← Книги сунны

Книги сунны · id 30312

جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر

ابن المبرد

Полный текст (151 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١٠٤ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ الثِّقَةَ، يَحْكِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ الصَّابُونِيِّ، لَمَّا حُمِلَ إِلَى بُخَارَى، حَضَرَ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ الْقَفَّالُ لِيُكَلِّمَهُ، فَقَالَ: لا أُكَلِّمُهُ إِنَّهُ مُتَكَلِّمٌ

стр. 107

١٠٥ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَمْزَةَ، وَأَبَا عَلِيٍّ الْحَدَّادَ، يَقُولانِ: وَجَدْنَا أَبَا الْعَبَّاسِ النَّهَاوَنْدِيَّ عَلَى الإِنْكَارِ عَلَى أَهْلِ الْكَلامِ، وَتَكْفِيرِ الأَشْعَرِيَّةِ، وَذَكَرَ أَعْظَمَ شَأْنِهِ فِي الإِنْكَارِ عَلَى أَبِي الْفَوَارِسِ الْقرماسينِيِّ، وَهِجْرَانِهِ إِيَّاهُ لِحَرْفٍ وَاحِدٍ

стр. 108

١٠٦ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَمْزَةَ، يَقُولُ: لَمَّا اشْتَدَّ الْهِجْرَانُ بَيْنَ النَّهَاوَنْدِيِّ وَأَبِي الْفَوَارِسِ، سَأَلُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الدِّينَوَرِيَّ، فَقَالَ: لَقِيتُ أَلْفَ شَيْخٍ عَلَى مَا عَلَيْهِ النَّهَاوَنْدِيُّ

стр. 109

١٠٧ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا الْحُسَيْنِ الْمَالِينِيَّ، يَقُولُ: قِيلَ لأَبِي سَعْدٍ الزَّاهِدِ: إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ الدّينارِيَّ، نَاضَلَ عَنْكَ عِنْدَ سَبِّكَ. . . .، فَقَالَ: وَإِيَّاهُ فَلَعَنَ اللَّهُ؛ لأَنَّهُ كِلابِيٌّ

стр. 110

١٠٨ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ الْفَقِيهَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصُّعْلُوكِيَّ، يَقُولُ: أَقَلُّ مَا فِي الْكَلامِ مِنَ الْخَسَارِ سُقُوطُ هَيْبَةِ اللَّهِ مِنَ الْقَلْبِ

стр. 111

١٠٩ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: وَجَدْتُ أَبَا حَامِدٍ الأَسفراييني، وَأَبَا الطَّيِّبِ الصُّعْلُوكِيَّ، وَأَبَا بُكَيْرٍ الْقَفَّالَ، وَأَبَا مَنْصُورٍ الْحَاكِمَ عَلَى الإِنْكَارِ عَلَى الْكَلامِ وَأَهْلِهِ

стр. 112

١١٠ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ عَدْنَانَ بْنَ عَبْدَةْ النُّمَيْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عُمَرَ الْبسْطَامِيَّ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ أَوَّلا يَنْتَحِلُ الاعْتِزَالَ، ثُمَّ رَجَعَ فَكَتَمَ عَلَيْهِمْ، وإنما مَذْهَبه التَّعْطِيل، إِلَّا أَنَّهُ رَجَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ إِلَى التَّمْوِيهِ

стр. 113

١١١ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي رَافِعٍ، وَخَلْقًا , يَذْكُرُونَ شِدَّةَ أَبِي حَامِدٍ عَلِيٍّ الْبَاقِلَّانِيِّ، قَالَ: وَأَنَا بَلَّغْتُ رِسَالَةَ أَبِي سَعِيدٍ إِلَى ابْنِهِ سَالِمٍ بِبَغْدَادَ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى هَرَاةَ فَلا تَقْرَبِ الْبَاقِلَّانِيَّ

стр. 114

١١٢ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّبَّاسَ يَقُولُ: رَأَيْتُ أَبَا مَنْصُورٍ الْحَاكِمَ ذُكِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَلامِ، فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ

стр. 115

١١٣ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَبِي نَصْرٍ، يَقُولُ: رَأَيْنَا مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيَّ يَلْعَنُ الْكِلابِيَّةَ

стр. 116

١١٤ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي أُسَامَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ الْكَلامَ إِلَى الْحَرَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ بَثَّهُ فِي الْمَغَارِبَةِ

стр. 117

١١٥ - سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَلِيٍّ الْحُسَيْنَ بْنَ شُعَيْبٍ، يَقُولُ لِيَحْيَى بْنِ عَمَّارٍ: سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُول: مَنْ لَمْ يَقْرَأِ الْكَلامَ لَمْ يَدِنْ لِلَّهِ دِينَهُ، فَقُلْتُ: هَلْ وَرَثْتَ أَبَاكَ؟ يَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا فورثه

стр. 118

١١٦ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ بِلالَ بْنَ أَبِي مَنْصُورٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُ الأَشْعَرِيَّةِ، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، وَلا بِأَهْلِ كِتَابٍ، وَلا يُثَبِّتُونَ فِي الأَرْضِ كِتَابَ اللَّهِ

стр. 119

١١٧ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ طَاهِرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: شَهِدْتُ الدّينَارِيَّ يَسْتَتِيبُهُ أَبُو سَعْدٍ الزَّاهِدُ، فَمَا رَأَيْتُ كَذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الذُّلِّ، قَالَ: وَسَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَهِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَجَاءَ سَالِمٌ يَتُوبُ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ عَمَّارٍ لِلْحَاجِبِ: قُلْ لَهُ: يَأْتِينَا بِكُتُبِ الْكَلامِ نُحَرِّقُهَا بِالنَّارِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ

стр. 120

١١٨ - وَبِهِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَمْزَةَ، يَقُولُ: عُقِدَ لِوَاقِدٍ فِي طَبَرِسْتَانَ مَجْلِسٌ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ، فَأَنْكَرَهَا، فَضُرِبَ بِمِسْحَاةٍ فَقُتِلَ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «لَا تَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ كِبَارِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوا عَنْ أَصَاغِرِهِمْ هَلَكُوا» . قَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا أَخَذُوا عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، وَلا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ فَعَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، وَلا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْءٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِ النَّاسِ شَيْءٌ، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ إِثْمِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنَ النَّاسِ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِ النَّاسِ شَيْءٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، وَلا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ فَعَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، وَلا يَنْقُصُ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْءٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا» . وَفِي رِوَايَةٍ: أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ فَاتُّبِعَ، كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ". وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً» . قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ: فِتْنَةُ الْكَلامِ، أَوَّلُ مَنْ زَرَعَهَا الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَجَهْمٌ سَمِعَهُ، وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ

стр. 121

١١٩ - وَبِالسَّنَدِ إِلَى شَيْخِ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيِّ، أَبَا أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الْبَزَّازَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْبَصْرِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عِيسَى السِّجْزِيُّ، ثَنَا سَهْلٌ الْحَنَفِيُّ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، قَالَ: كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّهْرِ؟ قُلْتُ: كَذَا فَرْسَخًا، قَالَ: هَلْ ظَهَرَ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَهْمٌ؟ قُلْتُ: لا، قَالَ: سَيَظْهَرُ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جَهْمٌ , يُهْلِكُ خَلْقًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، يُدْخِلُهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمُ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. فَأَمَّا الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ سَنَةَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَأَمَّا جَهْمٌ فَكَانَ بِمَرْوٍ، فَكَتَبَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى وَالِيهِ عَلَى خُرَاسَانَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ، فَكَتَبَ إِلَى سَلْمِ بْنِ أَحْوَزَ وَكَانَ عَلَى مَرْوَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، ثُمَّ إِنَّ قِتْلَتْهُمَا انْتَشَرَتْ بَعْضَ الانْتِشَارِ، فَقَامَ بِهَا بَعْدَهُمَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، وَبِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ، فَمَلَأَ الدُّنْيَا مِحْنَةً وَالْقُلُوبَ فِتْنَةً دَهْرًا طَوِيلا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَالِمًا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ، أُوتِيَ صَبْرًا فِي قُوَّةِ الْيَقِينِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيَّ، فَشَدَّ الْمِئْزَرَ، وَأَبَى الفِتْنَةَ، وَجَادَ بِالدُّنْيَا، وَفَنَّنَ بِالدِّينِ، وَأَعْرَضَ عَنِ الْغَضَاضَةِ عَلَى طِيبِ الْعَيْشِ، وَلَمْ يُبَالِ فِي اللَّهِ حَقِّهِ الأقرانَ , وَنَسِيَ قِلَّةَ الأَعْوَانِ، حَتَّى هَدَّ مَا شَدُّوا، وَقَدَّ مَا مَدُّوا، ثُمَّ إِنَّ فِتْنَتَهُمْ هَمَدَتْ، وَبَدَأَتْ، ثُمَّ أَخْفَى مِنْهُمُ الأَشْعَرِيُّ مَا يَتَعَاظَمُ، وَظَهَرَ بِمَا يتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى ذَلِكَ بِالتَّمْوِيهِ، ثُمَّ لَمْ يَتِمُّ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْفِتْنَةَ عَمَّتْ وَطَمَّتْ، حَتَّى ظَهَرَتْ وَانْتَشَرَتْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ آثَارٍ: أَنَّ مَنْ سَاعَدَ مُبْتَدِعًا أَوْ أَخَذَ بِيَدِهِ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلامِ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي كُلِّ أَعْمَى الرَّأْيِ

стр. 122

فصل وَقَدْ أَجْمَعَ غَالِبُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الأَشْعَرِيَّ كَانَ أَوَّلا عَلَى الاعْتِزَالِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ أَتْبَاعُهُ وَأَحْبَابُهُ، وَأَمَّا الْكَلامُ وَعِلْمُهُ فَلا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ بَلِ الاعْتِزَال، قَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ تَوْبَتَهُ مِنْهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: تَوْبَتُهُ صَادِقَةٌ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: أَنَّهُ تَابَ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ شَيْخَنَا ابْنَ قَنْدَسَ يَقُولُ: إِنَّهُ تَابَ وَصَنَّفَ الإِبَانَةَ، وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَغَيْرِهِمْ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةٌ مُتَّجِهَةٌ لِغَرَضٍ مِنَ الأَغْرَاضِ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي كَشْفِ الْعَظَائِمِ، أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْبِدْعَةِ وَمِنْ جِهَةِ الدِّينِ، مِنْهُمْ شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ الْمُعَظَّمُ عِنْدَ كُلِّ الطَّوَائِفِ، الْمُتَّفَقُ عَلَى عِلْمِهِ وَزُهْدِهِ وَدِينِهِ، وَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيَنْظُرْ إِلَى كِتَابِهِ ذَمِّ الْكَلامِ. وَمِنْهُمُ ابْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَهَذَا إِمَامٌ كَبِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السّيلِيُّ: أَنَّهُ صَنَّفَ فِيهِ مُصَنَّفًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَثَلَبَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ. وَمِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الأَهْوَازِيُّ الْمُقْرِئ، صَنَّفَ كِتَابًا فِي مَثَالِبِهِ، فَجَاءَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ تَصَدَّى لِهَذَا الرَّجُلِ فَقَطْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ فِيهَا، وَقَصَدَ هَذَا الرَّجُلَ فَقَطْ بِالرَّدِّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِمَّا إِنَّهُ قَاصِرُ النَّظَرِ مَا اطَّلَعَ عَلَى كَلامِ أُولَئِكَ، وَإِمَّا إِنَّهُ رَأَى أَنَّ كَلامَهُ فِي أُولَئِكَ لا يَصْعَدُ مَعَهُ لِمَحَلِّهِمْ فِي الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ وَمَا وَقَعَ فِيهِ، وَشَقَاشِقَهُ، وَخَوَافِقَهُ الَّتِي يَخْفِقُ بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلٍّ التَّخْفِيقِ، وَيُمَوِّهُ بِهَا فِي غَيْرِ بَابِ التَّمْوِيهِ، فَإِنَّهُ يَرِدُ الْكَلامَ بِأَمْرٍ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِهِ، وَلا يَرِدُ بِهِ وَيَذْهَبُ بِأَمْرٍ مَذْهَبًا غَيْرَ مَذْهَبِهِ، يَقْصِدُ بِهِ الاسْتِطْرَادَ وَالإِطَالَةَ لِيُكْثِرَ مَا رَدَّ بِهِ وَلَوْ قَصَدْتُ هَذَا الْمَقْصِدَ وَضَعْتُ هَذَا الْكِتَابَ عَشْرَ مُجَلَّدَاتٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالرَّدِّ رَدُّ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَكَأَنَّ ابْنَ عَسَاكِرَ جَهِلَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ خَبَّأَ لَهُ مَنْ يَرُدُّ كَلامَهُ، وَيُظْهِرُ أدْغَامَهُ، عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ حِينَ جَمَعَ تِلْكَ الْعَسَاكِرَ، أَنِّي لَا أَسِيرُ خَلْفَهُ بِهَذِهِ الدَّسَاكِرِ، وَهَا أَنَا أَقُولُ لَهُ كَمَا فِي الْمَثَلِ السَّائِرِ: روح جئتك، أَقُولُ تَرْجَمَة هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالْجَهْلِ، وَقِلَّةِ الْعِلْمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِنَّهُ عَامِّيٌّ جَاهِلٌ، رَأَيْتُ بِخَطِّ ابْنِ الْمُحِبِّ: الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزْدَادَ الْمُقْرِئ، نَزِيلُ دِمَشْقَ فَقَدْ وَصَفَهُ هَذَا الْحَافِظُ بِخَطِّهِ بِالْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ. وَرَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعِرَاقِيِّ: الإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزْدَادَ الأَهْوَازِيُّ الْمُقْرِئ، ﵁، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: أَبُو عَلِيٍّ الأَهْوَازِيُّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ الْمُحَدِثُ مُقْرِئُ أَهْلِ الشَّامِ، وَصَاحِبُ التَّصَانِيفِ، وُلِدَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، وَعَنِيَ بِالْقِرَاءَاتِ، وَلَقِيَ فِيهَا الْكِبَارَ كَأَبِي الْفَرَجِ الشنبوذي، وَعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْغَضَائِرِيِّ، وَقَرَأَ بِالأَهْوَازِ لِقَالوُنَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ نَصْرٍ الْمَرْجِيِّ، وَالْمُعَافَى الْحَرِيرِيِّ، وَطَبَقَتِهِمَا، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، ﵀، فَقَدْ وَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ بِالْقِرَاءَةِ، وَأَنَّهُ مُقْرِئُ الشَّامِ، وَوَصَفَهُ بِالْحَدِيثِ، وَالتَّصَانِيفِ، وَكَذَلِكَ وَصَفَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ مُقْرِئُ الشَّامِ، وَقَدْ وَصَفَهُ آخَرُونَ بِالْفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ , وَالْقِرَاءَاتِ، وَالنَّحْوِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَا للَّهِ الْعَجَب مِنْ هَذِهِ صِفَته وَتَرْجَمَته، كَيْفَ يَقُولُ فِيهِ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَنَّهُ جَاهِلٌ عَامِّيٌّ، وَأَنَّ أَلْفَاظَهُ رَكِيكَةٌ، وَهَلْ فِي الأَلْفَاظِ شَيْءٌ مِنْهُ؟ إِنَّمَا ذَكَرَهَا رُوَاتُهُ، ونقلا عَلَى قَاعِدَةِ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا ابْنُ عَسَاكِرَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى تَرْجَمَةِ هَذَا الإِمَامِ، فَذَلِكَ قُصُورٌ، وَقِلَّةُ اطِّلاعٍ، وَكَيْفَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَافِظٌ؟ وَلا يَعْرِفُ الْمَشَاهِيرَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ تَرْجَمَتَهُ وَمَنْزِلَتُهُ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ لَهُ بِالإِمَامَة وَالْمَشْيَخَةِ، وَيُنْكِرُ ذَلِكَ لِلْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَعَمْرِي مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ وَالْجَهْلِ وَأَغْرَاضِ النُّفُوسِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ هَذَا بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ وَأَنَّهُ عَامِّيٌّ لَا يَعْرِفُ مَا يَقُولُ، وَأَنَّ عِبَارَاتِهِ رَكِيكَةٌ بِحَيْثُ أَنَّ مَنْ رَأَى كَلامَهُ فِيهِ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لا يَعْرِفُ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَدْ تَرْجَمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُؤَرِّخِي الإِسْلامِ بِالإِمَامَةِ، فَكَيْفَ يَسَعُ ابْنَ عَسَاكِرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الرَّجُلِ بِالْجَهْلِ، مَعَ كَلامِ هَذِهِ الأُمَّةِ فِيهِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَإِمَّا أَنَّهُ مُقَصِّرٌ قَلِيلُ الاطِّلَاعِ، وَإِمَّا أَنَّهُ حَمَلَهُ الْهَوَى عَلَى الْقَوْلِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ، قَوْلُهُ فِي الْخُطْبَةِ: وَفُرِضَ عَلَى الأَنَامِ الاقْتِدَاءُ بِهُدَاهُمْ وَشِرْعَتِهِمْ إِلْزَامًا، يَعْنِي الأَنْبِيَاءَ، وَالاقْتِفَاءَ بِنَهْجِهِمْ فِيمَا نَهَجُوهُ لَهُمْ نَقْصًا وَإِبْرَامًا، هَلْ كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ عِلْمُ الْكَلامِ أَوِ التَّأْوِيلِ؟ أَوْ كَانَ مِنْ هَدْيِهِمُ الإِقْرَارُ بِذَلِكَ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ؟ أَيْنَ الْمُنْصِفُ؟ أَيْنَ الْمُحَقِّقُ؟ هَلْ وَرَدَ عِلْمُ الْكَلامِ وَالتَّأْوِيلِ عَنْهُمْ أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْتَ: بَلَى، فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ قُلْتَ: لَا، فَلا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسَعْهُ مَا وَسِعَهُمْ، وَأَيْنَ الاقْتِفَاءُ بِنَهْجِهِمْ مَعَ التَّأْوِيلِ وَالنَّفْيِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْخُطْبَةِ: إِنَّ اللَّهَ أَتَمَّ الدِّينَ، وَنَصَبَ لَهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَرْبَابِ الْبَصَائِرِ مَنِ انْتَدَبَ لِنَصْرِهِ حِينَ هَمَا سَحَابُ الْبَاطِلِ وَهَطَلَ، وَحَادَ أَهْلُ الاعْتِزَالِ عَنْ سُنَنِ الاعْتِدَالِ حِينَ نَفَوْا عَنِ الرَّبِّ مَا أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، فَهُوَ كَلامٌ حَسَنٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالأَشْعَرِيِّ الَّذِي أَرَادَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ نَفَى التَّشْبِيهَ، وَمَا عَنِى إِلَّا مَنْ رَدَّ عَلَى الأَشْعَرِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُ إِذَا رَأَى مَنْ يَذْكُرُ التَّشْبِيهَ فَهُوَ جَهْمِيٌّ، فَإِنَّ مَنْ رَدَّ عَلَى الأَشْعَرِيِّ لا يَقُولُ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ أَشَدَّهُمْ بِذَلِكَ اهْتِمَامًا لِمَنْ حَاوَلَ الإِلْحَادَ، أَوْ عَانَدَ السُّنَّةَ، وَإِنَّهُ لَمْ يُسْرِفْ فِي التَّعْطِيلِ، وَلَمْ يَغْل فِي التَّشْبِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي بَعْدَ ذَلِكَ قواما كَذَبَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلَى الاعْتِدَالِ يَنْقُلُ الثِّقَاتِ إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ، حَتَّى عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصْعَدُ مَعَهُ فَمَوَّهَ بِمَذْهَبٍ وَسَطٍ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُ نُصْرةَ السُّنَّةِ، هَذَا أَمْرٌ لَا كَانَ، وَلَمْ يَرِدْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلا أَنَّهُ قَامَ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهَا، بَلْ كَانَ مُخْتَفِيًا. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ أَثْبَتَ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ , كَذِبٌ وَاللَّهِ، وَإِنَّهُ نَفَى مَا لَا يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنْ شَبَهِ خَلْقِهِ، إِنَّمَا أَتَى بِهَذَا التَّمْوِيهِ لأَجْلِ النَّفْيِ بِالْكُلِّيِّ، لأَنَّهُ لَا يَصْعَدُ مَعَهُ النَّفْيُ الْكُلِّيُّ فَمَوَّهَ، وَأَتَى بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي تَوَصَّلَ بِهِ إِلَى النَّفْيِ، وَقَدْ قَالَ عِدَّةٌ مِنْ سَلَفِ الأُمَّةِ: إِنَّهُ لَيْسَ فِيمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وَلا مَا وَصَفَهُ بِهِ نَبِيَّهُ تَشْبِيهٌ. وَقَوْلُهُ: وَائْتَمَّ بِهِ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لاتِّبَاعِ الْحَقِّ فِي التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ ائْتِمَامًا الإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ، فَأَيْنَ أَهْلُ الْكَلامِ؟ وَأَيْنَ أَهْلُ السُّنَّةِ؟ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا انْتَقَمَ مِنْ أَصْنَافِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّهُ بَيَّنَ عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوهُ، يَا للَّهِ الْعَجَب، هَلِ التَّأْوِيلُ مُبْتَدَعٌ، أَوْ مَنْ يَقُولُ: عُدَّهَا كَمَا جَاءَتْ، وَنُؤْمِنُ بِهَا، أَيْ ذَلِكَ الْبِدْعَةُ، وَهَلِ التَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ مُبْتَدَعٌ أَوْ عِلْمُ الْكَلامِ، أَيْنَ الْعُقُولُ وَالأَفْهَامُ؟ أَيُّ ذَلِكَ الْمُبْتَدَعُ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُمْ قَالُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبُهْتَانِ مَا لا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ كَمَا رَمَتِ الْيَهُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ مُقِرٌّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الاعْتِزَالِ، وَتَدَّعِي أَنَّهُ تَابَ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ غَيْرَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي تُكَذِّبُهُ. وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يُنْقِصُوهُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، بَلْ زَادُوهُ بِمَا قَالُوهُ تَمَامًا , لَعَمْرِي لَقَدْ نَقَصُوهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ، وَقَوْلُهُ أَنَّهْمُ مَدَحُوهُ بِذَمِّهِمْ لَعَمْرِي لَقَدْ أَخَذُوهُ بِذَلِكَ، وَأَيْنَ الْحُسْنَى؟ وَقَوْلُهُ: وَقُلْ مَا انْفَكَّ عَصْرٌ مِنَ الأَعْصَارِ عَنْ غَاوٍ يَقْدَحُ فِي الدِّينِ، وَيَغْوِي إِيهَامًا , إِنْ كَانَ شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ مِنَ الْغُوَاةِ الَّذِي قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَائِرُ الطَّوَائِفِ، وَقِيلَ كَلامُهُ عِنْدَ كُلّ أَحَدٍ خَافَ عَلَى الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: وَغَاوٍ يُجَرِّحُ بِلِسَانِهِ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، أَيْنَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ؟ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ؟ أَيْنَ أَقْوَالُ الأَشْعَرِيِّ فِي الدِّينِ؟ أَيْنَ كَلامُهُ فِي الطَّهَارَةِ، وَالصَّلاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاقِ؟ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ، إِنَّمَا كَلامُهُ فِي عِلْمِ الْكَلامِ فَقَطْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، كَيْفَ يَحِلُّ لِمَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ أَنْ يُحَقِّقَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ كَلامٌ فِي مَسْأَلَةٍ قَطُّ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ قَوْله، وَيَحْمِلُ بِجَهْلِهِ عَلَى سَبِّ الْعُلَمَاءِ وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، أَيْنَ الْعُلَمَاءُ؟ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ كَلامٌ فِي مَسْأَلَةٍ قَطُّ يُعَدُ مِنَ الْعُلَمَاءِ؟ وَقَدْ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِكُتُبِ الْعِلْمِ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ كُتُبُ الْكَلامِ، قوله: وَلَنْ يَعْبَأَ اللَّهُ بِتَقَوُّلِهِمْ فِيهِ، وَبِكَذِبِهِمْ عَلَيْهِ، هُوَ قَدِ اعْتَرَفَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الاعْتِزَالِ، فَحِينَئِذٍ لَيْسَ، ثُمَّ يَقُولُ: وَأَنَا كَلامه مُنَاقِض وَمُقِرّ بِأَنَّهُ إِمَامُ عِلْمِ الْكَلامِ، وَقَدْ ذَمَّ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ إِمَامُ السُّنَّةِ ذَلِكَ، وَأَمَّا ذِكْرُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ وَإِلَّا كَانَ الصِّدْق عَنْ ذِكْرِهِ وَقِيعَة ذَوِي الْجَهْلِ احْتِشَامًا، فَلَوْ صَدَقَ كَانَ أَحْسَنَ لَهُ وَأَسْتَرَ فَقَدْ تَقَوَّلَ هُوَ عَلَى هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ الْجَهْلَ أَكْثَرَ مِمَّا تَقَوَّلُوا عَلَى الأَشْعَرِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ صِفَةَ هَؤُلاءِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِالْجَهْلِ، مِثْلَ شَيْخِ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيِّ، وَالإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي طَاهِرٍ، وَالإِمَامِ الْمُحَدِّثِ الْمُقْرِئ أَبِي عَلِيٍّ الأَهْوَازِيِّ، قَالَ: لَكِنِّي اغْتَنَمْتُ الثَّوَابَ فِي إِيضَاحِ الصَّوَابِ، يَا وَيْحَهُ فِي هَذَا الْكَلامِ، وَلِلَّهِ لَقَدْ أَثِمَ فِي ذَلِكَ غَايَةَ الإِثْمِ، وَارْتَكَبَ الْخَطَأَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَقِّ أَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ وَلِمَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ قَاهِرِينَ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّ ذِكْرَ أَبِي الْحَسَنِ عَمَلا يُحَرِّمُونَهُ بِهِ إِعْلاءً، وَذِكْرَ مَظَالِمِهِ، وَالتَّرَحُّمَ عَلَيْهِ مِنَ الانْتِقَاصِ لَهُ عِنْدَ عُلَمَاء أَوْلَى، وَمخلدٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الأَقْطَارِ مَشْهُورٌ، نَعَمْ مَشْهُورٌ بِعِلْمِ الْكَلامِ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ بِالتَّبَايُنِ عَلَى مَنْ عَاصَرَهُ مِنْ أَهْلِ صِنَاعَتِهِ فِي الْعِلْمِ مَذْكُورٌ، نَعَمْ مَذْكُورٌ بِعِلْمِ الْكَلامِ لَا مُنَازِعَ فِيهِ. قَوْلُهُ: مَوْصُوفٌ بِالدِّينِ وَالرَّجَاحَةِ , فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ قِلَّةَ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الأَهْوَازِيُّ، وَابْنُ طَاهِرٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ مَنِ الْكَاذِبُ، وَأَمَّا الرَّجَاحَةُ فَإِنَّمَا تَرَجَّحَ فِي عِلْمِ الْكَلامِ، وَأَمَّا النُّبْلُ الَّذِي ذَكَرَهُ فَذَلِكَ إِنَّمَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الأَعْصَارِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ مَعْرُوفٌ بِشَرَفِ الأُبُوَّةِ وَالأَصْلِ، أَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ لَهُ الأَشْعَرِيُّ، لأَنَّ جَدَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقِيلَ لَهُ الأَشْعَرِيّ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ تَصَانِيفَهُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ بِالإِجَادَةِ، وَالإِصَابَةِ لِلتَّحْقِيقِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، فَلَيْسَ لَهُ كُتُبٌ فِي غَيْرِ الْكَلامِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى كِتَابِهِ الإِبَانَةِ عَرَفَ مَوْضِعَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالتَّفْسِيرِ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا وَضَعَ الإِبَانَةَ وَغَيْرَهَا حِينَ تَابَ، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ وَضَعَهَا يُمَوِّهُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ أَخَذَ يَذْكُرُ أَنَّ لُحُومَ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ، وَأَنَّ الْوُقُوعَ فِيهِمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالتَّطَاوُلَ لأَعْرَاضِهِمْ بِالزُّورِ وَالافْتِرَاءِ مَرْتَع وَخِيمٌ، وَالاخْتِلافَ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ لَنَقْشِ الْعِلْم خُلُقٌ ذَمِيمٌ، وَقَدْ صَدَقَ فِي ذَلِكَ هَذَا لِلْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ فِيهِ أَمْرًا وَبِدْعَةً، فَبَيَانُ أَمْرِهِ وَإِظْهَارُهُ أَفْضَلُ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الأَئِمَّةُ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الاغْتِيَابِ، فَهَذَا لَيْسَ هُوَ مِنَ الاغْتِيَابِ وَأَنَّمَا هَذَا مِنَ الدِّينِ , الْكَلامُ فِي الْمُبْتَدَعِ، وَإِظْهَارُ بِدْعَتِهِ، وَالْكَذَّابِ وَبَيَانِ كَذِبِهِ مِنَ الدِّينِ الْمُتَعَيَّنِ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْذِيرِ مِنْ أَنْ يَتَّبِعَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، وَالانْتِصَارُ لأَهْلِ الْبِدَعِ أَمْرٌ مَذْمُومٍ، أَذَمُّ مِنَ السَّبِّ، ثُمَّ جَاءَ وَقَصَدَ الإِطَالَةَ وَالشَّقَاشِقَ بِأَمْرٍ خَارِجٍ فَسَاقَ أَحَادِيثَ فِي لَعْنِ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، وَفِيمَنْ كَتَمَ عِلْمًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَالإِقْدَامِ عَلَى الْغِيبَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهَا أَمْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهَا، وَعَنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ كَثِير، وَإِنَّمَا الْغِيبَةُ الْمُحَرَّمَةُ كَمَا قُلْنَا، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، أَوِ الْكَذِبِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ بَمُحَرَّمٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أَمْرَ الْغِيبَةِ، وَحَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «لا تَتَّبِعُوا عوَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلا عَثَرَاتِهِمْ» . وَحَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ» ، وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ أَمْرُهَا مَشْهُورٌ، وَكَلامُ الأَئِمَّةِ فِيهَا مَعْلُومٌ، وَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا مُحَرَّمٌ فِي أَهْلِ الْخَيْرِ، دُونَ أَهْلِ الشَّرِّ. ثُمَّ عَقَدَ بَابًا لاسْمِهِ، وَنَسَبِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَمِثْلُ هَذَا لا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكِهِ عَنْ أَحَدٍ، إِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الْخَطِيبِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بِشْرٍ: وَاسْمُهُ إِسْحَاقُ بْنُ سَالِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ بِلالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ، الْمُتَكَلِّمُ، قَالَ: وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ، أَنَّ أَبَاهُ هُوَ أَبُو بِشْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَأَنَّهُ كَانَ سبيا جَمَاعِيًّا حَدِيثِيًّا، فَقَدْ ذَكَرَ هَذَا بِهَذَا التَّبَايُنِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَبَا بِشْرٍ جَدُّهُ إِسْحَاقُ كَمَا سَبَقَ، قَالَ: وَفِي نِسْبَةِ أَصْحَابِهِ إِيَّاهُ إِلَى أَبِي بِشْرٍ تَكْذِيبٌ لأَبِي عَلِيٍّ الأَهْوَازِيِّ، فِيمَا اخْتَلَقَ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحِ النَّسَبِ، وَأَنَّهُ مَا كَنَّى عَنِ اسْمِ أَبِيهِ إِلا لِهَذَا السَّبَبِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لَهُ بِأَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَأَنْسَابِهِمْ عِنَايَةٌ لِفُرِّقَ بَيْنَ قَوْلِنَا كُنْيَةٌ، وَكِنَايَةٌ، قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ الأَهْوَازِيُّ، قَالَ: مِنْ أَعْجَبِ الأَشْيَاءِ، أَنَّهُ لَيْسَ يُعْرَفُ بِالْبَصْرَةِ إِلا بِابْنِ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: وَأَصْحَابُهُ يَفِرُّونَ مِنْ هَذَا الاسْمِ، وَلا يَصِفُونَهُ بِهِ، قَالَ: وَسَمِعْتُ شُيُوخًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، يَقُولُونَ: مَا فِرَارُهُمْ مِنْ هَذَا الاسْمِ إِلا لِسَبَبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ جَدَّهُ أَبَا بِشْرٍ كَانَ يَهُودِيًّا، كَانَ يَهُودِيًّا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ يُنْسَبُ إِلَى الأَشْعَرِيِّينَ فَانْتَسَبَ إِلَى ذَلِكَ، قَالَ: وَقَدْ قِيلَ فِي الأَشْعَارِ السَّائِرَةِ: وَمَا كَنَى عَنْ أَبِيهِ إِلا وَثَمَّ سَبِيبٌ فَأَيُّ إِنْكَارٍ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ كَنَى هَذَا، وَهُوَ يَدَّعِي الْمَعْرِفَةَ الزَّائِدَةَ، فَإِنَّ الأَهْوَازِيَّ لَمْ يُرِدِ الْكُنْيَةَ، إِنَّمَا أَرَادَ الْكِنَايَةَ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالاسْمِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى الاسْمِ، فَكَنَى عَنِ الاسْمِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي إِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِالأَشْعَرِيِّ تَكْذِيبٌ لِمَا قَالَهُ هَذَا الْمُفْتَرِي هَذَا كَلامٌ لا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ أَمْرٌ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى نِسْبَتِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَإِنَّ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَى نِسْبَةِ رَجُلٍ إِلَى نِسْبَةٍ لا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ مَنِ اسْمُهُ كَذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْعُمَرِيَّ لا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَالْمُحَمَّدِيَّ لا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْبَكْرِيَّ لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَالْعَلَوِيَّ لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ، وَالْعُثْمَانِيَّ لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانٍ، وَالْحَنْبَلِيَّ لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهَلُمَّ جَرًّا، فَلا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالأَشْعَرِيِّ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلَدِهِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ إِلَى نَسَبِ الإِنْسَانِ غَيْرُهُ، وَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «أَرْبَعٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ» ، ثُمَّ أَرَادَ الإِطَالَةَ وَالشَّقَاشِقَ بِذِكْرِ نَسَبِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَفَضَّلَهُ بِأُمُورٍ لَيْسَ لِذِكْرِهَا مَحَلٌّ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ الإِطَالَةُ وَالتَّمْويهُ وَالتَّخْفِيقُ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ لا شَكَّ فِيهِ، وَلا خَفِيَ، وَلا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ، وَذَكَرَ نَسَبَ إِبْرِاهِيمَ وَالْخِلافَ فِيهِ بِأُمُورٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا سَبَبُ رُجُوعِ أَبِي الْحَسَنِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَتَبَرِّيهِ مِمَّا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَقَدْ أُثْبِتَ لَهُ الاعْتِزَالَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ.

стр. 123

٥٠٠ - ثُمَّ ذُكِرَ بِسَنَدِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمُتَكَلِّمِ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا، يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ لَمَّا تَبَحَّرَ فِي كَلامِ الاعْتِزَالِ، وَبَلَغَ غَايَةً، كَانَ يُورِدُ الأَسْئِلَةَ عَلَى أُسْتَاذَيْهِ فِي الدَّرْسِ، وَلا يَجِدُ فِيهَا جَوَابًا شَافِيًا فَتَحَيَّرَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ صَلَّى وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَهُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَشَكَا إِلَيْهِ، «فَأَمَرَهُ بِالسُّنَّةِ» . فَانْتَبَهَ، وَعَارَضَ مَسَائِلَ الْكَلامِ بِمَا وَجَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالأَخْبَارِ فَأَثْبَتَهُ، وَنَبَذَ مَا سِوَاهُ، فَهَا هُوَ قَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا وَأَنَّهُ تَابَ

стр. 124

٥٠١ - وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الطَّرَابُلُسِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَزْرَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ: قِيلَ لِي عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا، وَأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، أَبْقَى لِلْمُعْتَزِلَةِ نَكْثًا لَمْ يَنْقُضْهَا، فَقَالَ لِي: الأَشْعَرِيُّ شَيْخُنَا وَإِمَامُنَا، وَقَدْ عَلِمْتُهُ مُعْتَزِلِيًّا، أَقَامَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُمْ إِمَامًا، ثُمَّ غَابَ عَنِ النَّاسِ فِي بَيْتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَبَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ إِلَى الْجَامِعِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: مَعَاشِرَ النَّاسِ، إِنِّي إِنَّمَا تَغَيَّبْتُ عَنْكُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لأَنِّي نَظَرْتُ فَتَكَافَأَتْ عِنْدِي الأَدِلَّةُ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي حَقٌّ عَلَى بَاطِلٍ، وَلا بَاطِلٌ عَلَى حَقٍّ، فَاسْتَهْدَيْتُ اللَّهَ ﵎، فَهَدَانِي إِلَى اعْتِقَادِ مَا أَوْدَعْتُهُ فِي كُتُبِي هَذِهِ، وَانْخَلَعْتُ مِنْ جَمِيعِ مَا كُنْتُ أَعْتَقِدُهُ كَمَا انْخَلَعْتُ مِنْ ثَوْبِي هَذَا، وَانْخَلَعَ مِنْ ثَوْبٍ كَانَ عَلَيْهِ، وَرَمَى بِهِ، وَدَفَعَ الْكُتُبَ إِلَى النَّاسِ فَمِنْهَا كِتَابُ اللُّمَعِ، وَكِتَابٌ أَظْهَرَ فِيهِ عَوَارَ الْمُعْتَزِلَةِ سَمَّاهُ بِكِتَابِ كَشْفِ الأَسْرَارِ، وَغَيْرُهُمَا، فَلَمَّا قَرَأَ تِلْكَ الْكُتُبَ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَخَذُوا بِمَا فِيهَا وَانْتَحَلُوهُ، وَاعْتَقَدُوا تَقْدِمَتَهُ، وَاتَّخَذُوهُ إِمَامًا حَتَّى نُسِبَ مَذْهَبُهُمْ إِلَيْهِ، فَقَدْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالاعْتِزَالِ، وَأَنَّهُ كَانَ دَاعِيَةً فِيهِ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ، حَتَّى يُتَّخَذَ مُبْتَدِعٌ تَابَ مِنْ بِدْعَتِهِ إِمَامًا، كَأَنَّ النَّاسَ مَاتُوا إِلَى هَذَا الْحَدِّ كُلِّهِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِلإِمَامَةِ حَتَّى يَتُوبَ مُبْتَدِعٌ مِنْ بِدْعَتِهِ، فَيَصِيرَ إِمَامَهُمْ، وَأَهْلُ الإِسْلامِ قَاطِبَةً تُقَدِّمُ مُتَكَلِّمًا عَلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ جَمِيعِهِمْ فِي حَالِ كَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ، مَا هَذَا الْهَذَيَانُ؟

стр. 125

٥٠٢ - ثُمَّ ذَكَرَ بِسَنَدِهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَمْدَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَمْ نَشْعُرْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَإِذَا بِالأَشْعَرِيِّ قَدْ طَلَعَ عَلَى مِنْبَرِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ صَلاةِ الْجُمُعَةِ، وَمَعَهُ شَرِيطٌ قَدْ شَدَّهُ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَطَعَهُ، وَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ عَلَى غَيْرِ دِينِ الإِسْلامِ، وَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ السَّاعَةَ، وَإِنِّي تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ بِالاعْتِزَالِ، ثُمَّ نَزَلَ. ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدَانِيُّ مَجْهُولٌ. وَإِنَّمَا رَمَاهُ بِالْجَهْلِ لأَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ لا مَطْعَنَ فِيهِ، فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُهُ وَأَنْكَرَهُ لِهَوَاهُ، فَذَلِكَ وَصْمَةٌ فِيهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ حَقِيقَةً فَهُوَ قُصُورٌ، وَعَدَمُ اطِّلاعٍ، وَإِنَّمَا رَمَاهُ بِالْجَهَالَةِ لأَنَّ فِي تَمَامِ الْحِكَايَةِ أَمْرًا كَتَمَهُ وَأَخْفَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَمْدَانِيُّ: ثُمَّ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَمُتَابِعُوهُ وَمَنْ بَِهْوَاهُ: بَانَ لَهُ الْحَقُّ فَتَبِعَهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ قَدْ مَاتَ لَهُ قَرَابَةٌ، وَلَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ بِالْبَصْرَةِ قَاضٍ يَغْلُو فِي السُّنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوَارَثَانِ، وَمَنَعَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ بِتَأْوِيلٍ يَتَأَوَّلُهُ عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ حَتَّى أَخَذَ الْمِيرَاثَ، وَقَالَ طَائِفَةٌ: كَانَ قَدِ اشْتَغَلَ بِالْكَلامِ، وَأَفْنَى فِيهِ عُمْرَهُ، وَبَلَغَ مِنْهُ أَقْصَى مَبْلَغٍ، وَلَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ رُتْبَةً عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَلا مَنْزِلَةً عِنْدَ الْخَاصَّةِ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ لِيُؤْخَذَ عَنْهُ، وَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَيُحَصِّلَ لَهُ مَنْزِلَةً، فَبَلَغَ بِذَلِكَ بَعْضَ مَا أَرَادَ. هَذَا آخِرُ كَلامِ الْحَمْدَانِيِّ، فَكَتَمَ هَذَا مِنْهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَأَخْفَى لِهَوَاهُ بِيَانَ حَالِ الْحَمْدَانِيِّ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الأَهْوَازِيُّ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَمْدَانِيُّ ﵀ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ قَيِّمًا بِالنَّحْوِ وَالْعَرُوضِ وَالْغَرِيبِ وَالأَخْبَارِ وَالأَشْعَارِ، مُقَدَّمًا فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَصَبِيَّةٌ فِي الدِّيَانَاتِ، وَلا مَيْلٌ إِلَى الْغُلُوِّ فِي ذَلِكَ، وَلا يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ، آخِر كَلامِهِ. وَقَدْ وَصَفَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْحَمْدَانِيَّ هَذَا بِالْمَعْرِفَةِ بِالنَّحْوِ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنِ الأَشْعَرِيِّ حِكَايَاتٍ عَدِيدَةً شَنِيعَةً، رَوَاهَا عَنْهُ الأَئِمَّةُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْهَا فِي كِتَابِ كَشْفِ الْغِطَاءِ، مِنْهَا الْحِكَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْهُ حِينَ لَقَّنَ الْمَيِّتَ، فَقَالَ الدَّافِنُ: اللَّهُمَّ أَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، فَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: وَأَلْعِقْهُ خَرَاهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا الْكَلامُ لَيْسَ مِنْ ذَا الْجَانِبِ، هَذَا مِنْ ذَاكَ الْجَانِبِ، فَقَالَ: وَأَنَا فِي ذَاكَ الْجَانِبِ وُلِدْتُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَذَا مَذْهَبُ الإِلْحَادِيَّةِ، فَقَالَ: وَأَنَا وُلِدْتُ مُلْحِدًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، لَكِنِّي لَمْ أَرَ تَرْجَمَةَ هَذَا الرَّجُلِ فِي تَارِيخِ الذَّهَبِيِّ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ عَنْهُ الْخَبَرَ، قَدْ ذَكَرَ أَنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الآنَ اخْتَلَفُوا فِي تَوْبَتِهِ، هَلْ هِيَ صَادِقَةٌ أَمْ لا؟ وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُ: إِنَّ النَّاسَ اتَّخَذُوهُ إِمَامًا، وَأَيْضًا قَدْ نَقَلَ الْحَمْدَانِيُّ هَذَا أَنَّ النَّاسَ لَمْ تَقْبَلْ تَوْبَتَهُ، وَلَمْ تَأْخُذْ بِكُتُبِهِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى ابْنِ عَسَاكِرَ قَوْلَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِرَارًا وَأَنَّهُ تَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَمْرًا آخَرَ كَذَلِكَ بِسَنَدٍ، وَأَنَّهُ تَابَ عَنِ الاعْتِزَالِ، ثُمَّ قَالَ: فَهَذَا سَبَبُ رُجُوعِهِ عَنْ مَذَاهِبِ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَقَدْ أَثْبَتَ أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَ عُمْرِهِ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا مُتَكَلِّمًا، وَأَنَّهُ تَابَ عَنِ الاعْتِزَالِ، وَلَمْ يَتُبْ عَنِ الْكَلامِ فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَبِهَذِهِ الْحَالَةِ، يُجْعَلُ إِمَامُ الإِسْلامِ، وَالْمُقْتَدَى بِهِ يُتْرَكُ مِثْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَلا يُقْتَدَى وَلا يُذْكَرُ إِلَّا هَذَا الَّذِي أَقَامَ عَلَى الْبِدْعَةِ عُمْرَهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَوْبَتِهِ، هَلْ كَانَتْ حَقِيقَةً أَمْ لا؟ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَوْبَتَهُ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَبْرَأُ مِنَ الْبِدْعَةِ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِيهَا، وَهَلْ يُثْبِتُ لِلَّهِ الصِّفَاتِ مَنْ كَانَ دَهْرَهُ يَنْفِيهَا؟ وَهَلْ رَأَيْتُمْ بِدْعِيًّا رَجَعَ عَنِ اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ، أَوْ حُكِمَ لِمَنْ أَظْهَرَ الرُّجُوعَ مِنْهَا بِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ تَوْبَةَ الْبِدْعِيِّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَفَيْئَتَهُ إِلَى الْحَقِّ بَعْدَ الضَّلالِ لَيْسَتْ بِمَأْمُولَةٍ، وَهَبْ أَنَّا قُلْنَا بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ إِذَا أَظْهَرَهَا فَمَا يُنْقِصُ ذَاكَ مِنْ رُتْبَتِهِ عِنْدَ من خبرها، قَالَ: قُلْنَا هَذَا قَوْلُ عَرِيَ عَنِ الْبُرْهَانِ، وَقَائِلُهُ بَعِيدٌ مِنَ التَّحْقِيقِ عِنْدَ الامْتِحَانِ، بَلِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ كُلِّ مَنْ تَابَ، وَالْعَفْوُ مِنَ اللَّهِ مَأْمُولٌ عَنْ كُلِّ مَنْ أَنَابَ، وَالأَحَادِيثُ الَّتِي رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ غَيْرُ قَوِيَّةٍ عِنْدَ أَرْبَابِ النَّقْلِ، وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَكُونُ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الإِفْكِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُقْبَلُ إِسْلَامُ الْكِتَابِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ، وَالْكَافِرِ الأَصْلِيِّ، فَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ عِنْدَكُمْ قَبُولُ تَوْبَةِ الْمُبْتَدِعِ الْمِلِّيِّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، قَالَ: وَالْبِدْعَةُ إِذَا كَشَفْتَ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَجَدْتَهَا دُونَ الشِّرْكِ بِمَا هُنَالِكَ، فَإِذَا كَانَ يُقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ، فَكَيْفَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ مُبْتَدِعٍ لَا يُشْرَكُ بِهِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ عَلَى الْقَوْلِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ مَعَ مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ اعْتِقَادُهُ الرَّدِيءُ مِنَ الْخُبْثِ، وَمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ جُحُودِ الصَّانِعِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ، وَالْمُبْتَدِعُ لَا يَجْحَدُ الرُّبُوبِيَّةَ، وَلا يُنْكِرُ عَظَمَةَ الإِلَهِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ لِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ لَهُ يَنْكَبُّ بِهَا رُشْدُهُ، قَالَ: وَقَدْ سَمِعْنَا بِجَمَاعَةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ كَانُوا عَلَى أَشْيَاءَ رَجَعُوا عَنْهَا وَتَرَكُوهَا بَعْدَ مَا سَلَكُوهَا وَتَبَرَّءُوا مِنْهَا فَلَمْ يُنْقِصُهُمْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الابْتِدَاعِ لِمَا أَقْلَعُوا عَنْهُ وَرَجَعُوا إِلَى الاتِّبَاعِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ، كَانُوا عَلَى عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، ثُمَّ صَارُوا سَادَةَ الإِسْلامِ، وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ تَوْبَتُهُ، وَالْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِ هَذَا مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ: الأَوَّلُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَعَنُوا فِي تَوْبَتِهِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَمْوِيهًا وَتَلْبِيسًا، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ أَبِي الْمُعَمَّرِ: وَقَعْتُ إِلَى مَسْأَلَةٍ فِي الإِيمَانِ فَتَعَجَّبْتُ مِنْهَا، وَأَخَذْتُهَا وَانْحَدَرْتُ إِلَى بَغْدَادَ مِنْ أَجْلِهَا لَا غَيْرَ، وَجِئْتُ ابْنَ الْبَاقِلَّانِيِّ، فَأَرَيْتُهُ إِيَّاهَا، وَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ لِي: هَذَا صَحِيحٌ عَنْهُ قَدْ صَنَّفَهَا يَتَّقِي بِهَا الْحَنَابِلَةَ بِبَغْدَادَ، وَلا يَعْتَقِدُ بِهَا وَإِنَّمَا جَعَلَهَا وِقَايَةً مِنْ مُخَالِفِيهِ، قَالَ الأَهْوَازِيُّ: فَحَالُهُ فِي التَّوْبَةِ كَذَلِكَ أَظْهَرَ ذَلِكَ وِقَايَةً لَا اعْتِقَادًا وَمَذْهَبًا. الثَّانِي أَنَّ جَمَاعَةً قَدْ قَالُوا: إِنَّهُ إِنَّمَا تَابَ لأَنَّهُ كَانَ قَدْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ فَمَنَعَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ مِنْ إِرْثِهِ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ لِذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَابَ عَنِ الاعْتِزَالِ، وَلَمْ يَتُبْ عَنْ عِلْمِ الْكَلامِ وَالتَّأْوِيلِ، وَأَمَّا رَدُّهُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُبْتَدِعِ، فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ وَرَدَ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ، أَحَدُهَا ذَكَرَهَا الأَهْوَازِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «التَّوْبَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ» . الثَّانِي ذَكَرَهُ الأَهْوَازِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَبَى أَنْ يَقْبَلَ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ تَوْبَةً» . وَالثَّالِثُ ذَكَرَهُ الأَهْوَازِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَجَزَ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» ، وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَأَخْبَرَنَا بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا.

стр. 126

١٢٠ - أَخْبَرَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْهَادِي، أَنَا الْحَجَّارُ، أَنَا ابْنُ اللَّتِيِّ، أَنَا السِّجْزِيُّ، أَنَا شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ السَّرْخَسِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَهْرَامٍ، قَالَ: ثَنَا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنا دَاوُدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ: وَثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَبِيوَرْدِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. قَالَ الأَنْصَارِيُّ: وَثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: وَابْنُ زِيَادٍ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. قَالَ الأَنْصَارِيُّ: وَثَنَا يَحْيَى بْنُ عَمَّارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَدِيٍّ الصَّابُونِيُّ، ثَنَا أَبُو ذَرٍّ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْوَسِيمِ، ثَنَا كَثِيرٌ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ وَمَنْ تَقَدَّمَ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ: وَثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، ثَنَا ابْنُ نَاجِيَةَ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ: وَثَنَا لُقْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن أَحْمَد، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، قَالَ: هُوَ وَابْنُ نَاجِيَةَ، ثَنَا هَارُونُ بْنُ مُوسَى الْفَرْوِيُّ، ثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» . وَالْحَدِيثُ قَدْ ذَكَرَهُ الأَهْوَازِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ كُلَّ ذَنْبٍ لَهُ تَوْبَةٌ إِلَّا صَاحِبَ بِدْعَةٍ مَا لَهُ تَوْبَةٌ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَغِيرِ مِنْ حَدِيثِ شُرَيْحٍ الْقَاضِي، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَا عَائِشَةُ , إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ، وَأَصْحَابُ الأَهْوَاءِ لَيْسَ لَهُمْ تَوْبَةٌ، أَنَا مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَهُمْ مِنِّي بُرَآءٌ» . حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُحِبِّ فِي كِتَابِ الصِّفَاتِ. وَالْحَدِيثُ قَدْ ذَكَرَهُ الأَهْوَازِيُّ، أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَظْهَرَ بِدْعَةً ثُمَّ تَابَ مِنْهَا , فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ: قُلْ لِفُلانٍ تُبْتَ أَنْتَ مِنْ بِدْعَتِكَ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَضْلَلْتَ؟

стр. 127

٥٠٥ - وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ خَالِدٍ الرَّبَعِيِّ، قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ، وَكَانَ مَغْمُورًا فِي الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، فَدَعَا النَّاسَ فَاتُّبِعَ، وَإِنَّهُ ذكر ذات ليلة فقال: هَبْ هَؤُلاءِ النَّاسَ لا يَعْلَمُونَ مَا ابْتَدَعْتَ، أَلَيْسَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا ابْتَدَعْتَ؟ قَالَ: فَبَلَغَ مِنْ تَوْبَتِهِ أَنْ خَرَقَ تَرْقُوَتَهُ، وَجَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً وَرَبَطَهَا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: لا أَنْزِعُهَا حَتَّى يُتَابَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ لا يُسْتَنْكَرُ بِالْوَحْيِ: أَنْ قُلْ لِفُلانٍ: لَوْ أَنَّ ذَنْبَكَ كَانَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ لَغَفَرْتُ لَكَ، وَلَكِنْ كَيْفَ بِمَنْ أَضْلَلْتَ مِنْ عِبَادِي , فَدَخَلَ النَّارَ

стр. 128

١٢١ - وَرَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقَيْنِ: الأُوَّلُ: قَالَ: ثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، ثَنَا مَعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَحَدَّثَ عَنِ الرَّبَعِيِّ، أَنَّ رَجُلا كَانَ يُوطَأُ عَقِبَاهُ، قَالَ: ثُمَّ أَنَّهُ تُرِكَ فَأَحْدَثَ بِدْعَةً وَاتُّبِعَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ انْتَبَهَ فَخَرَقَ تَرْقُوَتَهُ، فَجَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً أَوْ قَالَ شَيْئًا، ثُمَّ أَنَاطَ نَفْسَهُ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: تَوْبَةً لِمَا صَنَعَ، قَالَ: فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ، أَنْ قُلْ لَهُ: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِمَنْ أَضْلَلْتَ مِنْ عِبَادِي؟» وَالثَّانِي: قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّبَعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ شَابٌّ قَرَأَ الْكِتَابَ، وَعَلِمَ عِلْمًا، وَكَانَ مَغْمُوزًا، وَأَنَّهُ طَلَبَ بِعِلْمِهِ وَقِرَاءتِهِ الشَّرَف وَالْمَال وَأَنَّهُ ابْتَدَعَ بِدْعًا أَدْرَكَ الشَّرَفَ وَالْمَالِ فِي الدُّنْيَا وَلَبِثَ كَذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ، وَأَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ لَيْلَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ إِذْ تَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ: هب هَؤُلاءِ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ مَا ابْتَدَعْتُ ,أَلَيْسَ اللهُ قَدْ عَلِمَ مَا ابْتَدَعَتُُ , وَقَدِ اقْتَرَبَ الأَجَلُ، فَلَوْ أَنِّي تُبْتُ , فَبَلَغَ مِنَ اجْتِهَادِهِ فِي التَوْبَةِ أَنْ عَمَدَ فَخَرَقَ تَرْقُوَتَهُ وَجَعَلَ فِيهَا سِلْسِلَةً ثُمَّ أَوْثَقَهَا إِلَى آسِيَةٍ مِنْ أَوَاسِي الْمَسْجِدِ , وَقَالَ: لا أَبْرَحُ مَكَانِي حَتَّى يُنَزِّلَ اللَّهُ فِيَّ تَوْبَةً أَوْ أَمُوتَ مَوْتَ الدُّنْيَا، قَالَ: وَكَانَ لا يُسْتَنْكَرُ الْوَحْيُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْحَى اللَّهُ فِي شَأْنِهِ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ: إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَصَبْتَ ذَنْبًا بَيْنِي وَبَيْنَكَ لَتُبْتُ عَلَيْكَ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَكِنْ كَيْفَ مَنْ أَضْلَلْتَ مِنْ عِبَادِي فَمَاتُوا فَأَدْخَلْتَهُمْ جَهَنَّمَ؟ فَلا أَتُوبُ عَلَيْكَ. قَالَ عَوْفٌ: وَحَسِبْتُهُ أَنَّهُ يُقَالُ: اسْمُهُ بَارسيا

стр. 129

فصل وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْهَادِي، عَنِ الْحَجَّارِ، عَنِ ابْنِ اللَّتِيِّ، عَنِ السِّجْزِيِّ، عَنْ شَيْخِ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيِّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعْتُ الدَّغُولِيَّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: مَا يَكَادُ اللَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ. وَرَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ مَا أَخَذَ رَجُلٌ بِبِدْعَةٍ فَيُرَاجَعُ سُنَّةً.

стр. 130

١٢٢ - وَرَوَى ابْنُ نَصْرٍ، ثَنَا إِسْحَاقُ، ثَنَا مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِرْدَاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ»

стр. 131

١٢٣ - وَرَوَى ابْنُ مَاجَه، ثَنَا ابْنُ سُوَيْدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا، وَلا صَلاةً، وَلا صَدَقَةً، وَلا حَجًّا، وَلا عُمْرَةً، وَلا جِهَادًا، وَلا صَدَقَةً، وَلا عَدْلا، يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ»

стр. 132

١٢٤ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الشَرِيفَة إِجَازَةً، أَنَا ابْنُ الْبَالِسِيِّ، كَذَلِكَ، أَنَا زَيْنَبُ بِنْتُ الْكَمَالِ، أَنَا أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ الدِّمَشْقِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْعُكْبَرِيُّ، أَنَّ ابْنَ الزّاغُونِيِّ، أَنَا ابْنُ الْبُسْرِيِّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ , ثنا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: صَاحِبُ كَلامٍ لا يُفْلِحُ

стр. 133

٥١٠ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ، ثَنَا أَبُو حَفْصٍ، ثَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ أَبِي عِصْمَةَ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ الشّراكَ بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ تَابَ وَرَجَعَ، قَالَ: كَذِبٌ لا يَتُوبُ هَؤُلاءِ، كَمَا قَالَ أَيُّوبُ: إِذَا مَرَقَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَعُدْ فِيهِ , أَوْ نَحْوَ هَذَا

стр. 134

٥١١ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ , حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، ثَنَا أَبُو الْحَارِثِ الصَّائِغُ، قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ أَصْحَابَ ابْنِ الثَّلَّاجِ نِلْنَا مِنْهُمْ، وَمِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَنَسْتَحِلُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لا , هَؤُلاءِ جَهْمِيَّةٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّونَ

стр. 135

٥١٢ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ خَارِجَةَ، يَقُولُ: الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ بَلَّغْتُ نِسَاءَهُمْ أَنَّهُنَّ طَوَالِقُ، وَأَنَّهُنْ لا يَحْلُلْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ، وَلا يَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَلا تَشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، ثُمَّ تَلا: ﴿طه ﴿١﴾ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ﴿٢﴾ ﴾ [طه: ١-٢] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وَهَلْ يَكُونُ الاسْتِوَاءُ إِلَّا الْجُلُوسُ

стр. 136

٥١٣ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ، ثَنَا الْقَافلانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي زُهَيْرٌ السِّجِسْتَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ، يَقُولُ: هَؤُلاءِ الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ، وَلا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ، قَالَ لِي زُهَيْرٌ: وَأَمَّا أَنَا يَا ابْنَ أَخِي، فَإِذَا تَيَقَّنْتَ أَنَّهُ جَهْمِيٌّ أَعَدْتَ الصَّلاةَ خَلْفَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا

стр. 137

٥١٤ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ، ثَنَا الْقَافلانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ الْجَهْمِيَّةَ، فَقَالَ: هُمْ وَاللَّهِ زَنَادِقَةٌ، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، قَالَ: وَسَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ وَقَدْ ذَكَرَ الْجَهْمِيَّةَ، فَقَالَ: هُمْ كُفَّارٌ لا يَعْبُدُونَ شَيْئًا

стр. 138

٥١٥ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، مَوْلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ قِيرَاطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ طَهْمَانَ، يَقُولُ: الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ

стр. 139

٥١٦ - وَبِهِ إِلَى ابْنِ بَطَّةَ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ جَهْوَرٍ، سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: الْجَهْمِيَّةُ كُفَّارٌ زَنَادِقَةٌ

стр. 140

فصل لَكِنَّ الْحَقَّ حَقٌّ يُتَّبَعُ، وَالَّذِي نُدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ.

стр. 141

١٢٥ - وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا، أَنَا ابْنُ الدُّعْبُوبِ، أَنَا الْحَجَّارُ، أَنَا ابْنُ اللَّتِيِّ، أَنَا السِّجْزِيُّ، أَنَا الأَنْصَارِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْيَمَانِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ»

стр. 142

٥٢٠ - وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ الْخَيَّاطُ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ» وَقَدْ وَرَدَتْ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ مُطْلَقًا، وَالْكُفْرُ أَعْظَمُ مِنَ الْبِدْعَةِ وَتَقَبُّلُ تَوْبَةِ الْكَافِرِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ الْكُفْرُ بِأَعْظَمَ مِنَ الْبِدْعَةِ، لأَنَّ الْكَافِرَ ذَنْبُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ بِخِلافِ الْبِدْعَةِ، فَإِنَّهَا تَغْوِي غَيْرَهُ، وَلا يُمْكِنُ بَعْدَ إِظْهَارِهَا قَطْعُهَا , وَبَعْدَ أَنَّهُ تَابَ بِنَفْسِهِ، كَيْفَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يَتَّبِعُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، اللَّهَ اعْصِمْنَا مِنَ الْبِدَعِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. ثُمَّ قَالَ: بَابُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بِشَارَتِهِ بِقُدُومِ أَبِي مُوسَى وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَإِشَارَتِهِ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ عِلْمِ أَبِي الْحَسَنِ. أَمَّا بِشَارَتُهُ ﵇ بِأَبِي مُوسَى فَحَقٌّ لا نِزَاعَ فِيهِ، وَأَمَّا إِشَارَتُهُ إِلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ عِلْمِ أَبِي الْحَسَنِ فَأَمْرٌ مَرْدُودٌ، أَيْنَ فِي الْحَدِيثِ ذَلِكَ؟ وَأَيُّ عِلْمٍ ظَهَرَ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالْحَلالِ وَالْحَرَامِ قَوْلٌ، وَلا يُعْلَمُ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الْفُرُوعِ كَلامٌ، فَأَيُّ عِلْمٍ ظَهَرَ مِنْهُ؟ وَأَيُّ إِشَارَةٍ حصلتْ فِيهِ؟ وَإِذَا كَانَ مِثْلَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَغَيْرِهِمْ، لَمْ تَرِدْ إِشَارَةٌ بِعِلْمِهِمْ، وَقَدْ مَلَأَ عِلْمُهُمُ الآفَاقَ، كَيْفَ تَرِدُ إِشَارَةٌ بِعِلْمِ مَنْ لا يُعْرَفُ لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلٌ؟ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ، إِنَّمَا يُعْرَفُ كَلامُهُ وَعِلْمُهُ فِي عِلْمِ الْكَلامِ الْمَذْمُومِ، ثُمَّ سَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ الأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ أَقْوَامٌ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، فَقَدِمَ الأَشْعَرِيُّونَ» ، فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ هَذَا، أَيُّ إِشَارَةٍ فِي هَذَا إِلَيْهِ؟ أَمَا اسْتَحْيَا ابْنُ عَسَاكِرَ حِينَ ذَكَرَ هَذَا التأويلَ وَهَذِهِ الأَحَادِيثَ؟ فَوَاللَّهِ لَيْسَ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلا إِلَى عِلْمِهِ، وَلا عِلْمِ غَيْرِهِ، وَطَوَّلَ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَسَاقَهَا مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، يَقْصِدُ الإِطَالَةَ وَالتَّحْقِيقِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الآخَرَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قَالَ ﵇: «هُمْ قَوْمُ هَذَا، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى ظَهْرِ أَبِي مُوسَى أَهْلُ الْيَمَنِ» ، وَسَاقَ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، وَلَيْسَ فِيهَا إِشَارَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِذَا كَانَ أَعْيَانُ الْعُلَمَاءِ قَدْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ ﵇ فِي قُرَيْشٍ: «يَمْلَأُ عَالِمُهَا الأَرْضَ عِلْمًا، وَفِي الْمَدِينَةِ فَلا تُضْرَبُ أَكْبَادُ الإِبِلِ، فَلا يُوجَدُ أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِهَا» . وَفِيهِمَا إِشَارَةٌ ظَاهِرَةً إِلَى مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، لَيْسَتْ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَيْهِمَا، كَيْفَ يَكُونُ فِي هَذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ إِشَارَةٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَالَ بُرُوزِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ نِسْبَتَهُ إِلَى أَبِي مُوسَى إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا التَّعَصُّبُ وَالْهَوَى. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ قَوْمَ أَبِي مُوسَى مِنْ قَوْمٍ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ، لِمَا عَلِمَ مِنْ صِحَّةِ دِينِهِمْ، وَعَرَفَ مِنْ قُوَّةِ يَقِينِهِمْ، فَمَنْ نَحَا فِي عِلْمِ الأُصُولِ نَحْوَهُمْ، وَتَبِعَ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ مَعَ مُلَازَمَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَوْلَهُمْ جُعِلَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَعُدَّ مِنْ حِسَابِهِمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِذْنِهِ، أَعَانَنَا اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَنِّهِ، وَخَتَمَ لَنَا بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ بِجُودِهِ. قَالَ: وَلْنَعْلَمِ الْمُنْصِفُ مِنْ أَصْحَابِنَا، صَنَعَ اللَّهُ فِي تَقْدِيمِ هَذَا الأَصْلِ الشَّرِيفِ لِمَا ذَخَرَ لِعِبَادِهِ هَذَا الْفَرْعَ الْمُنِيفَ الَّذِي أَحْيَا بِهِ السُّنَّةَ، وَأَمَاتَ بِهِ الْبِدْعَةَ، وَجَعَلَهُ خَلَفَ حَقٍّ لِسَلَفِ صِدْقٍ، وَهَذَا الْكَلامُ عَيْنُ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ زَمَنِ الأَشْعَرِيِّ غَيْرَ زَمَنِ الأَئِمَّةِ قَبْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ كَانَ عَلَى الْبِدْعَةِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ فَأَيُّ بِدْعَةٍ كَانَ غَيْرَهُ قَدِ ارْتَكَبَهَا وَأَمَاتَهَا هُوَ؟ أَبِدْعَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؟ أَوْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ؟ أَوِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ؟ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْبِدْعَةُ؟ وَأَيُّ سُنَّةٍ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ فِي زَمَنِ هَؤُلاءِ، حَتَّى أَحْيَاهَا هُوَ؟ وَاللَّهِ هَذَا كَلامٌ لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيَّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» ، وَذَكَرَهُ مِنْ طُرُقٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ: أَنَّهُ كَانَ فِي الْمِائَةِ الأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَيَّ أَنَّ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ الأَشْعَرِيَّ، وَهَذَا عَيْنُ الْعِنَادِ، فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ قَامَ لِلدِّينِ بِمِحْنَةٍ وَلا قَائِمَةٍ، وَلا يُعْرَفُ لَهُ مَسْأَلَةٌ فِي الأَحْكَامِ وَالْفُرُوعِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ الإِسْمَاعِيلِيِّ، قَالَ: ذَكَرَ وَاحِدًا، وَالشَّكُّ مِنِّي، قَالَ: أَعَاذَ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ أَكْثَرهُ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، وَأَبِي نُعَيْمٍ الإِسْتَرَابَاذِيِّ، قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ ذِكْرٌ الأَشْعَرِيِّ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الْمُسَلَّمِ السُّلَمِيَّ، يَقُولُ بِجَامِعِ دِمَشْقَ: كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَلَى رَأْسِ الثَّانِيَةِ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى رَأْسِ الثَّالِثَةِ الأَشْعَرِيُّ، وَعَلَى رَأْسِ الرَّابِعَةِ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ، وَعَلى رَأْسِ الْخَامِسَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَرْشِدُ، قَالَ: وَعِنْدِي إِنَّمَا كَانَ الْغَزَالِيُّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَتْبَاعِ الأَشْعَرِيِّ. وَمَنْ يَمْدَحُ الْعَرُوسَ غَيْرَ أُمِّهَا وَخَالَتِهَا، وَكَيْفَ يَكُونُ الأَشْعَرِيُّ الْمُجَدِّدَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَلا يَكُونُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَلا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ، وَلا الْبُخَارِيُّ، وَلا مُسْلِمٌ، وَلا الْمَرُّوذِيُّ، وَلا الْخَلَّالُ، وَنَحْوُ هَؤُلاءِ مِنَ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَقْوَالُهُمْ فِي الْعِلْمِ وَالْفُرُوعِ مَشْهُورَةٌ، وَكَيْفَ يَكُونُ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ الْمُتَكَلِّمَ فِي الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ، وَلا يَكُونُ ابْنُ حَامِدٍ، وَلا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، وَنَحْوُ هَؤُلاءِ مِنَ الأَئِمَّةِ، هَذَا عَيْنُ الْهَوَى وَالْعِنَادِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِ الثَّلاثِ مِائَةِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ، وَعَلَى رَأْسِ الأَرْبَعِ مِائَةٍ الصُّعْلُوكِيُّ، قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: أَنَّهُ الأَشْعَرِيُّ أَصْوَبُ، لأَنَّ قِيَامَهُ بِنَصْرِ السُّنَّةِ إِلَى تَجْدِيدِ الدِّينِ أَقْرَبُ، فَهُوَ الَّذِي انْتُدِبَ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْمُبْتَدِعَةِ الْمُضَلِّلَةِ، وَحَالَتُهُ فِي ذَلِكَ مُشْتَهِرَةٌ، وَكُتُبُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مُنْتَشِرَةٌ، فَأَمَّا ابْنُ شُرَيْحٍ فَكَانَ فَقِيهًا مُطَّلِعًا يَعْلَمُ أُصُولَ الْفِقْهِ وَفُرُوعَهُ، قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ابْنَ الْبَاقِلَّانِيِّ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ أَوْلَى، كَذَبَ وَاللَّهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَذْهَبِهِ، وَكَيْفَ يَكُونُ أَهْلُ الْكَلامِ الَّذِينَ لا يُعْرَفُ لَهُمْ مَسْأَلَةٌ فِي الدِّينِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ هُمُ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ، هَذَا هُوَ الْعِنَادُ وَالْبُهْتَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ وَفَاةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالأَشْعَرِيِّ. ثُمَّ قَالَ: بَابُ ذِكْرِ مَا رُزِقَ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ شَرَفِ الأَصْلِ، وَمَا وَرَدَ عَنْ تَلْبِيَةِ ذِي الْفَهْمِ عَلَى كِبَرِ مَحَلِّهِ فِي الْفَصْلِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي عِدَّةِ طُرُقٍ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ، «أَنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ» . وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : «نِعْمَ الْحَيُّ الأَسْدُ وَالأَشْعَرِيُّونَ» ، وَقَوْلُهُ ﵇: «إِنِّي لأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ» . ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةً فِي فَضْلِ الأَشْعَرِيِّينَ وَمَنَاقِبِهِمْ وَهِجْرَتِهِمْ بِطُرُقٍ عَدِيدَةٍ، يَقْصِدُ بِهَا الإِطَالَةَ وَالتَّحْقِيقَ، وَلَيْسَ لَهَا بِذَلِكَ مَحَلٌّ وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ لِهَذَا الرَّجُلِ، وَهَذَا عَيْنُ الْخِرَافِ وَالْجُنُونِ، وَلا يَدُلُّ فَضْلُ أُولَئِكَ عَلَى فَضْلِ أَوْلَادِهِمْ حَقِيقَة لَوْ كَانَ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ فَضَائِلِ الأَشْعَرِيِّينَ، ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ ﵇ «اسْتَغْفَرَ لأَبِي مُوسَى وَدَعَا لَهُ» ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بِشَارَةٌ لأَبِي الْحَسَنِ بِدُخُولِهِ فِي الاسْتِغْفَارِ، إِذْ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ لا تَخْفَى عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ. وَلا أَعْلَمُ هَذِهِ الإِشَارَةَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ فِيهِ، وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَحَدٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عَيْنُ الْبُهْتَانِ، وَالتَّخْفِيفِ علَى مَنْ لا عَقْلَ لَهُ مِثْلَهُ، أَيْنَ هَذِهِ الإِشَارَةُ؟ أَمْ أَيْنَ مَحَلُّهَا؟ أَمْ كَيْفَ هِيَ؟ مَا هَذَا التَّمْوِيهُ وَالتَّلْبِيسُ؟ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ ﵇ إِذَا «صَلَّى لِرَجُلٍ، أَوْ دَعَا لَهُ أَصَابَتْ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ» ، هَذَا إِذَا ثَبَتَتْ لأَبُوه، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى ضَلالَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ إِلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ» . وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَوْ سَلَّمَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هَذَا مَعَ صِحَّةِ النَّسَبِ وَصِدْقِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ فَضَائِلِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، وَفَضَائِلِ وَلَدِهِ أَبِي بُرْدَةَ، مِمَّا لا يُنَازِعُ أَحَدٌ فِيهِ وَلا يَشُكُّ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الإِطَالَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ فَضَلَ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ بِلالٍ، ثُمَّ فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا فَضْلُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ، مِمَّا شَهِدَ لَهُ بِهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُخْلِصِينَ فِي مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي نُصْرَتِهِ أَنَّهُ قَالَ عَنْهُ: إِنَّهُ كَانَ تِلْمِيذَ الْجُبَائِيِّ، يَدْرُسُ عَلَيْهِ، وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَيَأْخُذُ عَنْهُ لا يُفَارِقُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ صَاحِبَ نَظَرٍ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّقَشُّفِ، وَكَانَ إِذَا أَخَذَ الْعِلْمَ يَكْتُبُ رُبَّمَا يَنْقَطِعُ، وَرُبَّمَا يَأْتِي بِكَلامٍ غَيْرِ مُرْضِيٍّ، وَكَانَ الْجُبَائِيُّ صَاحِبَ تَصَانِيفَ وَقَلَمٍ إِذَا صَنَّفَ يَأْتِي بِكُلِّ مَا أَرَادَ، وَإِذَا حَضَرَ الْمَجْلِسَ، وَنَاظَرَ، لَمْ يَكُنْ بِمُرْضِيٍّ، وَكَانَ إِذَا دَهَمَهُ الْحُضُورُ فِي الْمَجْلِسِ يَبْعَثُ الأَشْعَرِيَّ، وَيَقُولُ لَهُ: نُبْ عَنِّي، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ زَمَانًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمًا حَضَرَ الأَشْعَرِيُّ نَائِبًا عَنِ الْجُبَائِيِّ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ، وَنَاظَرَهُ إِنْسَانٌ، فَانْقَطَعَ وَسَقَطَ فِي يَدِهِ، وَكَانَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَامَّةِ، فَنَثَرَ عَلَيْهِ لَوْزًا وَسُكَّرًا، فَقَالَ لَهُ الأَشْعَرِيُّ: مَا صَنَعْتُ شَيْئًا، خَصْمِي اسْتَظْهَرَ عَلَيَّ، وَأَفْلَجَ الْحُجَّةَ، كَانَ أَحَقَّ بِالنِّثَارِ مِنِّي، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ وَالانْتِقَالَ عَنْ مَذْهَبِهِ، قَالَ: فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ تَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَإِطْرَاحِهِ، وَتُنَبِّئُ عَنْ وُفُورِ عَقْلِهِ، وَإِنْصَافِهِ لإِقْرَارِهِ بِظُهُورِ خَصْمِهِ، وَاعْتِرَافِهِ، قَالَ: فَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِيهَا عَنْهُ مِنْ رَدَاءَةِ الّتَصْنِيفِ، وَجُمُودِ خَاطِرِهِ عِنْدَ الأَخْذِ فِي التَّأْلِيفِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ حَالَهُ فِي الابْتِدَاءِ لا بَعُدُّ مَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ مِنَ الاهْتِدَاءِ، فَإِنَّ تَصَانِيفَهُ مُسْتَحْسَنَةٌ مُهَذَّبَةٌ، وَتَوَالِيفَهُ وَعِبَارَاتِهِ مُسْتَجَادَةٌ مَسْتَصْوَبَةٌ، فَيَالَيْتَهُ سَتَرَ نَفْسَهُ، وَأَخْفَى هَذِهِ الْحِكَايَةَ وَلَمْ يُحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِ فَإِنَّ فِيهَا فَضَحَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَلِهَذَا عَدَّهَا الأَهْوَازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَثَالِبِهِ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ الْجُهَلاءِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ مِنْ مَثَالِبِهِ، وَهِيَ عِنْدَ الْعُقَلاءِ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاقِبِهِ، قَالَ: فَأَمَّا مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ طُولِ مُقَامِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَمِمَّا لا يُفْضِي بِهِ إِلَى انْحِطَاطِ الْمَنْزِلَةِ، قُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: بَلْ يُفْضِي لَهُ فِي مَعْرِفَةِ الأُصُولِ بِعُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ فِي مَذْهَبِ الاعْتِزَالِ، نَعَمْ، وَأَمَّا فِي أُصُولِ السُّنَّةِ فَلا، قَالَ: وَيَدُلُّ عِنْدَ ذَوِي الْبَصَائِرِ عَلَى سُمُوِّ الْمَنْقَبَةِ عِنْدَ الْجُهَّالِ، قَالَ: لأَنْ يَرْجِعَ عَنْ مَذْهَبٍ كَانَ بِعَوَارِهِ أَخْبَرَ وَعَلَى رَدِّ شُبْهَةِ أَهْلِهِ وَكَشْفِ تَمْوِيهَاتِهِمْ أَقْدَرَ، وَتَبَيُّنِ مَا يُلْبِسُونَ بِهِ لِمَنْ يَهْتَدِي بِاسْتِبْصَارِهِ أَبْصَرَ، قَالَ: فَاسْتِرَاحَةُ مَنْ يُعِيرُهُ لِذَلِكَ كَاسْتِرَاحَةِ مَنَاظِرِ هَارُونَ بْنِ مُوسَى الأَعْوَرِ، قُلْتُ: مَنْ نَشَأَ عَلَى أَمْرٍ، وَأَفْنَى عُمْرَهُ فِيهِ، قَلَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ قَلْبِهِ، وَلَوْ تَابَ مِنْهُ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْ بَعْضِهِ، لا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ كُلِّهِ، لاسِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ هُوَ أَنَّهُ يُمَوِّهُ بِذَلِكَ عَلَى أَعْدَائِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكَايَةَ هَارُونَ الأَعْوَرِ، وَذَكَرَ بَعْضَ مُنَاظَرَاتِ الأَشْعَرِيِّ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَكُلُّ مَا أَوْرَدَهُ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمُنَاظَرَاتِ، إِنَّمَا هُوَ خَصْمُهُ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَيْفَ التَّائِبُ يَكُونُ مَعَ مَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى الْبِدْعَةِ، وَلا يَتْرُكُهُ وَيَلْزَمُ أَهْلَ السُّنَّةِ، فَإِنَّ التَّائِبَ لا يَعُودُ إِلَى أَرْبَابِ بِدْعَتِهِ، وَإِنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فَهُوَ قَوْلُ أَهْوَى كُلِّ نَفْسٍ أَيْنَ حَلَّ حَبِيبُهَا، وَفِي بَعْضِ كَلامِهِ لِمَنْ خَاطَبَهُ فِي أَنْ يَسْأَلَهُمْ، قَالَ: إِنِّي أَظْهَرْتُ بِدْعَةً أَنْقُضُ بِهَا كُفْرَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: فَإِنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ: أَظْهَرْتُ بِدْعَةَ بَعْضِ أَهْلِ الْجَهَالَةِ، فَقَدْ أَخْطَأَ إِذْ كُلُّ بِدْعَةٍ لَا تُوصَفُ بِالضَّلالَةِ، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ هُوَ مَا ابْتُدِعَ وَأُحْدِثَ فِي الأُمُورِ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، بِلا خِلافٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ لا تَكُونُ فِي الْخَيْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ سَلِمَ فَإِنَّ الْبِدْعَةَ فِي هَذَا الأَمْرِ، وَهُوَ الْكَلامُ فِي اللَّهِ ضَلالَةً، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: «كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ» ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: إِنَّ الْمُحْدَثَاتِ فِي الأُمُورِ ضَرْبَانِ: مَا خَالفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ أَثَرًا أَوْ إِجْمَاعًا، فَهِيَ بِدْعَةُ الضَّلالَةِ، وَمَا أَحْدَثَ فِي الْخَيْرِ وَلَمْ يُخَالَفْ فَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، وَلَيْتَهُ سَكَتَ، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِذَلِكَ، فَإِنَّ بِدْعَةَ الْكَلامِ فِي اللَّهِ وَصِفَاتِهِ مِنَ الضَّلالَةِ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ عُمَرَ، وَقَوْلَهُ: «نِعْمَةُ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» . وَذَلِكَ فِي الْخَيْرِ الَّذِي لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا وَلا سُنَّةً ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ كَانَ أَسْتَرَ لَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا سَمَّى أَبُو الْحَسَنِ مُنَاظَرَةَ الْمُعْتَزِلَةِ بِدْعَةً وَكَرِهَهَا، لأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَرَوْنَ مُكَالَمَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمُنَاظَرَتَهُمْ خَطَأً وَسَفَهًا , وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلا تُفَاتِحُوهُمْ» . فَلَوِ اسْتَحَى مَا ذَكَرَ هَذَا، مَعَ أَنَّ جَمِيعَ مَجَالِسِ الأَشْعَرِيِّ وَمُنَاظَرَاتِهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَبَعْدَهَا إِنَّمَا كَانَتْ مَعَهُمْ , ثُمَّ قَالَ: فَلَمَّا ظَهَرَتْ فِيمَا بَعْدُ أَقْوَالُ أَهْلُ الْبِدَعِ وَاشْتَهَرَتْ وَعَظُمَتِ الْبَلْوَى بِفِتْنَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَانْتَشَرَتْ، انْتُدِبَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَمَا خَافُوا عَلَى الْعَوَامِّ مِنَ الابْتِدَاعِ وَالْفِتْنَةِ كَفِعْلِ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَأَشْبَاهِهِ خَوْفًا مِنَ الْتِبَاسِ الْحَقِّ عَلَى الْخَلْقِ وَاشْتِبَاهِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٌ كِيدَ بِهَا الإِسْلامُ وَلِيًّا يَذُبُّ عَنْهُ وَالذَّابّ» . لا تَحْضُرْ مَجَالِسَ الْبِدَعِ وَلا تَدَعْ أَهْلَهُ يَتَكَلَّمُونَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ أَهْلِ الْمُنْكَرِ يَتَلَبَّسُونَ بِالْفِعْلِ ثُمَّ نُنْكِرُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا نُنْكِرُ قَبْلَ الْفِعْلِ. ثُمَّ ذَكَرَ رِسَالَةَ الْبَيْهَقِيِّ إِلَى الْعُمَيْرِ وَمَدْحَ الأَشْعَرِيِّ فِيهَا وَأَنَّهُ شَيْخُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ هذيانَات نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا أَجَبْنَا عَنْهُ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ سَنَدَ رِسَالَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَالْمِحْنَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فِي كَلامِهِ أَنَّ السُّلْطَانَ كَانَ أَمَرَ بِلَعْنِ الْمُبْتَدَعَةِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَأَنَّ وَزِيرَهُ قَرَنَ اسْمَ الأَشْعَرِيَّةِ بِأَسْمَاءِ أَرْبَابِ الْبِدَعِ وَأَنَّهُ امْتَحَنَ الأَئِمَّةَ، وَعَزَلَ الصَّابُونِيَّ عَنِ الْخَطَابَةِ، وَخَرَّجَ الْجُوَيْنِيَّ وَغَيْرَهُ عَنِ الْبَلَدِ ثُمَّ أَنَّ ذَلِكَ السُّلْطَانَ لَمَّا مَاتَ وَتَوَلَّى ابْنُهُ فَرَدَّهُمْ وَبَنَى لَهُمُ الْمَسَاجِدَ وَالْمَدَارِسَ وَأَمَرَ بِإِسْقَاطِ ذِكْرِهِمْ فِي السَّبِّ وَاللَّعْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ رِسَالَةَ الْقُشَيْرِ فِيهِ وَنَوْحَهُ عَلَى الدِّينِ لِلَعْنِ الأَشْعَرِيِّ، وَأَنَّ الْمُبْغِضِينَ سَعَوْا إِلَى مَجْلِسِ السُّلْطَانِ بِالنَّمِيمَةِ، وَنَسَبُوا الأَشْعَرِيَّ إِلَى مَذَاهِبَ ذَمِيمَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ عُمَرَ الْمَاجِدَ الْقُشَيْرِيَّ دَفَعَ إِلَيْهِ هَذِهِ الرِّسَالَةَ أَنَّهُ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ كَانَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَمَذْهَبُهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَرَدَّ عَلى الْمُخَالِفِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدْعَةِ، وَكَانَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُبْتَدِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْخَارِجِينَ عَنِ الْمِلَّةِ سَيْفًا مَسْلُولا وَمَنْ طَعَنَ فِيهِ، أَوْ قَدَحَ، أَوْ لَعَنَهُ، أَوْ سَبَّهُ , فَقَدْ بَسَطَ لِسَانَ السُّوءِ فِي جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ بَذَلْنَا خُطُوطَنَا طَائِعِينَ، وَكَتَبَهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيُّ، وَفِيهِ خَطُّ الْخَبَّازِيِّ أَنَّهُ كَذَلِكَ نَعْرِفُهُ، وَكَذَلِكَ خَطُّ الْجُوَيْنِيِّ وَالشَّاشِيِّ، وَالْهَرَوِيِّ، وَالأَيُّوبِيِّ، وَالصَّابُونِيِّ، وَالْبَكْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، وَكُلُّهُمْ أَشَاعِرَةٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ، أَيْنَ كَتَبَهُ فِي الْحَدِيثِ؟ أَيْنَ مَنْ رَوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ؟ أَيْنَ مَنْ رَوَى عَنْهُ؟ أَرُونَا حَدِيثًا وَاحِدًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الإِسْلامِ مِنْ رِوَايَتِهِ , رَوَاهُ أَوْ رَوَى عَنْهُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، أَلَيْسَ يُوجَدُ لَهُ حَدِيثًا وَاحِدًا؟ وَلَيْتَ عِلْمِي مَتَى رَوَى الْحَدِيثَ؟ فَإِنَّهُ فِي ابْتِدَائِهِ كَانَ عَلَى الاعْتِزَالِ، مَا تَابَ مِنْهُ إِلَّا فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَمَتَى رَوَى الْحَدِيثَ؟ أَوْ مَتَى كَانَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّتِهِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّ مَذْهَبَهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَدَمُ التَّأْوِيلِ وَهُوَ يُؤَوِّلُ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ تَرْكُ الْكَلامِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ مُتَكَلِّمٌ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَالِكِيًّا وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ كَانَ شَافِعِيًّا، وَقَدْ لَقِيَ جَمَاعَةً مِنَ الْحَنَابِلَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَّهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَقَوَّى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ كَانَ مَالِكِيًّا، وَكَأَنَّهُ كَانَ يُمَوِّهُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ وَيَتَمَعْمَعُ مَعَهُمْ لِيُوهِمَ عَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ حَالَةُ الزَّنْدَقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَدَحَهُ، وَذَكَرَ عَنْهُ حِكَايَةً احْتَجَّ بِهَا وَقَوَّى أَنَّهُ كَانَ شَافِعِيًّا. ثُمَّ قَالَ: بَابُ مَا اشْتُهِرَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ مِنَ الْعِلْمِ وَظَهَرَ فِيهِ مِنْ وُفُورِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَالْفَهْمِ. عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْبَاهِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ فِي جَنْبِ الأَشْعَرِيِّ كَقَطْرَةٍ فِي جَنْبِ الْبَحْرِ، وَأَنَّ ابْنَ الطَّيِّبِ قِيلَ لَهُ: كَلامُكَ أَفْضَلُ وَأَبْيَنُ مِنْ كَلامِ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ أَفْضَلَ أَحْوَالِي أَنْ أَفْهَمَ كَلامَ أَبِي الْحَسَنِ، وَهَؤُلاءِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَرَادُوا فِي عِلْمِ الْكَلامِ، ثُمَّ أَخَذَ يَقْتَبِسُ بِمَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ فَسَاقَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . قَالَ: أَهْلُ الْفِقْهِ وَالدِّينِ وَأَهْلُ طَاعَةِ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَانِيَ دِينِهِمْ وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهُونَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَوْ أَنَّهُ اسْتَحَى لَكَفَّ عَنْ هَذَا، أَيُّ مَسْأَلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ لَهُ فِيهَا قَوْلا، وَأَيُّ بَابٍ مِنَ الْفِقْهِ وَضَعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الَّذِي عَلَّمَ النَّاسَ مَعَانِيَ دِينِهِمْ وَأَوْضَحَ حُجَجَهُ يُجِيدُ ظُهُورَ الْبِدَعِ فَيَا للَّهِ الْعَجَبُ مِثْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ لا يَذْكُرُ لَهُمَا ذَلِكَ وَيَذْكُرُهُ لِمَنْ أَقَامَ عُمْرَهُ عَلَى الْبِدَعِ بِاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلامَ ابْنِ فُورَكٍ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالْحُجَجِ الْعَقْلِيَّةِ، وَيَكْفِي هَذَا مِنْهُ فَإِنَّ بَابَ الصِّفَاتِ وَأُصُولِ الدِّيَانَاتِ إِنَّمَا بَابُ النَّقْلِ لَا الْعَقْلِ، فَمَنْ جَعَلَ بَابَ ذَلِكَ الْعَقْلَ فَقَدْ أَخْطَأَ، ثُمَّ ذَكَرَ مُصَنَّفَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، الْمَعْرُوفِ بِقَاضِي الْعَسْكَرِ وَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ نَظَرَ فِي كُتُبٍ صَنَّفَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ قَالَ: فَوَجَدْتُ بَعْضَهَا لِلْفَلاسِفَةِ مِثْلَ إِسْحَاقَ الْكِنْدِيِّ، وَالإِسْفَرَازِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ خَارِجٌ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ زَائِغٌ عَنِ الدِّينِ الْقَوِيمِ، لا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ لأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى الْمَهَالِكِ لأَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَمُسَمَّاهُ بِاسْمِ التَّوْحِيدِ، وَلِهَذَا مَا أَمْسَكَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ شَيْئًا مِنْ كُتُبِهِمْ، قَالَ: وَوَجَدْتُ تَصَانِيفًا كَثِيرَةً فِي هَذَا الْفَنِّ لِلْمُعْتَزِلَةِ مِثْلَ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّازِيِّ، وَالْجُبَائِيِّ وَالْكَعْبِيِّ وَالنظامِ، وَغَيْرِهِمْ وَلا يَجُوزُ إِمْسَاكُ تِلْكَ الْكُتُبِ وَلا النَّظَرُ فِيهَا كَيْلَا تُحْدِثُ الشُّكُوكَ وَتُوهِنُ الاعْتِقَادَ، وَلِئَلَّا يُنْسَبُ مُمْسِكُهَا إِلَى الْبِدْعَةِ، وَلِهَذَا مَا أَمْسَكَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَالَ: وَكَذَا الْمجسمةُ صَنَّفُوا كُتُبًا فِي هَذَا الْفَنِّ مِثْلَ مُحَمَّدِ بْنِ الهيصمٍ، وَأَمْثَالِهِ وَلا يَحِلُّ النَّظَرُ فِيهَا وَلا إِمْسَاكُهَا فَإِنَّهُمْ شَرُّ أَهْلِ الْبِدَعِ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي يَدِي بَعْضُ هَذِهِ التَّصَانِيفِ فَمَا أَمْسَكْتُ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَدْ وَجَدْتُ لأَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ كُتُبًا كَثِيرَةً فِي هَذَا الْفَنِّ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ مِائَتَيْ كِتَابٍ، وَالْمُوجَزُ الْكَبِيرُ يَأْتِي عَلَى عَامَّةِ مَا فِي كُتُبِهِ، وَقَدْ صَنَّفَ الأَشْعَرِيُّ كِتَابًا كَبِيرًا لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الابْتِدَاءِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لَهُ ضَلالَهُمْ، فَبَانَ عَمَّا اعْتَقَدَهُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ، وَصَنَّفَ كِتَابًا نَاقِضًا لِمَا صُنِّفَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، قَالَ: وَقَدْ أَخَذَ عَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ خَطَّأَ أَبَا الْحَسَنِ فِي بَعْضِ مَسَائِلَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: الْكَوْنُ وَالْمُكَوّنُ وَاحِدٌ، وَنَحْوَهَا , قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا لا تُكْسِبُ أَبَا الْحَسَنِ تَشْنِيعًا، وَلا تُوجِبُ لَهُ تَكْفِيرًا وَلا تَضْلِيلا وَلا تَبْدِيعًا، وَلَوْ حَقَّقُوا الْكَلامَ فِيهَا لَحَصَلَ الاتِّفَاقُ وَبَانَ أَنَّ الْخِلافَ فِيهَا حَاصِلَةُ الْوِفَاقِ، وَمَا زَالَ الْعُلَمَاءُ يُخَالِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَقْصِدُ دَفْعَ قَوْلِ خَصْمِهِ إِبْرَامًا وَنَقْضًا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يَتَذَكَّرُهُ فِي ذَلِكَ: وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ ... وَلَكِنَّ عَيْنَ السّخطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيا ثُمَّ قَالَ:

стр. 143

بَابُ مَا ذُكِرَ فِي اجْتِهَادِ أَبِي الْحَسَنِ فِي الْعِبَادَةِ , وَنَقَلَ عَنْهُ فِي التَّقَلُّلِ وَالزَّهَادَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنِ الطَّبَرِيِّ الْمُتَكَلِّم: أَنَّهُ إِمَامٌ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعَتَمَةِ، وَكَيْفَ هَذَا مَعَ حِكَايَةِ الْبيكره، اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ حِكَايَاتٍ فِي تَقَلُّلِهِ. ثُمَّ قَالَ:

стр. 144

بَابُ مَا يُسِّرَ لَهُ فِي النِّعْمَةِ مِنْ كَوْنِهِ فِي خَيْرِ قُرُونِ هَذِهِ الأُمَّةِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ : «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . وَلا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لا؟ وَسَاقَ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْقَرْنَ مِائَةُ سَنَةٍ وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي رَأْسِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ , فَيَكُونُ مِمَّنْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَيَرُدُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرْنِ النَّاسُ الَّذِينَ مَعَهُ ثُمَّ الَّذِينَ بَعْدَهُمْ لأَنَّ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: الْقَرْنَ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّمَنَ لَقَالَ: ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَلَكَانَ مَنْ وُجِدَ مِنَ التَّابِعِينَ فِي الْمِائَةِ الأُولَى فِي الْقَرْنِ الأَوَّلِ يُعَدُّ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَيُعَدُّ التَّابِعِينَ مِمَّنْ وُجِدَ فِي الْقَرْنِ التَّالِي يُعَدُّ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلا قَائِلَ بِذَلِكَ فَعَلِمَ أَنَّمَا الْمُرَادُ النَّاسُ لا الزَّمَنُ، وَالْمُرَادُ بِالْقَرْنِ الأَوَّلِ الصَّحَابَةُ، وَبِالثَّانِي التَّابِعِينَ، وَبِالثَّالِثِ مَنْ لَقِيَ التَّابِعِينَ مِثْلَ مَالِكٍ وَأَشْبَاهِهِ بِالرَّابِعَةِ عَلَى رِوَايَةِ الإِثْبَاتِ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ ثَلاثًا تَابِعَ تَابِعَ التَّابِعِينَ مِثْلَ الشَّافِعِيِّ وَسُفْيَانَ، فَيَا للَّهِ الْعَجَبُ مِنْهُ وَمِنْ كَوْنِهِ قَدِيرًا فِي الْحُفَّاظِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الأَمْرُ الَّذِي لا يَخْفَى عَلَى الصِّبْيَانِ؟ فَهُوَ إِمَّا أَنَّهُ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَهَذَا عَيْنُ الْجَهْلِ، أَوْ عَلِمَهُ وَقَالَ خِلافَهُ لأَجْلِ الْهَوَى فَهُوَ عَيْنُ التَّعَصُّبِ وَنَصْرُ الْبَاطِلِ، وَأَيْنَ مَا شَنُعَ بِهِ عَلَى الأَهْوَازِيِّ مِنْ أَنَّهُ لا يَعْرِفُ الْقَرِينَةَ وَلا يُفَرِّقُ الْكُنْيَةَ مِنَ الْكِنَايَةِ، هَلا نَظَر هُوَ هُنَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ ﵇: «الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . أَفِي الْوَقْتِ يُقَالُ ذَلِكَ؟ فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ كَيْفَ عَمِيَ عَنْ هَذَا؟ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَقْتَ لَقَالَ: ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَالْمَرْءُ يَرَى الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَالْجَذَعُ مُتَعَرِّضٌ فِي عَيْنِهِ لا يَرَاهُ، ثُمَّ أَخَذَ يَحْتَجُّ عَلَى أَنَّ الْقَرْنَ مِائَةُ سَنَةٍ بِقَوْلِهِ ﵇: «أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» . وَفِي الْحَدِيثِ يُرِيدُ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْن، وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ بِأَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُ: «الْقَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ» . وَبِحَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ: «كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ، الْقَرْنُ مِائَةُ عَامٍ» ، وَكَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَرْنَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى الْمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَلَى مَنْ عَاصَرَ الإِنْسَانَ مِنَ النَّاسِ، وَقَرْنُ الْحَيَوَانِ مِثْلَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَقَرْنُ الْمَنَازِلِ مَوْضِعٌ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ النَّاسُ دُونَ الْوَقْتِ عِدَّةُ مَوَاضِعَ. ثُمَّ أَخَذَ يَذْكُرُ مَوْلِدَ الأَشْعَرِيِّ وَوَفَاتَهُ، مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأُمُورٍ مُطَوَّلَةٍ لَا طَائِلَ مِنْهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بَابَ مَا ذُكِرَ مِنْ مُجَانَبَتِهِ لأَهْلِ الْبِدَعِ وَاجْتِهَادِهِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ نَصِيحَتِهِ لِلأُمَّةِ وَصِحَّةِ اعْتِقَادِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ زَاهِرِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ حَضَرَ الأَشْعَرِيَّ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ يَلْعَنُ الْمُعْتَزِلَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ دَعَاهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لا أُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ، لأَنَّ الْكُلَّ يُشِيرُونَ إِلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كُلُّهُ اخْتِلافُ الْعِبَارَاتِ، ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ هَذَا مَنْقَبَةٌ، وَأَرَاهُ مَذَمَّةً لأَنَّهُ مَيْلٌ إِلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ اعْتِقَادَهُ وَأَنَّهُ سَلَكَ مَذْهَبًا وَسَطًا، وَأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَالرَّافِضَةَ عَطَّلُوا، فَقَالُوا: لا قُدْرَةَ، وَلا سَمْعَ، وَلا بَصَرَ، وَلا حَيَاةَ، وَلا بَقَاءَ، وَالْمُجَسِّمَةُ شَبَّهُوا، وَأَنَّهُ سَلَكَ مَذْهَبًا بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: بَلْ مَذْهَبُهُ التَّأْوِيلُ، وَرَدَّ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَالأَحَادِيثِ بِالتَّأْوِيلِ الْعَقْلِيِّ، فَالْمُعْتَزَلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ صَرَّحُوا بِالنَّفْيِ، وَهُوَ مَوَّهَ عَلَى النَّاسِ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ النَّفْيُ , لأَنَّهُ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ وَتَأَوَّلَهَا وَرَدَّ غَالِبَهَا إِلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ بِحُجَجِهِ الْعَقْلِيَّةِ، وَتَرَكَ الأُمُورَ النَّقْلِيَّةَ، وَمَحَلُّ الإِنْصَافِ أَنَّ مَا حَكَاهُ عَنْهُ فِي الاعْتِقَادِ فِيهِ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَفِيهِ الْحَسُن وَالرَّدِيءُ، ثُمَّ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ فِي أَوَّلِ الإِبَانَةِ فِيهَا كَلامٌ جَيِّدٌ لِمَنْ قَرَأَ كَلامُهُ مِنْهَا أَنْ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَهْلِ الْقَدَرِ مَالَتْ بِهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ إِلَى التَّقْلِيدِ لِرُؤَسَائِهِمْ، وَمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلافِهِمْ فَتَأَوَّلُوا الْقُرْآنَ عَلَى آرَائِهِمْ تَأْوِيلا لَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا، وَلا أَوْضَحَ بِهِ بُرْهَانًا، وَلا نَقَلُوهُ عَنْ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلا عَنِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَخَالَفُوا رِوَايَةَ الصَّحَابَةِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ بِالإِبْصَارِ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَاتُ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَتَوَاتَرَتْ بِهِ الآثَارُ وَتَتَابَعَتْ بِهِ الأَخْبَارُ، وَأَنْكَرُوا شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَدُّوا الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَجَحَدُوا عَذَابَ الْقَبْرِ، وَأَنَّ الْكُفَّارَ فِي قُبُورِهِمْ يُعَذَّبُونَ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَدَانُوا بِخُلُقِ الْقُرْآنِ نَظِيرًا لِقَوْلِ إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قَالُوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ كَقَوْلِ الْبَشَرِ، وَأَثْبَتُوا أَنَّ الْعِبَادَ يَخْلُقُونَ الشَّرَّ، نَظِيرًا لِقَوْلِ الْمَجُوسِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ خَالِقَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَخْلُقُ الْخَيْرَ، وَالآخَرُ يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَزَعَمَتِ الْقَدَرِيَّةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الْخَيْرَ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَشَاءُ مَا لا يَكُونُ، وَيَكُونُ مَا لا يَشَاءُ، خِلافًا لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحُجَّةَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ يَتَفَرَّدُونَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ دُونَ رَبِّهِمْ، وَأَثْبَتُوا لأَنْفُسِهِمْ غِنًى عَنِ اللَّهِ ، وَوَصَفُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْقُدْرَةِ عَلَى مَا لَمْ يَصِفُوا اللَّهَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، كَمَا أَثْبَتَ الْمَجُوسُ لِلشَّيْطَانِ فِي الْقُدْرَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يَنْسُبُوهُ للَّهِ ، فَكَانُوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، إِذْ دَانُوا بِدِيَانَةِ الْمَجُوسِ، ثُمَّ قَالَ: وَحَكَمُوا عَلَى الْعُصَاةِ بِالنَّارِ وَالْخُلُودِ، خِلافًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . قَالَ: وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لا يَخْرُجُ مِنْهَا، خِلافًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: دَفَعُوا أَنْ يَكُونَ للَّهِ وَجْهٌ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ للَّهِ يَدَانِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ للَّهِ عَيْنَانِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] . وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . وَنَفَوْا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» . وَأَنَا أَذْكُرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَابًا بَابًا، قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ، فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ، وَدِيَانَتَكُمُ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ، قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ، وَدِيَانَتُنَا الَّتِي نَدِينُ بِهَا، التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ـ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ ـ قَائِلُونَ، وَلِمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ مُجَانِبُونَ، لأَنَّهُ الإِمَامُ الْفَاضِلُ، وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ الَّذِي أَبَانَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلالِ، وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ، وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ، وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ، وَشَكَّ الشَّاكِّينَ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ، وَكَبِيرٍ مُفْهِمٍ، وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ وَأُمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كَلامِهِ هَذَا عَلَى عِدَّةِ مَذَاهِبَ، فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: إِنَّهُ اتَّقَى بِهَذَا الْكِتَابِ وَهَذَا الْكَلامِ الْحَنَابِلَةَ وَمَوَّهَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ مَعْمَعِيًّا كُلَّمَا جَاءَ إِلَى أَرْبَابِ مَذْهَبٍ يُظْهِرُ لَهُمْ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ مَعَهُمْ وَأَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَأَمَّا أُولَئِكَ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ تَدْلِيسُهُ وَقَبِلُوهُ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَرَدُّوهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ كَانَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ حَنْبَلِيًّا , لأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِاتِّبَاعِهِ لَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ لإِمَامٍ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلامِهِ ذَلِكَ: وَجُمْلَةُ قَوْلِنَا أَنْ نُقِرَّ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لا نَرُدُّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا وَأَنَّ اللَّهَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، فَرْدٌ صَمَدٌ لا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَة آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . وَأَنَّ لَهُ وَجْهًا كَمَا قَالَ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وَأَنَّ لَهُ يَدَيْنِ كَمَا قَالَ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . وَقَالَ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . وَأَنَّ لَهُ عَيْنَانِ بِلا كَيْفَ كَمَا قَالَ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] . وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ غَيْرُهُ كَانَ ضَالا، وَإِنَّ للَّهِ عِلْمًا كَمَا قَالَ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] . وَنُثْبِتُ للَّهِ قُدْرَةً كَمَا قَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] . وَنُثْبِتُ للَّهِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَلا نُنْفِي ذَلِكَ كَمَا تَنْفِيهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَتَقُولُ: إِنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَإِنَّهُ لا يَكُونُ فِي الأَرْضِ شَيْءٌ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ للَّهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] . ثُمَّ ذَكَرَ الْحُجَّةَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ وَفَّقَ الْمُؤْمِنَ لِلطَّاعَةِ وَأَضَلَّ الْكَافِرِينَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَقُولُ: إِنَّ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ كَانَ كَافِرًا، وَإِنَّ اللَّهَ يُرَى بِالأَبْصَارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يُرَى الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، يَرَاهُ الْمُؤْمِنُ كَمَا جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ يَرْتَكِبُهُ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَنَدِينُ بِأَنَّهُ يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ، وَأَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَأَنَّهُ يَضَعُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرْضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ كَمَا جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ الإِيمَانَ بِإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ، وَبِأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَعَذَابَ الْقَبْرِ وَالْحَوْضَ وَالصِّرَاطَ وَالْمِيزَانَ حَقٌّ، وَأَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قَالَ: وَنُسَلِّمُ لِلرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَحَبَّةَ الصَّحَابَةِ، وَتَقْدِيمَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالْكَفَّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَنُصَدِّقُ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَثْبَتَهَا أَهْلُ النَّقْلِ مِنَ النُّزُولِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَنَّ الرَّبَّ يَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ وَسَائِرَ مَا نَقَلُوهُ وَأَعْلَنُوهُ خِلافًا لِمَا قَالَهُ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالتَّضْلِيلِ، وَنُعَوِّلُ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَلا نَبْتَدِعُ فِي دِينِ اللَّهِ بِدْعَةً لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهَا، وَلا نَقُولُ عَلَى اللَّهِ مَا لا نَعْلَمُ، وَنَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] . وَأَنَّهُ يُقَرِّبُ مِنْ عِبَادِهِ كَيْفَ شَاءَ كَمَا قَالَ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] . ثُمَّ ذَكَرَ اعْتِقَادًا حَسَنًا، وَكَلامًا غَالِبهُ لا شَيْءَ فِيهِ، فَيُقَالُ لِلأَشَاعِرَةِ: لِمَا لَمْ تَقُولُوا بِهَذَا الْكَلامِ الَّذِي قَدْ صَحَّ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ قَوْلُهُ؟ وَقَدْ نَقَلْتُمُوهُ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ لَهُ كَلامٌ آخَرُ، عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَظْهَرَ هَذَا تُقْيَةً وَتَمْوِيهًا، وَكَانَ دَلِيلا وَحُجَّةً عَلَى عَدَمِ تَوْبَتِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ كَلامَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، ثُمَّ قَالَ: فَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ هَذَا الاعْتِقَادِ مَا أَوْضَحَهُ وَأَبْيَنَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ إِلا أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ، قَالَ: وَاعْتَرِفُوا بِفَضْلِ هَذَا الإِمَامِ الْعَالِمِ الَّذِي شَرَحَهُ وَبَيَّنَهُ، وَانْظُرُوا سُهُولَةَ لَفْظِهِ فَمَا أَوْضَحَهُ وَأَحْسَنَهُ، وَكُونُوا مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] . وَتَبَيَّنُوا فَضْلَ أَبِي الْحَسَنِ، وَاعْرِفُوا إِنْصَافَهُ وَاسْتَمِعُوا وَصْفَهُ لأَحْمَدَ بِالْفَضْلِ وَاعْتِرَافِهِ بِهِ، قُلْتُ: وَلا نَتَّبِعُهُ هُوَ وَغَيْرَهُ إِلا ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهُمَا كَانَا فِي الاعْتِقَادِ مُتَّفِقَيْنِ وَفِي أُصُولِ الدِّينِ وَمَذْهَبِ السُّنَّةِ غَيْرَ مُفْتَرِقَيْنِ، وَقَدْ كَذَبَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الاعْتِقَادَ فِي فِعْلِ الْقَلْبِ وَمِنْ أَيْنَ اطَّلَعَ عَلَى مَا فِي قُلُوبِهِمَا؟ فَإِنْ قَالَ: مَا أَظْهَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ، قِيلَ: أَلَيْسَ الأَشْعَرِيُّ يَقُولُ بِالتَّأْوِيلِ وَأَحْمَدُ لا يَقُولُ بِهِ، فَعَلِمَ الاخْتِلافَ وَالْكَذِبَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ تَزَلِ الْحَنَابِلَةُ بِبَغْدَادَ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ عَلَى مَرِّ الأَوْقَاتِ تَعْتَضِدُ بِالأَشْعَرِيَّةِ عَلَى أَصْحَابِ الْبِدَعِ، لأَنَّهُمُ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي أَهْلِ الإِثْبَاتِ , فَمَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى مُبْتَدِعٍ وَبِلِسَانِ الأَشْعَرِيَّةِ يَتَكَلَّمُ وَمَنْ حَقَّقَ مِنْهُمْ فِي الأُصُولِ فِي مَسْأَلَةٍ فَمِنْهُمْ يَتَعَلَّمُ، وَكَذَبَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهِ، فَإِنَّ الْمُبَايَنَةَ لَمْ تَزَلْ بَيْنَهُمَا قَدِيمًا حَتَّى فِي أَيَّامِ الأَشْعَرِيِّ، ثُمَّ فِي زَمَنِ أَبِي حَامِدٍ، ثُمَّ فِي زَمَنِ الْقَاضِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَاضِيَ كَانَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي سَائِرِ الْعُلُومِ حَتَّى الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ بِفَضْلِهِ نَتَعَلَّمُ مِنْهُ وَنَأْخُذُ عَنْهُ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الطُّولَى فِي سَائِرِ الْعُلُومِ الأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَوَقَعَتْ لَهُ مِحْنَةٌ مَعَهُمْ وَكَذَلِكَ شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ، وَصَنَّفَ كِتَابَهُ ذَمَّ الْكَلامِ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ، فَلَمْ تَزَلِ الْمُبَايَنَةُ، وَعَدَمُ احْتِيَاجِ الْحَنَابِلَةِ فِي الأُصُولِ إِلَى أَصْلٍ، وَمَبْنِيُّ أُصُولِ الْحَنَابِلَةِ لَيْسَ عَلَى الْكَلامِ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَمَعْرِفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلُزُومُهُمَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَإِجَادَةُ الْمَعْرِفَةِ فِيهِمَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى الْحَنَابِلَةِ، فَمَا هَذَا الافْتِرَاءُ الَّذِي أَهْوَى بِهِمْ؟ قَالَ: فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى حَدَثَ الاخْتِلافُ فِي زَمَنِ أَبِي نَصْرٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَوِزَارَةِ النِّظَامِ وَوَقَعَ بَيْنَهُمُ الانْحِرَافُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لانْحِلالِ النِّظَامِ، قَالَ: وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الْحَنَابِلَةِ طَائِفَةٌ تَغْلُو فِي السُّنَّةِ وَتَدْخُلُ فِيمَا لا يَعْنِيهَا حُبًّا لِلْخُفُوقِ فِي الْفِتْنَةِ وَقَدْ كَذَبَ وَاللَّهِ عَلَيْهُمْ وَإِنَّمَا لِشِدَّةِ تَمَسُّكِهِمْ بِالسُّنَّةِ يَرَوْنَ بِبِدْعَتِهِمْ فِيهِمْ ذَلِكَ، قَالَ: وَلا عَارَ عَلَى أَحْمَدَ ﵀ مِنْ تَفْسِيرِهِ، لا وِزْرَ وَلا عَارَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ مُتَّفِقُونَ، إِلا الشُّذُوذَ مِنْهُمْ، قَالَ: وَلَيْسَ يَتَّفِقُ عَلَى ذَلِكَ رَأْيُ جَمِيعِهِمْ؟ بَلَى وَاللَّهِ الْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْ زَمَنِ إِمَامِهِمْ وَإِلَى الْيَوْمِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ذَلِكَ إِلا شُّذُوذُ مِنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنِ الْهَرَوِيِّ عَنِ ابْنِ شَاهِينَ، قَالَ: رَجُلانِ صَالِحَانِ بُلِيَا بِأَصْحَابِ سُوءٍ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهَذَا هُوَ الْكَذِبُ وَالافْتِرَاءُ عَلَى أَصْحَابِ أَحْمَدَ، فَوَاللَّهِ لَهَذَا الْكَذِبُ وَالافْتِرَاءُ أَشَدُّ مِنْ كَلامِ الأَهْوَازِيِّ، وَقَدْ رُوِّينَا فِي كِتَابِ الْحَظِّ الأَسْعَدِ، عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الأَئِمَّةِ: أَنَّ عَلامَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ الْكَلامُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَأَنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ إِلا مُبْتَدِعٌ أَوْ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، فَوَاللَّهِ لَمْ تَزَلِ الْحَنَابِلَةُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَى لُزُومِ الطَّاعَةِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْوَرَعِ وَالتَّخَفُّفِ وَالتَّنَسُّكِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَالْعَوَامُّ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَضْلا عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَصَبِيَّةُ وَالْهَوَى، وَشُهْرَتُهُمْ فِي الدِّيَانَةِ تَكْفِي عَنْ ذِكْرِ مَنَاقِبِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا تَمَّ لِلْهِجْرَةِ مِئَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً رَفَعَتْ أَنْوَاعُ الْبِدَعِ رَأْسَهَا حَتَّى أَصْبَحَتْ آيَاتُ الدِّينِ مُنْطَمِسَةَ الآثَارِ وَأَعْلامُ الْحَقِّ مُنْدَرِسَةَ الأَخْبَارِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ الأَشْعَرِيَّ فَأَحْيَا السُّنَّةَ، فَانْظُرْ لِهَذَا بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ إِلَى هَذَا الْهَذَيَانِ وَالْكَذِبِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ السِّتِّينَ وَالْمِائَتَيْنِ كَانَ. . . . الأَئِمَّةِ مِثْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمُسْلِمِ بْنِ حَجَّاجٍ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيِّ، وَأَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، فَأَيُّ بِدْعَةٍ كَانَتْ عِنْدَ هَؤُلاءِ؟ أَوْ أَيُّ مُبْتَدِعٍ رَفَعَ رَأْسَهُ فِي زَمَنِهِمْ حَتَّى إِنَّ الأَشْعَرِيَّ أَخْمَدَ ذَلِكَ؟ ثُمَّ أَعَادَ الْحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمَهُ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . قَالَ ﵇: «هُمْ قَوْمَكَ يَا أَبَا مُوسَى أهل الْيَمَنِ» . قَالَ: وَنَعْلَمُ بِأَدِلَّةِ الْعُقُولِ وَبَرَاهِينِ الأُصُولِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ وَلَدِ أَبِي مُوسَى لَمْ يَرُدَّ عَلَى أَصْحَابِ الأَبَاطِيلِ , وَلَمْ يُبْطِلْ سُنَنَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالأَضَالِيلِ بِحُجَجٍ قَاهِرَةٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَدَلائِلَ قَاهِرَةٍ مِنَ الإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ إِلا الأَشْعَرِيَّ، وَكَذَبَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى دَلِيلٌ وَاضِحٌ فِي فَضْلِهِ، وَقَدِ افْتَرَى فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ لَهُ، لا سِيَّمَا وَقَدْ نَفَى جَمَاعَةٌ انْتِسَابَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ جَاهَدَ أَعْدَاءَ الْحَقِّ وَفَضَحَهُمْ، وَفَرَّقَ كَلِمَتَهُمْ، وَبَدَّدَ جَمْعَهُمْ بِالْحُجَجِ الْقَاهِرَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالأَدِلَّةِ الْبَاهِرَةِ السَّمْعِيَّةِ، وَلا يَعْلَمُ مَتَى ذَلِكَ، لَعَلَّهُ يَكُونُ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَلا فَهَذَا الأَمْرُ لَمْ يُظْهَرْ، وَلَمْ يُذْكَرْ، وَهَذِهِ تَوَارِيخُ الإِسْلامِ مَوْجُودَةٌ أَيُّ مَجْلِسٍ وَقَعَ لَهُ وَنَصَرَ فِيهِ السُّنَّةَ؟ أَوْ أَيُّ مَحْفِلٍ كَانَ فِيهِ وَقَامَ فِيهِ بِالْحَقِّ؟ هَذِهِ مِحْنَةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ حِينَ وَقَعَتْ وَقَامَ فِي نَصْرِ الْحَقِّ، اطَّلَعَ عَلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ، هَذِهِ مِحْنَةُ الشَّافِعِيِّ كَانَتْ دُونَهَا، وَاطَّلَعَ عَلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ، سَائِرُ أُمُورِ النَّاسِ وَأَخْبَارِهِمْ قَدْ نُقِلَتْ، مَتَى ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ قَامَ فِي أَمْرِ مَنْ نَصَرَ السُّنَّةَ؟ إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ أَوَّلا عَلَى الاعْتِزَالِ مَعَ الْفَجَرَةِ، ثُمَّ لَمَّا قِيلَ أَنَّهُ تَابَ مِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ تَوْبَتَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا، ثُمَّ أَقَامَ عَلَى الاخْتِفَاءِ، وَكَانَ يَذْهَبُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَجَالِسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ خِفْيَةً، لَمْ يَظْهَرْ هُوَ بِنَفْسِهِ عَلَى قَمْعِ بِدْعَةٍ، وَإِزَالَتِهَا جَهْرًا بِالْكُلِّيَّةِ، هَذَا أَمْرٌ لَمْ يُذْكَرْ وَلَمْ يُعْرَفْ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى، فَإِنَّهُ يُعَمِّي وَيَصْرِفُ عَيْنَ الرِّضَى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كُلِّيَّةً، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. ثُمَّ ذَكَرَ بَابَ مَا ذَكَرَ بَعْضَ مَا رُؤِيَ فِي الْمَنَامَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَشْعَرِيَّ مِنْ مُسْتَحِقِّي الإِمَامَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ مَنَامًا أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، وَأَنَّهُ سَأَلَهُ فِي الْحَرْفِ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَمْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ كَمَا قَالَتِ الأَشْعَرِيَّةُ. وَهَذَا لا يَشْهَدُ لَهُ بِالإِمَامَةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ صَوَابًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَمَرَهُ بِلُزُومِ قَوْلِهِمْ فِيهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَنَامٌ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ إِذَا رَآهُ الإِنْسَانُ يُقَالُ لَهُ: صِفْ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَنْقَبَةٍ وَإِلا فَهُوَ شَيْطَانٌ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ آخَرَ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا وَأَنَّهُ لَقِيَهُ وَسَأَلَهُ عَنْهَا، وَقَالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ رَأَيْتَ أَبَا الْحَسَنِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ كَانَ هَهُنَا، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ حَقٌّ، مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ حَقٌّ، مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ حَقٌّ، وَهَذَا الشَّيْطَانُ بِلا شَكٍّ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا قَلَّ أَنْ يَقَعَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ يَمْدَحُ مَذْهَبَهُ أَوْ نَفْسَهُ. ثُمَّ ذَكَر حِكَايَةً أُخْرَى فِي مَنَامٍ لَعَلَّهَا الأُولَى أَوْ نَحْوَهَا. ثُمَّ قَالَ: بَابُ ذِكْرِ مَا مُدِحَ بِهِ فِي الأَشْعَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِسَنَدِهِ قَوْلَ الْقُشَيْرِيِّ: شَيْئَانِ مَنْ يَعْذِلُنِي فِيهِمَا ... فَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ مَنْبَرِي حُبُّ أَبِي بَكْرٍ إِمَامِ الْهُدَى ... ثُمَّ اعْتِقَادِي مَذْهَبِ الأَشْعَرِي وَهَذَا عَيْنُ الْجَهْلِ إِذْ ذُكِرَ ذَلِكَ إِلَيْهِ دُونَ الشَّافِعِيِّ ﵁، فَإِنَّهُ لا يَخْلُو فِي الاعْتِقَادِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الأَشْعَرِيُّ مُوَافِقًا لِلشَّافِعِيِّ، أَوْ مُخَالِفٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ وَافَقَهُ لَكَانَ النِّسْبَةُ إِلَى الشَّافِعِيِّ أَوْلَى لأَنَّهُ هُوَ تَابِعٌ لَهُ وَالاقْتِدَاءُ بِالأَصْلِ لا بِالْفَرْعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ خَالَفَهُ فَيَكْفِيهِ أَنَّهُ قَدْ تَابَعَ مَنْ خَالَفَ إِمَامَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ لآخَرَ أَيْضًا: مَنْ كَانَ فِي الْحَشْرِ لَهُ عُدَّةٌ ... تَنْفَعُهُ فِي عَرْصَةِ الْمَحْشَرِ فَعُدَّتِي حُبُّ نَبِيِّ الْهُدَى ... ثُمَّ اعْتِقَادِي مَذْهَبَ الأَشْعَرِي فَانْظُرْ بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ إِلَى هَذَا الْجَهْلِ، كَيْفَ يَتْرُكُ الشَّافِعِيَّ مَعَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الإِمَامَةِ وَتَمَسُّكِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مَمَاتِهِ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ عَلَى الاعْتِزَالِ طُولَ عُمْرِهِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ آخَرَ: إِذَا كُنْتَ فِي عِلْمِ الأُصُولِ مُوَافِقًا ... بِعَقْدِكَ قَوْلَ الأَشْعَرِيِّ الْمُسَدَّدِ وَعَامَلْتَ مَوْلاكَ الْكَرِيمَ مُخَالِصًا ... بِقَوْلِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ الْمُؤَيَّدِ وَأَتْقَنْتَ حَرْفَ ابْنِ الْعَلاءِ مُجَرَّدًا ... وَلَمْ تَعْدُ فِي الأَعْرَابِ رَأْيَ الْمُبَرَّدِ فَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ الْيَقِينِ مُوَافِقٌ ... شَرِيعَةَ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ فَانْظُرْ إِلَى هَذَا الْجَهْلِ وَالْخَطَأِ الَّذِي فِيهَا مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ، الأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدَّمَهُ عَلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي ذِكْرٍ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ الْعَمَلَ فِي الاعْتِقَادِ عَلَى مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ، وَفِي الْفِقْهِ وَبَابِ الْعَمَلِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنَّ اعْتِقَادَ الشَّافِعِيِّ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِأُصُولِ دِينِهِ، وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي أُصُولِ الدِّينِ غَيْرُ قَوْلِ الأَشْعَرِيِّ، وَأَنَّ الأَشْعَرِيَّ غَيْرُ مُقَلِّدٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَلا يُتَابِعُهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَإِلا لَوِ اتَّفَقَا وَتَابَعَهُ فِيهَا كَانَ العزرى إِلَى الشَّافِعِيِّ أَوْلَى مِنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ آخَرَ أبْيَاتًا رَكِيكَةً قَرِيبَةً مِنْ هَذِهِ فِي آخِرِهَا: فَالْزَمِ الْحَقَّ لا تَزِغْ ... وَاعْتَقِدْ عَقْدَ الأَشْعَرِي ثُمَّ ذَكَرَ قَصِيدَةً لآخَرَ فِيهَا: الأَشْعَرِيُّ إِمَامُنَا ... شَيْخُ الدِّيَانَةِ وَالْوَرَعْ وَهَذَا تَرَكَ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ بِالْكُلِيَّةِ فِي الْفُرُوعِ وَالأُصُولِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَصِيدَةً لآخَرَ مِثْلَ هَذِهِ مُطَوَّلَةً، ثُمَّ ذَكَرَ قَصِيدَةً لِلإِسْفَرَايِينِيِّ فِيهَا رَكَاكَةٌ وَسَمَاجَةٌ فِي لَفْظِهَا، وَفِي بَعْضِهَا خَطَأٌ فِي إِعْرَابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لأُخْرَى مِنْ نَمَطِهَا لأَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أُخْرَى لآخَرَ مِنْ هَذَا النَّمَطِ وَفِيهَا: الأَشْعَرِيُّ مَا لَهُ شَبِيهٌ ... حَبْرٌ إِمَامٌ عَالِمٌ فَقِيهٌ وَقَدْ كَذَبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْفِقْهِ مَجَالٌ وَلا كَلِمَةٌ تُقَالُ، ثُمَّ ذَكَرَ لِبَعْضِهِمْ أَبْيَاتًا رَكِيكَةً: الأَشْعَرِيَّةُ قَدْ وُفِّقُوا لِلصَّوَابِ ... لَمْ يَخْرُجُوا فِي اعْتِقَادِهِمْ عَنْ سُنَّةٍ أَوْ كِتَابِ ، وَلآخَرَ قَصِيدَةٌ: الأَشْعَرِيَّةُ قَوْمٌ قَدْ وُفِّقُوا لِلسَّدَادِّ ... وَبَيَّنُوا لِلْبَرَايَا طُرًّا طَرِيقَ الرَّشَادِ وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَذَا مُضَاهَاةَ مَا قِيلَ فِيهِمْ وَرَدَّهُ حِينَ قَالَ الْقَائِلُ: الأَشْعَرِيَّةُ ضُلالٌ زَنَادِقَةٌ الْقَصِيدَةَ الْمَعْرُوفَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَصِيدَةً أُخْرَى طَوِيلَةً. ثُمَّ قَالَ: بَابُ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ مَشَاهِيرِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَاقَ ذِكْرَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَقُوهُ أَوِ اتَّبَعُوهُ، وَذَكَرَ تَرَاجِمَهُمْ لِيُطَوِّلَ بِذَلِكَ وَيُحَقِّقَ بِهِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ، وَهَذَا بَابٌ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُ للإِنْسَانِ الإِطَالَةُ فِيهِ كَيْفَ مَا قَدَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ مُجَاهِدٍ الْبَصْرِيَّ، وَذَكَرَ بَعْضَ تَرْجَمَتِهِ، وَأَنَّهُ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَقُوهُ، وَذَكَرَ أَبَا الْحَسَنِ الْبَاهِلِيَّ، وَأَنَّهُ كَانَ تَلْمِيذَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا الْحُسَيْنِ بُنْدَارَ الشِّيرَازِيَّ، وَذَكَرَ لَهُ تَرْجَمَةً مُطَوَّلَةً، وَأَنَّهُ كَانَ خَادِمَهُ، وَذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالْعِرَاقِيِّ، وَأَنَّهُ كَانَ يُنَاظِرُ فِي الْفَقْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَفِي الْكَلامِ عَلَى مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ الْقَفَّالَ الشَّاشِيَّ، وَهَذَا مُسْلِمٌ لَهُ فِيهِ فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بِمُتَابَعَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيَّ، وَسَاقَ تَرْجَمَتَهُ، وَأَنَّهُ دَرَسَ عَلَيْهِ، وَسَاقَ لَهُ تَرْجَمَةً مُطَوَّلَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ ذُكِرَ أَبَا زَيْدٍ الْمَرْوَزِيَّ وَسَاقَ تَرْجَمَتَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ خَفِيفٍ، وَسَاقَ تَرْجَمَتَهُ مُطَوَّلَةً، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ الْجُرْجَانِيَّ الإِسْمَاعِيلِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا الْحَسَنِ عَبْدَ الْعَزِيزِ الطَّبَرِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالدمل، وَهَذَا مِنْهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيَّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا جَعْفَرٍ السُّلَمِيَّ النَّقَّاشَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالشَّافِعِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيَّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ الْبُخَارِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالأَوْدَنِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا مَنْصُورِ بْنَ حَمْشَاذَ النَّيْسَابُورِيَّ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا الْحُسَيْنِ بْنَ سَمْعُونٍ، وَسَاقَهُ بِتَرْجَمَةٍ طَوِيلَةٍ، وَقَدِ افْتَرَى عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا إِمَامٌ مُحَدِّثٌ مِنْ أَعْيَانِ مُتَقَدِّمِي الْحَنَابِلَةِ غَيْرَ كَوْنِهِ عَارِفًا بِعِلْمِ الْكَلامِ لِلْجَدَلِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشُّرُوطِيَّ الْجُرْجَانِيَّ وَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ لَهُ فِيهِ، وَلا كُلَّ مَنْ عَلِمَ الْكَلامَ صَارَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا عَلِيٍّ السَّرَخْسِيَّ، وَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَصْحَابِ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُ، فَذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا سَعْدٍ الإِسْمَاعِيلِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبَا الطَّيِّبِ الصُّعْلُوكِيَّ، وَسَاقَ لَهُ تَرْجَمَةً مُطَوَلَّةً جِدًّا، وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَكْثَرُ، وَلَكِنَّهُ كَذَبَ وَافْتَرَى عَلَيْهِ، وَقَالَ فِيهِ الزُّورَ وَالْبُهْتَانَ.

стр. 145

٧٠٠ - فَقَدْ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا، أنا ابْنُ الدُّعْبُوبِ وَغَيْرُهُ، أنا الْحَجَّارُ، أنا ابْنُ اللَّتِّيِّ، أنا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الأَوَّلِ، أنا شَيْخُ الإِسْلامِ الأَنْصَارِيُّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ أَحْمَدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الطَّيِّبِ يَقُولُ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبِي، وَعَقَدْتُ مَجْلِسَ الْفِقْهِ، عَاوَدُونِي فِي مَجْلِسِ الْكَلامِ، وَقَالُوا: هُوَ مِنْ مَجَالِسِ أَبِيكَ فَلا تَقْطَعْهُ، فَمَا زَالُوا بِي حَتَّى حَضَرْتُ مَجْلِسَ الْكَلامِ، فَخَبَّرَنِي مَسْأَلَةً ذَكَرَهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَأَنَا أَسْتَحْيِي اللَّهَ مِنْ ذِكْرِهَا قَالَ: فَقُمْتُ وَفَتَحْتُ وَرَفَعْتُ السِّتْرَ، فَلَمْ أَحْضُرْ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُمْ مَجْلِسًا
следующие страницы →