← Тараджим

Тараджим · id 30277

الروض الناضر في سيرة الإمام أبي جعفر الباقر

بدر محمد باقر

Полный текст (336 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ ﴿٤٣﴾ قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٤٤﴾﴾ (٢).

стр. 247

الفصل الخامس إجلال الباقر للصحابة وأهل العلم صحابة النبي رضوان الله تعالى عليهم هم كل من لقي النبي ﵌ وهو مؤمنٌ به ومات على ذلك. وهم خير الناس بعد الأنبياء، وقد سُئل النبي ﵌ أي الناس خير؟ فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..» (١) وقال أيضاً ﵌: «لا تسبّوا أصحابي فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه». (٢) قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). وهذا كتاب الله الخالد الذي جعله الله هداية للناس يثني الثناء العظر على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، ويشهد لهم بالرضوان والجنان

стр. 248

فمن نعتهم بالردة والكفران فبشره بالخيبة والخسران إذ بلغ به هواه مبلغا كذّب به القرآن. وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١). ومن المعلوم أنّ هذه الآية قد نزلت في النبي ﵌ ومن معه وهي شاملة لكل المؤمنين ومن باب أولى أن تشمل الرسول ﵌ ومن معه، ومع ذلك فهناك من يشكّك بفضل هذه الأمة وبخيريتها فيتهم خير النّاس فيها ويلمزهم ويطعن فيهم، وهم كانوا رفاق محمد وأصحابه، وأصهاره وأحبابه فنجد من يتهمهم في دينهم ويطعن في إخلاصهم ويرميهم بالنفاق وبارتدادهم عن دين الله جل وعلا بخيانتهم لله ورسوله ويضيف إلى هذا الإفك إفكاً آخر بنسبة هذا الطعن إلى أئمة آل البيت رضوان الله تعالى عليهم فنعوذ بالله من الزيغ والضلال. ومن المستحيل أن تكون خير أمة أخرجت للناس مرتدّة في جيلها الأول إلّا نفراً قليلاً، ولعمري إنّ قائل هذا القول ما قرأ القرآن وما فهمه، فلو أنه قرأ القرآن لعلم من هم الصحابة، ولعرف حقهم وفضلهم، فلم يتجرَّأ على الطعن فيهم، كيف لا والباقر ﵁ نفسه يقول: «كلّ شيء خالفَ كتاب الله رُدّ إلى كتاب الله

стр. 249

والسنة»، وهذا أمر صريحٌ من الإمام «الباقر» بالتزام القرآن دستوراً للحياة وللمعتقد، ورد كل ما يخالف هذا الكتاب العظيم، والأصل القويم. ثم فلنتأمل معاً قول الله جل وعلا: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٠﴾﴾ (١). ولنا أن نَّسأل من يتّهم أصحاب محمد ﵌، من هم الفقراء المهاجرون الذين نصروا الله ورسوله والذين وصفهم الله سبحانه بالصادقين؟ وهل يصف الله سبحانه الكفار والمنافقين بالصِّدق؟ أيقول بهذا عاقل؟ ثم من هم الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ والذين يحبُّون من هاجر إليهم؟ ثم فليسأل كل منَّا نفسه هل أنا ممن يقولون اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان؟ أم أنني ممن يقول بأنهم كفَّار مرتدُّون وبأنَّهم من أهل النَّار؟ أترك الإجابة لكل ذي عقلٍ سديد.

стр. 250

مدح الإمام «الباقر» للصحابة رضوان الله عليهم بعد أن أوردنا بعض الآيات التي تمدح أصحاب النبي ﵌ واستعرضنا بعض الأقوال المخالفة لصريح القرآن نستعرض ذرات من أقوال «الباقر» ﵁ في أصحاب النبي ﵌. الرواية الأولى: روى الطوسي في الأمالي عن «الباقر» ﵁ أنه قال: «صلّى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كَرُكَب المعزى (١)، يبيتون لربهم سجداً وقياماً، يراوحون بين أقدامهم وجباههم يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم وهم جميع مشفقون منه خائفون» (٢). تأمَّل ثناء سيدنا علي ﵁ وأرضاه على الصحابة وحبِّه لهم، ثم تأمل قوله: «والله لقد رأيتهم وهم جميع مشفقون منه خائفون»، ثمّ وَجِّه بعد ذلك سؤالًا

стр. 251

لكل من يتّهم أصحاب رسول الله ﵌ «أهذا حال الكفار والمنافقين»؟ الرواية الثانية: وروى ابن عساكر عن «الباقر» ﵁ قوله: «أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول» (١). وأقول: صدق «الباقر» ﵁ وأرضاه، فكل آل البيت يوادّون الصحابة ويحبونهم والدلائل والقرائن أكثر من أن تحصى، فعندما نقرأ عن تسمية أبنائهم بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان، ثم نقرأ عن تزويج علي ﵁ وأرضاه ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه وهو ما يرويه لنا «الباقر» فيقول: «أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي أم كلثوم فقال: أنكحنيها، فقال: علي إني أرصدها لابن أخي جعفر، فقال: عمر انكحنيها فوالله ما من الناس أحد يرصد من أمرها ما أرصد فأنكحه علي فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنئوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين، فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله ﷺ سبب ونسب» (٢).

стр. 252

الرواية الثالثة: ما رواة ابن عساكر ﵀ في تاريخه بسنده إلى أبي حنيفة ﵀ الذي يقص علينا زيارته للإمام «الباقر» وسؤاله له عن عمر ﵁ وحال عليٍّ معه فيقول: «أتيته فسلمت عليه فقعدت إليه فقال: لا تقعد إلينا يا أخا العراق فإنكم قد نهيتم عن القعود إلينا، قال: فقعدت فقلت: يرحمك الله هل شهد علي موت عمر فقال: سبحان الله أو ليس القائل ما أحد من الناس ألقى الله بمثل عمله أحب إلي من هذا المسجى عليه ثوبه، ثم زوجه ابنته، فلولا أنه رآه لها أهلا أكان يزوجها إياه؟، وتدرون من كانت لا أبا لك اليوم؟ كانت أشرف نساء العالمين». وفي زيادة «كان جدها رسول الله ﵌، وأبوها علي ذو الشرف والمنقبة في الإسلام، وأمها فاطمة بنت رسول الله ﵌، وأخواها حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجدتها خديجة قال: قلت: فإن قوماً عندنا يزعمون أنك تتبرأ منهما وتنتقصهما فلولا كتبت إلينا كتابا بالانتفاء من ذلك، قال: أنت أقرب إليّ منهم أمرتك أن لا تجلس إليّ فلم تطعني فكيف يطيعني أولئك» (١).

стр. 253

ثم تامّل مساندة الإمام علي رضي الله تعالى عنه للشيخين الإمامين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وتفكّر بها، فبعد هذا كله ستتيقن أن مثل هذه العلاقة الوطيدة بين الآل والأصحاب ليست خيالاً أو مبالغة. لقد فات من يتهم أبا بكر وعمر ﵄ بالنفاق والكفر أن عليًّا ﵁ كان وزيراً لهما ومعيناً لهما، وقد قال «الباقر» ﵁: «العامل بالظلم والمعين له، والراضي به، شركاء ثلاث» (١). ولا أعلم أحداً يُنكر أنّ عليّا ﵁ كان وزيراً للشيخين، بل إنّ كثيراً ممن يطعنون بالشيخين، يثبتون وزارة علي لعمر ﵄ ومناصحته ويرددون القول المنسوب إلى عمر «لولا علي لهلك عمر»، ويستدلِّون به على رجاحة عقل علي ﵁ وأرضاه، لكنهم في الوقت ذاته يغفلون عن قول «الباقر» السابق: «إنّ العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء»، وهم بهذا يتهمون علياً ﵁ وأرضاه بتولي الظالمين والمشاركة في ظلمهم، أيقبل عاقل هذا؟ ولا سبيل لتنزيه علي ﵁ وأرضاه من هذا الظلم إلا بتنزيه إخوانه الصحابة، وعلى رأسهم الشيخين أبي بكر وعمر من هذا الأمر. فمن نسب إلى الصحابة الردة والكفر فقد جمع معهم علياً ﵁ لأنه كان معيناً لهم في جميع أحواله.

стр. 254

وقد روى النوري الطبرسي عن «الباقر» أنه قال: «قال أمير المؤمنين ﵈: إنّ رسول الله ﵌ كان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الأخر، فلا يؤاخين كافراً، ولا يخالطن فاجراً، ومن آخى كافراً أو خالط فاجراً، كان كافراً فاجراً» (١). فلنا أن نسأل أيخالطُ عليٌّ ﵁ وأرضاه الكفَّار الفجَّار بل ويتزوَّج منهم ويزوِّجهم؟ بل السؤال الأعظم هو أيخالط النبي ﵌ الكفَّار الفجَّار ويتزوَّج منهم ويزوِّجهم بناته؟ كلنا يعلم أن عائشة بنت أبي بكر الصديق هي زوج النبي، وأنّ ابنتي رسول الله ﵌ كانتا زوجتين لعثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فهل يقول الرسول ﵌ أمراً ويفعل خلافه؟ وهل ينقل علي هذا القول عن النبي ويفعل خلافه؟ ثم اقرأ ما رواه المجلسي عن «الباقر» عن علي رضي الله تعالى عنه: أوحى الله تعالى جلَّت قدرته إلى شعيا «شعيب» ﵇ إني مهلك من قومك مائة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم وستين ألفاً من خيارهم فقال ﵇: هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال: داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي (٢).

стр. 255

وقارنها بفعل علي ﵁ مع عمر بن الخطاب ﵁ حين نصحه بعدم الخروج للروم قائلاً: «إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة (١) دون أقصى بلادهم ليس بعدك مرجع يرجعون إليه فابعث إليهم رجلا محربا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين» (٢)، فإن كان عمر ﵁ مرتداً أو ضالاً - وحاشاه من ذلك - كان علي ﵁ مداهناً له فكلامه لا يحتمل إلا أن يكون كلام حق في صالح عادل أو مداهنة لظالم غاشم. الرواية الرابعة: قال سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر وابنه جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر فقالا لي يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى وقال: ما أدركت أحداً من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما (٣). الرواية الخامسة: وحتى جابر الجعفي وهو من مبغضي الصحابة وممَّن يتقوَّل على آل البيت ويضع الروايات عليهم في سبِّ أصحاب النبي رضوان الله عليهم، لم يستطع إلا أن ينقل مدح أئمَّة أهل البيت لأصحاب رسول الله ﵌ فقال: قلت لمحمد بن علي: «أكان منكم أهل البيت أحد يزعم أن ذنباً من الذنوب شرك؟ قال: لا قال قلت: أكان منكم أهل البيت أحد يقر بالرجعة؟ قال: لا،

стр. 256

قلت: أكان منكم أهل البيت أحد يسبُّ أبا بكر وعمر؟ قال: لا، فأحبّهما وتولّهما واستغفر لهما» (١). ما كان نقله لمثل هذه الرواية إلا لاستفاضة المدح للصحابة بحيث يستحيل أن يخفيه هو أو غيره. الرواية السادسة: قال عروة بن عبد الله سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف فقال: «لا بأس به قد حلَّى أبو بكر الصدّيق سيفه»، قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ قال: فوثب وثبةً واستقبل القبلة ثم قال: «نعم الصدّيق نعم الصدّيق فمن لم يقل الصدّيق فلا صدَّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة» (٢). لقد كان «الباقر» مثالاً حياً لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، فلم تكن في نفسه خبيئة على أصحاب رسول الله ﵌ بل كان يجلهم ويعرف لهم حقهم الذي افترضه الله تعالى عليه وعلى المؤمنين جميعا. الرواية السابعة: يقول «الباقر» ﵁ في معرض تعبيره عن استنكاره ورفضه للتهم الباطلة المنسوبة إليه في نظرته للصحابة ﵃: «يا جابر بلغني

стр. 257

أنّ قوماً بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر ويزعمون أني أمرتهم بذلك فأبلغهم عني أنِّي إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده -يعني نفسه- لو وُلِّيت لتقربت إلى الله بدمائهم، ولا نالتني شفاعة محمد ﵌ إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما وسابقتهما فأبلغهم أني بريء منهم وممن تبرأ من أبي بكر وعمر ﵄» (١). وقيَّد ﵁ معرفة هدي النبي ﵌ بمعرفة فضل أبي بكر وعمر فقال: «من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السُنَّة» (٢). الرواية الثامنة: عندما سئل عن تفسير قول الله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٣)، قال: «هم أصحاب محمد ﵌، فقال: قائل: يقولون هو علي فأجابه «الباقر» ﵁ قائلا: هو من أصحاب محمد ﵌» (٤). وتفسيره هذا إنَّما هو دلالة على علمه وفقهه وحكمته، فإطلاق العموم مع إرادة الخصوص منافٍ لبيان وفصاحة كتاب الله جل وعلا، فعندما عمَّم الله ﷻ اللفظ لا يمكن أن يُحمل هذا اللفظ على الخصوص إلا بقرينة وهي منتفية هنا.

стр. 258

الرواية التاسعة: روى أبو نعيم بسنده إلى محمد «الباقر» ﵁ أنّه قال: «لما طعن عمر ﵁ بعث إلى حلقة من أهل بدر كانوا يجلسون بين القبر والمنبر فقال: يقول لكم عمر أنشدكم الله أكان ذلك عن رضا منكم؟ فتلكأ القوم فقام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال: لا، وددنا أنّا زدنا في عمره من أعمارنا» (١). الرواية العاشرة: ثم يروي «الباقر» رضي الله تعالى عنه أن جده عليّا رضي الله تعالى عنه دخل على عمر بعد موته، وهو مسجَّى على سريره، فقال: «ما أحب أن ألقى الله بصحيفة أحد إلا بصحيفة هذا المسجى» (٢). وهذه بعض الروايات التي وردت عن «الباقر» رضي الله تعالى عنه التي تبجِّل أبا بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- وتدلِّل على حبِّه وإجلاله لهما وأمَّا الطعن فيهما فلم يكن قط من منهج أئمة الهدى من آل البيت بل كان من وضع المُتقولين عليهم. الرواية الحادية عشر: ها هو كثيّر النواء يسأل «الباقر» رضي الله تعالى عنه فيقول: جعلني الله فداك، أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم من شيء أو ذهبا به؟ قال: لا والذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل، قال: قلت: جعلني الله فداك، فأتولاهما؟ قال: نعم ويحك! تولهما في

стр. 259

الدنيا والآخرة وما أصابك ففي عنقي، فعل الله بالمغيرة وبنان فإنهما كذبا علينا أهل البيت (١). الرواية الثانية عشر: ثم اقرأ ما يرويه «الباقر» عن عبد الله بن جعفر فيقول: «ولينا أبو بكر خير خليفة الله أبره وأحناه علينا» (٢). الرواية الثالثة عشرة: ولنقرأ ما رواه ابن عساكر أن كثير النوا قال: قلت لأبي جعفر إن فلانا حدثني عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾، قال: والله إنها لفيهم نزلت وفيمن نزلت إلا فيهم؟، قال: وأي غل هو؟، قال: غل الجاهلية أي بني تيم وعدنا وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة فجعل علي يسخن يده فيكمد بها خاصرة أبي بكر فنزلت هذه الآية (٣). الرواية الرابعة عشرة: ويخبرنا عروة بن عبد الله بن قشير أنه كان يتحاور مع أبي جعفر «الباقر» يحدثه فقال: «أبو بكر الصديق، قلت: الصديق؟، قال: نعم الصديق،

стр. 260

وذكر حديثا فيه ذكر عمر فقال: أمير المؤمنين عمر، قلت: أمير المؤمنين؟، قال نعم أمير المؤمنين» (١). الرواية الخامسة عشرة: روى «الباقر» عن جده علي ﵁ قوله: «إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ (٢)» (٣). الرواية السادسة عشر: وقد مدح الإمام «الباقر» عموم الأنصار فقال: «ما سُلَّت السيوف ولا أقيمت الصفوف في صلاة ولا زحوف ولا جهر بأذان ولا أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حتى أسلم أبناء القيلة: الأوس و الخزرج» (٤). الرواية السابعة عشرة: وهاهو «الباقر» رضي الله تعالى عنه ينقل عن أبيه زين العابدين قوله: «أتاني نفرٌ من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر، ثم ابتركوا (٥) في عثمان ابتراكاً، فلما فرغوا قال لهم علي بن الحسين: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ﴾ قالوا: لا، قال: فأنتم

стр. 261

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالوا: لا، قال: أمّا أنتم فقد برأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله : ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾» (١). الرواية الثامنة عشرة: ويؤكد «الباقر» رضي الله تعالى عنه كلام أبيه زين العابدين ويعضِّده بدفاعه عن ذي النورين عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيقول: «كان قتل عثمان على غير وجه الحق» (٢). وهي شهادة من «الباقر» رضي الله تعالى عنه لذي النورين عثمان رضي الله تعالى عنه بأنه كان إمام هدى وأنه قُتل شهيداً طاهراً نقيَّ الثوب رضي الله تعالى عنه و «الباقر» رضي الله تعالى عنه بهذا المدح والثناء لأصحاب النبي موافقٌ لصريح كتاب الله و للهدي النبوي الشريف فتأمل عزيزي القارئ ما سبق من روايات ثم قارن بينها وبين الأقوال المنسوبة كذباً وزوراً للباقر ﵁ واعرض كلا القولين على كتاب الله فما كان موافقاً لقول الرحمن أخذنا به وما كان مخالفاً له ضربنا به عرض الحائط وبرّأنا الإمام «الباقر» منه. إن اللعن والسب والبذاءة ليست من أخلاق ولا من شيم «الباقر» ﵁ ولا من شيم آل بيت النبوة ﵈ حتى مع المشركين، فهل يمكن أن يكون

стр. 262

منهجهم السب واللعن مع السابقين بالإسلام ومع من نصروا الدين وأعز الله بهم الإسلام؟. وقد ورد عن «الباقر» ﵁ قوله: «نهى رسول الله ﵌ أن يُسبّ قتلى بدر من المشركين وقال: لا تسبُّوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء، ألا إنّ البذاء لؤم» (١)، فكيف نقبل أن يُتَّهم «الباقر» رضي الله تعالى بالبذاءة، وبمخالفة هدي النبي ﵌، فننقل عنه أنه كان سبَّاباً لعاناً بذيئاً لئيماً؟ وقد سمعنا بقول الرسول ﵌: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» (٢)، فكيف يليق بنا ونحن ندَّعي اتِّباع محمد و آل بيته -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أن نخالفهم ونتخذ اللعن والسب ديناً ووسيلة نتقرب بها إلى الله؟ فشتَّان بين نهج «الباقر» وبين من هذا حالهم، وإن كنَّا صادقين في دعوانا بأنَّنا من أتباع محمد وآل بيته فيتوجَّب علينا أن نحذو حذوهم وأن نقتدي بهم وأن نتمثل بأخلاقهم، فننزه ألسنتنا عن اللعن والشتم وقبيح القول، ونترحم على كل من سبقنا في الإيمان وعلى رأسهم صحابة محمد رضوان الله تعالى عليهم، فهذا والله خلق أهل البيت.

стр. 263

الرواية التاسعة عشرة: ولم يتوقَّف «الباقر» عن الثَّناء على الشيخين حتى في حال مرضه ولحظاته الأخيرة، فعن سالم بن أبي حفصة قال: «دخلت على أبي جعفر وهو مريض فقال - وأظن قال ذلك من أجلي: اللهم إني أتولَّى وأحبُّ أبا بكر وعمر اللهم إن كان في نفسي غير هذا، فلا نالتني شفاعة محمد ﵌ يوم القيامة» (١). ويتضح جليّاً تغليظ «الباقر» وتشديده في مسألة الطعن بصحابة النبي رضي الله تعالى عنهم بروايته لحديث النبي ﵌: «من سب نبياً قُتل، ومن سب صاحب نبي جُلد» (٢). وأخيرا أقول لمن يطعن بخير البشر بعد رسول الله ﵌: قم كما قاموا، وصم كما صاموا، وانصر الدين كما نصروه، وافتح البلاد وانشر دين الله في الأرض كما فعلوا، وجاهد المشركين كما جاهدوا، قبل أن تحرك لسانك بالطعن فيهم ﵃ وأرضاهم، وصدق القائل: أقلِّوا عليهم - لا أبا لأبيكم - من اللو... م أو سدوا المكان الذي سدوا

стр. 264

مدحه لعطاء والحسن البصري عطاء بن أبي رباح مفتي أهل مكة ومحدثهم القدوة العلم، كان أسوداً مفلفلاً فصيحاً كثير العلم من مولدي الجند. قال أبو حنيفة: ما رأيت أحداً أفضل من عطاء، وقال ابن جريج كان المسجد فراشه عشرين سنة قال: وكان من أحسن النَّاس صلاة، قال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، وقال محمد بن عبد الله الديباج: ما رأيت مفتياً خيراً من عطاء إنَّما كان مجلسه ذكر الله لا يفتر، فإن سُئِل أحسن الجواب وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم خُيِّل إلينا أنه يؤيَّد، وقال عبد الله بن عباس: «يا أهل مكة تجتمعون علي وعندكم عطاء؟» (١). وكان أبو جعفر «الباقر» خير من يقدّر العلماء ومن يجلُّهم ويعرف لهم قدرهم فكان رضي الله تعالى عنه يقول للناس وقد اجتمعوا إليه: عليكم بعطاء، هو والله خيرٌ لكم مني، ويعظهم وينصحهم بأخذ العلم منه فيقول: خذوا من عطاء ما استطعتم، ويقول رضي الله تعالى عنه: ما بقي على ظهر الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء (٢).

стр. 265

ولم يكن مدح «الباقر» محصوراً بعطاء فقط، بل قد مدح كثيراً من أهل زمانه ممَّن عُرِفوا بالفقه والعلم والحكمة، فكان يمدح الحسن البصري، وهو مولى زيد بن ثابت وأمُّه كانت مولاة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وكان ﵀ فصيحاً أريباً عاقلاً وقد دعا له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال له: «اللهم فقِّهه في الدين، وحبِّبه إلى الناس»، وبلغ من فقهه أن قال عنه قتادة ﵀: «ما جالست فقيهاً قط، إلا رأيت فضل الحسن عليه» (١). وقد أجزل «الباقر» رضي الله تعالى عنه في مدح الحسن البصري فقال عنه: «ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء» (٢).

стр. 266

مع الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز عمر بن عبد العزيز غنيٌّ عن التعريف، فهو الخليفة الأموي العادل الزاهد المعروف عند جميع الفضلاء بأنَّه أحد الخلفاء الراشدين لما عُرف عنه من العدل والورع، وقد تولى الخلافة في زمن «الباقر» رضي الله تعالى عنه. ولما ولي عمر بن عبد العزيز بعث إلى الفقهاء فقرَّبهم وكانوا أخصَّ النَّاس به وبعث إلى محمد بن علي بن حسين أبي جعفر - «الباقر» - وبعث إلى غيره؛ فلما قدم أبوجعفر محمد «الباقر» على عمر وأراد الانصراف إلى المدينة بينا هو جالس في الناس ينتظرون الدخول على عمر أقبل ابن حاجب عمر وكان أبوه مريضاً فقال: أين أبوجعفر ليدخل؟ فأشفق محمد بن علي أن يقوم فلا يكون هو الذي دعي به فنادى ثلاث مرات قال: لم يحضر يا أمير المؤمنين قال: بلى قد حضر حدثني بذلك الغلام، قال: فقد ناديته ثلاث مرات، قال: كيف قلت؟ قال: قلت: أين أبو جعفر؟ قال: ويحك اخرج فقل: أين محمد بن علي؟ فخرج فقام فدخل فحدثه ساعة وقال: إني أريد الوداع يا أمير المؤمنين قال عمر: فأوصني يا أبا جعفر، قال: أوصيك بتقوى الله واتخذ الكبير أباً والصغير ولداً والرجل أخا، فقال: رحمك الله جمعت لنا والله ما إن أخذنا به وأعاننا الله عليه استقام لنا الخير إن شاء الله، ثم خرج. فلما انصرف إلى رحله أرسل إليه عمر: إنِّي أريد أن آتيك فاجلس في إزار ورداء، فبعث إليه: لا بل آتيك، فأقسم عليه عمر فأتاه عمر فالتزمه فوضع صدره

стр. 267

وأقبل يبكي ثم جلس بين يديه ثم قام وليس لأبي جعفر حاجة سأله إياها إلا قضاها له وانصرف فلم يلتقيا حتى ماتا جميعاً رحمهما الله (١). ولما لم يرق للوضَّاعين الزائغين تلك العلاقة الحميمة التي جمعت بين «الباقر» وعمر بن عبد العزيز، فبلغ من مكرهم وخبثهم أن نسبوا للباقر الطعن بعمر بن عبد العزيز، وهم في ذلك ينسبون إلى «الباقر» النِّفاق من حيث لا يشعرون، فهو إن لقي عمر كان له ناصحاً محبًّا، وإن غاب عنه كان طاعناً ذامّاً. فقد روى الراوندي عن أبي بصير قوله: «كنت مع «الباقر» ﵇ في المسجد، إذ دخل عليه عمر بن عبد العزيز، عليه ثوبان ممصران متكئاً على مولى له فقال ﵇: ليلينَّ هذا الغلام، فيُظهر العدل، ويعيش أربع سنين، ثم يموت فيبكي عليه أهل الأرض، ويلعنه أهل السماء» (٢). والرواية سالفة الذكر بينة الوَضع لأمرين: أولاً: نسبتها علم الغيب للإمام «الباقر»، والله سبحانه هو المستأثر وحده بعلم الغيب، فحتى نبيُّ الله محمد ﵌، على ما لديه من الكرامة عند الله قد قال الله تعالى فيه: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ

стр. 268

وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١). و «الباقر» رضي الله تعالى عنه على ما له من المكانة والرفعة ليس بنبي يوحى إليه حتى يُفترض إيحاء مثل هذه الغيبيات له، فالوحي من خصائص النبوة التي لاتُتصور في غير النبي. وقد صرَّح الإمام علي رضي الله تعالى عنه بانقطاع الوحي بعد النبي ﵌ كما في «نهج البلاغة» فقال: «أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن، فقفي به بالرسل، وختم به الوحي...» (٢). ثانياً: الرواية ضعيفة السند، فراويها هو «أبو بصير» قد اختُلف في تحديد هويته لكونه لقباً مشتركا بين أربعة رواة هم ليث بن البختري، ويحيى بن أبي القاسم المكفوف ويوسف بن الحارث، وعبد الله بن محمد الأسدي (٣)، فإذا تعذَّر الجزم بشخصية الراوي وقد عُلم الاختلاف بوثاقة الأربعة كانت الرواية مردودة. ثالثاً: كيف ينقلون عن «الباقر» اعترافه بعدل هذا الفتى وسيرته العطرة ثم هو ملعون في السماء؟!، ممدوح في الأرض؟!، لقد ورد في الصحيح «أنّ الله إذا أحب عبدا وضع له القبول في الأرض»، فمعذرة يا أولي الألباب.

стр. 269

الفصل السادس الإمام «الباقر» فقيهاً كان زمن «الباقر» رضوان الله تعالى عليه زمناً انتشر فيه العلم وازدهر فقد كثر التابعون الذين تناقلوا هذا العلم عن أصحاب رسول الله فدونوه وعملوا به وعلّموه للناس، فبرز على جانب بروز «الباقر» ﵁ أئمة أعلام شهد التاريخ بعطائهم وفضلهم منهم: سعيد بن المسيب -الذي قال فيه سليمان بن موسى: «كان سعيد بن المسيب أفقه التابعين» (١). وعطاء بن أبي رباح الذي قال فيه الإمام «الباقر» وقد اجتمع عليه الناس: «عليكم بعطاء هو والله خير لكم مني» (٢). وعبد الله بن ذكوان -وقد قال فيه علي بن المدينى: «لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، و يحيى بن سعيد الأنصاري و أبي الزناد - عبد الله بن ذكوان- و بكير بن عبد الله بن الأشج» (٣).

стр. 270

وعلقمة بن قيس الذي بلغ من فقهه أن يسأله بعض أصحاب رسول الله ويستفتونه (١)، وغيرهم كثير. وفي هذا الباب سأورد بعضاً مما تيسّر جمعه عن فقه «الباقر» ﵁: من أحكام الطهارة: - ذهب «الباقر» إلى أنّ مسح مقدم الرأس يجزئ في الوضوء، وهو قول الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وزيد بن علي وغيرهما، وقد استحبّ كثير من العلماء مسح جميع الرأس، وذهب إلى وجوبه مالك والمزني والجبائي وغيرهم (٢). - واختار «الباقر» ﵁ المذهب القائل بأنّ القيء لا ينقض الوضوء وهو قول الشافعي و «الصادق»، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى ضد ذلك وقيّده بقيود: الأول: كونه من المعدة والثاني: كونه ملء الفم والثالث: كونه دفعة واحدة (٣). - اختار «الباقر» القول القائل بأنّ الرعاف (٤) لا ينقض الوضوء، ووافقه على ذلك الشافعي و «الصادق» ﵃ أجمعين وهو قول ابن عباس وأبي هريرة من الصحابة وابن المسيب من التابعين، وخالفهم بذلك أبو حنيفة وأحمد وغيرهما.

стр. 271

الصلاة: الصلاة هي عمود الدين، وهي الركن الثاني من أركان الاسلام، وقد بلغت أهميتها أن جعلها النبي ﵌ عنوانا للمسلم، وتوعد تاركها بالعقاب الشديد، وقد جعلها العلامة الفارقة بين المسلم والكافر، فقد ورد عنه ﵌ أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» (١) - ذهب «الباقر» إلى أنّ البريد أقل مسافة للقصر مستدلاً بالحديث الذي يرفعه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى النبي ﵌: «لا يحل لامرأة تسافر بريداً (٢) إلا ومعها محرم» (٣) حيث نص على أنّ من سافر بريداً أو أكثر حلَّ له القصر (٤). - وأما مسألة ائتمام المقيم بالمسافر، فقد رأى «الباقر» ﵁ جواز ذلك وخالفه بذلك الهادي والقاسم وأبو طالب وأبو العباس وطاوس وداود والشعبي والإمامية وقالوا بعدم الصحة لقوله ﵌: «لا تختلفوا على إمامكم» وقد خالف في العدد والنية، وقد ذهب زيد بن علي والمؤيد بالله وأحمد بن عيسى والشافعية والحنفية إلى الصحَّة إذ لم تُفَصّل أدلة الجماعة - وهو الراجح- ويدل

стр. 272

للجواز مطلقاً ما أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس ﵁: «أنه سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتم بمقيم فقال: تلك السنة» وفي لفظ أنه قال له موسى بن سلمة: «إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا صلينا ركعتين فقال تلك سنة أبي القاسم ﵌». وقد أورد الحافظ هذا الحديث في التلخيص ولم يتكلم عليه وقال: إن أصله في مسلم والنسائي بلفظ: «قلت لابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام قال: ركعتين سنة أبي القاسم» (١). - أما في الصلاة الإبراهيمية (٢) في الصلاة، فقد وافق «الباقر» القائلين بوجوبها ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن مسعود وجابر بن زيد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي والقاسم والشافعي وابن حنبل ﵃ أجمعين (٣).

стр. 273

هل يصلي المسافر صلاة الجمعة: - ذهب الإمام «الباقر» و أخوه الإمام زيد بن علي إلى أنها لا تجب عليه ولو كان نازلاً وقت إقامتها، واستدلوا بحديث جابر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأةً أو مسافراً أو عبداً أو مريضاً»، وقال الهادي والقاسم وأبو العباس والزهري والنخعي: «إنها تجب على المسافر إذا كان نازلا وقت إقامتها لا إذا كان سائرا» ومحل الخلاف هل يطلق اسم المسافر على من كان نازلا أو يختص بالسائر (١). فقه رمضان: - سئل الإمام «الباقر» ﵁ عن رجل شهد عليه الشهود أنه أفطر ثلاثة أيام من شهر رمضان، فقال: «يُسأل هل عليك في إفطارك في شهر رمضان إثم؟ فإن قال: لا، فعلى الإمام أن يقتله، وإن قال: نعم، فعلى الإمام أن ينهكه ضربا» (٢) (٣). - ويرى «الباقر» ﵁ أنّ من أكل أو شرب ناسياً فلا شيء عليه، وأن عليه إتمام صومه «وهو قول الجمهور»، وهذا نابع من علمه بقول النبي صلى الله عليه

стр. 274

وآله وسلم: «من نسي وهو صائمٌ فأَكل أو شرب فلْيتمَّ صوْمهُ فإنما أَطعمهُ الله وسقاه» وفي رواية الترمذي «فإنما هو رزق ساقه الله إليه» (١). فقه الزكاة: - ذهب «الباقر» ﵁ إلى جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور وإجزائها «وهذا قول الجمهور»، وقد استدلوا بذلك بأقوال لابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهم أجمعين، منها قول عبد الله بن عمر ﵄: «ادفعوا صدقة أموالكم إلى من ولاه الله أمركم فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها» وقوله أيضا: «ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمور»، أما من خالف في هذا الرأي فقد استند إلى قول الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٢)، ويجاب بأن هذه الآية على تسليم صحة الاستدلال بها على محل النزاع عمومها مخصص بالأحاديث الواردة في هذا الباب (٣). أحكام الطلاق: - ذهب «الباقر» ﵁ إلى أنه لا بد من النية ليقع الطلاق، فلا يقع طلاق الهازل، واستدلَّ بذلك بعموم حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ووافقه على ذلك أحمد

стр. 275

وابنه «الصادق» رضوان الله عليهما، وخالفه الشافعية والأحناف، وأجابوا بأن هذا العموم إنما هو مخصَّص بما جاء من أحاديث تدل على وقوع الطلاق والله أعلم (١). - ارتأى «الباقر» ﵁ عدم وقوع الطلاق البدعي (٢)، ووافقه على ذلك ابنه «الصادق» وابن حزم وحكاه الخطابي عن الخوارج وغيرهم، وقد خالفوا بذلك قول الجمهور (٣)، واستند الجمهور إلى أحاديث منها ما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه أخبر النبي ﵌ أنه طلّق امرأته وهي حائض فذكر عمر لرسول الله ﵌ فتغيظ فيه رسول الله ﵌ ثم قال: «ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة كما أمره الله» (٤). فقه الحدود: - ذهب «الباقر» إلى أنّ يد السارق تقطع بثلث دينار، والمسألة خلافية بين العلماء فمنهم من قال «درهمين» وقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة بسند قوي أن أبا بكر الصديق قطع في شيء ما يساوي «درهمين»، ومنهم من قال تقطع في «ثلاثة»، ومنهم

стр. 276

«أربعة» ونقل ابن المنذر هذا القول عن أبي هريرة وأبي سعيد، ومنهم من قالوا «خمسة» كالحسن البصري والنخعي وغيرهما (١).

стр. 277

الفصل السابع حكمه ومواعظه رزق الله الإمام «الباقر» مع كريم سجاياه حسن الموعظة والحكمة التي قال الله تعالى فيها: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١). وقد نقل عنه العلماء العدول المشهود لهم بالصلاح والتقى شذرات من الحكم والمواعظ نتحفك ببعضها: قال محمد بن علي «الباقر» ﵁: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد وقال أيضا رواية الحديث وبثه في الناس أفضل من عبادة ألف عابد» (٢)، وقال: «لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان» (٣). وقال جابر: قال لي محمد بن علي: «يا جابر، إني لمحزون وإني لمشتغل القلب قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر، إنه من دخل قلبه صافي دين الله شغله عما سواه، يا جابر، ما الدنيا وما عسى أن تكون هل هي إلا مركباً ركبته أو ثوباً لبسته أو امرأةً أصبتها، يا جابر، إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ولم

стр. 278

يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار، إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك قوالين بحق الله قوامين بأمر الله قطعوا لمحبة ربهم ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم وعلموا أن ذلك من أمر خالقهم، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه، وكما أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شيء، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته» (١). وسُئل «الباقر» ﵁: من أشد الناس زهداً؟ قال: «من لا يبالي الدنيا في يد من كانت، فقيل له: من أخسر الناس صفقة؟ قال: من باع الباقي بالفاني، فقيل له: من أعظم الناس قدرا؟ قال: من لا يرى الدنيا لنفسه قدرا» (٢). وعن جعفر بن محمد «الصادق» عن أبيه «الباقر» قال: «جاءه رجل فقال أوصني قال هيئ جهازك وقدم زادك وكن وصي نفسك» (٣). ويروى أنّ ابنا لأبي جعفر «الباقر» ﵁ مرض، وجزع «الباقر» عليه جزعاً شديداً حتى خشي عليه الناس، فلما توفي ابنه خرج «الباقر» فصار مع الناس

стр. 279

فقال له قائل: «خشينا عليك، فأجابه «الباقر» بقوله: إنا ندعو الله فيما نحب، فإذا وقع ما نكره لم نخالف الله فيما يحب» (١). وقال ﵁: «الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه» (٢). وروي عن «الباقر» ﵁ أنه قال: «ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى الله من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإنّ أسرع الخير ثواباً البر، وإنّ أسرع الشر عقوبةً البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه» (٣). ومن أقواله: «الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن ولا تصيب الذاكر» (٤). وقال ﵁: «أشد الأعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال وإنصافك من نفسك ومواساة الأخ في المال» (٥).

стр. 280

وقال جعفر بن محمد ﵁: «ذهبت بغلة أبي فقال: لئن ردها الله عليّ لأحمدنَّه بمحامد يرضاها، فما كان بأسرع من أن أُتي بها بسرجها لم يفقد منها شيء فقام فركبها، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد على ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: فهل تركت أو أبقيت شيئاً؟ جعلت الحمد كله لله » (١). وروي عنه أنه قال: «اعرف مودة أخيك لك بما له في قلبك من المودة، فإنّ القلوب تتكافأ» (٢). ومن أقواله: «كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه» (٣). وقال أيضا: «سلاح اللئام قبيح الكلام» (٤). وروي عنه قوله لابنه: «إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة إنك إذا كسلت لم تؤد حقاً وإن ضجرت لم تصبر على حق» (٥).

стр. 281

وقال أيضاً: «الإيمان ثابت في القلب واليقين خطرات فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية وما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر منه» (١). وقال أيضاً: «من أعطى الخلق والرفق فقد أعطي الخير كله والراحة وحسن حاله في دنياه» (٢). وقال: «إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب وتورث النفاق» وقال: «الذين يخوضون في آيات الله هم أصحاب الخصومات» (٣). وأورد الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» نُصح الإمام زين العابدين لابنه ﵄ وقوله له: «يا بني، اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق ولا تخيب أخاً لك إلَّا في الأمر الذي مضرته عليك أكثر من منفعته» (٤).

стр. 282

حكم ومواعظ سبقه إليها غيره بعد إيرادنا صنوفا من الحكم التي جرت على لسان الإمام «الباقر» ﵁، والتي رواها عنه العلماء الثقات الأثبات، سنأتي الآن على بعض الحكم التي نسبت إليه وليست من كلامه، كبعض الأحاديث النبوية الشريفة، وحِكم الصحابة أو التابعين رضوان الله تعالى عليهم، فمنها: الحكمة الأولى: روي عن «الباقر» قوله: «كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاث عيون، عين سهرت في سبيل الله، وعين فاضت من خشية الله، وعين غضت عن محارم الله» (١). وأصله ما رواه أبو ريحانة عن النبي ﵌ قال: «حرمت النار على عين دمعت من خشية الله حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، قال: ونسيت الثالثة، قال أبو شريح: و سمعت بعد أنه قال: حرمت النار على عين غضت عن محارم الله أو عين فقئت في سبيل الله» (٢). الحكمة الثانية: روى المجلسي عن «الباقر» أنه قال: «إنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلّبها كيف يشاء ساعةً كذا، وساعةً كذا» (٣).

стр. 283

وأصله ما رواه أنس عن النبي ﵌ أنه قال: «كان رسول الله ﵌ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك فقلت: يا رسول الله آمنّا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم إنّ القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» (١). الحكمة الثالثة: أورد اليعقوبي قول «الباقر» ﵁: «إنّ الله يبغض اللعان السباب، الطعان الفحاش المتفحش، السائل الملحف، ويحب الحيي الحليم، العفيف المتعفف» (٢). وأصله ما روي عن النبي ﵌: «إنّ الله يحب الحيي العفيف الحليم ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف» (٣). الحكمة الرابعة: وروى ابن بابويه القمي عن الإمام «الباقر» ما نصه: «ثلاثة من عمل الجاهلية: الفخر بالأنساب، والطعن في الأحساب، والاستسقاء بالأنواء» (٤).

стр. 284

وأصله قول النبي ﵌: «ثلاث من عمل الجاهلية لا يتركهن أهل الإسلام: النياحة والاستسقاء بالأنواء والتعاير» (١). الحكمة الخامسة: وروى النوري الطبرسي عن «الباقر» أنه قال: «الكذب كله إثم إلا ما نفعت به مؤمنا، أو دفعت به عن دين المسلم» (٢). وأصله ما رواه جابر عن النبي ﵌: «... والكذب كله إثم إلا ما نفعت به مؤمناً ودفعت به عن دين وإنّ في الجنة لسوقاً ما يباع فيها ولا يشترى ليس فيها إلا الصور فمن أحب صورة من رجل أو امرأة دخل فيها» (٣). الحكمة السادسة: روى زين الدين العاملي عن «الباقر» قوله: «إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه - أو قال- على حسب دينه» (٤). وأصله ما رواه الإمام أحمد بسنده عن سعد ﵁ قال: «يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل حتى يبتلى العبد على قدر دينه ذاك فإن كان صلب الدين ابتلى على قدر ذاك وقال مرة أشد بلاء وإن كان في دينه رقه ابتلى

стр. 285

على قدر ذاك وقال مرة على حسب دينه قال فما تبرح البلايا عن العبد حتى يمشى في الأرض يعنى وما إن عليه من خطيئة» (١). الحكمة السابعة: روى زين الدين العاملي عن «الباقر» قوله: «الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسه لذاتها وشهواتها دخل النار» (٢). وأصله حديث النبي ﵌: «حُفّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» (٣). الحكمة الثامنة: روى عباس القمي عن الإمام «الباقر» قوله: «الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه» (٤). وأصله ما روي عن النبي ﵌: «إن الحياء والإيمان قُرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر» (٥).
следующие страницы →