← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 303

الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق»

ابن تيمية

Полный текст (390 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأعظمُهم تديُّنًا به واتباعًا له واقتفاءً به. وهؤلاء هم أهلُ السُّنة والحديث، حِفظًا له, ومعرفةً بصحيحه وسقيمه، وفقهًا فيه, وفهمًا يؤتيه الله إياهم (١) في معانيه، وإيمانًا وتصديقًا، وطاعةً وانقيادًا, واقتداءً واتباعًا، مع ما يقترنُ بذلك من قوَّة عقلهم وقياسهم وتمييزهم، وعظيم مكاشَفاتهم ومخاطَباتهم، فإنهم أسَدُّ (٢) الناس نظرًا وقياسًا ورأيًا، وأصدقُ الناس رؤيا وكشفًا. أفلا يعلمُ من له أدنى عقلٍ ودينٍ أن هؤلاء أحقُّ بالصِّدق والعلم والإيمان والتحقيق ممَّن يخالفُهم، وأن عندهم من العلوم ما ينكرُها الجاهلُ والمبتدع، والذي عندهم هو الحقُّ المبين, وأن الجاهلَ بأمرهم والمخالفَ لهم هو الذي معه من الحَشْو ما معه من الضلال؟! وهذا بابٌ يطولُ شرحُه؛ فإن النفوسَ لها من الأقوال والأفعال ما لا يحصُره إلا ذو الجلال. والأقوال: إخباراتٌ, وإنشاءاتٌ كالأمر والنهي. فأحسنُ الحديث وأصدقُه كتابُ الله، خبرُه أصدقُ الخبر، وبيانُه أوضحُ البيان، وأمرُه أحكَمُ الأمر, ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]. وكلُّ من اتبع كلامًا أو حديثًا مما يقال: إنه يُلْهَمُه صاحبُه ويُوحَى إليه، أو أنه يُنْشِئه ويُحْدِثُه مما يعارض به القرآن= فهو من أعظم الظالمين ظلمًا.

стр. 177

ولهذا لمَّا ذكر الله سبحانه قولَ الذين ما قَدَرُوا الله حقَّ قَدْرِه حيثُ أنكروا الإنزالَ على البَشَر (١) , ذكَر المتشبِّهين به (٢) المدَّعين لمماثلته من الأقسام الثلاثة، فإن المماثِل له إما أن يقول: إن الله أوحى إلي، أو يقول: أُوحِي إلي، وأُلقِي إلي، وقيل لي، ولا يسمي القائل، أو يضيف ذلك إلى نفسه ويذكر أنه هو المنشئ له (٣). ووجه الحصر: أنه إما أن يَحْذِفَ الفاعلَ أو يَذْكُرَه، وإذا ذَكَرَه فإما أن يجعلَه من قول الله أو من قول نفسه, فإنه إذا جَعَله من كلام الشياطين لم يُقْبَل منه، وما جَعَله من كلام الملائكة فهو داخلٌ فيما يُضِيفه إلى الله وفيما حُذِف فاعلُه، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وتدبَّر كيف جعَل الأوَّلَيْن في حيِّزٍ: الذي جَعَله وحيًا من الله, والذي لم (٤) يُسَمِّ الموحِي، فإنهما من جنسٍ واحد في ادعاء جنس الإنباء، وجعَل الآخر في حيِّزٍ وهو الذي ادعى أن يأتي بمثله، ولهذا قال: ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ , فالمفتري للكذب والقائل: «أوحِي إلي» ولم يوحَ إليه شيءٌ من جملة الاسم الأول، وقد قَرَن

стр. 178

به الاسمَ الآخر، فهؤلاء الثلاثة المدَّعون لشَبَه النبوَّة، وقد تقدَّم قبلهم المكذِّبُ للنبوة، فهذا يعمُّ جميعَ أصول الكفر التي هي تكذيبٌ للرُّسل أو مضاهاتهم، كمسيلمة الكذَّاب وأمثاله. وهذه هي أصولُ البدع التي نردُّها نحن في هذا المقام؛ لأن المخالفَ للسُّنة يردُّ بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، ويعارضُ قولَ الرسول بما يجعلُه نظيرًا له من رأيٍ أو كَشْفٍ أو نحو ذلك. فقد تبيَّن أن الذي يسمِّي هؤلاء (١) وأئمتَهم: حَشْوِيَّةً هم أحقُّ بكلِّ وصفٍ مذمومٍ يذكرونه، وأئمةُ هؤلاء أحقُّ بكلِّ علمٍ نافعٍ وتحقيقٍ وكشفِ حقائقَ واختصاصٍ بعلومٍ لم يقف عليها هؤلاء الجهَّالُ المنكرون عليهم المكذِّبون لله ورسوله (٢). فإن «الحَشْوِيَّة» (٣) إن كان لأنهم يَرْوُونَ الأحاديثَ بلا تمييز, فالمخالفون لهم أعظمُ الناس قولًا لحَشْو الآراء والكلام الذي لا تُعْرَفُ صحتُه، بل يُعْلَمُ بطلانُه. وإن كان لأن فيهم عامَّةً لا يميِّزون، فما مِن فرقةٍ من تلك الفِرَق إلا وأتباعُها مِن أجهل الخلق وأكفرِهم، وعوامُّ هؤلاء عُمَّار المساجد

стр. 179

بالصَّلوات, وأهلُ الذكر والدعوات، وحجَّاجُ البيت العتيق، والمجاهدون في سبيل الله، وأهلُ الصدق والأمانة وكلِّ خيرٍ في العالم. فقد تبيَّن لك أنهم أحقُّ بوجوه (١) الذَّم، وأن هؤلاء أبعدُ عنها، وأن الواجبَ على الخلق أن يرجعوا إليهم فيما اختصَّهم الله به من الوِرَاثة النبوية التي لا توجدُ إلا عندهم. وأيضًا (٢) , فينبغي النظرُ في الموسُومين بهذا الاسم، وفي الواسِمين لهم به, أيُّهما أحق؟ وقد عُلِمَ أن هذا الاسمَ مما اشتهر عن النُّفاة ممَّن هم مَظِنَّةُ الزندقة، كما ذكر العلماءُ ــ كأبي حاتمٍ وغيره ــ أن علامة الزنادقة تسميتُهم لأهل الحديث: حَشْوِية (٣). ونحن نتكلَّمُ بالأسماء التي لا نزاع فيها، مثل لفظ «الإثبات والنفي».

стр. 180

فنقول: من المعلوم أن هذا مِن تلقيب بعض الناس لأهل الحديث الذين يُقِرُّونه على ظاهره, فكلُّ من كان عنه أبعدَ كان أعظمَ ذمًّا بذلك، كالقرامطة، ثم الفلاسفة، ثم المعتزلة, وهم يذمُّون بذلك المتكلِّمةَ الصِّفاتية من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية والفقهاء والصوفية وغيرهم, فكلُّ من اتبع النصوصَ وأقرَّها سمَّوه بذلك. ومن قال بالصِّفات العقلية مثل: العلم والقدرة, دون الخبرية ونحو ذلك, يسمِّي مُثْبِتةَ الصِّفات الخبرية: حَشْوِيَّة، كما يفعلُ أبو المعالي وأبو حامدٍ (١) ونحوهما. ولطريقة أبي المعالي كان أبو محمَّدٍ (٢) يَتْبَعُ في فقهه وكلامه, لكنْ أبو محمدٍ كان أعلمَ بالحديث وأتبعَ له من أبي المعالي وبمذاهب الفقهاء، وأبو المعالي أكثرُ اتباعًا للكلام، وهما في العربية متقاربان. وهؤلاء يَعِيبون منازعَهم إما لجَمْعِه حَشْوَ الحديث من غير تمييزٍ بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتِّباع الحديثِ في مسائل الأصول مِن مذهب الحَشْو لأنها مسائلُ علميةٌ والحديثُ لا يفيدُ ذلك, أو لأن اتِّباعَ النصوص مطلقًا في المباحث الأصولية الكلامية حَشْوٌ لأن النصوصَ لا تَفِي بذلك.

стр. 181

فالأمرُ راجعٌ إلى أحد أمرين: إما ريبٍ في الإسناد أو في المتن, إما لأنهم يُضِيفون إلى الرسول ما لم يُعْلَمْ أنه قاله, كأخبار الآحاد, ويجعلون مقتضاها العِلْم، وإما لأنهم يجعلون ما فَهِمُوه من اللفظ معلومًا وليس هو بمعلوم؛ لما في الأدلة اللفظية من الاحتمال. ولا ريب أن هذا عمدةُ كلِّ زنديقٍ ومنافقٍ يُبْطِلُ العلمَ بما بعث الله به رسلَه، تارةً يقول: لا نعلمُ أنهم قالوا ذلك، وتارةً يقول: لا نعلمُ ما أرادوا بهذا القول. ومتى انتفى العلمُ بقولهم أو بمعناه لم يُسْتَفَدْ من جهتهم عِلْمٌ، فيَتَمكَّنُ بعد ذلك أن يقول ما يقول من المقالاتِ وقد أَمِنَ على نفسه أن يُعَارَض بآثار الأنبياء؛ لأنه قد وَكَّل ثَغْرَها بذَيْنِك الرُّمْحَيْن (١) الدَّافِعَيْن لجنود الرُّسل عنه، الطَّاعِنَيْن لمن احتجَّ بها. وهذا القَدْرُ بعينه عينُ الطعن في نفس النبوَّة, بل يُقِرُّ بتعظيمهم وكمالهم إقرارَ من لا يُتَلقَّى من جهتهم عِلْمٌ، فيكونُ الرسولُ عنده بمنزلة خليفةٍ يُعطى السِّكَّةَ والخُطبةَ (٢) رسمًا ولفظًا, كتابةً وقولًا, مِن غير أن يكون له أمرٌ أو نهيٌ مطاع, فله صورةُ الإمامة بما جُعِل له من السِّكَّة والخُطبة وليس له حقيقتُها. وهذا القدرُ وإن استجازه كثيرٌ من الملوك لِعَجْزِ بعض الخلفاء عن القيام بواجبات الإمارة من الجهاد والسياسة (٣)، كما يفعلُ ذلك كثيرٌ من نُوَّاب الولاة لضعف مُسْتَنِيبه وعَجْزِه, فيتركَّبُ من تقدُّم ذي المنصب والبيت

стр. 182

وقوَّة نائبه صلاحُ الأمر، أو فعَل ذلك لهوًى ورغبةٍ في الرياسة له ولطائفته (١) دون مَن هو أحقُّ بذلك منه وسلك مسلكَ المتغلِّبين بالعدوان= فمن المعلوم أن المؤمنَ بالله ورسوله لا يستجيزُ أن يقول في الرسالة: إنها عاجزةٌ عن تحقيق العلم وبيانه حتى يكونَ الإقرارُ بها مع تحقيق العلم الإلهيِّ من غيرها موجبًا لصلاح الدِّين، ولا يستجيزُ أن يعتدي عليها بالتقدُّم بين يدي الله ورسوله ويقدِّم علمَه وقولَه على عِلْم الرسول وقوله، ولا يستجيزُ أن يسلِّطَ عليها التأويلاتِ العقليةَ ويدَّعي أن ذلك من كمال الدِّين وأن الدِّينَ لا يكونُ كاملًا إلا بذلك. وأحسنُ أحواله أن يدَّعي أن الرسولَ [كان] عالمًا بأنَّ ما أخبر به أنَّ له تأويلاتٍ وتبيانًا غيرَ ما يدلُّ عليه ظاهرُ قوله ومفهومُه، وأنه ما ترك ذلك إلا [لأنه] (٢) ما كان يُمْكِنُه بين تلك الأعراب ونحوهم، وأنه وكَلَ ذلك إلى عقول المتأخرين (٣). وهذا هو الواقع؛ فإن المتفلسفةَ تقول: إن الرُّسلَ لم يتمكَّنوا مِن بيان الحقائق؛ لأن إظهارها يُفْسِدُ الناسَ ولا تحتملُ ذلك عقولُهم. ثم قد يقولون: إنهم عَرفوها، وقد يقولُ بعضهم: لم يعرفوها، أو أنا أعرَفُ بها منهم. ثم يبيِّنونها هُم بالطُّرق القياسية الموجودة عندهم.

стр. 183

ولم يَعْقِلوا أنه إن كان العلمُ بها ممكنًا فهو ممكنٌ لهم كما يدَّعون أنه ممكنٌ لهم، وإلا فلا سبيل لهم إلى معرفتها بإقرارهم. وكذلك التعبيرُ وبيانُ العلم بالخطابِ والكتابِ إن لم يكن ممكنًا فلا يُمْكِنُكم (١) ذلك، وأنتم تتكلَّمون وتكتبون علمَكم في الكتب, وإن كان ذلك ممكنًا فلا يصحُّ قولكم: «لم يُمْكِن الرُّسلَ ذلك». وإن قلتم: يمكنُ الخطابُ بها مع خاصَّة الناس دون عامتهم ــ وهذا قولُهم ــ, فمن المعلوم أن علمَ الرُّسل يكونُ عند خاصَّتهم كما يكونُ علمُكم عند خاصَّتكم. ومن المعلوم أن كلَّ من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم, وهو بذلك أقوَم, كان أحقَّ بالاختصاص به. ولا ريبَ أن أهلَ الحديث أعلمُ الأمَّة وأخَصُّها بعِلم الرسول وعِلم خاصَّته (٢)، مثل: الخلفاء الراشدين, وسائر العشرة، ومثل: أُبيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن سَلَام، وسلمان الفارسي، وأبي الدَّرداء، وعُبَادة بن الصَّامت، وأبي ذرٍّ الغِفَاري، وعمَّار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان. ومثل: سعد بن معاذ، وأُسَيْد بن حُضَيْر، وسعد بن عُبَادة، وعَبَّاد بن بِشْر، وسالم مولى أبي حذيفة، وغير هؤلاء ممَّن كان أخصَّ الناس بالرسول وأعلمَهم بباطن أموره وأتبعَهم لذلك.

стр. 184

فعلماءُ الحديث أعلمُ الناس بهؤلاء وببواطن أمورهم وأتبعُهم لذلك، فيكونُ عندهم العلمُ علمُ خاصَّة الرسول وبِطَانته، كما أن خواصَّ الفلاسفة يعلمون عِلمَ أئمَّتهم، وخواصَّ المتكلمين يعلمون عِلمَ أئمَّتهم، وخواصَّ القرامطة والباطنية يعلمون عِلمَ أئمَّتهم. وكذلك أئمَّةُ الإسلام (١) مثل أئمَّة العلماء، فإن خاصَّةَ كلِّ إمامٍ أعلمُ بباطن أموره, مثل مالك بن أنس فإن ابنَ القاسم لمَّا كان أخصَّ الناس به وأعلمَهم بباطن أمره اعتَمد أتباعُه على روايته، حتى إنه عنه تؤخذُ مسائلُ السِّرِّ التي رواها ابن أبي الغَمْر (٢) وإن طعَن بعضُ الناس فيها (٣)، وكذلك

стр. 185

أبو حنيفة: أبو يوسف ومحمَّدٌ وزُفَر أعلمُ الناس به، وكذلك غيرُهما. وقد يكتبُ العالِمُ كتابًا أو يقولُ قولًا فيكونُ بعضُ من لم يُشَافِهْهُ به أعلمَ بمقصوده مِن بعض مَن شافَهَه به، كما قال النبي ﷺ : «فربَّ مُبَلَّغٍ أوعى مِن سامِع» (١) , لكن بكلِّ حالٍ لا بدَّ أن يكونَ المبلَّغ من الخاصَّة العالمين

стр. 186

بحال المبلَّغ عنه، كما يكونُ في أتباع الأئمَّة من هو أفهمُ لنصوصهم من بعض أصحابهم. ومن المستقرِّ في أذهان المسلمين أن ورثةَ الرُّسل وخلفاءَ الأنبياء هم الذين قاموا بالدِّين علمًا وعملًا ودعوةً إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباعُ الرسول حقًّا، وهم بمنزلة الطائفة الطيِّبة من الأرض التي زَكَت, فقَبِلَت الماءَ, فأنبتَت الكَلأَ والعُشْبَ الكثير، فزَكَت في نفسها وزَكَا الناسُ بها. وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوَّة على الدعوة، ولذلك كانوا ورثةَ الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] , فالأيدي: القوَّة في أمر الله، والأبصار: البصائر في دين الله، فبالبصائر يُدْرَكُ الحقُّ ويُعْرَف، وبالقوة يُتَمَكَّنُ من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه. فهذه الطبقةُ كان لها قوَّةُ الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر بالتأويل، ففجَّرت من النصوص أنهارَ العلوم، واستنبطَت منها كنوزَها، ورُزِقَت فيها فهمًا خاصًّا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد سُئل: هل خصَّكم رسولُ الله ﷺ بشيءٍ دون الناس؟ فقال: لا، والذي فَلقَ الحبَّة وبَرأ النَّسَمة، إلا فهمًا يؤتيه اللهُ عبدًا في كتابه (١). فهذا الفهمُ هو بمنزلة الكلأ والعُشب الذي أنبتته الأرض (٢) , وهو الذي تميَّزت به هذه الطبقةُ عن الطبقة الثانية، وهي التي حَفِظَت النصوص، فكان

стр. 187

همُّها حفظَها وضبطَها، فوَرَدَها الناسُ وتلقَّوها بالقبول، واستنبطوا منها واستخرجوا كنوزَها, واتَّجَروا فيها، وبَذَرُوها في أرضٍ قابلةٍ للزَّرع والنبات، ووَرَدُوها (١) كلٌّ بحسبه, ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]. وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبيُّ ﷺ : «نضَّر اللهُ امرأً سَمِعَ مقالتي, فوَعاها, فأدَّاها كما سَمِعَها، فربَّ حامل فقهٍ وليس بفقيه، وربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه» (٢). وهذا عبد الله بن عباسٍ ﵄ حَبْرُ الأمة وترجمانُ القرآن مقدارُ ما سمعه من النبي ﷺ لا يبلغُ نحو العشرين حديثًا الذي يقول فيه: «سمعتُ» و «رأيتُ» (٣)، وسَمِعَ الكثيرَ من الصحابة، وبُورِك له في فهمه والاستنباط منه

стр. 188

حتى ملأ الدنيا علمًا وفقهًا. قال أبو محمد بن حزم: «وجُمِعَت فتاواه في سبعة أسفارٍ كبار» (١)، وهي بحسب ما بَلَغَ جامعَها، وإلا فعلمُ ابن عباسٍ كالبحر, وفقهُه واستنباطُه وفهمُه في القرآن بالموضع الذي فاقَ به الناس، وقد سَمِعُوا ما سَمِع وحَفِظوا القرآن كما حَفِظه، ولكنَّ أرضه كانت مِن أطيب الأراضي وأقبَلِها للزَّرع، فبَذَر فيها النصوصَ، فأنبتت من كلِّ زوجٍ كريم، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. وأين تقعُ فتاوى ابن عباسٍ وتفسيرُه واستنباطُه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ ! وأبو هريرة أحفظُ منه، بل هو حافظُ الأمَّة على الإطلاق, يؤدِّي الحديثَ كما سَمِعه, ويَدْرُسُه بالليل دَرْسًا، فكانت همَّتُه مصروفةً إلى الحفظ وتبليغ ما حَفِظه كما سَمِعه (٢)، وهمَّةُ ابن عباسٍ مصروفةً إلى التفقُّه

стр. 189

والاستنباط, وتفجير النصوص، وشقِّ الأنهار منها, واستخراج كنوزها. وهكذا ورثتُهم من بعدهم اعتمدوا في دينهم على استنباط النصوص، لا على خيالٍ فلسفيٍّ، ولا رأيٍ قياسيٍّ، ولا غير ذلك من الآراء المبتدعات. لا جَرَم كانت الدائرةُ والثناءُ الصِّدقُ والجزاءُ العاجلُ والآجلُ لورثة الأنبياء التابعون (١) لهم في الدنيا والآخرة, فإن المرءَ على دين خليله, ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وبكلِّ حال, فهم أعلمُ الأمة بحديث الرسول ﷺ وسيرته ومقاصده وأحواله. ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرون (٢) على سماعه أو كتابته أو

стр. 190

روايته، بل نعني بهم: كلَّ من كان أحقَّ بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا، واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهلُ القرآن. وأدنى خصلةٍ في هؤلاء محبةُ القرآن والحديث، والبحثُ عنهما وعن معانيهما, والعملُ بما علموه من مُوجَبهما. ففقهاءُ الحديث أخبَرُ بالرسول من فقهاء غيره، وصُوفيَّتُهم أتبعُ للرسول من صوفيَّة غيرهم (١)، وأمراؤهم أحقُّ بالسياسة النبوية من غيرهم، وعامَّتُهم أحقُّ بموالاة الرسول من غيرهم. ومن المعلوم أن المعظِّمين للفلسفة والكلام المعتقدِين لمضمونهما أبعدُ عن معرفة الحديث واتِّباعه مِن هؤلاء. هذا أمرٌ محسوس. بل إذا كشفتَ أحوالهم وجدتَهم مِن أجهل الناس بأقواله ﷺ وأحواله وبواطن أموره وظاهرها، حتى تجدُ كثيرًا من العامة أعلمَ بذلك منهم. ولا يميِّزون بين ما قاله وما لم يَقُلْه، بل قد لا يفرِّقون بين حديثٍ متواترٍ عنه وحديثٍ مكذوبٍ موضوعٍ عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافقُ قولهم سواءً كان موضوعًا أو غيرَ موضوع، فيَعْدِلُون إلى أحاديثَ يعلمُ خاصَّةُ الرسول بالضرورة اليقينيَّة أنها مكذوبةٌ عليه عن أحاديثَ يعلمُ خاصَّتُه بالضرورة اليقينيَّة أنها قولُه. ولا يعلمون (٢) مرادَه، بل غالبُ هؤلاء لا يعلمون معاني القرآن فضلًا

стр. 191

عن الحديث، بل كثيرٌ منهم لا يحفظون القرآن أصلًا! فمَن لا يحفظُ القرآنَ ولا يعرفُ معانيه، ولا يعرفُ الحديث ومعانيه، مِن أين يكونُ عارفًا بالحقائق المأخوذة عن الرسول؟ ! وإذا تدبَّر العاقلُ وَجَد الطوائفَ كلَّما كانت الطائفةُ إلى الله ورسوله أقربَ كانت بالقرآن والحديث أعظمَ عناية، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعَدَ كانت عنهما أنْأى، حتى تجد في أئمَّة علماء هؤلاء من لا يميِّزُ بين القرآن وغيره، بل ربَّما ذُكِرت عنده آيةٌ فقال: لا نسلِّمُ صحَّة الحديث! وربَّما قال: لقوله ﵇ كذا، وتكونُ آيةً من كتاب الله! وقد بلَغَنا من ذلك عجائب، وما لم يبلُغْنا أكثر (١). وحدثني ثقةٌ أنه تولى مدرسة مَشْهَد الحسين بمصر بعضُ أئمة المتكلمين رجلٌ يسمَّى شمس الدين الأصبهاني (٢) شيخُ الأيكي (٣)،

стр. 192

فأعطوه جزءًا من الرَّبْعَة (١) فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم الْمَص، حتى قيل له: ألف لام ميم صاد. فتأمَّل هذه الحكومةَ العادلة, ليتبيَّن لك أن الذين يَعِيبون أهلَ الحديث ويَعْدِلُون عن مذهبهم جهلةٌ زنادقةٌ منافقون بلا ريب. ولهذا لمَّا بلغ الإمامَ أحمد عن ابن أبي قُتَيلة أنه ذُكِر عنده أهلُ الحديث بمكة، فقال: قومُ سوءٍ, فقام الإمامُ أحمد وهو ينفضُ ثوبَه، ويقول: زنديق زنديق زنديق، ودخل بيتَه (٢). فإنه عَرَف مَغْزاه. وعَيْبُ المنافقين للعلماء بما جاء به الرسولُ قديمٌ من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ (٣). وأما أهلُ العلم فكانوا يقولون: هم الأبدال (٤)؛ لأنهم أبدالُ الأنبياء أو قائمون مقامَهم حقيقةً، ليسوا من المعدومين الذين لا يُعْرَفُ لهم حقيقة، كلٌّ

стр. 193

منهم يقومُ مقامَ الأنبياء في القَدْر الذي ناب عنهم فيه، هذا في العِلْم والمقال، وهذا في العبادة والحال، وهذا في الأمرين جميعًا. وكانوا يقولون: هم الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، الظَّاهرين (١) على الحقِّ، لأن الهدى ودينَ الحقِّ الذي بعثَ اللهُ به رسلَه معهم, وهو الذي وَعَد اللهُ بظهوره على الدين كلِّه، وكفى بالله شهيدًا. فصل وتلخيصُ النكتة: أن الرُّسل إما أنهم عَلِموا الحقائقَ الخبريَّة والطلبيَّة، أو لم يَعْلَمُوها. وإذا عَلِمُوها, فإما أنه كان يُمْكِنُهم بيانُها بالكلام والكتاب، أو لا يُمْكِنُهم ذلك. وإذا أمكَنهم ذلك, فإما أن يُمْكِنَ للعامة أو للخاصة (٢). فإن قال: إنهم لم يَعْلَمُوها، وأن الفلاسفة والمتكلِّمين أعلمُ بها منهم، وأحسنُ بيانًا لها منهم= فلا ريب أن هذا قولُ الزنادقة المنافقين، وسنتكلَّمُ معهم بعد هذا (٣) , إذ الخطابُ هنا لبيان أن هذا قولُ الزنادقة، وأنه لا يقولُه إلا منافقٌ أو جاهل. وإن قال: إن الرُّسلَ مقصودُهم صلاحُ عموم الخلق، وعمومُ الخلق لا يُمْكِنُهم فهمُ هذه الحقائق الباطنة، فخاطَبوهم بضرب الأمثال لينتفعوا بذلك، وأظهَروا الحقائقَ العقليةَ في القوالب الحِسِّية، فتضمَّن خطابُهم عن الله وعن اليوم الآخر من التَّخييل والتَّمثيل للمعقول بصورة المحسوس ما

стр. 194

ينتفعُ به عمومُ الناس في أمر الإيمان بالله وبالمعاد، وذلك يقرِّرُ في النفوس من عظمة الله وعظمة اليوم الآخر ما يَحُضُّ النفوسَ على عبادة الله وعلى الرجاء والخوف، فينتفعون بذلك وينالون السعادةَ بحسب إمكانهم واستعدادهم، إذ هذا الذي فعلته الرُّسلُ هو غايةُ الإمكان في كشف الحقائق لعموم النَّوع البشريِّ، ومقصودُ الرُّسل حِفْظُ النَّوع البشريِّ وإقامةُ مصلحة معاشه ومعاده= فمعلومٌ أن هذا قولُ حُذَّاق الفلاسفة، مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما، وهو قولُ كلِّ حاذقٍ وفاضلٍ من المتكلِّمين في القَدْر الذي يخالفُ فيه أهلَ الحديث (١). فالفارابيُّ يقول: «إن خاصَّة النبوَّة جودةُ تخييل الأمور المعقولة في الصُّوَر المحسوسة» أو نحو هذه العبارة (٢). وابن سينا يذكرُ هذا المعنى في مواضع (٣)، ويقول: ما كان يمكنُ موسى بن عمران مع أولئك العِبْرانيين، ولا يمكنُ محمدًا مع أولئك العرب الجُفاة، أن يبيِّنا لهم الحقائقَ على ما هي عليه، فإنهم كانوا يعجَزون عن فهم ذلك، وإن فَهِمُوه على ما هم عليه انحلَّت عَزَماتُهم عن اتباعه؛ لأنهم لا يرون من العلم ما يقتضي العمل.

стр. 195

وهذا المعنى يوجدُ في كلام أبي حامدٍ وأمثاله ومَن بعده، طائفةٌ منه في «الإحياء» وغير «الإحياء» (١)، وكذلك في كلام الرازي (٢). وأما الاتحاديةُ ونحوهم من المتكلِّمين فعليه مدارُهم، ومبنى كلام الباطنية والقرامطة عليه، لكن هؤلاء ينكرون ظواهرَ الأمور العملية والعِلْمية جميعًا، وأما غيرُ هؤلاء فلا ينكرون العمليَّات الظاهرة المتواترة، لكن قد يجعلونها لعموم الناس لا لخصوصهم، كما يقولون مثل ذلك في الأمور الخبرية, ومدار كلامهم على أن الرسالة متضمنةٌ لمصلحة العموم علمًا وعملًا, وأما الخاصَّة فلا. وعلى هذا يدور كلام أصحاب «رسائل إخوان الصفا» (٣) وسائر فضلاء المتفلسفة. ثم منهم من يوجبُ اتِّباعَ الأمور العملية من الأمور الشرعية، وهؤلاء كثيرون في متفقِّهتهم ومتصوِّفتهم وعقلاء فلاسفتهم. وإلى هنا كان ينتهي علمُ ابن سينا إذا تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسيَّة (٤)؛ فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون اتِّباعَ النواميس التي وضعها

стр. 196

أكابرُ حكماء البلاد، فلَأَنْ يوجِبوا اتِّباعَ نواميس الرسل أولى, فإنهم ــ كما قال ابنُ سينا ــ: «اتفق فلاسفةُ العالم على أنه لم يقرَع العالمَ ناموسٌ أفضلُ من هذا الناموس المحمَّدي» (١) , وكلُّ عقلاء الفلاسفة متَّفقون على أنه أكملُ النوع وأفضلُ النوع البشري، وأن جنسَ الرُّسل أفضلُ من جنس الفلاسفة المشاهير، ثم قد يزعمون أن الرُّسلَ والأنبياءَ حكماءُ كبار، وأن الفلاسفة الحكماءَ أنبياءُ صغار، وقد يجعلونهم صنفان (٢)، وليس هذا موضعَ شرح ذلك, فقد تكلَّمنا على ذلك في غير هذا الموضع (٣). وإنما الغرض أن هؤلاء الأساطِين من الفلاسفة والمتكلِّمين غايةُ ما يقولون هذا القول، ونحن ذكرنا الأمرَ على وجه التقسيم العقليِّ الحاصِر لئلَّا يخرجَ عنه قسم، ليتبيَّن أن المخالفَ لعلماء الحديث علمًا وعملًا إما جاهلٌ وإما منافق، والمنافقُ جاهلٌ وزيادة كما سنبيِّنه إن شاء الله, والجاهل هنا فيه شعبةُ نفاق وإن كان لا يعلمُ بها, فالمنكِر لذلك جاهلٌ منافق.

стр. 197

فقلنا: إن من زعمَ أنه وكبار طائفته أعلمُ من الرُّسل بالحقائق وأحسنُ بيانًا لها= فهذا زنديقٌ منافقٌ إذا أظهَر الإيمانَ بهم باتفاق المؤمنين بهم. وسيجيء الكلامُ معه. وإن قال: إن الرُّسل كانوا أعظمَ علمًا وبيانًا، لكن هذه الحقائق لا يمكنُ علمُها، أو لا يمكنُ بيانُها مطلقًا، أو يمكنُ الأمرين (١) للخاصَّة= قلنا: فحينئذٍ لا يمكنُكم أنتم ما عَجَزت عنه الرُّسلُ من العلم والبيان. إن قلتم: لا يمكنُ علمُها= قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنُكم علمُها بطريق الأولى. وإن قلتم: لا يمكنُهم بيانُها= قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنُكم بيانها. وإن قلتم: يمكنُ ذلك للخاصَّة دون العامة= قلنا: فيمكنُ ذلك للخاصَّة من الرُّسل دون عامَّتهم (٢). فإن ادَّعوا أنه لم يكن في خاصَّة أصحاب الرُّسل من يمكنُهم فَهْمُ ذلك= جَعَلوا السَّابقين الأوَّلين دون المتأخِّرين في العلم والإيمان, وهذا من مقالات الزنادقة؛ لأنه جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلًا وتحقيقًا للأمور الإلهية والمَعَادِيَّة (٣) من هذه الأمة, فهذا مِن

стр. 198

مقالات المنافقين الزنادقة؛ إذ المسلمون متَّفقون على أن هذه الأمة خيرُ الأمم وأكملُهم، وأن أكمل هذه الأمة وأفضلَها سابقوها. وإذا سُلِّمَ ذلك فأعلمُ الناس بالسَّابقين وأتبعُهم لهم هم أهلُ الحديث وأهلُ السُّنة. ولهذا قال الإمامُ أحمد في رسالة عَبْدُوس بن مالك (١): «أصول السُّنة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ , والاقتداءُ بهم، وتركُ البدع، وكلُّ بدعةٍ فهي ضلالة، والسُّنة عندنا آثارُ رسول الله ﷺ ، والسُّنةُ تفسِّر القرآن، وهي دلائلُ القرآن»، أي دلالاتٌ على معناه. ولهذا ذكر العلماءُ أن الرَّفض أساسُ الزندقة (٢)، وأن أول من ابتدعَ الرَّفض إنما كان منافقًا زنديقًا (٣)، وهو ابن سبأ، فإنه إذا قُدِحَ في السابقين الأولين فقد قُدِحَ في نقل الرسالة، أو في فهمها، أو في اتِّباعها. فالرافضةُ تقدحُ تارةً في علمهم بها، وتارة في اتِّباعهم لها، وتحيلُ ذلك على أهل

стр. 199

البيت والمعصوم الذي ليس له وجودٌ في الوجود. والزنادقةُ من الفلاسفة والنُّصَيرية وغيرهم يقدحون تارةً في النقل وهو قولُ جهَّالهم، وتارةً يقدحون في فهم الرسالة وهو قولُ حذَّاقهم كما يذهبُ إليه أكابرُ الفلاسفة والاتحادية ونحوهم. حتى كان التِّلِمْساني (١) مرةً مريضًا فدخل عليه شخصٌ ومعه بعض طلبة الحديث، فأخذ يتكلَّم على قاعدته في الفِكْر أنه حِجَاب، وأن الأمر مدارُه على الكَشْف، وغرضُه كشفُ الوجود المطلق، فقال ذلك الطالب: فما معنى قول أم الدرداء: «كان أفضلُ عمل أبي الدَّرداء التفكُّرُ» (٢) , فتبرَّم بدخول مثل هذا عليه، وقال للذي جاء به: كيف يدخلُ عليَّ مثل هذا؟ ! ثم قال: أتدري يا بنيّ ما مَثَل أبي الدرداء وأمثاله؟ مَثَل أقوامٍ سمعوا كلامًا وحَفِظُوه لنا حتى نكونَ نحن الذين نفهمُه ونعرفُ مرادَ صاحبه، ومَثَلُه بَرِيدٌ

стр. 200

حمَل كتابًا من السُّلطان إلى نائبه (١). أو نحو ذلك, فقد طال عهدي بالحكاية، حدَّثني بها الذي دخل عليه (٢) وهو ثقةٌ يعرفُ ما يقول في هذا، وكان له في هذه الفنون جَوَلانٌ كثير.

стр. 201

وكذلك ابنُ سينا وغيرُه يذكرون من التنقُّص بالصحابة ما وَرِثه عن أبيه وشيعته القرامطة (١)، حتى تجدهم إذا ذكروا في آخر الفلسفة حاجةَ النوع [البشريِّ] إلى الإمامة عرَّضوا بقول الرافضة الضُّلَّال, لكن أولئك يصرِّحون من السَّبِّ بأكثر مما يصرِّحُ به هؤلاء. ولهذا تجدُ بين الرافضة والقرامطة والاتحادية اقترانًا واشتباهًا, تجمعهم أمور, منها: * الطعنُ في خِيار هذه الأمة، وفيما عليه أهل السُّنة والجماعة، وفيما استقرَّ من أصول المِلَّة وقواعد الدين. * ويدَّعون باطنًا امتازوا به واختصُّوا به عمَّن سواهم. ثم هم مع ذلك متلاعِنون متباغِضون مختلفون، كما رأيتُ وسمعتُ من ذلك ما لا يحصى، كما قال الله عن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وقال عن اليهود: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ

стр. 202

الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وكذلك المتكلِّمون المخلِّطون (١) الذين يكونون تارةً مع المسلمين وإن كانوا مبتدعين، وتارةً مع الفلاسفة الصَّابئين، وتارةً مع الكفار المشركين، وتارةً يقابِلون بين الطوائف وينظُرون لمن تكونُ الدائرة، وتارةً يتحيَّرون بين الطوائف. وهذه الصفة كَثُرَت في كثيرٍ ممَّن انتسب إلى الإسلام من العلماء والأمراء وغيرهم، لاسيَّما لما ظهر المشركون من التُّرك على أرض الإسلام بالمشرق في أثناء المئة السابعة, وكان كثيرٌ ممن ينتسبُ إلى الإسلام فيه من النفاق والردَّة ما أوجبَ تسليطَ المشركين وأهل الكتاب (٢). فتجدُ أبا عبد الله الرازي يطعنُ في دلالة الأدلَّة اللفظية على اليقين، وفي إفادة الأخبار للعلم، وهذان هما مقدِّمتا الزندقة كما قدَّمناه (٣) , ثم يعتمدُ فيما أقرَّ به من أمور الإسلام على ما عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام، مثل العبادات والمحرَّمات الظاهرة, وكذلك الإقرار بمعاد الأجساد (٤) , مع أن

стр. 203

الاطلاع (١) على التفاسير والأحاديث يجعلُ العلمَ بذلك مستفادًا من أمور كثيرة. فلا يعطِّلُ تعطيلَ الفلاسفة الصَّابئين, ولا يُقِرُّ إقرارَ الحنفاء العلماء المؤمنين. وكذلك الصَّحابة، وإن كان يقولُ بعدالتهم فيما نقلوه, وبعلمهم في الجملة، لكن يزعمُ في مواضعَ أنهم لم يَعْلَموا شبهات الفلاسفة وما خاضوا فيه؛ إذ لم يجد مأثورًا عنهم التكلُّم بلغة الفلاسفة، ويجعلُ هذا حجةً له في الردِّ على من يزعم ... (٢). وكذلك هذه المقالات لا تجدُها إلا في أجهل المتكلِّمين في العلم وأظْلَمِهم, من هؤلاء المتكلِّمة والمتفلسفة والمتشيِّعة والاتحادية. مثل قول كثيرٍ من الملوك (٣) والمتأمِّرة في الصحابة (٤): إنَّا أشجعُ منهم، وإنهم لم يقاتلوا مثل العدوِّ الذي قاتلناه، ولا باشَروا الحروبَ مباشرتَنا، ولا سَاسُوا سياستَنا (٥). وهذا لا تجدُه إلا في أجهل الملوك وأظْلَمِهم.

стр. 204

فإنه (١) إن أراد أن نفسَ ألفاظهم (٢) وما يتوصَّلون به إلى بيان مرادهم من المعاني لم يعلموه (٣) = فهذا لا يضرُّهم؛ إذ العلمُ بلغات الأمم ليس ممَّا يجبُ على الرُّسل وأصحابهم، بل يجبُ ما لا يتمُّ التبليغُ إلا به, فالمتوسِّطون بينهم من التَّراجِمَة يعلمون لفظ كلٍّ منهما ومعناه، فإن كان المعنيان واحدًا كالشمس والقمر وإلا عَلِمُوا ما بين المعنيين من الاجتماع والافتراق وبيَّنوا لكلٍّ منهما مرادَ صاحبه، كما تُصَوَّرُ المعاني ويُبَيَّن ما بين المعنيين من التماثل والتشابه والتقارب. فالصحابةُ كانوا يعلمون ما جاء به الرسول، وفيما جاء به بيانُ الحجَّة على بطلان كفر كلِّ كافرٍ وبيانُ ذلك بقياسٍ صحيحٍ أحقُّ وأحسنُ بيانًا من مقاييس أولئك الكفار، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣] , أخبَر سبحانه أن الكفَّار لا يأتونه بقياسٍ عقليٍّ لباطلهم إلا جاءه الله بالحقِّ، وجاء من البيان والدليل وضَرْبِ المَثَلِ بما هو أحسنُ تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحقِّ من قياسهم (٤). وجميعُ ما تقوله الصابئةُ والمتفلسفةُ وغيرُهم من الكفَّار من حُكمٍ أو دليلٍ يندرجُ فيما عَلِمَه الصحابة. وهذه الآيةُ ذكَرها الله تعالى بعد قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي

стр. 205

اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٠، ٣١] , فبيَّن أن من هَجَر القرآنَ فهو من أعداء الرُّسل، وأن هذا أمرٌ لا بدَّ منه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ ــ ٢٩]. والله تعالى قد أرسل نبيَّه محمدًا إلى جميع العالمين، وضرَبَ الأمثالَ فيما أرسله به لجميعهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٢٧] , فأخبر أنه ضرَبَ لجميع الناس في هذا القرآن من كلِّ مَثَل. ولا ريب أن الألفاظَ في المخاطَبات تكونُ بحسب الحاجات كالسِّلاح في المحاربات (١) , فإذا كان عدوُّ المسلمين هم في تحصُّنهم وتسلُّحهم على صفةٍ غير الصفة التي كانت عليها فارسُ والروم= كان جهادُهم بحسب ما توجبُه الشريعةُ التي مبناها على تحرِّي ما هو لله أطوعُ وللعبد أنفع (٢) وهو الأصلحُ في الدنيا والآخرة.

стр. 206

وقد يكون الخبيرُ بحروبهم أقدرَ على حربهم ممَّن ليس كذلك، لا لفضل قوَّته وشجاعته ولكن لمجانسَته لهم، كما يكونُ الأعجميُّ المتشبِّه بالعرب ــ وهم خيارُ العجم ــ أعلمَ بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي، وكما يكونُ العربيُّ المتشبِّه بالعجم ــ وهم أدنى العرب ــ أعلمَ بمخاطبة العرب من العجمي, فقد جاء في الحديث: «خيارُ عَجَمِكم المتشبِّهون بعَرَبكم، وشِرارُ عَرَبكم المتشبِّهون بعَجَمكم» (١). ولهذا لمَّا حاصَر النبيُّ ﷺ أهلَ الطائف رماهم بالمَنْجَنِيق (٢)، وقاتَلهم قتالًا لم يقاتِل مثلَه في المُزَاحَفة (٣) في يوم بدرٍ وغيره. وكذلك لمَّا حُوصِر المسلمون عام الخندَق اتخَذوا من الخندق ما لم يحتاجوا إليه في غير الحصار. وقد قيل: إن سلمان أشار عليهم بذلك (٤)، فسلَّموا ذلك لأنه طريقٌ إلى فعل ما أمر الله به ورسوله.

стр. 207

وقد قرَّرنا في «قاعدة السُّنة والبدعة» (١) أن البدعة في الدِّين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمرَ إيجابٍ ولا استحباب. فأما ما أمر به أمرَ إيجابٍ أو استحباب، وعُلِمَ الأمرُ به بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. وسواءٌ كان هذا مفعولًا على عهد النبيِّ ﷺ أو لم يكن. فما فُعِلَ بعده بأمره ــ مِن قتال المرتدِّين والخوارج المارقين وفارس والرُّوم والتُّرك، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب, وغير ذلك ــ هو مِن سُنَّته. ولهذا كان عمرُ بن عبد العزيز يقول: «سَنَّ رسولُ الله ﷺ [وولاةُ الأمر بعده] (٢) سُنَنًا الأخذُ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمالٌ لطاعة الله، وقوَّةٌ على دين الله, ليس لأحدٍ تغييرُها ولا النظرُ في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتدٍ, ومن استنصَر بها فهو منصور, ومن خالفها واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين ولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنَّم وساءت مصيرًا» (٣).

стр. 208

فسنَّةُ خلفائه الراشدين هي ممَّا أمر اللهُ به ورسوله، وعليه أدلةٌ شرعيةٌ مفصَّلةٌ ليس هذا موضعها (١). فكما أن الله بيَّن في كتابه مخاطبةَ أهل الكتاب، وأقام عليهم الحجة بما بيَّنه من أعلام رسالة محمد ﷺ , وما في كتبهم من ذلك، وما حرَّفوه وبدَّلوه من دينهم، وصدَّق بما جاءت به الرُّسل قبله, حتى إذا سَمِع ذلك الكتابيُّ العالِمُ المنصفُ وجَد ذلك كلَّه من أبين الحجَّة وأقوم المحجَّة. و المناظرةُ والمحاجَّةُ لا تنفعُ إلا مع العدل والإنصاف ، وإلا فالظالمُ يجحدُ الحقَّ الذي يعلمه ــ وهو المُسَفْسِطُ والمُقَرْمِط (٢) ــ، ويمتنعُ عن الاستماع والنظر في طريق العلم ــ وهو المُعْرِضُ عن النظر والاستدلال ــ. فكما أن الإحساسَ الظاهرَ لا يحصُل للمعرِض ولا يقومُ للجاحد، فكذلك الشُّهودُ الباطنُ لا يحصُل للمعرِض عن النظر والبحث، بل طالبُ

стр. 209

العلم يجتهدُ في طلبه مِن طُرقه, ولهذا سُمِّي: مجتهدًا، كما يسمَّى المجتهدُ في العبادة وغيرها: مجتهدًا، كما قال بعض السَّلف: «ما المجتهدُ فيكم إلا كاللاعب فيهم» (١). وقال أُبيُّ بن كعب وابنُ مسعود: «اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في بدعة» (٢). وقد قال النبيُّ ﷺ : «إذا اجتهد الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» (٣). وقال معاذُ بن جبل ــ ويروى مرفوعًا, وهو محفوظٌ عن معاذ ــ: «عليكم بالعلم, فإن تعلُّمه خشية، وطلبَه عبادة، ومذاكرَته تسبيح، والبحثَ عنه جهاد، وتعليمَه لمن لا يَعْلَمُه صدقة، وبذلَه لأهله قربة» (٤) , فجَعَل الباحثَ عنه مجاهدًا في سبيل الله. ولمَّا كانت المحاجَّةُ لا تنفعُ إلا مع العدل، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا

стр. 210

أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، فالظالمُ ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن. وإذا حصَل مِن مُسْلِمَة أهل الكتاب الذين عَلِمُوا ما عندهم بلُغَتِهم وترجموا لنا بالعربية انتُفِع بذلك في مناظرتهم ومخاطبتهم، كما كان عبد الله بن سَلَام وسلمانُ الفارسي وكعبُ الحَبْر (١) وغيرُهم يحدِّثون عما عندهم من العلم، وحينئذٍ يُسْتَشْهَدُ بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول، ويكونُ حجةً عليهم من وجهٍ وعلى غيرهم من وجهٍ آخر، كما بيَّناه في موضعه. والألفاظُ العِبْريَّةُ تُقارِبُ العربيَّةَ بعض المقاربة (٢)، كما تتقاربُ

стр. 211

الأسماء (١) في الاشتقاق الأكبر, وقد سمعتُ ألفاظَ التوراة بالعِبْريَّة مِن مُسْلِمة أهل الكتاب فوجدتُ اللغتين متقاربتين غايةَ التقارب، حتى صرتُ أفهمُ كثيرًا من كلامهم العِبْريِّ بمجرَّد المعرفة بالعربية (٢). والمعاني الصحيحة (٣) إما مقاربةٌ لمعاني القرآن أو مثلُها أو بعينها، وإن كان في القرآن من الألفاظ والمعاني خصائصُ عظيمة. فإذا أراد المجادلُ منهم [أن] يذكُر ما يَطْعَنُ في القرآن بنقلٍ أوعقل، مثل أن ينقُل عما في كتبهم عن الأنبياء ما يخالفُ ما جاء به محمدٌ ﷺ ، أو خلافَ ما ذكره الله في كتبهم، كزعمِهم للنبيِّ ﷺ أن الله أمرَهم بتَحْمِيم الزاني دون رجمِه= أمكَن النبيَّ ﷺ والمؤمنين أن يطلبوا التوراةَ ومن يقرؤها بالعِبريَّة ويترجمُها من ثقات التراجمة، كعبد الله بن سَلَام ونحوه لمَّا قال لحَبْرهم: ارفع يدَك عن آية الرجم، فإذا هي تَلُوح، ورجَم النبيُّ ﷺ الزانيَيْن منهما بعد أن أقام عليهم الحجَّة من كتابهم، وذلك أنه موافقٌ لما أنزله الله عليه من الرَّجم، وقال: «اللهمَّ إني أولُ من أحيا أمرَك إذ أماتُوه» (٤). ولهذا قال ابنُ عباسٍ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: محمدٌ ﷺ من النبيِّين الذين

стр. 212

أسلموا (١). وهو لم يحكُم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وكذلك يمكنُ أن يقرأ من نسخةٍ مترجَمةٍ بالعربية، قد ترجمها الثقاتُ بالخطِّ واللفظ العربيَّين, يعلمُ بهما ما عندهم بواسطة المترجمين الثقات من المستأمنين (٢) , أو ممَّن يعلمُ خطَّهم منَّا كزيد بن ثابتٍ ونحوه لما أمره النبيُّ ﷺ أن يتعلَّم ذلك، والحديث معروفٌ في السنن (٣)، وقد احتجَّ به البخاريُّ في باب «ترجمة الحاكم, وهل يجوز تَرجمانٌ [واحد] (٤)؟ »، قال: «وقال خارجةُ بن زيدٍ عن زيد بن ثابت: أن النبيَّ أمره أن يتعلَّم كتابَ اليهود، حتى كتبتُ للنبي ﷺ كتبَه، وأقرأتُه كتبَهم إذا كتبوا إليه» (٥). والمكاتبةُ بخطِّهم والمخاطبةُ بلغتهم من جنسٍ واحد، وإن كانا قد يجتمعان وقد ينفردُ أحدُهما عن الآخر (٦)، مثل كتابة اللفظ العربيِّ بالخطِّ العِبْريِّ وغيره من خطوط الأعاجم، وكتابة اللفظ العجميِّ بالخطِّ العربي,

стр. 213

وقد لا يتفقُ ذلك. ولهذا قال سبحانه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣] , فأمرنا أن نطلبَ منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل ما يخالفُ ذلك (١)، فإنهم كانوا ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، ويكتبون الكتابَ بأيديهم ويقولون هو من عند الله، ويكذبون في كلامهم وكتابهم؛ فلهذا لا تقبلُ الترجمةُ إلا من ثقة. فإذا احتجَّ أحدُهم على خلاف القرآن بروايةٍ عن الرُّسل المتقدِّمين، مثل الذي يروى عن موسى أنه قال: «تمسَّكوا بالسَّبت ما دامت السمواتُ والأرض» (٢) = أمكننا أن نقولَ لهم: في أيِّ كتابٍ هذا؟ أحْضِروه, وقد عَلِمنا أن هذا ليس في كتبهم, وإنما هو مفترًى مكذوب (٣) , وعندهم

стр. 214

النبوءاتُ (١) التي هي مئتان وعشرون، وكتاب المشنو (٢) الذي معناه المَثْناة، وهي [التي] جعلها عبد الله بن عمرٍو فينا من أشراط السَّاعة، فقال: «لا تقومُ السَّاعةُ حتى تُقْرأ فيكم المَثْناة. أوَتَدْرُونَ ما المَثْناة؟ ما كُتِبَ من الكتب غيرَ كتاب الله» (٣).

стр. 215

وكذلك إذا سئلوا عمَّا في الكتاب من ذِكْر أسماء الله وصفاته, لتقام
следующие страницы →