س: كثر في الآونة الأخيرة لبس الملابس الخليعة بين النساء، والتي تكشف أجزاء من الجسم وتعريه، كل ذلك تشبها بالكافرات، وحجتهن في جواز لبس تلك الملابس أنها تلبس أمام النساء، وأن عورة المرأة أمام المرأة من السرة إلى الركبة .
ج: على المرأةِ أن تحتشمَ وتتحلَّى بالحياء، حتى ولو لم ينظرْ إليها إلا نساء، ولا تكشفُ لهنَّ إلا ما جرتْ العادةُ بكشفِهِ ودعتْ له الحاجة، كالخروجِ لهنَّ في ثيابِ البذلة، مكشوفةَ الوجهِ واليديْنِ وأطرافِ القدميْنِ ونحوِ ذلك، وذلك أسترُ لها وأبعدُ عن مواطنِ الرِّيبةِ، ويحرمُ على المرأةِ أن تلبسَ اللِّباسَ الذي فيه تشبُّهٌ بالكافراتِ ولو كان ساترًا، فضلا عن القصيرِ والضَّيِّقِ والشَّفَّاف؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»، ولقولِهِ ﷺ : «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»، أخرجَهُ مسلمٌ في «صحيحِه» (١).
стр. 352
فتاوى النكاح
стр. 353
فتاوى النكاح
س: هل الزواج فرض أم سنة ؟
ج: الزَّواجُ سُنَّةٌ مُرغَّبٌ فيهِ للمستطيعِ، لقولِهِ ﵊: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، وقد يكونُ في حقِّ بعضِ النَّاسِ فرضًا إذا خشيَ على نفسِهِ من الوقوعِ في الفاحشةِ، واستطاعَ مؤنةِ النِّكاح (١).
س: أنا شاب أبلغ من العمر ٢٣ عامًا، متعلم والحمد لله، وأرغب في أن أرسل لأبي وأمي لأداء فريضة الحج، علما بأني أرغب في أن أتم نصف ديني بالزواج؛ لأنه عصمة لكل شاب من أن يقع في الخطأ، وأخشى إن تزوجت بهذا المبلغ الموجود معي أن يتوفاهم الله وأكون بهذا قد منعتهم من أداء الفريضة، وأن أتحمل ذنبًا، علما بأن الحالة المادية بسيطة .
ج: زواجُكَ بالمالِ الموجودِ لديك مُقدَّمٌ على صرفِهِ على حجِّ أبويْكَ فريضةَ الحجِّ؛ لأنَّ في الزَّواجِ غضًّا للبصر، وإحصانًا للفرج؛ لقولِ الرَّسولِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ
стр. 354
أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ...» الحديث، فأمرَ الرَّسولُ ﷺ بالمبادرةِ بالزَّواجِ متى قدرَ الإنسانُ على ذلك، فعليكَ أن تبدأَ بنفسِكَ أوَّلا ثم بمَن تعول. أمَّا والِداكَ فإن لم يكنْ لديهما مالٌ ليَحُجَّا بهِ؛ فلا يجبُ عليهما الحجُّ؛ لعدمِ استطاعتِهما لذلك، فإنْ تُوفِّيَ والِدَاكَ قبل التَّمَكُّنِ من أداءِ فريضةِ الحجِّ من مالِهما فلا حرجَ عليهما، ولك أن تقضيَ عنهما الحجَّ بنفسِك، أو تستنيبَ من يحجُّ عنهما من مالِكَ متى تيسَّرَ لك ذلك، ضاعفَ اللهُ أجرَك ويسَّرَ أمرَكَ وأمرَ والِديْك (١).
س: ما صحة قول القائل إذا أراد الزواج: أريد أن أكمل نصف ديني، يعني: الزواج ؟
ج: السُّنَّةُ دلَّتْ على مشروعيةِ الزَّواج، وأنَّه سُنَّةٌ من سننِ المُرسلين، وبالزَّواجِ يستطيعُ الإنسانُ بتوفيقٍ من اللهِ تعالى التَّغَلُّبَ على كثيرٍ من نزعاتِ الشَّرِّ، فإنَّ الزَّواجَ أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، كما بيَّن ذلك النَّبيُّ ﷺ . وقد روى الحاكمُ في «المستدرك» عن أنسٍ مرفوعًا: «مَنْ رَزَقَهُ اللهُ امْرَأةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شِطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشِّطْرِ الْبَاقِي»، وروى البيهقيُّ في «الشُّعَب» عن الرَّقَاشيِّ بلفظ: «إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدْ كَمَّلَ نِصْفَ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي النِّصْفِ الآخَرِ» (٢).
* * *
стр. 355
س: بالنسبة لموضوع غض البصر، فأنا شاب عندي ٢٠ سنة، فإنني أغض من بصري ولكن في أثناء وقبل النوم أظل قليلا أفكر في حب الشهوة، فكيف أمتنع عن هذه العادة السيئة، وأبعد الشيطان عني، مع إنني أقرأ القرآن قبل النوم ؟.
ج: أوَّلا: يجبُ عليك أن تغضَّ من بصرَكَ عن المحارم، وكذلك لا يجوزُ لك مطالعةُ المجلاتِ والأفلامِ التي تشتملُ على صورِ النِّساء؛ قالَ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
ثانيًا: عليك بالزَّواجِ إن استطعت، فإنَّه مُعينٌ على غضِّ البصر، كما بيَّنَ ذلك النَّبيُّ ﷺ فيما ثبتَ عنه، فإنَّه قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (١).
س: ما هي الأشياءُ الَّتِي تُبْعِدُ الإنسانَ عن هذه الشهوات من الزِّنا ونكاحِ اليد، وما الفرقُ بين الإنسانِ الذي يفعلُها والذي يتركُها، وما هي الوسيلةُ المفيدةُ التي تساعدني في إقامةِ الصَّلاة؛ لأنِّي أصلِّي يومًا أو بعضَ يوم وأتركها بعضَ الأيام ؟
ج: ممَّا يُبعدُ الإنسان عن هذه المُحرَّمَاتِ هو الخوفُ من الله، والرَّجاءُ فيما عندَهُ من النَّعيمِ للطَّائعين والنَّارِ للعصاة، فإذا عرفَ المسلمُ ربَّهُ معرفةً حقيقيَّةً بأنَّهُ اللهُ الواحدُ الأحدُ المُطَّلِعُ على جميعِ أحوالِ الإنسانِ
стр. 356
وسرائرِه، وأنَّهُ القويُّ الذي لا يُقهر، والقادِرُ على كلِّ شيءٍ، والمحيطُ بكلِّ شيءٍ، وأنَّه خلقَ الإنسانَ في هذه الدُّنيا لعبادتِهِ وطاعتِه، وأنَّه جعلَهُ فيها في حالِ اختبارٍ وامتحانٍ ليجزيَ الفائزَ المُتَّبِعَ لأوامِرِهِ المجتنبَ نواهيهِ بالجَنَّةِ ويجزيَ العاصي المخالفَ لأوامرِهِ والفاعلَ لنواهِيهِ النَّار، وفي الجنَّةِ نعيمٌ دائمٌ لا يفنى، وفي النَّارِ عذابٌ شديدٌ لا يُطاق. إذا عرفَ المسلمُ ذلك؛ صارَ عندَهُ الخوفُ من الله، والرَّجاءُ فيما عندَه، وعليكَ أنْ تجتنبَ ما يُثيرُ في نفسِكَ الشَّهوةَ مثلَ أماكنِ العُرِيِّ والغِناءِ والطَّربِ والنَّظرِ إلى النِّساء، وعليكَ مجالسةُ الصَّالحين، وإشغالُ نفسِكَ بما ينفعُك من أمورِ الدُّنيا والدِّين، وقراءةُ بعضِ الكُتُبِ التي تفيدُكَ، مثل: «رياض الصالحين»، مع الإكثارِ من تلاوةِ القرآن، ومَن سَلِمَ من هذه المعاصي فيُرجَى له الخيرُ وزيادةُ الدَّرجات والرِّفعةُ في الآخرة؟ لما صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ»، وذكر منهم: «شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ»، وأمَّا تركُ الصَّلواتِ فهو كُفرٌ بالله؛ لقولِهِ ﷺ : «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (١).
س: ما هي مسئولية ولي أمر الفتاة نحو الرجل الذي تقدم لخطبة ابنته ؟
ج: يجبُ على وليِّ المرأةِ أنْ يختارَ لمولِّيتِهِ الرَّجُلَ الكُفءَ الصَّالح، ممَّن يُرضَى دينُه وأمانتُه؟ لقولِهِ ﷺ : «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ
стр. 357
فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»، رواهُ ابنُ ماجَه، والتِّرمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، فيجبُ على الوليِّ أنْ يتَّقيَ اللهَ في ذلك، ويُراعيَ مصلحةَ مولِّيَتِهِ لا مصلحتَهُ هو، فإنَّهُ مُؤتمنٌ ومسؤولٌ عمَّا ائتمنَهُ اللهُ عليه، وألا يُكلِّفَ الخاطِبَ ما لا يُطيق، فيطلبُ منه مهرًا فوقَ ما جرتْ العادةُ به (١).
س: ما حكم الذي يسيء ويخل العلاقات بين الزوج والزوجة؟ وهو من أقرباء الزوجة ؟
ج: يحرمُ إفسادُ المرأةِ على زوجِها وتخبِيبُها عليه، سواءً كان المُخبِّبُ من الأقاربِ أو غيرِهم، فقد أخرجَ النَّسائيُّ، وأبو داودَ، وابنُ حبَّان عن أبي هريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ»، واللَّفظُ لأبي داود (٢).
س: لي أخت مصابة (بعين) وتقدم لخطبتها شخص، فهل يجب علي أن أخبره بأنها مصابة بالعين، وإذا لم أخبره فهل أعتبر غاشًّا له؟ أرجو التكرم بالإجابة خطيًّا؛ لأن هذه الحالة موجود مثلها كثير في قريتنا، والسلام عليكم .
ج: يجبُ على الولِيِّ أنْ يُبيِّنَ للخاطِبِ ما في المرأةِ المخطوبةِ من العيوبِ والأمراضِ إذا كان الزَّوجُ لا يعرفُ ذلك، حتى يكونَ على بصيرةٍ؛
стр. 358
لأنَّ في عدمِ إخبارِهِ بذلك غشًّا له، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (١).
س: رجل أتاه خطيب لابنته كفوًا في خلقه ودينه، ورضيت به ابنتي إلا أن والدة الفتاة رفضت بدون مبرر، برغم المحاولات العديدة معها وهذا الخطيب قد لا تجود الفرصة بمثله مستقبلا، فهل في مثل هذه الحالة يلزم صرف النظر عن والدة البنت التي قد لا ترضى بخطيب آخر، أو يرضخ لرأيها حتى يأتيها خطيب تقبله؟ آمل الإفادة عن ذلك أثابكم الله .
ج: لا مانعَ من تزويجِ البنتِ المذكورةِ الذي قد رضيتْ بهِ هي وولِيُّها، ولا يُلتفتُ إلى معارضةِ الأمِّ، ولكن تُعامَلُ الأمُّ من البنتِ وأبيها بالتي هي أحسنُ حسبَ الإمكان؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» (٢).
س: هل يجوز للخاطب أن يجلس مع خطيبته منفردًا في بيت أهلها ولو في غرفة بابها مفتوح أو صالة مفتوحة، وهل يجوز أن يختلي بها مع وجود أمها أو يخرج معها مع وجود أمها أو أختها الصغيرة (١٠) سنوات، وهل يجوز للخاطب أن يمسك يد مخطوبته وأن يصافحها ويصافح أمها؟ أفيدونا أفادكم الله ؟
стр. 359
ج: لا يجوزُ للخاطبِ أنْ يخلوَ بمخطوبتِهِ مادامَ لم يعقدْ عليها، ولا أنْ يُصافِحَها ولا أنْ تخرجَ معه؛ لأنَّها أجنبيَّةٌ عنه، لكن له أنْ يراها عند إرادةِ الزَّواجِ منها من دونِ خلوةٍ بها، بل بحضورِ أُمِّها أو أبيها أو غيرِهما ممَّن تزولُ بوجودِهِ الخَلْوة؛ لما في حديثِ جابرٍ رضي الله تعالى عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ»، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: «رجالُهُ ثقات»، ولمسلمٍ عن أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لرجلٍ تزوَّجَ امرأةً: «أَنَظَرْتَ إِلِيْهَا؟» قال: لا، قال: «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلِيْهَا»، والمعنى: أرادَ الزَّواجَ منها (١).
س: هل يجوز للمرأة أن تتزوج بدون ولي ؟
ج: من شروطِ صحَّةِ الزَّواج: الولايةُ، فلا يجوزُ للمرأةِ أن تتزوَّجَ بدونِ وليٍّ، فإنْ تزوَّجتْ بدونِ وليٍّ فنكاحُها باطل؛ لما رَوى أبو موسى، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ»، رواهُما الخمسةُ إلا النَّسائِيُّ، وروى الثاني أبو داودَ الطَّيالِسيُّ ولفظُهُ: «لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيٍّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا». قال الإمامُ ابنُ المنذرِ ﵀: «إنَّه لا يُعرفُ عن أحدٍ من الصَّحابةِ خلافُ ذلك» (٢).
стр. 360
س: إذا حضر عقد النكاح إخوة المرأة أو الرجل أو أبناؤهما، وكان الولي والد المرأة أو أحد إخوتها، فهل تقبل شهادة الإخوة أو الأبناء للزوج أو الزوجة ؟
ج: تُقبلُ شهادةُ الأخِ لأخيه، ولا تقبلُ شهادةُ الولدِ لوالِدِه، ولا شهادةُ الوالدِ لولدِه (١).
س: امرأة تقول عن زوجها: إنه لا يصلي أبدًا، وقد يصلي الجمعة نادرًا، ويتعاطى الخمر والمخدرات، وإذا قامت إلى الصَّلاة استهزأ بها، فهل يجوز لها البقاء في عصمته ؟
ج: إذا كان واقعُ الزَّوجِ كما ذكرَ؛ فلا يجوزُ لزوجتِهِ المسلمةِ المحافِظةِ على الصَّلاةِ أن تبقى معه؛ لأنَّ الزَّوجَ بتركِهِ للصَّلاةِ واستهزائِهِ بمَن يُصلِّي صارَ كافرًا، وقد قالَ تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وعليها أنْ تُخلِّصَ نفسَها منه بما تستطيعُ من الطُّرقِ الشَّرعيَّة (٢). ...
س: ما حكم التزوج بامرأة متبرجة وتدين بالإسلام ؟
ج: المرأةُ المتبرِّجةُ يجبُ نصحُها وتحذيرُها من هذا العملِ السَّيِّئِ، فإن استجابتْ؛ فهو المطلوب، وإن لمْ تستجبْ؛ فنكاحُ غيرِها من الملتزماتِ بالحجابِ الشَّرعيِّ أوْلى وأسلَم (٣).
стр. 361
س: ما حكم زواج البدل يتفق الطرفان على أن يزوج كل منهما الآخر، وأن يعطي كل منهما مهرًا لزوجته .
ج: إذا زوَّجَ الرَّجلُ موليِّتَهُ لرجلٍ على أنْ يُزَوِّجَه الآخرُ مُوَلِّيَتَهُ فهذا هو نكاحُ الشِّغارِ الذي نهى عنه النَّبيُّ ﷺ ، وهذا هو الذي يُسمِّيه بعضُ النَّاسِ نكاحُ البدل، وهو نكاحٌ فاسدٌ، سواءً سُمِّيَ فيه مهرٌ، أمْ لا، وسواءً حصلَ التَّراضي، أمْ لا. أمَّا إنْ خطبَ هذا مُولِّيةَ هذا وخطبَ الآخرُ مولِّيتَهُ من دونِ مُشارطةٍ وتمَّ النِّكاحُ بينهما برضى المرأتيْن مع وجودِ بقيَّةِ شروطِ النِّكاحِ؛ فلا خلافَ في ذلك، ولا يكونُ حينئذٍ من نكاحِ الشِّغار (١).
س: ما حكم الزواج المؤقت في الإسلام ؟
ج: الزَّواجُ المُؤقَّتُ هو: نكاحُ المتعةِ، وهو نكاحٌ باطلٌ بإجماعِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة؛ لأنَّهُ منسوخٌ بما ثبتَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ من النَّهيِ عنه، وما كان كذلك فهو نكاحٌ باطل، والوطءُ به يعتبرُ زنا تترتَّبُ عليهِ أحكامُ الزِّنا في حقِّ مَن فعله، وهو عالمٌ ببطلانِه (٢).
س: انتشر بين أوساط الشباب السفر خارج البلاد للزواج بنية الطلاق، والزواج هو الهدف في السفر استنادًا على فتوى بهذا الخصوص، وقد فهم الكثير من الناس الفتوى خطأ، فما حكم هذا ؟
ج: الزَّواجُ بنيِّةِ الطَّلاقِ زواجٌ مُؤقَّت، والزَّواجُ المُؤقَّتُ زواجٌ باطل؛
стр. 362
لأنَّهُ متعةٌ، والمتعةُ مُحرَّمَةٌ بالإجماع، والزَّواجُ الصَّحيح: أنْ يتزوجَ بِنيَّةِ بقاءِ الزَّوجيَّةِ والاستمرارِ فيها، فإنْ صَلُحَتْ لهُ الزَّوجةُ وناسبتْ لهُ، وإلا طلَّقها، قالَ تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).
س: هل هناك حد معين لصداق المرأة؟ ما المقصود بأيسرهن مهرًا في الحديث الشريف ؟
ج: ليس لصداقِ المرأةِ حدٌّ مُعيَّنٌ، فكلُّ ما يجوزُ تملُّكُهُ يجوزُ أنْ يُجعلَ صداقًا للمرأةِ قلَّ أو كَثُر، وأمَّا حديثُ أبي هريرةَ ﵁، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرَهُ مُؤْنَةً»، رواهُ أحمد، فمعناهُ: الحث على تيسيرِ المهر (٢).
س: هل يجوز لولي المرأة أن يأخذ من مهرها شيئًا؟ وهل يجوز له أن يشترط له شيئًا يخصه ؟
ج: الأصلُ في المهرِ المدفوعِ للمرأةِ مقابلَ بضعِها أن يكونَ ملكًا لها، ولا يجوزُ لوليِّها أن يشترطَ لنفسِهِ شيئًا، ولا أنْ يأخذَ من مهرِها شيئًا إلا برضَاها، ما عدا أبَاها فلهُ أنْ يأخذَ من مهرِها ما لا يَضرُّها أخذُه؛ لقولِهِ ﵊: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (٣).
стр. 363
س: شاب مسلم تزوج لكن لم يعمل الوليمة، فهل ارتكب معصية أم لا؟ وهل هذا الشرط من شروط وجوب انعقاد عقد الزواج ؟
ج: الوليمةُ مشروعةٌ في النِّكاحِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفِ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»، وتركُ الوليمةِ لا يُؤثرُ على صحَّةِ عقدِ النِّكاح (١).
س: ما الحكم الشرعي في حفلات الزواج، حينما يزف العروس إلى عروسه في محفل من النساء، ويظهر فيه الرجل على (منصة) ويجلس إلى جوار عروسه كي يشاهده النساء، ومن الطبيعي هو أيضًا يشاهد النساء الأجنبيات، وهن بكامل زينتهن، فهل يجوز مثل هذا العمل الذي يسمى (منصة العروسين) وإذا كان من العادة أن تذهب النساء للمشاركة في الدُّف والطبول الشرعي لإعلان الزفاف، فكيف نتصرف نحن الرجال الذين نغار على نسائنا من تكشف الرجل المتزوج (الأجنبي عنهن) عندما يصعد إلى منصة الحفل، إذ لابد من دخوله للمنصة حسب التقاليد، فكيف يفعل النساء الأجنبيات عنه في هذه اللحظة؟ (أرجو من سماحتكم إيضاح الحكم في ذلك وإرشادنا لما فيه الخير والصلاح عن طريق فتوى مكتوبة؛ ليقرأها الجميع؛ ليكونوا على بصيرة من دينهم وأخلاقهم وعاداتهم الحميدة .
ج: ظهورُ الزَّوجِ على المَنَصَّةِ بجوارِ زوجتِهِ أمامَ النِّساءِ الأجنبياتِ عنه اللاتي حضرنَ حفلةَ الزَّواج، وهو يُشاهِدهُنَّ وهُنَّ يشاهدْنَه، وكلٌّ متجمِّلٌ أتمَّ تجميلٍ، وفي أتمِّ زينةٍ لا يجوز، بل هو منكرٌ يجبُ إنكارُه، والقضاءُ عليهِ من وليِّ الأمرِ الخاصِّ للزَّوجين وأولياءِ أمورِ النِّساءِ اللاتي حضرنَ
стр. 364
حفلَ الزَّواج، فكلٌّ يأخذُ على يدِ مَن جعلَهُ اللهُ تحتَ ولايتِه، ويجبُ إنكارُهُ من وليِّ الأمرِ العام، من حُكَّامٍ وعلماءِ وهيئاتِ الأمرِ بالمعروف، كلٌّ بحسبِ حالِهِ من نفوذٍ أو إرشاد، وكذلك استعمالُ الطُّبولِ وسائرِ المُحرَّماتِ التي تُرتَكبُ في مثلِ هذا الحفل، نسألُ اللهَ تعالى أنْ يُوفِّقَ الجميعَ لما فيهِ رضاه، وأن يُجنِّبَنا الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطن، وأن يُلهِمَ الجميعَ رُشدَه (١).
س: ما هو حكم خاتم أو دبلة الزواج التي يقوم كل من الزوج والزوجة بارتدائها، ويكتب على دبلة الرجل اسم الزوجة، وعلى دبلة الزوجة اسم الزوج، مع تاريخ الخطوبة، هل هي بدعة أم أن لها أصلا؟ وهل قول الرسول ﷺ لأحد الصحابة: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» دليل على جواز لبس دبلة الزواج ؟
ج: أوَّلا: ما ذكرتَ من لبسِ الخاطبِ والمخطوبةِ أو الزَّوجين خاتمِ أو دبلةِ الخطوبةِ أو الزَّواجِ على الوصفِ المذكورِ ليس له أصلٌ في الإسلام، بل هو بدعة، قلَّدَ فيها جهلةُ المسلمين وضعفاءُ الدِّينِ الكفَّارَ في عاداتِهم، وذلك ممنوع؛ لما فيهِ من التَّشَبُّهِ بالكفَّار، وقد حذَّرَ منهُ النَّبيُّ ﷺ .
ثانيًا: ليس في قولِ النَّبيِّ ﷺ لبعضِ الصَّحابةِ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» دليلٌ على مشروعيَّةِ ما ذكرت؛ لأنَّهُ ﷺ طلبَ ذلك منه ليكونَ مهرًا لمَن رغبَ في تزوُّجِها (٢).
стр. 365
س: ما هي حقوق المرأة على زوجها، وما هي حقوق الزوج على زوجته ؟
ج: الأصلُ في الحقوقِ بين الزَّوجينِ أنَّ الزَّوجةَ كما لها حقوقٌ فإنَّ عليها واجباتٍ للزَّوج، ويجمعُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وقولُهُ ﷺ : «أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، إِنَّمَا هُنَّ عَوانٌ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا، أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا، فَأَمَّا حَقَّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ: لا يُوطِئْنَ فُرَشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ»، قال التِّرمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأخرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ نحوَه، ويدلُّ لذلك أيضًا: ما رواهُ معاويةُ بنُ حيدةَ ﵁ قال: قلت: يا رسولَ الله: ما حقُّ زوجةِ أحدِنا عليه؟ قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إِلا فِي الْبَيْتِ»، حديثٌ حسن، رواهُ أبو داود (١).
س: هل يجوز للمرأة أن تصلي صلاة قيام الليل أو التهجد إذا كان زوجها حاضرًا بدون إذنه؟ علمًا أنها لا تصلي إلا بعد أن ينام الزوج، كما إنه سبق أن استأذنته في صيام التطوع فلم يرفض وقال لها اعملي ما شئت من عمل الخير وأنا موافق، فهل تستأذن منه للمرة الثانية أم يكفي المرة الأولى ؟
стр. 366
ج: أوَّلا: ينبغي للمرأةِ أن تحافظَ على قيامِ اللَّيلِ، وأن تدعوَ زوجَها إلى قيامِه، فقد أخرجَ أبو داودَ والنَّسائيُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «رَحِمَ اللهُ رَجُلا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ».
ثانيًا: لا يجوزُ للمرأةِ أن تصومَ تطوُّعًا وزوجُها حاضرٌ إلا بإذنِه، فقد ثبتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ»، فإذا أَذِنَ لها؛ جازَ لها الصِّيام (١).
س: امرأة تسأل فتقول في سؤالها: لها زوج يحصل بينها وبينه خصومات، فيلعنها أكثر من ٥ مرات، فما الحكم جزاكم الله خير الجزاء ؟
ج: لا يجوزُ للمسلمِ لعنُ زوجتِهِ ولا غيرِها من المسلمين؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ قال: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»، وقال ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، ولا تحرمُ عليه زوجتُهُ بذلك، وعليه التَّوبةُ إلى اللهِ سبحانَهُ من هذه المعصيةِ الكبيرة، وعليه أنْ يستسمحَ زوجتَهُ من لعنِهِ لها؛ لأنَّ اللهَ يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وليس من المعروفِ سبُّها ولعنُها. والواجبُ على المرأةِ السَّمعُ والطَّاعةُ لزوجِها في المعروف، وعدمُ إلجائِهِ إلى سبِّها لسببِ سوءِ تصرُّف (٢).
* * *
стр. 367
س: ما حكم المرأة التي ترفع صوتها على صوت زوجها أثناء الحديث ؟
ج: المشروعُ أن يتخاطَبَ الزَّوجانِ بما يجلبُ المودَّةَ ويُقوِّي الرَّوابطَ الزَّوجيَّة، وأنْ يجتنبَ كلٌّ منهما رفعَ الصَّوتِ على صاحبِه، أو مخاطبتِهِ بما يكرهُه؛ لقولِهِ : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ولا ينبغي لها رفعُ الصَّوتِ عليه؛ لقولِهِ سبحانَه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، ولكن ينبغي للزَّوجِ أن يعالجَ ذلك بالتي هي أحسن، حتى لا يشتدَّ النِّزاع (١).
س: ما حكم الشريعة فيمن جامع امرأته قبل الأربعين يومًا ؟
ج: لا يجوزُ وطءُ المرأةِ وهي نفساءُ حتى تطهرَ من نِفاسِها، قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، والنُّفساءُ في معنى الحائض، لكن لو انقطعَ دمُها قبل تمامِ الأربعينَ، ثم تطهَّرتْ بالماءِ أو تيمَّمتْ لعذرٍ؛ جازَ وطؤُها، وكفَّارةُ وطءِ النُّفساءِ كفارةُ وطءِ الحائض (٢).
س: ما حكم منع الحمل أو تحديد النسل ؟
ج: يحرمُ منعُ الحملِ دون ضرورةٍ تدعو إلى ذلك وتحديدُ النَّسلِ مطلقًا؛ لمنافاتِهِ مقصدَ الشَّرعِ، وترغيبَهِ في الزَّواجِ للعفَّةِ وكثرةِ النَّسل، ولما
стр. 368
فيهِ من سوءِ الظَّنِّ باللهِ في سعةِ رزقِهِ وكثرةِ عطائِهِ لمَن يفعلُهُ خشيةَ العجزِ عن النَّفقة، فإنْ كانَ هناك ضرورةٌ كالخطرِ على صحَّةِ المرأةِ من الحملِ أو من تتابُعِه؛ جازَ لها منعُهُ أو منعُ تتابُعِهِ بما لا يضرُّها؛ من عَزْلٍ وتعاطي حبوبٍ ونحو ذلك؛ محافظةً على صِحَّتِها (١).
س: له ثمانية أولاد من زوجتين، ويحرص على توجيههم توجيها إسلاميًّا، يقول: إن كثرة الشر في هذا العصر تجعل الإنسان في جهاد في تربية الأولاد وفي حاجة إلى جلَد وصبر، فهل يجوز استعمال الحبوب المانعة للحمل أو غيرها مما يكون فيه توقيف عجلة الحمل والنسل مدة من الزمن أو لا؟ أفتوني .
ج: المستقبلُ غيب، ولا يعلمُ الغيبَ إلا الله، فالإنسانُ لا يدري مَن يكونُ لهُ فيه الخيرُ من أولادِه، أهو فيمَن وُلِدُوا واجتهدَ في توجيهِهِم وجهةً صالحة، أمْ فيمَن يهبُهُم اللهُ لهُ بعدَ ذلك من ذكورٍ أو إناث، فعلى المسلمِ أنْ يتوكَّلَ على الله، ويفوِّضَ أمرُه إليه، ولا يتعاطى هو ولا زوجتُه ما يمنعُ الحملَ من إبر أو حبوبٍ أو شرابٍ أو نحوِ ذلك، فعسى أنْ يهبَ اللهُ من الذُّرِّيَّةِ مستقبلا مَن يكونُ سببَ سعادتِهِ في الدَّاريْن، وعسى أنْ يكافِئَهُ اللهُ على تَوكُّلِهِ واعتمادِهِ عليهِ بإصلاح مَن رزقَه، ومَن عسى أنْ يرزقَهُ من الأولاد، وينفعَهُ بهم جميعًا في دينِهِ ودنياهُ، ويقيَهُم الفتنَ وشرورَ العباد، فإنَّ قلوبَ العبادِ بين أُصبعينِ من أصابعِ الرَّحمن، يُصرِّفُها كيفَ يشاء، نسألُ اللهَ لنا ولك التَّوفيقَ لصالحِ الأعمالِ والثباتَ على الحقِّ حتى نلقاه (٢).
стр. 369
س: أنا امرأة أريد أن أستفسر عن سؤالي وهو: إني مركبة (لَوْلَب) لمدة معينة من الزمن حتى يكبر أبنائي؛ لأنهم ما زالوا صغارًا، هل فيه شيء من الحلال أو الحرام ؟
ج: إذا كان استخدامُ هذا المانعِ أو غيرِه من موانعِ الحملِ غيرَ مُضرٍّ بالمرأة، ولا مُخِلٍّ بأمورِ عبادتِها، وكان الباعثُ عليهِ غرضٌ صحيحٌ كالمرض، أو خوفُهِ لكثرةِ الحملِ؛ فلا حرجَ فيه إن شاءَ الله إذا اتَّفَقَ عليه الزَّوجان، وليس هذا من تحديدِ النَّسلِ الذي دلَّتْ نصوصُ الشَّريعةِ ومقاصدُها العظيمةُ على حُرمتِه، فإنَّ مِن مقاصدِها الجليلة: تكثيرُ سوادِ هذه الأُمَّة، وقد ثبتَ عنهُ ﷺ أنَّه قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، رواهُ أحمدُ، والبيهقيُّ، وابنُ حبَّان. ونصوصُ الشَّريعةِ في هذا كثيرة، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة: «والإعراضُ عن الأهلِ والأولادِ ليس ممَّا يُحبُّهُ اللهُ ورسولُه، ولا هو مِن دينِ الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾» ا. هـ (١).
س: الموظف الذي يأخذ عن أهله غربة طويلة، هل عليه إثم أو عقاب أمْ لا؟ علمًا أنه في حكم عمله ولا ناقص على أهله إلا رؤياه .
ج: إذا غابَ الرَّجلُ عن زوجتِهِ مُدَّةً طويلةً في أداءِ واجبٍ خاصٍّ به أو بأهلِه، أو عامٍّ له وللأُمَّة، فلا إثمَ عليه ولا عقاب، وإن غابَ عنها مُدَّةً طويلةً بغيرِ عذرٍ ولا أداءِ واجب، ورضيتْ بذلك فلا إثمَ -أيضًا- ولا عقاب،
стр. 370
وإن لم ترضَ فهو آثم، مستحقٌّ للعقوبة؛ لتفريطِهِ في حقوقِها الزَّوجيَّة، وإن كانتْ مكفولةً من جهةِ المعيشةِ ومن جهةِ الكسوةِ والسُّكنى والطَّعام، فلها الحقُّ في المطالبةِ بحقوقِها الزَّوجيَّة (١).
س: قول: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» هل تقوله المرأة أم لا؟ على وجه أن يكون سنة في حقها .
ج: هذا الدُّعاءُ مشروعٌ في حقِّ الرَّجلِ إذا أرادَ أن يأتيَ أهلَه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا»، مُتَّفقٌ عليه، ورواهُ أصحابُ السُّننِ وغيرُهم، لكن لو دعتْ به فلا بأس؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الخصوصيَّة (٢).
стр. 371
فتاوى الطلاق
стр. 372
فتاوى الطلاق
س: إن السائل تزوج امرأة، وأنجبت منه أولادًا ثم طالبته والدته بطلاق زوجته دون سبب أو عيب في دينها، بل ذلك لحاجة شخصية، وحاولت أخته وبعض أهل الخير إقناعها، فلم تقتنع إلا بطلاقها، وخرجت من البيت وسكنت مع إحدى بناتها فوقع حرج من خروجها، لكن زوجته غالية عنده، ولم يعرف عنها إلا الخير، فماذا يصنع؟ أفتوني .
ج: إذا كان الواقعُ كما ذكرَ السَّائل، من أنَّ أحوالَ زوجتِهِ مستقيمةٌ، وأنَّه يُحبُّها وغاليةٌ عنده، وأنَّها لم تسئ إلى أُمِّه، وإنَّما كَرِهَتْها لحاجةٍ شخصيَّة، وأمسكَ زوجتَه وأبقى على الحياةِ الزَّوجيَّةِ معها، فلا يلزمهُ طلاقُها طاعةً لأُمِّه؛ لما ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ»، وعليه أن يبرَّ أُمَّهُ، ويصلَها بزيارتِها والتَّلطُّفِ معها والإنفاقِ عليها، ومواساتِها بما تحتاجُه، وينشرحُ بهِ صدرُها، ويُرضيها بما يقوى عليه، سِوى طلاقِ زوجتِه، واللهُ المستعان (١).
س: إذا طلق الرجل زوجته وله منها أولاد، فهل يجوز أن يزورها أو لا ؟
ج: إذا طلَّقَها طلاقًا رجعيًّا جازَ له أنْ يزورَها، وأن يخلوَ بها، وأن
стр. 373
يرى منها ما يرى الزَّوجُ من زوجتِهِ ما دامتْ في العدَّة، سواءً كان لها أولادٌ منه أم لا، فإن انقضتْ عدَّتُها فهي أجنبيةٌ بالنسبةِ له؛ فلا يجوزُ له أنْ يخلوَ بها، ولا أنْ يرى منها شيئًا إلا ما يجوزُ للأجنبيِّ، وإذا طلَّقها على مالٍ أو طلَّقها آخرَ ثلاثِ تطليقاتٍ؛ فهي بائنة، حكمُها حكمُ الأجنبيَّةِ بالنِّسبةِ له، فلا يجوزُ له أن يخلوَ بها، وإذا أرادَ أن يرى أولادَه منها اتَّخذَ لذلك طريقًا غيرَ الخلوةِ بها، كأن يطلبَ مجيءَ المُمَيِّزِ منهم إليه، أو يُرسِلَ امرأةً من محارمِهِ لتأتيَ بمَن يريدُ من أولادِهِ إليه، أو يزورُها مع مَحْرَمِها (١).
س: إن المطلقة تبقى في بيت زوجها بعد الطلاق إلى انقضاء المدة المحددة لها، فكيف يكون للزوجة أن تبقى في بيت الزوج وهي طالق إلى انقضاء المدة المحددة لها، وكيف تكون هي وزوجها في هذا البيت بعد الطلاق ؟
ج: إذا طلَّقَ الرَّجلُ زوجتَهُ طلاقًا رجعيًّا، مثل: أن يُطلِّقَها طلقةً واحدةً بعد الدُّخولِ بها، وكان طلاقُهُ إيَّاها بلا عوضٍ منها؛ وجبَ عليها أنْ تقعدَ في بيتها عندَ زوجِها، وحَرُمَ عليها أن تخرجَ منه ما دامتْ في العِدَّة، وحَرُمَ عليهِ أنْ يُخرِجَها منه حتى تنقضي العِدَّة، إلا أنْ تأتيَ بفاحشةٍ مُبيِّنَةٍ؛ لأنَّها في حكمِ الزَّوجة، ولهُ الحقُّ في مراجعتِها أيَّامَ عِدَّتِها بشهادةِ عدليْن، ولو لمْ ترضَ بالرَّجعة، ولا يتوقَّفُ رُجوعُها إليهِ على عقدٍ جديدٍ ولا مهرٍ، ولا على رضاها.
أمَّا إذا طلَّقَ الرَّجُلُ زوجتَهُ طلاقًا بائنًا، مثل: أنْ يُطلِّقَها قبلَ الدُّخولِ بها أو بعدَ الدُّخولِ، ولكن على عِوضٍ؛ فإنَّها تصيرُ بهذا أجنبيَّةً منه،
стр. 374
فلا تحلُّ له إلا بعقدٍ ومهرٍ جديديْن برضاها، ولا يكفي في هذهِ الحالةِ الرَّجعةُ كما كتبتْ في الحالةِ الأولى، ولا يجوزُ لهُ أنْ يخلوَ بها، ولا يرى منها إلا ما يجوزُ أن يراهُ الأجانبُ منها. وباللهِ التَّوفيق (١).
س: في لحظة غضب قلت لزوجتي: إذا ذهبت إلى جارتك تكوني مُحَرَّمة عليَّ، واستمر هذا الوضع لفترة طويلة ولم تذهب إليها، ولظروف صعبة لجارتها من المرض أو ما شابه ذلك تستدعي زيارة جارتها فسمحت لزوجتي بالذهاب إليها على أن أقوم بعد ذلك بكفارة هذا اليمين، وحسب معرفتي لا يعتبر هذا يمينًا، فعلى العموم أرجو من فضيلتكم أن تفيدوني عن كفارة هذا جزاكم الله خيرًا، وجعلكم الله ذخرًا للإسلام والمسلمين، وسدد الله خطاكم .
ج: إذا كان قصدُكَ من التَّحريمِ المذكورِ في السُّؤالِ طلاقَ زوجتِكَ؛ وقعَ طلقةً بذهابِها إلى جارتِها، ولك مراجعتُها في العِدَّةِ إذا لم تكنْ هذه الطَّلقةُ الثالثة، وإن كانَ قصدُكَ من التَّحريمِ منعُها من الذَّهابِ إلى جارتِها، وليس قصدُكَ الطَّلاقُ، ثم ذهبتْ؛ فإنَّ تحريمَكَ يكونُ حكمُهُ حكمَ اليمين، فتكفِّرُ كفَّارةَ يمين، وهي: إطعامُ عشرةِ مساكينَ أو كسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ مؤمنة، فإنْ لم تجدْ؛ فصُمْ ثلاثةَ أيَّام، ولا يقعُ على زوجتِكَ طلاقٌ في هذه الحالة (٢).
* * *
стр. 375
س: ما حكم الشريعة في الذي يقول لزوجته: إذا أتاك الحيض ثم طهرت فأنت طالق، وفعلا قصد الطلاق، ولكن ظهر له بعد ذلك وقبل إبان الحيض أن يمسكها، فهل يعد ذلك طلقة أمْ لا؟ وهل يعد طلقة كذلك إذا لم يبد له إمساكها إلا بعد الطهر المعلق عليه ؟
ج: هذا طلاقٌ مُعلَّقٌ على شرطٍ محض، لا يُقصدُ به حث ولا منعٌ، فيقعُ الطَّلاقُ بوجودِ الشَّرط، وهو الطُّهرِ بعد الحيض، ورجوعُهُ عن هذا التَّعليقِ بعد حصولِهِ منه لا يصحُّ (١).
س: إذا فكر الزوج في تطليق زوجته، فهل تحرم عليه بمجرد التفكير دون عقد النية على ذلك ؟
ج: مجرَّدُ التَّفكيرُ بالطَّلاقِ أو نِيَّةِ ذلك دونَ النُّطقِ بهِ لا يُؤثرُ في تحريمِ الزَّوجة، ولا يقعُ بهِ الطَّلاق، ويدلُّ لذلك ما أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ في «صحيحَيْهما» عن أبي هريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»، مُتَّفقٌ عليه، وهذا لفظُ البخاريِّ، فإذا نطقَ الإنسانُ بتطليقِ زوجتِهِ أو كتبَ ذلك؛ وقعَ عليها الطَّلاق، وإن كان هازلا (٢).
س: يقولون: من قال لزوجته إن فعلت كذا فأنت حرام، ثم فعلته هل تحرم أم لا؟ هل يجوز يراجعها أم لا ؟
стр. 376
ج: أوَّلا: إنْ قصدَ بقولِهِ: (إن فعلتِ كذا فأنتِ حرامٌ) منعَ الزَّوجةِ من الفعلِ، ثم فعلتْ؛ فهو يمينٌ، وكفَّارتُهُ كفَّارةُ يمين، وهي: إطعامُ عشرةِ مساكينَ أو كسوتُهم، أو تحريرُ رقبة، فإن لم يجدْ؛ صامَ ثلاثةَ أيَّام.
ثانيًا: وإنْ قصدَ بهذا القولِ تحريمَ زوجتِهِ وتشبيهَها بالمُحرَّمات، كالأمِّ والأختِ؛ فهو ظِهار، وكفَّارَتُه: تحريرُ رقبةٍ مُؤمنة، فإنْ لم يجدْ؛ صامَ شهريْن مُتتابعيِن، فإن لم يستطعْ؛ أطعمَ سِتِّينَ مسكينًا، وذلك قبلَ أنْ يمسَّ زوجتَهُ المُظاهِرَ منها (١).
س: كم عدة الأصناف التالية ذكرهم:
١ - المطلقة. ٢ - الحائض. ٣ - الصغيرة. ٤ - النفساء. ٥ - الحامل. ٦ - المستحاضة. ٧ - الآيسة؟
ج: المعتدَّاتُ ستَّةُ أصناف: الصِّنفُ الأوَّلُ: الحاملُ وعِدَّتُها من موتِ زوجٍ أو طلاقٍ هي: وضعُ كاملِ الحملِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، الصِّنفُ الثاني: المُتوفَّى عنها زوجُها من غيرِ حمل، فعدَّتُها أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيَّامٍ من حينِ موتِه؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، الصِّنفُ الثالثُ: المرأةُ ذاتُ الحيض، وعدَّتُها من طلاقٍ وفسخٍ هي ثلاثةُ قُروء؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، الصِّنفُ الرَّابعُ: المرأةُ التي لا تحيضُ إمَّا لصغرٍ أو كبرٍ فعدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ
стр. 377
يَحِضْنَ﴾، ومثلُها المستحاضةُ، الصِّنفُ الخامس: المرأةُ التي ارتفعَ حيضُها، ولم تدرِ ما رفعَهُ فعدَّتُها سنة؛ لقولِ الشَّافعيِّ: هذا قضاءُ عُمَرَ بين المهاجرينَ والأنصارِ لا يُنكرُهُ منهم منكِرٌ علمنَاه. الصِّنفُ السَّادس: امرأةُ المفقود، وتعتدُّ بعد مُدَّةِ التَّرَبُّصِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا عِدَّةَ الوفاة (١).
س: ما هي أقل مدة الحيض وأكثرها .
ج: الذي يظهر ونفتي به هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أنه لا أقل مدة الحيض ولا أكثر، بل كل ما استقر عليه حيض المرأة فإنه عادتها، لأن النبي ﷺ رد المستحاضة إلى عادتها وقال لأم حبيبة ﵂: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك". ولم يقل لها مالم تكن أقل من يوم وليلة ولا أكثر من خمسة عشر يوماً، بل ردها إلى عادتها الذي استقر أنه زمن حيضها بدون أن يستفصل عن قلة المدة أو كثرتها، والله أعلم (٢).
س: ما الحكمة من فرض العدة على النساء بعد وفاة أزواجهن، فإذا كان من الأسباب لمعرفة أنها حامل أمْ لا فلماذا فرضت أربعة شهور وعشرة أيام لا يحق لها الزواج ولا الخروج من البيت ولا الزينة، مع أنه أمكن بالطب الحديث معرفة وجود حمل أو عدمه خلال أربع وعشرين ساعة، فما هو رأي سماحتكم على ذلك ؟
ج: شرعَ اللهُ سبحانه العِدَّةَ على النِّساءِ لحكمٍ كثيرةٍ، ذكرَها العلامةُ
стр. 378
ابنُ القيِّمِ ﵀ في كتابِهِ «إعلامُ الموقِّعين» وهذا نصُّ كلامِهِ، وفيه الكفاية: فأمَّا المقامُ الأوَّلُ: ففي شرعِ العِدَّةِ عِدَّةُ حِكَم، منها: العلمُ ببراءةِ الرَّحم، وألا يجتمعَ ماءٌ لواطئَيْن فأكثر في رحمٍ واحد، فتختلطُ الأنسابُ وتفسد، وفي ذلك من الفسادِ ما تمنعُهُ الشَّريعةُ والحكمة. ومنها: تعظيمُ خطرِ هذا العَقد، ورفعُ قدرِه، وإظهارُ شرفِهِ، ومنها: تطويلُ زمانِ الرَّجعةِ للمُطلِّق، إذ لعلَّهُ يندمُ ويفيءُ فيصادِفُ زمنًا يتمكَّنُ فيه من الرَّجعة. ومنها: قضاءُ حقِّ الزَّوج، وإظهارُ تأثيرِ فقدِهِ في المنعِ من التَّزَيُّنِ والتَّجَمُّل، ولذلك شُرِعَ الإحدادُ عليه أكثرَ من الإحدادِ على الوالِدِ والولَد. ومنها: الاحتياطُ لحقِّ الزَّوجِ ومصلحةِ الزَّوجةِ وحقِّ الولَد، والقيامُ بحقِّ اللهِ الذي أوجبَه، ففي العِدَّةِ أربعةُ حقوق، وقد أقامَ الشَّارِعُ الموتَ مقامَ الدُّخولِ في استيفاءِ المعقودِ عليه، فإنَّ النِّكاحَ مُدَّتُهُ العمر، ولهذا أُقيمَ مقامَ الدُّخولِ في تكميلِ الصَّداق، وفي تحريمِ الرَّبيبةِ عندَ جماعةٍ من الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، كما هو مذهبُ: زيدِ بنِ ثابتٍ، وأحمدَ -في إحدى الرِّوايتيْن عنه-، فليس المقصودُ من العِدَّةِ مجردَ براءةِ الرَّحم، بل ذلك من بعضِ مقاصدِها وحِكَمِها (١).
س: أرجو التكرم من فضيلتكم التحدث عن الأمور التي يجب اتباعها وقت الإحداد مثل: الملبس، والكلام في التليفون، والخروج إلى الجيران للزيارة .
ج: المرأةُ المُعتدَّةُ من وفاةٍ يحرمُ عليها لبسُ الزِّينةِ من ثيابٍ وحُلِيٍّ، ويحرمُ عليها التَّزيُّنُ في بدنِها بالخضابِ والكُحل وموادِّ التَّجميل، ولا بأسَ بإزالةِ ما تتأذَّى منه، وعملِ السُّنَّةِ بقصِّ الأظافر، وأخذِ الشُّعورِ التي يُشرعُ
стр. 379
أخذُها من البدن، ويحرمُ عليها التَّطيُّبُ بأنواعِ الطِّيبِ في بدنِها ولباسِها، ويلزمُها البقاءُ في بيتِ الزَّوجيَّةِ إلى أنْ تُكْمِلَ العِدَّة، ويجوزُ لها الخروجُ لحاجتِها نهارًا لا ليلا، ويجوزُ لها الكلامُ في التَّلفيون إذا كان لا يترتَّبُ عليه فتنة (١).
стр. 380
فتاوى الرَّضاع والكفَّارات
стр. 381
فتاوى الرضاع والكفَّارات
س: أمي من الرضاعة تتحجب عني، وتأمر بناتها بالتحجب عني، فما هو رأي الشرع في ذلك، وهل يُنصحن بتبيان أمور الرضاعة، وهل آثَم بعدم زيارتهن ؟
ج: إذا ثبتَ أنَّ هذه المرأةَ أرضعتَكَ خمسَ رضعاتٍ فأكثرَ؛ فهي أمُّك من الرَّضاعة، وبناتُها أخواتٌ لك من الرَّضاعة، ويُباحُ لهنَّ أن يكشفنَ لك، كما يكشفنَ لمحارمهنَّ من النَّسب، وأنْ تخلوَ بهنَّ؛ لأنَّك من محارمِهنَّ، لكن إذا امتنعنَ عن أنْ يكشفنَ لكَ أو تزورَهنَّ فلا يُلزمهن ذلك، ولا تأثمُ بتركِ زيارتِهنَّ، لاسيما إذا كنَّ لا يرغبنَ ذلك؛ لأنهنَّ لسنَ من الرَّحمِ التي تأثمَ بتركِ صلتهنَّ والإحسانِ إليهنَّ، لكن يُستحبُّ لك صلتُهنَّ والإحسانُ إليهنَّ متى أمكنَ ذلك من بابِ ردِّ الجميل (١).
س: ما هو الرضاع المُحرِّم وما مقداره ؟
فأجاب: الرضاع المحرم هو خمس رضعات في الحولين، والمراد بالرضعات الخمس هو أن الطفل إذا التقم ثدي المرأة فجعل يمتص من الثدي ثم وقف يتنفس فإنها تحسب رضعة، ولو كان الثدي في فمه فإذا كان خمس رضعات بمعنى ما تقدم، فإنه يثبت به التحريم، والله أعلم (٢).
стр. 382
س: اثنان إخوة، الأخ الأصغر رضع مع طفلة خطبها أخوه الأكبر، فهل يجوز هذا الزواج أمْ لا ؟
ج: إذا كان الأمرُ كما ذكرَ وأنَّ رضاعَ الأخِ الأصغرِ مع الطِّفلةِ من أُمِّها؛ فيجوز للأخِ الأكبرِ الزَّواجَ من البنتِ المذكورة، ولا أثرَ لرَضاعِ الأخِ الأصغرِ على الزَّواج (١).
س: ما الحكم في الإكثار من أخذ المباحات، مثل أثاث البيت وغيرها بنية الترفيه عن الروح ؟
ج: الأصلُ في هذا البابِ هو الاعتدالُ في المأكلِ والمشربِ والملبسِ والأثاثِ ونحوِ ذلك؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، وقالَ تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ... لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢).
стр. 383
فتاوى الحدود
والذَّكاة والصيد
стр. 384
فتاوى الحدود والذكاة والصيد
س: في مدرستنا يجاهر بعض الطلبة هداهم الله بالزنا ويقول: أنا فعلت كذا وكذا فما الواجب علي، وهل علي إثم ؟
ج: يجبُ عليك الإنكارُ عليهِ ونصحُهُ والبيانُ لهُ بأنَّ الزِّنا من أعظمِ الجرائمِ المُخلَّةِ بنظامِ الأسرِ، ومن الكبائرِ المُتوعَّدِ عليها بدخولِ النَّار، بل وموجبةٌ في الدُّنيا لإقامةِ الحدِّ على مُرتكبِها، وأنَّ عليه أن يستترَ بسترِ اللهِ ولا يجاهرَ بالمعاصي؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلا الْمُجَاهِرِينَ» الحديث، ولأنَّ في عملِهِ هذا إشاعةً للفاحشةِ بين المؤمنين، واللهُ سبحانَهُ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١).
س: ما عقاب المسلم الذي يرتكب جريمة الزنا وكيف يمكن منعه ؟
ج ١: عقابُ المسلمِ الذي يرتكبُ جريمةَ الزِّنا هي: الجلدُ مائةٌ والتَّغريبُ سنةً للبكر، والرَّجمُ بالحجارةِ للثيِّبِ حتى يموت، وهذا إذا ثبتَ عليه ارتكابُ الجريمة؛ إمَّا بإقرار، أو شهودِ أربعةٍ عدول؛ ولا يقيمُ الحدَّ إلا وليُّ أمرِ البلاد، أو نائبُهُ (الحاكمُ الشَّرعيُّ)، أمَّا المنعُ من الزِّنا، فيكونُ باجتنابِ الأسبابِ الدَّاعية إليه، من مغريات، وقصصٍ خليعة، وأشياءَ مثيرةٍ
стр. 385
للغرائز، أو يكونُ بإقامةِ الحدِّ الشَّرعيِّ، ويجبُ اجتنابُ الخلوةِ بالمرأةِ الأجنبيَّة، والنَّظرُ إليها بشهوة، ونحوِ ذلك ممَّا يدعو إلى الفتنةِ بها (١).
س: الناس إذا سموا الخمرة بغير اسمها أو سموا الربا بغير اسمه فهل يؤثر ذلك على حقيقة التحريم ؟
ج: الخمرُ حرامٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وبيَّنَتْ السُّنَّةُ أنَّ الخمرَ هو المادَّةُ التي تغطِّي العقلَ بالسُكْرِ، فكلُّ مادَّةٍ حصلَ بها الإسكارُ؛ فهي خمرٌ محرَّمة، وإن لم تسمَّ خمرًا؟ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ»، وقولِهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، وقد روى الإمامُ أبو داودَ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : «لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» وصحَّحهُ ابنُ حبَّان، وكذلك الشَّأنُ في الرِّبا؛ فإنَّهُ محرَّمٌ وإنْ سُمِّيَ بغيرِ اسمِه، كتسميتِهِ فائدة، أو عمولة، أو نحو ذلك، فإنَّه حرام (٢).
س: ما حكم أكل القات وترك صلاة العصر في وقتها مع الجماعة وصلاتها قبل المغرب بنصف ساعة ؟
ج: أكلُ القاتِ حرام؛ لأنَّهُ مُفتِّرٌ وشاغلٌ عن ذكرِ اللهِ وعن الصَّلاة، ولا يجوزُ تأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِها ولا تركُ الصَّلاةِ مع الجماعة، وهذه
стр. 386
منكراتٌ ناشئةٌ عن أكلِ القات، وكلُّها مُحرَّمَات، ومن أجلِ ذلك صارَ أكلُ القاتِ مُحرَّمًا شديدَ التَّحريم (١).
س: هل شرب الدخان حرام أوْ لا؟ وما الدليل ؟
ج: شربُ الدُّخانِ حرامٌ؛ لأنَّهُ من الخبائثِ، وقد حرَّمَ اللهُ ورسولُهُ الخبائث، وقالَ تعالى في صفةِ النَّبيِّ ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، ولما فيه من الضَّررِ بالصِّحَّة وتلفِ المال، وقد جاءتْ الشَّريعةُ بوجوبِ حفظِ الأبدانِ وحفظِ الأموال، وجعلَ العلماءُ -قديمًا وحديثًا- حفظَهُما من الضَّروريَّاتِ الخمس، التي لا بُدَّ منها في حفظِ كيانِ الأُمَّة، وقيامِ أمرِها على وجهٍ ينتظمُ به شأنُها، وثبتَ في الحديثِ النَّهي عن إضاعةِ المال، ولا شكَّ أنَّ إنفاقَهُ في شراءِ الدُّخانِ إنفاقٌ فيما لا جدوى فيه، بل إنفاقٌ له فيما فيهِ مضرَّةٌ لشاربِه وللمجتمع، فكان من إضاعةِ المال (٢).
س: هل أكل البصل محرم يوم الجمعة أو مكروه، وهل هناك إثم إذا أكل إنسان بصلا يوم الجمعة ثم ذهبت الرائحة باستعمال النعناع ومعاجين الأسنان، وهل الحرمة متعلقة فقط بالرائحة، أم أن هناك أحاديث ترغب في أكل البصل ؟
ج: أكلُ البصلِ النَّيءِ مكروهٌ لرائحتِهِ الكريهة، مع توقُّعِ حضورِهِ
стр. 387
المساجد، والمجامع العامَّةِ، ومخالطتِهِ النَّاس، سواءً كان ذلك في يومِ الجمعةِ أو غيرِها، أمَّا إذا كان مطبوخًا فلا بأسَ بأكله؛ لزوالِ رائحتِه، وقد ثبتَ في الحديثِ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا»، ومَن أكلَ ثُومًا أو بصلا وأزالَ الرَّائحةَ بأيِّ مزيلٍ فلا إثمَ عليهِ في اختلاطِهِ بالنَّاس في المساجدِ ومجالسِ الخير (١).
س: ما الحكمة في تحريم أكل لحم الخنزير ؟
ج: إنَّ اللهَ قد أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، ووسعَ كلَّ شيءٍ رحمةً وحكمةً وعدلا، فهو سبحانَهُ عليمٌ بمصالحِ عبادِه، رحيمٌ بهم، حكيمٌ في خلقِهِ وتدبيرِهِ وشرْعِه، فأمرَهُم بما يسعدُهمْ في الدُّنيا والآخرة، وأحلَّ لهم ما ينفعُهم من الطَّيِّبات، وحرَّم عليهم ما يضرُّهم من الخبائث، وقد حرَّم اللهُ أكلَ الخنزيرِ، وأخبرَ بأنَّه رجسٌ، قالَ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية فهو إذا من الخبائث، وقد قالَ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وقد ثبتَ بالمشاهدةِ أنَّ غذاءَهُ القاذوراتُ والنجاساتُ، وأنَّها أشهى طعامٍ إليه يتتبَّعُها ويغشى أماكنَها، وقد ذكرَ أهلُ الخبرةِ أنَّ أكلَه يولِّدُ الدُّودَ في الجوف، وأنَّ لهُ تأثيرًا في إضعافِ الغَيْرةِ والقضاءِ على العفَّة، وأنَّ له مضارَ أخرى كعسرِ الهضمِ ومنعِ بعضِ الأجهزةِ من إفرازِ عُصارتِها لتُساعدَ على هضمِ الطَّعام، فإنْ صحَّ ما ذكروا؛ فهو من الضَّررِ والخبثِ الذي حرَّم من أجله، وإن لم يصحَ؛ فعلى العاقلِ أنْ يَثِقَ بخبرِ اللهِ وحكمِه فيه بأنَّهُ رجس، ويؤمنُ بتحريمِ أكلِهِ، ويُسلِّمُ الحكمَ لله
стр. 388
فيه، فإنَّه سبحانَهُ هو الذي خلقَهُ وهو أعلمُ بما أودعَهُ فيه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).
س: هل يجوز للولد أن يأكل من مال أبيه المرابي ؟
ج: الرِّبا محرَّمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماع، وإذا كان والدك مرابيا فالواجبُ عليك نصحُهِ ببيانِ الرِّبا وحكمِه، وما أعدَ اللهُ لأهلِه من العذابِ، ولا يجوزُ لك أنْ تأخُذَّ من مالِ أبيك ما تعلمُ أنَّه داخلٌ إلى ملكِهِ من طريقٍ التَّعاملِ بالرِّبا، وعليك أن تطلبَ الرِّزقَ من اللهِ جلَّ وعلا، وتبذلَ الأسبابِ الشَّرعيَّة التي وضعَ اللهُ لطلبِ الرِّزق، ومن يتقِّ اللهَ يجعلْ له مخرجًا ويرزقُهُ من حيثُ لا يحتسب، ومن يتقِّ اللهَ يجعلْ له من أمرِه يُسرًا (٢).
س: ما حكم ذبيحة من يعلق التميمة من القرآن أو غيره، ومن يعقد العُقَد من الخيوط وغيرها ؟
ج: التَّمائمُ: جمعُ تميمة، وهي: ما يُعلَّقُ من الخرزِ، والودعِ، والحجبِ في أعناقِ الصِّبيانِ والحيواناتِ والنِّساء ونحوِهم، وقد يُوضعُ ذلك في أحزمَتُهم أو يُعلَّقُ في شعرِهم للحفظِ من الشَّرِّ أو دفعِ ما نزلَ من الضُّرِّ. وهذا منهيٌ عنه بل هو شركٌ؛ لأنَّ اللهَ هو الذي بيدِهِ النَّفعُ والضُّرُّ، وليس ذلك لأحدٍ سواه؛ لما ثبتَ عن ابنِ مسعودٍ: أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، ولما رَوى عبدُ اللهِ بنُ حكيمٍ مرفوعًا: «مَنْ
стр. 389
تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ»، ولما في الصَّحيحيْنِ عن أبي بشيرٍ الأنصاريِّ، أنَّه كان مع النَّبيِّ ﷺ فأرسلَ رسولا: ألا يبقينَّ في رقبةِ بعيرٍ قلادةٌ من وتَرٍ أو قلادةٌ إلا قُطِعتْ»، فأنكرَ النَّبيُّ ﷺ تعليقَ الأوتارِ على الإبلِ مُطلقًا، معقودةً وغيرَ معقودة، وأمرَ بقطعِها، وذلك أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يشدُّون الأوتارَ على الإبلِ، ويضعونَ القلائدَ في أعناقِها، ويُعلِّقون عليها التَّمائمَ والعوذَ؛ للحفظِ من الآفاتِ ودفعِ العين، فنهاهُم ﷺ عنها، وأنكرَها عمليًّا، حيثُ أمرَ بقطعِها، ومن اعتقدَ أنَّ للتَّميمةِ ونحوِها تأثيرًا في جلبِ النَّفعِ أو دفعِ ضُرٍّ؛ فهو مشركٌ شِركًا أكبر، يخرجُهُ من المِلَّةِ والعياذُ بالله، وذبيحتُهُ لا تُؤكل، ومن اعتقدَ أنَّها أسبابٌ فقط، وأن اللهَ هو النَّافعُ الضَّارُّ، وأنَّهُ هو الذي يُرتِّبُ عليها المسببِّاتِ؛ فهو مشرك شركًا أصغر، لأنَّها ليستْ بأسبابٍ عاديَّةٍ ولا شرعيَّة، بل وهميَّة، وقد استثنى بعضُ العلماءِ من ذلك ما عُلِّقَ من القرآن، فرخَّصَ فيه وحملَ ما ثبتَ من أحاديثِ النَّهي عن تعليقِ التَّمائمِ على ما كان من غيرِ القرآن، لكن الصَّحيحَ أنَّ أحاديثَ النَّهي عامَّةٌ؛ لعدمِ وُرودِ مُخصِّصٍ لها عنه ﷺ ، وسدًّا للذَّريعة، فإنَّه يفضي إلى تعليقِ ما ليس كذلك، كما أنَّه يُفضي إلى امتهانِ القرآن (١).
س: رجل يسب الدين أحيانًا في أوقات غضبه، يذبح ويبيع اللحم، هل تؤكل ذبيحته؟ مع العلم بأنه يصلي ويصوم. أفتونا مأجورين .
ج: الذي يسبُّ الدِّينَ يكون مرتدًّا عن دينِ الإسلام، ولا تحلُّ ذبيحتُهُ ولو صلَّى وصامَ حتى يتوبَ إلى اللهِ تعالى توبةً صحيحةً، ويتركَ هذا القولَ المنكرَ المُوجبَ لردَّتِهِ عن الإسلام، وصلاتُهُ وصيامُهُ وغيرُهما من عبادتِهِ
стр. 390
كلِّها باطلةٌ حتى يتوبَ إلى اللهِ سبحانَه توبةً نصوحًا ممَّا صدرَ منه؛ لقولِ اللهِ : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا... يَعْمَلُونَ﴾، وما جاءَ في معنى هذه الآيةِ من الآيات (١).