فأمَره الشرعُ بما يوجبُ أن يُنْزِل على قلبه الأسبابَ الهادية ويصرفَ عنه الأسبابَ المُعَوِّقة، وهو ذِكرُ الله تعالى، فإن الشيطان وسواسٌ خنَّاس، فإذا ذكر العبد ربَّه خَنَس، وإذا غفل عن ذكر الله وَسْوَس.
وذِكرُ الله يُعْطِي الإيمانَ، وهو أصلُ العلم (١) , والله سبحانه ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وهو معلِّمُ كلِّ علمٍ وواهبُه، فكما أن نفسَه أصلٌ لكلِّ شيءٍ موجودٍ فذكرُه والعلمُ به أصلٌ لكلِّ علمٍ وذكرٍ في القلب.
والقرآنُ يُعْطِي العلمَ المفصَّلَ, فيزيدُ الإيمان، كما قال جُنْدُبُ بن عبد الله البَجَليُّ وغيرُه من الصحابة: «تعلَّمنا الإيمانَ، ثم تعلَّمنا القرآنَ، فازددنا إيمانًا» (٢).
ولهذا كان أولُ ما أنزلَ الله على نبيِّه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ , فأمرَه أن
стр. 107
يقرأ باسم الله، فتضمَّن هذا الأمرَ بذكر الله وما نَزَلَ من الحق، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ ــ ٥] , فذكَر سبحانه أنه خلقَ الأعيانَ الموجودة عمومًا وخصوصًا وهو الإنسان، وأنه المعلِّمُ للعلم عمومًا وخصوصًا للإنسان، وذكَر التعليمَ بالقلم الذي هو آخرُ المراتب ليستَلزِمَ تعليمَ القول وتعليمَ العلم الذي في القلب.
وحقيقةُ الأمر أن العبد مفتقرٌ إلى ما يسأله من العلم والهدى طالبٌ سائل، فبذكرِ الله والافتقار إليه يهديه الله ويدلُّه، كما قال: «يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستَهْدُوني أَهْدِكم» (١) , وكما كان ﷺ يقول: «اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم» (٢).
ومما يوضح ذلك أن الطالبَ للعلم بالنظر والاستدلال والتفكُّر والتدبُّر لا يحصُل له ذلك إن لم ينظر في دليلٍ يفيدُه العلمَ بالمدلول عليه، ومتى كان العلمُ مستفادًا بالنظر فلا بدَّ أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما لا يحتاجُ حصولُه إلى نظر، فيكونُ ذلك المعلومُ أصلًا وسببًا للتفكُّر الذي يطلبُ به معلومًا آخر.
стр. 108
ولهذا كان الذكرُ متعلقًا بالله؛ لأنه سبحانه الحقُّ المعلوم، وكان التفكُّر في مخلوقاته, كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقد جاء الأثر: «تفكَّروا في المخلوق ولا تفكَّروا في الخالق» (١)؛ لأن التفكيرَ والتقديرَ يكونُ في الأمثال المضروبة والمقاييس، وذلك يكونُ في الأمور المتشابهة وهي المخلوقات، وأما الخالق ــ ﷻ ــ فليس له شبيهٌ ولا نظير، فالتفكُّر الذي مبناه على القياس ممتنعٌ في حقِّه، وإنما هو معلومٌ بالفطرة، فيَذْكُره العبد.
وبالذكر وبما أخبر به عن نفسه يَحْصُل للعبد من العلم به أمورٌ عظيمة لا تُنال بمجرَّد التفكير والتقدير، أعني من العلم به نفسِه، فإنه الذي لا تفكير فيه، فأما العلمُ بمعاني ما أخبَر به ونحو ذلك فيدخلُ فيها التفكير والتقدير، كما جاء به الكتاب والسُّنة.
стр. 109
ولهذا كان كثيرٌ من أرباب العبادة والتصوُّف يأمرون بملازمة الذكر، ويجعلون ذلك هو بابَ الوصول إلى الحق. وهذا حسنٌ إذا ضمُّوا إليه تدبُّر القرآن والسُّنة واتِّباع ذلك.
وكثيرٌ من أرباب النظر والكلام يأمرون بالتفكُّر والنظر، ويجعلون ذلك هو الطريقَ إلى معرفة الحق. والنظرُ صحيحٌ إذا كان في حقٍّ ودليلٍ, كما تقدَّم.
فكلٌّ من الطريقين فيها حقٌّ، لكن تحتاجُ إلى الحقِّ الذي في الأخرى، ويجبُ تنزيهُ كلٍّ منهما عمَّا دخل فيهما من الباطل، وذلك كلُّه باتباع ما جاءت به المرسلون، وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع، وبيَّنا طريقَ أهل العبادة والرياضة والذِّكر وطريقَ أهل الكلام والنظر والاستدلال، وما في كلٍّ منهما من مقبولٍ ومردود، وبيَّنا ما جاءت به الرسالةُ من الطريق الكاملة الجامعة لكلِّ حقٍّ, وليس هذا موضعُ بسط ذلك (١).
وإنما المقصودُ هنا أن الإنسان يُحِسُّ (٢) بأنه عالِمٌ ويجدُ ذلك ويعرفُه بغير واسطةِ أحدٍ كما يُحِسُّ بغير ذلك، وحصولُ العلم في القلب كحصول الطعام في الجسم، فالجسم يحسُّ بالطعام والشراب وكذلك القلوب تُحِسُّ بما ينزلُ إليها من العلوم التي هي طعامُها وشرابها، كما قال النبيُّ ﷺ : «إن
стр. 110
كلَّ آدِبٍ يحبُّ أن تؤتى مأدبتُه، وإن مأدُبةَ الله هي القرآن» (١)،
وكما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧].
وفي «الصحيحين» (٢) عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمَثَل غيثٍ أصابَ أرضًا، وكانت منها طائفةٌ قَبِلَت الماءَ فأنبتَت الكلأَ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها طائفةٌ أمسَكَت الماءَ فسقى الناسُ وزَرَعُوا، وكانت منها طائفةٌ إنما هي قِيعَانٌ لا تُمْسِك ماءً ولا تُنْبِت كَلَأً، فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في دين الله ونفَعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم, ومَثَلُ من لم يَرْفَع بذلك رأسًا ولم يَقْبَل هدى الله الذي أُرْسِلْتُ به».
فضَرَبَ مَثَلَ الهدى والعلم الذي ينزلُ على القلوب بالماء الذي ينزلُ على الأرض، وكما أن لله ملائكةً موكَّلةً بالسَّحاب والمطر فله ملائكةٌ موكَّلةٌ بالهدى والعلم، هذا رزقُ القلوب وقُوتُها، وهذا رزقُ الأجساد وقُوتُها.
стр. 111
قال الحسن البصري في قوله [تعالى]: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] قال: «إن مِن أعظم النفقةِ نفقةَ العلم» (١) أو نحو هذا الكلام.
وفي أثرٍ آخر: «نِعمَت العطيةُ ونِعمَت الهديةُ الكلمةُ من الخير يَسْمَعُها الرجلُ فيُهدِيها إلى أخٍ له مسلم» (٢).
وفي أثرٍ آخر عن أبي الدرداء: «ما تصدَّق عبد بصدقةٍ أفضلَ من موعظةٍ يَعِظُ بها إخوانًا له مؤمنين، فيتفرَّقون وقد نفعهم الله بها» (٣) أو ما يشبه هذا الكلام.
وعن كعب بن عُجْرة قال: «ألا أُهْدِي لك هديَّة؟» فذَكَر الصلاةَ على النبي ﷺ (٤).
стр. 112
وروى ابنُ ماجه في سننه (١)
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أفضلُ الصَّدقة أن يتعلَّم الرجلُ علمًا ثم يعلِّمَه أخاه المسلم».
وقال معاذ بن جبل: «عليكم بالعلم، فإن طلبَه عبادة، وتعلُّمَه لله خشية (٢)، وبَذْلَه لأهله قُربة، وتعليمَه لمن لا يَعْلَمُه صدقة، والبحثَ عنه جهاد، ومُذاكرتَه تسبيح».
ولهذا كان معلِّمُ الخير يستغفرُ له كلُّ شيءٍ حتى الحِيتانُ في البحر، والله وملائكتُه يصلُّون على معلِّم الناس الخيرَ؛ لما في ذلك من عموم النفع لكلِّ شيء.
وعكسُه كاتمو العلم، فإنهم يلعنُهم الله ويلعنُهم اللاعنون، قال طائفةٌ من السَّلف: «إذا كَتَم الناسُ العلمَ, فعُمِلَ بالمعاصي, احتَبَس القَطْرُ، فتقولُ البهائم: اللهمَّ [العَن] عصاةَ بني آدم, فإنَّا مُنِعْنا القَطْرَ بسبب ذنوبهم» (٣).
стр. 113
وإذا كان علمُ الإنسان بكونه عالمًا مرجعُه إلى وجوده ذلك وإحساسه في نفسه بذلك, وهذا أمرٌ موجودٌ بالضرورة= لم يكن لهم (١) أن يخبروا عما في نفوس الناس بأنه ليس بعلمٍ بغير حجَّة، فإن عدمَ وجودهم مِن نفوسهم ذلك لا يقتضي أن الناسَ لم يجدوا ذلك، لا سيَّما إذا كان المُخْبِرون عن اليقين الذي في أنفسهم ممَّن لا يشكُّون في علمه وصدقه ومعرفته بما يقول.
وهذا حالُ أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجَّة، فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين والطُّمأنينة والعلم الضروريِّ، كما في الحكاية المحفوظة عن نجم الدين الكُبْرى (٢) لما دخل عليه متكلِّمان، أحدهما أبو عبد الله الرازي (٣)، والآخر من متكلِّمي المعتزلة، وقالا: يا شيخ، بَلَغَنا أنك تَعْلَمُ علمَ اليقين, فقال: نعم أنا أعلمُ علمَ اليقين، فقالا: كيف يُمْكِنُ ذلك
стр. 114
ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظرُ فلم يَقْدِرْ أحدُنا أن يقيم على الآخر دليلًا؟ ــ وأظنُّ الحكاية في تثبيت الإسلام (١) ــ , فقال: ما أدري ما تقولان, ولكن أنا أعلمُ علمَ اليقين، فقالا: صِفْ لنا علمَ اليقين، فقال: علمُ اليقين عندنا وارداتٌ تَرِدُ على النفوس تعجزُ النفوسُ عن ردِّها، فجَعَلا يقولان: وارداتٌ تَرِدُ على النفوس تعجزُ النفوسُ عن ردِّها! ويستحسنان هذا الجواب (٢).
وذلك لأن طريقَ أهل الكلام تقسيمُ العلوم إلى ضروريٍّ وكَسْبِيٍّ، أو بديهيٍّ ونظريٍّ.
فالنظريُّ الكسبيُّ لا بدَّ أن يُرَدَّ إلى مقدماتٍ ضروريةٍ أو بديهية, فتلك لا تحتاجُ إلى دليل، وإلا لزم الدَّورُ أو التسلسل. والعلمُ الضروريُّ هو الذي يَلْزَمُ نفسَ المخلوق لزومًا لا يمكنُه الانفكاكُ عنه، فالمرجعُ في كونه ضروريًّا إلى أنه يَعْجَزُ عن دفعه عن نفسه.
فأخبر الشيخُ أن علومَهم ضرورية، وأنها تَرِدُ على النفوس على وجهٍ تَعْجَزُ عن دفعه، فقالا له: ما الطريقُ إلى ذلك؟ فقال: تتركان ما أنتما فيه، وتَسْلُكان ما آمركما به من الذكر والعبادة، فقال الرازي: أنا مشغولٌ عن هذا،
стр. 115
وقال المعتزلي: أنا قد احتَرق قلبي بالشُّبهات وأُحِبُّ هذه الواردات، فلزم الشيخَ مدةً ثم خرج من محلِّ عبادته وهو يقول: والله يا سيدي ما الحقُّ إلا فيما تقوله هؤلاء المشبِّهة! يعني المثبتين للصفات؛ فإن المعتزلة يسمُّون الصِّفاتية مشبِّهةً. وذلك أنه عَلِمَ علمًا ضروريًّا لا يمكنه دفعُه عن قلبه أنَّ صانعَ العالَم لا بدَّ أن يتميَّز عن العالَم ويكون بائنًا منه له صفاتٌ تختصُّ به، وأن هذا الربَّ الذي تصفُه الجهميةُ إنما هو عدمٌ محض.
وهذا موضعُ الحكاية المشهورة (١) عن الشَّيخ العارف أبي جعفر الهمَذاني (٢) لأبي المعالي الجويني لما أخذ يقولُ على المنبر: كان الله ولا عرش، فقال: يا أستاذ، دَعْنا مِن ذكر العرش ــ يعني: لأن ذلك إنما جاء في السَّمع ــ, أخبِرنا عن هذه الضرورة التي نجدُها في قلوبنا، فإنه ما قال عارفٌ قطُّ: «يا الله» إلا وجدَ من قلبه ضرورةً تطلبُ العلوَّ لا تلتفتُ يمنةً ولا يَسْرة، فكيف ندفعُ هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطَمَ أبو المعالي على رأسه، وقال: حيَّرني الهمذاني! حيَّرني الهمذاني! ونَزَل.
стр. 116
وذلك لأن نفسَ استوائه على العرش بعد أن خلقَ السموات والأرض في ستة أيامٍ عُلِمَ بالسَّمع الذي جاءت به الرسلُ كما أخبَر به في القرآن والتوراة، وأما كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرة الضرورية التي يشتركُ فيها بنو آدم، وكلُّ من كان بالله أعرف, وله أعبَد، ودعاؤه له أكثر، وقلبُه له أذكَر (١) = كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكمل، فالفطرةُ مكمَّلةٌ بالشِّرْعَة (٢) المنزَّلة؛ إذ الفطرة تَعْلَمُ الأمرَ مجملًا والشِّرعة تفصِّلُه وتبيِّنه وتتمِّمه بما لا تستقلُّ الفطرةُ به, فهذا هذا. والله أعلم.
والحاصلُ أن كلَّ من استحكَم في بدعته يرى أن يطرُد قياسَه؛ لما فيه من التسوية بين المتماثلَيْن عنده، وإن استلزَم ذلك كثرةَ مخالفة النصوص. وهذا موجودٌ في المسائل العلمية الخَبرية والمسائل العملية الإرادية، تجدُ المتكلمَ قد يَطْرُدُ قياسَه طردًا مستمرًّا، فيكونُ ظاهرَ الأمر أجودَ ممَّن نقَضَه، وتجدُ المُسْتَنَّ الذي شَرِكَه في ذلك القياس قد يقولُ ما يناقِضُ ذلك القياس في مواضع، مع استشعار التناقض تارةً, وبدون استشعاره وهو الأغلب، وربما يَخِيلُ بفروقٍ ضعيفة، فهو في نقض علَّته والتفريق بين المتماثلَيْن فيما يظهر أنه دون الأول في العلم والخبرة وطَرْدِ القول، وليس كذلك، بل هو خيرٌ من الأول؛ فإن ذلك القياس الذي اشتركا فيه كان فاسدًا في أصله لمخالفة النصِّ والقياس الصحيح، فالذي طَرَده أكثرُ فسادًا وتناقضًا من هذا
стр. 117
الذي نقَضَه.
وهذا شأنُ كلِّ من وافق غيرَه على قياسٍ ليس هو في نفس الأمر بحقٍّ، وكان لأحدهما (١) من النصوص في مواضع ما يخالفُ ذلك القياس، وهذا يسمِّيه الفقهاءُ في مواضعَ كثيرة: الاستحسان (٢)، فتجدُ القائلين بالاستحسان الذي تركوا فيه القياسَ لنصٍّ خيرًا من الذين طَرَدُوا القياسَ وتركوا النصَّ.
ولهذا يروى عن أبي حنيفة أنه قال: «لا تأخذوا بمقاييس زُفَر، فإنكم إن أخذتم بمقاييسه حرَّمتم الحلالَ وحلَّلتم الحرام» (٣) , فإن زُفَر كان كثيرَ الطَّرد لما يظنُّه من القياس مع قلَّة علمه بالنصوص (٤).
стр. 118
وكان أبو يوسف نظرُه (١) بالعكس، كان أعلمَ بالحديث منه.
ولهذا توجدُ المسائلُ التي خالفَ فيها زُفَرُ أصحابَه عامَّتُها قياسيَّة (٢)، ولا يكونُ إلا قياسًا ضعيفًا عند التأمُّل، وتوجدُ المسائلُ التي يخالفُ فيها أبو يوسف أبا حنيفة واتَّبعه محمدٌ (٣) عليها عامَّتُها اتبع فيها النصوصَ والأقيسةَ الصحيحة؛ لأن أبا يوسف رَحَل بعد موت أبي حنيفة إلى الحجاز، واستفاد من عِلْم السُّنن التي كانت عندهم ما لم تكن مشهورةً بالكوفة، وكان يقول: «لو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجعَ كما رجعتُ» (٤)؛ لعلمه بأن صاحبَه ما كان يقصدُ إلا اتباعَ الشريعة، لكن قد يكونُ عند غيره من عِلْم السُّنن ما لم يَبْلُغْه.
وهذا أيضًا حالُ كثيرٍ من الفقهاء بعضهم مع بعضٍ فيما وافقوه عليه من قياسٍ لم تثبت صحتُه بالأدلة المعتمدة، فإن الموافقة فيه تُوجِبُ طردَه، ثم
стр. 119
أهل النصوص قد ينقضونه، والذين لا يعلمون النصوصَ يَطْرُدونه.
وكذلك هذه حالُ أكثر متكلِّمة أهل الإثبات مع متكلِّمة النفاة في مسائل الصِّفات والقَدَر وغير ذلك، قد يوافقونهم على قياسٍ فيه نفيٌ، ثم يَطْرُده أولئك فينفُون به ما أثبتته النصوص، والمُثْبِتةُ لا تفعل ذلك، بل لا بدَّ من القول بموجَب النصوص، فربما قالوا ببعض معناها وربما فرَّقوا بفرقٍ ضعيف, وأصلُ ذلك موافقةُ أولئك على القياس الضعيف، وذلك في مثل مسائل الجسم والجوهر وغير ذلك (١).
وهكذا تجدُ هذا حالَ من أعان ظالمًا في الأفعال، فإن الأفعالَ لا تقعُ إلا عن إرادة، فالظالم يَطْرُد إرادتَه فيصيبُ من أعانه، أو يصيبُ ظلمًا لا يختارُه هذا، فيريدُ المُعِينُ أن ينقُض الطَّردَ ويخُصَّ علَّته, ولهذا يقال: من أعان ظالمًا بُلِيَ به (٢).
وهذا عامٌّ في جميع الظَّلمة من أهل الأقوال والأعمال وأهل البدع
стр. 120
والفُجور. وكلُّ من خالف الكتاب والسُّنن من خبرٍ أو أمرٍ أو عملٍ فهو ظالم, فإن الله أرسل رسلَه ليقوم الناسُ بالقِسْط، ومحمدٌ ﷺ أفضلهم، وقد بيَّن الله له من القِسْط ما لم يبيِّنه لغيره، وأقدَره منه على ما لم يُقْدِرْ عليه غيرَه، فصار يفعلُ ويأمرُ بما لا يأمرُ به غيرُه ويفعلُه.
وذلك أن بني آدم في كثيرٍ من المواضع قد لا يعلمون حقيقةَ القِسْط ولا يَقْدِرُون على فعله، بل ما كان إليه أقربَ وبه أشبهَ كان أمثَل, وهي الطريقةُ المثلى، وقد بسطنا هذا في مواضع (١).
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩] , ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال ﷺ : «إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم» (٢).
والمقصود أن ما عند عوامِّ المؤمنين وعلمائهم أهل السُّنة والجماعة من المعرفة, واليقين, والطمأنينة، والجَزْم الحقِّ, والقول الثابت، والقطع بما هم عليه= أمرٌ لا ينازِعُ فيه إلا من سلبه الله العقلَ والدين.
وهَبْ أن المخالفَ لا يُسَلِّمُ ذلك، فلا ريبَ أنهم يُخْبِرُون عن أنفسهم بذلك، ويقولون: إنهم يَجِدُون ذلك، وهو وطائفتُه يُخْبِرُون بضدِّ ذلك ولا يَجِدُون عندهم إلا الرَّيب.
стр. 121
فأيُّ الطائفتين أحقُّ بأن يكون كلامها [موصوفًا] (١) بالحشو، أو يكونون أولى بالجهل والضلال والإفك والمُحال؟!
وكلام المشايخ والأئمة من أهل السُّنة والفقه والمعرفة في هذا الباب أعظمُ من أن نطيل به الخطاب.
الوجه الثاني (٢): أنك تجدُ أهلَ الكلام أكثرَ الناس انتقالًا من قولٍ إلى قول، وجزمًا بالقول في موضعٍ وجزمًا بنقيضه وتكفير قائله في موضعٍ آخر، وهذا دليلُ عدم اليقين؛ فإن الإيمانَ كما قال فيه قيصرُ لما سأل أبا سفيان عمَّن أسلم مع النبي ﷺ : «هل يرجعُ أحدٌ منهم عن دينه سَخْطةً له بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا. قال: وكذلك الإيمانُ إذا خالط بشاشتُه القلوبَ لا يَسْخَطُه أحد» (٣).
ولهذا قال بعض السَّلف ــ عمرُ بن عبد العزيز أو غيرُه ــ: «من جعَل دينَه غَرَضًا للخصومات أكثَر التنقُّل» (٤).
وأما أهل السُّنة والحديث فما يُعْلَمُ أحدٌ من علمائهم ولا صالح عامَّتهم
стр. 122
رجعَ قطُّ عن قوله واعتقاده، بل هم أعظمُ الناس صبرًا على ذلك، وإن امتُحِنوا بأنواع المِحَن وفُتِنوا بأنواع الفتن.
وهذه حالُ الأنبياء وأتباعِهم من المتقدِّمين (١) كأهل الأخدود ونحوهم، وكسَلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة.
حتى كان مالك ﵀ يقول: «لا تَغْبِطُوا أحدًا لم يُصِبْه في هذا الأمر بلاء» (٢) , يقول: إن الله لا بدَّ أن يبتلي المؤمن، فإن صبَر رفع درجتَه (٣)، كما قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ ــ ٣]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر].
ومَن صبَر من أهل الأهواء على قوله فذاك لما فيه من الحقِّ؛ إذ لا بدَّ في
стр. 123
كلِّ بدعةٍ عليها طائفةٌ كبيرةٌ من الناس أن يكون فيها من الحقِّ الذي جاء به الرسولُ ﷺ ويوافقُ عليه أهلُ السُّنة والحديث ما يوجبُ قبولها؛ إذ الباطلُ المحضُ لا يُقْبَل بحال.
وبالجملة, فالثباتُ والاستقرارُ في أهل الحديث والسُّنة أضعافُ أضعافِ أضعافِ ما هو عند أهل الكلام والفلسفة، بل المتفلسِفُ أعظمُ اضطرابًا وحيرةً في أمره من المتكلِّم؛ لأن عند المتكلِّم من الحقِّ الذي تلقَّاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسِف، ولهذا تجدُ مثل أبي الحسين البصري (١) وأمثاله أثبتَ من مثل ابن سينا وأمثاله.
وأيضًا تجدُ أهلَ الفلسفة والكلام أعظمَ الناس افتراقًا واختلافًا، مع دعوى كلٍّ منهم أن الذي يقوله حقٌّ مقطوعٌ به قام عليه البرهان.
وأهل السُّنة والحديث أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا، وكلُّ من كان من الطوائف إليهم أقربَ كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب.
فالمعتزلة أكثرُ اتفاقًا وائتلافًا من المتفلسفة؛ إذ للفلاسفة في الإلهيات والمعاد والنبوَّات ــ بل وفي الطبيعيات والرياضيات وصفات الأفلاك ــ من الأقوال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال, وقد ذَكَر من جَمَع مقالاتِ الأوائل مثل أبي الحسن الأشعري في كتاب «المقالات» (٢) ومثل القاضي أبي بكر في
стр. 124
كتاب «الدقائق» (١) من مقالاتهم بقدر ما يذكرُه الفارابيُّ وابنُ سينا وأمثالهما أضعافًا مضاعفة.
وأهل الإثبات من المتكلِّمين ــ مثل الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية ــ أكثر اتفاقًا وائتلافًا من المعتزلة، فإن في المعتزلة من الاختلاف وتكفير بعضهم بعضًا ــ حتى يكفِّر التلميذُ أستاذَه ــ من جنس ما بين الخوارج، وقد ذكر من صنَّف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطولُ وصفُه (٢).
ولستَ تجدُ اتفاقًا وائتلافًا إلا بسبب أثارَة (٣) الأنبياء من القرآن
стр. 125
والحديث وما يتبعُ ذلك، ولا تجد افتراقًا واختلافًا إلا عند من ترك ذلك وقدَّم غيرَه عليه.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] , فأخبَر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهلُ الرحمة هم أتباعُ الأنبياء قولًا وفعلًا، وهم أهلُ القرآن والحديث من هذه الأمة، فمن خالفهم في شيءٍ فاته من الرحمة بقَدْر ذلك.
ولهذا لما كانت الفلاسفةُ أبعدَ عن اتِّباع الأنبياء كانوا أعظمَ اختلافًا، والخوارجُ والمعتزلةُ والروافضُ لما كانوا أيضًا أبعدَ عن السُّنة والحديث كانوا أعظم افتراقًا في هذه، لاسيَّما الرافضة، فإنه يقال: إنهم أعظمُ الطوائف اختلافًا (١) , وذلك لأنهم أبعدُ الطوائف عن السُّنة والجماعة، بخلاف المعتزلة فإنهم أقربُ إلى ذلك منهم، وكذلك الخوارجُ أقرب إلى ذلك منهم.
وأبو محمد بن قتيبة في أول كتاب «مختلف الحديث» (٢) لمَّا ذَكَر أهلَ الحديث وأئمَّتهم وأهلَ الكلام وأئمَّتهم قفَّى بذِكْر أئمَّة هؤلاء ووَصَفَ أقوالهم وأعمالهم ووَصَفَ أئمَّة هؤلاء وأقوالهم وأفعالهم, بما يبيِّن لكلِّ أحدٍ أن أهلَ الحديث هم أهلُ الحقِّ والهدى، وأن غيرهم أولى بالضلال والجهل والحَشْو والباطل.
стр. 126
وأيضًا, فالمخالفون لأهل الحديث هم مَظِنَّةُ فسادِ الأعمال، إما عن سوء عقيدةٍ ونفاق، وإما عن مرضٍ في القلب وضعفِ إيمان, ففيهم مِن تَرْكِ الواجبات واعتداء الحدود والاستخفاف بالحقوق وقسوة القلب ما هو ظاهرٌ لكلِّ أحد، وعامةُ شيوخهم يُرْمَون بالعظائم (١)، وإن كان فيهم من هو معروفٌ بزهدٍ وعبادةٍ ففي زهدِ بعض العامة من أهل السُّنة وعبادته ما هو أرجحُ مما هو فيه.
ومن المعلوم أن العلمَ أصلُ العمل، وصحةُ الأصول تُوجِبُ صحةَ الفروع، والرجلُ لا يَصْدُر عنه فسادُ العمل إلا لشيئين: إما لحاجةٍ وإما لجهل، فأما العالِمُ بقُبح الشيء الغنيُّ عنه فلا يفعلُه، اللهم إلا من غَلَبَ عقلَه هواه واستولت عليه المعاصي، فذاك لونٌ آخرُ وضربٌ ثانٍ.
وأيضًا, فإنه لا يُعْرَفُ من أهل الكلام أحدٌ إلا وله في الإسلام مقالةٌ يكفِّرُ قائلَها عمومُ المسلمين حتى أصحابُه، وفي التعميم ما يُغْنِي عن التعيين، فأيُّ فريقٍ أحقُّ بالحَشْو والضلال من هؤلاء؟!
وذلك يقتضي وجودَ الرِّدَّة فيهم، كما يوجدُ النفاقُ فيهم كثيرًا.
وهذا إذا كان في المقالات الخفيَّة فقد يقال: إنه فيها مخطئٌ ضالٌّ لم تَقُم عليه الحجةُ التي يَكْفُر صاحبُها (٢)، لكنَّ ذلك يقعُ في طوائفَ منهم في
стр. 127
الأمور الظاهرة التي يعلمُ العامَّة والخاصَّة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهودُ والنصارى يعلمون أن محمدًا ﷺ بُعِثَ بها وكفَّر مخالفَها، مثلُ أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحدٍ سوى الله من الملائكة والنبيِّين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهرُ شعائر الإسلام، ومثلُ أمره بالصلوات الخمس وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثلُ معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثلُ تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك.
ثم تجدُ كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور (١) , فكانوا مرتدِّين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام، كرؤوس العشائر مثل الأقرع بن حابِس وعُيينة بن حِصْن ونحوهم ممن ارتدَّ عن الإسلام ثم دخَل فيه, ففيهم من كان يتَّهمُ بالنفاق ومرض القلب، وفيهم من لم يكن كذلك.
أو يقال: هُم لما فيهم من العلم يُشَبَّهون بعبد الله بن أبي سَرْحٍ الذي كان كاتبَ الوحي، فارتدَّ ولحق بالمشركين، فأهدرَ النبيُّ ﷺ دمَه عام الفتح، ثم أتى به عثمانُ إليه فبايعَه على الإسلام (٢).
стр. 128
فمن صنَّف في مذهب المشركين ونحوهم أحسنُ أحواله أن يكون أسْلَم (١).
فكثيرٌ من رؤوس هؤلاء هكذا تجدُه تارةً يرتدُّ عن الإسلام ردَّةً صريحة، وتارةً يعودُ إليه مع مرضٍ في قلبه ونفاق، وقد يكونُ له حالٌ ثالثةٌ يَغْلِبُ الإيمانُ فيها النفاقَ، لكن قلَّ أن يَسْلَمُوا مِن نوع نفاق، والحكاياتُ عنهم بذلك مشهورة, وقد ذكر ابنُ قتيبة من ذلك طرفًا في أول «مختلف الحديث» (٢)، فقد حُكِيَ عن الجهم بن صفوان أنه ترك الصلاة أربعين يومًا لا يرى وجوبها (٣)، وحكى أهلُ المقالات بعضُهم عن بعضٍ من ذلك طرفًا، كما يذكرُه أبو عيسى الورَّاق (٤) , والنَّوْبَخْتي (٥) , وأبو الحسن الأشعري,
стр. 129
والقاضي أبو بكر بن الباقلاني, وأبو عبد الله الشَّهْرَستاني, وغيرُهم ممَّن يذكُر مقالاتِ أهل الكلام.
وأبلغُ من ذلك أن منهم من يصنِّفُ في دين المشركين والردَّة عن الإسلام، كما صنَّف الرازيُّ كتابه في عبادة الكواكب والأصنام (١)، وأقام الأدلة على حُسْن ذلك ومنفعته, ورغَّب فيه، وهذه ردَّةٌ عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكونُ عاد إلى الإسلام.
ومن العجب أن أهلَ الكلام يزعمون أن أهلَ الحديث والسُّنة أهلُ
стр. 130
تقليدٍ ليسوا أهلَ نظرٍ واستدلال، وأنهم ينكرون حجَّة العقل، وربما حَكَوا إنكار النظر (١) عن بعض أئمة السُّنة، وهذا مما ينكرونه عليهم.
فيقال لهم: ليس هذا بحقٍّ، فإن أهل السُّنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصلٌ متفقٌ عليه بينهم, والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكُّر والتدبُّر في غير آية، ولا يُعْرَفُ عن أحدٍ من سلف الأمة ولا أئمة السُّنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلُّهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعةُ من النظر والتفكُّر والاعتبار والتدبُّر وغير ذلك، ولكن وقعَ اشتراكٌ في لفظ «النظر والاستدلال» ولفظ «الكلام» (٢) , فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطلِ نظرِهم وكلامهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزِمٌ لإنكار جنس النظر والاستدلال!
وهذا كما أن كلَّ طائفةٍ من أهل الكلام يسمِّي ما وضعَه «أصول الدين»، وهذا اسمٌ عظيم، والمسمَّى فيه من فساد الدين ما الله به عليم (٣)، فإذا أنكر أهلُ الحقِّ والسُّنة ذلك قال المُبْطِل: قد أنكروا أصولَ الدين! وهم لم يُنكِروا ما يستحقُّ أن يسمَّى «أصول الدين»، وإنما أنكروا ما سمَّاه هذا «أصول الدين»، وهي أسماءٌ سمَّوْها هم وآباؤهم (٤) ما أنزل الله بها من
стр. 131
سلطان.
فالدينُ ما شرَعه الله ورسوله، وقد بيَّن أصولَه وفروعَه، ومن المحال أن يكون الرسولُ قد بيَّن فروعَ الدين دون أصوله، كما قد بينَّا هذا في غير هذا الموضع (١).
فهكذا لفظ «النظر، والاعتبار، والاستدلال».
وعامَّةُ هذه الضلالات إنما تَطْرُقُ من لم يعتصم بالكتاب والسُّنة، كما كان الزُّهريُّ يقول: «كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسُّنة هو النجاة» (٢)، وقال مالك: «السُّنة سفينةُ نوح، من رَكِبَها نجا، ومن تخلَّف عنها غَرِق» (٣).
وذلك أن السُّنة والشريعة والمنهاج هو الصراطُ المستقيمُ الذي يُوصِلُ العبادَ إلى الله, والرسول هو الدليلُ الهادي الخِرِّيتُ (٤) في هذا الصراط، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
стр. 132
مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقال عبد الله بن مسعود: «خَطَّ رسولُ الله ﷺ خطًّا، وخَطَّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيلُ الله، وهذه سُبُلٌ على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه» , ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).
وإذا تأمَّل العاقلُ الذي يرجو لقاء الله هذا المثال، وتأمَّل سائرَ الطوائف من الخوارج، ثم المعتزلة، ثم الجهمية والرافضة، ومَن أقربُ منهم إلى السُّنة من أهل الكلام، مثل الكرَّامية والكُلَّابية والأشعريَّة وغيرهم، وأن كلًّا منهم له سبيلٌ يَخْرُجُ عمَّا عليه الصحابةُ وأهلُ الحديث، ويدَّعي أن سبيله هو الصوابُ= وجدتَ أنهم المرادُ بهذا المثال الذي ضربه المعصومُ الذي لا يتكلَّم عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى (٢).
والعجبُ أن مِن هؤلاء من يصرِّحُ بأن عقلَه إذا عارضه الحديثُ ــ لا سيَّما في أخبار الصفات ــ حَمَل الحديثَ على عقله, وصرَّح بتقديمه على الحديث، وجعله ميزانًا للحديث!
стр. 133
فليت شعري هل عقلُه هذا كان مصرَّحا بتقديمه في الشريعة المحمَّدية، فيكون من السبيل المأمور باتباعه، أم هو عقلُ مبتدعٍ جاهلٍ ضالٍّ حائرٍ (١) خارجٍ عن السبيل؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وهؤلاء الاتحاديةُ وأمثالهم إنما أُتوا من قلَّة العلم والإيمان بصفات الله التي يتميَّز بها عن المخلوقات، وقلة اتباع السُّنة وطريقة السَّلف في ذلك، بل قد يعتقدون من التجهُّم ما ينافي السُّنة، تلقِّيًا لذلك عن متفلسفٍ أو متكلِّم، فيكونُ ذلك الاعتقادُ صادًّا لهم عن سبيل الله، كلما أرادت قلوبُهم أن تتقرَّب إلى ربها وتسلكَ الصراط المستقيم إليه وتعبدَه كما فُطِروا عليه وكما بلَّغَتْهم الرسلُ من علوِّه وعظمته= صَرَفَتْهم تلك العوائقُ المُضِلَّةُ عن ذلك.
حتى تجد خلقًا من مقلِّدة الجهمية يوافقُهم بلسانه، وأما قلبُه فعلى الفطرة والسُّنة، وأكثرُهم لا يفهمون النفيَ الذي يقولونه بألسنتهم، بل يجعلونه تنزيهًا مطلقًا مجملًا.
ومنهم من لا يفهمُ قول الجهمية، بل يفهمُ من النفي معنًى صحيحًا، ويعتقدُ أن المُثْبِتَ يثبتُ نقيض ذلك، ويسمعُ من بعض الناس ذِكْرَ ذلك.
مثل أن يفهمَ من قولهم: ليس بجهة، ولا له مكان، ولا هو في السماء, أنه ليس في جوف السموات. وهذا معنًى صحيح، وإيمانُه بذلك حقٌّ، ولكنْ يظنُّ أن الذين قالوا هذا النفيَ اقتصروا على ذلك، وليس كذلك، بل مرادُهم أنه ما فوق العرش شيءٌ أصلًا، ولا فوق السموات إلا عدمٌ محض، ليس
стр. 134
هناك إلهٌ يُعْبَد، ولا ربٌّ يُدْعى ويُسْأل، ولا خالقٌ خلقَ الخلائق, ولا عُرِجَ بالنبيِّ إلى ربِّه أصلًا. هذا مقصودهم (١).
وهذا هو الذي أوقع الاتحادية في قولهم: هو نفس الموجودات (٢)، إذ لم تجد قلوبهم موجودًا إلا هذه الموجودات إذا لم يكن فوقها شيءٌ آخر، وهذا من المعارف الفطرية الشُّهودية الوجودية أنه ليس إلا هذا الوجودُ المخلوقُ أو وجودٌ آخر مباينٌ له متميِّزٌ عنه، لا سيَّما إذا علموا أن الأفلاك مستديرةٌ وأن الأعلى هو المحيط, فإنهم يعلمون أنه ليس إلا هذا الوجودُ المخلوق أو موجودٌ فوقه، فإذا اعتقدوا مع ذلك أنه ليس هناك وجودٌ آخر ولا فوق العالم شيءٌ، لزم أن يقولوا: هو هذا الوجودُ المخلوق، كما قال الاتحادية.
وهذه بعينها حجةُ الاتحادية.
وهذا بعينه مَشْرَبُ قُدَماء الجهمية وحُدَثائهم (٣) , كما يقولون: هو في كلِّ مكان، وليس هو في مكان، ولا يختصُّ بشيء. يجمعون دائمًا بين القولين المتناقضين؛ لأنهم يريدون إثبات موجودٍ، وليس عندهم شيءٌ فوق العالم، فتعيَّن أن يكون هو العالمَ أو يكون فيه، ثم يريدون إثباتَ شيءٍ غير
стр. 135
المخلوق فيقولون: ليس في العالم كما ليس خارجًا عنه، أو يقولون: هو وجودُ المخلوقات دونَ أعيانها، أو يقولون: هو الوجود المطلق، فيتشابهون فيما ينفونه (١)، إذ كانت قلوبهم متشابهةً في النفي والتعطيل، وهو إنكارُ موجودٍ حقيقيٍّ مباينٍ للمخلوقات عالٍ عليها, وإنما يفترقون فيما يثبتونه.
ويُكْرِهُون فِطَرهم وعقولهم على قبول المحال المتناقض:
* فيقولون: هو في العالم وليس هو فيه، أو هو العالم وليس إيَّاه.
* أو يغلِّبون الإثبات, فيقولون: بل هو نفس الوجود.
* أو النفي, فيقولون: ليس في العالم ولا خارجًا عنه.
* أو يَدِينُون بالإثبات في حالٍ وبالنفي في حال، إذا غلبَ على أحدهم عقلُه غلَّب النفيَ وهو أنه ليس في العالم، وإذا غلبَ عليه الوَجْدُ والعبادةُ رجَّح الإثباتَ وهو أنه في هذا الوجود أو هو هو.
لا تجدُ جهميًّا إلا على أحد هذه الوجوه الأربعة، وإن تنوَّعوا فيما يثبتونه ــ كما ذكرته لك ــ فهم مشتركون في التعطيل (٢).
وقد رأيتُ منهم ومِن كتبهم وسمعتُ منهم وممَّن يخبرُ عنهم من ذلك ما شاء الله, وكلُّهم على هذه الأحوال ضالُّون عن معبودهم وإلههم وخالقهم، ثم رأيتُ كلام السَّلف والأئمة كلهم يصفونهم بمثل ذلك، فمنَّ الله علينا باتباع سبيل المؤمنين وآمنَّا بالله وبرسوله.
стр. 136
وكلُّ هؤلاء تجدُ نفسَه مضطربةً في هذا الاعتقاد؛ لتناقضه في نفسه, وإنما يُسَكِّنُ بعضَ اضطرابه نوعُ تقليدٍ لمعظَّم عنده، أو خوفُه من مخالفة أصحابه، أو زعمُه أن هذا مِن حُكم الوهم والخيال دون العقل.
وهذا التناقض في إثبات هذا الموجودِ الذي ليس بخارجٍ عن العالم ولا هو العالم, الذي تردُّه فِطَرهم وشُهودهم وعقولهم, غيرُ ما في الفطرة من الإقرار بصانعٍ فوق العالم، فإن هذا إقرارُ الفطرة بالحقِّ المعروف، وذاك إنكارُ الفطرة للباطل (١) المنكر.
ومن هذا الباب ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي في حكايته المعروفة أن الشيخ أبا جعفر الهمَذاني حضر مرَّةً والأستاذ أبو المعالي يذكُر على المنبر: «كان اللهُ ولا عَرْش» , ونفى الاستواء، على ما عُرِفَ من قوله, وإن كان في آخر عمره رجَعَ عن هذه العقيدة ومات على دين أمِّه وعجائز نيسابور.
قال: فقال الشيخ أبو جعفر: يا أستاذ، دعنا مِن ذِكْر العرش ــ يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمع ــ, أخبِرْنا عن هذه الضرورة التي نجدُها في قلوبنا, ما قال عارفٌ قطُّ: «يا الله» إلا وجدَ من قلبه معنًى يطلبُ العلوَّ لا يلتفتُ يمنةً ولا يَسْرَة، فكيف ندفعُ هذه الضرورة عن قلوبنا؟ ! فصَرخَ أبو المعالي, ووضع يده على رأسه، وقال: حيَّرني الهمذاني ــ أو كما قال ــ , ونَزَل (٢).
فهذا الشيخُ تكلَّم بلسان جميع بني آدم، فأخبرَ أن العرشَ والعلمَ
стр. 137
باستواء الله عليه إنما أُخِذَ من جهة الشرع وخبَرِ الكتاب والسُّنة, بخلاف الإقرار بعلوِّ الله على الخلق من غير تعيين عرشٍ ولا استواء، فإن هذا أمرٌ فطريٌّ ضروريٌّ نجدُه في قلوبنا نحن وجميعُ من يدعو الله تعالى, فكيف ندفعُ هذه الضرورة عن قلوبنا؟!
والجارية التي قال لها النبيُّ ﷺ : «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «أعتِقْها فإنها مؤمنة» (١) جاريةٌ أعجمية، أرأيتَ مَنْ فقَّهَها وأخبَرها بما ذكرته؟! وإنما أخبَرت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى [عليها]، وأقرَّها ﷺ على ذلك وشَهِدَ لها بالإيمان.
فليتأمَّل العاقلُ ذلك يَجِدْه هاديًا له على معرفة ربه (٢) والإقرار به كما ينبغي، لا ما أحدثه المتعمِّقون والمتشدِّقون ممَّن سوَّل لهم الشيطانُ وأملى لهم.
ومن أمثلة ذلك: أن الذين لبَسوا الكلامَ بالفلسفة (٣) من أكابر المتكلمين تجدُهم يعدُّون من الأسرار المَصُونة والعلوم المخزونة ما إذا تدبَّره من له أدنى عقلٍ ودينٍ وجدَ فيه من الجهل والضلال ما لم يكن يظنُّ أنه يقعُ فيه هؤلاء، حتى قد يكذِّبُ بصدور ذلك عنهم.
стр. 138
مثل تفسير حديث المعراج الذي لأبي عبد الله الرازي (١) الذي احتذى فيه حذو ابن سينا وعَيْن القضاة الهمَذاني (٢)، فإنه روى حديثَ المعراج بسياقٍ طويلٍ وأسماءٍ عجيبةٍ وترتيبٍ لا يوجدُ في شيءٍ من كتب المسلمين، لا في الأحاديث الصحيحة ولا الحسنة ولا الضعيفة المروية عند أهل العلم، وإنما وضعه بعض السُّؤَّال والطُّرُقيَّة أو بعض شياطين الوعَّاظ أو بعض الزنادقة.
ثم إنه مع الجهل بحديث المعراج الموجود في كتب الحديث والتفسير والسيرة (٣) , وعُدوله عمَّا يوجدُ في هذه الكتب إلى ما لم يُسْمَعْ من عالِمٍ ولا يوجدُ في أثارةٍ من علمٍ= فسَّره بتفسير الصَّابئة الضالَّة المنجِّمين، وجعَل مضمون معراج الرسول ترقِّيه بفِكْره إلى الأفلاك، وأن الأنبياء الذين رآهم هم الكواكب، فآدم هو القمر، وإدريس هو الشمس, والأنهار الأربعة هي العناصر الأربعة، وأنه عرف الوجود الواجب المطلق (٤).
ثم إنه يعظِّمُ ذلك ويجعلُه من الأسرار والمعارف التي يجبُ صونُها
стр. 139
وسترُها عن أفهام المؤمنين وعلمائهم (١) , حتى إن طائفةً ممن كانوا يعظِّمونه لمَّا رأوا ذلك تعجَّبوا منه غاية التعجُّب، وجعل بعض المتعصِّبين له يدفعُ ذلك حتى أرَوْه النسخة بخطِّ بعض المشايخ المعروفين الخبيرين بحاله, وقد كتبها في ضمن كتابه الذي سمَّاه «المطالب العالية» (٢) وجمع فيه عامَّة آراء الفلاسفة والمتكلمين.
وتجدُ أبا حامدٍ الغزالي ــ مع أن له من العلم بالفقه والتصوُّف والكلام والأصول وغير ذلك، مع الزُّهد والعبادة وحُسْن القصد، وتبحُّره في العلوم الإسلامية أكثر من أولئك ــ يذكرُ في كتاب «الأربعين» (٣) ونحوِه كتابَه «المضنونُ به على غير أهله» , فإذا طلبتَ ذلك الكتاب واعتبرتَ (٤) فيه أسرارَ الحقائق وغايةَ المطالب وجدتَه قولَ الصَّابئة المتفلسفة بعينِه قد غُيِّرَت عباراتُه وترتيبُه (٥) , ومن لم يَعْلَمْ حقائقَ مقالات العباد ومقالات أهل المِلَل يعتقدُ أن ذاك هو السِّرُّ الذي كان بين النبي ﷺ وأبي بكر (٦)، وأنه هو الذي
стр. 140
يطَّلعُ عليه المكاشَفون الذين أدركوا الحقائق بنورٍ إلهيٍّ!
فإن أبا حامدٍ كثيرًا ما يحيلُ في كتبه على ذلك النور الإلهيِّ (١) , وعلى ما يعتقدُ أنه يوجَدُ للصوفية والعُبَّاد برياضتهم وديانتهم من إدراك الحقائق وكَشْفِها لهم حتى يَزِنُوا بذلك ما ورد به الشرع.
وسببُ ذلك أنه كان قد عَلِمَ بذكائه وصِدْق طلبه ما في طريق المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب، وآتاه الله إيمانًا مجملًا كما أخبر به عن نفسه، وصار يتشوَّفُ إلى تفصيل الجملة، فيجدُ في كلام المشايخ والصُّوفية ما هو أقربُ إلى الحقِّ وأولى بالتحقيق من كلام الفلاسفة والمتكلمين, والأمرُ كما وَجَدَه، لكن لم يَبْلُغْه من الميراث (٢) الذي عند خاصَّة الأمة من العلوم والأحوال ما وصل إليه السابقون الأولون من العلم والعبادة حتى نالوا من المكاشَفات العِلمية والمعاملات العِبَادية ما لم ينله أولئك، فصار يعتقدُ أن تفصيلَ تلك الجملة يحصُل بمجرَّد تلك الطريق، حيث لم يكن عنده طريقٌ غيرها؛ لانسداد الطريقة الخاصَّة السُّنية النبوية بما كان عنده من قلَّة العلم بها ومن الشبهات التي تَقَلَّدها عن المتفلسفة والمتكلمين حتى حالوا بها بينه وبين تلك الطريقة.
ولهذا كان كثيرَ الذمِّ لهذه الحوائل ولطريقة العلم, وإنما ذاك لعِلْمه الذي سَلَكه والذي حُجِبَ به عن حقيقة المتابعة للرسالة, وليس هو بعلمٍ،
стр. 141
وإنما هو عقائدُ فلسفيةٌ وكلاميَّة، كما قال السَّلف: «العلمُ بالكلام هو الجهل» (١)، وكما قال أبو يوسف: «من طلب العلمَ بالكلام تزندق» (٢).
ولهذا صار طائفةٌ ممن يرى فضيلته وديانته يَدْفَعُون وجودَ هذه الكتب عنه، حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام (٣) فيما عُلِّق عنه (٤) يُنْكِرُ أن يكون «بداية الهداية» من تصنيفه, ويقول: إنما هو تقوُّلٌ عليه، مع أن هذه الكتب مقبولها أضعافُ مردودها، والمردودُ منها أمورٌ مجملة، وليس فيها عقائدُ ولا أصول الدين (٥).
стр. 142
وأما «المضنونُ به على غير أهله» فقد كان طائفةٌ أخرى من العلماء يكذِّبون به عنه (١)، وأما أهلُ الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كلَّه كلامُه؛ لعلمهم بموادِّ كلامه ومشابهة بعضه بعضًا (٢).
стр. 143
ولكن كان هو وأمثاله ــ كما قدمتُ ــ مضطربين لا يَثْبُتون على قولٍ ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوَّفون به إلى طريقةِ خاصَّةِ الخلق، ولم يقدَّر لهم سلوكُ طريقِ خاصَّةِ هذه الأمة الذين ورثوا عن الرسول ﷺ العلمَ والإيمان، وهم أهلُ حقائق الإيمان والقرآن ــ كما قدَّمناه ــ وأهلُ الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله ﷺ , وإتْباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك، كما جاءت به الرسالة.
ولهذا كان الشيخُ أبو عمرو بن الصلاح يقول ــ فيما رأيتُه بخطِّه ــ: «أبو حامدٍ كَثُر القولُ فيه ومنه، فأما هذه الكتب ــ يعني المخالِفةَ للحقِّ ــ فلا يُلْتَفَتُ إليها, وأما الرجلُ فيُسْكَتُ عنه ويُفَوَّض أمرُه إلى الله».
ومقصودُه أنه لا يُذْكَر بسوء؛ لأن عفوَ الله عن الناسي والمخطئ وتوبةَ المذنب تأتي على كلِّ ذنب، وذلك مِن أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره (١) وتكفيرَه الذنوب بالمصائب تأتي على مُحَقَّق الذنوب (٢)، فلا يُقْدِمُ الإنسانُ على انتفاء ذلك في حقِّ معيَّنٍ إلا ببصيرة، لا سيَّما مع كثرة الإحسان والعلم الصَّحيح والعمل الصَّالح والقصد الحسن.
وهو يميلُ إلى الفلسفة، لكنه أظهرَها في قالب التصوُّف والعبارات
стр. 144
الإسلامية (١) , ولهذا فقد ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن العربي، فإنه قال: «شيخنا أبو حامدٍ دَخَل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرجَ منهم فما قَدَر» (٢).
وقد حكى (٣) عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه.
وردَّ عليه أبو عبد الله المازَرِيُّ في كتابٍ أفرَده (٤).
وردَّ عليه أبو بكر الطُّرطُوشي (٥).
وردَّ عليه أبو الحسن المرغيناني رفيقُه (٦) , ردَّ عليه كلامَه في «مشكاة
стр. 145
الأنوار» ونحوه.
وردَّ عليه الشيخُ أبو البيان (١) , والشيخُ أبو عمرو بن الصَّلاح (٢) وحذَّر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواويُّ (٣) وغيرهما.
وردَّ عليه ابنُ عقيل (٤) , وابنُ الجوزي (٥) , وأبو محمدٍ المقدسي (٦) ,