← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 303

الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق»

ابن تيمية

Полный текст (390 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وإنما هو عقائدُ فلسفيةٌ وكلاميَّة، كما قال السَّلف: «العلمُ بالكلام هو الجهل» (١)، وكما قال أبو يوسف: «من طلب العلمَ بالكلام تزندق» (٢). ولهذا صار طائفةٌ ممن يرى فضيلته وديانته يَدْفَعُون وجودَ هذه الكتب عنه، حتى كان الفقيه أبو محمد بن عبد السلام (٣) فيما عُلِّق عنه (٤) يُنْكِرُ أن يكون «بداية الهداية» من تصنيفه, ويقول: إنما هو تقوُّلٌ عليه، مع أن هذه الكتب مقبولها أضعافُ مردودها، والمردودُ منها أمورٌ مجملة، وليس فيها عقائدُ ولا أصول الدين (٥).

стр. 142

وأما «المضنونُ به على غير أهله» فقد كان طائفةٌ أخرى من العلماء يكذِّبون به عنه (١)، وأما أهلُ الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كلَّه كلامُه؛ لعلمهم بموادِّ كلامه ومشابهة بعضه بعضًا (٢).

стр. 143

ولكن كان هو وأمثاله ــ كما قدمتُ ــ مضطربين لا يَثْبُتون على قولٍ ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوَّفون به إلى طريقةِ خاصَّةِ الخلق، ولم يقدَّر لهم سلوكُ طريقِ خاصَّةِ هذه الأمة الذين ورثوا عن الرسول ﷺ العلمَ والإيمان، وهم أهلُ حقائق الإيمان والقرآن ــ كما قدَّمناه ــ وأهلُ الفهم لكتاب الله والعلم والفهم لحديث رسول الله ﷺ , وإتْباع هذا العلم بالأحوال والأعمال المناسبة لذلك، كما جاءت به الرسالة. ولهذا كان الشيخُ أبو عمرو بن الصلاح يقول ــ فيما رأيتُه بخطِّه ــ: «أبو حامدٍ كَثُر القولُ فيه ومنه، فأما هذه الكتب ــ يعني المخالِفةَ للحقِّ ــ فلا يُلْتَفَتُ إليها, وأما الرجلُ فيُسْكَتُ عنه ويُفَوَّض أمرُه إلى الله». ومقصودُه أنه لا يُذْكَر بسوء؛ لأن عفوَ الله عن الناسي والمخطئ وتوبةَ المذنب تأتي على كلِّ ذنب، وذلك مِن أقرب الأشياء إلى هذا وأمثاله، ولأن مغفرة الله بالحسنات منه ومن غيره (١) وتكفيرَه الذنوب بالمصائب تأتي على مُحَقَّق الذنوب (٢)، فلا يُقْدِمُ الإنسانُ على انتفاء ذلك في حقِّ معيَّنٍ إلا ببصيرة، لا سيَّما مع كثرة الإحسان والعلم الصَّحيح والعمل الصَّالح والقصد الحسن. وهو يميلُ إلى الفلسفة، لكنه أظهرَها في قالب التصوُّف والعبارات

стр. 144

الإسلامية (١) , ولهذا فقد ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن العربي، فإنه قال: «شيخنا أبو حامدٍ دَخَل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرجَ منهم فما قَدَر» (٢). وقد حكى (٣) عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه. وردَّ عليه أبو عبد الله المازَرِيُّ في كتابٍ أفرَده (٤). وردَّ عليه أبو بكر الطُّرطُوشي (٥). وردَّ عليه أبو الحسن المرغيناني رفيقُه (٦) , ردَّ عليه كلامَه في «مشكاة

стр. 145

الأنوار» ونحوه. وردَّ عليه الشيخُ أبو البيان (١) , والشيخُ أبو عمرو بن الصَّلاح (٢) وحذَّر من كلامه في ذلك هو وأبو زكريا النواويُّ (٣) وغيرهما. وردَّ عليه ابنُ عقيل (٤) , وابنُ الجوزي (٥) , وأبو محمدٍ المقدسي (٦) ,

стр. 146

وغيرهم (١). وهذا بابٌ واسع، فإن الخارجين عن طريقة السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ لهم في كلام الرسول ثلاثُ طرق: طريقة التخييل، والتأويل، والتجهيل (٢). * فأهل التخييل هم الفلاسفةُ والباطنيةُ الذين يقولون: إنه خيَّل أشياء لا حقيقة لها في الباطن، وخاصِّيةُ النبوَّة عندهم التخييل (٣). * والتأويل طريقةُ المتكلمين من الجهمية والمعتزلة وأتباعهم، يقولون:

стр. 147

إن ما قاله (١) له تأويلاتٌ تخالفُ ما دلَّ عليه وما يُفْهَمُ منه، وهو وإن كان لم يبيِّن مرادَه ولا بيَّن الحقَّ الذي يجبُ اعتقادُه= فكان مقصودُه أن هذا يكونُ سببًا للبحث بالعقل، حتى يَعْلَم الناسُ الحقَّ بعقولهم ويجتهدوا في تأويل ألفاظه إلى ما يوافقُ قولهم ليُثَابوا على ذلك، فلم يكن قصدُه لهم البيانَ والهداية والإرشاد والتعليم، بل قَصَد التَّعْمِيَة والتلبيس، ولم يُعَرِّفْهم الحقَّ حتى ينالوا الحقَّ بعقولهم (٢) ويعرفوا حينئذٍ أن كلامَه لم يُقْصَد به البيان. فيجعلونَ حالهم في العلم مع عدمه خيرًا من حالهم مع وجوده! وأولئك المتقدِّمون ــ كابن سينا وأمثاله ــ ينكرون على هؤلاء ويقولون: ألفاظُه كثيرةٌ صريحةٌ لا تقبلُ التأويل، لكن كان قصدُه التخييل وأن يعتقد الناسُ الأمرَ على خلاف ما هو عليه. * وأما الصنف الثالث (٣) الذين يقولون: إنهم أتباع السَّلف فيقولون: إنه (٤) لم يكن يعرفُ معنى ما أُنزِل عليه من هذه الآيات، ولا أصحابُه يعلمون معنى ذلك، بل لازمُ قولهم أنه هو نفسُه لم يكن يعرفُ معنى ما تكلَّم به من أحاديث الصفات، بل يتكلَّمُ بكلامٍ لا يَعْرِفُ معناه. والذين ينتحلون مذهبَ السَّلف ويقولون (٥): «إنهم لم يكونوا يعرفون معاني النصوص»

стр. 148

يقولون ذلك في الرسول. وهذا القولُ من أبطل الأقوال. وممَّا يعتمدون عليه من ذلك: ما فهموه من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] , ويظنُّون أن «التأويل» هو المعنى الذي يسمُّونه هم تأويلًا، وهو مخالفٌ للظاهر (١). ثم هؤلاء قد يقولون: تُجْرَى النصوصُ على ظاهرها، وتأويلُها لا يعلمه إلا الله، ويريدون بالتأويل: ما يخالف الظاهر. وهذا تناقضٌ منهم. وطائفةٌ يريدون بالظاهر ألفاظَ النصوص فقط. والطائفتان غالطتان في فهم الآية. وذلك أن لفظ «التأويل» قد صار بسبب تعدُّد الاصطلاحات له ثلاث (٢) معانٍ (٣): * أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقةُ ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهرَه. وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ «التأويل» في الكتاب والسُّنة، كقوله تعالى:

стр. 149

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] , ومنه قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهمَّ ربنا ولك الحمد (١)، اللهم اغفر لي» يتأوَّلُ القرآن (٢). * ويراد بلفظ «التأويل» التفسير, وهو اصطلاحُ كثيرٍ من المفسرين, ولهذا قال مجاهدٌ إمامُ أهل التفسير: إن الراسخين في العلم يَعْلَمُون تأويلَ المتشابه (٣)، فإنه أراد بذلك تفسيرَه وبيان معانيه، وهذا مما يعلمُه الراسخون. * والثالث: أن يراد بلفظ «التأويل» صرفُ اللفظ عن ظاهره الذي يدلُّ عليه (٤) إلى ما يخالفُ ذلك لدليلٍ منفصلٍ يوجبُ ذلك، وهذا التأويلُ لا يكونُ إلا مخالفًا لما يدلُّ عليه اللفظُ ويبيِّنه.

стр. 150

وتسميةُ هذا تأويلًا لم يكن في عُرْف السَّلف، وإنما سمَّى هذا وحده تأويلًا طائفةٌ من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله والكلام، وظنَّ هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يرادُ به هذا المعنى. ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين: * قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله. * وطائفة يقولون: إن الراسخين في العلم يعلمونه. وكلا الطائفتين مخطئة؛ فإن هذا التأويل في كثيرٍ من المواضع ــ أو أكثرها وعامَّتها ــ من باب تحريف الكَلِم عن مواضعه، من جنس تأويلات القرامطة والباطنية, وهذا هو التأويلُ الذي اتفق سلفُ الأمة وأئمَّتها على ذمِّه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورَمَوا في آثارهم بالشُّهْبان (١). وقد صنَّف الإمام أحمد كتابًا في الردِّ على هؤلاء، وسمَّاه «الردّ على الزنادقة والجهمية فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن وتأوَّلتْه على غير تأويله» (٢)، فعاب أحمدُ عليها أنها تفسِّرُ القرآنَ بغير ما هو معناه. ولم يقل أحمدُ ولا أحدٌ من الأئمَّة: إن الرسول لم يكن يعرفُ معاني

стр. 151

آياتِ الصفات وأحاديثها، ولا قالوا: إن الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ لم يعرفوا تفسيرَ القرآن ومعانِيَه. كيف وقد أمر الله بتدبُّر كتابه، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، ولم يقل: بعض آياته، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وأمثال ذلك من النصوص التي تبيِّن أن الله يحبُّ أن يُتَدبَّر القرآنُ كلُّه، وأنه جعله نورًا وهدًى لعباده، ومحالٌ أن يكون ذلك ممَّا لا يُفْهَمُ معناه. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ــ عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ــ أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي ﷺ عشر آياتٍ «لم نجاوِزْها (١) حتى نتعلَّم ما فيها من العلم والعمل» , قالوا: «فتعلَّمنا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا» (٢). وهذه الأمور مبسوطةٌ في غير هذا الموضع (٣).

стр. 152

والمقصودُ هنا أن من يقولُ في الرسول وبيانه للناس مما هو من قول الملاحدة، فكيف يكونُ قوله في السَّلف حتى يدَّعيَ اتباعَه؟ ! وهو مخالفٌ للرسول والسَّلف عند نفسه وعند طائفته, فإنه قد أظهر من قول النفاة ما كان الرسولُ لا يرى إظهاره لما فيه من فساد الناس، وأما عند أهل العلم والإيمان فلا! وقولُ النفاة باطلٌ باطنًا وظاهرًا، والرسول ﷺ ومتَّبِعُوه منزَّهون عنه، بل مات ﷺ وتركنا على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغُ عنها إلا هالك، وأخبرنا أن كلَّ ما حدث بعده من محدثات الأمور فهو بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار (١). وربما أنشد بعضُ أهل الكلام (٢) بيتَ مجنون بني عامر (٣):

стр. 153

وكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى ... وليلى لا تُقِرُّ لهم بذاكا فمن قال من الشعر ما هو حكمةٌ أو تمثَّل ببيتٍ من الشعر فيما تبيَّن أنه حقٌّ لكان قريبًا, أما إثباتُ الدعوى بمجرَّد كلامٍ منظومٍ من شعرٍ أو غيره فيقال لصاحبه: ينبغي أن تبيِّن أن السَّلف لا يقرُّون بمن انتحَلهم. وهذا ظاهرٌ فيما ذكره (١) هو وغيرُه ممن يقولون عن السَّلف ما لم يقولوه ولم ينقله عنهم أحدٌ له معرفةٌ بحالهم وعَدَل فيما نقَل، فإن الناقل لا بدَّ أن يكون عالمًا عدلًا. فإن فُرِض أن أحدًا نقَل مذهبَ السَّلف كما يذكُره، فإما أن يكون قليلَ المعرفة بآثار السَّلف، كأبي المعالي, وأبي حامد الغزالي, وابن الخطيب (٢) وأمثالهم ممن لم يكن له من المعرفة بالحديث ما يعدُّ به من عوامِّ أهل الصناعة فضلًا عن خواصِّها، ولم يكن الواحدُ من هؤلاء يَعْرِفُ البخاريَّ ومسلمًا وأحاديثهما إلا بالسَّماع، كما يذكرُ ذلك العامَّة، ولا يميِّزون بين الحديث الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث والحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدقُ شاهدٍ بذلك, ففيها عجائب (٣).

стр. 154

وتجدُ عامَّة هؤلاء الخارجين عن مناهج السَّلف من المتكلِّمة والمتصوِّفة يعترفُ بذلك إما عند الموت وإما قبل الموت, والحكاياتُ في هذا كثيرةٌ معروفة. * هذا أبو الحسن الأشعريُّ نشأ في الاعتزال أربعين عامًا يناظرُ عليه، ثم رجع عن ذلك وصرَّح بتضليل المعتزلة وبالغ في الردِّ عليهم. * وهذا أبو حامدٍ الغزالي [مع فَرْطِ ذكائه وتألهه, ومعرفته بالكلام والفلسفة, وسلوكه طريقَ الزهد والرياضة والتصوُّف, رجع إلى طريقة أهل

стр. 155

الحديث] (١) , وصنَّف «إلجام العوام عن علم الكلام» (٢). * [وهذا الرازي في كتابه الذي صنَّفه في أقسام اللذَّات] قال: «لقد تأملتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقربَ الطرق طريقةَ القرآن, [أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا

стр. 156

يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. ثم قال: ومن جرَّب مثل تجربتي عرفَ مثل معرفتي] (١) , وكان يتمثَّل كثيرًا (٢): نهايةُ إقدام العقول عِقَالُ ... وأكثرُ سَعْي العالَمِين ضلالُ وأرواحُنا في وحشةٍ من جُسومنا ... وحاصلُ دنيانا أذًى ووبالُ ولم نَسْتَفِدْ من بحثنا طولَ عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قِيلَ وقالوا * وهذا إمامُ الحرمين تركَ ما كان ينتحِلُه ويقرِّره واختار مذهبَ السلف، [وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو أني عرفتُ أن الكلام يبلغُ بي إلى ما بلغ ما اشتغلتُ به» (٣). * وكذلك الشَّهرستاني] , وكان يُنْشِد (٤): لعمري لقد طفتُ المعاهدَ كلَّها ... وسيَّرتُ طرفي بين تلك المعالمِ

стр. 157

فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ أو قارِعًا سِنَّ نادم * وابنُ الفارض ــ من متأخري الاتحادية, صاحب القصيدة التائيَّة المعروفة بـ «نظم السُّلوك» (١)، وقد نَظَم فيها الاتحادَ نظمًا رائق اللفظ (٢)، فهو أخبثُ من لحم خنزيرٍ في صينيَّةٍ من ذهب، وما أحسنَ تسميتَها بـ «نظم الشُّكوك»، الله أعلمُ بها وبما اشتملت عليه، ونَفَقَت كثيرًا، وبالغ أهلُ العصر في تحسينها والاعتذار عما (٣) فيها من الاتحاد ــ لمَّا حضرته الوفاة أنشد (٤): إن كان منزلتي في الحبِّ عندكمُ ... ما قد لَقِيتُ لقد ضيَّعتُ أيامي أمنيَّةٌ ظَفِرتْ نفسي بها زمنًا ... واليوم أحسَبها أضغاثَ أحلام ولهذا كان من أصول الإيمان أن يُثبِّتَ الله العبد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ

стр. 158

بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم: ٢٤ ــ ٢٧]. والكلمة أصلُ العقيدة، فإن الاعتقادَ هو الكلمةُ التي يعتقدُها المرء، وأطيبُ الكلام والعقائد كلمةُ التوحيد واعتقادُ أن لا إله إلا الله، وأخبثُ الكَلِم (١) والعقائد كلمةُ الشرك، وهو اتخاذُ إلهٍ مع الله, فإن ذلك باطلٌ لا حقيقة له, ولهذا قال سبحانه: ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾. ولهذا كلما بحَثَ الباحثُ وعَمِل العاملُ على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزدادُ إلا ضلالًا وبعدًا عن الحق وعلمًا ببطلانها (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩، ٤٠]. فذكر سبحانه مَثَلين (٣):

стр. 159

* أحدهما: مَثَل الكفر والجهل المركَّب الذي يحسَبه صاحبُه موجودًا، ويكون خيالًا معدومًا كالسَّراب, والقلبُ (١) عطشانٌ إلى الحقِّ كعَطَشِ الجسد إلى الماء، فإذا طلبَ ما ظنَّه ماءً وجدَه سرابًا، ووجدَ الله عنده فوفَّاه حسابه, والله سريعُ الحساب. وهكذا (٢) تجدُ عامَّة هؤلاء الخارجين عن السُّنة والجماعة. * والمَثَل الثاني: مَثَل الكفر والجهل البسيط الذي لا يتبيَّن فيه حقٌّ ولا يُرى فيه هدًى. والكفرُ المركَّبُ مستلزمٌ للبسيط، وكلُّ كفرٍ فلا بدَّ فيه من جهلٍ مركَّب. فضربَ سبحانه المَثَلين بذلك ليبيِّن حالَ الاعتقاد الفاسد، ويبيِّن حالَ عدم معرفة الحق (٣)، وهو يُشْبِهُ حالَ المغضوب عليهم والضالِّين, حالَ المصمِّم على الباطل حتى يحلَّ به العذابُ وحالَ الضالِّ الذي لا يرى طريق الهدى. فنسأل الله العظيمَ أن يثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا الاعتصامَ بالكتاب والسُّنة. ومن أمثلة [ذلك] (٤) ما ينسبُه كثيرٌ من أتباع المشايخ والصوفية إلى

стр. 160

المشايخ الصَّادقين من الكذب والمُحال، أو يكونُ من كلامهم المتشابه الذي تأوَّلوه على غير تأويله، أو يكونُ من غَلَطات بعض الشُّيوخ وزلَّاتهم، أو من ذنوب بعضهم وخطئهم, مثل كثيرٍ من البدع والفجور الذي يفعلُه بعضهم بتأويلٍ سائغ أو بوجهٍ غير سائغ, فيعفى عنه, أو يتوب, أو يكون منه ومن غيره حسناتٌ يُغْفَر له بها، أو مصائبُ يكفَّر عنه بها، أو يكون من كلام المتشبِّهين بأولياء الله من ذوي الزَّهادات والعبادات والمقالات (١)، وليس هو من أولياء الله المتقين، بل من الجاهلين الظالمين المعتدين أو المنافقين أو الكافرين. وهذا كثيرٌ مِلْءُ العالَم (٢)، تجدُ كلَّ قومٍ يدَّعون من الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدَّعي المرسَلون، وأن ذلك عند خواصِّهم، وأن ذلك لا يقابلُ إلا بالتسليم، ويحتجُّون لذلك بأحاديثَ موضوعةٍ وتفسيراتٍ باطلة، مثل قولهم عن عمر: «إن النبي ﷺ كان يتحدَّث هو وأبو بكر بحديثٍ وكنتُ كالزِّنجيِّ بينهما» (٣) , فيجعلون عمر مع النبي ﷺ وصِدِّيقه كالزِّنجيِّ , وهو حاضرٌ يسمعُ الكلام, ثم يدَّعي أحدُهم أنه عَلِمَ ذلك بما قُذِفَ في قلبه! ويدَّعي كلٌّ منهم أن ذلك هو ما يقولُه من الزُّور والباطل (٤).

стр. 161

ولو ذكرتُ ما في هذا الباب من الأصناف (١) لطال. فمنهم من يجعلُ للشيخ قصائدَ يسمِّيها «جَنِيب القرآن» (٢) , ويكونُ وَجْدُه بها وفرحُه بمضمونها أعظمَ من القرآن، ويكونُ فيها من الكذب والضلال أمور. ومنهم من يجعلُ له قصائدَ في الاتحاد، وأنه هو خالقُ جميع الخلق، وأنه خَلَق السموات والأرض، وأنه يُسْجَد له ويُعْبَد (٣). ومنهم من يصفُ الربَّ في قصائده بما نُقِل في الموضوعات من أصناف التمثيل والتكييف والتجسيم التي هي كذبٌ مفترًى وكفرٌ صريح، مثلُ مُواكَلته ومُشَاربته ومُمَاشاته ومُعَانقته ونزوله إلى الأرض وقُعوده في بعض رياض الأرض ونحو ذلك (٤).

стр. 162

ويجعلُ كلٌّ منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المَصُونة التي تكونُ لخواصِّ أولياء الله المتقين. ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند الرافضة والمتشيِّعة ومن أخَذ عنهم من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدَّعون أخذَها عن أهل البيت ــ إما مِن العلوم الدينية وإما مِن علم الحوادث الكائنة ــ ما هو عندهم من أجلِّ الأمور التي يجبُ التواصي بكِتْمانها والإيمانُ بما لا يُعْلَمُ حقيقتُه من ذلك. وجميعها كذبٌ مختَلقٌ وإفكٌ مفترى، فإن هذه الطائفة من أكثر الطوائف كذبًا (١) وادعاءً للعلم المكتوم (٢) , ولهذا انتسبت إليهم الباطنيةُ والقرامطة. وهؤلاء خرجَ أوَّلهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وصاروا يدَّعون أنه خُصَّ بأسرارٍ من العلوم والوصيَّة، حتى كان يسأله عن ذلك خواصُّ أصحابه فيخبرُهم بانتفاء ذلك, ولما بلغه أن ذلك قد قيل كان يخطُب الناسَ وينفي ذلك. وقد خرَّج أصحابُ الصَّحيح كلامَ عليٍّ هذا من غير وجهٍ، مثل ما في «الصَّحيح» (٣) عن أبي جحيفة قال: «سألتُ عليًّا: هل عندكم شيءٌ ليس في

стр. 163

القرآن؟ فقال: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرأ النَّسَمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطيه اللهُ الرجلَ في كتابه وما في هذه الصَّحيفة. قلت: وما في الصَّحيفة؟ قال: العَقْل, وفَكاكُ الأسير (١) , وأن لا يُقْتَل مسلمٌ بكافر». ولفظ البخاري (٢): «هل عندكم شيءٌ من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرأ النَّسَمة، ما أعلمُه إلا فهمًا يعطيه اللهُ رجلًا في القرآن». وفي «الصحيحين» (٣) عن إبراهيم التَّيميِّ عن أبيه [عن عليٍّ]ــ وهذا من أصحِّ إسنادٍ على وجه الأرض (٤) ــ قال: «ما عندنا شيءٌ إلا كتابَ الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ : المدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثور». وفي روايةٍ لمسلم: «خَطَبنا عليُّ بن أبي طالبٍ فقال: من زعمَ أن عندنا كتابًا نقرؤه إلا كتابَ الله وما في هذه الصحيفة ــ قال: وصحيفتُه معلقةٌ في قِرَاب سَيفِه ــ فقد كَذَب، فيها أسنانُ الإبل وأشياءُ من الجِرَاحات (٥)، وفيها قال النبي ﷺ : المدينةُ حَرَمٌ ... » الحديث. وأما الكذبُ والأسرارُ التي يدَّعونها عن جعفر الصادق فمن أكثر (٦)

стр. 164

الأشياء, حتى يقال: ما كُذِبَ على أحدٍ ما كُذِبَ على جعفر ﵁ (١). ومن هذه الأمور المضافة: * كتاب «الجَفْر» الذي يدَّعون أنه كَتبَ فيه الحوادث، والجَفْر: ولد الماعز، يزعمون أنه كَتبَ ذلك في جِلْدِه (٢). * وكذلك كتاب «البطاقة» (٣) الذي يدَّعيه ابنُ أحلى (٤) ونحوه من

стр. 165

المغاربة. * ومثل كتاب «الجَدْول» في الهلال (١)، و «الهَفْت» (٢) عن جعفر, وكثير من تفسير القرآن (٣) , وغيره.

стр. 166

* ومثل كتاب «رسائل إخوان الصفا» الذي صنَّفه جماعةٌ في دولة بني بُوَيْه ببغداد وكانوا من الصابئة المتفلسفة المتحنِّفة، جمعوا بزعمهم بين دين الصابئة المبدِّلين وبين الحَنِيفيَّة، وأتوا بكلام المتفلسفة وبأشياء من الشريعة، وفيه من الكفر والجهل شيءٌ كثير (١)، ومع هذا فطائفةٌ من الناس من بعض أكابر قضاة النواحي يزعمُ أنه من كلام جعفر الصادق! وهذا قولُ زنديقٍ وتشنيعُ جاهل (٢). * ومثل ما يذكرُه بعض العامَّة من ملاحِم ابن عَقِب (٣)، ويزعمون أنه

стр. 167

كان معلِّمًا للحسن والحسين. وهذا شيءٌ لم يكن في الوجود باتفاق أهل العلم، وملاحمُه إنما صنَّفها بعض الجهال في دولة نور الدين ونحوها (١)، وهو شعرٌ فاسدٌ نظَمَه جاهل (٢). وكذلك عامةُ هذه الملاحم المرويَّة بالنَّظم ونحوه عامَّتُها من الأكاذيب, وقد أُحدِثَ في زماننا من القضاة والمشايخ غيرُ واحدةٍ منها، وقرَّرتُ بعض

стр. 168

هؤلاء (١) على ذلك بعد أن ادَّعى قِدَمها، وقلت: بل أنتَ صنَّفتَها، فأقرَّ أنه صنَّفها ولبَّسَها على بعض ملوك المسلمين لمَّا كان المسلمون محاصِري عكَّا، وكذلك غيرُه من القضاة وغيرهم لبَّسوا على غير هذا المَلِك. وبابُ الكذب في الحوادث الكونيَّة أكثرُ منه في الأمور الدينية ؛ لأن تشوُّفَ الذين يُغَلِّبون الدنيا على الدين إلى ذلك أكثر، وإن كان لأهل الدين إلى ذلك تشوُّفٌ لكن تشوُّفَهم إلى الدين أقوى، وأولئك ليس لهم من الفُرقان بين الحقِّ والباطل ومن النور (٢) ما لأهل الدين, فلهذا كَثُر الكذَّابون في ذلك ونَفَقَ منه شيءٌ كثير، وأُكِلَت به أموالٌ عظيمةٌ بالباطل، وقُتِلَت به نفوسٌ كثيرةٌ من المتشوِّفة إلى المُلْك ونحوها. ولهذا ينوِّعُون طرقَ الكذب في ذلك, ويَعْتَمِدون الكذبَ فيه تارةً بالإحالة على الحركات والأشكال الجِسْمانية الإلهيَّة (٣) من حركات الأفلاك والكواكب والشُّهُب والرُّعود والبُروق والرياح وغير ذلك (٤). وتارةً بما يُحْدِثُونه (٥) هم من الحركات والأشكال، كالرَّمل (٦) والحصى

стр. 169

والشَّعير والقُرعة بأبجَد (١) ونحو ذلك مما هو من جنس الاستقسام بالأزلام، فإنهم يطلبون علمَ الحوادث بما يفعلونه من الاستقسام بها، سواء كانت قِداحًا أو حصًى أو غير ذلك مما ذكره أهلُ العلم بالتفسير (٢). فكلُّ ما يُحْدِثُه الإنسانُ بحركةٍ من تغيير شيءٍ من الأجسام ليستَخرِجَ به علمَ ما يجهلُه (٣) فهو من هذا الجنس، بخلاف الفَأل الشَّرعيِّ، وهو الذي كان يُعْجِبُ النبيَّ ﷺ ، وهو أن يخرج متوكِّلًا على الله، فيسمع الكلمةَ الطيبةَ, «وكان يُعْجِبُه الفأل، ويكرهُ الطِّيَرة» (٤)؛ لأن الفأل تقويةٌ لما فَعَله بإذن الله والتوكُّل عليه، والطِّيَرةُ معارضةٌ لذلك، فكُرِه للإنسان (٥) أن يتطيَّر، وإنما تضرُّ الطيرةُ مَن تطيَّر لأنه ضرَّ نفسَه، فأما المتوكِّلُ على الله فلا. وليس المقصودُ ذِكر هذه الأمور وسبب إصابتها تارةً وخطئها تارات, وإنما الغرض أنهم يتعمَّدون (٦) فيها كذبًا كثيرًا من غير أن تكون دلَّت على

стр. 170

ذلك (١)، كما يتعمدُ خلقٌ كثيرٌ الكذبَ في الرؤيا الصالحة وهي جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوَّة (٢)، وكما كانت الجنُّ تخلطُ بالكلمة تَسْمَعُها من السماء مئة كذبة (٣). ولهذا ثبت في «صحيح مسلم» (٤) عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: قلت: يا رسول الله، إني حديثُ عهدٍ بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منَّا رجالًا يأتون الكُهَّان؟ قال: «فلا تأتِهم». قال: قلت: ومنَّا رجالٌ يتطيَّرون؟ قال: «ذاك شيءٌ يجدونه في صدورهم فلا يصدَّنَّهم». قال: قلت: ومنَّا رجالٌ يَخُطُّون؟ قال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يَخُطّ، فمن وافق خطَّه فذاك». فإذا كان ما هو من أجزاء النبوَّة ومن أخبار الملائكة قد يُتعَمَّدُ فيه الكذبُ الكثير، فكيف بما هو في نفسه مضطربٌ لا يستقرُّ على أصل؟! لهذا تجدُ عامَّة من في دينه فسادٌ يدخُل في الأكاذيب الكونية ، مثل أهل الاتحاد، فإن ابن عربي في كتاب «عنقاء مُغْرِب» (٥) وغيره أخبر بمستقبَلاتٍ كثيرةٍ عامَّتها كذب، وكذلك ابن سبعين. وكذلك الذين استخرجوا مدَّة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمَّل من حروف المعجم الذي وَرِثُوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي وَرِثُوه

стр. 171

من الصابئة (١)، كما فعل أبو نصرٍ الكِنْدي (٢) وغيره من الفلاسفة, وكما فعل بعض من تكلَّم في تفسير القرآن من أصحاب الرأي (٣)، ومن تكلَّم في تأويل وقائع النساك (٤) من المائلين إلى التشيُّع.

стр. 172

وقد رأيتُ من أتباع هؤلاء طوائفَ يدَّعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المَصُونة، وخاطبتُ في ذلك طوائفَ منهم، وكنتُ أحلفُ لهم أن هذا كذبٌ مفترًى وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء، وطلبتُ مباهلةَ بعضهم لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين، وكانوا من الاتحادية الذين يطولُ وصف دعاويهم (١). فإن شيخَهم الذي هو عارفُ وقته وزاهدُه عندهم (٢)، كانوا يزعمون أنه هو المسيحُ الذي يَنْزِل، وأن معنى ذلك نزولُ روحانيَّة عيسى ﵇ عليه، وأن أمَّه اسمُها مريم، وأنه يقوم بجمع المِلَل الثلاث، وأنه يظهر مظهرًا أكمل من مظهر محمدٍ وغيره من المرسلين. ولهم مقالاتٌ من أعظم المنكرات يطولُ ذِكرُها ووصفُها. ثم إن من عجيب الأمر أن هؤلاء المتكلِّمين المدَّعين لحقائق الأمور العلميَّة والدينيَّة المخالفين للسُّنة والجماعة يحتجُّ كلٌّ منهم بما يقعُ له من حديثٍ موضوعٍ أو مجملٍ لا يفهمُ معناه، وكلما وجد أثرًا فيه إجمالٌ نزَّله

стр. 173

على رأيه، فيحتجُّ بعضهم بالمكذوب، مثل قول عمر: «كنتُ كالزِّنجي» (١) , ومثل ما يروونه من سرِّ المِعْراج وما يروونه من أن أهل الصُّفَّة سَمِعُوا المناجاةَ من حيث لا يَشْعُر الرسول, فلما نزل الرسولُ أخبروه، فقال: من أين سمعتم؟ فقالوا: كنَّا نسمعُ الخِطاب (٢). حتى إني لما بيَّنتُ لطائفةٍ تَمشْيَخُوا وصاروا قدوةً للناس أن هذا كذبٌ ما خلقه الله قطُّ, قلتُ: ويبيِّنُ لك ذلك أن المعراجَ كان بمكة بنصِّ القرآن وبإجماع المسلمين، والصُّفَّة إنما كانت بالمدينة، فمن أين كان بمكة أهلُ صُفَّة؟ ! وكذلك احتجاجُهم بأن أهل الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ ﷺ وأصحابه مع المشركين لما انتصروا (٣) , وزعموا أنهم مع الله؛ ليحتجُّوا بذلك على متابعة الواقع (٤) سواءً كان طاعةً لله أو معصية، وليجعلوا حُكْمَ دينه هو ما كان, كما قال الذين أشركوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. وأمثالُ هذه الموضوعات كثيرة.

стр. 174

وأما المُجْمَلات, فمثل احتجاجهم بنهي بعض الصحابة عن ذِكْر بعض خفيِّ العلم, كقول عليٍّ ﵇: «حدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفُون، ودَعُوا ما يُنكِرون، أتحبُّون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُه؟» (١). وقولِ عبد الله بن مسعود: «ما مِن رجلٍ يحدِّثُ قومًا بحديثٍ لا تبلُغه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم» (٢). وقولِ عبد الله بن عباس في تفسير بعض الآيات: «ما يُؤْمِنُك أني لو أخبرتُك بتفسيرها كَفَرْتَ، وكُفْرُك بها تكذيبُك بها» (٣). وهذه الآثار حقٌّ، لكن يُنَزِّلُ كلٌّ منهم ذاك الذي لم يُحَدَّث به على ما يدَّعيه هو من الأسرار والحقائق التي إذا كُشِفَت وُجِدَت من الباطل أو الكفر والنفاق (٤). حتى إن أبا حامدٍ في «منهاج القاصدين» (٥) وغيره هو وأمثالُه تمثَّل بما

стр. 175

يروى عن علي بن الحسين أنه قال (١): يا رُبَّ جَوْهرِ عِلْمٍ لو أبوحُ به ... لقيل لي: أنتَ ممَّن يعبد الوَثنا ولاسْتَحَلَّ رجالٌ مسلمون دَمِي ... يَرَوْنَ أقبحَ ما يأتُونَه حَسَنا فإذا كانت هذه طرقَ هؤلاء الذين يدَّعون من التحقيق وعلوم الأسرار ما خَرَجوا به عن السُّنة والجماعة، وزعموا أن تلك العلوم الدينية أو الكونية مختصَّةٌ بهم فآمنوا بمجملها ومتشابهها, وأنهم مُنِحُوا من حقائق العبادات وخالص الدِّيانات ما لم يُمْنَح الصَّدرُ الأول حفَّاظُ الإسلام وبدورُ المِلَّة، ولم يتجرَّؤوا عليها (٢) بردٍّ وتكذيب، مع ظهور الباطل فيها تارةً وخفائه أخرى= فمن المعلوم أن العقلَ والدينَ يقتضيان أن جانبَ النبوَّة والرسالة أحقُّ بكلِّ تحقيقٍ وعلمٍ ومعرفةٍ وإحاطةٍ بأسرار الأمور وبواطنها, هذا لا ينازعُ فيه مؤمنٌ, ونحن الآن في مخاطبة من فيه إيمان. وإذا كان الأمرُ كذلك فأعلمُ الناس بذلك أخصُّهم بالرسول وأعلمُهم بأقواله وأفعاله, وحركاته وسَكَناته، ومَدْخَله ومَخْرَجه, وباطنه وظاهره، وأعلمُهم بأصحابه وسِيرته وأيامه، وأعظمُهم بحثًا عن ذلك وعن نَقَلَتِه،

стр. 176

وأعظمُهم تديُّنًا به واتباعًا له واقتفاءً به. وهؤلاء هم أهلُ السُّنة والحديث، حِفظًا له, ومعرفةً بصحيحه وسقيمه، وفقهًا فيه, وفهمًا يؤتيه الله إياهم (١) في معانيه، وإيمانًا وتصديقًا، وطاعةً وانقيادًا, واقتداءً واتباعًا، مع ما يقترنُ بذلك من قوَّة عقلهم وقياسهم وتمييزهم، وعظيم مكاشَفاتهم ومخاطَباتهم، فإنهم أسَدُّ (٢) الناس نظرًا وقياسًا ورأيًا، وأصدقُ الناس رؤيا وكشفًا. أفلا يعلمُ من له أدنى عقلٍ ودينٍ أن هؤلاء أحقُّ بالصِّدق والعلم والإيمان والتحقيق ممَّن يخالفُهم، وأن عندهم من العلوم ما ينكرُها الجاهلُ والمبتدع، والذي عندهم هو الحقُّ المبين, وأن الجاهلَ بأمرهم والمخالفَ لهم هو الذي معه من الحَشْو ما معه من الضلال؟! وهذا بابٌ يطولُ شرحُه؛ فإن النفوسَ لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصُره إلا ذو الجلال. والأقوال: إخباراتٌ, وإنشاءاتٌ كالأمر والنهي. فأحسنُ الحديث وأصدقُه كتابُ الله، خبرُه أصدقُ الخبر، وبيانُه أوضحُ البيان، وأمرُه أحكَمُ الأمر, ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]. وكلُّ من اتبع كلامًا أو حديثًا مما يقال: إنه يُلْهَمُه صاحبُه ويُوحَى إليه، أو أنه يُنْشِئه ويُحْدِثُه مما يعارض به القرآن= فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.

стр. 177

ولهذا لمَّا ذكر الله سبحانه قولَ الذين ما قَدَرُوا الله حقَّ قَدْرِه حيثُ أنكروا الإنزالَ على البَشَر (١) , ذكَر المتشبِّهين به (٢) المدَّعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة، فإن المماثِل له إما أن يقول: إن الله أوحى إلي، أو يقول: أُوحِي إلي، وأُلقِي إلي، وقيل لي، ولا يسمي القائل، أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشئ له (٣). ووجه الحصر: أنه إما أن يَحْذِفَ الفاعلَ أو يَذْكُرَه، وإذا ذَكَرَه فإما أن يجعلَه من قول الله أو من قول نفسه, فإنه إذا جَعَله من كلام الشياطين لم يُقْبَل منه، وما جَعَله من كلام الملائكة فهو داخلٌ فيما يُضِيفه إلى الله وفيما حُذِف فاعلُه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وتدبَّر كيف جعَل الأوَّلَيْن في حيِّزٍ: الذي جَعَله وحيًا من الله, والذي لم (٤) يُسَمِّ الموحِي، فإنهما من جنسٍ واحد في ادعاء جنس الإنباء، وجعَل الآخر في حيِّزٍ وهو الذي ادعى أن يأتي بمثله، ولهذا قال: ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ , فالمفتري للكذب والقائل: «أوحِي إلي» ولم يوحَ إليه شيءٌ من جملة الاسم الأول، وقد قَرَن

стр. 178

به الاسمَ الآخر، فهؤلاء الثلاثة المدَّعون لشَبَه النبوَّة، وقد تقدَّم قبلهم المكذِّبُ للنبوة، فهذا يعمُّ جميعَ أصول الكفر التي هي تكذيبٌ للرُّسل أو مضاهاتهم، كمسيلمة الكذَّاب وأمثاله. وهذه هي أصولُ البدع التي نردُّها نحن في هذا المقام؛ لأن المخالفَ للسُّنة يردُّ بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، ويعارضُ قولَ الرسول بما يجعلُه نظيرًا له من رأيٍ أو كَشْفٍ أو نحو ذلك. فقد تبيَّن أن الذي يسمِّي هؤلاء (١) وأئمتَهم: حَشْوِيَّةً هم أحقُّ بكلِّ وصفٍ مذمومٍ يذكرونه، وأئمةُ هؤلاء أحقُّ بكلِّ علمٍ نافعٍ وتحقيقٍ وكشفِ حقائقَ واختصاصٍ بعلومٍ لم يقف عليها هؤلاء الجهَّالُ المنكرون عليهم المكذِّبون لله ورسوله (٢). فإن «الحَشْوِيَّة» (٣) إن كان لأنهم يَرْوُونَ الأحاديثَ بلا تمييز, فالمخالفون لهم أعظمُ الناس قولًا لحَشْو الآراء والكلام الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، بل يُعْلَمُ بطلانُه. وإن كان لأن فيهم عامَّةً لا يميِّزون، فما مِن فرقةٍ من تلك الفِرَق إلا وأتباعُها مِن أجهل الخلق وأكفرِهم، وعوامُّ هؤلاء عُمَّار المساجد

стр. 179

بالصَّلوات, وأهلُ الذكر والدعوات، وحجَّاجُ البيت العتيق، والمجاهدون في سبيل الله، وأهلُ الصدق والأمانة وكلِّ خيرٍ في العالم. فقد تبيَّن لك أنهم أحقُّ بوجوه (١) الذَّم، وأن هؤلاء أبعدُ عنها، وأن الواجبَ على الخلق أن يرجعوا إليهم فيما اختصَّهم الله به من الوِرَاثة النبوية التي لا توجدُ إلا عندهم. وأيضًا (٢) , فينبغي النظرُ في الموسُومين بهذا الاسم، وفي الواسِمين لهم به, أيُّهما أحق؟ وقد عُلِمَ أن هذا الاسمَ مما اشتهر عن النُّفاة ممَّن هم مَظِنَّةُ الزندقة، كما ذكر العلماءُ ــ كأبي حاتمٍ وغيره ــ أن علامة الزنادقة تسميتُهم لأهل الحديث: حَشْوِية (٣). ونحن نتكلَّمُ بالأسماء التي لا نزاع فيها، مثل لفظ «الإثبات والنفي».

стр. 180

فنقول: من المعلوم أن هذا مِن تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يُقِرُّونه على ظاهره, فكلُّ من كان عنه أبعدَ كان أعظمَ ذمًّا بذلك، كالقرامطة، ثم الفلاسفة، ثم المعتزلة, وهم يذمُّون بذلك المتكلِّمةَ الصِّفاتية من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية والفقهاء والصوفية وغيرهم, فكلُّ من اتبع النصوصَ وأقرَّها سمَّوه بذلك. ومن قال بالصِّفات العقلية مثل: العلم والقدرة, دون الخبرية ونحو ذلك, يسمِّي مُثْبِتةَ الصِّفات الخبرية: حَشْوِيَّة، كما يفعلُ أبو المعالي وأبو حامدٍ (١) ونحوهما. ولطريقة أبي المعالي كان أبو محمَّدٍ (٢) يَتْبَعُ في فقهه وكلامه, لكنْ أبو محمدٍ كان أعلمَ بالحديث وأتبعَ له من أبي المعالي وبمذاهب الفقهاء، وأبو المعالي أكثرُ اتباعًا للكلام، وهما في العربية متقاربان. وهؤلاء يَعِيبون منازعَهم إما لجَمْعِه حَشْوَ الحديث من غير تمييزٍ بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتِّباع الحديثِ في مسائل الأصول مِن مذهب الحَشْو لأنها مسائلُ علميةٌ والحديثُ لا يفيدُ ذلك, أو لأن اتِّباعَ النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حَشْوٌ لأن النصوصَ لا تَفِي بذلك.
следующие страницы →