الأسماء (١) في الاشتقاق الأكبر, وقد سمعتُ ألفاظَ التوراة بالعِبْريَّة مِن مُسْلِمة أهل الكتاب فوجدتُ اللغتين متقاربتين غايةَ التقارب، حتى صرتُ أفهمُ كثيرًا من كلامهم العِبْريِّ بمجرَّد المعرفة بالعربية (٢).
والمعاني الصحيحة (٣) إما مقاربةٌ لمعاني القرآن أو مثلُها أو بعينها، وإن كان في القرآن من الألفاظ والمعاني خصائصُ عظيمة.
فإذا أراد المجادلُ منهم [أن] يذكُر ما يَطْعَنُ في القرآن بنقلٍ أوعقل، مثل أن ينقُل عما في كتبهم عن الأنبياء ما يخالفُ ما جاء به محمدٌ ﷺ ، أو خلافَ ما ذكره الله في كتبهم، كزعمِهم للنبيِّ ﷺ أن الله أمرَهم بتَحْمِيم الزاني دون رجمِه= أمكَن النبيَّ ﷺ والمؤمنين أن يطلبوا التوراةَ ومن يقرؤها بالعِبريَّة ويترجمُها من ثقات التراجمة، كعبد الله بن سَلَام ونحوه لمَّا قال لحَبْرهم: ارفع يدَك عن آية الرجم، فإذا هي تَلُوح، ورجَم النبيُّ ﷺ الزانيَيْن منهما بعد أن أقام عليهم الحجَّة من كتابهم، وذلك أنه موافقٌ لما أنزله الله عليه من الرَّجم، وقال: «اللهمَّ إني أولُ من أحيا أمرَك إذ أماتُوه» (٤).
ولهذا قال ابنُ عباسٍ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، قال: محمدٌ ﷺ من النبيِّين الذين
стр. 212
أسلموا (١). وهو لم يحكُم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
وكذلك يمكنُ أن يقرأ من نسخةٍ مترجَمةٍ بالعربية، قد ترجمها الثقاتُ بالخطِّ واللفظ العربيَّين, يعلمُ بهما ما عندهم بواسطة المترجمين الثقات من المستأمنين (٢) , أو ممَّن يعلمُ خطَّهم منَّا كزيد بن ثابتٍ ونحوه لما أمره النبيُّ ﷺ أن يتعلَّم ذلك، والحديث معروفٌ في السنن (٣)، وقد احتجَّ به البخاريُّ في باب «ترجمة الحاكم, وهل يجوز تَرجمانٌ [واحد] (٤)؟ »، قال: «وقال خارجةُ بن زيدٍ عن زيد بن ثابت: أن النبيَّ أمره أن يتعلَّم كتابَ اليهود، حتى كتبتُ للنبي ﷺ كتبَه، وأقرأتُه كتبَهم إذا كتبوا إليه» (٥).
والمكاتبةُ بخطِّهم والمخاطبةُ بلغتهم من جنسٍ واحد، وإن كانا قد يجتمعان وقد ينفردُ أحدُهما عن الآخر (٦)، مثل كتابة اللفظ العربيِّ بالخطِّ العِبْريِّ وغيره من خطوط الأعاجم، وكتابة اللفظ العجميِّ بالخطِّ العربي,
стр. 213
وقد لا يتفقُ ذلك.
ولهذا قال سبحانه: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣] , فأمرنا أن نطلبَ منهم إحضار التوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في نقل ما يخالفُ ذلك (١)، فإنهم كانوا ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، ويكتبون الكتابَ بأيديهم ويقولون هو من عند الله، ويكذبون في كلامهم وكتابهم؛ فلهذا لا تقبلُ الترجمةُ إلا من ثقة.
فإذا احتجَّ أحدُهم على خلاف القرآن بروايةٍ عن الرُّسل المتقدِّمين، مثل الذي يروى عن موسى أنه قال: «تمسَّكوا بالسَّبت ما دامت السمواتُ والأرض» (٢) = أمكننا أن نقولَ لهم: في أيِّ كتابٍ هذا؟ أحْضِروه, وقد عَلِمنا أن هذا ليس في كتبهم, وإنما هو مفترًى مكذوب (٣)
, وعندهم
стр. 214
النبوءاتُ (١) التي هي مئتان وعشرون، وكتاب المشنو (٢) الذي معناه المَثْناة، وهي [التي] جعلها عبد الله بن عمرٍو فينا من أشراط السَّاعة، فقال: «لا تقومُ السَّاعةُ حتى تُقْرأ فيكم المَثْناة. أوَتَدْرُونَ ما المَثْناة؟ ما كُتِبَ من الكتب غيرَ كتاب الله» (٣).
стр. 215
وكذلك إذا سئلوا عمَّا في الكتاب من ذِكْر أسماء الله وصفاته, لتقام
стр. 216
الحجةُ عليهم وعلى غيرهم بموافقة الأنبياء المتقدِّمين لمحمدٍ ﷺ ، فحرَّفوا الكَلِمَ عن مواضعه= أمكَن معرفةُ ذلك، لما تقدَّم (١).
وإن ذكروا حجَّةً عقليةً فهمت ايضا مين (٢) ما في القرآن بردِّها، مثل إنكارهم للنَّسخ بالعقل، حتى قالوا: لا ينسَخُ ما حرَّمه، ولا ينهى عما أمَر به، فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] , قال البراء بن عازب ــ في «الصحيحين» (٣) ــ: هم اليهود.
فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢] , فذكَر ما في النَّسخ من تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية، ومِن كَون الأمر الثاني قد يكونُ أصلحَ وأنفع، فقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بيانٌ للأصلح الأنفع، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ردٌّ للأمر إلى المشيئة.
وعلى بعض ما في الآية اعتمادُ جميع المتكلمين حيث قالوا: التكليفُ إما تابعٌ لمحض المشيئة كما يقولُه قوم، أو تابعٌ للمصلحة كما يقولُه قوم، وعلى التقديرين فهو جائز (٤).
ثم إنه سبحانه بيَّن وقوعَ النَّسخ بتحريم الحلال في التوراة بأنه أحلَّ
стр. 217
لإسرائيل أشياءَ ثم حرَّمها في التوراة، وأن هذا كان تحليلًا شرعيًّا بخطابٍ لم يكونوا استباحوه بمجرَّد البقاء على الأصل حتى لا يكون رفعُه نسخًا، كما يدعيه قومٌ منهم.
وأمَر بطلب التوراة في ذلك, وهكذا وجدناه فيها، كما حدَّثنا بذلك مُسْلِمَةُ أهل الكتاب في غير موضع (١).
وهكذا مناظرةُ الصَّابئة الفلاسفة والمشركين ونحوهم ، فإن الصَّابئ الفيلسوف إذا ذَكر ما عند قدماء الصَّابئة الفلاسفة من الكلام الذي عُرِّبَ وتُرْجِمَ بالعربية, وذَكَره إما صِرفًا وإما على الوجه الذي تصرَّف فيه متأخِّروهم بزيادةٍ ونقصان، وبسطٍ واختصار، وردِّ بعضه وإتيانٍ بمعانٍ أُخَر ليست فيه, ونحو ذلك= فإنْ ذَكَر ما لا يتعلَّقُ بالدين، مثل الطبِّ والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتبَ من أخَذ عنهم مثل محمد بن زكريا الرازي (٢) وابن سينا ونحوهما من الزنادقة الأطباء, ما غايتُه انتفاعٌ بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا= فهذا جائز, كما تجوزُ السُّكنى في ديارهم، ولبسُ ثيابهم وسلاحهم.
وكما تجوز مُفَالَحتُهم (٣) على الأرض، كما عامل النبيُّ ﷺ يهودَ
стр. 218
خيبر (١).
وكما استأجر النبيُّ ﷺ هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرَيْن رجلًا من بني الدِّيل هاديًا خرِّيتًا، والخرِّيتُ الماهرُ بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابِّهما، وواعداه غارَ ثورٍ صُبْحَ ثالثة (٢).
وكانت خزاعةُ عَيْبةَ نُصْحِ رسول الله ﷺ (٣) مسلمُهم وكافرُهم (٤)، وكان يقبلُ نصحَهم.
وكلُّ هذا في «الصحيحين».
وكان أبو طالب ينصرُ النبيَّ ﷺ ويذبُّ عنه مع شِركه.
وهذا كثير, فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمَن، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، ولهذا جاز ائتمانُ أحدهم على المال، وجاز أن يُسْتَطَبَّ الكافرُ إذا كان ثقةً، نصَّ على ذلك الأئمة كأحمد وغيره (٥)؛ إذ ذاك قبولٌ لخبرهم فيما يَعْلَمُونه من أمر الدنيا وائتمانٌ لهم على ذلك، وهو جائزٌ إذا لم يكن فيه مفسدةٌ راجحةٌ مثل ولايته
стр. 219
على المسلمين وعلوِّه عليهم ونحو ذلك (١).
فأخذُ عِلْم الطبِّ من كتبهم مثلُ الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه، بل هذا أحسن؛ لأن كتبَهم لم يكتبوها لمعيَّنٍ من المسلمين حتى تدخُل فيها الخيانة، وليس فيها حاجةٌ إلى أحدٍ منهم بالحياة (٢)، بل هي مجرَّدُ انتفاعٍ بآثارهم، كالملابس والمساكن والمزارع والسِّلاح ونحو ذلك.
وإن ذَكَر (٣) ما يتعلَّقُ بالدين، فإنْ نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالًا، وإن أحالوا معرفتَه على القياس العقليِّ، فإن وافقَ ما في القرآن فهو حقٌّ، وإن خالفه ففي القرآن بيانُ بطلانه بالأمثال المضروبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ففي القرآن الحقُّ والقياسُ البيِّن الذي يبيِّنُ بطلانَ ما جاؤوا به من القياس.
وإن كان ما يذكرونه مجملًا فيه الحقُّ [وفيه الباطل] (٤) , وهو الغالبُ على الصَّابئة المبدِّلين مثل أرسطو وأتباعه وعلى من اتبعَهم من الآخِرين (٥) ,
стр. 220
[فالواجبُ] قبولُ الحقِّ وردُّ الباطل، والحقُّ من ذلك لا يكونُ بيانُ صفة الحقِّ فيه كبيان صفة الحقِّ في القرآن, فالأمرُ في هذا موقوفٌ على معرفة القرآن ومعانيه وتفسيره وترجمته.
والترجمةُ والتفسير ثلاثُ طبقات (١):
أحدها: ترجمةُ مجرَّد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظٍ مرادِف، ففي هذه الترجمة يريدُ أن تَعْرِفَ أن الذي يعنى بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذي يعنى باللفظ عند هؤلاء. فهذا علمٌ نافع؛ إذ كثيرٌ من الناس يقيِّدُ المعنى باللفظ، فلا يجرِّدُه عن اللفظين جميعًا.
والثانية: ترجمةُ المعنى وبيانُه, بأن يصوِّر المعنى للمخاطَب، فتصويرُ المعنى له وتفهيمُه إياه قدرٌ زائدٌ على ترجمة اللفظ، كما يشرحُ للعربيِّ كتابًا عربيًّا قد سَمِع ألفاظَه العربيةَ لكنه لم يتصوَّر معانيه ولا فَهِمَها.
وتصويرُ المعنى يكونُ بذكر عينِه, أو نظيره, أو تركيب صفاتٍ من مفرداتٍ يفهمُها المخاطَبُ يكونُ ذلك المركَّب صورةَ ذلك المعنى، إما تحديدًا وإما تقريبًا (٢).
الدرجة الثالثة: بيانُ صحة ذلك المعنى وتحقيقه بذكر الدليل والقياس الذي يحقِّقُ ذلك المعنى، إما بدليلٍ مجرَّدٍ وإما بدليلٍ يبيِّن علَّة وجوده.
وهنا قد يحتاجُ إلى ضرب أمثلةٍ ومقاييسَ تفيدُه التصديقَ بذلك المعنى،
стр. 221
كما يحتاجُ في الدرجة الثانية إلى أمثلةٍ لتصوُّر ذلك المعنى. وقد يكونُ نفسُ تصوُّره مفيدًا للعلم بصدقه، وإذا كفى تصوُّر معناه في التصديق به لم يحتَجْ إلى قياسٍ ومَثَلٍ ودليلٍ آخر.
فإذا عُرِفَ القرآنُ هذه المعرفة فالكلامُ الذي يوافقُه أو يخالفُه من كلام أهل الكتاب والصَّابئين والمشركين لا بدَّ فيه من الترجمة للَّفظ والمعنى أيضًا، وحينئذٍ فالقرآنُ فيه تفصيلُ كلِّ شيء, كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١]، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
ومعلومٌ أن الأمَّة مأمورةٌ بتبليغ القرآن لفظِه ومعناه، كما أُمِر بذلك الرسول، ولا يكونُ تبليغُ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغَه إلى العَجَم قد يحتاجُ إلى ترجمته لهم، فيُتَرجَمُ لهم بحسب الإمكان (١)، والترجمةُ قد تحتاجُ إلى ضرب أمثالٍ لتصوير المعاني، فيكونُ ذلك من تمام الترجمة.
وإذا كان من المعلوم أن أكثر المسلمين ــ بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم ــ لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه، فغيرُهم أن يعجَز عن ترجمة ما عنده وبيانه أولى بذلك؛ لأن عقلَ المسلمين أكمل، وكتابَهم أقومُ قِيلًا وأحسنُ حديثًا، ولغتَهم أوسع، لا سيَّما إذا كانت تلك المعاني غير
стр. 222
محقَّقة، بل فيها باطلٌ كثير؛ فإن ترجمةَ المعاني الباطلة وتصويرَها صعب؛ لأنه ليس لها نظيرٌ من الحقِّ من كلِّ وجه (١).
فإذا سئلنا عن كلامٍ يقولونه: هل هو حقٌّ أو باطل، ومِن أين يتبيَّن الحقُّ فيه والباطل؟
[قيل:] (٢) من القرآن, بالحجَّة والدَّليل، كما كان المشركون وأهلُ الكتاب يسألون رسول الله ﷺ عن مسائل أو يناظِرونه، وكما كانت الأممُ تجادِلُ رسلَها؛ إذ كثيرٌ من الناس يدَّعي موافقةَ الشريعة للفلسفة.
مثال ذلك: إذا ذكروا «العقول العشرة» و «النفوس التسعة» , وقالوا: إن العقلَ الأول هو الصَّادرُ الأولُ عن الواجب بذاته، وإنه من لوازم ذاته ومعلولٌ له، وكذلك الثاني عن الأول، وإن لكل فلَكٍ عقلًا ونفسًا (٣).
قيل: قولكم: «عقل» و «نفس» لغةٌ لكم، فلا بدَّ من ترجمتها، وإن كان اللفظُ عربيًّا فلا بدَّ من ترجمة المعنى.
стр. 223
فيقولون: العقلُ هو الرُّوح المجرَّدة عن المادَّة, وهي الجسدُ وعلائقها, سمَّوه عقلًا ويسمُّونه مفارِقًا، ويسمُّون تلك المفارِقات للموادِّ لأنها مفارِقةٌ للأجساد، كما أن روحَ الإنسان إذا فارقت جسدَه كانت مفارِقةً للمادَّة التي هي الجسد (١).
والنفسُ هي الروحُ المدبِّرةُ للجسم، مثل نفس الإنسان إذا كانت في جسمه، فمتى كانت (٢) في الجسم كانت محرِّكةً له، فإذا فارقَتْه صارت عقلًا محضًا، أي: يَعْقِلُ العلومَ من غير تحريكٍ بشيء من الأجسام.
فهذه العقولُ والنفوس, وهذا الذي ذكرناه مِن أحسن الترجمة عن معنى العقل والنفس، وأكثرُهم لا يحصِّلون ذلك (٣).
قالوا: وأثبتنا لكلِّ فلَكٍ نفسًا لأن الحركة اختياريةٌ فلا تكونُ إلا لنفسٍ، ولكلِّ نفسٍ عقلًا لأن العقلَ كاملٌ لا يحتاجُ إلى حركة، والمتحرِّكُ يطلبُ الكمالَ فلا بدَّ أن يكون فوقه ما يتشبَّه (٤) به وما يكونُ علةً له، ولهذا كانت حركةُ أنفسنا للتشبُّه بما فوقنا من العقول، وكلُّ ذلك تشبُّهٌ بواجب الوجود بحسب الإمكان.
والأول لا يَصْدُر عنه إلا عقل؛ لأن النفسَ تقتضي جسمًا، والجسمُ فيه كثرة، والصَّادرُ عنه لا يكونُ إلا واحدًا. ولهم في الصُّدور اختلافٌ كثيرٌ ليس
стр. 224
هذا موضعه (١).
قيل لهم: أما إثباتكم أن في السماء أرواحًا فهذا يُشْبِهُ ما في القرآن وغيره من كتب الله، ولكن ليست هي الملائكة كما يقولُ الذين يزعمون منكم أنهم آمنوا بما أُنزِلَ على الرسول وما أُنزِل مِن قبله ويقولون: ما أردنا إلا الإحسانَ والتوفيقَ بين الشَّريعة والفلسفة (٢)، فإنهم قالوا: العقولُ والنفوسُ عند الفلاسفة هي الملائكةُ عند الأنبياء (٣). وليس كذلك، لكن تُشْبِهُها من بعض الوجوه.
فإن اسمَ الملائكة والمَلَك يتضمَّنُ أنهم رُسُلُ الله، كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وكما قال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، فالملائكةُ رسلُ الله في تنفيذ أمره الكونيِّ الذي يدبِّر به السموات والأرض، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وكما قال: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]، وأمرِه الدينيِّ الذي
стр. 225
تَنْزِلُ به الملائكة، فإنه ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]، وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
وملائكةُ الله لا يحصي عددَهم إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وقيل لهم: الذي في الكتاب والسُّنة مِن ذِكْر الملائكة وكثرتهم أمرٌ لا يُحْصَر، حتى قال النبيُّ ﷺ : «أَطَّت السماءُ وحُقَّ لها أن تَئطّ (١)، ما فيها موضعُ أربع أصابع إلا ملكٌ قائمٌ أو قاعدٌ أو راكعٌ أو ساجد» (٢)، وقال الله
стр. 226
تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].
فمن جعلهم عشرة، أو تسعة عشر، أو زعم أن التسعة عشر الذين على سَقَر هم العقولُ والنفوس= فهذا جهلُه بما جاء عن الله ورسوله وضلالُه في ذلك بيِّن؛ إذ لم يتَّفق الاسمان في صفة المسمَّى ولا في قَدْره كما تكونُ الألفاظُ المترادفة، وإنما اتفقَ المسمَّيان في كون كلٍّ منهما روحًا متعلِّقًا بالسَّماوات, وهذا من بعض صفات ملائكة السَّماوات.
فالذي أثبتوه بعض الصِّفات لبعض الملائكة، وهو بالنسبة إلى الملائكة وصفاتهم وأقدارهم وأعدادهم في غاية القِلَّة، أقلُّ مما يؤمنُ به السَّامِرَة من الأنبياء بالنسبة إلى الأنبياء؛ إذ لا يؤمنون بعد موسى ويوشَع بنبيٍّ (١).
كيف وهم لم يثبتوا للملائكة من الصِّفة إلا مجرَّدَ ما عَلِمُوه من نفوسهم, مجرَّد العلم للعقول، والحركة الإرادية للنفوس.
ومن المعلوم أن الملائكة لهم من العلوم والأحوال والإرادات والأعمال
تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكةُ عند ربها؟ » قالوا: وكيف تصفُّ الملائكةُ عند ربها؟ قال: «يسدُّون الأوَّل [فالأوَّل]، ويتراصُّون في الصَّفّ» (١).
وفي «الصحيحين» (٢) عن قتادة, عن أنس, عن مالك بن صعصعة في حديث المعراج, عن النبي ﷺ , لمَّا ذكر صعودَه إلى السماء السابعة, قال: «فرُفِعَ لي البيتُ المعمور, فسألتُ جبريل، فقال: هذا البيتُ المعمورُ يصلِّي فيه كلَّ يومٍ سبعون ألفَ مَلَك، إذا خرجوا لم يعودوا آخرَ ما عليهم».
وقال البخاري (٣): وقال همام, عن قتادة, عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في البيت المعمور.
فهذا أمرٌ لا يحصيه إلا الله.
وفي «الصحيحين» (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أمَّن القارئُ فأمِّنوا؛ فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه»، وفي الرواية الأخرى في «الصحيحين» (٥): «إذا قال: آمين فإن الملائكةَ في السماء تقولُ: آمين».
стр. 230
وفي «الصحيحين» (١) أيضًا عن أبي صالح, عن أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: سمعَ الله لمن حَمِدَه، فقولوا: اللهمَّ ربنا ولك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه».
وفي «الصحيح» (٢) عن عروة، عن عائشة زوج النبي ﷺ , أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الملائكة تنزلُ في العَنَان, وهو السحاب, فتَذْكُر الأمرَ قُضِيَ في السماء، فتسترقُ الشياطينُ السَّمْعَ، فتَسْمَعُه، فتوحيه إلى الكهَّان، فيكذِبُون معها مئة كذبةٍ من عند أنفسهم».
وفي «الصحيحين» (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن لله ملائكةً سيَّارةً فُضْلًا (٤) يَتْبَعُون مجالسَ الذِّكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذِكْرٌ قعَدوا معهم، وحفَّ بعضُهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا عَرَجُوا وصَعِدوا إلى السماء، فيسألهم الله وهو أعلم: مِن أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض, يسبِّحونك, ويكبِّرونك، ويهلِّلونك, ويحمَدونك، ويسألونك. قال: وما يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنَّتك. قال: وهل رأوا جنَّتي؟ قالوا: لا أي رب، قال: فكيف لو رأوا جنَّتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: وممَّ يستجيرونني؟ قالوا: مِن نارك. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا يا رب. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا:
стр. 231
ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرتُ لهم, وأعطيتُهم ما سألوا، وأجَرْتُهم مما استجاروا. قال: يقولون: ربِّ، فيهم فلانٌ عبد خطَّاء، إنما مرَّ فجلس معهم. قال: فيقول: وله قد غفرتُ، هم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم».
وفي «الصحيحين» (١) عن عروة، عن عائشة حدَّثته أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحُد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبة؛ إذ عَرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفِق إلا وأنا بقَرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سَمِعَ قولَ قومك وما ردُّوا عليك، وقد بعثَ إليك مَلَكَ الجبال لتأمُره بما شئتَ فيهم، فناداني مَلَكُ الجبال، فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهم الأخشَبَيْن» , قال ﷺ : «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشركُ به شيئًا».
وأمثالُ هذه الأحاديث الصِّحاح ما فيها مِن ذِكْر الملائكة الذين في السَّموات وملائكة الهواء والجبال وغير ذلك كثيرةٌ.
وكذلك الملائكةُ المتصرِّفون في أمور بني آدم، مثل قوله ﷺ في الحديث المتَّفق عليه (٢) حديث الصَّادق المصدوق, يقول: «ثم يُبْعَثُ إليه
стр. 232
المَلَكُ, فيؤمرُ بأربع كلمات، فيقال: اكتُب رزقَه, وأجلَه، وعملَه (١)، وشقيٌّ أو سعيد، ثم ينفخُ فيه الرُّوح».
وفي «الصَّحيح» (٢) حديث البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ لحسَّان: «اهجُهم ــ أو هَاجِهم ــ وجبريلُ معك».
وفي «الصَّحيح» (٣) أيضًا أن النبي ﷺ قال له: «أجِبْ عنِّي، اللهم أيِّدْه برُوح القُدُس».
وفي «الصَّحيح» (٤) عن أنس قال: «كأني أنظرُ إلى غبارٍ ساطعٍ في سِكَّة بني غَنْمٍ, مَوْكِبَ جبريل».
وفي «الصَّحيحين» (٥) عن عائشة, أن الحارث بن هشام قال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحيُ؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَة الجَرَس، وهو أشدُّه عليَّ، فيَفْصِمُ عني وقد وَعَيْتُ ما قال، وأحيانًا يتمثَّلُ لي المَلَكُ رجلًا، فيكلِّمُني، فأعِي ما يقول».
وإتيانُ جبريلَ إلى النبي ﷺ تارةً في صورة أعرابيٍّ (٦)، وتارةً في صورة
стр. 233
دِحْيَة الكَلبي (١)، ومخاطبتُه وإقراؤه إيَّاه= كثيرٌ أعظمُ من أن يُذْكَر هنا.
وفي «الصَّحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : «يتعاقَبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر والعصر، ثم يَعْرُجُ الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربُّهم ــ وهو أعلمُ بهم ــ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهم وهم يصلُّون».
وفي «الصَّحيحين» (٣) عن عائشة قالت: حَشَوْتُ للنبيِّ ﷺ وِسَادةً فيها تماثيلُ كأنها نُمْرُقَة, فجاء فقام بين البابين (٤)، وجعل يتغيَّر وجهُه، فقلت: ما لنا يا رسول الله؟ قال: «ما بالُ هذه الوِسَادة؟ » قالت: وِسَادةٌ جعلتُها لك لتضطجعَ عليها، قال: «أما علمتِ أن الملائكةَ لا تدخلُ بيتًا فيه صورةٌ وأن مَن صَنَع الصُّوَرَ يعذَّبُ يوم القيامة يقال: أحْيُوا ما خلقتُم؟ ».
وفي «الصَّحيحين» (٥) عن ابن عباس قال: سمعتُ أبا طلحة يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورةُ تماثيل».
وكذلك في «الصَّحيحين» (٦) عن عبد الله بن عمر قال: «وَعَدَ النبيَّ ﷺ
стр. 234
جبريلُ، فقال: إنا لا ندخلُ بيتًا فيه كلبٌ ولا صورة».
وفي «الصَّحيحين» (١) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة تصلِّي على أحدكم ما دام في مُصَلَّاه الذي صلَّى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يُحْدِث».
وأمثالُ هذه النصوص التي يُذْكَر فيها من أصناف الملائكة وأوصافهم وأفعالهم ما يمتنعُ أن تكون ما يذكُرونه من العقول والنفوس, أو أن يكون جبريلُ هو العقلُ الفعَّال, وتكون ملائكةُ الآدميِّين هي القُوى الصَّالحة، والشياطينُ هي القُوى الفاسدة، كما يزعمُ هؤلاء.
وأيضًا، فزعمُهم أن العقول والنفوس التي جعلوها الملائكةَ معلولةٌ عن الله, صادرةٌ عن ذاته صدورَ المعلول عن علَّته= هو قولٌ بتولُّدها عن الله، وأن الله وَلَدَ الملائكة (٢).
وهذا مما ردَّه الله ونزَّه نفسه عنه، وكذَّب قائلَه، وبيَّن كذبَه بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣، ٤] وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٧]، وبقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ
ولذلك قال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠، ١٠١] , فأخبر أن التولُّد لا يكونُ إلا عن أصلين، كما تكونُ النتيجةُ عن مقدِّمتين، وكذلك سائرُ المعلولات المعلومة لا يحدثُ المعلولُ إلا باقتران ما تتمُّ به العلة، فأما الشَّيءُ الواحدُ وحدَه فلا يكونُ علَّةً ولا والدًا قطُّ، لا يكونُ شيءٌ في هذا العالم إلا عن أصلين, ولو أنهما (١) «الفاعِل» و «القابِل»، كالنار والحطب، والشَّمس والأرض، فأما الواحدُ وحدَه فلا يَصْدُر عنه شيءٌ ولا يتولَّد (٢).
فبيَّن القرآنُ أنهم أخطؤوا طريقَ القياس في العلَّة والتولُّد (٣)، حيث جعلوا العالم يصدرُ عنه بالتعليل والتوليد.
وكذلك قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩] خلافُ قولهم: إن الصَّادر عنه واحد (٤).
وهذا وفاءٌ بما ذكره الله تعالى من قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ
стр. 237
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، إذ قد تكفَّل بذلك في حقِّ كلِّ من خرج عن اتباع الرسول (١)، فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، فقرَّر الوحدانيَّة (٢) والرِّسالة (٣) , إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ ــ ٢٩]، فكلُّ من خرجَ عن اتباع الرسول فهو ظالمٌ بحسب ذلك, والمبتدعُ ظالمٌ بقدر ما خالفه من سنَّته.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٠ - ٣٣].
وهؤلاء الصَّابئة قد أتوا بمَثَل، وهو قولهم: «الواحدُ لا يَصْدُر عنه ويتولَّد عنه إلا واحد، والربُّ واحدٌ فلا يَصْدُر عنه إلا واحدٌ يتولَّد عنه» , فأتى الله بالحقِّ وأحسنَ تفسيرًا، وبيَّن أن الواحدَ لا يَصْدُر عنه شيءٌ ولا يتولَّد عنه شيءٌ أصلًا، وأنه لم يتولَّد عنه شيءٌ ولم يَصْدُر عنه شيء، ولكنْ خَلَقَ كلَّ شيءٍ خلقًا، وأنه خَلَق من كلٍّ زوجين اثنين.
стр. 238
ولهذا قال مجاهدٌ ــ وذكره البخاريُّ في صحيحه (١) ــ في «الشَّفع والوَتْر»: إن الشَّفْع هو الخَلق، فكلُّ مخلوقٍ له نظير، والوَتْر هو الله الذي لا شبيه له (٢).
فقال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] , وذلك أن الآثار الصَّادرة عن العلل والمتولِّدات في الموجودات لا بدَّ فيها من شيئين: أحدُهما يكونُ كالأب، والآخرُ يكونُ كالأمِّ القابلة, وقد يسمُّون ذلك «الفاعل» و «القابل» , كالشَّمس مع الأرض، والنار مع الحطب، فأما صدورُ شيءٍ واحدٍ عن شيءٍ واحدٍ فهذا لا وجود له في الوجود أصلًا (٣).
وأما تشبيهُهم لذلك بالشُّعاع مع الشمس، وبالصَّوت ــ كالطَّنين ــ مع الحركة والنَّقْر، فهو أيضًا حجةٌ لله ورسوله والمؤمنين عليهم.
وذلك أن الشُّعاع إن أريد به نفسُ ما يقومُ بالشَّمس، فذلك صفةٌ من صفاتها، وصفاتُ الخالق ليست مخلوقةً ولا هي من العالم الذي فيه الكلام. وإن أريدَ بالشُّعاع ما ينعكسُ على الأرض، فذلك لا بدَّ فيه من شيئين، وهما: الشَّمس التي تجري مجرى الأب الفاعل، والأرض التي تجري مجرى الأمِّ القابلة وهي الصَّاحبة للشمس.
стр. 239
وكذلك الصَّوتُ لا يتولَّد إلا عن جسمَين يقرعُ أحدُهما الآخر أو يُقْلَع عنه، فيتولَّد الصوتُ الموجودُ في أجسام العالم عن أصلَين يقرعُ أحدُهما الآخرَ أو يُقْلَع عنه (١).
فمهما احتجُّوا به من القياس فالذي جاء الله به هو الحقُّ وأحسنُ تفسيرًا وأحسنُ بيانًا وإيضاحًا للحقِّ وكشفًا له.
وأيضًا، فجعلوها (٢) علَّةً تامَّةً لما تحتَها (٣) ومُحْدِثةً له (٤) ومُوجِبة له, حتى يجعلونها مبادئنا ويجعلونها لنا كالآباء والأمهات، وربما جعلوا العقلَ هو الأب والنفسَ هي الأم، وربما قال بعضهم: الوالدان العقلُ والطبيعة، كما قال صاحب «الفصوص» في قول نوح ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨]: «أي: من كنتُ نتيجةً عنهما، وهما العقلُ والطبيعة» (٥).
وحتى يسمُّونها «الأربابَ والآلهة الصُّغرى» (٦)، ويعبدونها, وهو كفرٌ مخالفٌ لما جاءت به الرُّسل.
стр. 240
وبهذا (١) وصفَ بعضُ السَّلف الصَّابئةَ بأنهم يعبدون الملائكة (٢)، وكذلك في الكتب المعرَّبة عن قدمائهم أنهم كانوا يسمُّونها «الآلهةَ والأربابَ الصُّغرى»، كما كانوا يعبدون الكواكبَ أيضًا.
والقرآنُ ينفي أن تكونَ أربابًا، أو تكونَ آلهة، أو يكونَ لها غيرُ ما للرسول الذي لا يفعلُ إلا بعد أمر مُرسِله، ولا يشفعُ إلا بعد أن يؤذَن له في الشَّفاعة.
وقد ردَّ الله ذلك على من زعَمه من العرب والرُّوم وغيرهم من الأمم، فقال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ الآية [آل عمران: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿ ... بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
وقد تقدَّم بعض الأحاديث في صَعْق الملائكة إذا قضى الله بالأمر الكونيِّ أو بالوحي الدينيِّ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [النجم: ٢٦]، وقال
стр. 241
تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآية (١) [الأنبياء: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآية [مريم: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦, ٥٧] الآية نزلت في الذين يَدْعُون الملائكةَ والنبيِّين (٢).
واستقصاءُ القول في ذلك ليس هذا موضعَه؛ فإن الله سبحانه بعث محمدًا ﷺ بجوامع الكَلِم, فالكَلِمُ التي في القرآن جامعةٌ محيطةٌ كلِّيَّةٌ عامَّةٌ لما كان متفرِّقًا منتشرًا في كلام غيره، ثم إنه يسمِّي كلَّ شيءٍ بما يدلُّ على صفته المناسبة للحكم المذكور المبيَّن وما يبيِّنُ وجهَ دلالته.
فإن تنزيهَه نفسَه عن الولد والولادة واتخاذ الولد أعمُّ وأقومُ مِن نفيه بلفظ «العلَّة»؛ فإن العلَّة أصلُها هو التغيُّر، كالمرض الذي يُحِيلُ البدنَ عن صحَّته، والعليلُ ضدُّ الصَّحيح.
وقد قيل: إنه لا يقال: «معلول» إلا في الشُّرب، يقال: شَرِبَ الماءَ عَلًّا بعد نَهَل، وعَلَلْتَه: إذا سَقَيْتَه مرَّةً ثانية (٣).
стр. 242
وأما استعمالُ اسم «العلَّة» في الموجِب للشَّيء أو المقتضي له فهو من عُرْف أهل الكلام، وهي وإن كان بينها وبين العلَّة اللغويَّة مناسبةٌ من جهة التغيُّر فالمناسبةُ في لفظ «التولُّد» أظهر؛ ولهذا كان في الخطاب أشهَر, يقول الناس: هذا الأمرُ يتولَّدُ عنه كذا، وهذا يولِّدُ كذا، وقد تولَّدَ عن ذلك الأمر كَيت وكَيت، لكلِّ سببٍ اقتضى مسبَّبًا من الأقوال والأعمال، حتى أهلُ الطبائع (١) يقولون: «الأركان والمولِّدات»، يريدون ما يتولَّدُ عن الأصول الأربعة: التراب والماء والهواء والنار= من معدنٍ ونباتٍ وحيوان.
فنفيُه سبحانه عن نفسه أن يَلِدَ شيئًا اقتضى ألا يتولَّد عنه شيء، ونفيُه أن يتَّخذ ولدًا يقتضي أنه لم يفعل ذلك بشيءٍ من خلقه على سبيل التكريم، وأن العباد لا يصلُح أن يتَّخذ شيئًا منهم بمنزلة الولد, وهذا يبطِلُ [دعوى] من يدَّعي مثلَ ذلك في المسيح وغيره، ومن يقول: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨]، ومن يقول: الفلسفة هي التشبُّه بالإله (٢).
стр. 243
فإن الولد يكونُ مِن جنس والده, ويكونُ نظيرًا له وإن كان فرعًا له، ولهذا كان هؤلاء القائلون بهذه المعاني مِن أعظم الخلق قولًا بالتشبيه والتمثيل وجَعْل الأنداد له والعَدْل (١) والتَّسوية, ولهذا كانت الفلاسفةُ الذين يقولون بصدور العقول والنفوس عنه على وجه التولُّد والتعليل يجعلونها له أندادًا ويتخذونها آلهةً وأربابًا، بل قد لا يعبدون إلا إيَّاها ولا يَدْعُون سواها، ويجعلونها هي المبدعةَ لما سواها تحتها.
فالحمدُ لله ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١، ٢] (٢).
فإن هؤلاء جعلوا لله ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، و ﴿الْجِنَّ﴾ قد قيل: إنه يعمُّ الملائكة، كما قيل في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، وإن كان قد قيل في سبب ذلك زعمُ بعض مشركي العرب أن الله صاهَرَ إلى الجنِّ فوَلَدَت الملائكة (٣)، فقد
стр. 244
كانوا يعبدون الملائكة أيضًا، كما عبدتها الصَّابئةُ الفلاسفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الآية [الزخرف: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، يعني: أن الملائكة لم تأمرهم بذلك, وإنما أمرتهم بذلك الجنُّ؛ ليكونوا عابدين للشَّياطين التي تتمثَّل لهم، كما يكونُ للأصنام شياطين, وكما تنزلُ الشَّياطينُ على بعض من يعبد الكواكبَ ويَرْصُدها، حتى تنزل عليه صورةٌ فتخاطبه، وهو شيطانٌ من الشَّياطين.
ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية [يس: ٦٠]، وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية [الكهف: ٥٠]، فهم وإن لم يقصدوا عبادةَ الشَّيطان وموالاته فهم في الحقيقة يعبدونه ويوالُونه.
فقد تبيَّن أن هؤلاء الفلاسفة الصَّابئة المبتدعة مؤمنون بقليلٍ مما جاءت به الرُّسل في أمر الملائكة في صِفَتهم وأقدارهم, وذلك أن هؤلاء القوم إنما سلكوا [سبيل] (١) الاستدلال بالحركات الفلكيَّة والقياس على نفوسهم، مع ما جحَدوه وجَهِلُوه من خلق الله وإبداعه.
وسببُ ذلك ما ذكره طائفةٌ ممَّن جمع أخبارَهم (٢) أن أساطينَهم
стр. 245
الأوائل، كفيثاغورس وسُقْراط وأفلاطُن، كانوا يهاجرون إلى أرض الأنبياء بالشَّام، ويتلقَّون عن لقمان الحكيم ومَن بعده من أصحاب داود وسليمان، وأن أرسطو لم يسافر إلى أرض الأنبياء، ولم يكن عنده من العلم بأثارة الأنبياء ما عند سَلَفه, وكان عنده قدرٌ يسيرٌ من الصَّابئيَّة الصَّحيحة، فابتدَع لهم هذه التعاليم القِيَاسيَّة، وصارت قانونًا مشى عليه أتباعُه، واتَّفق أنه قد يتكلَّم في طبائع الأجسام أو في صورة المنطق أحيانًا بكلامٍ صحيح, وأما الأوَّلون فلم يوجد لهم مذهبٌ تامٌّ مبتدَع (١).
[فهو] (٢) بمنزلة مبتدعة المتكلِّمين في المسلمين، مثل أبي الهُذَيل، وهشام بن الحكم (٣)، ونحوهما ممَّن وضع مذهبًا في أبواب أصول الدين فاتَّبعه على ذلك طائفة؛ إذ كان أئمَّةُ المسلمين مثل مالكٍ وحمَّاد بن زيد والثَّوري ونحوهم إنما تكلَّموا بما جاءت به الرسالة, وفيه الهدى والشِّفاء، فمن لم يكن له علمٌ بطريق المسلمين يَعْتَاضُ بما عند هؤلاء، وهذا سببُ
стр. 246
ظهور البدع في كلِّ أمة، وهو خفاءُ سنن المرسَلين فيهم، وبذلك يقعُ الهلاك.
ولهذا كانوا يقولون: «الاعتصامُ بالسُّنة نجاة»، وقالوا: «السُّنة مثلُ سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها هلك» (١) , وهذا حقٌّ؛ فإن سفينةَ نوحٍ إنما رَكِبَها من صدَّق المرسَلين واتَّبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذَّب المرسلين, واتِّباعُ السُّنة هو اتباعُ الرسالة التي جاءت من عند الله، فتابِعُها بمنزلة مَن رَكِبَ مع نوحٍ السفينةَ باطنًا وظاهرًا, والمتخلِّفُ عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلِّف عن اتباع نوحٍ ﵇ وركوب السَّفينة معه.
وهكذا إذا تدبَّر المؤمنُ العليمُ سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلالٌ وكُفر، وجدَ القرآن والسُّنة كاشفًا (٢) لأحوالهم، مبيِّنًا لحقِّهم، مميِّزًا بين حقِّ ذلك وباطله.
والصحابةُ كانوا أعلمَ الخلق بذلك، كما كانوا أقومَ الخلق بجهاد الكفَّار والمنافقين، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: «من كان منكم مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمَّدٍ كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصُحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعْرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهَدْيهم، فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم» (٣).
стр. 247
فأخبَر عنهم بكمال برِّ القلوب، مع كمال عُمْق العلم، وهذا قليلٌ في المتأخرين، كما يقال: مِن العجائب فقيهٌ صُوفيٌّ وعالمٌ زاهدٌ ونحو ذلك؛ فإن أهلَ برِّ القلوب وحُسْن الإرادة وصلاح المقاصد يُحْمَدُون على سلامة قلوبهم من الإرادات المذمومة، ويقترنُ (١) بهم كثيرًا عدمُ المعرفةِ وإدراكِ حقائق أحوال الخلق التي توجبُ الذمَّ للشرِّ والنهيَ عنه والجهادَ في سبيل الله= وأهلَ التعمُّق في العلوم قد يدركون من معرفة الشُّرور والشُّبهات ما يُوقِعُهم في أنواع الغيِّ والضلالات= وأصحابُ محمَّدٍ كانوا أبرَّ الخلق قلوبًا وأعمقَهم علمًا.
ثم إن أكثر المتعمِّقين في العلم من المتأخرين يقترنُ بتعمُّقهم التكلُّف المذمومُ من المتكلِّمين والمتعبِّدين، وهو القولُ والعملُ بلا علم، وطلبُ ما لا يُدْرَك.
وأصحابُ محمَّدٍ ﷺ كانوا ــ مع أنهم أكملُ الناس علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ــ أقلَّ الناس تكلُّفًا، تَصْدُر عن أحدهم الكلمةُ والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي الله بها أمَّة، وهذا مِن منن الله على هذه الأمَّة. وتجدُ غيرَهم يَحْشُون الأوراقَ من التكلُّفات والشَّطَحات ما هو من أعظم الفُضول
стр. 248
المبتدَعة والآراء المختَرعة، لم يكن لهم في ذلك سلفٌ إلا رعوناتُ النفوس المتلقَّاة ممَّن ساء قصدُه في الدين.
ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: إني سأخلقُ أمَّةً أفضِّلُها على كلِّ أمَّةٍ وليس لها علمٌ ولا حِلم، فقال المسيح: أيْ ربِّ، كيف تفضِّلُهم على جميع الأمم وليس لهم علمٌ ولا حِلم؟ قال: أهبُهم من علمي وحِلمي (١).
стр. 249
وهذا من خواصِّ متابعة الرسول, فأيُّهم كان له أتبعَ كان في ذلك أكمَل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨، ٢٩].
وكذلك في «الصَّحيحين» (١) من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر: «مَثَلُنا ومَثَلُ الأمم قبلنا كالذي استأجَر أُجَراء، فقال: من يعملُ لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراط؟ فعَمِلَت اليهود. ثم قال: من يعملُ لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراط؟ فعَمِلَت النصارى. ثم قال: من يعملُ لي إلى غروب الشَّمس على قيراطين قيراطين؟ فعَمِلَت المسلمون. فغضبت اليهودُ والنصارى وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا. قال: فهل ظلمتُكم من حقِّكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء».
стр. 250
فدلَّ الكتابُ والسُّنة على أن الله يؤتي أتباعَ هذا الرَّسول مِن فضله ما لم يؤتِه لأهل الكتابَيْن قبلهم، فكيف بمن هو دونهم من الصابئة؟ دَع مبتدعةَ الصَّابئة من المتفلسفة ونحوهم.
ومن المعلوم أن أهل الحديث والسُّنة أخصُّ بالرَّسول وأتباعه (١)، فلهم مِن فضل الله وتخصيصه إيَّاهم بالعلم والحِلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم (٢)، كما قال بعضُ السَّلف: «أهل السُّنة في الإسلام كأهل الإسلام في المِلَل» (٣).
فهذا الكلام تنبيهٌ على ما يظنُّه أهل الجهالة والضَّلالة مِن نقص الصَّحابة في العلم والبيان، أو اليد والسِّنَان، وبسطُ هذا لا يحتملُه هذا المقام.
والمقصود التنبيهُ على أن كلَّ من زعَم بلسان حاله أو مقاله أن طائفةً غيرَ أهل الحديث أدركوا مِن حقائق الأمور الباطنة الغيبيَّة في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعرُّف واجب الوجود, والنفس الناطقة (٤) , والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوسُ وتَصْلُح