← Тараджим

Тараджим · id 30278

عبق الرياحين في سيرة ذي الجناحين

نايف منير فارس

Полный текст (251 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فقد «... بعث رسول الله ﵌ جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية، فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس رسول الله ﵌» (١). ليس من السهل على أي إنسان أن يثق بإنسان آخر في أموره المهمة، فكيف بالأمور الأهم. فأمَّا الأمور الأهم فنجد أن الإنسان يحرص كلَّ الحرص على عملها ومتابعتها بنفسه، فإن لم يستطع فإنه يبذل استطاعته ليجد إنساناً تتوفر فيه جميع شروط الأمانه والإخلاص ويكون صاحب ثقة وصدق، وأي أمر أهم من الزواج، فبالطبع كل أمر من الأهمية بمكان يكون التوكيل لإنجازه من أهم المهمات الصعبة، وبالتالي يجب أن تتوفر في الموكَّل إليه مواصفات عاليه لأداء هذه المهمة. وهذا ما فعله ﵌ عندما اختار جعفراً ﵁، ليكون صاحب هذه المهمة. فيا لها من ثقة من المصطفى ﵌ والتي كانت في محلِّها- لجعفر ﵁، الذي احترم هذه الثقة ونفذَّها كما طُلبت على أكمل وجه. حب الصحابة لجعفر بن أبي طالب ﵁ -: لقد كان الصحابة يحبون بعضهم البعض، وكانت علاقتهم علاقة احترام

стр. 107

متبادل، وكانت قلوبهم مجتمعة على قلب رجل واحد، حيث كانوا كما قال ﵌ في المؤمنين: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١). ومن هذا الحب والإحترام حبهم لجعفر بن أبي طالب ﵁. فعن الشعبي عن عبد الله بن جعفر قال: «كنت أسأل عليا ﵁ الشيء فيأبى علي فأقول: بحق جعفر، فإذا قلت بحق جعفر، أعطاني» (٢). وعن عامر قال: حدثني عبد الله بن جعفر قال: «ما سألت عليا شيئا قط بحق جعفر إلا أعطانيه» (٣). وعن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «كان علي بن... أبي طالب ﵁ غضب على الأشتر وقلاه واستثقله فكلمني أن أكلم أمير المؤمنين عليا يرضى عنه، فكلمته أن يرضى عنه فلم يشفعني، وكنت إذا سألته فلم يفعل سألته بحق جعفر ﵁ فيشفعني فسألته بحق جعفر ﵁ فشفعني ورضي عنه» (٤). وقد سمى علي ﵁ ابنه الحسين ﵁ جعفراً، حباًّ في جعفر ﵁: فعن محمد بن علي عن علي ﵁ قال: «لما ولد الحسن سماه حمزة

стр. 108

فلما ولد الحسين سماه بعمه جعفر، قال: فدعاني رسول الله ﵌ فقال: إنى أمرت أن أغيِّر اسم هذين، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسماهما حسناً وحسيناً» (١). وقد مرَّ معنا الحديث الذي فيه سلام عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ على عبد الله بن جعفر ﵁، بقوله: «السلام عليك يا ابن ذي الجناحين». موقفه من ابنة عمه مع أخيه علي وزيد بن حارثة: ركب رسول الله ﵌ وصحبه إلى مكة، حيث أرادوا العمرة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، فكان صلح الحديبية، وبعد هذا الصلح وخروج النبي ﵌ من مكة راجعا للمدينة تبعتهم ابنة حمزة ﵁، فاختصم في أخذها علي وزيد وجعفر ﵃: فعن البراء ﵁ قال: «اعتمر النبي ﵌ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلمَّا كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﵌ فقالوا: لا نقر بها فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك لكن أنت محمد بن عبد الله، قال: «أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». ثم قال لعلي: «امح رسول

стр. 109

الله». قال: لا والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله ﵌ الكتاب فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها». فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﵌، فتبعتهم ابنة حمزة يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذها بيدها، وقال لفاطمة ﵍: دونك ابنة عمك احملها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﵌ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم». وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك». وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي». وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (١). وفي رواية عن علي ﵁ قال: «خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة بن... عبد المطلب فقال جعفر بن أبى طالب: أنا آخذها وأنا أحق بها، بنت عمي وعندي خالتها، وإنما الخالة أم، وهي أحق بها، وقال علي: بل أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله ﵌، وهى أحق بها، وإنى لأرفع صوتى ليسمع رسول الله ﵌ حجتي قبل أن يخرج، وقال زيد: بل أنا أحق بها، خرجت إليها وسافرت، وجئت بها، فخرج رسول الله ﵌ فقال ما شأنكم؟، فقال علي: بنت عمي، وأنا أحق بها، وعندي ابنة رسول الله ﵌ تكون معها، أحق بها من غيرها، وقال جعفر:

стр. 110

أنا أحق بها يا رسول الله، ابنة عمي، وعندي خالتها، والخالة أم، وهي أحق بها من غيرها، وقال زيد: بل أنا أحق بها يا رسول الله، خرجت إليها، وتجشمت السفر، وأنفقت، فأنا أحق بها، فقال رسول الله ﵌: سأقضي بينكما فى هذا وفي غيره، قال علي: فلما قال: وفى غيره، قلت: نزل القرآن في رفعنا أصواتنا، فقال رسول الله ﵌: أما أنت يا زيد بن حارثة، فمولاى ومولاها، قال: قد رضيت يا رسول الله. قال: وأما أنت يا جعفر، فأشبهت خلقى وخلقى، وأنت من شجرتى التي خلقت منها، قال: رضيت يا رسول الله، قال: وأما أنت يا علي، فصفيى وأمينى، وأنت منى وأنا منك، قلت: رضيت يا رسول الله، قال: وأما الجارية فقد رضيت بها لجعفر، تكون مع خالتها، والخالة أم، قالوا: سلمنا يا رسول الله» (١). وهكذا قضى رسول الله ﵌ بينهم قضاءً عظيماً فريداً، فهو ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وانظر أيضاً إلى التربية النفسية الفريدة لرسول الله ﵌، كلٌ يفضي إلى ابنة حمزة بنسب أو سبب، فكيف يكون القضاء؟ ولابد من أن يقضي لواحدٍ، فكيف يكون لغيره الرضا؟ فقضى بها النبي ﵊ لخالتها، وهي زوجة جعفر ﵁، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، ثم قال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخُلقي» وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فأثنى على كل واحد منهم بما طيَّب نفسه

стр. 111

وخاطره، وقضى ﵊ بما هو الأصلح والأكمل. دعوته وأثره التربوي والدعوي في الآخرين: كان لدعوة جعفر ﵁ المتخرّج من المدرسة النبوية عظيم الأثر في إسلام النجاشي ﵀ وغيره. وسنأخذ في الفقرات التالية نماذج ممَّن تأثر بدعوته ﵁. دعوة جعفر ﵁ للنجاشي وإسلامه: لقد أُرسل رسول الله ﵌ لتبليغ الدين الإسلامي للناس كافة، وحمل عنه هذا الدين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ففهموا وفقهوا أهمية الدعوة، وما كانوا ليزهدوا في أجرها العظيم، فقد قال ﵌: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (١). وهكذا كان جعفر ﵁ من السابقين إلى هذه الدعوة المباركة، فقد كان من الأولين السابقين لتبليغ الإسلام ونشره، فلا عجب أن يسلم على يديه ﵁ ملك الحبشة النجاشي ﵀ (٢)، وأن يكون له في الحبشة موقف متميز دافع فيه عن الإسلام دفاعاً مؤثراً أمام النجاشي، وذلك بعد حوار حدث بينه وبين جعفر ﵁، فبيّن جعفر للنجاشي عقيدة التوحيد ومن ثم شهد النجاشي بنبوة محمد ﵌، واقتنع عند ذلك بالإسلام، ورفض

стр. 112

طلب القرشيين، وأعلن إسلامه وحمى المسلمين في بلاده. وقد مرَّ معنا قصة جعفر ﵁ ورفضه للسجود للملك النجاشي قائلاً: لا نسجد إلا لله، ثمَّ محاورته ﵁ للملك، وقد أخذ بسرد أركان الإسلام، وما تميَّز به، وما أُرسل به محمد ﵌ بوجازةٍ وإتقان، وكان من جملة ما بيَّنه ﵁، عقيدة المسلمين في عيسى ﵇ وأنَّه روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء مريم التي لم يقربها بشر. فأقرَّ النجاشي جعفراً ﵁ بعقيدته في عيسى ﵇، وكان آخر ما قال في هذه المحاورة: «مرحبا بكم و بمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، و أنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لهم بطعام وكسوة» (١). لئن كان النجاشي مَلكاً، فقد كان جعفرا مَلكاً باعتزازه بالإسلام، فهو مَلك يدعو إلى الآخرة، يدعو إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. وبين مَلك الدنيا والآخرة شتّان، فربّما وجد النجاشي في جعفر ﵁ شخصيّة الرجل الذي يبحث عنه. فأُعجب بخلقه وبدعوته، فأسلم منقادا ومذعناً لشهادة أن لا إله إلا الله. معلناً تَبرُّءَه من كل ما يُعبد من دون الله.

стр. 113

دعوة النجاشي عمرو بن العاص ﵁ للإسلام وإسلامه: وكان من ثمرة إسلام النجاشي ﵀، دعوته لعمرو بن العاص ليسلم ويصبح صحابياًّ من صحابة رسول الله ﵌: فعن حبيب بن أبي أوس قال: حدثني عمرو بن العاص مِن فِيه قال: «لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله اني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علواً كبيراً منكراً، وأني قد رأيت رأياً فما ترون فيه؟، قالوا: وما رأيت؟، قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرف، فلن يأتينا منهم إلا خير، فقالوا: إن هذا الرأي، قال: فقلت لهم: فاجمعوا له ما نهدي له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدماً كثيراً، فخرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﵌ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده، قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد، قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئا؟، قال: قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا، قال: ثم قدمته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك، وهو رسول

стр. 114

رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقاً منه، ثم قلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، فقال له: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟، قال: قلت: أيها الملك أكذاك هو؟، فقال: ويحك يا عمرو أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: فبايعني له على الإسلام، قال: نعم فبسط يده وبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامداً لرسول الله ﵌ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان، قال: والله لقد استقام المنسم وإن الرجل لنبي، أذهب والله أسلم فحتى متى، قال: قلت: والله ما جئت إلا لأسلم، قال: فقدمنا على رسول الله ﵌، فقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر وما تأخر، قال: فقال رسول الله ﵌: يا عمرو بايع فإن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، وأن الهجرة تجبُّ ما كان قبلها، قال: فبايعته ثم انصرفت. قال: ابن إسحاق وقد حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم حين أسلما» (١).

стр. 115

ثبات النجاشي على إسلامه: وقد ثبت النجاشي أصحمة على دينه، ولم يقبل أن يتنازل عن إسلامه حتى بعد محاولة الحبشة الخروج عليه. فعن محمد بن إسحق: حدثنى جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا. وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في قبائه عند المنكب الايمن. وخرج إلى الحبشة وصفوا له، فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبده ورسوله. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي، ووضع يده على صدره على قبائه: وهو يشهد أن عيسى

стр. 116

بن مريم لم يزد على هذا، وإنما يعنى ما كتب، فرضوا وانصرفوا» (١). إنَّ إسلام النجاشي والذي هو ملك الحبشة، وتحوله عن دين النصرانية التي أسس دعائم ملكه عليها، ليس أمراً سهلاً، فمعنى إسلامه أنَّ عرشه مهدّد بالسقوط، وملكه مهدّد بالزوال من البطارقة والقساوسة وسائر شعبه. فيا له من إيمان صادق وقوي. وبذلك بقي جعفر وأصحابه في الحبشة إلى أن قدموا على النبي ﵌ في غزوة خيبر. ولما توفي النجاشي طلب رسول الله ﵌ من الصحابة الاستغفار له والصلاة عليه: فعن أبى هريرة ﵁ قال: «نعى (٢) لنا رسول الله ﵌ النجاشى صاحب الحبشة، يوم الذى مات فيه فقال: «استَغفِروا لأخيكم». وعن أبي هريرة ﵁ قال: «إن النبي ﵌ صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعا» (٣). وفي رواية عن جابر ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: «إن أخاكم النجاشى قد مات فقوموا فصلوا عليه» (٤).

стр. 117

ولولا علم الرسول ﵌ بصدق إسلام النجاشي ﵀، لما أمر بالاستغفار له والصلاة عليه صلاة الغائب، خصوصاً أن المسافة بعيدة بين مكان رسول الله ﵌ ومكان النجاشي، وما كان النجاشي ليُسلم لولا فضل الله عليه وهدايته له أولاً، ثمَّ قوة تأثير شخصية جعفر الدعويَّة ﵁، التي تأثر بها النجاشي ﵀ حتى مات على الإسلام. وهذا إن دلَّ فإنما يدل على عمق أسلوب جعفر ﵁ الدعوي وحجته القويَّة المقنعة التي جعلت ملكاً من الملوك يسلم على يديه. فلا عجب أن يكون أميراً على المسلمين في هجرتهم إلى الحبشة. وفي هذا معجزة عظيمة للنبي ﵌، حيث أعلم أصحابه بموت النجاشي، في اليوم الذي مات فيه، مع البعد الكبير في المسافة بين أرض الحبشة والمدينة. وفاته ﵁ -: استُشهد ﵁ في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة (١). ويذهب المصطفى ﵌ إلى أسماء بنت عميس زوج جعفر الطيار الشهيد ﵁، ليُبلّغها خبر استشهاده وعيناه تهراقان الدموع، فيا له من مشهد يجعل العيون تدمع والقلوب تحزن لفراق جعفر ﵁. فعن عبد الله بن جعفر قال: «أنا أحفظ حين دخل النبى ﵌ على أمي ينعى لها... أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته، ثم قال: اللهم إن جعفراً قد قدم إلى

стр. 118

أحسن الثواب فاخلفه في ذريته ما خلفت أحداً من عبادك في ذريته، ثم قال: يا أسماء ألا أبشرك، قالت: بلى بأبي أنت وأمي، قال: فإن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة، قالت: بأبي وأمي يا رسول الله فأعلم الناس بذلك، فقام رسول الله ﵌ وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقى على المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى، والحزن يعرف عليه، فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه إلا أن جعفراً قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما فى الجنة، ثم نزل رسول الله ﵌ فدخل بيته وأدخلني، وأمر بطعام يصنع لأهلي وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده والله غداء طيباً ومباركاً، عمدت خادمته سلمى إلى شعير فطحنته، ثم نسفته ثم أنضجته وآدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا، فتغديت أنا وأخي معه، فأقمنا ثلاثة أيام فى بيته ندور معه كلما صار فى بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا، فأتى رسول الله ﵌ وأنا أساوم بشاة أخ لي فقال: اللهم بارك له في صفقته، فما بعت شيئاً ولا اشتريت إلا بورك لي فيه» (١). وعن عمرة قالت: سمعت عائشة ﵂ قالت: «لما جاء النبي ﵌ قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن (٢) وأنا أنظر من صائر الباب -شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن. فأمره أن ينهاهن، فذهب ثم أتاه الثانية، لم يطعنه، فقال: «انههن». فأتاه الثالثة، قال: والله لقد غلبننا يا رسول الله، فزعمت أنه قال: «فاحث في أفواههن التراب». فقلت: أرغم الله أنفك لم تفعل ما أمرك

стр. 119

رسول الله ﵌ الله ولم تترك رسول الله ﵌ من العناء (١) (٢). وعن عبد الله بن جعفر ﵁: «أن النبي ﵌ أمهل آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ادعوا لي بني أخي فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: ادعوا لي الحلاق. فأمره فحلق رؤوسنا» (٣). عن أسماء بنت عميس قالت: «لما أصيب جعفر ﵁ أمرني رسول الله ﵌ قال: تَسَلَّبي (٤) ثلاثا ثم اصنعي ما شئت» (٥). عن أبي إسحاق قال: أخبرنا أبو ميسرة: «أنه لما أتى النبي ﵌ قتل

стр. 120

جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة ذكر أمرهم فقال: «اللهم اغفر لزيد- ثلاثا، اللهم اغفر لجعفر ولعبد الله بن رواحة» (١). ولما أتى رسول الله ﵌ نعي جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة بكى وقال: أخواي ومؤنساي ومحدثاي (٢). وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: «كنت فيهم فى تلك الغزوة (٣) فالتمسنا جعفر بن أبى طالب، فوجدناه فى القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية» (٤). وعن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن جده ﵁ قال: «ضرب جعفر بن أبي طالب رجل من الروم فقطعه بنصفين فوقع إحدى نصفيه في كرم فوجد في نصفه ثلاثون أو بضع وثلاثون جرحا» (٥). وقد أخبر ﵌ أنه رأى جعفر وصاحبيه يشربون من خمر الجنة: «بينا أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعي، فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقالا: إنا سنسهله لك. فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل، فإذا أنا بأصوات شديدة، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار. ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما. قال: قلت: مَن

стр. 121

هؤلاء؟ قيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. فقال: خابت اليهود والنصارى، فقال سليم: ما أدري أسمعه أبو أمامة من رسول الله أم شيء من رأيه ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخا، وأنتنه ريحا، وأسوأه منظرا. فقلت: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء قتلى الكفار. ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخا، وأنتنه ريحا، كأن ريحهم المراحيض. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني. ثم انطلق بي فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات. قلت: ما بال هؤلاء؟ قيل: هؤلاء يمنعن أولادهن ألبانهن. ثم انطلق بي فإذا أنا بغلمان يلعبون بين نهرين. قلت: من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء ذراري المؤمنين. ثم شرف بي شرفا، فإذا أنا بثلاثة يشربون من خمر لهم. قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جعفر، وزيد، وابن رواحة. ثم شرف بي شرفا آخر، فإذا أنا بنفر ثلاثة. قلت: من هؤلاء؟ قال: هذا إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم ينتظرونك) (١). وهكذا وبعد حياة مليئة بالدعوة والجهاد في سبيل الله، استُشهد جعفر استشهاد الأبطال كما رأينا، وكان موته ﵁ من أعظم موتات البشر. بعد أن كانت سيوف أعدائه ورماحهم طريقاً عبر عليه ﵁ ليحوز على

стр. 122

الشهادة في سبيل الله. ذهب ومضى أبو المساكين ﵁ والمساكين يندبون فقده، وذهب فارس الفرسان، والشجعان يندبون فقده. وأنبأ العليم الخبير رسوله ﵌ بمصير المعركة، وبمصير جعفر، فاستودعه الله، وبكى، وبشَّر آل جعفر باستشهاده وأنه يطير في الجنة. وكان لجعفر يوم توفي إحدى وأربعين سنة (١)، ويقال: عاش بضعا وثلاثين... سنة ﵁ (٢)، وقيل غير ذلك ﵁ (٣). قال أبو الفرج الأصبهاني: قال علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قتل جعفر وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة. وهذا عندي شبيه بالوهم؛ لأنه قتل في سنة ثمان من الهجرة، وبين ذلك الوقت وبين مبعث رسول الله ﵌ إحدى وعشرون سنة، وهو أسن من أخيه أمير المؤمنين علي ﵇ بعشر سنين، وكان لعلي حين أسلم سنون مختلفة في عددها فالمكثر يقول كانت خمس عشرة، والمقلل يقول سبع سنين. وكان إسلامه في السنة التي بعث فيها رسول الله ﵌ لا خلاف في ذلك. وعلى أي الروايات قيس أمره علم أنه كان عند مقتله قد تجاوز هذا المقدار من السنين (٤).

стр. 123

أقول: ورواية أنَّ سنّ جعفر لما استشهد ﵁ كان إحدى وأربعين سنه أرجح، إذ أنَّ جعفر أسلم في بداية الدعوة كما علمنا، وحيث أنَّ بعض الروايات تذكر أنَّ علياًّ ﵁ أسلم وعمره عشر سنين، والثابت كما مرَّ معنا أنَّ جعفر ﵁ كان أسن من جعفر بعشر سنين، فيكون عمر جعفر حين أسلم نحو العشرين سنة، يُضاف إليها ثلاثة عشر سنة بعد البعثة في مكة، وثمان سنوات بعد الهجرة في المدينة حتى وقعت غزوة مؤتة، حيث استشهد ﵁. فمجموع عمره يكون إحدى وأربعين سنة على التقريب. والله أعلم. وقد أكرم الله جعفراً ﵁، بخلود ذكره، وبقاء أثره. قال جل ذكره: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١). فقد قُتل جعفرٌ شهيداً، بل هو سيد الشهداء، كان يسعى للشهادة، فنالها بعد أن بذل الغالي والنفيس ﵁ وأرضاه. مراثي الصحابة في جعفر ﵃ أجمعين: قال حسان بن ثابت يرثي قتلى مؤتة ومنهم جعفر ﵁ في قصيدة... تأوَّبَني (٢) لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أعْسَرُ (٣) ... وَهَمٌّ، إذا ما نَوّمَ النّاسُ، مُسْهِرُ (٤)

стр. 124

لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيّجتْ ثمّ عَبْرَةً... سَفُوحاً (١)، وأسْبَابُ البُكاء التَّذكُّرُ بلى إن فقدانَ الحبيبِ بليةٌ... وكمْ منْ كريمٍ يُبْتَلى، ثمّ يَصْبِر رأيتُ خيارَ المؤمنينَ تواردوا... شَعُوبَ (٢) وقدْ خُلّفْتُ فيمن يُؤخَّرُ فلا يُبْعِدَنّ الله قَتْلَى تَتَابَعُوا... بمؤتةَ، منهمْ ذو الجناحينِ جعفرُ وَزَيْدٌ، وعبْدُ اللَّهِ، حِينَ تتابعوا... جميعاً، وأسبابُ المنيةِ تخطرُ (٣) غداةَ غدوا بالمؤمنينَ يقودهمْ... إلى الموتِ ميمونُ النقيبة (٤) أزهرُ (٥) أغَرُّ كَلَوْنِ البَدرِ من آلِ هاشِمٍ... أبيٌّ (٦) إذا سيمَ (٧) الظلامةَ مجسرُ (٨) فطاعنَ حتى ماتَ غيرَ موسدٍ... بمُعْتَرَكٍ (٩)، فِيهِ القَنَا يَتَكَسّرُ فَصَارَ مَعَ المُسْتَشْهَدِينَ ثَوَابُهُ... جنانٌ، وملتفُّ الحدائقِ، أخضرُ وكنا نرى في جعفرٍ من محمدٍ... وَفَاءً، وأمْراً حازِماً حينَ يأمُرُ فما زالَ في الإسلامِ منْ آلِ هاشمٍ... دعائمُ عزٍّ لا ترامُ ومفخرُ

стр. 125

همُ جبلُ الإسلامِ، والناسُ حولهُ... رضامٌ (١) إلى طودٍ (٢) يروقُ ويقهرُ بهالِيلُ (٣) منهُمْ جَعْفَرٌ وَابْنُ أُمّهِ... عَلِيٌّ، ومِنهُمْ أحْمَدُ المُتَخَيَّرُ وَحَمزَةُ، والعَبّاسُ مِنْهمْ ومِنْهُمُ... عقيلٌ، وماءُ العودِ من حيثُ يعصرُ بهمْ تُفْرَجُ اللأواءُ (٤) في كلّ مأزقٍ... عماسٍ (٥)، إذا ما ضاقَ بالقوم مصدرُ هُمُ أوْلِيَاءُ اللَّهِ أنْزَلَ حُكمَهُ... عليهم، وفيهمْ ذا الكِتَابُ المُطهَّرُ (٦) وقال حسان بن ثابت يبكي جعفر بن أبي طالب ﵁: ولقدْ بكيتُ، وعزّ مهلكُ جعفرٍ... حِبِّ النبيّ، على البريّةِ كلّها ولقد جزعتُ، وقلتُ حينَ نعيتَ لي... من للجلادِ لدى العقابِ (٧) وظلها بالبِيضِ، حينَ تُسلُّ مِنْ أغمادِها... يوماً، وإنهالِ (٨) الرماحِ وعلها (٩) بعدَ ابنِ فاطمة (١٠) المباركِ جعفرٍ... خَيْرِ البَرِيّةِ كُلِّها وأجَلّها رُزءاً، وأكرَمِها جَميعاً مَحْتِداً (١١) ... وأعَزِّها مُتَظَلِّماً، وأذَلّها

стр. 126

للحقّ حينَ ينوبُ غيرَ تنحلٍ (١) ... كَذِبَاً، وأندَاها يداً، وأقَلّها فُحشاً، وأكثرِها، إذا ما يُجتدَى (٢) ... فضلاً، وأبذلها ندى، وأَبَلَّها بالعُرفِ غَير مُحمد لا مِثله... حي من أحياء البرية كلِّها (٣) وينهض بعد حسّان، كعب بن مالك، فيرسل شعره الجزل: نَامَ الْعُيُونُ وَدَمْعُ عَيْنِك يَهْمُلُ... سَحّا كَمَا وَكَفَ الطّبَابُ (٤) الْمُخْضَلُ فِي لَيْلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيّ هُمُومُهَا... طَوْرًا أَحِنّ وَتَارَةً أَتَمَلْمَلُ (٥) وَاعْتَادَنِي حُزْنٌ فَبِتّ كَأَنّنِي بِبَنَاتِ... نَعْشٍ وَالسّمَاكِ مُوَكّلُ وَكَأَنّمَا بَيْنَ الْجَوَانِحِ وَالْحَشَى... مِمّا تَأَوّبَنِي شِهَابٌ مُدْخَلُ وَجْدًا عَلَى النّفَرِ الّذِينَ تَتَابَعُوا... يَوْمًا بِمُؤْتَةِ أُسْنِدُوا لَمْ يُنْقَلُوا صَلّى الْإِلَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْيَةٍ... وَسَقَى عِظَامَهُمْ الْغَمَامُ الْمُسْبِلُ (٦) صبَرُوا (٧) بِمُؤْتَةِ لِلْإِلَهِ نُفُوسَهُمْ... حَذَرَ الرّدَى وَمَخَافَةً أَنْ يَنْكُلُوا (٨) فَمَضَوْا أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ كَأَنّهُمْ... فُنُقٌ (٩) عَلَيْهِنّ الْحَدِيدُ الْمُرْفَلُ (١٠)

стр. 127

إذْ يَهْتَدُونَ بِجَعْفَرٍ وَلِوَائِهِ... قُدّامَ أَوّلِهِمْ فَنِعْمَ الْأَوّلُ حَتّى تَفَرّجَتْ الصّفُوفُ وَجَعْفَرٌ... حَيْثُ الْتَقَى وَعْثُ (١) الصّفُوفِ مُجَدّلُ (٢) فَتَغَيّرَ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ لِفَقْدِهِ... وَالشّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وَكَادَتْ تَأْفِلُ (٣) قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانُهُ مِنْ هَاشِمٍ... فَرْعًا أَشَمّ وَسُؤْدُدًا مَا يُنْقَلُ قَوْمٌ بِهِمْ عَصَمَ الْإِلَهُ عِبَادَهُ... وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْكِتَابُ الْمُنْزَلُ فَضَلُوا الْمَعَاشِرَ عِزّةً وَتَكَرّمًا... وَتَغَمّدَتْ أَحْلَامُهُمْ مَنْ يَجْهَلُ (٤) لَا يُطْلِقُونَ إلَى السّفَاهِ حُبَاهُمْ (٥) ... وَيُرَى خَطِيبُهُمْ بِحَقّ يَفْصِلُ بِيضُ الْوُجُوهِ تُرَى بُطُونُ أَكُفّهِمْ... تَنْدَى إذَا اعْتَذَرَ الزّمَانُ الْمُمْحِلُ (٦) وَبِهَدْيِهِمْ رَضِيَ الْإِلَهُ لِخَلْقِهِ... وَبِجَدّهِمْ (٧) نُصِرَ النّبِيّ الْمُرْسَلُ (٨) وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤتة: كَفَى حَزَنًا أَنّي رَجَعْتُ وَجَعْفَرٌ... وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللّهِ فِي رَمْسِ أَقْبُر قَضَوْا نَحْبَهُمْ لَمّا مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ... وَخُلّفْتُ لِلْبَلْوَى مَعَ الْمُتَغَبّرِ (٩)

стр. 128

ثَلَاثَةُ رَهْطٍ قُدّمُوا فَتَقَدّمُوا... إلَى وَرْدِ مَكْرُوهٍ مِنْ الْمَوْتِ أَحْمَرِ (١) وقفات من سيرة جعفر ﵁ -: والآن لنقف بعض الوقفات المستقاة من سيرة جعفر الطيَّار: أول هذه الوقفات: أن الفضل والأجر والمثوبة بالسبق والعمل والبذل، وليس بالنسب والقرب والحب وحده؛ فإن جعفراً ﵁ وإن كان من النبي ﵌ قريب وإليه حبيب - إلا أنه كان لله باذلاً، وبأمره قائماً، ولسنة رسوله ﵌ متبعاً، وبشأن دعوته قائماً، فكان حينئذٍ على هذا المقام العظيم والقدر الجلي الذي كان عليه ﵁ وأرضاه. وثانيها: أن جعفراً ﵁ لم يكن مع رسول الله ﵌ وقتاً طويلاً، وذلك يدلنا على أن أساس الإيمان والإسلام ليس الارتباط بالأشخاص وإنما الاعتقاد بالحق والارتباط بكتاب الله وسنة رسوله ﵌، وهذا أمر عظيم؛ فإن جعفراً بقي محافظاً على إسلامه مع من معه من الصحابة، يحرصون على الإيمان والطاعة والعبادة ويتصلون ويأخذون ما قد يرد إليهم من أخبار الرسول عليهم الصلاة والسلام، ثم كانوا دعاة يدعون إلى الإسلام ويقيمونه فيما بينهم، وربُّوا عليه أبناءهم وأقاموه في مجتمعهم دون أن يكونوا قريبين ومتصلين مباشرة برسول الله ﵌. وثالثها: الحرص على السبق والفضل في مناقب الخير والدعوة، والبذل والنصرة لدين الله كما رأينا في قصة المفاضلة بين عمر وأسماء ﵃ أجمعين، كانوا أحرص شيءٍ على الخير، وأحب شيء إليهم

стр. 129

أن يبذلوا وأن يسبقوا في طاعة الله ومرضاته ونصرة دينه وعون عباده. ورابعها: من الخصال العظيمة التي يعظم بها أثر المسلم، ويخلد ذكره عند الناس، وتكون له في القلوب محبةً عظيمة، ومكانه كبيرة، ما كان من جود جعفر وكرمه ﵁ وأرضاه، وما كان من شجاعته وإقدامه، فكان في هذه الأحوال أي حال السكون وحال الإقامة على ذلك القدم من السبق في الإحسان والجود والإكرام، وكان في موضع الشدة والقتال على ذلك القدم من السبق في الشجاعة والإقدام ﵁. وخامسها: أن دعوة المسلم يحملها بين جنبيه، يشغل بها فكره، ويهتم بها قلبه، وينطق بها لسانه، ويجتهد في الإحسان والإتقان بقدر ما يستطيع؛ حتى تؤدي الدعوة ثمرتها، وتبلغ غايتها، كما رأينا في فطنة ودعوة جعفر بن أبي طالب ﵁ (١). - أبناء جعفر ﵃ أجمعين: كان رسول الله ص يحب بعد جعفر أبناء جعفر، ويضمهم إليه، ويشمهم (٢)

стр. 130

ويردفهم (١) ويقربهم؛ لما كان لجعفر ﵁ وأرضاه من الحب والمنزلة الأثيرة (٢). والآن سنطوف بإذن الله تعالى في محطَّاتٍ نذكر فيها سير أبناء جعفر ﵁، إنها سير أبناء البطل المجاهد الشهيد الذي حبّه رسول الله صحياًّ، وزكَّاه شهيداً، فطوبى له ولأبنائه حبّ رسول الله لهم. أولاً: عبد الله بن جعفر اسمه ونسبه وكنيته: هو عبد الله بن جعفر بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك (٣)، يكنى... بأبي جعفر (٤) القرشي الهاشمي، الصحابى ابن الصحابى وابن الصحابية (٥)، وقيل: أبو محمد وأبو جعفر أشهر وحكى المرزباني أنه كان يكنى أبا هاشم (٦). وهو ابن ابن عم الرسول ﵌. فهو

стр. 131

السيد العالم الحبشي المولد، المدني الدار، الجواد ابن الجواد ذي الجناحين (١). قال ابن فندق البيهقي: وأما الجعفرية، فهم أولاد جعفر بن أبي طالب، والمعقب المعروف من أولاد واحد، وهو عبد الله بن جعفر الجواد، فالجعفرية منسوبة إليه، ومن انتسب إلى غيره فهو كذاب (٢). وهو أخو عبد الله بن أصحمة النجاشي الحبشي ملك الحبشة من الرضاعة، فإن أسماء بنت عميس أرضعت ابنَ النجاشي بلبن ابنها عبد الله لما ولدته في الحبشة حتى فطمته (٣). مولده: وهو أول مولود ولد في الإسلام بالحبشة (٤) باتفاق العلماء (٥). وُلد على المعتمد في السنة الأولى من هجرة النبي ﵌، قدم مع أبيه المدينة على النبي ﵌ (٦). فعن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر: «أنهما بايعا رسول الله ﵌ وهما ابنا سبع سنين فلما

стр. 132

رأهما رسول الله ﵌ تبسم وبسط يده فبايعهما» (١). قال ابن حجر: والصحيح أن ابن الزبير ولد عام الهجرة (٢). فعليه يكون مولد عبد الله بن جعفر في السنة الأولى إن صح الحديث. أمه: أمه أسماء بنت عميس بن كعب بن ربيعة الخثعمي ل «أخت ميمونة بنت الحارث لأمها» (٣). وقد تقدمت ترجمتها و التعريف بها عند حديثنا عن زوجها جعفر بن أبي طالب ﵄.

стр. 133

والده: هو جعفر بن أبي طالب ﵁، وقد تقدمت ترجمته والتعريف به. إخوته: أمَّا إخوته من أمه أسماء بنت عميس وأبيه جعفر بن أبي طالب فهم محمد وعون على الصحيح (١)، وقد تقدم الكلام عنهما عندما تكلمنا عن أبناء جعفر بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وسيأتي الكلام عن محمد وعون ببالتفصيل. وهو أخو محمد بن أبي بكر الصديق، ويحيى بن علي بن أبي طالب لأمهما (٢)، ﵃ أجمعين. زوجته: تزوج عبد الله بن جعفر ﵁ زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فولدت له أولاداً (٣). ومن زوجاته: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. قال ابن سعد: ثم خلف على أم كلثوم بعد عمر عون بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب فتوفي عنها ثم خلف عليها أخوه محمد بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب فتوفي عنها فخلف عليها أخوه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بعد أختها زينب بنت علي ابن أبي طالب (٤) فقالت أم كلثوم

стр. 134

إني لأستحيي من أسماء بنت عميس إن ابنيها ماتا عندي وإني لأتخوف على هذا الثالث فهلكت عنده ولم تلد لأحد منهم شيئا (١). وعن ابن اسحق قال: فمات عون بن جعفر عن أم كلثوم ابنة علي فتزوجها محمد بن جعفر ابن أبي طالب فمات عنها ولم يصب منها (٢). أولاده: قال ابن قتيبة: ولد عبد الله بن جعفر سبعة عشر ابنًا وبنتين، وهم: جعفر الأكبر، وعلى، وعون الأكبر، وعباس، وأم كلثوم، أمهم زينب بنت على بن أبى طالب من فاطمة بنت رسول الله ﵌. ومحمد، وعبيد الله، وأبو بكر، أمهم الخوصاء بنت حفصة أحد بنى تيم الله بن ثعلبة. وصالح، وموسى، وهارون، ويحيى، وأم أبيها، أمهم ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلي، تزوجها بعد على بن أبى طالب. ومعاوية، وإسماعيل، وإسحاق، والقاسم لأمهات أولاد، والحسن، وعون الأصغر، وأمهما جمانة بنت المسيب الفزارية. ثم قال ابن قتيبة: والعقب من ولد عبد الله بن جعفر لعلي، ومعاوية، وإسحاق، وإسماعيل (٣).

стр. 135

قال البلاذري: حدثني محمد زياد الأعرابي قال: «ولد عبد الله بن جعفر: ... محمداً وبه كان يكنى، وأمه محشية من بني أسد. وعلياً، وعون الأكبر، وجعفر الأصغر، وعباساً، وأم كلثوم؛ أمهم زينب بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت... رسول الله ﵌. ومحمداً، وعبيد الله، وأبا بكر، قتل مع الحسين ﵈، وأمهم الخوصاء من ربيعة، وصالحاً، وموسى، وهارون، ويحيى، وأم أبيها، أمهم ليلى بنت مسعود النهشلية، خلف عليها بعد علي ﵇، ومعاوية، وإسحاق، وإسماعيل، والقاسم لأمهات شتى، والحسن، وعون الأصغر، قتل يوم الحرة - ويقال: بل قتل الأكبر، وأمهما جمانة بنت المسيب الفزارية، فأما أم كلثوم فكانت عند القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب ثم تزوجها الحجاج ثم أبان بن عثمان وأما أم أبيها فكانت عند عبد الملك بن مروان ثم عند علي بن عبد الله. قال: والعقب من ولد عبد الله بن جعفر لمعاوية؛ وإسحاق وإسماعيل» (١). قال ابن حزم: وولد عبد الله جعفر: علي، وفيه الكثرة والعدد، أمه زينب بنت علي بن أبي طالب ﵁ من فاطمة بنت رسول الله ﵌؛ ومعاوية؛ وإسماعيل، وإسحاق، لأمهات أولاد، أعقبوا كلهم: ومحمد، قتل بالطف؛ وعون الأكبر، مات في حياة أبيه؛ وعون الأصغر: والحسين؛ قتلا مع الحسين؛ وجعفر؛ وعياض؛ وأبو بكر، قتل بالحرة: وعبيد الله، ويحيى؛ وصالح؛ وموسى؛ وهارون؛ ويزيد؛ لا عقب لواحد منهم؛ وأم

стр. 136

كلثوم: أمها زينب بنت علي بن أبي طالب ﵁ من فاطمة بنت رسول الله ﵌، تزوجها الحجاج بن يوسف، فأمره عبد الملك بطلاقها، وكانت قبله عند ابن عمها القاسم بن محمد بن جعفر بن أبي طالب؛ ولا عقب للقاسم (١). وهنا نرى حب عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لأبي بكر الصديق ﵁ حتى... أنَّه سمى ولداً من أولاده بأبي بكر، وسمّى ابناً آخر له باسم معاوية، لأنَّ عبد الله بن جعفر ﵁ كانت تربطه بمعاوية ﵁ علاقة ود ومحبة (٢). ودليل ذلك ما أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف (٣) عن العمري عن الهيثم بن عدي عن ابن عباس قال: «قلت لمولى لمعاوية بن عبد الله بن جعفر: ليس معاوية من أسمائكم فكيف سمى عبد الله بن جعفر ابنه معاوية؟ فقال: إن معاوية بن أبي سفيان كان محباً لعبد الله بن جعفر، فسمى معاوية بن عبد الله باسمه ليكرمه بذلك». ومعاوية هذا -أي ابن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب- سمى أحد بنيه باسم يزيد لأنه كان يعلم أن سيرة يزيد كانت صالحة، كما شهد له بذلك محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب (٤).

стр. 137

مولاه: مولاه هو بديح بضم الباء وبالدال المهملة المفتوحة، وقد حدث عنه (١). صحبته ومبايعته: لما أُستشهد أبوه جعفر في مؤتة كفله النبي ﵌ ونشأ في حجره، ويُعد من صغار الصحابة، وله رواية (٢). وقد مر معنا أنَّ النبي ﵌ بايع عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرهما سبع سنين. حديثه وروايته: روى عن النبي ﵌، وعن أبويه وعمه علي وأبي بكر وعثمان وعمار بن ياسر (٣). وروى عنه ابناه إسماعيل ومعاوية وابنه إسحاق (٤) وأبو جعفر محمد بن على بن حسين والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وسعد بن إبراهيم الأكبر ومورق العجلي وعبد الله بن أبى مليكة وعبد الله بن شداد والحسن بن سعد والشعبي وعباس بن سهل بن سعد الساعدي وخالد بن سارة (٥).

стр. 138

وأخرج البخاري في الأطعمة والأنبياء عن عروة بن الزبير وسعد بن إبراهيم عنه عن النبي ﵌ وعن عمه علي بن أبي طالب (١). قال ابن كثير: أسند عبد الله بن جعفر ثلاثة عشر حديثاً (٢). وقال النووي: رُوي لعبد الله عن رسول الله ﵌ خمسة وعشرون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على حديثين (٣). وكذا في مقدمة مسند بقي بن مخلد: أنَّ له خمسة وعشرين حديثاً (٤). وخرَّج له الأربعة (٥). قلت: خلال تَتَبُّعي لأحاديث عبد الله بن جعفر ﵁ التي في الصحيحين وجدت أنها ثلاثة أحاديث. سأذكرها في المبحث التالي. وقد يعتبر بعضهم الرواية الأولى - التي سأذكرها - من حديث ابن الزبير، وقد يكون هذا الذي حدا بالنووي ﵀ وغيره إلى القول بأن لعبد الله بن جعفر روايتن فقط. والله أعلم.

стр. 139

أحاديث عبد الله بن جعفر التي في الصحيحين: لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ ثلاثة أحاديث في البخاري ومسلم، وهي: ١. عن حميد بن الأسود عن حبيب بن الشهيد عن بن أبي مُلَيكة «قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير أتذكر إذ تلقينا رسول الله ﵌ أنا وأنت وابن عباس قال نعم فحملنا وتركك». أخرجه البخاري (٣/ ١١٢١)، رقم (٢٩١٦)، ومسلم (٤/ ١٨٨٥)، رقم (٢٤٢٧). ٢. عن هشام عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: سمعت عليا بالكوفة يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد». أخرجه البخارى (٣/ ١٢٦٥)، رقم (٣٢٤٩)، ومسلم (٤/ ١٨٨٦)، رقم (٢٤٣٠). ٣. عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ قال: «رأيت النبي ﵌ يأكل الرطب بالقثاء». أخرجه البخاري (٥/ ٢٠٧٣)، رقم (٥١٢٤)، ومسلم (٣/ ١٦١٦)، رقم (٢٠٤٣) بلفظ «رأيت رسول الله ﵌ يأكل القثاء بالرطب». كرمه وجوده: لقب ﵁ بالجواد (١)، لأنه كما قيل: لم يكن بالإسلام أسخى

стр. 140

منه (١)، وكان يسمى أيضاً بحر الجود (٢)، وهو الذي يقال له قطب السخاء (٣)، ويقولون: إن أجواد العرب في الإسلام عشرة، فأجواد أهل الحجاز: عبد الله بن جعفر، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وسعيد بن العاص، وأجواد أهل الكوفة: عتاب بن ورقاء أحد بني رباح بن يربوع، وأسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، وعكرمة بن ربعي الفياض أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وأجواد أهل البصرة: عمرو بن عبيد الله بن معمر، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي وهو طلحة الطلحات، وعبيد الله بن أبي بكرة، وأجواد أهل الشام: خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وليس في هؤلاء كلهم أجود من عبد الله بن جعفر. وعندما عوتب في كثرة سخائه وجوده ردَّ قائلاً: إن الله عودني عادة، وعود الناس عادة، فأخاف إن قطعتها قطعت عني؛ وأخباره في الجود كثيرة، ﵀ (٤). ومن الأدلة على أنَّ عبد الله بن جعفر ﵁ من أسخى الناس، أنه كان يعطي الجزيل الكثير ويستقله، وقد تصدق مرة بألفي ألف، وأعطى مرة رجلا ستين ألفا، ومرة أعطى رجلا أربعة آلاف دينار، وقيل إن رجلا جلب مرة سكراً إلى المدينة فكسد عليه فلم يشتره أحد فأمر ابن جعفر قيمه أن يشتريه وأن يهديه للناس (٥).

стр. 141

وقيل: إن معاوية لما حج ونزل في دار مروان قال يوما لحاجبه: أنظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر أو فلانا - وعد جماعة - فخرج فلم ير أحدا، فقيل له: هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون، فأتى معاوية فأخبره فقال: ما أنا إلا كأحدهم، ثم أخذ عصا فتوكأ عليها ثم أتى باب ابن جعفر فاستأذن عليه ودخل فأجلسه في صدر فراشه، فقال له معاوية: أين غداؤك يا ابن جعفر؟ فقال: وما تشتهي من شيء فأدعو به؟ فقال معاوية: أطعمنا مخا، فقال يا غلام هات مخا، فأتى بصحيفة فأكل معاوية، ثم قال ابن جعفر لغلامه، هات مخا، فجاء بصحيفة أخرى ملآنة مخا إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات، فتعجب معاوية وقال: يا بن جعفر ما يشبعك إلا الكثير من العطاء، فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار (١). ومدحه نصيب فأعطاه إبلاً وخيلاً وثياباً ودنانير ودراهم فقيل له: تعطى لهذا الأسود مثل هذا؟ فقال: إن كان أسود فشعره أبيض ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ما يبلى ويفنى وأعطانا مدحاً يروى وثناء يبقى. وقد قيل: إن هذا الخبر إنما جرى لعبد الله بن جعفر مع عبد الله بن قيس

стр. 142

الرقيات. وأخباره في الجود كثيرة جداً (١). وعن داود بن الهيثم عن أبيه عن جده إسحاق: أن أعرابياً أتى عبد الله بن جعفر وهو محموم فأنشأ يقول: كم لوعة للندى وكم قلق... للجود والمكرمات من قلقك ألبسك الله منه عافية... فتي نومك المعتري وفي أرقك أخرج من جسمك السقام كما أخرج ذم الفعال من عنقك فأمر له بمائة ألف دينار (٢). وعن علي بن محمد عن أبي إسحاق المالك قال: وجه يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن جعفر مالا جليلا هدية له قال: ففرقه في أهل المدينة و لم يدخل منزله منه شيئاً. قال: فبلغ ما فعل عبيد الله بن قيس الرقيات فقال: في قصيدة له يمدح بها الأمراء: و ما كنت إلا كالأغر بن جعفر... رأى المال لا يبقى فأبقى به ذكرا (٣) قال الحافظ عبد الغنى: يقال: لم يكن فى الإسلام أسخى منه. وقال ابن قتيبة فى المعارف: كان عبد الله بن جعفر أجود العرب، وأخبار أحواله فى السخاء والجود والحلم مشهورة لا تُحصى (٤).

стр. 143

قال النووي ﵀: «ومما روينا عنه أنه أقرض الزبير بن العوام ألف ألف درهم، فلما قتل الزبير قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر: وجدت فى كتب أبى أن له عليك ألف ألف درهم، فقال: هو صادق، فاقبضها إذا شئت، ثم لقيه فقال: يا أبا جعفر، إني وهمت، المال لك على أبي، قال: فهو لك، قال: لا أريد ذلك، قال: فإن شئت فهو لك، وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت» (١). قيل: أن أعرابياً وقف على مروان بن الحكم أيام الموسم بالمدينة فسأله فقال: يا أعرابي ما عندنا ما نصلك به ولكن عليك بابن جعفر فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فإذا ثقله قد سار نحو مكة وراحلته بالباب عليها متاعها وسيف معلق فخرج عبد الله فأنشأ الأعرابي يقول: أبو جعفر من أهل بيت نبوة... صلاتهم للمسلمين طهور... أبا جعفر إن الحجيج ترحلوا... وليس لرحلي فاعلمن بعير أبا جعفر ضن الأمير بماله... وأنت على ما في يديك أمير أبا جعفر يا ابن الشهيد الذي له... جناحان في أعلى الجنان يطير أبا جعفر ما مثلك اليوم أرتجي... فلا تتركني بالفلاة أدور فقال: يا أعرابي، سار الثقل، فعليك بالراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السيف، فإني أخذته بألف دينار (٢).

стр. 144

ويروى: أن شاعراً جاء إلى عبد الله بن جعفر، فأنشده: رأيت أبا جعفر في المنام... كساني من الخز دَرَّاعة شكوت إلى صاحبي أمرها... فقال: ستؤتى بها الساعة سيكسوكها الماجد الجعفري... ومن كفه الدهر نفاعة ومن قال للجود: لا تعدني... فقال لك: السمع والطاعة فقال عبد الله لغلامه: ادفع إليه جبتي الخز. ثم قال له: ويحك! كيف لم تر جبتي الوشي؟ اشتريتها بثلاث مائة دينار منسوجة بالذهب. فقال: أغفى غفيةً أخرى، فلعلي أراها. فضحك عبد الله، وقال: ادفعوها إليه (١). قال البلاذري: حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن ابن خُرَّبوذ: «أن عبد الله بن جعفر كلم في تزويج يتيم من قريش فوهب له مائة ألف درهم، فذكر ذلك لمعاوية فقال: إذا لم يكن الهاشمي سخياً لم يشبه من هو منه» (٢). وقال أيضاً: «حدثني علي بن محمد المدائني، عن يزيد بن عياض بن جُعْدبة قال: ابتاع عبد الله بن جعفر حائطاً من رجلٍ من الأنصار بمائتي

стр. 145

ألف درهم فرأى ابنا له يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: كنت أظن أني وأبي نموت قبل خروج هذا الحائط من أيدينا، لقد غرست بعض نخله بيدي. فدعا أباه ورد عليه صكه وسوغه المال». وحدثني أبو مسعود بن العَتابَ عن عوانة بن الحكم قال: قال عبد الله بن جعفر: عجباً لمن يشتري العبيد بماله كيف لا يستعبد الأحرار بمعروفه. وحدثني عبد الله بن صالح العجلي، أخبرني الثقة، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال قدم عبد الله بن جعفر من الشام يريد المدينة فأتى على قوم من العرب قد تحاربوا ووقعت بينهم قتلى فوداهم بثلاث مائة ألف وكسر، وأصلح بينهم وهيّأ طعاماً أنفق عليه مالاً، ثم أطعمهم فقال شاعرهم: ما البحر أجود من كفيك حين طما... ولا السحاب إذا ما راح محتفلا أغاثنا الله بالمحمود شميتُه... شبه النبي الذي قُفّي به الرسلا وأتاه رجل من أعراب بني كنانة فأنشد وهو في سفره: إنك يا بن جعفر نعم الفتى... ونعم مأوى طارق إذا أتى ورب ضيف طرف الحّي سرى... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى إذا الحديث طرف من القرى ويقال: إن الأبيات في غيره، وقال من زعم أن الأبيات فيه: «إنه أعطاه خمسين ناقة» (١).
следующие страницы →