← Тараджим

Тараджим · id 30277

الروض الناضر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر

بدر محمد باقر

Полный текст (336 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المقصد الثاني: المتهمون بعدالتهم: يجب علينا قبل البدء في إيراد الرواة المطعون بهم توضيح نقطة مهمة، وهي أنّ الإمام «الباقر» كان مدنيّاً، أي أنه كان من سكّان مدينة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وأقام طيلة حياته بها، وكانت أرضها مثوىً له ولابنه جعفر «الصادق» أيضاً، وخلال بحثي في سيرة حياته، لم أعثر على مصدرٍ تاريخيٍّ واحدٍ يروي سَفَراً له إلى الكوفة، ولئن جاز افتراض سفر الإمام الباقر إلى الكوفة فإنّ ذلك لا يعدو أن يكون سفراً عارضاً، ولم تتعدَّ إقامته فيها أياماً قلائل، فكيف يتأتّى أن يكون أغلبُ الرواة الذين رووا عن «الباقر» من أهل الكوفة؟!. قد يقول قائل إنّ الرواة عنه من أهل الكوفة هم الذين سافروا إلى المدينة وتلقّوا العلم على يدي الإمام «الباقر». فأقول: هذا أمر محتمل وقد سمعنا عن رحلات أهل ذاك الزمان في طلب العلم، فكانوا يُرْخِصون في سبيل ذلك كلّ نفيس، ولكن من خلال مراجعة سيرة هؤلاء الرواة وتمحيصها توصَّلنا إلى أنهم كانوا من سكان الكوفة ورحلاتهم إلى المدينة - إن صحَّت- لم تتعد أياماً معدودة، فتلقّيهم من علم «الباقر» وروايتهم عنه لايمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أن تبلغ هذا العدد المهول من الروايات (١)، فمنهم من

стр. 177

يروي عن «الباقر» ثلاثين ألف حديث، ومنهم من روى سبعين ألف حديث!، وهذا عدد ضخمٌ جداً، ولا بد أن يتناسب عدد الروايات مع الفترة الزمنية التي يقضيها الراوي مع شيخه، فالعلم لا يُسقى بكأس بل يُنال بالدراسة والمثابرة، ولو فرضنا ضبط الراوي لهذا العدد الهائل من الأحاديث، فكيف يمكن أن نتقبل عقلاً إمكانية تلقِّي هذا العلم بجلسةٍ واحدة ومثال ذلك ما رواه الحر العاملي في كتابه «الوسائل» أنّ قوماً أتوا إلى «الباقر» ﵁ وأرضاه فسألوه عن ثلاثين ألف مسألة في مجلس واحد فأجابهم وعمره حين ذاك تسع سنين! (١). فلو تجاوزنا تنزُّلاً عن حداثة سنّه حينما أجاب على هذا العدد من المسائل، فكيف نتجاوز عن عدد المسائل؟، لو فرضنا أنّ كل مسألة وجوابها يستغرقان ثلاثين ثانيه «وهذا محال في العقل والمنطق» فبعملية حسابية بسيطة نجد أن مدَّة المجلس مئتين وخمسين ساعة أي ما يعادل عشرة أيام ونصف تقريباً!.

стр. 178

لقد شاء الله تعالى أن يكون لأهل الكوفة ماض أسود في تاريخ الأمة الإسلامية عامة، ومع أهل بيت النبي ﵌ خاصة، وقد ورد ذمهم على أَلْسنة عدد كبير من أئمة أهل البيت ﵈، فقد قال فيهم سيدنا علي ﵁: «يا أهل الكوفة، منيت منكم بثلاث واثنتين صم ذوو أسماع وبُكم ذوو ألسن وعمي ذوو أبصار، لا إخوان صدق عند اللقاء، ولا إخوان ثقة عند البلاء اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، اللهم لا تُرْضِ عنهم أميراً ولا ترضهم عن أمير، وأمث (١) قلوبهم كما يماث الملح في الماء» (٢). أما الحسن ﵁ فقد قال: «عرفت أهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسداً إنَّهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، وإنهم لمختلفون ويقولون لنا إن قلوبهم معنا وإن سيوفهم لمشهورة علينا» (٣). وقالت فاطمة الصغرى بنت الحسين ﵂ وعن أبيها: «أمّا بعد، يا أهل الكوفة يا أهل المكر والغدر والخيلاء، إنّا أهل بيت ابتلانا الله بكم وابتلاكم بنا...» (٤). وقالت سكينة بنت الحسين رضي الله تعالى عنها: «لَعَنكم الله يا أهل الكوفة، أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة» (٥).

стр. 179

وذلك أنّ أهل الكوفة قد قتلوا أباها الحسين رضي الله تعالى عنه وزوجها مصعب بن الزبير. وقال الإمام «زين العابدين» لهم: «هيهات هيهات أيها الغَدَرَةُ المَكَرَة حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل..» (١). قلت: وذمّهم كثير جداً لغدرهم وخياناتهم المتكررة لأهل البيت رضوان الله تعالى عليهم، وليس المجال هاهنا لحصره، ولكنَّ أهل الكوفة في ذلك الزمن لم يكتفوا بهذا الخزي، بل زادوا على ذلك الظلم ظلماً أكبر، وهو كذبهم على أهل البيت، فزاغوا وأزاغوا معهم خلقاً كثيراً، وقد قال فيهم أبو جعفر «الباقر» رضي الله تعالى عنه: «إنّ أحاديثنا إذا أسقطت إلى الشام جاءتنا صحاحاً، وإذا أُسقطت إلى العراق جاءتنا وقد زيد فيها ونقص» (٢). وصدق ابنه جعفر «الصادق» ﵁ حين قال: «إنّا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذّاب يكذب علينا، ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس...» (٣).

стр. 180

وإليك عزيزي القارئ أسماء بعض هؤلاء الرواة مع بيان أحوالهم ونماذج من أكاذيبهم: ١ - ثابت بن أبي صفية، أبو حمزة الثمالي الأزدي الكوفي: قال أحمد بن حنبل: ضعيف الحديث، ليس بشيء. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: ليِّن الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: واهي الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة (١). وقال ابن سعد: توفي في خلافة أبي جعفر، وكان ضعيفاً. وقال يزيد بن هارون: كان يؤمن بالرجعة. وقال أبو داود: جاءه ابن المبارك، فدفع إليه صحيفة فيها حديث سوء في عثمان فرد الصحيفة على الجارية، وقال: قولي له قبَّحك الله، وقبَّح صحيفتك. وقال عبيد الله بن موسى: كنا عند أبي حمزة الثمالي، فحضر ابن المبارك، فذكر أبو حمزة حديثا في عثمان، فقام ابن المبارك فمزَّق ما كتب، ومضى. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف.

стр. 181

وقال الدارقطني: متروك، و قال في موضع آخر: ضعيف. وقال ابن عبد البر: ليس بالمتين عندهم، في حديثه لين. وقال ابن حبان: كان كثير الوهم في الأخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد. وروى ابن عدي، عن الفلاس: ليس بثقة. وذكره العقيلي و الدولابي و ابن الجارود و غيرهم في «الضعفاء» (١). قال عنه ابن حجر: ضعيف (٢). وقال الذهبي: ضعَّفوه (٣). أمثلة على زيغه: الحديث الأول: عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر ﵇ وأبو عبد الله ﵇: يا أبا حمزة إن حدثناك بأمر أنّه يجئ من هيهنا فجاء من هاهنا فإنَّ الله يصنع ما يشاء، وان حدثناك اليوم بحديث وحدثناك غداً بخلافه، فان الله يمحو ما يشاء و يثبت (٤).

стр. 182

قلت: هذا حديث قبيح وفيه من المنكرات: ١ - بهذا الحديث يكون محمدٌ ﵌ قد تَركنا ولم يُكمل الدين فما زال الوحي ينزل على الأئمة، وما زال الله ينسخ أوامره و يكمّل الدين على لسان الأئمة. ٢ - أن «الباقر» يكذب فيحدث كل يوم بأمر ويعلل ذلك بنسخ الأوامر المتلقاة من الله جلّ وعلا!. الحديث الثاني: في حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين ﵇ وقال: يا ابن الحسين أنت تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها؟ فقال: بلى ثكلتك أمك قال: فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين، فأمر بشد عينيه بعصابة وعيني بعصابة ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا، فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه فقال ابن عمر: يا سيدي دمي في رقبتك، الله الله في نفسي، فقال: هيه وأريه إن كنت من الصادقين، ثم قال: يا أيتها الحوت، قال: فاطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله، فقال: من أنت؟ قال: أنا حوت يونس يا سيدي، قال: أنبئنا بالخبر، قال: يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبيا من آدم إلى أن صار جدك محمد ﵌ إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الأنبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها وتمنع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية،

стр. 183

وما لقي نوح من الغرق، وما لقي إبراهيم من النار، وما لقي يوسف من الجب، وما لقي أيوب من البلاء، وما لقي داود من الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه: أن يا يونس تول أمير المؤمنين عليا ﵇ والأئمة الراشدين من صلبه - في كلام له - قال: فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه؟ وذهب مغتاظا، فأوحى الله إلى: أن التقمي يونس ولا توهني له عظما، فمكث في بطني أربعين صباحا يطوف معي البحار في ظلمات ثلاث ينادي «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» قد قبلت ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة الراشدين من ولده، فلما أن آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر، فقال زين العابدين ﵇: ارجع أيها الحوت إلى وكرك واستوى الماء (١). قلت: لا يخفى عليك عزيزي القارئ ما في هذا الحديث من كوارث، منها: ١ - طَعْنُ راوي هذا الحديث بالأنبياء جميعاً، وإتهامهم بأنهم يخالفون أمر الله ويتكبرون عن الانصياع لحكمه. ٢ - الغلو الواضح في سيدنا علي ﵁ وأرضاه، فزَعم الراوي أن الخلْق لم يُخلقوا إلا لولايته، وامتحانهم إنَّما يكون في هذا، وطبعاً في هذه الرواية أثبت الراوي فشل الأنبياء في هذا الامتحان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 184

٣ - إنَّ الله سبحانه يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، وعبادة الله جلَّ وعلا لم يعتبرها الراوي بل همَّشها ولم يذكرها، وأحلَّ الولاية بدلاً منها، وما أنزل الله تعالى بهذا من سلطان، وعلى هذا القول فانَّ الولاية هي التي كانت سبباً في إهلاك قوم نوح وقوم لوط وقوم عاد وغيرهم، فإنهم قد جحدوا بها، فإن كان الأنبياء مأمورين بالاعتقاد بها فغيرهم أيضا مأمور بهذا من باب أولى، وافترى الراوي نفسه حديثا آخر على لسان «الباقر» بهذا المعنى صراحةً فقد روى الصفار في بصائر الدرجات بسنده إلى الثمالي أن الإمام الباقر قال: «ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبيا قط إلا بها» (٢)، وقد لقيت هذه الافتراءات صدىً عند الكثيرين ومنهم «المازندراني» الذي قال في شرح كتاب «الكافي» ما نصّه: «... لأنّا نقول هذا الوعيد ونحوه من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة، ليس إلا لمن أنكر ولاية علي ﵇، لأنا قد ذكرنا في تضاعيف الروايات أنه لا يدخل النار إلا من أنكر ولايته» (٣)، إذاً فقوم نوح وعاد وغيرهم مؤمنون بالله وراضون به ولكنَّهم جحدوا الولاية فأُهْلِكوا!، وفي هذا ظلمٌ بالغٌ لهم، حيث أن الأنبياء قد جحدوا بها قبلهم، مع ما لديهم من يقينٍ بالله، ومع الوحي الذي يساندهم، فكيف يلامُ هؤلاء الأقوام ولا وحيَ يأتيهم؟.

стр. 185

ثم يبقى سؤال مهم في هذا الموضوع، هل عُرِضَت الولاية على رسول الله محمد ﵌؟، وهل آمن بها وكان متبعاً لهدي الأئمَّة متولياً لهم أم لا؟ فإن قيل نعم فينبغي أن يكون نبينا تابعاً لا متبوعاً!، وإن قيل لا، يكون نبينا لم يُكمل الركن الأهم من الإيمان، ويكون أبو حمزة الثمالي وأضرابه أتمَّ منه إيماناً والعياذ بالله من هذه الزندقة وهذا الابتداع. ٤ - وأخيراً يتبادر إلى الذهن سؤال حول عُمُرِ حوت سيدنا يونس ﵇ وبقائه إلى عهد «زين العابدين»، وهذا يعني بقاءه مئات السنين، وهذا غير مقبول عقلا ولا نقلا، ولكن بعض الناس أولعوا بالخرافات والخوارق غير المبرَّرة. الحديث الثالث: عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لنا علي بن الحسين ﵇: أي البقاع أفضل؟ فقلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم فقال: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلاً عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان، ثم لقي الله بغير ولايتنا، لم ينفعه ذلك شيئا (١). قلت: الإيمان بالله سبحانه واحداً أحداً صمداً، والإيمان برسله صلوات الله وسلامه عليهم، وعبادته والإخلاص له طول العمر واتِّباع كل ما أمر الله تعالى به في كتابه لا ينجو به العبد ولا يكفيه هذا، إلَّا أن يأتي بالولاية التي ليس لها ذكر أبداً بهذا

стр. 186

المفهوم في كتاب الله، هل يقول بهذا الكلام عاقل؟ وكيف يعقل أن يكون للولاية هذا الثِقَل ولا يكون لها ذكر -بهذا المفهوم- في كتاب الله؟ أليس في هذا ظلمٌ من الله لعباده والعياذ بالله؟ سبحانك ربِّ هذا بهتان عظيم. وخير الكلام في هذا قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١). نعم قد جاءنا الهدى وهو كلام ربنا جلَّ شأنه وكل ما سوى كلام ربنا وكلام نبيه المصطفى الثابت الصحيح عنه، إنَّما هو ظن لا دليل عليه، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. الحديث الرابع: عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: «لكن الله يشهد بما أنزل إليك في علي أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً» قال: وسمعته يقول: نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا «إنّ الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً» إلى قوله «يسيراً» ثم قال: «يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم في ولاية علي فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا بولايته فإنّ لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله عليماً حكيماً» (٢).

стр. 187

طبعاً قوله «نزل بها جبرائيل هكذا» يعني أن ما نقرأه هو خلاف ما نزل به جبرائيل، أي أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو القرآن الكامل الذي نزل به جبريل ﵇!، إنّ الآيات التي ذكرت في الرواية السابقة ليس في شيء منها ذكر (علي) أو (ولاية علي) أو (آل محمد) وإيراد الآيات الصحيحة هو أبلغ رد على مثل هذه الترهات: أ- قال تعالى: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً﴾ (١). ب- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ (٢). ج- ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٣). ٢ - جابر بن يزيد بن الحارث (الجعفي) الكوفي ت (١٢٧ هـ): قال يحيى بن يعلى المحاربي: قيل لزائدة: ثلاثة لا تروي عنهم، لم لا تروي عنهم؟ ابن أبي ليلى، وجابر الجعفي، والكلبي؟ قال: أما جابر الجعفي فكان والله كذاباً يؤمن بالرجعة. وقال يحيى بن معين: لم يدع جابراً ممن رآه إلا زائدة، وكان جابر كذاباً.

стр. 188

وقال في موضع آخر: لا يكتب حديثه، ولا كرامة. وقال أبو حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلّاجاءني فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث عن رسول الله ﵌ لم يظهرها. وقال عمرو بن علي: كان يحيى و عبد الرحمن لا يحدِّثان عنه، كان عبد الرحمن يحدثنا عنه، قبل ذلك، ثم تركه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، و لا يكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث (١). وقال سلام بن أبي مطيع: قال لي جابر الجعفي: عندي خمسون ألف باب من العلم ما حدثت به أحداً. فأتيت أيوب، فذكرت هذا له، فقال: أما الآن فهو كذّاب. وقال ثعلبة: أردت جابراً الجعفي، فقال لي ليث بن أبي سُليم: لا تأته فإنه كذاب. قال جرير: لا أستحل أن أروى عنه، كان يؤمن بالرجعة. وقال أبو داود: ليس عندي بالقوي في حديثه. وقال أبو الأحوص: كنت إذا مررت بجابر الجعفي سألت ربى العافية.

стр. 189

وقال الشافعي: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت من جابر الجعفي كلاماً فبادرت، خفت أن يقع علينا السقف. قال سفيان: كان يؤمن بالرجعة. وقال إبراهيم الجوزجاني: كذاب. وقال ابن سعد: كان يدلِّس، و كان ضعيفاً جداً في رأيه وروايته. وقال العقيلي في «الضعفاء»: كذَّبه سعيد بن جبير. وقال السَّاجي في «الضعفاء»: كذَّبه ابن عيينة. وقال الميموني: قلت لأحمد بن خداش: أكان جابر يكذب؟ قال: أي والله، وذاك في حديثه بيِّن. وقال الشعبي لجابر ولداود بن يزيد: لوكان لي عليكما سلطان، ثم لم أجد إلا الإبر، لشككتكما بها (١). قلت: مما يثير العجب أن هذا الراوي الذي روى سبعين ألف (٧٠٠٠٠) رواية على لسان «الباقر»، وروى مئة وأربعين ألف (١٤٠٠٠٠) رواية على لسان «الصادق»، لم يكن مقيماً عند «الباقر» أو «الصادق» رضوان الله تعالى عليهما، بل هناك رواية على لسان «الصادق» رضوان الله تعالى عليه تنفي مصاحبة جابر لأبيه وأخذه عنه، كما تنفي دخوله على «الصادق» أصلاً!، فعن زرارة، قال:

стр. 190

«سألت أبا عبد الله ﵇ عن أحاديث جابر؟ فقال: ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة وما دخل علي قط» (١). ولا يخفى عليك عزيزي القارئ أنَّ رواية هذا العدد الهائل من الأحاديث يستلزم بقاءه بجوار شيوخه لا أن يكون بعيداً عنهم إلَّا في حال افترضنا وجود أقمار صناعية في أيام الجعفي تمَكِّنه من الاتصال بالأئمة!. ولقد صدق الإمام جعفر «الصادق» وهو يصور حال محترفي الكذب على آل البيت كجابر الجعفي وأمثاله قائلا: «إن ممن ينتحل هذا الأمر - يعني محبتهم وموالاتهم- ليكذب حتى يحتاج الشيطان إلى كذبه» (٢). واليك عزيزي القارئ طرفاً من أخباره التي وضعها على أئمَّة الهدى: الحديث الأول: عن جابر، عن أبي جعفر ﵇ أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء (٣). الحديث الثاني: عن جابر أيضاً قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبي طالب ﵇ والأئمة من بعده ﵈ (٤).

стр. 191

قلت: هذا تابعٌ لمسلسل الطعون في كتاب الله من جانب هؤلاء الرواة عليهم من الله ما يستحقون، القرآن الذي بين أيدينا جمعه أبو بكر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، وليس بين أيدينا أي قرآن آخر جمعه الأئمة من آل البيت، فهل معنى هذا أن كتابنا محرف؟ وهل يقول بهذا مسلم؟. الحديث الثالث: عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر ﵇ قال: من لبس نعلا صفراء لم يزل ينظر في سرور ما دامت عليه لأنَّ الله يقول: «صفراء فاقع لونها تسر الناظرين» (١). قلت: سبحان الله ما هذا العبث في دين الله؟، أيعقل أن يصدر مثل هذا القول عن أئمة أهل البيت؟ لاوالذي رفع السماء وبسط الأرض، ما يصدر عنهم مثل هذه الأقوال، وهم بلا ريب براءٌ من هذا التلاعب بدين الله ومن الاستخفاف بالآيات وتنزيلها على غير منزلها وتحميلها ما لا تحتمل. الحديث الرابع: وعن جابر، عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵇ يوما فقال: أنا دابّة الأرض (٢). قلت: معاذ الله أن يقول سيدنا علي ﵁ ذلك، وهل هنالك طعن بعلي بن أبي طالب يفوق هذا، أعليٌّ دابَّة؟!، هل يتصور أحد أن قائل هذا القول يمكن أن يكون محباًّ لسيدنا علي بن أبي طالب؟.

стр. 192

٣ - إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ت (١٨٤) هـ: قال يحيى بن سعيد القطان: سألت مالكاً عنه: أكان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه. وقال أحمد بن حنبل: كان قدريًّا معتزليًّا جهميًّا، كل بلاءٍ فيه. و قال أيضاً: لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه كان يروي أحاديث منكرة، لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس يضعها في كتبه. و قال بشر بن المفضل: سألت فقهاء أهل المدينة عنه، فكلهم يقولون: كذاب أو نحو هذا. و قال يحيى بن سعيد: كذَّاب. و قال أبو حفص أحمد بن محمد الصفار: سمعت يزيد بن زريع ـ وقد رأى إبراهيم بن أبي يحيى يحدث ـ فقال: لو ظهر لهم الشيطان لكتبوا عنه. و قال البخاري: جهمي تركه ابن المبارك و الناس. كان يرى القدر. و قال يحيى بن معين: ليس بثقة. و قال أحمد بن سعد بن أبي مريم: قلت ليحيى بن معين: فابن أبي يحيى؟ قال: كَذَّاب في كل ما روى. و قال النسائي: متروك الحديث.

стр. 193

و قال في موضع آخر: ليس بثقة، و لا يكتب حديثه (١). من رواياته: الحديث الأول: عن إبراهيم عن المغيرة قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لما رأوا علياً عند الحوض مع رسول الله ﵌ ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ باسمه تسميتم أمير المؤمنين أنفسكم (٢). قلت: إن الآيات التي ينسب إبراهيم هذا تفسيرها للباقر رضوان الله تعالى عليه في سورة الملك يخاطب الله تعالى فيها الكفار فيقول سبحانه: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ (٣). ثمَّ تواصل الآيات تقريع الكفار، وتوعدهم بجهنَّم وعذابها إلى أن يقول ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢٦﴾ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٨﴾﴾ (٤).

стр. 194

ولا يمكن قطعاً تأويل الآيات بالمعنى الذي يورده هذا الراوي إلا بحالة واحدة، وهي القول بأنَّ عليا رضي الله تعالى عنه هو عذاب جهنَّم الذي كفر به وأنكره هؤلاء المجرمون فأي طعن بعلي أكبر من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله. إنّ طريقة قطع الآيات وفصلها عن سياقها ثم تفسيرها بما يوافق الهوى، طريقة متبعة ومعروفة يستغلها أصحاب الهوى في التلبيس والتدليس على العامة وعلى من لا يقرأ القرآن لجهله بالسياق، وفي ذلك أمثله كثيرة لا مجال لحصرها. ٤ - ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة الكوفي: قال سفيان الثوري: كان ثوير من أركان الكذب. و قال يحيى بن معين: ليس بشيء. و قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ضعيف الحديث. و قال أبو زرعة: ليس بذاك القوي. و قال أبو حاتم: ضعيف، مقارب لهلال بن خباب، و حكيم بن جبير. و قال النسائي: ليس بثقة. و قال الدارقطني: متروك (١).

стр. 195

أمثلة على كذبه: الحديث الأول: روى ابن حمزة الطوسي في الثاقب من المناقب: عن ثوير بن سعيد بن علاقة، قال: دخل محمد بن الحنفية ﵁ على سيد العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليهما فرفع يده فلطمه، وهو في عينه صغير، ثم قال: أنت الذي تدعي الإمامة؟! فقال له علي بن الحسين صلوات الله عليه: «اتق الله، ولا تدعين ما ليس لك». فقال: هي والله لي، فقال له علي بن الحسين: «قم بنا نأتي المقابر حتى يتبين لي ولك». فذهبا حتى انتهيا إلى قبر طري فقال له: «هذا ميت قريب العهد بالموت، فادعه واسأله عن خبرك، فإن كنت إماماً أجابك، وإلا دعوته فأخبرني». فقال له: أو تفعل ذلك؟! قال: نعم، فقال له محمد بن الحنفية: فلا أستطيع أن أفعل ذلك، قال: فدعا الله تعالى علي بن الحسين ﵉ بما أراد، ثم دعا صاحب القبر فخرج ينفض التراب عن رأسه وهو يقول: الحق لعلي بن الحسين دونك، قال: فأقبل محمد بن الحنفية وانكب على رجل علي بن الحسين يقبلها، ويلوذ به، ويقول: استغفر لي (١). لأقول: أين من يدعي حب آل البيت؟ أليس محمد بن الحنفية من آل البيت؟ أليس هو ولد علي بن أبي طالب؟ لماذا هذا التنقيص من قدره؟ وكيف يمدح البعض ثوير وأضرابه ويدّعون أنهم من أتباع أهل البيت في الوقت ذاته الذي يُطعن فيه بابن علي وأخي الحسن والحسين؟ ثم ما هذا المنصب الذي يقتتل عليه أئمة آل البيت

стр. 196

ويتناحرون فيما بينهم عليه؟ أهو منصب ديني أم دنيوي؟ إن كان دنيويا فهم أجَلُّ من أن يقتتلوا على دنيا، وإن كان دينيا فهم أجَلُّ من أن يُخالفوا أمر الله، ثم أين هذه الإمامة والوصاية في كتاب الله؟، كيف يكون لها هذا القدر وتكون آيتها إحياء الموتى (١) ولا يكون لها ذكر في كتاب الله؟، ثم أيعجز أئمة آل البيت عن الاستدلال على حقهم بالإمامة من كتاب الله ومن سنة المصطفى حتى يحتجوا بشهادة الميت؟، لا أقول إلا حدث العاقل بما لا يليق، فإن لاق له فلا عقل له. ٥ - حمران بن أعين (الكوفي): قال يحيى بن معين: ليس بشيء (٢). وقال أيضا: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة (٣). وقال عنه ابن حجر: ضعيف (٤).

стр. 197

ولقد ورد في حق حمران هذا، أنه من قرَّاء القرآن، وأن حمزة الكسائي قد قرأ عليه، وقد يحتج بهذا جماعة ويظنون أن في ذلك ما يثبت وثاقته وحسن روايته فكيف لا نأخذ الحديث عنه؟ فأقول حمران بن أعين كان قارئاً متقنًا للقرآن، ولكن هناك فرق كبير بين قراءة وحفظ القرآن وبين رواية الحديث، وذلك لأنّ القرآن لا يستطيع أحد أن يتلاعب فيه أو أن يغير في لفظه، فقد تكفل الله تعالى بحفظه وقيَّض لذلك خير القرون بعد الأنبياء، فلو حاول أي إنسان التلاعب بآيات القرآن أو خلط إنسان في حفظه لسهل كشفه وذلك لتواتر نقله لفظاً ومعنى، فالحذر في أخذ القرآن عن شخص لا يقارَن بحذرنا في أخذ الحديث وذلك لاستحالة التغيير والتبديل في كتاب الله. إننا لنجد من العلماء الثقات الأثبات من يبرع في فنٍّ معين من فنون العلم فنجد فقيهاً محنكاً ولكنَّه لا يحسن فن الحديث أو تجد محدِّثاً لا يُتقن القراءات واختلافها وأسانيدها، وقد تجد رجلاً بارعاً في علم القراءات متبحراً فيه حافظاً لآلاف الأبيات كمتن الشاطبية وغيره، وتجده عالماً بأسانيد القرآن ومعرفة أئمته ولكن إن ناقشته في حديث فلعله تخبَّط في الإسناد أو ربما خَلط في المتن وهذا في الثقات العدول الأثبات فكيف بأمثال حمران بن أعين من الضعاف والمتروكين؟!. لقد روي عن «الباقر» تصنيفه للقراء على ثلاث مراتب فقال: «قراء القرآن ثلاثة: رجل قرأ القرآن فاتخذه بضاعة، واستجر به الملوك، واستطال به على الناس،

стр. 198

ورجل قرأ القرآن، فحفظ حروفه وضيع حدوده ورجل قرأ القرآن، فوضع دواء القرآن على داء قلبه واسهر به ليله واظمأ به نهاره وقام به في مساجده، وتجافى به عن فراشه، فبأولئك يدفع الله تعالى البلاء، وبأولئك يديل الله من الأعداء، وبذلك ينزل الغيث من السماء، والله لهؤلاء في قراء القرآن أعز من الكبريت الأحمر» (١). فلا يلزم كون الإنسان قارئا للقرآن، أن يكون تقيَّاً مخلصاً، فقد يكون ممن يطلبون الدنيا بقراءتهم لكتاب الله، وقد يقرأ القرآن ولا يعمل بما فيه. وسنتأمل الآن معا في بعض رواياته لنعلم حال هذا الراوي: الحديث الأول: روى الكليني في الكافي بسنده عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفرعليه السلام: جعلت فداك ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة قال حمران: فقلت: جعلت فداك ما حال عمار؟ قال: رحم الله عمارا أبا اليقظان بايع وقتل شهيدا فقلت في نفسي: ما شيء أفضل من الشهادة؟ فنظر إلي فقال: لعلك ترى أنه مثل الثلاثة أيهات أيهات (٢). قلت: انظر إلى هذه الرواية الخطيرة التي ينسب فيها حمران المهاجرين والأنصار إلى الكفر. ومن هم المهاجرون والأنصار؟

стр. 199

هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢). وقال جلَّ شأنه: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٠﴾﴾ (٣). إنّ الله تعالى يمدح المهاجرين والأنصار في هذه الآيات الكريمة بينما يأتي حمران بن أعين ليفتري عليهم وينسب لهم الردة، وغير خافٍ عنك- عزيزي القارئ- ما

стр. 200

يعنيه القول بردة المهاجرين والأنصار بعد رسول الله ﵌ فإن الصحابة هم نقلة هذا الدين، والطعن في النقلة يفضي إلى الطعن بما نقلوه. الحديث الثاني: ويروي الكليني أيضا عن حمران بن أعين، عن جعيد الهمداني عن علي بن الحسين ﵉ قال: سألته: بأي حكم تحكمون؟ قال: حكم آل داود فإن أعيانا شيء تلقانا به روح القدس (١). قلت: إنَّ حمران لينسب إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وآله تركهم لشريعة النبي صلوات الله وسلامه عليه واستبدالهم إياها بما يحكم به اليهود، ولنا أن نتساءل أشريعة محمد ﵌ قاصرة حتى ينبذها أئمة آل البيت ويحكموا بحكم آل داود؟ والله ما تصدر هذه الأقوال من إنسان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولا يمكن أن تصدر من أئمة أهل البيت، وللإمعان في الطعن بدين الله ادّعى أنّّ روح القدس يتلقاهم بالوحي، فأي فرق بينهم وبين النبي ﵌؟ لقد قال الله تعالى في كتابه الكريم عن نبيّه صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (٢). فهو ﵌ بشر، وإنما خصَّه الله بالنبوة والرسالة، فهو ﵊ خاتم النبيين والمرسلين، فلا نبي بعده وبموته انقطع وحي السماء

стр. 201

لكن حرمان وأمثاله من الغلاة أبوا إلا الغلو الفاحش فنسبوا للأئمة تلقي الوحي من الروح القدس، أيريدون بذلك أن ينسبوا للأئمة النبوة؟ هي معادلة صعبة لا يقدر حمران وأشياعه على الخروج منها، فكلما حاولوا نفي الغلو عنهم بدا ذلك في أقوالهم وأفعالهم. ٦ - بريد بن معاوية بن أبي حكيم الكوفي ت (١٥٠) هـ: أما بريد هذا فلم أقف على ترجمة وافية له في كتب الجرح والتعديل المعتبرة، لكن حاله لا يختلف كثيرا عن حال من سبقه فقد قال فيه «الصادق» ﵁: «لعن الله بريداً ولعن الله زرارة» (١). وقال أيضا: «هلك المتريسون (٢) في أديانهم، منهم: زرارة، وبريد، ومحمد بن مسلم، وإسماعيل الجعفي...» (٣). وروى عبد الرحيم القصير عن جعفر «الصادق» ﵁ أنه قال: إئت زرارة وبريداً، وقل لهما ما هذه البدعة أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل بدعة ضلالة؟ فقلت له: إني أخاف منهما فأرسل معي ليثا المرادي، فأتينا زرارة

стр. 202

فقلنا له ما قال أبو عبد الله ﵇، فقال: والله لقد أعطاني الاستطاعة، وما شعر وأمّا بريد، فقال: والله لا أرجع عنها أبدا (١). ولنتأمل معاً بعض الروايات الصادرة عن بريد بن معاوية: الحديث الأول: روى الكليني بسنده عن بريد بن معاوية عن أبي عبد الله ﵇ قال: أتى النبي ﵌ رجل فقال: يا رسول الله إني أحمل أعظم ما يحمل الرجال، فهل يصلح لي أن آتي بعض مالي من البهائم ناقة أو حمارة فإن النساء لا يقوين على ما عندي؟ فقال رسول الله ﵌: إن الله ﵎ لم يخلقك حتى خلق لك ما يحتملك من شكلك فانصرف الرجل ولم يلبث أن عاد إلى رسول الله ﵌ فقال له مثل مقالته في أول مرة فقال له رسول الله: فأين أنت من السوداء العنطنطة قال: فانصرف الرجل فلم يلبث أن عاد فقال: يا رسول الله أشهد أنك رسول الله حقاً، إني طلبت ما أمرتني به فوقعت على شكلي مما يحتملني وقد أقنعني ذلك (٢). قلت: أبهذا تثبت نبوة نبينا محمد ﵌ عند هذا وأمثاله؟ أعوذ بالله من قلة العقل وسوء الأدب. الحديث الثاني: وروى الكليني بسنده أيضا عن بريد بن معاوية قال: «سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج فبعث إلى

стр. 203

رجل من قريش فأتاه فقال له يزيد: أتقر لي أنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك فقال له الرجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم مني في قريش حسبا ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهلية والإسلام وما أنت بأفضل مني في الدين ولا بخير مني فكيف أقر لك بما سألت؟ فقال له يزيد: إن لم تقر لي والله قتلتك، فقال له الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي ﵉ ابن رسول الله ﵌ فأمر به فقتل، ثم أرسل إلى علي بن الحسين ﵉ فقال له مثل مقالته للقرشي فقال له علي بن الحسين ﵉: أرأيت إن لم أقر لك أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس؟ فقال له يزيد لعنه الله: بلى فقال له علي بن الحسين ﵉: قد أقررت لك بما سألت أنا عبد مكره فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع فقال له يزيد: أولى لك حقنت دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك» (١). قلت: لا أعلم حقيقة ما سبب إصرار هذا وأمثاله على تصوير آل بيت النبي بأنهم كانوا أذلَّة محتقرين لا حول لهم ولا قوة، فبدأوا بحيدرة ليث الحروب الشجاع المقدام رضوان الله تعالى عليه، فصوروه بأنه كان ذليلاً خانعاً تُضرب زوجته وتُغتصب ابنته وهو مستكين خانع، ثم تابعوا ذلك مع الحسن والحسين وأبنائهم فيأتي بهذه الرواية ويصور ذُلَّ علي بن الحسين- وحاشاه- ويصل الأمر به إلى أن يقول ليزيد «أنا عبدٌ مكره إن شئت فأمسك وإن شئت فبع»!.

стр. 204

لا والله ما تصدر هذه الأقوال عن سادة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم، ووالله لئن يُقتلوا أحبُّ إليهم من ساعةِ ذلٍّ واحدة، والغريب أنّ بريداً هذا وأمثاله ممن يروون هذه الأحاديث عن آل بيت النبي ويدَّعون حبهم، يستنكفون ويأنفون أن تُنسب هذه المواقف إليهم ولكن لا يجدون حرجاً في نسبة هذا الذل لأهل البيت رضوان الله تعالى عليهم فهل هذا حبٌّ لآل البيت أم بغض؟ أترك لك الجواب عزيزي القارئ. الحديث الثالث: روى الصفار بإسناده عن بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا جعفرعليه السلام عن قول الله ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ﴾، قال: أنزلت في هذه الأمة والرجال هم الأئمة ﵈ من آل محمد ﵌ قلت: فالأعراف؟ قال: صراط بين الجنة والنار، فمن شفع له الإمام من المؤمنين المذنبين نجى ومن لم يشفع له هوى (١). أقول: لا يحتاج المتصفح لكتاب الله أن يتجشم مشقة معرفة (أصحاب الأعراف) فهم رجال تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فأوقفهم الله سبحانه على الأعراف بانتظار الفصل في أمرهم، فهم ينظرون تارةً إلى أصحاب الجنة فيسألون الله تعالى أن يرزقهم دخولها، وتارةً أخرى ينظرون إلى النار فيتعوذون بالله من شرها.

стр. 205

فهل من يصف أئمة الهدى من أهل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليهم بأنهم أصحاب الأعراف محب لهم أم مبغض؟ سبحان من جمع فيهم الكذب والجهل. الحديث الرابع: روى الكليني بسنده عن بريد بن معاوية قال: كنت عند أبي جعفر ﵇ في فسطاط له بمنى فنظر إلى زياد الأسود منقلع الرجل فرثى له فقال له: ما لرجليك هكذا؟ قال: جئت على بكر لي نضو فكنت أمشي عنه عامة الطريق، فرثا له وقال له عند ذلك زياد: إني ألم بالذنوب حتى إذا ظننت أني قد هلكت ذكرت حبكم فرجوت النجاة وتجلى عني، فقال أبو جعفر «﵇»: وهل الدين إلا الحب؟ قال الله تعالى: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقال: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ وقال: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ إن رجلا أتى النبي «﵌» فقال: يا رسول الله أحب المصلين ولا أصلي وأحب الصوامين ولا أصوم؟ فقال له رسول الله «﵌»: أنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت وقال: ما تبغون وما تريدون أما إنها لو كان فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم وفزعنا إلى نبينا وفزعتم إلينا (١). قلت: راوي هذا الحديث يفتري على أئمّة آل البيت ثمّ يروي ما يحبط هذا الافتراء، فهو يقصد بهذا الحديث أن يدلِّل على أنَّ من يحب النبي وآل بيته صلوات الله وسلامه عليهم لا يضرُّه شيء وإن لم يقم بأركان هذا الدين، وهي معادلة خطيرة

стр. 206

غرضها إبعاد الناس عن الدين، فلماذا أُتْعِبُ نفسي بصلاةٍ وزكاةٍ وحجٍّ وصيامٍ وأتقيَّد بأحكام هذا الدين إن كان حبُّ النبيِّ ﵌ يكفيني، لاحظ كيف يحاولون جاهدين إبعاد الناس عن دين الله وتسفيه أركانه، فلا حاجة لها أصلاً، وأمر الله سبحانه بها إنما هو من لغط القول، فيكفي الإنسان الحبّ ليجاور النبي ﵌، وإن لم يقم بأي من واجبات الدين وهذا ما يريده بريد ومن هم على شاكلته، وفي هذا الحديث يروي آية تهدم أركان هذا الحديث وهذه الكذبة، وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١). فإنّ الله سبحانه قد قيّد محبته بالاتِّباع، وهذا هو مصداق الحب، أما من يدعي حبَّ الله وحبَّ نبيِّه صلوات الله وسلامه عليه وحبَّ الصالحين، وهو أبعد ما يكون عن اتِّباعهم، فهذا كذَّابٌ مفتر، ولن ينفعه حبُّه هذا قيد أنمله، وقد أبطل الإمام «الباقر» هذا الادِّعاء بقوله: «لاقرابة بيننا وبين الله ، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له» وقال أيضاً: «من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا ومن عصى الله لم ينفعه حبنا» (٢)، وقال رضي الله تعالى عنه: «حسب الرجل أن يقول أُحب عليَّاً وأتولَّاه ثم لا يكون مع ذلك فعَّالاً فلو قال إني أحبُّ رسول الله، فرسول الله ﵌ خير من علي صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل

стр. 207

بسنته، ما نفعه حبُّه شيئاً فاتقوا واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله اتقاهم وأعملهم بطاعته..» (١). الحديث الخامس: روى الحر العاملي بسنده عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي عبد الله - «الصادق» ﵇ قال: كل عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته، ثم مَنّ الله عليه وعرفه الولاية، فإنه يؤجر عليه، إلا الزكاة فإنه يعيدها، لأنه وضعها في غير موضعها، لأنها لأهل الولاية، وأما الصلاة، والحج والصيام فليس عليه قضاء (٢). قلت: وضَّحت هذه الرواية الغرض من الوَضْع والتَقَوُّل على أئمَّة الهدى من أهل البيت، وهو طلب الدنيا فقط، فهم ليسوا بطلَّاب حقٍّ ولا بطلَّاب دين، ولاحظ معي أيها القارئ اهتمام هؤلاء الغلاة بالمال، وكيف أنهم لا يعذرون مخالفيهم فيه حتى إنّ عباداته التي سبقت هدايته المزعومة كلها لا قضاء فيها باستثناء الأموال التي تدفع للوكلاء في غيبة الإمام!. ٧ - زياد بن المنذر الهمداني أبو الجارود الأعمى الكوفي ت (بعد ١٥٠ هـ): قال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، وضعَّفه جدا. وقال يحيى بن معين: كذَّاب عدو الله، ليس يسوى فلساً. وقال البخاري: يتكلمون فيه.

стр. 208

وقال النسائي: متروك. وقال في موضع آخر: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: ضعيف (١). قال يحيى بن يحيى النيسابوري: يضع الحديث. وقال ابن عبد البر: اتَّفقوا على أنه ضعيف الحديث منكره، ونسبه بعضهم إلى الكذب (٢). وقد وردت أحاديث كثيرة في ذمِّه على لسان الأئمة، منها ما رواه الطوسي عن أبي بصير، قال: كنا عند أبي عبد الله ﵇ فمرت بنا جارية معها قمقم فقلبته، فقال أبو عبد الله ﵇: إنّ الله قد قلب قلب أبي الجارود، كما قلبت هذه الجارية هذا القمقم، فما ذنبي؟! (٣). وعن أبي أسامة، قال: قال لي أبو عبد الله ﵇: ما فعل أبو الجارود؟ أما والله لا يموت إلا تائهاً (٤). وعن أبي بصير، قال: ذكر أبو عبد الله ﵇ كثير النواء وسالم بن أبي حفصة وأبا الجارود، فقال: كذّابون مُكذِّبون كفار عليهم لعنة الله، قال قلت: جعلت

стр. 209

فداك كذابون قد عرفتهم فما معنى مكذِّبون؟ قال: كذَّابون يأتونا فيخبرونا أنهم يصدقونا وليسوا كذلك، ويسمعون حديثنا فيكذِّبون به (١). ٨ - سديف بن ميمون المكي: كان من الغلاة الكذَّابين، وقُتل في عهد المنصور (٢)، وأشهر رواياته هي ما يرويها ابن بابويه القمي بسنده عن سديف المكي أنه قال: حدثني محمد بن علي «الباقر» ﵇ وما رأيت محمدياً قط يعدله، قال: حدثنا جابر بن عبد الله الأنصاري (٣) قال: خطبنا رسول الله «صلى الله عليه وآله»، فقال: أيها الناس، من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يوم القيامة يهوديا، قال: قلت: يا رسول الله، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم؟ فقال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم (٤). ويزعمون أنّ «الصادق» رضي الله تعالى عنه قال: «ما كنت أظن أن هذا الحديث يخرج من أبي إلى أحد»!!. قلت: لا أدري ما سبب ولعهم بتصوير أهل البيت على أنهم تنظيم سرِّي يكتمون شعائرهم ودينهم عن الملأ، وتصوير الدِّين وكأنّه محصورٌ بهم مع أن الله تعالى

стр. 210

قد أمر رسوله بتبليغ الدِّين لجميع البشر ولم يفرق بين أحد، فهل يظن عاقل أن الرسول إنما بعث ليبلغ الدين لآل البيت، ثم يقوم آل البيت بكتمان هذا الدين وعدم إذاعته؟، إن أقل ما يقال في هذا أنه عبث. فإن رسولنا صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله قد بُعث للأمة جمعاء، وبلَّغ كل ما أمره به الله سبحانه، ولم يَخص أحداً بعلم مطلقاً بل هو رحمةٌ لجميع الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الاعتقادات نابعة من هؤلاء الرواة بعدما تأثَّروا من نبذ الناس لهم لكذبهم ولفساد معتقدهم، فحاولوا أن يصوِّروا للجهلة أنَّهم متبعون لآل البيت وأنَّ هذا هو حال أهل البيت، وللأسف نجد الكثيرين ممن تنطلي عليهم هذه الألاعيب نعوذ بالله من الخذلان. ٩ - كثير بن إسماعيل النواء، أبو إسماعيل التيمي الكوفي: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث بابه سعد بن طريف. وقال الجوزجاني: زائغ. وقال النسائي: ضعيف، وقال في موضع آخر: فيه نظر (١). ويروى أيضا أنه قد رجع عن الغلو وفساد المذهب قبل موته (٢)، والله تعالى أعلم بحاله.

стр. 211

١٠ - إبراهيم بن نعيم «أبو الصباح الكناني الكوفي»: هو واحد من الذين ادَّعوا صحبة «الباقر» رضي الله تعالى عنه واتِّباعه، ولم أعثر له على ترجمة وافية في كتب الرجال المعتبرة، ولكني تتبعت بعض أحاديثه، ووجدت بأنه نسخة مكررة لمن سبقه، وقد ورد ذمُّه على لسان أبي عبد الله «الصادق» رضي الله تعالى عنه. ومنها ما رواه الطوسي بسنده عن بريد العجلي قال: كنت أنا وأبو صباح الكناني عند أبي عبد الله ﵇، فقال ﵇: كان أصحاب أبي والله خيرا منكم، كان أصحاب أبي ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه، فقال أبو صباح الكناني: جعلت فداك فنحن أصحاب أبيك، قال ﵇: كنتم يومئذ خيراً منكم اليوم (١). أقول: لا أدري كيف يمكن أن يثق الإنسان ويأخذ دينه من رواة ذمَّهم أهل البيت بروايات كثيرة جدا، بل كيف يمكن أن يثق الإنسان برواة هم في الحقيقة من المنحلين أخلاقيًّا!. وإليك هذه الرواية التي توضح حال هذا الراوي: الحديث الأول: روى المجلسي في بحاره عن أبي الصباح الكناني قال: صرت يوماً إلى باب أبي جعفر فقرعت الباب فخرجت إلي وصيفة ناهد فضربت بيدي على رأس

стр. 212

ثديها، فقلت لها: قولي لمولاك إني بالباب، فصاح من آخر الدار ادخل لا أم لك، فدخلت وقلت والله ما أردت ريبة ولا قصدت إلا زيادة في يقيني، فقال: صدقت لئن ظننتم أنّ هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم إذاً لا فرق بيننا وبينكم، فإياك أن تعاود لمثلها (١). قلت: بعيداً عن الحديث عن الكرامات والفروق بينها وبين (المعجزات) ودلائل النبوة، وبعيدا أيضا عن الغلو الفاحش في نسبة الخوارق لأئمة أهل البيت، فإن وصول الراوي إلى حد أن يمسّ إحدى إماء «الباقر» وواحدة من جواريه ويعتدي على حرمة هذا الإمام، ثم يأتي بعذرٍ أقبح من ذنب وهو إرادة الزيادة في اليقين! أي يقين يبتغي زيادته؟ إلّا إن كان هناك يقين في الفسق والفجور يسعى إلى زيادته، ثم لاحظ البرود في ردة فعل «الباقر» على هذه الإهانة، أهذه غيرة أئمة أهل البيت على نسائهم وإمائهم؟. إن غيرة الرجل على بيته من كمال رجولة المرء، بل من كمال دينه كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال: «يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟، قال رسول الله ﵌: نعم قال: كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال

стр. 213

رسول الله ﵌: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني» (١). وورد في الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه غيرته الشديدة على الزهراء ﵂ وأرضاها سيدة نساء العالمين، فيروى أنه دخل على الزهراء رضوان الله تعالى عنها، فوجدها تستاك، فأنشد قائلا: قد فزتَ يا عود الأراك بثغرها... ما خفت يا عود الأراك أراك لو كنت من أهل القتال قتلتك... ما فاز مني يا سواكُ سواكَ هذا حالهم وحال كل شريف، ثم يأتي هذا المدَّعي ويزعم أن ردَّ «الباقر» له لم يَعْدُ مجرد التوبيخ الهادئ على هذه الفعلة وقبوله ضيفاً عليه!. ١١ - المغيرة بن سعيد البجلي الكوفي: قال ابن عون حدثنا إبراهيم: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم فإنهما كذَّابان. وقال عبد الأعلى بن أبي المساور: سمعت المغيرة بن سعيد الكذَّاب يقول: إن الله يأمر بالعدل (علي) والإحسان (فاطمة) وإيتاء ذي القربى (الحسن والحسين) وينهى عن الفحشاء والمنكر قال (فلان أفحش الناس) والمنكر (فلان). وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كذَّاباً ساحراً.

стр. 214

وقال الجوزجاني: قتل المغيرة على إدعاء النبوة كان أسعر النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة حتى أجابه خلق. وقال الأعمش: جاءني المغيرة فلما صار على عتبة الباب وثب إلى البيت فقلت: ما شأنك؟، فقال: إنّ حيطانكم هذه لخبيثة ثم قال: طوبى لمن يروي من ماء الفرات فقلت: ولنا شراب غيره، قال: إنَّه يلقى فيه المحايض والجيف، قلت: من أين تشرب؟ قال: من بئر، قال الأعمش: فقلت: والله لأسألنَّه، فقلت: كان علي يُحيى الموتى؟ قال: أي والذي نفسي بيده لو شاء أحيى عاداً وثمود، قلت: من أين علمت ذلك؟ قال: أتيت بعض أهل البيت فسقاني شربةً من ماء فما بقي شيءٌ إلّا وقد علمته. وعن كثير النواء قال: سمعت أبا جعفر يقول: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبنان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت. وقال إبراهيم بن الحسن: دخل عليّ المغيرة بن سعيد وأنا شاب وكنت أشبه برسول الله ﵌ فذكر من قرابتي وشبهي وأمله فيّ ثم ذكر أبا بكر وعمر فلعنهما فقلت: يا عدو الله عندي؟ قال: فخنقته خنقاً حتى ادّلع لسانه. وقال الأعمش: أتاني المغيرة بن سعيد فذكر عليّاً وذكر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ففضّله عليهم ثم قال: كان علي بالبصرة فأتاه أعمى فمسح على عينيه فأبصر ثم قال له: أتحب أن ترى الكوفة؟ قال: نعم، فحُمِلت الكوفة إليه حتى نظر إليها ثم قال: لها ارجعي فرجعت، فقلت: سبحان الله، سبحان الله، فتركني وقام.

стр. 215

قال ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد في ما يُروى عنه من الزور عن علي هو دائم الكذب على أهل البيت ولا أعرف له حديثاً مسنداً (١). قلت: وأخباره وكذباته كثيرةٌ جداً، ومن المؤسف أن تجد هذه الكذبات صدىً عند الكثيرين، وينسبونها زوراً وبهتاناً لأهل البيت رضوان الله تعالى عليهم، وقد أورد الطوسي في «اختيار معرفة الرجال» أحاديث كثيرة في ذمه عن «الصادق» رضوان الله تعالى عليه منها: الحديث الأول: قال جعفر «الصادق» رضوان الله تعالى عليه: لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا (٢). قلت: إنّ ما ذكره جعفر «الصادق» عن نفسه وعن آبائه رضوان الله تعالى عليهم هو ما يقرره القرآن الكريم من كون العبودية لله تعالى وحده، كقوله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣).
следующие страницы →