُضوعِ بالقول، ويبينُ لها ما في المحافظةِ مِن المصالحِ والمنافع، وما يترتبُ على التَّبَرُّجِ من المفاسدِ العظيمةِ التي لا تخفى، وتكونُ الدعوةُ بالتي هي أحسنُ لعلَّ اللهَ أنْ يهديَهَا. وأمَّا صلاتُها فصحيحةٌ إذا كانت ساترةً جميعَ بدنِها ما عدا الوجهِ والكفينِ (٢). * * *

стр. 308

س: هل طباعةُ الكتبِ الشَّرعيَّةِ الصَّحيحَةِ ينتفعُ بها الإنسانُ بعد موتِهِ ويدخلُ في العلمِ الذي يُنْتُفعُ بِهِ كما جاء في الحديث ؟ ج: طباعةُ الكتبِ المفيدةِ التي ينتفعُ بها الناسُ في أمورِ دينهم ودنياهم هي من الأعمالِ الصالحةِ التي يُثابُ الإنسانُ عليها في حياته ويبقى أجرها، ويجري نفعُها له بعدَ مماتِه، ويدخلُ في عمومِ قوله ﷺ : «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ»، وكلُّ من ساهمَ في إخراجِ هذا العلمَ النافعَ يَحْصُلُ على هذا الثواب العظيم؛ سواء كان مؤلِّفًا له، أو مُعَلِّمًا أو ناشرًا له بين الناس، أو مُخْرِجًا، أو مساهمًا في طِبَاعَتِه، كل بحسب جهده ومشاركته في ذلك (١). س: نصيحتك الطيبة يا شيخنا الفاضل للشاب المغترب في غربته، فأفيدونا أفادكم الله، والله لا يضيع أجر عامل ؟ ج: الواجبُ على الشَّابِّ المغتربِ في طلبِ العلمِ تقوى اللهِ جلَّ وعلا في جميعِ أمورِه، بأنْ يفعلَ ما أمرَ اللهُ به ويبتعدَ عمَّا نهى اللهُ عنه؛ حتى يُسهِّلَ اللهُ له ما يطلبُ ويُيَسِّرَ له جميعَ أمورِهِ ويحفظَهُ من كلِّ سوء، مع المحافظةِ على الصَّلواتِ الخمسِ في أوقاتِها جماعةً في المساجدِ قدرَ الاستطاعة، والحرصِ على مصاحبةِ الأخيارِ وأهلِ الدِّينِ والتَّقوى، وعلى الشَّابِّ المغتربِ الابتعادُ عن مواطنِ الشَّرِّ وأماكنِ المنكراتِ، والحذرُ من ارتيادها؛ حتى يَسلمَ له دينُه، وعليه الدَّعوةُ إلى اللهِ بالقولِ والعمل، فإنَّ المسلمَ يكونُ قدوةً لغيرِه، ونُوصيكَ بالإكثارِ من تلاوةِ القرآنِ الكريمِ بالتَّدبُّرِ والتَّعَقُّلِ والعمل، وفقك اللهُ ويسَّرَ أمرك (٢).

стр. 309

س: بعض الناس يرى المنكرات من الشركيات وعبادة القبور والسحر وغيرها ولكنه يقول: لا يجب عليَّ الإنكارُ؛ لأنه توجد جهات خاصة، كما أنه لا يقوم بإبلاغ الجهات عنهم، فماحكمه ؟ ج: مَن رأى شخصًا يرتكبُ أحدَ المنكراتِ أو البدعِ فإنَّهُ ينبغي لهُ أن يقومَ بمناصحتِهِ برفقٍ ولينٍ وحكمةٍ ويدعُوهُ إلى اللهِ بالتي هي أحسنُ، ويُبيِّنَ له الحقَّ لعلَّه أنْ يُقلِعَ من ذنبِهِ ويتوبَ إلى اللهِ سبحانَهُ توبةً نصوحًا، وعليه أنْ يبذلَ جهدَهُ في إزالةِ ذلك المنكرِ وتغييرِهِ حسبَ قدرتِهِ واجتهادِه؛ لما ثبتَ عنه ﷺ أنَّه قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»، رواهُ الإمامُ مسلمٌ والتِّرمذيُّ وغيرهما، وفي روايةٍ لمسلمٍ من حديثِ ابنِ مسعودٍ «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»، ولقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فإنْ استمرَّ مرتكبُ هذا المنكرِ في غيِّهِ وضلالِهِ ولم يرجعْ عن معصيتِهِ وأصرَّ على جرمِهِ؛ فإنَّهُ يبلِّغُ الجهاتِ المختصَّةِ بذلك؛ لإزالةِ المنكرِ وإظهارِ الحقِّ والأخذِ على يدِ الظَّالمِ، وأطرِهِ على الحقِّ أطرًا، وكسرِ شوكةِ أهلِ البدعِ والفسادِ ومنعِ ضررِهم عن المسلمين وتأثيرِهم عليهم (١). س: انتشرت في بعض المستشفيات محلات بيع الزهور وأصبحنا نرى بعض الزوار يصطحبون باقات -طاقات- الورود لتقديمها للمزورين فما حكم ذلك ؟ ج: ليس من هدي المسلمين على مرِّ القرونِ إهداءُ الزُّهورِ الطَّبيعيَّةِ

стр. 310

أو المصنوعةِ للمرضى في المستشفياتِ أو غيرِها، وإنَّما هذه عادةٌ وافدةٌ من بلادِ الكفرِ نقلَها بعضُ المتأثرين بهم من ضعفاءِ الإيمان، والحقيقةُ أنَّ هذهِ الزُّهورَ لا نتفعُ المزور، بل هي محضُ تقليدٍ وتشبُّهٌ بالكفَّارِ لا غير، وفيها أيضًا إنفاقٌ للمالِ في غيرِ مستَحَقِّه، وخشيةً ممَّا تجرُّ إليهِ من الاعتقادِ الفاسدِ بهذه الزُّهورِ من أنَّها من أسبابِ الشِّفاءِ، وبناءً على ذلك فلا يجوزُ التَّعاملُ بالزُّهورِ على الوجهِ المذكورِ بيعًا أو شراءً أو إهداءً. والمشروعُ في زيارةِ المرضى هو: الدُّعاءُ لهم بالعافية، وإدخالُ الأملِ في نفوسِهم، وتعليمُهم ما يحتاجونَ إليهِ حالَ مرضِهِم، كما دلَّتْ على ذلك سُنَّةُ النَّبيِّ ﷺ (١).

стр. 311

فتاوى البيوع

стр. 312

فتاوى البيوع س: هل يجوز الحلف في البيع والشراء إذا كان صاحبه صادقًا ؟ ج: الحلفُ في البيعِ والشِّراءِ مكروهٌ مطلقًا، سواءً كان كاذبًا أو صادقًا، فإن كان كاذبًا في حلفِهِ فهو مكروهٌ كراهةَ تحريم، وذنبُهُ أعظمُ وعذابُهُ أشدُّ، وهي اليمينُ الكاذبَة، وهي وإن كانتْ سببًا لرواجِ السِّلعةِ، فهي تَمحقُ بركةَ البيعِ والرِّبح، ويدلُّ لذلك ما رواهُ أبو هريرةَ ﵁، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ»، أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحيْهِما، ولما وردَ عن أبي ذرٍّ ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قال: فقرأَها رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ مِرار، قال أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»، أخرجَهُ مسلمٌ، وأخرجَ الإمامُ أحمدُ نحوَه في «مسندِه». أمَّا إنْ كان الحلفُ في البيعِ والشِّراءِ صادقًا فيما حلفَ عليه، فإنَّ حَلِفَهُ مكروهٌ كراهةَ تنزيه؛ لأنَّ في ذلك ترويجًا للسِّلعة، وترغيبًا فيها بكثرةِ الحلف، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولعمومِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، ولعمومِ ما

стр. 313

رواهُ أبو قتادةَ الأنصاريُّ السُّلميُّ، أنَّه سمعَ رسول اللهِ ﷺ يقول: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ»، أخرجَهُ مسلمٌ في «صحيحه»، وأحمدُ في «المسند»، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، وأبو داود (١). س: هل يجوز أن أشتري لوالدي التبغ -الدخان- وقد أمرني بشرائه له ؟ ج: لا يجوزُ أنْ تشتريَ لوالدِكَ شيئًا استعمالُهُ مُحرَّم، سواءً كان دُخَّانًا أم أفيونًا أم حشيشةً أم خمرًا... أو غيرَ ذلك، ولو أمرَ بذلك؛ لما ثبتَ من قولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ»، وقوله: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»، وعليك أن تنصحَهُ، وتعتذرَ له بأسلوبٍ حسنٍ عن شرائِه (٢). س: بنك الدم يمنح هدايا للمتبرعين بالدم، هي عبارة سجادة صلاة، وميدالية أو غتر -شماغ- أو غيرهما، وأحيانًا ثلاثمائة ريال. أرجو إيضاح رأي الشرع المطهر في هذه الهدايا . ج: لا يجوزُ بيعُ الدَّم؛ لما في «صحيحِ البخاريِّ»، من حديثِ أبي جُحيفةَ قال: رأيتُ أبي اشترى حجَّامًا، فأمر بمحاجِمِهِ فُكُسِرَتْ، فسألتُهُ عن ذلك فقال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ «نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ،

стр. 314

وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ». قال الحافظُ في «الفتحِ»: «المرادُ تحريمُ بيعِ الدَّمِ كما حرمَ بيعُ الميتَةِ والخنزير، وهو حرامٌ إجماعًا، أعني: بيعُ الدَّمِ وأخذُ ثمنِه». ا هـ (١). س: إنه متسبب في البيع والشراء، وإنه يبيع السلعة مؤجَّلا بربح قد يصل إلى الثلث أو الربع، وقد يبيع السلعة على شخص بثمن أقل أو أكثر من بيعها على الآخر. ويسأل هل يجوز ذلك ؟ ج: قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية، وعليه: فإذا كان السَّائلُ يبيعُ ما يبيعُهُ بعد تملُّكِهِ إياهُ تملُّكًا تامًّا، وحيازتِه، فلا حرجَ عليه في بيعِهِ بما يحصلُ التَّراضي والاتِّفاقِ عليه، سواءً ربحَ الرُّبعَ أو الثلثَ، كما أنَّه لا حرجَ عليه في تفاوتِ سعرِ بيعِهِ بضائِعهِ، بشرطِ ألا يكذبَ على المشتري بأنَّه باعَهُ مثلَ ما باعَ على فلان، والحالُ أنَّ بيعَهُ عليهِ يختلفُ عنه، وألا يكونَ فيه غرر، ولا مخالفةَ لما عليهِ سعرُ السُّوق، إلا أنَّه ينبغي له التَّخلُّقُ بالسَّماحةِ والقناعة، وأن يُحبَّ لأخيِهِ المسلمِ ما يُحبُّ لنفسِهِ، ففي ذلك خيرٌ وبركة، ولا يتمادى في الطَّمعِ والجشع، فإنَّ ذلك يصدرُ غالبًا عن قساوةِ القلوب، ولؤمِ الطِّباع، وشراسَةِ الأخلاق (٢). * * *

стр. 315

س: إذا باع شخص على آخر سلعة مؤجلة، فهل له شراءها والحالة هذه ؟ ج: لا يجوز للبائع أن يشتري هذه السلعة من الذي اشتراها منه بأقل مما باعها به ما دامت بحالها ولم تتغير بزيادة أو نقص، وهذه المسالة تسمى مسالة العينة، وقد نهى عنها النبي ﷺ كما في حديث ابن عمر وعائشة ﵃. والله أعلم (١). س: عند الحراج على بضاعة يلاحظ أن هناك بعض من الشريطية من يقوم بإشارات فيما بينهم، بطلب الصمت عن المزايدة ليشتروا البضاعة بسعر قليل، وهذا ما يسمونه بينهم بـ (النية) أي بمعنى: اصمت وفي نيتي إذا شريت أنا، أنت معي. فما حكم ذلك؟ وهل يشترط للنية في مثل هذه الحالة قبل المزايدة أم أثنائها ؟ ج: هذا البيعُ لا يجوز، لما فيه من الإضرارِ بالبائع، والخداعِ له، ممَّا يؤدِّي لأخذِ سلعتِهِ بسعرٍ أقلُّ ممَّا هي عليه، فإذا ثبتَ ذلك، وكان ذلكَ غبنٌ للبائع، لم تجرِ العادةُ بمثلِهِ، فلهُ الخيارُ بين إمضاءِ البيعِ وبين فسخِهِ واستردادِ سلعتِهِ وردِّ الثمن (٢). س: هناك من يحضر الحراج على سلعة أو بضاعة ويزيد في السعر، وهو لا يريد شراءها. ما حكم ذلك ؟

стр. 316

ج: مَن يزيدُ في السِّلعةِ المعروضةِ للبيعِ وهو لا يُريدُ شراءَها، ففعلُهُ هذا مُحرَّمٌ؛ لما فيهِ من الخداعِ والتغريرِ بالمشتري، لاعتقادِ المشتري أنَّه لم يزدْ فيها هذا القدرَ إلا لأنَّها تساويه، وهي بخلافِ ذلك، وهذا هو النَّجَشُ الذي نهى الرَّسولُ ﷺ عنه نهي تحريم، كما جاءَ في حديثِ ابنِ عمرَ ﵁: «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نهى عن النَّجَشِ»، وكما جاءَ عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، مُتَّفَقٌ عليهما. وإذا ثبتَ النَّجشُ وكان في البيعِ غبنٌ لم تجرِ العادةُ بمثلِه، فللمشتري الخيارُ بين الفسخِ وإمضاءِ البيع؛ لأنَّ ذلك داخلٌ في خيارِ الغبن (١). س: نرجو إفادتنا عن مسألة التورق، وما حكمها ؟ ج: مسألةُ التَّورُّقُ هي أن تشتري سلعةً بثمنٍ مؤجَّل، ثم تبيعُها بثمنٍ حالٍّ على غيرِ مَن اشتريتُها منه بالثمن المؤجَّل؛ من أجلِ أن تنتفِعَ بثمنِها، وهذا العملُ لا بأسَ به عندَ جهورِ العلماء (٢). س: من عليه دين وأراد تسديده، ولكن لم يجد أصحابه، فمنهم الميت، ومنهم من هاجر إلى الخارج ولم يعد إلى بلده، ومنهم من نسيه ولم يعد يعرفه. فما الحكم ؟ ج: حقوقُ العبادِ واجبةُ الأداءِ، فيلزمُ من عليهِ دينٌ لأيِّ إنسانٍ أن

стр. 317

يبذلَ وسعَهُ في إيصالِهِ إليهِ أو إلى ورثتِهِ إن كان قد تُوفِّيَ، وفي حالةِ عجزِهِ عن إيصالِهِ إلى الورثَةِ أو إلى صاحبِه؛ لكونِهِ هاجرَ إلى بلدٍ لا يعرفها، أو لا يعرفُ عنوانَه بها، أو نسيَ اسمَهُ كليًّا فيتصدَّقُ بالدَّينِ الذي عليه على الفقراءِ بالنِّيَّةِ عن صاحبِه، فإنْ جاءَ صاحبُهُ أخبرَهُ بالواقع، فإن رضيَ بهِ وإلا دفعَ حقَّهُ إليه، وللمتصدِّقِ أجرُ تلك الصَّدقةِ إن شاءَ الله، ولا تبرأُ ذمَّتُهُ بدونِ ذلك (١). س: ما حكم المماطلة في تسديد الدين ؟ ج: مَن كان قادرًا على الوفاءِ لدينِهِ فإنَّه يحرمُ عليه المُماطلةُ في تسديدِ ما وجبَ في ذمَّتِهِ إذا حلَّ أجلُه؛ لما رواهُ أبو هريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، مُتَّفَقٌ عليه. فعلى مَن عليه دينٌ أنْ يُبادرَ بوفاءِ ما في ذِمَّتِهِ من حقوقِ النَّاس، وليتَّقِ اللهَ في ذلك قبلَ أن يفاجئَهُ الأجلُ وهو مُعلَّقٌ بديونِه (٢). س: هل يجب أن يبين البائع العيب للمشتري، أو أن يقول له عنه ويحدده له ولا يكتفي بعدم إخفائه ؟ ج: يجبُ على البائعِ بيانُ ما في السِّلعةِ من عيبٍ بصدق، ولا يحلُّ له كتمانُ ما فيها من العيوب؛ لأنَّ ذلك من الغشِّ، وقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 318

قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (١). س: ما سبب تحريم الربا ؟ ج: يجبُ على المسلمِ التَّسليمُ والرِّضا بأحكامِ اللهِ سبحانَه ولو لم يعرفْ علَّةَ الوجوبِ أو التَّحريم، لكنَّ بعضَ الأحكامِ تكونُ علَّةُ التَّحريمِ ظاهرةً، كما في تحريمِ الرِّبا، حيثُ فيه استغلالُ حاجةِ الفقير، ومضاعفةُ الدَّينِ عليه، وما ينشأُ عن ذلك من العداوةِ والبغضاء، وفي تعاطي الرِّبا تركُ العملِ والاعتمادُ على الفوائدِ الرِّبويَّة، وعدمُ السَّعيِ في الأرض، وغيرُ ذلك من المضارِّ والمفاسدِ العظيمة (٢). س: نرجو التفضل ببيان ربا الفضل وربا النسيئة والفرق بينهما . ج: ربا النَّسيئةِ مأخوذٌ من النَّسأ، وهو التَّأخير، وهو نوعان: الأوَّل: قلبُ الدَّينِ على المُعْسِر، وهذا هو ربا الجاهليَّة، فيكون للرَّجلِ على الرَّجلِ مالٌ مؤجَل، فإذا حلَّ قالَ له صاحبُ الدَّين: إمَّا أن تقضيَ، وإمَّا أن تُرْبِي، فإنْ قضاهُ وإلا زادَ الدَّائنُ في الأجل وزادَ في الدَّينِ مقابلَ التَّأجيل، فيتضاعفُ الدَّينُ في ذمَّةِ المَدِين. الثاني: ما كان في بيعِ جنسيْنِ اتَّفقا في علَّةِ ربا الفضل، مع تأخيرِ قبضِهما أو قبضِ أحدِهما، كبيعِ الذَّهب بالذَّهب أو بالفِضَّة، أو الفضَّةِ بالذَّهب مؤجَّلا أو بدونِ تقابضٍ في مجلسِ العقد.

стр. 319

أمَّا ربا الفضل: فهو مأخوذٌ من الفضل، وهو الزِّيادة في أحدِ العوضيْن، وجاءتْ النُّصوصُ بتحريمِهِ في ستَّةِ أشياء، وهي: الذَّهبُ والفضَّةُ والبُرُّ والشَّعيرُ والتَّمرُ والمِلحُ. فإذا بيعَ أحدُ هذه الأشياءِ بجنسِهِ؛ حَرُمَ التَّفاضلُ بينهما، ويُقاسُ على هذه الأشياءِ السِتَّةِ ما شاركَهما في العلَّة، فلا يجوزُ مثلا بيعُ كيلو ذهبٍ رديءٍ بنصفِ كيلو ذهبٍ جيِّد، وكذا الفضَّةُ بالفضَّةِ، والبرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعير، والتَّمرُ بالتَّمر، والمِلحُ بالمِلح، لا يجوزُ بيعُ شيءٍ منها بجنسِهِ إلا مِثلا بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيد. لكن يجوزُ بيعُ كيلو ذهبٍ بكيلويْن فضَّةٍ إذا كان يدًا بيد؛ لاختلافِ الجنس، وقد قالَ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، رواهُ مسلمٌ من حديثِ عبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁ (١). س: ما حكم الإيداع في البنوك بربح معين ؟ ج: الإيداعُ في البنوكِ بربحٍ مُعيَّنٍ لا يجوز؛ لأنَّ هذا عقدٌ يشتملُ على ربا، وقد قالَ الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقالَ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ... مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، وهذا القدرُ الذي يأخذُهُ الدَّافعُ للوديعةِ لا بركةَ فيه، قالَ تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، هذا النَّوع من الرِّبا ربا نسيئةٍ وفضل؛ لأنَّ المُودِعَ يدفعُ نقودَهُ للبنكِ بشرطِ بقائِها مدَّةً معلومَةً بربحٍ معلوم (٢).

стр. 320

س: هل يجوز صرف الأموال الربوية في المصالح العامة كإصلاح الطرق وبناء المساجد وغير ذلك ؟ ج: يجوز صرف الأموال الربوية في المصالح العامة كإصلاح الطرق ونحوها، ولا يجوز في بناء المساجد؛ لأنه كسب حرام وخبيث، والله طيب لا يقبل إلا الطيب، والفوائد الربوية محرمة، وعلى من تعامل بالربا المسارعة بالتوبة والتخلص من أرباحه التي تحت يده؛ بإنفاقها في ما ينفع المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، ومن ذلك إنشاء الطرق وبناء المدارس وإعطاؤها الفقراء (١). س: يوجد رجل عنده مبلغ لرجل، ثم جحد المبلغ وأخذ يمينه، ثم أراد أن يدفع المبلغ لورثة صاحبه؛ لأنه توفي وهو يظن أنهم يرفضون قبوله، فماذا يصنع في حالة رفضهم القبول؟ أيَتصدق به على نية الفاني أم ماذا يفعل؟ أفتونا مأجورين حفظكم الله ؟ ج: على السَّائلِ أنْ يستغفرَ اللهَ ويتوبَ إليهِ من هذا الذَّنبِ العظيمِ، وعليه أنْ يُسلِّمَ الحقَّ لمستحقِّهِ شرعًا عن طريقِ حاكمٍ شرعيٍّ، فإن لم يقبلْهُ الورثةُ تصدَّق بهِ أو ساهمَ به في بعضِ المشاريعِ الخيريَّة، كتعميرِ المساجدِ بالنِّيَّةِ عن صاحبِه (٢). * * *
следующие страницы →