← Тараджим

Тараджим · id 30278

عبق الرياحين في سيرة ذي الجناحين

نايف منير فارس

Полный текст (251 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إخوته وأخواته: لا زلنا مع القاريء الكريم نجوب آفاق البيت الجعفري الطالبي، والآن نتحدث عن أخوة وأخوات جعفر بن أبي طالب ﵁، لنستجلي سيرته ونستوضح معالمها وأبعادها، ونبدأ مع البداية الطبيعية لهذا المورد، ألا وهي أولاد أبي طالب. فأما أبو طالب فولده طالب وعقيل وجعفر وعلي (١)، وأختهم أم هانئ فاختة، ويقال: هند، قيل: وجمانة بنت أبى طالب أخت ثانية لهم (٢). وذكر ابن سعد أنَّ ريطة هي بنت أبي طالب وأمها فاطمة بنت أسد (٣). وفيما يلي الحديث عن كل ولد من أولاد أبي طالب على حدة. أولاً: طالب بن أبي طالب: هو طالب بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي. ولد أبو طالب طالباً، وبه كان يُكنى، وهو أكبر ولده (٤). وأمه فاطمة بنت أسد بن عبد مناف بنت عمّ أبي طالب (٥). وقد مرَّ معنا أنَّ طالباً أكبر من أخيه جعفر ﵁ بعشرين سنة.

стр. 37

وتذكر كتب السير أنَّ طالباً بقي على كفره ولم يُعلم بإسلامه، فكلُّ إخوته أسلموا إلا هو، اختطفته الجن، فذهب (١). وكان طَالبُ بن أبي طَالِبٍ شاعراً (٢). وهلك طالب مشركا بعد غزوة بدر، وقيل: إنه ذهب فلم يرجع، ولم يُدر له موضع ولا خبر، وهو أحد الذين تاهوا في الأرض. وكان مُحبَّا في رسول الله ﵌، وله فيه مدائح. وكان خرج إلى بدر كرها، وجرى بينه وبين قريش حين خرجوا إلى بدر محاورة فقالوا: والله يا بني هاشم لقد عرفنا، وإن خرجتم معنا، أنَّ هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وهم بنو زُهرة مع الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثَّقفي، وكان حليفا لهم ومُطاعا فيهم. ولم يكن بقي من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس إلا عديُّ بن كعب وبنو زهرة، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد. وقال طالب حين رجع من غزوة بدر: اللهُمَّ إمَّا يَغزُوَنَّ طالبْ... في عصبةٍ مخالفٌ محاربْ في مقنب من هذه المقانبْ... فليكنِ المسلوبَ غيرَ السالبْ وليكنِ المغلوبَ غيرَ الغالبْ وقال من قصيدة ثناء على النبي ﵇، وبكى فيها أصحاب قليب بدر: فمنا إنْ جَنينَا في قريش عظيمةً... سِوى أنْ حَمَينا خيرَ مَن وطئ التُّربا

стр. 38

أخا ثقةٍ في النائبات مُرزَّءاً... كريماً نثاهُ لا بخيلاً ولا ذَرْبا (١) ثانياً: عقيل بن أبي طالب ﵁ -: هو عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي يكنى أبا يزيد (٢). ابن عم رسول الله ﵌ وأخو علي وجعفر لأبويهما، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم (٣). وهو أكبر إخوته (٤)، وآخرهم موتاً، وهو جدُّ عبد الله بن محمد بن عقيل المحدث (٥). وكان إسلام عقيل متأخراً عن علي وجعفر ﵄، فلم يكن مسلماً عند وفاة أبي طالب، وعليه لم يرث أبا طالب علي ولا جعفر لأنهما كانا مسلمين وورثه عقيل وطالب (٦). رُوي أنّ رسول الله ﵌ قال له: «يا أبا يزيد، إني أحبك حبين: حباً لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حب عمي إياك» (٧).

стр. 39

قدم عقيل البصرة ثم الكوفة ثم أتى الشام وقيل أنه توفي في خلافة معاوية وله دار بالمدينة مذكورة (١). والصحيح أنه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرة كما في تاريخ البخاري الأصغر بسند صحيح (٢)، فقد توفي سنة ٦٠ هـ (٣). وقال العدوي: كان عقيل قد أخرج إلى بدر مكرهاً، ففداه عمه العباس ﵁ ثم أتى مسلماً قبل الحديبية وشهد غزوة مؤتة، وكان أسن من أخيه جعفر ﵁ بعشر سنين، وكان جعفر أسن من علي ﵁ بعشر سنين وكان عقيل أنسب قريش وأعلمهم بأيامها، وقال: ولكنه كان مبغضاً إليهم لأنه كان يعد مساويهم. قال: وكانت له طنفسة تطرح له في مسجد رسول الله ﵌ ويصلي عليها، ويجتمع إليه في علم النسب وأيام العرب وكان أسرع الناس جواباً وأحضرهم مراجعة في القول وأبلغهم في ذلك (٤). وبعد شهوده لغزوة مؤتة، رجع فعرض له مرض فلم يسمع له بذكر في

стр. 40

غزوة الفتح ولا حنين ولا الطائف. وقد أعطاه رسول الله ﵌ من خيبر مائة وأربعين وسقا كل سنة. وقد قيل: إنه ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله ﵌ (١). ورُوي أن عقيلاً قال للنبي ﵌ يوم أُسِر: من قتلت من أشرافهم؟ قال: «قتل أبو جهل». قال: الآن صفا لك الوادي (٢). وهو قليل الحديث (٣)، روى عن النبي ﵌، روى عنه موسى بن طلحة، والحسن البصرى، وابنه محمد بن عقيل، وعقيل بن مقرن أبو حكيم المزنى أخو النعمان بن مقرن، ومعقل وسويد (٤). ولعقيل بن أبي طالب ﵁ من الولد: عبد الله، وعبد الرحمن، قتلا مع الحسين، ومسلم، القائم المقتول بالكوفة، وعلي، وحمزة، وجعفر، وسعيد، وأبو سعيد، وعيسى، وعثمان، ويزيد، وبه كان يكنى، لا عقب لواحد منهم، ومحمد وله العقب، لا عقب لعقيل إلا من محمد بن عقيل هذا (٥). ثالثاً: علي بن أبي طالب ﵁ -: هو علي بن أبي طالب ﵁ بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي يكنى أبا الحسن، واسم أبيه عبد مناف ولقبه أبو

стр. 41

طالب وقيل: اسمه كنيته والأول أصح (١). وأم علي بن أبي طالب فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (٢). وكان علي أصغر ولد أبي طالب، وكان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين (٣). قال السهيلي: قال ابن إسحاق: ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله ﵌ وصلَّى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم - رضوان الله وسلامه عليه - وهو يومئذ ابن عشر سنين، وكان مما أنعم الله على علي ابن أبي طالب ﵁ أنه كان في حجر رسول الله ﵌ قبل الإسلام. ثم قال السهيلي وسيأتي قول من قال: أول من أسلم أبو بكر ولكن ذلك- والله أعلم- من الرجال لأن علياًّ كان حين أسلم صبياًّ لم يدرك، ولا يختلف أن خديجة هي أول من آمن بالله وصدق رسوله (٤). وليس اعتبار سبق أبي بكر وعلي ﵄ إلى الإسلام هو القاسم المشترك الوحيد بينهما، فقد كان رسول الله ﵌ ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه ﵌ بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق ﵄.

стр. 42

وقيل: أسلم علي وهو ابن ثلاث عشرة سنة وقيل: ابن اثنتي عشرة سنة وقيل: ابن خمس عشرة. وقيل: ابن ست عشرة وقيل: ابن عشر. وقيل: ابن ثمان (١). وعن الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبي طالب: أن علي بن أبي طالب حين دعاه النبي ﵌ إلى الاسلام كان ابن تسع سنين، قال الحسن بن زيد: ويقال: دون التسع سنين (٢). وهو الذي قال له الرسول ﵌ ليلة اجتماع قريش لقتله: «نم على فراشي وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» (٣). قال ابن إسحاق: «وآخى رسول الله ﵌ بين أصحابه من المهاجرين

стр. 43

والأنصار، فقال- فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: «تآخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي» (١) (٢). و «عن ابن عباس، أن رسول الله ﵌ قال لعلي بن أبي طالب: «أنت ولي (٣) كل مؤمنٍ بعدي» (٤).

стр. 44

وأجمعوا على أنه صلى القبلتين وهاجر وشهد بدراً والحديبية وسائر المشاهد وأنه أبلى ببدر وبأحد وبالخندق وبخيبر بلاءً عظيماً وأنه أغنى في تلك المشاهد وقام فيها المقام الكريم. وكان لواء رسول الله ﵌ بيده في مواطن كثيرة (١). ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله ﵌ مذ قدم المدينة إلا تبوك فإنه خلّفه رسول الله ﵌ على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك (٢) وقال له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (٣). وكان ﵁ من أعلم الصحابة، وكان معاوية ﵁ يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي ﵁ عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام. فقال له: دعني عنك (٤). وهذا دليل على ثقة معاوية ﵁ بعلم علي ﵁ وإنصافه. وفضائل علي ﵁ وسيرته جمَّة وعظيمة، وليس هذا مقام بسطها، وإنما أردنا ذكر شيء من سيرته، باعتباره أخاً لجعفر بن أبي طالب ﵁.

стр. 45

واختلف في مبلغ سن علي ﵁ يوم مات، فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان وخمسون وقيل: ثلاث وستون، قاله أبو نعيم وغيره، واختلفت الرواية في ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، فروي عنه أن علياً قتل وهو ابن ثلاث وستين وروى عنه ابن خمس وستين وروي عنه ابن ثمان وخمسين وروى ابن جريج قال: أخبرني محمد ابن عمر بن علي أن علي بن أبي طالب ﵁ قتل وهو ابن ثلاث أو أربع وستين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: أربعة عشر يوماً (١). فعلى القول بأنَّ علي بن أبي طالب ﵁ ولد قبل البعثة بسبع أو ثمان سنين وهو الذي رجحناه سابقاً، وأنه ﵁ قُتل سنة ٤٠ هـ (٢)، فتكون سنه عند الوفاة ستين أو واحدى وستين سنة. والله أعلم. وقُتل علي ﵁ على يد عبد الرحمن بن ملجم (٣). رابعا: أم هانئ. فاختة بنت أبي طالب ﵂ -: السيدة، الفاضلة، أم هانئ بنت عم النبي ﵌ أبي طالب عبد مناف بن... عبد المطلب بن هاشم الهاشمية، المكية (٤). وقد كانت ﵂ من الصحابيات الجليلات ﵅ (٥).

стр. 46

واختلف في اسمها فقيل: هند وقيل: فاختة وهو الأكثر (١). «تكنى بابنها هانئ بن هبيرة» «وهي بكنيتها أشهر» (٢)، «ولها ابن من هبيرة اسمه يوسف وثالث وهو الأكبر اسمه جعدة» (٣) ورابع اسمه «عمرو بن هبيرة» (٤) «قال الدغولي: كان ابنها جعدة بن هبيرة قد ولاه علي بن أبي طالب خراسان» (٥). قال ابن حجر: «جعدة بن هبيرة أمه أم هانئ بنت أبي طالب له رؤية بلا نزاع فإن أباه قتل كافرا بعد الفتح واختلف في صحبته وصحة سماعه» (٦). قال ابن حجر في تقريب التهذيب: «هارون من ولد أم هانئ مجهول من الثالثة» (٧) وعليه هل هارون من ولد أم هانيء؟ الصحيح أنه ابن ابنها وليس ابنها المباشر. قال المزي في تهذيب الكمال: «جعدة المخزومي (٨) من ولد أم هانئ بنت أبي طالب أخو هارون وهو ابن ابنها» (٩)، وسيأتي معنا فيمن حدّث عنها، حفيدها هارون.

стр. 47

وهي أخت علي وعقيل وجعفر وطالب «وجمانة» (١) وشقيقتهم. وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. تأخر إسلام أم هانئ ﵂ (٢)، وقيل: كان إسلامها يوم الفتح (٣). ودخل النبي ﵌ إلى منزلها يوم الفتح، فصلَّى عندها ثمان ركعات ضحى (٤). وقد روت ﵂ أحاديث، بلغ مسندها: ستة وأربعين حديثا، لها من ذلك حديث واحد، أخرجاه - أي البخاري ومسلم - وروت أم هانئ عن النبي ﵌ أحاديث في الكتب الستة وغيرها (٥). ولها في مسند الإمام أحمد أربعة وعشرون حديثاً (٦). والحديث الوحيد الذي روته في الصحيحين (٧) هو: «عن أبي النضر أنَّ أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبى طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبى طالب تقول ذهبت إلى رسول الله ﵌ عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره قالت: فسلمت عليه فقال: (من

стр. 48

هذه). فقلت: أنا أم هانئ بنت أبى طالب، فقال: (مرحبا بأم هانئ)، فلما فرغ من غسله، قام فصلى ثمانى ركعات، ملتحفا فى ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتل رجلا قد أجرته، فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﵌ «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». قالت أم هانئ: وذاك ضحىً» (١). حدّث عنها: حفيدها هارون، وابنها جعدة، وابنه يحيى بن جعدة، ومولاها؛ ... أبو صالح باذام، ومولاها أبو مرة وابن عمها عبدالله بن عباس، وكريب مولى ابن عباس، وعبد الله ابن الحارث بن نوفل الهاشمي وولده عبد الله، وعبد الرحمن بن... أبي ليلى، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، والشعبي، وعبد الله بن عياش وابنه عبد الله، ومحمد ابن عقبة بن أبي مالك، وآخرون (٢). فلما أسلمت أم هانئ وفتح الله على رسول الله ﵌ مكة هرب هبيرة إلى نجران (٣). قال ابن إسحاق: لما بلغ هبيرة إسلامها، قال أبياتا منها: وعاذلة هبت بليل تلومني... وتعذلني بالليل ضل ضلالها وتزعم أني إن أطعت عشيرتي... سأوذى، وهل يؤذيني إلا زوالها فإن كنت قد تابعت دين محمد... وقطعت الأرحام منك حبالها

стр. 49

فكوني على أعلى سحيق بهضبة... ململمة غبراء يبس بلالها (١) ولم يذكر أحد أن هبيرة أسلم (٢)، بل الذي ذُكر أنه مات بعد ذلك كافراً (٣). ولما بانت أم هانئ عن هبيرة بإسلامها، خطبها رسول الله ﵌ فقالت: إني امرأة مصبية (٤). فسكت عنها (٥). وعن أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﵌ خطب أم هانئ، بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله، إني قد كبرت، ولي عيال»، فقال رسول الله ﵌: «خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد فى صغره، وأرعاه على زوج فى ذات يده» (٦). وعن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن أم هانئ بنت أبي طالب، قالت: مرَّ بي... رسول الله ﵌ ذات يوم، فقلت: يا رسول الله، إني قد كبرت فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة، قال: «سبحي الله مائة تسبيحة، فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، فإنها تعدل مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبري الله مائة تكبيرة،

стр. 50

فإنها تعدل مائة بدنة متقبلة، وهللي الله مائة تهليلة، فإنها تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع لأحد عمل أفضل منها، إلا أن يأتي بمثل ما أتيت» (١). وقد عاشت أم هانئ ﵂ إلى ما بعد سنة خمسين (٢). وقال الترمذي: ماتت بعد علي بن أبي طالب ﵁ بزمان (٣). في خلافة معاوية ﵁ (٤). خامساً: جُمانة بنت أبي طالب ﵂ -: قال محب الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبي: ذكرها الدارقطني في كتاب الأخوة «ولم يذكر فيه إلا من أسلم (وهذا) يدل على أنه صح عنده إسلامها». قال (٥): تزوجها أبو سفيان بن الحارث فولدت له عبد الله ولم يسند عنها شيئاً (٦).

стр. 51

وهذا القول دليل على صحة إسلامها إذ من لم يسلم لم يوصف بذلك إثباتاً ولا نفياً (١). وكان المحب الطبري قد ذكر في بداية ترجمته لجمانة، من ذكرها في أولاده أبي طالب فقال ﵀: ذكرها ابن قتيبة وأبو سعيد في شرف النبوة في أولاد أبى طالب، وأمها فاطمة بنت أسد (٢). وقال الزبير بن بكار: هي أخت أم هانئ، وذكرها ابن إسحاق فيمن قسم له... النبي ﵌ من خيبر ثلاثين وسقاً (٣). وأخرج الفاكهي في كتاب مكة من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم قال: «أدركت عطاء ومجاهداً وابن كثير وأناساً إذا كان ليلة سبع وعشرين من رمضان خرجوا في التنعيم واعتمروا من خيمة جمانة وهي بنت أبي طالب» (٤). قال ابن سعد في ترجمتها بعد أن أفردها في باب بنات عم النبي ﵌: «تزوجها... أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي فولدت له جعفر بن أبي سفيان» (٥).

стр. 52

سادساً: أم طالب ريطة بنت أبي طالب: أم طالب بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، لم يذكرها هشام بن الكلبي في كتاب النسب في أولاد أبي طالب، وذكر أنه كان لأبي طالب من البنات أم هانئ وجمانة وريطة، ولعل ريطة هي أم طالب، كما سماها محمد بن عمر في كتاب طعم النبي ﵌، أنه أطعم أم طالب بنت أبي طالب في خيبر أربعين وسقاً، وأم ولد أبي طالب كلهم الرجال والنساء فاطمة بنت أسد ما خلا طليق (١) بن أبي طالب (٢). وقال الحافظ ابن حجر: ريطة بنت أبي طالب بن عبد المطلب، أخت أم هانئ، ذكرها ابن سعد في ترجمة أمها فاطمة بنت أسد، ويقال: كانت تكنى أم طالب (٣). دعاء الرسول ﵌ لولد جعفر: لقد حظي أولاد جعفر ﵃ أجمعين بنصيب وافر من دعاء... رسول الله ﵌، وكما نعلم فإنَّ دعاء رسول الله ﵌ مستجاب، فأيّ منزلة بلغها جعفر ﵁، حتى يدعو رسول الله ﵌ لأولاده «اللهم اخلف جعفرا في ولده».

стр. 53

فعن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: «لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابني عباس ونحن صبيان نلعب، إذ مرَّ النبي ﵌ على دابة فقال: ارفعوا هذا إلي، قال: فحملني أمامه، وقال لقثم: ارفعوا هذا إلي، فحمله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثماً وتركه، قال: ثم مسح على رأسي ثلاثاً، وقال كلما مسح: اللهم اخلف جعفرا في ولده، قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استشهد، قال: قلت: الله أعلم ورسوله بالخير، قال: أجل» (١). إسلامه جعفر ﵁: لما أسلم أبو بكر الصديق ﵁، علم بواجبه نحو الإسلام، وأنَّ الدعوة إليه أمانة، فأخذ يدعو الناس للإسلام، فكان من جملة من أسلموا على يديه جعفر بن أبي... طالب ﵁، وكان إسلامه مبكراً. فعن يزيد بن رومان قال: أسلم جعفر بن أبي طالب قبل أن يدخل رسول الله ﵌ دار الأرقم (٢) ويدعو فيها (٣). فقد أسلم ﵁ بعد إسلام أخيه علي ﵁ بقليل، وقيل: أسلم بعد

стр. 54

واحد وثلاثين إنساناً وكان هو الثاني والثلاثين، قاله ابن إسحاق (١). وقيل: أسلم بعد خمسة وعشرين رجلا (٢). وهكذا فاز صاحب الجناحين ﵁، بشرف السبق إلى الإسلام، ودخل في البشرى في عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٣)، فجمع ﵁ بين ثلاث من معالي الأمور، أولها: شرف النسب، فهو ابن عم رسول الله ﵌، وثانيها: شرف السبق إلى الإسلام، وثالثها: شرف الشهادة في سبيل الله، كما سيأتي معنا في قصة استشهاده في معركة مؤتة. المؤاخاة: قال ابن إسحاق: آخى رسول الله ﵌ بين جعفر بن أبي طالب وبين معاذ بن جبل ﵄ (٤). وأنكر هذا الواقدي قائلا: وكيف يكون هذا؟ إنما كانت المؤاخاة قبل بدر، فنزلت آية الميراث، وانقطعت المؤاخاة، وجعفر يومئذ بالحبشة (٥). وقد وَجَّه ابن حزم هذا الإشكال بقوله: وآخى بين المهاجرين والأنصار: فآخى بين جعفر بن أبي طالب، وهو غائب بالحبشة، ومعاذ بن جبل (٦).

стр. 55

قال ابن حجر: «وذكر محمد بن إسحاق المؤاخاة فقال: قال رسول الله ﵌ لأصحابه بعد أن هاجر تآخوا أخوين أخوين» إلى أن قال: «وجعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وتعقبه ابن هشام بأن جعفرا كان يومئذ بالحبشة، وفي هذا نظر... ووجهها العماد بن كثير بأنه أرصده لأخوته حتى يقدم» (١). الهجرة إلى الحبشة (٢): اشتد البلاء على أصحاب رسول الله ﵌ في مكة، وجعل الكفار يحبسونهم ويعذبونهم، بالضرب والجوع والعطش، ورمضاء مكة والنار، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء وقلبه مطمئن بالإيمان، ومنهم من تصلب في دينه وعصمه الله منهم، فلقي جعفر وزوجه من أذى قريش ونكالها ما لا يعلمه إلا الله، ولكنهما صبرا على العذاب فهو ابتلاء من الله وفتنة، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا... يُفْتَنُونَ... (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ... صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٣)، وقال ﵌: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صُلْبًا اشتد بَلَاؤُهُ وإن كان فى دينه رِقَّةٌ ابْتُلِىَ على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يَتْرُكَهُ يمشى على الأرض وما عليه خَطِيئَةٌ» (٤).

стр. 56

فلما رأى رسول الله ﵌ ذلك أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﵌ ومن بينهم جعفر ﵁ وزوجه إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. فقد كانت الهجرة هي السمة الغالبة على حياة جعفر ﵁، فقد هاجر ثلاث هجرات لم يهاجرها غيره من الصحابة إلا نفرٌ قليل، فقد هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة المنورة، فحياته كلها كانت هجرةً لله ولرسوله ﵌، ولإقامة الدين والدعوة إليه، ولإقامة شعائره وشرائعه، فهو ممن هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، وهاجر إلى الحبشة مع زوجه أسماء بنت عميس ﵂ الهجرة الثانية، وولد له أولاده الثلاثة في الحبشة كما مرَّ معنا، وعاش فيها ردحاً من الزمن. وذلك كله يدلنا على أن جعفراً ﵁ كان من أهل الإيمان الراسخ، واليقين العظيم، والتضحية الكبيرة، حيث ترك داره وأرضه وبلاده، فكانت حياته كلها تضحيةً في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله . وبالإضافة إلى ما سبق كان من أسباب هجرة جعفر ﵁ والمسلمين إلى الحبشة:

стр. 57

ظهور الإيمان والفرار بالدين: حيث كثر الداخلون في الإسلام، وظهر الإيمان، وتحدث الناس به، قال الإمام الزهري (١) فيما رواه عن عروة في هجرة الحبشة: فلما كثر المسلمون، وظهر الإيمان فُتحدث به، ثار المشركون من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم يعذبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم فلما بلغ ذلك رسول الله ﵌ قال للذين آمنوا به: «تفرقوا في الأرض» قالوا: فأين نذهب يا رسول الله، قال: «هاهنا» وأشار إلى أرض الحبشة» (٢). فكان الفرار بالدين خشية الافتتان فيه سببًا مهمًّا من أسباب هجرتهم للحبشة، كما بيَّن ذلك محمد بن إسحاق (٣). ومن الأسباب: نشر الدعوة خارج مكة: قال سيد قطب: ... ومن ثم كان يبحث الرسول ﵌ عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح لها فيها أن تتخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة، وهذا في تقديري كان

стр. 58

هو السبب الأول والأهم للهجرة، ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب لتكون قاعدة للدعوة الجديدة عدة اتجاهات، سبقها الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، القول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين (١). ومنها البحث عن مكان آمن للمسلمين: وهذا السبب هو نتيجة لفرار المسلمين بدينهم، فلا بد لهم أن يبحثوا عن المكان الآمن والأرض الخصبة التي تمكنهم من ممارسة شرائع الإسلام والدعوة إليه. وهكذا كانت الخطة الأمنية للرسول ﵌ تستهدف الحفاظ على الصفوة المؤمنة؛ ولذلك رأى الرسول ﵌ أن الحبشة تعتبر مكانًا آمنًا للمسلمين ريثما يشتد عود الإسلام وتهدأ العاصفة، وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشة ما أمنهم وطمأنهم، وفي ذلك تقول أم سلمة ﵂: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى (٢) ....... الخ).

стр. 59

النجاشي العادل والصالح: «وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لايظلم أحد بأرضه، وكان ينثى (١) عليه مع ذلك صلاح» (٢) - أي يشيع عنه ذلك - ويظهر هذا الصلاح في حمايته للمسلمين، وتأثره بالقرآن الكريم عندما سمعه من جعفر ﵁، وكان معتقده في عيسى ﵇ صحيحاً. الحبشة متجر قريش: ذكر الطبري في معرض ذكره لأسباب الهجرة للحبشة: «وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش، يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغاً (٣) من الرزق وأمناً، ومتجراً حسناً» (٤). كما ذكر ذلك ابن عبدالبر (٥). التزام الأحباش بالنصرانية: وهي أقرب إلى الإسلام من الوثنية، ولذلك فرح المؤمنون بانتصار النصارى على فارس المجوس المشركين في الفترة المكية سنة ثمان في البعثة كما في القرآن (٦) (٧).

стр. 60

والآن لنعش ونستشعر قصة هجرة جعفر ﵁ إلى الحبشة هو وزوجته وبعض المسلمين الذين أُذن لهم في الهجرة إلى الحبشة مع جعفر ﵁، وأسباب هذه الهجرة، والأحداث التي مرَّ بها جعفر ﵁ وآل بيته في الحبشة. قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله ﵌ ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد (١)، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﵌ إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الإسلام (٢). ولعل معرفة الرسول ﵌ واطلاعه على أحوال الأحباش وخصوصيات ملكهم تأتي في سياق العلاقات التجارية لقريش، وقد مضى معنا قول الطبري: «وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش، يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغاً من الرزق وأمناً، ومتجراً حسناً» (٣). قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب ﵁ وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه

стр. 61

ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه (١). فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلاً (٢). فلمّا رأت قريش أنّ أصحاب رسول الله ﵌ قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها داراً وقراراً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين جلدين من قريش إلى النجاشي، فيردهم عليهم ليفتنوهم في دينهم ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها؛ فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته (٣) ثم بعثوهما إليه فيهم (٤). وحطّ الرسولان رحالهما بالحبشة، وقابلا بها زعماء الحبشة، ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها إليهم، ثم أرسلا للنجاشي هداياه. ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين، ويستنجدان بهم لحمل النجاشي، ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها (٥). فقال أبو طالب حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه أبياتا للنجاشي

стр. 62

يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم: ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر... وعمرو وأعداء العدو الأقارب وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا... وأصحابه أو عاق ذلك شاغب تعلم أبيت اللعن أنك ماجد... كريم فلا يشقى لديك المجانب تعلم بأن الله زادك بسطة... وأسباب خير كلها بك لازب وأنك فيض ذو سجال غزيرة... ينال الأعادي نفعها والأقارب (١) ويدخل كلٌّ من عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص على النجاشي، فيجدونه جالساً على كرسيه في وقار مهيب، وتواضع جليل، والأساقفة ورجال الحاشية حوله ينتظرون هذه اللحظة، والمسلمون المهاجرون جلوس أمامه في ساحة مجلسه الفسيح، تغشاهم السكينة، واثقون برحمة الله ونصره، وها هما رسولا قريش يقومان بتحريض النجاشي على المسلمين واتهامهم بالباطل أمام النجاشي، وقد بدأوا كلامهم بما ينفِّر النجاشي منهم: نعم أيها الملك، قد فارقوا دينهم ودين آبائهم حتى أنهم لم يدخلوا في دينك على الرغم من أنهم لجئوا إليك، إنما ابتدعوا ديناً جديداً، لا نعرفه نحن ولا أنت - أي: فلا هم منا ولا منكم، فليست لكم بهم صلة، وليس عندكم شيءٌ لأجله تحفظونهم أو تراعونهم-، وقد بُعثنا إليك من قِبل أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردَّهم إليهم.

стр. 63

فالتفت حينها النجاشي إلى المسلمين متسائلاً: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا؟ عندها برز جعفر ﵁ ليقوم بالإجابة على سؤال النجاشي، - لقد اختاره المسلمون بعد أن تشاوروا ليتولى هذه المهمة وذلك قبل مجيئهم إلى مجلس النجاشي وبعد علمهم بمجيء رسولَي قريش-. نهض جعفر بثبات وثقة بالله ثم أتبع ذلك بكلمات كسراج الشمس قائلاً: يا أيها الملك، إنّا كنّا قوماً أهل جاهلية: ثم سرد جميع ما كانوا عليه من أمر الجاهليه ممّا تأباه الفطرة السليمة، وينافي العبودية لله . إلى أن قال: حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، ثم ذكر محاسن أخلاق الرسول ﵌ وصدقه وأمانته بشهادة قومه قبل أن يُبعث. ثم بيَّن ما دعاهم إليه رسول الله ﵌ من عبادة الله وحده، والبراءة ممّا كانوا يعبدون وآباؤهم من الأوثان، وسرد ما أمرهم الله به، من العبادات وما نهاهم عنه من المحرَّمات ممّا تألفه الفطرة السليمة. وأتبع ذلك مبيِّناً أنه ما هاجر هو والمسلمون إلى جوار النجاشي - راجين ألا يظلموا عنده- إلا بعد أن عذّبتهم قريش وظلمتهم ومنعتهم من ممارسة شعائر دينهم. فتأثَّر النجاشي ﵀ بقول جعفر ﵁، ثم سأله إن كان معه شيء ممّا أُنزل على رسول الله ﵌، فمضى جعفر يتلو لآيات من سورة مريم في خشوع فبكى النجاشي، وبكى معه أساقفته جميعاً، ثم التفت إلى مبعوثي

стр. 64

قريش، وقال: «إنّ هذا، والذي جاء به عيسى (١) (وفي رواية: موسى) (٢) ليخرج من مشكاة واحدة.. انطلقا فلا والله، لا أسلمهم إليكما». وهكذا نصر الله عباده على رسولَي قريش، بعد أن وُفِّق جعفر ﵁ في مقالته وجوابه. ورجع مندوبا قريش من عند النجاشي بهزيمة منكرة. وانفضَّ الجميع من حول الملك النجاشي. لكن عمرو بن العاص لم يستسلم للهزيمة ولم ييأس، فأخذ يفكّر كيف له أن يستأصل شأفة المسلمين، على الرغم من أنَّ صاحبه عبد الله بن أبي ربيعة لم يوافقه على ذلك. ولكنه أصرَّ وعزم على المكيدة الجديدة، إنَّها المكيدة التي تتعلق بما يعتقد ويدين به النجاشي، وأهم ما يخص الإنسان وينتصر لها هو عقيدته، فكيف إذا كانت هذه العقيدة تخص النجاشي صاحب الأمر والنهي في الحبشة التي لجأ إليها المسلمون، فهو يريد إخبار النجاشي بأنَّ المسلمين يؤمنون بأن عيسى بن مريم عبد كبقية العباد، فإن هم أقروا بعبوديته، حركوا ضدهم

стр. 65

الأساقفة وحاشية الملك، وإن هم نفوا عنه البشرية خرجوا عن دينهم. إنه موقف صعب حاد، يضع المسلمين بين أمرين أحلاهما مر. وبعد أن طلبا مقابلة الملك، بدء عمرو كلامه للملك بالتهويل، إذ ذكر أن المسلمين يقولون في عيسى قولاً عظيماً، وهنا غضب الأساقفة وارتفعت أصواتهم. وبناء على ذلك طلب النجاشي المسلمين مرّة أخرى ليسألهم عن موقفهم من عيسى ﵇. واتفق المسلمون على أن يقولوا الحق الذي عليه دينهم بعد أن علموا بالمؤامرة الجديدة، لا يجاملون في ذلك ملكاً أو ديناً غير دينهم. وبدء الإجتماع الجديد بسؤال النجاشي لجعفر: ماذا تقولون في عيسى؟ فأجابه جعفر غير متلكِّعٍ أو متردد: نقول فيه ما جاءنا به نبينا ﵌: هو عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فما كان من النجاشي إلا أن أقرَّ جعفراً على ما قاله في عيسى ﵇، معلنا أنَّ هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، وأمَّنهم بأرض الحبشة، وهدَّد بعقاب من يسبهم أو يؤذيهم، ثم ردَّ هدايا وفد قريش، ولم يأبه لغضب وضجر الأساقفة. وهكذا رجع مبعوثاَ قريش إلى مكة مخذولين، يجرَّان خيبة الهزيمة، وخرج المسلمون مع خطيبهم جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها بخير دار مع خير جار، حتى يأذن الله لهم بالعودة إلى رسولهم وإخوانهم وديارهم.

стр. 66

وتروي لنا أم سلمة زوج النبي ﵌ هذا الحدث فتقول: (لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار: النجاشي، آمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين (١)، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف (٢) من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم (٣)، فجمعوا له أدماً كثيراً ولم يتركوا من بطارقته (٤) بطريقاً إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي (٥)، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدِّموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا (٦) إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قرَّبا هداياهم

стр. 67

إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم، أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا ها الله (١)، أيم الله إذا لا أسلمهم إليهما ولا أُكاد (٢)، قوماً جاوروني (٣)، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﵌ فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك

стр. 68

كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء (١)، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة (٢)، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قال: فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من كهيعص، قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضل (٣) لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة (٤)

стр. 69

واحدة، انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبداً ولا أكاد، قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غداً عيبهم عندهم، ثم استأصل به خضراءهم (١)، قالت: فقال له عبد الله بن أبى ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل فإن لهم أرحاماً وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله (٢)، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال له جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عوداً ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت (٣) بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نَخَرْتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي- والسيوم الآمنون - مَن سبَّكم غرم (٤)، ثم من سبَّكم غرم، فما أحب أنَّ لي دبراً ذهباً وإني آذيت رجلاً منكم، -والدبر بلسان الحبشة الجبل-، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة

стр. 70

حين ردَّ علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به يعنى من ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزناً قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفاً أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﵌: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سناً، قالت: فنفخوا له قربة، فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﵌ وهو بمكة» (١). وفي هذا الموقف نرى شجاعة وإقدام جعفر بن أبي طالب ﵁ للكلام والدفاع عن بقيّة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة أمام النجاشي. فإنه لم يخف في الله لومة لائم وصدع بالحق دون أي خوف أو انهزام، بل برباطة جأش وإصرار على ما هو عليه من الحق، بعد أن أرسلت قريش

стр. 71

وفداً بهدايا إلى النجاشي ليطرد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وعلى رأسهم جعفر ﵁، فطلب النجاشي ليسمع منهم، فتكلم جعفر ﵁ فأحسن وأجاد. فقد كان ﵁ ذا حجة قوية دامغة، جعلت النجاشي يتأثر بقوله وحجته وقراءته للقرآن، واختياره المناسب للآيات التي تلاها على النجاشي. وقد ركَّز ﵁ على أنَّ الإسلام جاء بالخير كل الخير، ونهى عن كل شر، وبيَّن أن هذا هو نفس ما جاء به عيسى ﵇، وأنه ليس بدعاً من القول، وأنّه ليس أمراً مستحدثاً، فالعقيدة واحدة لكل الشرائع السماوية، ألا وهي توحيد الله سبحانه وعبادته لا شريك له، وهذا هو الذي تألفه الفطرة السليمة وطبيعة الإنسان السويَّة. ورغم عدم استسلام وفد قريش ورجوعهم مرَّة أخرى للنجاشي ليوغروا صدره على المسلمين، إلا أنَّ تصدي جعفر ﵁ لهم، وبيان إفكهم جعل وفد قريش يرجعون مغلوبين مهزومين، بفضل الله ثم بفضل قوة وحكمة جعفر ﵁. وقد قضى بعد ذلك جعفر بن أبي طالب هو وزوجته والمؤمنون من الذين هاجروا إلى الحبشه، في رحاب النجاشي عشر سنوات آمنين مطمئنين. فوائد من مواجهة جعفر لرسولَي قريش أمام النجاشي: نستقي من مواجهة جعفر ﵁ لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة الفوائد التالية: ١. رغم أقلية المسلمين في الحبشة ووجودهم في بلد غير إسلامي، فقد

стр. 72

قاموا بالمشورة فيما بينهم، وتوحدت كلمتهم واجتمع أمرهم، وانتدبوا المتحدث باسمهم وكان جعفر ﵁، وهم في هذا كأنما يمثلون أوضاع الجاليات المسلمة في بلادٍ غير إسلامية كما هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم. ٢. لقد أحسن جعفر ﵁ المقالة، وكان صاحب أسلوب مميز، فإنه بدأ كلامه بقوله: «أيها الملك»، وهذا فيه تنزيلٌ للناس منازلهم، لكي يكون هناك رابط وجسر يمتد منه الحديث لتكوِّن أرضيَّة موحدَّة تؤدي إلى تأليف قلب المستمع، فيسمع ويصغي بكلِّه، وليس في هذا حرجٌ شرعيٌ، وليس فيه شيء من التعظيم لغير المسلم، بل فيه وصفٌ لحقيقته التي هو عليها، فهو ملك تلك البلاد. ٣. سرد جعفر ﵁ عيوب وفواحش الجاهلية بأسلوب بليغ وصيغة موجزة، فلم يحتج النجاشي للسؤال بمزيد من التفاصيل عن الجاهلية التي كانوا فيها قبل الإسلام، هذا الأسلوب كان له الأثر البليغ في قلب النجاشي ممَّا جعله ينفر من الجاهلية ومساوئها، ثمَّ سرد ﵁ بعد ذلك محاسن الإسلام التي هي مضاده لمساويء الجاهلية بنفس الأسلوب المُميَّز الذي تكلم فيه عن مساويء الجاهلية، فأوقع في ذهن النجاشي الصورة المتكاملة والمقارنة الموجزة لحالة المسلمين قبل وبعد الإسلام. ٤. قد يكون المغزى في إختيار الصحابة وإجماعهم على جعفر ﵁ كمتحدث باسم المهاجرين إلى الحبشة أمام النجاشي هو كونه ابن عم رسول الله ص فهو أعرف به وألزم له من غيره من بقية الصحابة الذين كانوا في الحبشة، فإخباره عن رسول الله صيكون عن بصيرة وعلم

стр. 73

وخبرة وقربٍ، أكثر من غيره، ولذلك قال: «بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه». ٥. نرى في كلام جعفر أنه ذكر الجوانب الأخلاقية الإنسانية التي هي القاسم المشترك بين الأمم وبين الناس جميعاً، من أصحاب الفطر السوية، والمسلمون يحسن بهم أن يظهروا هذه الجوانب لغير المسلمين؛ لأنها الجوانب التي تلفت العقول والأنظار، وتسلب أو تُميل النفوس والقلوب إلى حقائق الإسلام العظيمة، ولذلك قال: (وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات». ٦. أحسن جعفر ﵁ ختام حواره مع النجاشي عندما أثنى على النجاشي وبلاده بما هو أهلٌ له، من غير زيادة، ومن أخلاق المسلم الحق وإنصافه وعدله أن يذكر الحق والحقيقة الواقعية حتى وإن كانت هذه الحقيقة عند غير المسلم، ويتمثل هذا الأمر في قوله: (فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك; ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك)، وهذا ممَّا شجع النجاشي أن يسأله بلهفة: هل معك شيء مما جاءك به عن الله ؟ ٧. الداعية إلى الله يجب أن يكون جاهزاً باستمرار، حاملا لأدوات الدعوة، مستوفياً شروط الداعية، متأهباً للأحداث الطارئة والجديدة، فلم يتلكأ جعفر ﵁ عندما سُئل: هل معك شيء مما جاءك به عن الله ؟، فقال: نعم بثقة وثبات. فقرأ عليه صدراً من سورة مريم، ولقد كان موفقاً في إختيار ماذا يقرأ؛ فإن في صدر سورة مريم قصة زكريا

стр. 74

ويحيى وعيسى ﵈ جميعاً، وفيه ذكر أمورٍ يعرف جعفر أن النجاشي يعرفها من كتابه ودينه. ٨. أعداء الإسلام لا يستسلمون في كل زمان ومكان، فهدفهم الرئيسي هو إبادة الإسلام والمسلمين، حتى لو كانوا مختلفين مع حلفائهم في العقيدة والدين، فها هو عمرو بن العاص ﵁ داهية العرب لم يستسلم بعد إعطاء النجاشي الأمان للمسلمين، فذكر للنجاشي أمراً متعلقاً بالعقيدة والدين؟ لنعلم أن المحرك الأساسي والجوهري في اتخاذ المواقف إنما هو العقيدة والمبدأ قبل المصلحة والمنفعة. فقد هدَّد عمرو وأقسم بإخبار النجاشي أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم ﵇ عبد، لعلمه أنهم يقولون بألوهية عيسى ﵇. وهنا نرى ميلَ عمرو بن العاص وقد كان وثنياً مشركاً -حينها - للنصرانية. فهو يريد الفتنة، وهذا ديدن أعداء الإسلام. ٩. ثبات جعفر ﵁ حتى في المرة الثانية التي دعاهم فيها النجاشي، رغم أنَّ الدعوة الثانية كانت أصعب لما فيه من مساس بعقيدة النصارى والتي كان يدين بها النجاشي، فقد قال: نقول ما جاء به نبينا ص، فليس القول قولنا، وليس هو اجتهاد وإنما هو دين ووحي. فعيسى؛ عبد ورسول أرسله الله كما أرسل محمداً ص. وهو بهذا جمع محاسن عقيدة الإسلام في هذه المسألة المهمة، فالله يبرئ مريم ﵍ مما يقذفها به بعض اليهود فلا عيسى ﵇ ابن الله، ولا هو الله، بل هو بشر كسائر البشر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (١).

стр. 75

رسالة النبي ﵌ في شأن جعفر وأصحابه للنجاشي: كان رسول الله ﵌ يعتمد أحياناً المراسلات في دعوته، فقد بعث ﵌ رسولاً إلى النجاشي في شأن جعفر ﵁ وكتب معه كتاباً. فعن ابن إسحاق قال: «بعث رسول الله ﵌ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتاباً بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه الله من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم، ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصحي، والسلام على من اتبع الهدى». فكتب النجاشي إلى رسول الله ﵌: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أجبر، سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته من الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثُفْروقا (١) إنه
следующие страницы →