← Тараджим

Тараджим · id 30277

الروض الناضر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر

بدر محمد باقر

Полный текст (336 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

١٠ - إبراهيم بن نعيم «أبو الصباح الكناني الكوفي»: هو واحد من الذين ادَّعوا صحبة «الباقر» رضي الله تعالى عنه واتِّباعه، ولم أعثر له على ترجمة وافية في كتب الرجال المعتبرة، ولكني تتبعت بعض أحاديثه، ووجدت بأنه نسخة مكررة لمن سبقه، وقد ورد ذمُّه على لسان أبي عبد الله «الصادق» رضي الله تعالى عنه. ومنها ما رواه الطوسي بسنده عن بريد العجلي قال: كنت أنا وأبو صباح الكناني عند أبي عبد الله ﵇، فقال ﵇: كان أصحاب أبي والله خيرا منكم، كان أصحاب أبي ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه، فقال أبو صباح الكناني: جعلت فداك فنحن أصحاب أبيك، قال ﵇: كنتم يومئذ خيراً منكم اليوم (١). أقول: لا أدري كيف يمكن أن يثق الإنسان ويأخذ دينه من رواة ذمَّهم أهل البيت بروايات كثيرة جدا، بل كيف يمكن أن يثق الإنسان برواة هم في الحقيقة من المنحلين أخلاقيًّا!. وإليك هذه الرواية التي توضح حال هذا الراوي: الحديث الأول: روى المجلسي في بحاره عن أبي الصباح الكناني قال: صرت يوماً إلى باب أبي جعفر فقرعت الباب فخرجت إلي وصيفة ناهد فضربت بيدي على رأس

стр. 212

ثديها، فقلت لها: قولي لمولاك إني بالباب، فصاح من آخر الدار ادخل لا أم لك، فدخلت وقلت والله ما أردت ريبة ولا قصدت إلا زيادة في يقيني، فقال: صدقت لئن ظننتم أنّ هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم إذاً لا فرق بيننا وبينكم، فإياك أن تعاود لمثلها (١). قلت: بعيداً عن الحديث عن الكرامات والفروق بينها وبين (المعجزات) ودلائل النبوة، وبعيدا أيضا عن الغلو الفاحش في نسبة الخوارق لأئمة أهل البيت، فإن وصول الراوي إلى حد أن يمسّ إحدى إماء «الباقر» وواحدة من جواريه ويعتدي على حرمة هذا الإمام، ثم يأتي بعذرٍ أقبح من ذنب وهو إرادة الزيادة في اليقين! أي يقين يبتغي زيادته؟ إلّا إن كان هناك يقين في الفسق والفجور يسعى إلى زيادته، ثم لاحظ البرود في ردة فعل «الباقر» على هذه الإهانة، أهذه غيرة أئمة أهل البيت على نسائهم وإمائهم؟. إن غيرة الرجل على بيته من كمال رجولة المرء، بل من كمال دينه كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن سعد بن عبادة ﵁ قال: «يا رسول الله لو وجدت مع أهلي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟، قال رسول الله ﵌: نعم قال: كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك قال

стр. 213

رسول الله ﵌: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني» (١). وورد في الأثر عن علي رضي الله تعالى عنه غيرته الشديدة على الزهراء ﵂ وأرضاها سيدة نساء العالمين، فيروى أنه دخل على الزهراء رضوان الله تعالى عنها، فوجدها تستاك، فأنشد قائلا: قد فزتَ يا عود الأراك بثغرها... ما خفت يا عود الأراك أراك لو كنت من أهل القتال قتلتك... ما فاز مني يا سواكُ سواكَ هذا حالهم وحال كل شريف، ثم يأتي هذا المدَّعي ويزعم أن ردَّ «الباقر» له لم يَعْدُ مجرد التوبيخ الهادئ على هذه الفعلة وقبوله ضيفاً عليه!. ١١ - المغيرة بن سعيد البجلي الكوفي: قال ابن عون حدثنا إبراهيم: إياكم والمغيرة بن سعيد وأبا عبد الرحيم فإنهما كذَّابان. وقال عبد الأعلى بن أبي المساور: سمعت المغيرة بن سعيد الكذَّاب يقول: إن الله يأمر بالعدل (علي) والإحسان (فاطمة) وإيتاء ذي القربى (الحسن والحسين) وينهى عن الفحشاء والمنكر قال (فلان أفحش الناس) والمنكر (فلان). وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كذَّاباً ساحراً.

стр. 214

وقال الجوزجاني: قتل المغيرة على إدعاء النبوة كان أسعر النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة حتى أجابه خلق. وقال الأعمش: جاءني المغيرة فلما صار على عتبة الباب وثب إلى البيت فقلت: ما شأنك؟، فقال: إنّ حيطانكم هذه لخبيثة ثم قال: طوبى لمن يروي من ماء الفرات فقلت: ولنا شراب غيره، قال: إنَّه يلقى فيه المحايض والجيف، قلت: من أين تشرب؟ قال: من بئر، قال الأعمش: فقلت: والله لأسألنَّه، فقلت: كان علي يُحيى الموتى؟ قال: أي والذي نفسي بيده لو شاء أحيى عاداً وثمود، قلت: من أين علمت ذلك؟ قال: أتيت بعض أهل البيت فسقاني شربةً من ماء فما بقي شيءٌ إلّا وقد علمته. وعن كثير النواء قال: سمعت أبا جعفر يقول: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبنان بن سمعان فإنهما كذبا علينا أهل البيت. وقال إبراهيم بن الحسن: دخل عليّ المغيرة بن سعيد وأنا شاب وكنت أشبه برسول الله ﵌ فذكر من قرابتي وشبهي وأمله فيّ ثم ذكر أبا بكر وعمر فلعنهما فقلت: يا عدو الله عندي؟ قال: فخنقته خنقاً حتى ادّلع لسانه. وقال الأعمش: أتاني المغيرة بن سعيد فذكر عليّاً وذكر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم ففضّله عليهم ثم قال: كان علي بالبصرة فأتاه أعمى فمسح على عينيه فأبصر ثم قال له: أتحب أن ترى الكوفة؟ قال: نعم، فحُمِلت الكوفة إليه حتى نظر إليها ثم قال: لها ارجعي فرجعت، فقلت: سبحان الله، سبحان الله، فتركني وقام.

стр. 215

قال ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد في ما يُروى عنه من الزور عن علي هو دائم الكذب على أهل البيت ولا أعرف له حديثاً مسنداً (١). قلت: وأخباره وكذباته كثيرةٌ جداً، ومن المؤسف أن تجد هذه الكذبات صدىً عند الكثيرين، وينسبونها زوراً وبهتاناً لأهل البيت رضوان الله تعالى عليهم، وقد أورد الطوسي في «اختيار معرفة الرجال» أحاديث كثيرة في ذمه عن «الصادق» رضوان الله تعالى عليه منها: الحديث الأول: قال جعفر «الصادق» رضوان الله تعالى عليه: لعن الله المغيرة بن سعيد إنه كان يكذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا (٢). قلت: إنّ ما ذكره جعفر «الصادق» عن نفسه وعن آبائه رضوان الله تعالى عليهم هو ما يقرره القرآن الكريم من كون العبودية لله تعالى وحده، كقوله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٣).

стр. 216

وقد روى الطوسي عن «الصادق» رضي الله تعالى عنه قوله: لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة، فإن المغيرة بن سعيد لعنه الله دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتَّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا تعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وآله فإنا إذا حدثنا قلنا قال الله ، وقال رسول الله ﵌ (١). قلت: صدق رضي الله تعالى عنه، فإنما ميزان الحق والصدق هو قول الله تعالى وقول رسوله صلوات ربي وسلامه عليه وكل ما خالفهما فلا عبرة به، و «الباقر» و «الصادق» وغيرهما من أئمة الهدى إنما هم عباد لله جلّ وعلا وأتباعٌ لخير ولد آدم سيدنا المصطفى محمد ﵌. ١٢ - محمد بن مسلم بن رياح أبو جعفر الأوقصي الطحان: أحد المغالين المفترين المُتَقولين على أئمَّة آل البيت رضوان الله تعالى عليهم، له الكثير من الأحاديث المنكرة، وقد ورد ذمُّه على لسان «الصادق» رضوان الله تعالى عليه. وقد ورد في ذمه نصوص منها ما رواه الطوسي بسنده عن أبي الصباح، قال: سمعت أبا عبد الله صلى الله عليه وآله يقول: يا أبا الصباح هلك المتربسون في أديانهم منهم زرارة وبريد ومحمد بن مسلم وإسماعيل الجعفي، وذكر آخر لم أحفظ (٢).

стр. 217

وأيضا عن مفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لعن الله محمد بن مسلم كان يقول إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون (١). نماذج من افترائاته: الحديث الأول: ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله ﵌ إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي ﵌ فأمَّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله ﵌ (٢). قلت: ولا يخفى عليك ما في هذا من التجاسر على مقام النبوة وعلى مقام خير الخلق محمد ﵌. ١٣ - زرارة بن أعين: هو أحد أكبر المُتقولين المفترين المغالين في «الباقر» و «الصادق» رضوان الله تعالى عليهما وقد روى عن الباقر روايات كثيرة مع أنه لم يلقَ الباقر أصلا (٣).

стр. 218

وقد روى ابن حجر العسقلاني رواية تبين لنا حال زرارة هذا، وبُغض «الصادق» رضي الله تعالى عنه له ولمن هم على شاكلته فقال: عن ابن السماك قال: حججت فلقيني زرارة بن أعين بالقادسية فقال: إنّ لي إليك حاجة وعظمها فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمد فاقرأه مني السلام وسَله أن يخبرني أنا من أهل النار أم من أهل الجنة؟ فأنكرت عليه، فقال لي: إنه يعلم ذلك ولم يزل بي حتى أجبته، فلما لقيت جعفر بن محمد أخبرته بالذي كان منه فقال: هو من أهل النار فوقع في نفسي مما قال جعفر، فقلت: ومن أين علمت ذلك؟ فقال: من ادعى عليَّ علم هذا فهو من أهل النار فلما رجعت لقيني زرارة فأخبرته بأنه قال لي: أنه من أهل النار فقال: كال لك من جراب النورة، فقلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية (١). قلت: هذا حال من يتخذ إلهه هواه، ويتخذ الشيطان وليَّاً يُزين له الباطل ويعميه عن رؤية الحق على الرغم من جلائه ووضوحه. وقد تواترت الطعون في زرارة بحيث لا يمكن إنكار صدورها عن أئمة الهدى من أهل البيت، وقد أقرَّ بذلك محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة حيث قال: «مع أنّ أخبار القدح كأخبار المدح مستفيضة إن لم تكن متواترة فلا محل للجواب بضعف السند بل الجواب الحمل على التقية» (٢).

стр. 219

وطبعا قاعدة التقيَّة هي المسمار الذي تُعلَّق عليه كل الأخبار التي لا تؤيد ما يعتقده الأمين وغيره ولاقاعدة تحكمها، فربمَّا يحملها هو على التقيَّة وربَّما غيره يصححها، ويحمل سواها على التقيَّة، تبعاً لهوى المحدّث!، وهذا لانعدام المنهجية في التصحيح والتضعيف. ولزرارة هذا سجلٌّ أسود في الطعن بأئمَّة آل البيت رضوان الله تعالى عليهم والروايات في ذلك مستفيضة نذكر منها ما يرويه هو عن نفسه فيقول: ١ - سألتُ أبا عبد الله ﵇ عن التشهد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قلت: التحيَّات والصلوات؟ قال: التحيَّات والصلوات فلما خرجت قلت: إن لقيته لأسألنه غدا، فسألته من الغد عن التشهد فقال كمثل ذلك قلت: التحيَّات والصلوات؟ قال: التحيَّات والصلوات، قلت: ألقاه بعد يوم لأسألنه غدا فسألته عن التشهد: فقال كمثله، قلت: التحيَّات والصلوات؟ قال: التحيَّات والصلوات فلما خرجت ضرطت في لحيته وقلت لا يفلح أبداً (١). مع الاعتذار الشديد للقارئ الكريم، أعلم أن هذه الروايات وأمثالها تؤذي كل محبٍّ لآل البيت رضوان الله تعالى عليهم، ولكن الغرض من إيرادها توضيح مدى

стр. 220

التجنِّي والظلم الذي نُعَرِّضُ آل البيت له عندما نأخذ الروايات عن زرارة وأمثاله، ثم كيف نثق بمن كان هذا خلقه وهذه طباعه؟. ٢ - عن زياد بن أبي الحلال، قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: إنّ زرارة روى عنك في الاستطاعة شيئاً فقبلنا منه وصدّقناه، وقد أحببت أن أعرضه عليك فقال: هاته، قلت: فزعم أنه سألك عن قول الله ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ من ملك زاداً وراحلة، فقال: كل من ملك زاداً وراحلة، فهو مستطيع للحج وان لم يحج؟ فقلت: نعم، فقال: ليس هكذا سألني ولا هكذا قلت كذب علي والله كذب علي والله لعن الله زرارة لعن الله زرارة، لعن الله زرارة إنما قال لي من كان له زاد وراحلة فهو مستطيع للحج؟ قلت: وقد وجب عليه الحج، قال: فمستطيع هو؟ فقلت: لا حتى يؤذن له، قلت: فأخبر زرارة بذلك؟ قال: نعم. قال زياد: فقدمت الكوفة (١) فلقيت زرارة فأخبرته بما قال أبو عبد الله ﵇ وسكتُّ عن لعنه، فقال: إما أنه قد أعطاني الاستطاعة من حيث لا يعلم، وصاحبكم هذا ليس له بصر بكلام الرجال (٢).

стр. 221

قلت: لاحظ عزيزي القارئ جرأة هذا الرجل على أبي عبد الله «الصادق» رضوان الله تعالى عليه، وكيف يستحل الكذب على لسانه، ثم عندما ينكشف كذبه يتمادى في غيِّه ويطعن في «الصادق» ويصفه بقلة العلم!. وأمَّا أحاديث ذمِّه على لسان أئمة أهل البيت، فأورد لك منها ما يلي: ٣ - عن الوليد بن صبيح، قال: مررت في الروضة بالمدينة فإذا إنسان قد جذبني فالتفتُّ فإذا أنا بزرارة، فقال لي: استأذن لي على صاحبك؟ قال: فخرجت من المسجد فدخلت على أبي عبد الله ﵇ فأخبرته الخبر فضرب بيده على لحيته، ثم قال أبو عبد الله ﵇: لا تأذن له لا تأذن له، لا تأذن له فإنّ زرارة يريدني على القدر على كبر السن، وليس من ديني ولا دين آبائي (١). ٤ - ورواية أخرى يرويها الطوسي عن أحد أصحاب «الصادق» وقد دخل على «الصادق» فسأله «الصادق» عن زرارة، فأجابه بأنه لم يره منذ أيام فأجابه «الصادق» رضوان الله تعالى عليه بقوله: لا تبال وإن مرض فلا تعده وإن مات فلا تشهد جنازته قال، قلت زرارة؟ متعجبا مما قال، قال: نعم زرارة، زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إنّ الله ثالث ثلاثة (٢).

стр. 222

٥ - عن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لا يموت زرارة إلا تائها (١). قلت: عاش تائها فليس من الغريب إن مات تائها. ٦ - عن عمران الزعفراني قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول لأبي بصير: «يا أبا بصير وكنَّى اثني عشر رجلا ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع، لعنه الله» (٢). ٧ - عن كليب الصيداوي، أنهم كانوا جلوساً ومعهم عذافر الصيرفي وعدة من أصحابهم معهم أبو عبد الله ﵇ قال: فابتدأ أبو عبد الله ﵇ من غير ذكر لزرارة، فقال: لعن الله زرارة لعن الله زرارة لعن الله زرارة ثلاث مرات (٣). ٨ - عن عمار الساباطي قال: نزلت منزلاً في طريق مكة ليلة فإذا أنا برجل قائمٌ يصلي صلاة ما رأيت أحداً صلى مثلها ودعا بدعاء ما رأيت أحداً دعا بمثله، فلما أصبحت نظرت إليه فلم أعرفه، فبينا أنا عند أبي عبد الله ﵇ جالساً إذ دخل الرجل فلما نظر أبو عبد الله ﵇ إلى الرجل، قال: ما أقبح بالرجل أن يأتمنه رجلٌ من إخوانه على حرمة من حرمته فيخونه فيها قال: فولى الرجل، فقال لي أبو عبد الله ﵇: يا عمَّار أتعرف هذا الرجل؟ قلت: لا والله إلا أني نزلت ذات

стр. 223

ليلة في بعض المنازل، فرأيته يصلي صلاة ما رأيت أحدا صلى مثلها، ودعا بدعاء ما رأيت أحدا دعا بمثله، فقال لي: هذا زرارة بن أعين، هذا والله من الذين وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً﴾ (١). وأما أخبار غلوه وكذبه فهي أيضا كثيرة ولكن أكتفي منها بالتالي: الحديث الأول: روى الصفار بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: سمعته يقول: لولا أنا نزاد نفدنا قال: قلت: فتزادون لا يعلمه رسول الله ﵌؟ قال: إذا كان ذلك عُرِضَ على رسول الله ﵌ وعلى الأئمة ثم انتهى الأمر إلينا (٢). قلت: تصريح بنزول الوحي على «الباقر» وهو من هذه الأقوال بريء وحاشا لله أن ينطق «الباقر» بمثل هذا، فهذا القول طعن صريح في خاتمية نبوة محمد وهو طعن في كتاب الله نعوذ بالله منه ومن قائليه. الحديث الثاني: عن زرارة بن أعين عن أحدهما ﵉ قال: ما عُبِدَ الله بشيء مثل البداء (٣).

стр. 224

قلت: البداء هو أن الله تعالى قد عَلم ما لم يكن يعلم، وفي هذا نسبة الجهل لله والعياذ بالله، وحاشا لله أن تصدر مثل هذه الأقوال عن «الباقر» أو «الصادق» رضي الله تعالى عنهما.

стр. 225

الفصل الرابع الإمام «الباقر» ... ذلك الرجل المُوَحِّدُ لم يألُ النبي ﵌ جهداً في تبليغ رسالة ربه، فأتمَّ لنا الدِّين وتركنا على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقد شهد له الله بذلك فقال في كتابه العزيز: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً﴾ (١)، فجزاه الله عنَّا خير ما يجزي به نبيّاً عن أمته. ولم يختص النبي ﵌ أحدا من أمته بتعاليم خاصة يمكن أن تتداول من بعده ﵊ سرّا أو علانية، فقد أُكمل الدين تمّت النعمة. وفي مسند أحمد عن الحارث بن سويد قال: قيل لعلي: إن رسولكم كان يخصكم بشيء دون الناس عامة قال: ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء لم يخص به الناس إلا بشيء في قراب سيفى هذا، فاخرج صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل وفيها أن المدينة حرم من بين ثور إلى عائر من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل وذمّة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه

стр. 226

يوم القيامة صرف ولا عدل ومن تولى مولى بغير أذنهم فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل (١). وقد تكفل الله تعالى بحفظ هذا الدين وصونه، فقال في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢)، فحفظ كتابه وصانه من التحريف والتبديل، وقيَّض للسُنَّة من العلماء والحفَّاظ من يقوم بحفظها وصونها عن كذب الكاذبين ووضع الوضَّاعين، والناظر في التراث المنسوب لآل البيت وللإمامين «الباقر» وابنه «الصادق» على وجه الخصوص يرى الكم الهائل من الدسّ والتلفيق الذي طال رواياتهما بحيث يصدُق على تلك الروايات ما قاله الطوسي في افتتاحية كتابه (تهذيب الأحكام): «ذاكرني بعض الأصدقاء أيده الله ممن أُوجب حقه علينا بأحاديث أصحابنا أيّدهم الله ورحم السلف منهم، وما وقع فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده ولا يسلم حديث إلا وفي مقابله ما ينافيه» (٣). ولهذا حرص الإمام «الباقر» ﵁ على صد هذه الحملة الشعواء التي استُهدف بها حاثّاً الناس على عدم قبول كل ما يُنسب إليه حتى يُعرض قبل ذلك على

стр. 227

الكتاب والسنَّة فإن عارض القول المنسوب له الكتاب والسنّة كان هو أول الناس براءةً منه. ولهذا يقول: «كل شيء خالف كتاب الله رد إلى كتاب الله والسنة» (١)، وقوله وابنه «الصادق» ﵄ لبعض أصحابهما: «لاتصدِّق علينا إلا بما يوافق كتاب الله وسنة نبيه» (٢). فآل البيت ﵈ هم كغيرهم تبع لكتاب الله وسنة نبيه المصطفى لا العكس. لقد كان الإمام «الباقر» ﵁ من سادات الموحِّدين، ومن أئمَّة العبَّاد فقد روي عنه أنه «كان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة» (٣). لقد كان ﵁ يعي جيدا أهمية الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، فقد حفظ عن أبيه الإمام زين العابدين قوله في مناجاته لربه: «وقلت: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٤)، وقلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٥)، فسميت دعاءك عبادة وتركه

стр. 228

استكباراً، وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين» (١)، ولهذا نُقل عنه ﵁ تصريحه بأن «أفضل العبادة الدعاء» (٢) وقد سُئل مرة: «أي العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيء أفضل عند الله من أن يُسأل» (٣) فلا عجب حينئذ أن يُخلص الإمام «الباقر» الدعاء لخالقه لعلمه بأن الدعاء عبادة والعبادة لا تُصرف إلَّا لله . لقد كان من دعائه ﵁ إذا أصبح أن يقول: «أصبحت وربِّي محمود أصبحت لا أشرك بالله شيئاً، ولا أدعو معه إلهاً، ولا أتخذ من دونه ولياً» (٤).

стр. 229

من أدعية الإمام «الباقر»: كان من دعائه ﵁ في التهجد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، ويميت و يحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم لك الحمد يا رب أنت نور السموات والأرض فلك الحمد وأنت قوام السموات والأرض فلك الحمد، وأنت جمال السموات والأرض فلك الحمد وأنت زين السموات والأرض فلك الحمد، وأنت صريخ المستصرخين فلك الحمد، وأنت غيَّاث المستغيثين فلك الحمد، وأنت مجيب دعوة المضطرين فلك الحمد وأنت أرحم الراحمين الرحمن الرحيم فلك الحمد، اللهم بك تنزل كل حاجة فلك الحمد، وبك يا إلهي أنزلت حوائجي الليلة فاقضها يا قاضي حوائج السائلين، اللهم أنت الحق وقولك الحق ووعدك الحق وأنت مليك الحق أشهد أن لقاءك حق وأن الجنة حق والنار حق والساعة حق آتية لا ريب فيها وأنك تبعث من في القبور، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت الحي لا إله إلا أنت» (١). فتأمَّل عزيزي القارئ هذا الدعاء المبارك بما فيه من التضرع للخالق وطلب قضاء الحوائج من الله تعالى وحده لا سواه، وقارن بين ذلك وبين من يدَّعي

стр. 230

اتِّباع وحبّ آل البيت ويطلب حاجاته من غير الله، أين هو من فعل أئمَّة آل البيت؟ ولماذا لا يقتدي بهم في دعائه ورجائه؟ ولماذا يشرك مع الله غيره في الدعاء؟ ولقد كان من دعائه ﵁: «اللهم إني أسألك يا حليم ذو أناة غفور ودود أن تتجاوز عن سيئاتي، وما عندي بحسن ما عندك، وأن تعطيني من عطائك ما يسعني وتلهمني فيما أعطيتني العمل فيه بطاعتك وطاعة رسولك، وأن تعطيني عن عفوك ما أستوجب به كرامتك، اللهم أعطني ما أنت أهله، ولا تفعل بي ما أنا أهله فإنما أنا بك ولم أصب خيراً قط إلا منك، يا أبصر الابصرين، ويا أسمع السامعين، ويا أحكم الحاكمين ويا جار المستجيرين، ويا مجيب دعوة المضطرين، صل على محمد و آل محمد» (١). سبحان الله، شتَّان بين فعل آل البيت وبين فعل بعض الناس في زماننا هذا، فآل البيت ﵃ يدعون الله و يعلمون أنه جار المستجيرين وأنَّه مجيب دعوة المضطرين، وبعض من يدَّعي أنَّه متبعٌ للرسول ﵌ ولهم يدعو غير الله ويستجير بغير الله ولم نرَ «الباقر» يستجير بمحمد ﵌ ولم نره يستجير بأحد الأنبياء أو الصالحين، ولم نره يستجير بعلي أو فاطمة أو الحسن والحسين ﵃ وأرضاهم وهم أفضل منه وأجلُّ مكانةً منه عند الله تعالى بل نراه يطلب من الله ويسأل الله ويلجأ إليه مخلصاً له الدين، وقد ورد عنه قوله رضي الله

стр. 231

عنه: «اللهم من كانت له حاجة ههنا وههنا، فإنَّ حاجتي إليك وحدك لا شريك لك» (١)، ونرى من تكون حاجته عند أبي الفضل وعند الحسن والحسين وعند غيرهم من عباد الله، فهل هؤلاء متبعون لهدي النبي ﵌؟ وهل هؤلاء متبعون لهدي «الباقر» ﵁؟ واقرأ معي قول الله ﵎: ﴿لهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إلى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلَالٍ﴾ (٢)، ثم اقرأ تفسير «الباقر» ﵁ لهذه الآية: «﴿لهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ فإنه يدعى فيستجيب، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي يدعوهم المشركون ﴿بِشَيْءٍ﴾ من الطلبات، ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ أي إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه يطلب منه أن يبلغه من بعيد أو يغترف مع بسط كفيه ليشربه، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ لأن الماء جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته ولا يستقر في الكف المبسوطة، وكذلك آلهتهم. وروى علي بن إبراهيم عن «الباقر» ﵁ أنه قال: «هذا مثل ضربه الله للذين يعبدون الأصنام، والذين يعبدون الآلهة من دون الله فلا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعهم إلا كباسط كفيه إلى الماء ليتناوله من بعيد، ولا يناله إلا في ضلال وبطلان»، وقد قال المجلسي «هذا المثل جار في الأصنام والآلهة المجازية فإنهم لا

стр. 232

يقدرون على إيصال المنافع إلى غيرهم إلا بتيسير الله وتسبيبه وهو مالك الرقاب ومقلب القلوب ومسبب الأسباب وكذا قوله: ﴿أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ ظاهره في الأصنام ويجري في غيرها» (١). إن محمد صلوات الله وسلامه عليه وهو أحبُّ النَّاس إلى الله، وهو أكرمهم وأجلّهم منزلة عنده، لا يقدر على نفع أحد إلَّا بإذن الله ، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢)، وهذا جارٍ في الأصنام وفي غيرها، ولنا أن نسأل هل يقدر الولي بل وحتى النبي أن يكشف الضر من دون إذن الله ؟ فإن لم يكن على ذلك بقادر أَوَلَيْسَ الأولى أن ندعو من هو قادر على ذلك؟ إن «الباقر» وعلياً والحسن والحسين وأبا بكر وعمر ما هم إلا عبادٌ لله، وهم والله غير قادرين على دفع الضُرّ عن أنفسهم حتى يدفعوه عن غيرهم، بل إنَّ من يستغيثون بالحسين وبغيره من أولياء الله يُقِرُّونَ بأنَّهم قد قُتلوا، وأنَّ الحسين ﵁ قد مات عطشاناً ﵁، فكيف تستغيثون بمن لم يقدر أن يَسقي نفسه شربة ماء؟

стр. 233

ولنا في نبي الله أيوب ﵇ عظةٌ وعبره، فقد مسَّه الضر والمرض فلم يقدر على أن يدفعه عن نَّفسه إلا بدعاء الله ، بل وإن خير الأنبياء محمداً صلوات الله وسلامه عليه قد مسَّه الضر والمرض والضيق فلم يجد ملجأً وملاذاً إلَّا إلى الله ، وكذا حال الأئمة «الباقر» وعلي وعمر و العباس وكل الصالحين ﵃ أجمعين. ولا يغترن مغتر بخدعة شيطانية فحواها أنّ هؤلاء الذين يلجئون إلى الأولياء والصالحين إنما يستشفعون بهم لله لقربهم منه لا اعتقاداً لألوهيتهم فإنّه لعمري لهو عين فعل عبدة الأصنام، واقرأ معي هذه الآيات من كتاب الله وقارن بين فعل جهَّال هذا العصر وبين فعل جاهلية ما قبل الإسلام. قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). قد يقول قائل أن المقصود بالشفعاء هم الأصنام فقط لا قبور الأولياء والصالحين، فأدعوه إلى قراءة قول الله : ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢).

стр. 234

وتأمَّل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾، وكلنا نعلم أن الأصنام صمٌّ بكمٌ لا تعقل ولا تسمع، وأيضاً تأمَّل معي قوله تعالى: ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ إذاً المقصود من هذه الآية من يسمع ويعقل بل من يكفر بشرك المشركين يوم القيامة وهم الأولياء والصالحون، الذين يتبرؤون من كلِّ من يدعوهم ويشركهم مع الله في الرَّجاء والخوف والطَّلب، ونرى في آية أخرى تبرُّء عيسى بن مريم ﵇ ممن أشركه مع الله في الألوهية: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١)، وقد يقول قائل هنا أنَّ النصارى قد قالوا إنَّ المسيح إله فذلك هو المقصود ولا دخل لهذه الآية في الشفاعة والشفعاء، فأقول إنَّ النصارى لم يقولوا أبداً أن مريم إله ولاأنَّها ابنة إله، بل هم يعترفون أنَّها بشر وأنَّها من نسل آدم ﵇ ولكنهم يستشفعون بها عند الله، وقد اعتبر الله جلَّ وعلا هذه الشفاعة شركاً وبأنَّها تأليه لمريم وإشراكها مع الله في الطلب فلنتنبه جميعاً، ولا يغرَّنا فعل الآباء والأجداد، فالحقُّ أحق أن يُتَّبع والنبي ﵌ وصحابته وآل بيته هم من نقلوا إلينا هذا الدين وبفعلهم نقتدي، وفعلهم هو المُنجي من عذاب الله يوم القيامة، ويجب علينا أن لا ننخدع بقول بعض المتغافلين ممن يدَّعون العلم والفقه، فهذا لا يغني عنَّا يوم القيامة

стр. 235

من الله شيئا، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ (١)، وهذه هي حجَّتنا نحن أيضاً إن أطعنا الضّالين المضلين، فعندما يسألنا ربُّ العزة ويقول: يا عبادي لما أشركتم معي غيري وسألتم غيري ممن لا ينفعكم ولا يضركم؟ ألم تعلموا بأنِّي قاضي الحاجات ومفرج الكربات؟ وألم تعلموا أنَّ من تستغيثون بهم هم عبادٌ لي ولا يقدرون على فعل شيءٍ إلا بإذني؟ وروي عن «الباقر» انَّه قال لابنه جعفر «الصادق» ﵄: «يا بني من كتم بلاءً ابتلي به من الناس، وشكى إلى الله كان حقاً على الله أن يعافيه من ذلك» (٢). وفي هذه الرواية ينصح «الباقر» ﵁ ابنه بكتم البلاء عن النَّاس والشكوى إلى الله، فأين هذا ممن يلجأ إلى القبور ويتضرع لأصحابها طالباً منهم الشفاء أو الرزق أو تفريج الكُرب؟. وروي أنّ «الباقر» ﵁ كان يقول في ركوعه: «اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت، ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي لله رب العالمين» (٣).

стр. 236

ويأتي من يدعي اتِّباعه فيقول خشعت للولي فلان وذللت للولي فلان، أين هو من فعل «الباقر» ﵁؟ متى نشأ الشرك ؟ روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي المطهر قال: ذَكروا عند أبي جعفر «الباقر» وهو قائم يصلي، يزيد بن المهلب قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، قال ذكر ودا رجلاً صالحاً وكان محبباً في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله، قال ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالاً مثله ليكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالاً مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله «ود» الصنم الذي سموه ودًّا (١).

стр. 237

فانظر كيف استدرج إبليس لعنه الله الناس إلى الشرك، وكان أوَّل استدراجه لهم الاعتكاف حول قبر رجل صالح واستشفاعهم به، وهذا عين حال الناس اليوم وإلى الله المشتكى. الدعاء هو العبادة لقد قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١)، وتأمَّل قوله جلَّ وعلا ﴿ادْعُونِي﴾ ثم قوله ﴿عِبَادَتِي﴾ فالمستكبر عن دعاء الله هو مستكبر عن عبادته سبحانه. وروي أن سديراً الصيرفي سأل «الباقر» ﵇: أي العبادة أفضل؟ فقال: «ما من شيء أفضل عند الله من أن يسأل ما عنده ويطلب منه، وما أحد أبغض إلى الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده» (٢). فكيف يا عبد الله تصرف أفضل العبادات لغير الله؟، أما لك في هدي النبي وآل بيته أسوة حسنة؟. واقرأ قوله ﵁: «لا يلح عبد مؤمن على الله في حاجته إلا قضاها له» (٣). ولم يقل: (تشفعوا بي وبغيري من أهل البيت لتقضى حاجاتكم!).

стр. 238

وقوله: «ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحواً من دعائه في الشدة ليس إذا أعطى فتر ولا يمل من الدعاء فإنه من الله بمكان» (١). قد دلَّل «الباقر» على عظم قدر الدعاء ونص على أنَّ الدُّعاء من الله بمكان فكيف يصرف لغير الله تعالى؟ واقرأ هذه الرواية في «مكارم الأخلاق للطبرسي»: «عن أبي عبيدة الحذاء قال: كنت مع «الباقر» ﵇ فَضَلَّ بعيري، فقال ﵇: صل ركعتين ثم قل كما أقول: «اللهم راد الضالة، هاديا من الضلالة رد علي ضالتي فإنها من فضلك وعطائك» ثم قال ﵇: يا أبا عبيدة تعال فاركب، فركبت مع أبي جعفرعليه السلام فلما سرنا إذا سواد على الطريق، فقال ﵇: يا أبا عبيدة هذا بعيرك فإذا هو بعيري» (٢). فهذا «الباقر» في حياته يُعَلِّم من معه أن يتقرب إلى الله بالعمل الصالح عندما قال «صل ركعتين» ثمَّ بالدعاء إلى الله وحده ولم يقل له: (استغث بي أو بأجدادي) وهذا مصداق قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) فالوسيلة التي يأمرنا ربُّ العِزَّة باتِّخاذها هي

стр. 239

العمل الصالح وهذا ما فهمه «الباقر» رضي الله، فأمر من معه بالعمل الصالح ليكون قربة إلى الله ويُتْبِع العمل الصالح بالدعاء. وقد روى المجلسي في بحاره أن «الباقر» ﵁ قال: «: أفضل ما توسل به المتوسلون الايمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وكلمة الاخلاص فإنها الفطرة وإقامة الصلاة فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها من فرائض الله وصوم شهر رمضان فإنه جنة من عذاب الله، وحج البيت فإنه ميقات للدين، ومدحضة للذنب وصلة الرحم فإنه مثراة للمال منساة للأجل، والصدقة في السر فإنها تذهب الخطيئة وتطفئ غضب الرب، وصنايع المعروف فإنها تدفع ميتة السوء وتقي مصارع الهوان ألا فاصدقوا فان الله مع من صدق، وجانبوا الكذب فإنّ الكذب مجانب الإيمان، ألا وإنّ الصادق على شفا منجاة وكرامة، ألا وإنّ الكاذب على شفا مخزاة وهلكة، ألا وقولوا خيراً تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وأدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم وصلوا من قطعكم، وعودوا بالفضل عليهم» (١). فليست الوسيلة باتخاذ الأولياء والصالحين وسائط بين العبد وخالقه وإنما هي عبادات يتوجه بها العبد إلى خالقه رجاء رحمته وخوفا من عذابه. وقد روى الطوسي في «الأمالي» عن محمد بن عجلان (مولى الإمام الباقر) أنه قال: أصابتني فاقةٌ شديدةٌ ولا صديقٌ لمضيق، ولزمني دين ثقيل وغريم يلج

стр. 240

باقتضائه، فتوجهت نحو دار الحسن بن زيد، وهو يومئذ أمير المدينة لمعرفة كانت بيني وبينه، وشعر بذلك من حالي محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، وكان بيني وبينه قديم معرفة، فلقيني في الطريق فأخذ بيدي وقال لي: قد بلغني ما أنت بسبيله، فمن تؤمل لكشف ما نزل بك؟ قلت: الحسن بن زيد. فقال: إذن لا تقضى حاجتك ولا تسعف بطلبتك، فعليك بمن يقدر على ذلك، وهو أجود الأجودين، فالتمس ما تؤمله من قبله، فإني سمعت ابن عمي جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن جده، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵈، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه إليه، وعزتي وجلالي لأقطعن أمل كل مؤمل غيري بالإياس، ولأكسونّه ثوب المذلة في الناس، ولأبعدنه من فَرَجي وفضلي، أيؤمل عبدي في الشدائد غيري، أو يرجو سواي! وأنا الغني الجواد، بيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني، ألم يعلم أنه ما أوهنته نائبة لم يملك كشفها عنه غيري، فما لي أراه بأمله معرضا عني، قد أعطيته بجودي وكرمي ما لم يسألني، فأعرَضَ عني ولم يسألني وسأل في نائبته غيري وأنا اللهُ ابتدئ بالعطية قبل المسألة، أفأُسال فلا أجيب؟ كلا أو ليس الجود والكرم لي؟ أو ليس الدنيا والآخرة بيدي؟ فلو أن أهل سبع سماوات وأرضين سألوني جميعا فأعطيت كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح بعوضة، وكيف ينقص ملك أنا قيّمه؟ فيا بؤس لمن عصاني ولم يراقبني. فقلت: يا ابن رسول الله، أعد علي هذا

стр. 241

الحديث، فأعاده ثلاثاً فقلت: لا والله لا سألت أحداً بعد هذا حاجة، فما لبثت أن جاءني برزق وفضل من عنده» (١). فأقول: يا بؤس من يؤمل غير الله ويا بؤس من يدعو غير الله، ويا بؤس من يستجير بغير الله، فإنه قد لجأ إلى العبد وترك المعبود، واعتصم بالناس ونسي رب الناس، فيا من تسأل غير الله اتِّق الله، واقتد بالنَّبي وبآل بيته وبصحابته، فو الله ما أشركوا مع الله أحداً بدعائهم أبداً، ولا يغرنَّك كثرة من ترى ممن ضلوا سواء السبيل فقد قال تعالى في كتابه العزيز ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ (٢). وقد قال أحد العلماء العارفين ﵀: «الزم طريق الهداية ولا يضرنك قلة السالكين، وإياك وطريق الغواية ولا يغرنك كثرة الهالكين». وقد نقل عن «الباقر» ﵁ قوله: «ما اغرورقت عين بمائها من خشية الله إلا حرّم الله جسدها على النار، ولا فاضت دمعة على خد صاحبها فرهق وجهه قتر ولا ذلة يوم القيامة، وما من شيء من أعمال الخير إلا وله وزن أو أجر إلا الدمعة من خشية الله، فإنّ الله يطفئ بالقطرة منها بحاراً من نار يوم القيامة، وإنّ الباكي ليبكي من خشية الله في أمة فيرحم الله تلك الأمة ببكاء ذلك المؤمن فيها» (٣).

стр. 242

جملة افتراءات: لقد رأينا ثبات ورسوخ عقيدة التوحيد عند الإمام «الباقر» ﵁ ما يكفي القارئ اللبيب ويشبع نهم طالب الحقيقة بيد أن افتراءات الغلاة التي طالت فقه وتفسير الإمام «الباقر» قد وجدت طريقا أيضا لتشويه معالم التوحيد النقية التي زخر بها كلام «الباقر» ﵁. وموقفنا من هذه الافتراءات هو موقف الإمام «الباقر» نفسه حين قال: «كل شيء خالف كتاب الله رُدّ إلى كتاب الله والسنّة» كما أن كل من علم بطلان ما ينسب إليه ولم يدافع عنه وينزهه عن هذا الظلم هو مشارك في الإثم كقول النبي ﵌ في الحديث النبوي الشريف: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» وإليك أيها القارئ الكريم يعضاً من تلك الروايات المختلقة والمنسوبة إلى أبي جعفر «الباقر» ﵁، وما يناقضها من الآيات والسنة الصحيحة: الرواية الأولى: روى المجلسي عن الإمام «الباقر» أنه قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾: إن إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم (١).

стр. 243

انظر كيف يغلو هذا المتغافل المفتري في الأئمَّة ويضفي عليهم صفات الألوهيه، وكلنا نعلم أنَّ إياب الخلق لله سبحانه وأنَّ حسابهم على الله سبحانه ولا شريك له وقد قال جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (٢). الرواية الثانية: روى النوري الطبرسي عن «الباقر» ﵁ وأرضاه أنه قال: مضيت مع والدي علي بن الحسين ﵉ إلى قبر جدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ بالنجف بناحية الكوفة، فوقف عليه ثم بكى، وقال: السلام على أبي الأئمة، وخليل النبوة والمخصوص بالأخوة، السلام على يعسوب الإيمان، وميزان الأعمال، وسيف ذي الجلال، السلام على صالح المؤمنين، ووارث علم النبيين، الحاكم في يوم الدين السلام على شجرة التقوى، السلام على حجة الله البالغة، ونعمته السابغة، ونقمته الدامغة، السلام على الصراط الواضح، والنجم اللائح، والإمام الناصح ورحمة الله وبركاته. ثم قال: أنت وسيلتي إلى الله وذريعتي، ولي حق موالاتي وتأميلي فكن لي شفيعي إلى الله في الوقوف على قضاء حاجتي، وهي فكاك رقبتي من النار واصرفني في موقفي هذا بالنجح وبما سألته كله برحمته وقدرته، اللهم

стр. 244

ارزقني عقلاً كاملاً، ولبّاً راجحاً، وقلبا زاكياً، وعملاً كثيراً، وأدباً بارعاً، واجعل ذلك كله لي، ولا تجعله علي، برحمتك يا أرحم الراحمين» (١). قلت: سنبدأ في نقدنا لهذه الرواية بعبارةٍ فجةٍ قبيحة، وهي عبارة «الحاكم في يوم الدين»، انظر إلى غلوّ واضع هذا الحديث في علي بن أبي طالب ﵁، وجرأته في الكذب على أئمَّة أهل البيت ومخالفته الصريحة لقول الله : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣). وقوله : ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٤). فالآيات واضحة بأن الحكم يوم القيامة لا يكون إلا لله سبحانه، وهذا المُبطل المغالي يدّعي زوراً وبهتاناً أن الحاكم هو غير الله. ثمَّ عبارة «فكن لي شفيعي إلى الله في الوقوف على قضاء حاجتي، وهي فكاك رقبتي من النار».

стр. 245

ومخالفته لقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾ (٥). وقوله : ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾ (٦).

стр. 246

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٤٤﴾﴾ (٢).

стр. 247

الفصل الخامس إجلال الباقر للصحابة وأهل العلم صحابة النبي رضوان الله تعالى عليهم هم كل من لقي النبي ﵌ وهو مؤمنٌ به ومات على ذلك. وهم خير الناس بعد الأنبياء، وقد سُئل النبي ﵌ أي الناس خير؟ فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..» (١) وقال أيضاً ﵌: «لا تسبّوا أصحابي فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه». (٢) قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وهذا كتاب الله الخالد الذي جعله الله هداية للناس يثني الثناء العظر على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، ويشهد لهم بالرضوان والجنان

стр. 248

فمن نعتهم بالردة والكفران فبشره بالخيبة والخسران إذ بلغ به هواه مبلغا كذّب به القرآن. وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). ومن المعلوم أنّ هذه الآية قد نزلت في النبي ﵌ ومن معه وهي شاملة لكل المؤمنين ومن باب أولى أن تشمل الرسول ﵌ ومن معه، ومع ذلك فهناك من يشكّك بفضل هذه الأمة وبخيريتها فيتهم خير النّاس فيها ويلمزهم ويطعن فيهم، وهم كانوا رفاق محمد وأصحابه، وأصهاره وأحبابه فنجد من يتهمهم في دينهم ويطعن في إخلاصهم ويرميهم بالنفاق وبارتدادهم عن دين الله جل وعلا بخيانتهم لله ورسوله ويضيف إلى هذا الإفك إفكاً آخر بنسبة هذا الطعن إلى أئمة آل البيت رضوان الله تعالى عليهم فنعوذ بالله من الزيغ والضلال. ومن المستحيل أن تكون خير أمة أخرجت للناس مرتدّة في جيلها الأول إلّا نفراً قليلاً، ولعمري إنّ قائل هذا القول ما قرأ القرآن وما فهمه، فلو أنه قرأ القرآن لعلم من هم الصحابة، ولعرف حقهم وفضلهم، فلم يتجرَّأ على الطعن فيهم، كيف لا والباقر ﵁ نفسه يقول: «كلّ شيء خالفَ كتاب الله رُدّ إلى كتاب الله

стр. 249

والسنة»، وهذا أمر صريحٌ من الإمام «الباقر» بالتزام القرآن دستوراً للحياة وللمعتقد، ورد كل ما يخالف هذا الكتاب العظيم، والأصل القويم. ثم فلنتأمل معاً قول الله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٠﴾﴾ (١). ولنا أن نَّسأل من يتّهم أصحاب محمد ﵌، من هم الفقراء المهاجرون الذين نصروا الله ورسوله والذين وصفهم الله سبحانه بالصادقين؟ وهل يصف الله سبحانه الكفار والمنافقين بالصِّدق؟ أيقول بهذا عاقل؟ ثم من هم الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ والذين يحبُّون من هاجر إليهم؟ ثم فليسأل كل منَّا نفسه هل أنا ممن يقولون اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان؟ أم أنني ممن يقول بأنهم كفَّار مرتدُّون وبأنَّهم من أهل النَّار؟ أترك الإجابة لكل ذي عقلٍ سديد.

стр. 250

مدح الإمام «الباقر» للصحابة رضوان الله عليهم بعد أن أوردنا بعض الآيات التي تمدح أصحاب النبي ﵌ واستعرضنا بعض الأقوال المخالفة لصريح القرآن نستعرض ذرات من أقوال «الباقر» ﵁ في أصحاب النبي ﵌. الرواية الأولى: روى الطوسي في الأمالي عن «الباقر» ﵁ أنه قال: «صلّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كَرُكَب المعزى (١)، يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يراوحون بين أقدامهم وجباههم يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم وهم جميع مشفقون منه خائفون» (٢). تأمَّل ثناء سيدنا علي ﵁ وأرضاه على الصحابة وحبِّه لهم، ثم تأمل قوله: «والله لقد رأيتهم وهم جميع مشفقون منه خائفون»، ثمّ وَجِّه بعد ذلك سؤالًا
следующие страницы →