← Тараджим

Тараджим · id 30278

عبق الرياحين في سيرة ذي الجناحين

نايف منير فارس

Полный текст (251 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفداً بهدايا إلى النجاشي ليطرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وعلى رأسهم جعفر ﵁، فطلب النجاشي ليسمع منهم، فتكلم جعفر ﵁ فأحسن وأجاد. فقد كان ﵁ ذا حجة قوية دامغة، جعلت النجاشي يتأثر بقوله وحجته وقراءته للقرآن، واختياره المناسب للآيات التي تلاها على النجاشي. وقد ركَّز ﵁ على أنَّ الإسلام جاء بالخير كل الخير، ونهى عن كل شر، وبيَّن أن هذا هو نفس ما جاء به عيسى ﵇، وأنه ليس بدعاً من القول، وأنّه ليس أمراً مستحدثاً، فالعقيدة واحدة لكل الشرائع السماوية، ألا وهي توحيد الله سبحانه وعبادته لا شريك له، وهذا هو الذي تألفه الفطرة السليمة وطبيعة الإنسان السويَّة. ورغم عدم استسلام وفد قريش ورجوعهم مرَّة أخرى للنجاشي ليوغروا صدره على المسلمين، إلا أنَّ تصدي جعفر ﵁ لهم، وبيان إفكهم جعل وفد قريش يرجعون مغلوبين مهزومين، بفضل الله ثم بفضل قوة وحكمة جعفر ﵁. وقد قضى بعد ذلك جعفر بن أبي طالب هو وزوجته والمؤمنون من الذين هاجروا إلى الحبشه، في رحاب النجاشي عشر سنوات آمنين مطمئنين. فوائد من مواجهة جعفر لرسولَي قريش أمام النجاشي: نستقي من مواجهة جعفر ﵁ لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة الفوائد التالية: ١. رغم أقلية المسلمين في الحبشة ووجودهم في بلد غير إسلامي، فقد

стр. 72

قاموا بالمشورة فيما بينهم، وتوحدت كلمتهم واجتمع أمرهم، وانتدبوا المتحدث باسمهم وكان جعفر ﵁، وهم في هذا كأنما يمثلون أوضاع الجاليات المسلمة في بلادٍ غير إسلامية كما هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم. ٢. لقد أحسن جعفر ﵁ المقالة، وكان صاحب أسلوب مميز، فإنه بدأ كلامه بقوله: «أيها الملك»، وهذا فيه تنزيلٌ للناس منازلهم، لكي يكون هناك رابط وجسر يمتد منه الحديث لتكوِّن أرضيَّة موحدَّة تؤدي إلى تأليف قلب المستمع، فيسمع ويصغي بكلِّه، وليس في هذا حرجٌ شرعيٌ، وليس فيه شيء من التعظيم لغير المسلم، بل فيه وصفٌ لحقيقته التي هو عليها، فهو ملك تلك البلاد. ٣. سرد جعفر ﵁ عيوب وفواحش الجاهلية بأسلوب بليغ وصيغة موجزة، فلم يحتج النجاشي للسؤال بمزيد من التفاصيل عن الجاهلية التي كانوا فيها قبل الإسلام، هذا الأسلوب كان له الأثر البليغ في قلب النجاشي ممَّا جعله ينفر من الجاهلية ومساوئها، ثمَّ سرد ﵁ بعد ذلك محاسن الإسلام التي هي مضاده لمساويء الجاهلية بنفس الأسلوب المُميَّز الذي تكلم فيه عن مساويء الجاهلية، فأوقع في ذهن النجاشي الصورة المتكاملة والمقارنة الموجزة لحالة المسلمين قبل وبعد الإسلام. ٤. قد يكون المغزى في إختيار الصحابة وإجماعهم على جعفر ﵁ كمتحدث باسم المهاجرين إلى الحبشة أمام النجاشي هو كونه ابن عم رسول الله ص فهو أعرف به وألزم له من غيره من بقية الصحابة الذين كانوا في الحبشة، فإخباره عن رسول الله صيكون عن بصيرة وعلم

стр. 73

وخبرة وقربٍ، أكثر من غيره، ولذلك قال: «بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه». ٥. نرى في كلام جعفر أنه ذكر الجوانب الأخلاقية الإنسانية التي هي القاسم المشترك بين الأمم وبين الناس جميعاً، من أصحاب الفطر السوية، والمسلمون يحسن بهم أن يظهروا هذه الجوانب لغير المسلمين؛ لأنها الجوانب التي تلفت العقول والأنظار، وتسلب أو تُميل النفوس والقلوب إلى حقائق الإسلام العظيمة، ولذلك قال: (وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات». ٦. أحسن جعفر ﵁ ختام حواره مع النجاشي عندما أثنى على النجاشي وبلاده بما هو أهلٌ له، من غير زيادة، ومن أخلاق المسلم الحق وإنصافه وعدله أن يذكر الحق والحقيقة الواقعية حتى وإن كانت هذه الحقيقة عند غير المسلم، ويتمثل هذا الأمر في قوله: (فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك; ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك)، وهذا ممَّا شجع النجاشي أن يسأله بلهفة: هل معك شيء مما جاءك به عن الله ؟ ٧. الداعية إلى الله يجب أن يكون جاهزاً باستمرار، حاملا لأدوات الدعوة، مستوفياً شروط الداعية، متأهباً للأحداث الطارئة والجديدة، فلم يتلكأ جعفر ﵁ عندما سُئل: هل معك شيء مما جاءك به عن الله ؟، فقال: نعم بثقة وثبات. فقرأ عليه صدراً من سورة مريم، ولقد كان موفقاً في إختيار ماذا يقرأ؛ فإن في صدر سورة مريم قصة زكريا

стр. 74

ويحيى وعيسى ﵈ جميعاً، وفيه ذكر أمورٍ يعرف جعفر أن النجاشي يعرفها من كتابه ودينه. ٨. أعداء الإسلام لا يستسلمون في كل زمان ومكان، فهدفهم الرئيسي هو إبادة الإسلام والمسلمين، حتى لو كانوا مختلفين مع حلفائهم في العقيدة والدين، فها هو عمرو بن العاص ﵁ داهية العرب لم يستسلم بعد إعطاء النجاشي الأمان للمسلمين، فذكر للنجاشي أمراً متعلقاً بالعقيدة والدين؟ لنعلم أن المحرك الأساسي والجوهري في اتخاذ المواقف إنما هو العقيدة والمبدأ قبل المصلحة والمنفعة. فقد هدَّد عمرو وأقسم بإخبار النجاشي أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵇ عبد، لعلمه أنهم يقولون بألوهية عيسى ﵇. وهنا نرى ميلَ عمرو بن العاص وقد كان وثنياً مشركاً -حينها - للنصرانية. فهو يريد الفتنة، وهذا ديدن أعداء الإسلام. ٩. ثبات جعفر ﵁ حتى في المرة الثانية التي دعاهم فيها النجاشي، رغم أنَّ الدعوة الثانية كانت أصعب لما فيه من مساس بعقيدة النصارى والتي كان يدين بها النجاشي، فقد قال: نقول ما جاء به نبينا ص، فليس القول قولنا، وليس هو اجتهاد وإنما هو دين ووحي. فعيسى؛ عبد ورسول أرسله الله كما أرسل محمداً ص. وهو بهذا جمع محاسن عقيدة الإسلام في هذه المسألة المهمة، فالله يبرئ مريم ﵍ مما يقذفها به بعض اليهود فلا عيسى ﵇ ابن الله، ولا هو الله، بل هو بشر كسائر البشر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (١).

стр. 75

رسالة النبي ﵌ في شأن جعفر وأصحابه للنجاشي: كان رسول الله ﵌ يعتمد أحياناً المراسلات في دعوته، فقد بعث ﵌ رسولاً إلى النجاشي في شأن جعفر ﵁ وكتب معه كتاباً. فعن ابن إسحاق قال: «بعث رسول الله ﵌ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتاباً بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى». فكتب النجاشي إلى رسول الله ﵌: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أجبر، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثُفْروقا (١) إنه

стр. 76

كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله» (١). وكان النجاشي ﵀ قد اقتنع بصحة الإسلام منذ حدثه جعفر ﵁. قال ابن إسحاق وذكر لي أن النجاشي بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة فإذا كانوا في وسط من البحر غرقت بهم سفينتهم فهلكوا (٢). جعفر ﵁ صاحب السفينة والهجرتين: إنَّ جعفراً ﵁ ومن معه من المسلمين هاجروا إلى الحبشة بإذن رسول الله ﵌، فمكثوا في الحبشة، آمنين مطمئنِّين، يقيمون شعائر دينهم ويظهرونها، ويدعون إلى الإسلام. وكان جعفر ﵁ أميرهم فى الهجرة (٣). فلمَّا بلغ جعفراً ومن معه ﵃ أجمعين خروج النبي ﵌ إلى... المدينة مهاجراً، قدموا إلى المدينة- في السنة السابعة للهجرة- بعد أن بعث فيهم... رسول الله ﵌ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فحملهم في

стр. 77

سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية (١). وكان جميع من قدم في السفينتين إلى رسول الله ﵌ ستة عشر رجلاً (٢). ثم كان بعد مقدم جعفر ﵁ من الحبشة حدثٌ أخبرنا به أبو موسى الأشعري ﵁. فلنعش هذا الحدث مع الصحابي الجليل أبي موسى ﵁، الذي يبين فضل أهل السفينة وأصحاب الهجرتين (هجرتي الحبشة والمدينة) وكان على رأسهم جعفر بن... أبي طالب ﵁: عن أبى بردة عن أبى موسى ﵁ قال: «بلغنا مخرج النبى ﵌ ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم - إما قال: في بضع وإما قال: - فى ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومى، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشى بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبى طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبى ﵌ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا - يعنى لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهى ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبى ﵌ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشى فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟، قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: آلحبشية هذه آلبحرية هذه؟، قالت أسماء: نعم. قال:

стр. 78

سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﵌ منكم. فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﵌ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا فى دار أو فى أرض البعداء البغضاء (١) بالحبشة، وذلك فى الله وفى رسوله ﵌ وايم الله، لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ﵌ ونحن كنا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنبى ﵌ وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه فلما جاء النبى ﵌ قالت: يا نبى الله إن عمر قال: كذا وكذا. قال «فما قلت له؟». قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحق بى منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان». قالت فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً (٢)، يسألوننى عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به أفرح ولا أعظم فى أنفسهم مما قال لهم النبى ﵌. قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث منى» (٣). وهنا دعنا ننظر إلى موقف أسماء ﵂، غضبت لأجل الحق وحاورت بالحق، لا تخاف في الله لومة لائم، ولكنها كانت جميلة المنطق، إنها مثال للزوجة المسلمة التي تربت على الإسلام، ولا عجب فهي زوجة جعفر ﵁. وأيضا دعنا ننظر إلى مقياس تفاخر المسلمين في زمن رسول الله ﵌،

стр. 79

فإن تفاخرهم ليس بالأحساب والأنساب، وإنما بالبذل والتضحية في سبيل الله، وبالقرب وبالخدمة والذود والحماية لرسول الله ﵌، وهذا ما قصده عمر الفاروق ﵁، وكان غضب أسماء ﵂ وحزنها من حرصها على الخير والفضل في هذا الدين. ولنا هنا وقفة مع ثناء رسول الله ﵌ على من هاجر إلى الحبشة ومن ضمنهم جعفر ﵁، فقد أثنى عليهم وذكر بأن لهم هجرتين وذلك بسبب تركهم ديارهم وأهلهم وعيشهم في الغربة حفاظاً على الدين وحرصاً على إقامته. وهذا يدلنا على فضل الهجرة عموماً، والهجرة إلى رسول الله ﵌ خصوصاً، وقد نال جعفر بن أبي طالب ﵁ قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في زمن النبي ﵌. والآن مع اللحظة التي طال انتظارها، إنها لحظة لقاء ورؤية جعفر ﵁... للحبيب ﵌، وما إن وصل جعفر حتى فرح ﵌ بقدومه بعد فرحه بفتح خيبر فكان الفرح فرحين، وأسهم ﵌ لجعفر ومن معه من المسلمين في الغنائم. فعن جابر بن عبد الله قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله ﵌: «ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» (١).

стр. 80

وفي هذا الحديث إشارة إلى أمر مهم، فالرسول ﵌ لا ينطق عن الهوى، ففرحه ﵌ وحزنه لله، ففي الحديث إشارة إلى أنّ قدوم جعفر ﵁، يعادل في الأهميّة فتح خيبر، أعظم حصون اليهود، وهذا إن يدل فإنما يدل على أهمية جعفر ﵁ وأنّ جعفراً من رجالات الإسلام الذين يُعتمد عليهم في المهمّات الصعبة، بدليل تسليم رسول الله ﵌ الراية لجعفر في معركة مؤتة. ففتح خيبر معناه هدم وهزيمة أكبر قلاع اليهود أعداء الإسلام. وفتح خيبر فرحة وأي فرحة، وكذا قدوم جعفر فرحة ما بعدها فرحة. بعض المواقف من حياته ﵁ مع الرسول ﵌ -: ما أجمل أن تكون هناك مواقف مع الأحبّة، فحتماً سوف تكون مواقف ذات طابع مميّز لن تُنسى، فكيف إذا كانت هذه المواقف بين رسول الله ﵌ وشبيه خَلق وخُلق رسول الله جعفر بن أبي طالب ﵁. فعن عروة بن رويم: حدثني الأنصاري: أن رسول الله ﵌ قال لجعفر: «ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم، قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك

стр. 81

من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجدا فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً «قال: ثم ترفع رأسك يعني من السجدة الثانية فاستو جالساً، ولا تقم حتى تسبح عشراً، وتحمد عشراً، وتكبر عشراً، وتهلل عشراً» فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة» (١). وقد مرَّ معنا قول النبي ﵌ لجعفر: «ما أدري بأيهما أنا أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» (٢). وهذه الرواية تكشف عن مزيج من المحبة والإجلال والتقدير من رسول الله ﵌ لجعفر ﵁، وهذا الفرح هو فرح إجلالٍ وحبٍ، ودليل شوقٍ من رسول ﵌ لجعفر، فهجرته ﵁ إلى الحبشة نأت به بعيداً عن رسول الله لسنوات، وكان الشوق المتبادل بين رسول الله وجعفر بلغ ذروته إلى أن جاءت لحظة لقاء الأحبة يوم فتح خيبر. وبعد قدوم جعفر ﵁، سأله رسول الله ﵌ سؤالاً يجسِّم لنا مدى اهتمام

стр. 82

رسول الله ﵌ بما يحدث حوله من أحداث شعوب العالم، وكيف لفت انتباه الداعية الصحابي جعفر لأن ينظر في هذه الأحداث ويستغلها، لأن الداعية يحتاج لأن يعرف طبيعة البلد التي يجب أن يدعو فيها، ومن هنا جاء سؤال رسول الله ﵌ لجعفر عن أعجب ما رأى في الحبشة والتي كانت بيئة جعفر ﵁ الدعوية، فهو ﵌ معلِّم البشرية، وجعفر ﵁ صاحبه والمتلقِّي من معلمه الأكبر رسول الله ﵌. فعن ابن بريدة عن أبيه قال: «لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة لقيه رسول الله ﵌ فقال: حدثني بأعجب شيء رأيته بأرض الحبشة قال: مرت امرأة على رأسها مكتل فيه طعام، فمرَّ بها رجل على فرس فأصابها فرمى به، فجعلت تنظر إليه وهي تعيده في مكتلها، وهي تقول: ويل لك من يوم يضع الملك كرسيه، فيأخذ للمظلوم من الظالم. فضحك رسول الله ﵌ حتى بدت نواجذه فقال: «كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفها من شديدها حقه وهو غير متعتع» (١) (٢). موقعة مؤتة (٣): كان رسول الله ﵌ قد أخذ - بعد فتح مكّة - يُراسل ملوكَ العالَم يدعوهم إلى الإسلام، ومنهم ملك بُصرى إذْ أرسل إليه الحرثَ بن عُمَير الأزديّ، فعرض له شُرَحبيلُ بن عمرو فقتله بعد أن عَرَفه أنّه من رُسُل النبيّ ﵌، فكان ذلك بداية للحرب، وموقعة مؤتة.

стр. 83

لم يشارك جعفر ﵁ في أي معركة قبل سنة ثمان للهجرة، وذلك لأنه كان في الحبشة، فقد كان يتمنى ويتلهف شوقاً أن يغزو مع رسول الله ﵌، للفوز بالشهادة والجنة، بل كانت تتوق نفسه لأعلى الجنان، بعد أن امتلأت نفسه روعة بما سمع من أنباء إخوانه المؤمنين من الصحابة الذين خاضوا مع النبي ﵌ غزوة بدر، وأحد وغيرهما من المشاهد والمغازي التي لم يشارك فيها جعفر ﵁. لقد كان ﵁ ينتظر اللحظة الحاسمة، ليلحق بركب من سبقه من الشهداء، فقد أراد إحدى الحسنيين، فإمّا أن يحقق فيها نصراً كبيرا لدين الله، وإمّا أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله. ولم يطل انتظاره ﵁ ولم يطل مكثه في المدينة بعد قدومه من الحبشة، فقد بعثه رسول الله ﵌ في سنة ثمان للهجرة إلى موقعة مؤتة، ليكون ثاني قائد لها بعد زيد بن حارثة ﵁. (وهي أول تحرك عسكري للمسلمين خارج الجزيرة العربية، لمقاتلة ومنازلة الروم. وهي المعركة الوحيدة التي أمّر فيها النبي ﵌ ثلاثة أمراء، وهي أيضاً الوحيدة التي نصّ النبي ﵌ على نتيجتها وخبرها وحياً وقت وقوعها قبل عودة الصحابة ورجوعهم رضوان الله عليهم أجمعين) (١). وكان جعفر يعلم علم اليقين، أنها حرب ضارية، لم يخض المسلمون مثلها من قبل، إنها معركة مع امبراطورية الروم، التي تمتلك من العدة والعتاد ما لا

стр. 84

يستطيع لأي جيش أن يصمد أمامها، ومع هذا كان ﵁ من أشد المسلمين فرحاً بكونه ثاني ثلاثة جعلهم رسول الله ﵌ قواداً للجيش وأمراءه. فعن عروة بن الزبير قال: «بعث رسول الله ﵌ بعثة إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس. فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» (١). قال ابن إسحاق: «فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة. فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون» (٢). وبلغ المسلمين أنّ هرقل قد نزل أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من نصارى العرب من قبائل لَخْم وجُذام وقُضاعة وغيرها، مقابل ثلاثة آلاف من المسلمين الشجعان المجاهدين في سبيل الله، من حملة القرآن الكريم. فهل أخذت جعفر ﵁ الرهبة عندما بَصر جيش الروم بهذا العدد الضخم مقابل عدد المسلمين القليل؟ لا، بل على العكس من ذلك، فقد أخذته نشوة عارمة إذ أحسّ بلذة القتال في سبيل الله، فازداد حماساً إلى حماس.

стр. 85

قال ابن إسحاق: «تم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية... رسول الله ﵌ حتى شاط (١) في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه (٢) القتال اقتحم عن فرس (٣) له شقراء، فعقرها (٤)، ثم قاتل القوم حتى قتل» (٥). نعم فما كادت الراية توشك على السقوط من يد زيد بن حارثة ﵁، حتى تلقاها جعفر بيده ومضى يقاتل بها في إقدام لا مثيل له، نعم إنه يبحث عن الشهادة. ولم تكن قيادة جعفر ﵁ بمعزل بل كانت في مقدمة الصفوف. وبعد أن عقر فرسه، انطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه كالإعصار، وراح يصوِّب سيفه ويسدده إلى نحور أعدائه، من غير توقف، لا يبالي بطعناتهم، ولا ضرباتهم، رغم كثرتها، فإنه ثابت ﵁ حتى آخر رمق. قال ابن هشام: «وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين» (٦).

стр. 86

وهذا دليل شجاعة وإقدامٍ وثباتٍ وقوة إيمانٍ ويقينٍ وفروسيةٍ من جعفر ﵃ وأرضاه. وهكذا تركّزت كل مسؤولية جعفر ﵁ في ألا يدع راية رسول الله ﵌ تلامس التراب وهو حيّ، حتى حين تكوَّمت جثته الطاهرة ﵁، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، وتمسَّك بها إلى آخر لحظة في حياته غير مبالٍ بطعنات أعدائه. ثم شق الصفوف عبدالله بن رواحة ﵁ كالسهم متجهاً لحمل الراية، وأخذها وقاتل قتالاً شديداً حتى استشهد. فعن أنس ﵃: (أن النبي ﵌ نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم) (١). وعن أبي قتادة فارس رسول الله ﵌ قال: «بعث رسول الله ﵌ جيش الأمراء فقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري، فوثب جعفر فقال: بأبي

стр. 87

أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيداً، قال: امضه فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﵌ صعد المنبر، وأمر أن ينادى الصلاة جامعة، فقال رسول الله ﵌: ناب خير، أو بات خير، أو ثاب خير - شك عبد الرحمن يعني ابن مهدي-، ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدو، فأصيب زيد شهيداً، فاستغفروا له - ثم أخذا اللواء جعفر بن أبي طالب، فشد على القوم حتى قتل شهيداً، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد ابن الوليد - ولم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه - ثم رفع رسول الله ﵌ أصبعيه فقال: اللهم هو سيف من سيوفك، فانصره - فمن يومئذ سمي خالد سيف الله (١) - ثم قال: انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد، فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا» (٢). روى البخاري رواية يظهر فيها مدى حزن الرسول ﵌ على جعفر وصاحبيه ﵃، حتى أنَّه سال الدمع من عينيه الشريفتين: فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﵌: «أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب- وإن عيني رسول الله ﵌ لتذرفان (٣) - ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له» (٤).

стр. 88

فيا له من مشهد فريد من نوعه، فالرسول ﵌ ينعى أصحابه الثلاثة بعد أن حزن عليهم أشد الحزن وذرفت عيناه، وينقل مشهد المعركة لصحابته الذين في المدينة ويبشِّرهم بشهادتهم في سبيل الله وعيناه تذرفان، فهنيئاً لهم جهادهم و هنيئاً لهم الجنة. من بعض كلماته في موقعة مؤتة ﵁: عن ابن اسحاق في قصة جعفر بن أبي طالب ﵁ وقتاله في غزوة مؤتة قال: ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها... طيبة باردة شرابها والروم روم قد دنا عذابها... علي إن لاقيتها ضرابها (١) تأملات تربوية من موقعة مؤتة: هل يمكن أن نتخيل كم كان وقع وتأثير التعليم التربوي النبوي للصحابة ومنهم جعفر بن أبي طالب ﵁، كيف كانت قوة إيمان جعفر بن أبي طالب الذي تربى علي يدي المصطفى ﵌، كيف كان يجاهد في سبيل الله، لقد قطعت يده الأولى فلم يستسلم ولا هرب مدبرا، لقد صمد صمود الشجعان حتى بعد فقده يده الثانية، أمسك الراية بعضديه، وها هو ثابت لا يتحرك ولا يولي ظهره للعدو (٢) حتى قتل شهيدا ﵁ وأرضاه.

стр. 89

فيا له من مشهد نادر لا يبلغه إلا مؤمن بلغ درجة الإحسان، وإنها درجة اليقين بالله. إنه نتاج التربية الإيمانية القوية، التربية بالقدوة الحسنة. لقد كان رسول الله ﵌ قدوة الجميع في قوته ورباطة جأشه في الحروب وغيرها. فكان الصحابة ومنهم جعفر بن أبي طالب ﵁، أصحاب همم قوية لا يخافون في الله لومة لائم حتى لو كان ذلك مؤدياً إلى إزهاق أنفسهم. فالنفس تهون في سبيل الله . فيا لها من تربية وقدوة ويا له من إيمان وقر في القلب وصدَّقه العمل وبذل النفس في سبيل العلي القدير. جعفر بن أبي طالب ﵁ من آل البيت: قال زيد بن أرقم ﵁: قام رسول الله ﵌ يوما فينا خطيباً بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتى رسول ربى فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به». فحثَّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى، أذكركم الله فى أهل بيتى». فقال له حصين: ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟، قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده، قال:

стр. 90

ومن هم؟ قال: هم آل على وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم» (١). ذكر روايته ومن روى عنه: روى جعفر بن أبي طالب ﵁ شيئاً يسيراً من الأحاديث كما ذكر ذلك الذهبي (٢). وممّن روى عنه: عبد الله بن مسعود، وعمرو بن العاص، وأم سلمة،

стр. 91

وابنه عبد الله (١)، وأبو موسى الأشعري (٢). وَوَرَدَ ذكرُه في الصحيحين دون رواية له (٣). من الأحاديث التي رواها جعفر بن أبي طالب ﵁ -: ١ - عن جعفر بن أبي طالب أن النبي ﵌ قال له: ألا أهب لك؟ ألا أمنحك؟ ألا أحذوك؟ ألا أوثرك؟ ألا؟ ألا؟ حتى ظننت أنه سيقطع لي ماء البحرين، قال: تصلي أربع ركعات تقرأ أم القرآن في كل ركعة وسورة، ثم تقول: الحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا إله إلا الله، فعدها واحدة، حتى تعد خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشراً وأنت راكع، ثم ترفع فتقولها عشراً وأنت رافع، ثم تسجد فتقولها عشراً وأنت ساجد، ثم ترفع فتقولها عشراً وأنت جالس، ثم تسجد فتقولها عشراً، وأنت ساجد، ثم ترفع فتقولها عشراً وأنت جالس، فتلك خمس وسبعون، وفي الثلاث الأواخر كذلك، فذلك ثلاث مائه مجموعة، وإذا فرقتها كانت ألفا ومائتين، وكان يستحب أن يقرأ السورة التي بعد أم القرآن عشرين آية فصاعداً، تصنعهن في يومك، أو ليلتك، أو جمعتك، أو في شهر أو في سنة، أو في عمرك، فلو كانت ذنوبك عدد نجوم السماء، أو عدد القطر، أو عدد رمل عالج، أو عدد أيام الدهر، لغفرها الله لك» (٤).

стр. 92

٢ - عن جعفر بن أبي طالب: «أن النبي ﵌ علمه كلمات إذا نزل به كرب دعا بهن لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين» (١). ٣ - عن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أن النجاشي سأله ما دينكم؟ قال: بعث فينا رسول نعرف لسانه، وصدقه، ووفاءه، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وخلع ما كان يعبد قومنا، وغيرهم من دونه، يأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة، والصيام، والصدقة، وصلة الرحم، فدعانا إلى ما نعرف، وقرأ علينا تنزيلاً جاء من عند الله، لا يشبهه غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به حق من عند الله، ففارقنا عند ذلك قومنا، فآذونا، وقهرونا، فلما أن بلغوا منا ما نكره، ولم نقدر على أن نمتنع منهم، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، فقال النجاشي: اذهبوا، فأنتم سيوم بأرضي، يقول آمنون من سبكم غرم» (٢).

стр. 93

٤ - عن جعفر بن أبي طالب: «أن النبي ﵌ لما بعثه إلى الحبشة أمره أن يصلي في السفينة قائماً إلا أن يخشى الغرق» (١). ٥ - عن جعفر بن أبي طالب ﵁ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﵌ دخلوا عليه، فقال: «ما لي أراكم قلحا (٢)، استاكوا، فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٣). ٦ - عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، قال: «بعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة ابن الوليد بهدية من أبي سفيان، إلى النجاشي، فقالوا له، ونحن عنده: قد بعثوا إليك أناسا من سفلتنا، وسفهائهم فادفعهم إلينا، قال: لا، حتى أسمع كلامهم، فبعث إلينا، وقال: ما تقولون؟ فقلنا: إن قومنا يعبدون الأوثان، وإن الله بعث إلينا رسولا فآمنا به، وصدقناه، فقال لهم النجاشي: عبيداً هم لكم؟ قالوا: لا، قال: فلكم عليهم دَيْن؟ قالوا: لا، قال: فخلوا سبيلهم فخرجنا من عنده، فقال عمرو بن العاص: إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقولون،

стр. 94

قال: إن لم يقولوا في عيسى مثل ما أقول لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار، قال: فأرسل إلينا، فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى، فقال: ما يقول صاحبكم في عيسى ابن مريم؟ فقلنا: هو يقول: هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، قال: فأرسل، فقال: ادعوا فلاناً القس، وفلاناً الراهب، فأتاه ناس منهم، فقال: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقالوا: أنت أعلمنا، فما تقول؟ قال النجاشي: فأخذ شيئاً من الأرض، ثم قال: هكذا عيسى ما زاد على ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال لهم: أيؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم، فأمر منادياً فنادى: من آذى أحداً منهم، فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال: يكفيكم؟ فقلنا: لا، فأضعفها، فلما هاجر رسول الله ﵌ إلى المدينة، وظهر بها، قلنا له: إن صاحبنا قد خرج إلى المدينة، وظهر بها، وهاجر، وقتل الذين كنَّا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيل إليه، فزودنا، قال: نعم، فحملنا، وزودنا، وأعطانا، ثم قال: أخبر صاحبك، ما صنعت إليكم، وهذا رسولي معك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ... وأنه رسول الله، فقل له يستغفر لي، قال جعفر: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله ﵌، فاعتنقني، فقال: ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح، أو بقدوم جعفر، ثم جلس، فقام رسول النجاشي، فقال: هو ذا جعفر، فسله ما صنع به صاحبنا، فقلت: نعم، قد فعل بنا كذا، وحملنا، وزودنا، ونصرنا، وشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وقال: قل له يستغفر لي، فقام رسول الله ﵌، فتوضأ ثم دعا ثلاث مرات: اللهم اغفر للنجاشي، فقال المسلمون: آمين، قال جعفر: فقلت

стр. 95

للرسول: انطلق، فأخبر صاحبك ما رأيت من النبي ﵌ (١). أهم ملامح خَلْقه وخُلُقه: إنّ من أعظم النعم التي أنعمها الله على عباده، أن بعث إليهم رسلا منهم، يخرجونهم من الظلمات إلى النور، فشخصيّات النبيين والرسل بلغت من الجمال والكمال البشري ما لا يمكن أن يرقى إليه بشر غيرهم. ويأتي من بعدهم خلفاؤهم وأصحابهم ممن اصطفاهم الله والرسل أنفسهم ليحملوا عنهم الأمانة، أمانة الرسالة التي بُعثوا بها لتبليغها للناس كافة.

стр. 96

فكيف إذا جئنا إلى شخصيّة الجمال والكمال في سيد الخلق، محمد ﵌. وكيف إذا جئنا إلى أصحابه الأخيار، والذين منهم الجواد بن الجواد والشريف بن الشريف، أبو المساكين، ذو الهجرتين، ذو الجناحين الطيَّار، جعفر بن أبي طالب ﵁. فقد كان جعفر ﵁ أشبه الناس خَلْقاً وخُلُقاً برسول الله ﵌. ففي الحديث: «أن رسول الله ﵌ كان يقول لجعفر بن أبي طالب: أشبهت خلقي وخلقي» (١). وهذا إن دل فيدل على حب حسن خلقه ﵁ وجميل صفاته مما زاد حب رسول الله ﵌ لجعفر وقربه منه، وأنَّ له مكانة كبيرة وعظيمة عند رسول الله ﵌. ولنلق نظرة على ملامحه الخَلقيَّة أولاً: يقال: إن الذين كانوا يشبَّهون برسول الله ﵌، جعفر بن أبي طالب والحسن بن علي بن أبي طالب وقثم بن العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث بن... عبد المطلب والسائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف (٢). ورُوي أنه ﵁ كان يتختم في يمينه:

стр. 97

فعن جعفر بن عبد الله بن جعفر: «أن جعفر بن أبي طالب تختم في يمينه» (١). ومن ملامحه خَلْقِه في الآخرة ﵁: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «مر جعفر الليلة في ملأ من الملائكة و هو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد» (٢). وعن البراء بن عازب ﵄ قال «لما أتي رسول الله ﵌ قتل جعفر داخله من ذلك، فأتاه جبريل فقال: إن الله تعالى جعل لجعفر جناحين مضرجين بالدم يطير بهما مع الملائكة» (٣). والآن لنعش مع خُلق جعفر ﵁: فيكفيه فخراً أنه من أشبه الناس بخُلق النبي ﵌، وهذا بشهادة المصطفى ﵌. وكان جعفر ﵁: كريماً جواداً، يُحبه المساكين: لقد نال جعفر ﵁ من الجود والكرم مبلغاً ورتباً لم ينلها الكثير غيره.

стр. 98

فلم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصة بمجيء جعفر من الحبشة بأقل من فرحة الرسول ﵌، فقد كان جعفر ﵁ شديد العطف والرعاية على الضعفاء والفقراء، كثير البِر بهم. فعن أبي هريرة ﵁ (١) قال: «وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب (٢) بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة (٣) التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها (٤) (٥) أي أن العكة من العسل أو السمن تكون ليس فيها شيء، فيشقها حتى يلعقوا بقاياها التي فيها من شدة كرمه. وكان يعطي ما عنده، ولا يستبقي شيئاً قليلاً ولا كثيراً، ولذلك كثر مدح أبي هريرة له على وجه الخصوص؛ لأنه كان من الفقراء، ويعلم ﵁ شدة الفقر والجوع. وأبو هريرة ﵁ كان متعلقاً بجعفر ﵁ لعدة أسباب منها: أنَّه من آل بيت النبي ﵌، وهو من أوائل من هاجر في سبيل الله، ومن أصحاب السفينة والهجرتين، وهو من أصحاب الكرم؛ فقد كان يتفقد أهل الصفة دائماً، ويعطيهم

стр. 99

ويطعمهم، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «ما احتذى النعال... ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﵌ أفضل من جعفر بن أبي طالب ﵁» (١). وعنه أيضاً ﵁ أنه قال: «وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب» (٢). وهذا يدل على بروز هذا الخلق عند جعفر ﵁؛ لأن جعفراً كان في الحبشة، وإسلام أبي هريرة إنما كان في العام السابع بعد خيبر، وجعفر ﵁ كما سيأتي- شارك في مؤتة واستشهد فيها، أي أن عاماً واحداً هو الذي كان يجمع بين أبي هريرة وجعفر في المدينة، ومع ذلك كان كرم جعفر ﵁ مشتهراً حتى لقب بأبي المساكين، حتى كان أبو هريرة - وهو من هو- يذكر أنه ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﵌ خير أو أفضل من جعفر بن أبي طالب، لما كان لأثر كرمه وجوده على أبي هريرة، وعلى غيره من فقراء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وهذا يدلنا على هذه المنقبة العظيمة التي تدل على نفس سمحة سخية، وعلى رغبة في الأجر والمثوبة، وإدخال السرور إلى قلوب الضعفاء والمحتاجين. وهنا نرى دقة الصحابة في النقل والرواية، ونرى أنهم لا يكتمون أدنى فضيلة ذُكرت لآل البيت، وهذا إن دل فإنما يدل على محبتهم، فالمحبة في الله هي شعارهم، حتى إننا نجد أنَّ من ينقل

стр. 100

فضائل ومآثر آل البيت - ومنهم جعفر ﵁ أكثرهم ليسوا من آل البيت، ولولاهم لما وصلت إلينا هذه الفضائل. · وكان ﵁ شجاعاً مقداماً: وهنا بيان لمعرفة النبي ص للصحابة، وإرادته إظهار المناقب والمراتب لبعضهم، فإن جعفراً ﵁ كان في الحبشة وقتاً طويلاً، فلم يشهد غزوة بدرٍ ولا أحد ولا الخندق ولا الحديبية ولا خيبر، لكنه وافى مع الصحابة خيبر، فقسم له النبي ص من غنائم خيبر، وأول معركة أو غزوة عظيمة كانت بعد ذلك جعل النبي ص جعفراً من قادتها، وهي غزوة مؤتة، قاتل زيد حتى استشهد، فحمل الراية جعفر ﵁، وقاتل قتال الأبطال. فقد كان جعفر ﵁ قوياًّ شديداً على أعداء الله، محباً للشهادة في سبيل الله، فقد عقر فرسه بعد أن رأى الغلبة يوم مؤتة، وإنما فعل ذلك موِّطنا نفسه على الموت في سبيل الله، لأنه إذا قتل فرسه وبقي راجلاً فقد حقق عزيمته على القتال، وأنه لا يفر ولا ينهزم: فعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: «حدثني أبي الذي أرضعني، وهو أحد بني مرة بن عوف، وكان في الغزاة، غزاة مؤتة، قال: والله، لكأني أنظر إلى جعفر، حين اقتحم عن فرس له شقراء، فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل» (١).

стр. 101

قال ابن اسحاق: وهو أول من عقر من المسلمين دابته (١). وكان من شجاعته أنه قُتل مقبلاً غير مدبر رغم كثرة جراحه وطعنات الكفار فيه: فقد روى البخاري: عن نافع أن ابن عمر ب أخبره: «أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره» (٢). فقد روى البخاري عن نافع عن عبد الله بن عمر ب قال: «كنت فيهم في تلك الغزوة (٣) فالتمسنا جعفر بن أبى طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية» (٤). أي أنه ﵁ لم يُولّ ظهره للعدو، وتولية الظهر كناية عن الفرار والجبن، وذلك دليل شجاعته وإقدامه وثباته وقوة إيمانه ويقينه وفروسيته ﵁. قال ابن حجر بعد أن ذكر روايتي البخاري: «وظاهرهما التخالف، ويجمع

стр. 102

بأن العدد قد لا يكون له مفهوم، أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى» (١). وقال العيني: «وكان ذلك من الطعنات والضربات وهذا من الطعنات والرميات والفرق بينهما أن الطعنة بالرمح والضربة بالسيف والرمية بالسهم مع أن التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد» (٢). فلنا أن نتخيل هذا العدد الضخم من السهام والضربات والطعنات في جسده ﵁، وهو ثابت لا يولي دبره لأحدٍ، ثابت لا يخاف إلا الله. فهو يعلم أنَّ سلعة الله غالية، ألا إنَّ سلعة الله الجنة. فهذا هو الجمال المكنون في شخصيّة ذي الجناحين ﵁، لقد كان في جيش تعداده الثلاثة آلاف ليواجهوا مائتي ألف من الروم، فعندما حمل الراية بعد زيد بن حارثة ﵁، صبَّ الروم بأسهم على جعفر رضوان الله عليه، فقاتلهم على قدميه، إلى آخر قطرة من دمه، إنه يقاتل في شجاعة نادرة، وقد ألقى بالحياة وراء ظهره، يريد الشهادة في سبيل الله، فلمّا قطعوا يديه واستشهد أبدله الله بجناحين يطير بهما في الجنة. ثم تأمَّل معي أيها القارئ الكريم كيف أنَّ عبد الله بن عمر بن الخطاب ب يروي فضيلة لجعفر بن أبي طالب ﵁، وهو من آل البيت، معظماً له، وما هذا بغريب فيمن مدحهم الله بأنهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، ولا على الذين ربَّاهم محمد ص، فكانوا أخوة يجاهدون سوياًّ، ويرون فضائل

стр. 103

بعضهم، ويتصاهرون، إلى غير ذلك من سبل المودة والإخاء. وكان من دلائل قوته وثباته ﵁ أن «ارتفق المسلمون بجعفر هناك في «الحبشة» واعتضدوا به» (١) فهذا يدل على ثقة المسلمين به ﵁ وأرضاه. وكان فطناً داعياً إلى الحق صادقاً: لقد كان جعفر ﵁ ذكياً أريباً أديباً، حسن المنطق، راجح العقل، وافر الذكاء، يحسن القول في وقت القول، ويحسن ما يذكر في القول مما ينفع ولا يضر، وكان ﵁ وأرضاه داعيةً حكيماً حصيفاً أريباً. ولذلك كان مُقَدَّم القوم والصحابة في الحبشة (٢)، كما مرَّ معنا في قصة هجرته إلى الحبشة، وكيف أنّه كان أميراً للمؤمنين في الحبشة. ومرَّ معنا أيضاً ذكر قصة بعث قريش لعبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص ليذهبا إلى النجاشي ويطلبا منه تسليم الصحابة رضوان الله عليهم الذين هاجروا إلى الحبشة والذين كان منهم جعفر بن أبي طالب ﵁، فإن قريشاً بجاهليتها الجهلاء وغطرستها العمياء ورغبتها في العدوان والإيذاء لم تترك المهاجرين وقد تركوا لها مكة كلها وذهبوا إلى الحبشة، فلحقت بهم، وأرادت أن تردهم لتشفي غليلها بعذابهم وإيذائهم، ولتمنع تسرب الدعوة من الجزيرة إلى خارجها، ولئلا يشوه المسلمون سمعتها وصورتها عند الآخرين من الأمم والأقوام، فبعثوا حينئذٍ عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فما كان من جعفر ﵁ إلا أن صدع بكلمة

стр. 104

الحق بحكمة وذكاء، حتى أمَّنهم النجاشي في أرضه، بعد أن اقتنع بدعوة جعفر ﵁ وأسلم. وسياق هذه الرواية ذكرناه سابقاً من رواية أم سلمة ل، إذكانت من المهاجرات إلى الحبشة. · وكان ﵁ مضحِّيِا ومهاجراً في سبيل الله: لقد كانت التضحية والهجرة، هي السمة الغالبة على حياة جعفر ﵁، فقد هاجر ثلاث هجرات لم يهاجرهن إلا من صدق الله وأخلص له، مثله مثل إخوانه من السابقين الأولين من المهاجرين. فقد هاجر ﵁ الهجرتين إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة المنورة، فحياته كلها كانت هجرةً لله ولرسوله ﵌، ولإقامة الدين والدعوة إليه، ولإقامة شعائره وشرائعه، فهو ممن هاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميس ﵂ في الهجرة الأولى والهجرة الثانية، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة، وعاش فيها ردحاً من الزمن (١). وعلى يديه أسلم النجاشي ومن تبعه في الحبشة، (وذلك كله يدلنا على... أن جعفراً ﵁ كان من أهل الإيمان الراسخ، واليقين العظيم، والتضحية الكبيرة، ... حيث ترك داره وأرضه وبلاده، وهاجر إلى الحبشة بعد أن أذن بذلك وأمر به... رسول الله ﵌، فذهب جعفر ﵁ في الفوج الأول الذي لم يكن يتعدى عددهم اثني عشر أو ثمانية عشر ما بين رجل وامرأة، ثم كان كذلك في الفوج الثاني الذي زاد على ثمانين رجلاً وامرأة، وكانت له

стр. 105

المواقف العظيمة هناك) (١)، ثم لحق بالنبي ﵌، فسجلت له هجرة ثالثة، فكان ممن كانت حياته كلها هجرةً وتضحيةً في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله . وقد مرَّ معنا رواية أبي موسى الأشعري ﵁ في قصة المهاجرين من الحبشة، وكيف قدموا على رسول الله ﵌، فأخبر أبو موسى ﵁ أنه خرج ومعه نفرٌ من قومه من بلاده من اليمن، قال: نريد رسول الله ﵌ بالمدينة، فقذفت بنا السفينة إلى أرض الحبشة، فوافينا جعفراً وأصحابه، ثم خرجنا معهم جميعاً إلى رسول الله ﵌، فوافينا المدينة في أعقاب خيبر. وهنا وقعت قصةٌ كذلك تدلنا على مسألة الهجرة وأهميتها وفائدتها، ترويها لنا أسماء بنت عميس، وفيها: قوله ﵌: (ولكم أنتم - يا أهل السفينة- هجرتان) فأثنى عليهم النبي ﵌ لفضل الهجرة وترك الديار والأهل والعيش في الغربة حفاظاً... على الدين وحرصاً على إقامته، وهذا يدلنا على فضل الهجرة عموماً، والهجرة إلى رسول الله ﵌ خصوصاً، وقد نال جعفر بن أبي طالب قصب السبق في كل هذه الهجرات التي كانت في سيرة النبي ﵌. إرساله ﵌ لخطبة ميمونة ﵂ -: وكان من حب رسول الله ﵌ لجعفر بن أبي طالب ﵁ وثقته به، أن أرسله لخطبة ميمونة بنت الحارث ﵂.

стр. 106

فقد «... بعث رسول الله ﵌ جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية، فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث، فزوجها العباس رسول الله ﵌» (١). ليس من السهل على أي إنسان أن يثق بإنسان آخر في أموره المهمة، فكيف بالأمور الأهم. فأمَّا الأمور الأهم فنجد أن الإنسان يحرص كلَّ الحرص على عملها ومتابعتها بنفسه، فإن لم يستطع فإنه يبذل استطاعته ليجد إنساناً تتوفر فيه جميع شروط الأمانه والإخلاص ويكون صاحب ثقة وصدق، وأي أمر أهم من الزواج، فبالطبع كل أمر من الأهمية بمكان يكون التوكيل لإنجازه من أهم المهمات الصعبة، وبالتالي يجب أن تتوفر في الموكَّل إليه مواصفات عاليه لأداء هذه المهمة. وهذا ما فعله ﵌ عندما اختار جعفراً ﵁، ليكون صاحب هذه المهمة. فيا لها من ثقة من المصطفى ﵌ والتي كانت في محلِّها- لجعفر ﵁، الذي احترم هذه الثقة ونفذَّها كما طُلبت على أكمل وجه. حب الصحابة لجعفر بن أبي طالب ﵁ -: لقد كان الصحابة يحبون بعضهم البعض، وكانت علاقتهم علاقة احترام

стр. 107

متبادل، وكانت قلوبهم مجتمعة على قلب رجل واحد، حيث كانوا كما قال ﵌ في المؤمنين: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (١). ومن هذا الحب والإحترام حبهم لجعفر بن أبي طالب ﵁. فعن الشعبي عن عبد الله بن جعفر قال: «كنت أسأل عليا ﵁ الشيء فيأبى علي فأقول: بحق جعفر، فإذا قلت بحق جعفر، أعطاني» (٢). وعن عامر قال: حدثني عبد الله بن جعفر قال: «ما سألت عليا شيئا قط بحق جعفر إلا أعطانيه» (٣). وعن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن جعفر ﵄ قال: «كان علي بن... أبي طالب ﵁ غضب على الأشتر وقلاه واستثقله فكلمني أن أكلم أمير المؤمنين عليا يرضى عنه، فكلمته أن يرضى عنه فلم يشفعني، وكنت إذا سألته فلم يفعل سألته بحق جعفر ﵁ فيشفعني فسألته بحق جعفر ﵁ فشفعني ورضي عنه» (٤). وقد سمى علي ﵁ ابنه الحسين ﵁ جعفراً، حباًّ في جعفر ﵁: فعن محمد بن علي عن علي ﵁ قال: «لما ولد الحسن سماه حمزة

стр. 108

فلما ولد الحسين سماه بعمه جعفر، قال: فدعاني رسول الله ﵌ فقال: إنى أمرت أن أغيِّر اسم هذين، فقلت: الله ورسوله أعلم، فسماهما حسناً وحسيناً» (١). وقد مرَّ معنا الحديث الذي فيه سلام عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ على عبد الله بن جعفر ﵁، بقوله: «السلام عليك يا ابن ذي الجناحين». موقفه من ابنة عمه مع أخيه علي وزيد بن حارثة: ركب رسول الله ﵌ وصحبه إلى مكة، حيث أرادوا العمرة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، فكان صلح الحديبية، وبعد هذا الصلح وخروج النبي ﵌ من مكة راجعا للمدينة تبعتهم ابنة حمزة ﵁، فاختصم في أخذها علي وزيد وجعفر ﵃: فعن البراء ﵁ قال: «اعتمر النبي ﵌ في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلمَّا كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﵌ فقالوا: لا نقر بها فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك لكن أنت محمد بن عبد الله، قال: «أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». ثم قال لعلي: «امح رسول

стр. 109

الله». قال: لا والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله ﵌ الكتاب فكتب: «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدا من أصحابه أراد أن يقيم بها». فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي ﵌، فتبعتهم ابنة حمزة يا عم، يا عم، فتناولها علي فأخذها بيدها، وقال لفاطمة ﵍: دونك ابنة عمك احملها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﵌ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم». وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك». وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي». وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا» (١). وفي رواية عن علي ﵁ قال: «خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة بن... عبد المطلب فقال جعفر بن أبى طالب: أنا آخذها وأنا أحق بها، بنت عمي وعندي خالتها، وإنما الخالة أم، وهي أحق بها، وقال علي: بل أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله ﵌، وهى أحق بها، وإنى لأرفع صوتى ليسمع رسول الله ﵌ حجتي قبل أن يخرج، وقال زيد: بل أنا أحق بها، خرجت إليها وسافرت، وجئت بها، فخرج رسول الله ﵌ فقال ما شأنكم؟، فقال علي: بنت عمي، وأنا أحق بها، وعندي ابنة رسول الله ﵌ تكون معها، أحق بها من غيرها، وقال جعفر:

стр. 110

أنا أحق بها يا رسول الله، ابنة عمي، وعندي خالتها، والخالة أم، وهي أحق بها من غيرها، وقال زيد: بل أنا أحق بها يا رسول الله، خرجت إليها، وتجشمت السفر، وأنفقت، فأنا أحق بها، فقال رسول الله ﵌: سأقضي بينكما فى هذا وفي غيره، قال علي: فلما قال: وفى غيره، قلت: نزل القرآن في رفعنا أصواتنا، فقال رسول الله ﵌: أما أنت يا زيد بن حارثة، فمولاى ومولاها، قال: قد رضيت يا رسول الله. قال: وأما أنت يا جعفر، فأشبهت خلقى وخلقى، وأنت من شجرتى التي خلقت منها، قال: رضيت يا رسول الله، قال: وأما أنت يا علي، فصفيى وأمينى، وأنت منى وأنا منك، قلت: رضيت يا رسول الله، قال: وأما الجارية فقد رضيت بها لجعفر، تكون مع خالتها، والخالة أم، قالوا: سلمنا يا رسول الله» (١). وهكذا قضى رسول الله ﵌ بينهم قضاءً عظيماً فريداً، فهو ﵌ الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. وانظر أيضاً إلى التربية النفسية الفريدة لرسول الله ﵌، كلٌ يفضي إلى ابنة حمزة بنسب أو سبب، فكيف يكون القضاء؟ ولابد من أن يقضي لواحدٍ، فكيف يكون لغيره الرضا؟ فقضى بها النبي ﵊ لخالتها، وهي زوجة جعفر ﵁، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، ثم قال لعلي: «أنت مني وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخُلقي» وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فأثنى على كل واحد منهم بما طيَّب نفسه
следующие страницы →