← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 303

الانتصار لأهل الأثر المطبوع باسم «نقض المنطق»

ابن تيمية

Полный текст (390 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ظهور البدع في كلِّ أمة، وهو خفاءُ سنن المرسَلين فيهم، وبذلك يقعُ الهلاك. ولهذا كانوا يقولون: «الاعتصامُ بالسُّنة نجاة»، وقالوا: «السُّنة مثلُ سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها هلك» (١) , وهذا حقٌّ؛ فإن سفينةَ نوحٍ إنما رَكِبَها من صدَّق المرسَلين واتَّبعهم، وأن من لم يركبها فقد كذَّب المرسلين, واتِّباعُ السُّنة هو اتباعُ الرسالة التي جاءت من عند الله، فتابِعُها بمنزلة مَن رَكِبَ مع نوحٍ السفينةَ باطنًا وظاهرًا, والمتخلِّفُ عن اتباع الرسالة بمنزلة المتخلِّف عن اتباع نوحٍ ﵇ وركوب السَّفينة معه. وهكذا إذا تدبَّر المؤمنُ العليمُ سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم التي فيها ضلالٌ وكُفر، وجدَ القرآن والسُّنة كاشفًا (٢) لأحوالهم، مبيِّنًا لحقِّهم، مميِّزًا بين حقِّ ذلك وباطله. والصحابةُ كانوا أعلمَ الخلق بذلك، كما كانوا أقومَ الخلق بجهاد الكفَّار والمنافقين، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود: «من كان منكم مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمَّدٍ كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصُحبة نبيِّه وإقامة دينه، فاعْرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهَدْيهم، فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم» (٣).

стр. 247

فأخبَر عنهم بكمال برِّ القلوب، مع كمال عُمْق العلم، وهذا قليلٌ في المتأخرين، كما يقال: مِن العجائب فقيهٌ صُوفيٌّ وعالمٌ زاهدٌ ونحو ذلك؛ فإن أهلَ برِّ القلوب وحُسْن الإرادة وصلاح المقاصد يُحْمَدُون على سلامة قلوبهم من الإرادات المذمومة، ويقترنُ (١) بهم كثيرًا عدمُ المعرفةِ وإدراكِ حقائق أحوال الخلق التي توجبُ الذمَّ للشرِّ والنهيَ عنه والجهادَ في سبيل الله= وأهلَ التعمُّق في العلوم قد يدركون من معرفة الشُّرور والشُّبهات ما يُوقِعُهم في أنواع الغيِّ والضلالات= وأصحابُ محمَّدٍ كانوا أبرَّ الخلق قلوبًا وأعمقَهم علمًا. ثم إن أكثر المتعمِّقين في العلم من المتأخرين يقترنُ بتعمُّقهم التكلُّف المذمومُ من المتكلِّمين والمتعبِّدين، وهو القولُ والعملُ بلا علم، وطلبُ ما لا يُدْرَك. وأصحابُ محمَّدٍ ﷺ كانوا ــ مع أنهم أكملُ الناس علمًا نافعًا وعملًا صالحًا ــ أقلَّ الناس تكلُّفًا، تَصْدُر عن أحدهم الكلمةُ والكلمتان من الحكمة أو من المعارف ما يهدي الله بها أمَّة، وهذا مِن منن الله على هذه الأمَّة. وتجدُ غيرَهم يَحْشُون الأوراقَ من التكلُّفات والشَّطَحات ما هو من أعظم الفُضول

стр. 248

المبتدَعة والآراء المختَرعة، لم يكن لهم في ذلك سلفٌ إلا رعوناتُ النفوس المتلقَّاة ممَّن ساء قصدُه في الدين. ويروى أن الله سبحانه قال للمسيح: إني سأخلقُ أمَّةً أفضِّلُها على كلِّ أمَّةٍ وليس لها علمٌ ولا حِلم، فقال المسيح: أيْ ربِّ، كيف تفضِّلُهم على جميع الأمم وليس لهم علمٌ ولا حِلم؟ قال: أهبُهم من علمي وحِلمي (١).

стр. 249

وهذا من خواصِّ متابعة الرسول, فأيُّهم كان له أتبعَ كان في ذلك أكمَل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨، ٢٩]. وكذلك في «الصَّحيحين» (١) من حديث أبي موسى وعبد الله بن عمر: «مَثَلُنا ومَثَلُ الأمم قبلنا كالذي استأجَر أُجَراء، فقال: من يعملُ لي إلى نصف النهار على قيراطٍ قيراط؟ فعَمِلَت اليهود. ثم قال: من يعملُ لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراط؟ فعَمِلَت النصارى. ثم قال: من يعملُ لي إلى غروب الشَّمس على قيراطين قيراطين؟ فعَمِلَت المسلمون. فغضبت اليهودُ والنصارى وقالوا: نحن أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا. قال: فهل ظلمتُكم من حقِّكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء».

стр. 250

فدلَّ الكتابُ والسُّنة على أن الله يؤتي أتباعَ هذا الرَّسول مِن فضله ما لم يؤتِه لأهل الكتابَيْن قبلهم، فكيف بمن هو دونهم من الصابئة؟ دَع مبتدعةَ الصَّابئة من المتفلسفة ونحوهم. ومن المعلوم أن أهل الحديث والسُّنة أخصُّ بالرَّسول وأتباعه (١)، فلهم مِن فضل الله وتخصيصه إيَّاهم بالعلم والحِلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم (٢)، كما قال بعضُ السَّلف: «أهل السُّنة في الإسلام كأهل الإسلام في المِلَل» (٣). فهذا الكلام تنبيهٌ على ما يظنُّه أهل الجهالة والضَّلالة مِن نقص الصَّحابة في العلم والبيان، أو اليد والسِّنَان، وبسطُ هذا لا يحتملُه هذا المقام. والمقصود التنبيهُ على أن كلَّ من زعَم بلسان حاله أو مقاله أن طائفةً غيرَ أهل الحديث أدركوا مِن حقائق الأمور الباطنة الغيبيَّة في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعرُّف واجب الوجود, والنفس الناطقة (٤) , والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوسُ وتَصْلُح

стр. 251

وتَكْمُل= فوق (١) أهل الحديث, فهو إن كان من المؤمنين بالرُّسل فهو جاهلٌ فيه شعبةٌ قويةٌ من شعب النفاق، وإلا فهو منافقٌ خالصٌ من الذين إذا ﴿قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] , وقد يكون من الذين ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر: ٣٥]، ومن الذين ﴿يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ الآية [الشورى: ١٦]. وقد تبيَّن ذلك بالقياس العقليِّ الصحيح الذي لا ريب فيه, وإن كان ذلك ظاهرًا بالفطرة لكلِّ سليم الفطرة, فإنه متى كان الرَّسولُ أكملَ الخلق وأعلمَهم بالحقائق وأقومَهم قولًا وحالًا، لَزِمَ أن يكون أعلمُ الناس به أعلمَ (٢) الخلق بذلك، وأن يكون أعظمُهم موافقةً له واقتداءً به أفضلَ الخلق. ولا يقال: هذه الفطرة يغيِّرها ما يوجدُ في المنتسبين إلى السُّنة والحديث من تفريطٍ وعُدوان، فيقال: إن ذلك في غيرهم أكثَر, والواجبُ مقابلةُ الجملة بالجملة في المحمود والمذموم، هذه هي المقابلة العادلة. وإنما غيَّر الفطرةَ قلةُ المعرفةِ بالحديث والسُّنة واتِّباعِ ذلك (٣)، مع ما يوجدُ في المخالفين لها (٤) من نوع تحقيقٍ لبعض العلم وإحسانٍ لبعض

стр. 252

العمل، فيكونُ ذلك شبهةً في قبول غيره (١) وترجيح صاحبه. ولا غرض لنا في ذِكر الأشخاص، وقد ذكر أبو محمد ابن قتيبة في أول كتاب «مختلف الحديث» (٢) وغيره من العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من الأمور المبيِّنة لما ذكرناه (٣). وإنما المقصود ذِكْر نفس الطريقة العِلْمية والعملية التي تُعَرِّفُ بحقائق الأمور الخبرية النظرية، وتُوصِلُ إلى حقائق الأمور الإرادية العملية، فمتى كان غيرُ الرسول قادرًا على عِلمٍ بذلك أو بيانٍ له أو محبةٍ لإفادة ذلك فالرسولُ أعلمُ بذلك وأحرصُ على الهدى وأقدرُ على بيانه منه، وكذلك أصحابُه من بعده وأتباعُهم. وهذه صفاتُ الكمال: العلم (٤) , وإرادة الإحسان (٥) , والقدرة عليه، كما قال النبي ﷺ في دعاء الاستخارة: «اللهمَّ إني أستخيرُك بعلمك، وأستَقْدِرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم، وأنت عَلَّامُ الغيوب» (٦).

стр. 253

فعلَّمنا ﷺ أن نستخيرَ الله بعلمه، فيعلِّمنا مِن علمه ما نَعْلَمُ به الخير، ونستَقْدِرَه بقدرته، فيجعلَنا قادرين؛ إذ الاستفعالُ طلبُ الفعل، كما قال في الحديث الصَّحيح: «يقولُ الله تعالى: يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمتُه، فاستطعِمُوني أُطْعِمْكم، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديتُه، فاستَهْدُوني أَهْدِكم» (١) , فاستِهداءُ الله طلبُ أن يهديَنا، واستِطعامُه طلبُ أن يُطْعِمَنا، هذا قوتُ القلوب, وهذا قوتُ الأجسام، وكذلك استخارتُه بعلمه واستقدارُه بقدرته. ثم قال: «وأسألُك من فضلك العظيم»، فهذا السُّؤال مِن جُودِه ومَنِّه وعطائه وإحسانه الذي يكونُ بمشيئته ورحمته وحَنَانِه؛ ولهذا قال: «فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم» ولم يقل: إني لا أَرْحَمُ نفسي؛ لأنه في مقام الاستخارة يريدُ الخيرَ لنفسه ويطلبُ ذلك لكنَّه لا يعلمُه ولا يقدرُ عليه إن لم يعلِّمه الله إياه ويُقْدِره عليه. فإذا كان الرسولُ أعلمَ الخلق بالحقائق الخبرية والطَّلبية، وأحبَّ الخلق للتعليم والهداية والإفادة، وأقدرَ الخلق على البيان والعبارة= امتنَع أن يكونَ من هو دونه أفاد خواصَّه معرفةَ الحقائق أعظمَ مما أفادها الرسولُ لخواصِّه، فامتنعَ أن يكونَ عند أحدٍ من الطَّوائف مِن معرفة الحقائق ما ليس عند علماء الحديث.

стр. 254

وإذا لم يكن في الطَّوائف من هو أعلمُ بالحقائق وأبينُ لها منهم (١) وجبَ أن يكون كلُّ ما يُذَمُّون به مِن جَهْلِ بعضهم هو في طائفة المخالف لهم الذامِّ أكثر، فيكون الذامُّ لهم جاهلًا ظالمًا فيه شعبةُ نفاقٍ إذا كان مؤمنًا. وهذا هو المقصود. ثم إن هذا الذي بيَّنَّاه مشهودٌ بالقلب (٢)، أعلمُ ذلك في كلِّ أحدٍ ممَّن أعرفُ مفصَّلًا (٣). وهذه جملةٌ يمكنُ تفصيلُها من وجوهٍ كثيرة، لكن ليس هذا موضعه.

стр. 255

فصل وأما قولُ من قال (١): «إن الحَشْوِيَّة على ضربين: أحدهما: لا يتحاشى من الحَشْو (٢) والتشبيه والتجسيم. والآخر: يتستَّر (٣) بمذهب السَّلف. ومذهبُ السَّلف إنما هو التوحيدُ والتنزيه, دون التشبيه والتجسيم (٤). وكذا جميعُ المبتدعة يزعمون [أنهم على مذهب السَّلف] (٥) , فهم (٦) كما قال القائل: وكلٌّ يدَّعون وِصَالَ ليلى ... وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا» فهذا الكلام فيه حقٌّ وباطل. * فمن الحقِّ الذي فيه: ذمُّ من يمثِّلُ اللهَ بمخلوقاته ويجعلُ صفاته من جنس صفاتهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقال: ﴿هَلْ

стр. 256

تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وقد بسطنا القولَ في ذلك وذكرنا الدلالات العقلية التي دلَّ عليها كتابُ الله في نفي ذلك (١)، وبيَّنَّا منه ما لم تذكره النفاةُ الذين يتسمَّون بالتنزيه ولا يوجدُ في كتبهم ولا يُسْمَعُ من أئمَّتهم، بل عامةُ حججهم التي يذكرونها حججٌ ضعيفة؛ لأنهم يقصدون إثبات حقٍّ وباطل، فلا يقومُ على ذلك حجةٌ مطَّردةٌ سليمةٌ عن الفساد، بخلاف من اقتصد في قوله وتحرَّى القولَ السَّديد فإن الله يُصْلِحُ عملَه، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. * وفيه من الحقِّ: الإشارةُ إلى الردِّ على من انتحَل مذهبَ السَّلف مع الجهل بمقالهم ، أو المخالفة لهم بزيادةٍ أو نقصان. ف تمثيلُ الله بخلقه والكذبُ على السَّلف من الأمور المنكرة ، سواءٌ سمِّي ذلك حشوًا أو لم يُسَمَّ، وهذا يتناولُ كثيرًا من غالية المُثْبِتَة الذين يَرْوُون أحاديثَ موضوعةً في الصِّفات, مثل حديث عَرَق الخيل, ونزوله عشيَّة عرفة على الجمل الأورَق حتى يصافحَ المُشَاة ويعانقَ الرُّكبان، وتجلِّيه لنبيِّه في الأرض، أو رؤيته له على كرسيٍّ بين السماء والأرض, أو رؤيته إيَّاه في الطَّواف,

стр. 257

أو في بعض سِكَك المدينة، إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة (١). فقد رأيتُ من ذلك أمورًا مِن أعظم المنكرات والكُفران، وأحضر لي غيرُ واحدٍ من الناس من الأجزاء والكتب ما فيه من ذلك ما هو من الافتراء على الله وعلى رسوله, وقد وضع لتلك الأحاديث أسانيد. حتى إن منهم من عَمَد إلى كتابٍ صنَّفه الشيخُ أبو الفرج المقدسي (٢) فيما يُمْتَحَنُ به السُّنِّيُّ من البِدْعِيِّ (٣) , فجعل ذلك الكتاب مما أوحاه الله إلى نبيِّه ليلة المعراج وأمرَه أن يمتحنَ به الناسَ فمن أقرَّ به فهو سنيٌّ ومن لم يقرَّ به فهو بِدْعِيّ، وزادوا فيه على الشيخ أبي الفرج أشياء لم يقلها هو ولا عاقل (٤).

стр. 258

والناسُ المشهورون قد يقول أحدُهم من المسائل والدلائل ما هو حقٌّ أو فيه شبهةُ حقٍّ، فإذا أخذ الجهَّالُ ذلك فغيَّروه صار فيه من الضلال ما هو من أعظم الإفك والمحال. والمقصود أن كلامه (١) فيه حقٌّ. وفيه من الباطل أمور: أحدها: قوله: «لا يتحاشى من الحشو [والتشبيه] والتجسيم» ذمٌّ للناس بأسماء ما أنزل الله بها مِن سلطان، والذي مدحُه زَيْنٌ وذمُّه شَيْنٌ هو الله. والأسماء التي يتعلَّقُ بها المدحُ والذمُّ من الدين لا تكونُ إلا من الأسماء التي أنزل الله بها سلطانه ودلَّ عليها الكتابُ والسُّنة أو الإجماع، كالمؤمن والكافر, والعالم والجاهل، والمقتصد، والملحد. فأما هذه الألفاظُ الثلاثة (٢) فليست في كتاب الله, ولا في حديثٍ عن رسول الله، ولا نطق بها أحدٌ من سلف الأمة وأئمَّتها لا نفيًا ولا إثباتًا, وأول من ابتدع الذمَّ بها المعتزلةُ الذين فارقوا جماعةَ المسلمين، فاتباعُ سبيل المعتزلة دون سبيل سلف الأمة تركٌ للقول السَّديد الواجب في الدين، واتباعٌ لسبيل المبتدعة الضالِّين. وليس فيها ما يوجدُ عن بعض السَّلف ذمُّه إلا لفظ «التشبيه»، فلو اقتصَر عليه لكان له قدوةٌ من السَّلف الصالح، ولو أنه ذكَر (٣) الأسماء التي نفاها الله

стр. 259

في القرآن مثل لفظ «الكُفؤ، والندِّ، والسَّمِيِّ» , وقال: «منهم من لا يتحاشى من التمثيل» ونحوه= لكان قد ذَمَّ بقولٍ نفاه الله في كتابه، ودلَّ القرآنُ على ذمِّ قائله, ثم يُنْظَر: هل قائلُه موصوفٌ بما وصفَه به من الذمِّ أم لا؟ فأما الأسماء التي لم يَدُلَّ الشَّرعُ على ذمِّ أهلها ولا مدحِهم، فيُحْتَاجُ فيها إلى مقامين: أحدهما: بيان المراد بها. والثاني: بيان أن أولئك مذمومون في الشَّريعة. والمعترض عليه له أن يمنعَ المقامين (١)، فيقول: لا نُسَلِّمُ أن الذين عنيتَهم داخلون في هذه الأسماء التي ذَمَمْتَها, ولم يَقُم دليلٌ شرعيٌّ على ذمِّها، وإن دخلوا فيها فلا نُسَلِّمُ أن كلَّ من دخل في هذه الأسماء فهو مذمومٌ في الشَّرع. الثاني (٢): أن هذا الضربَ الذين قلتَ: «إنه لا يتحاشى من الحشو والتشبيه والتجسيم» إما أن تُدْخِلَ فيه مُثْبِتَة الصِّفات الخبرية التي دلَّ عليها الكتابُ والسُّنة، أو لا تُدْخِلَهم. فإن أدخلتَهم كنتَ ذامًّا لكلِّ من أثبت الصِّفات الخبرية، ومعلومٌ أن هذا مذهبُ عامَّة السَّلف ومذهبُ أئمَّة الدين, بل أئمَّة المتكلِّمين يُثْبِتُون الصِّفات الخبرية في الجملة وإن كان لهم فيها طرقٌ, كأبي سعيد بن كُلَّاب (٣)، وأبي

стр. 260

الحسن الأشعريِّ, وأئمَّة أصحابه، كأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهِلي، والقاضي أبي بكر بن الباقِلَّاني، وأبي إسحاق الإسفراييني, وأبي بكر بن فَوْرَك، وأبي محمد بن اللبَّان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القُشَيري، وأبي بكر البيهقي (١)، وغير هؤلاء. فما مِن هؤلاء إلا من يُثْبِتُ من الصِّفات الخبرية ما شاء الله تعالى, وعمادُ المذهب عندهم (٢) إثباتُ كلِّ صفةٍ في القرآن، وأما الصِّفات التي في الحديث فمنهم من يُثْبِتُها ومنهم من لا يُثْبِتُها (٣). فإذا كنتَ تذمُّ جميعَ أهل الإثبات مِن سَلفك وغيرهم لم يبقَ معك إلا الجهميةُ من المعتزلة ومن وافقهم على نفي الصِّفات الخبرية من متأخِّري الأشعرية ونحوهم. ولم تَذْكُر حجَّةً تُعْتَمَد. فأيُّ ذمٍّ لقومٍ في أنهم لا يتحاشون مما عليه سلفُ الأمَّة وأئمَّتها وأئمَّةُ الذامِّ لهم؟ !

стр. 261

وإن لم تُدْخِل في اسم «الحشوية» من يُثْبِتُ الصِّفات الخبرية لم ينفَعْك هذا الكلام، بل قد ذكرتَ أنت في غير هذا الموضع هذا القول. وإذا كان الكلامُ لا يخرُج به الإنسانُ عن أن يَذُمَّ نفسَه أو يَذُمَّ سلفَه الذين يقرُّ هو بإمامتهم وأنهم أفضلُ ممَّن اتبعهم, كان هو المذمومَ بهذا الذمِّ على التقديرين، وكان له نصيبٌ من الخوارج الذين قال النبيُّ ﷺ لأوَّلهم: «لقد خِبْتَ وخَسِرتَ إن لم أَعْدِل» (١) , يقول: إذا كنتَ مقرًّا بأني رسولُ الله وأنت تزعمُ أني أظلِمُ فأنت خائبٌ خاسر (٢). وهكذا من ذمَّ من يقرُّ بأنهم خيارُ الأمة وأفضلُها، وأن طائفتَه إنما تلقَّت العلمَ والإيمان منهم, هو خائبٌ خاسرٌ في هذا الذمِّ. وهذه حالُ الرافضة في ذمِّ الصحابة. الوجه الثالث: قوله: «والآخرُ يتستَّر بمذهب السَّلف»، إن أردتَ بالتستُّر الاستخفاءَ بمذهب السَّلف، فيقال: ليس مذهبُ السَّلف مما يُتَسَتَّر به إلا في بلاد أهل البدع، مثل بلاد الرافضة والخوارج، فإن المؤمنَ المستضعَف هناك قد يكتُم إيمانَه واستِنَانه، كما كتَم مؤمنُ آل فرعون إيمانَه، وكما كان كثيرٌ من المؤمنين يكتمُ إيمانَه حين كانوا في دار الحرب. فإن كان هؤلاء في بلدٍ أنت لك فيه سلطانٌ وقد تستَّروا بمذهب السَّلف فقد ذممتَ نفسك، حيث كنتَ من طائفةٍ يُسْتَرُ مذهبُ السَّلف عندهم، وإن كنت من المستضعَفين المتستِّرين بمذهب السَّلف فلا معنى لذمِّ نفسك، وإن

стр. 262

لم تكن منهم ولا من الملأ فلا وجه لذمِّ قومٍ بلفظ «التستُّر». وإن أردتَ بالتستُّر أنهم يَجْتنُّون به (١) ويتَّقون به غيرهم, ويتظاهرون به, حتى إذا خوطب أحدُهم قال: «أنا على مذهب السَّلف» , وهذا الذي أراده (٢) والله أعلم= فيقال له: لا عيبَ على من أظهرَ مذهبَ السَّلف وانتسبَ إليه واعتزى إليه، بل يجبُ قبولُ ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهبَ السَّلف لا يكونُ إلا حقًّا. فإن كان موافقًا له باطنًا وظاهرًا فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنًا وظاهرًا، وإن كان موافقًا له في الظاهر فقط دون الباطن فهو بمنزلة المنافق فتُقْبَلُ منه علانيتُه وتُوْكَلُ سريرتُه إلى الله؛ فإنَّا لم نُؤْمَر أن نَنْقُبَ عن قلوب الناس ولا نَشُقَّ بطونهم. وأما قوله: «مذهب السَّلف إنما هو التوحيدُ والتنزيه, دون التجسيم والتشبيه» , فيقال له: لفظ «التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسيم» ألفاظٌ قد دخلها الاشتراك, بسبب اختلاف اصطلاحات المتكلِّمين وغيرهم، وكلُّ طائفةٍ تَعْنِي بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرُهم. فالجهميةُ من المعتزلة وغيرهم يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفيَ جميع الصِّفات، وبالتجسيم والتشبيه: إثباتَ شيءٍ منها، حتى إن من قال: إن الله يَرى، أو إن له علمًا، فهو عندهم مشبِّهٌ مجسِّم. وكثيرٌ من المتكلِّمة الصِّفاتية يريدون بالتوحيد والتنزيه: نفيَ الصِّفات الخبرية أو بعضِها، وبالتجسيم والتشبيه: إثباتَها أو بعضِها.

стр. 263

والفلاسفةُ تعني بالتوحيد ما تعنيه المعتزلةُ وزيادة، حتى يقولوا: ليس له إلا صفةٌ سلبيةٌ أو إضافيةٌ أو مركَّبةٌ منهما. والاتحاديةُ تعني بالتوحيد: أنه هو الوجود المطلق. ولغير هؤلاء فيه اصطلاحاتٌ أخرى. وأما التوحيد الذي بعث الله به الرُّسلَ وأنزل به الكتبَ فليس هو متضمِّنًا شيئًا من هذه الاصطلاحات، بل أمر الله عباده أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، فلا يكونُ لغيره نصيبٌ فيما يختصُّ به من العبادة وتوابعها, هذا في العمل. وفي القول (١): ما وصف الله به نفسَه ووصفه به رسولُه (٢). فإن كنت تعني أن مذهب السَّلف هو التوحيدُ بالمعنى الذي جاء به الكتابُ والسُّنة= فهذا حقٌّ، وأهلُ الصِّفات الخبرية لا يخالفون هذا. وإن عنيتَ أن مذهبَ السَّلف هو التوحيدُ والتنزيهُ الذي تعنيه بعضُ الطوائف= فهذا يَعْلَمُ بطلانَه كلُّ من تأمَّل أقوالَ السَّلف الثابتة عنهم الموجودة في كتب آثارهم، فليس في كلام أحدٍ من السَّلف كلمةٌ توافقُ ما تختصُّ به هذه الطوائف، ولا كلمةٌ تنفي الصِّفات الخبرية. ومن المعلوم أن مذهبَ السَّلف إن كان يُعْرَفُ بالنقل عنهم فليُرْجَع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم.

стр. 264

وإن كان إنما يُعْرَفُ بالاستدلال المحض, بأن يكونَ كلُّ من رأى قولًا عنده هو الصواب قال: «هذا قولُ السَّلف؛ لأن السَّلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب» = فهذا هو الذي يُطَرِّقُ للمبتدعة (١) إلى أن يزعم كلٌّ منهم أنه على مذهب السَّلف. فقائلُ هذا القول قد عاب نفسه بنفسه حيث انتحَل مذهبَ السَّلف بلا نقلٍ عنهم، بل بدعواه أن قوله هو الحق. وأما أهلُ الحديث، فإنما تَذْكُر مذهبَ السَّلف بالنقول المتواترة، تارةً يذكرون مَن نقل مذهبَهم مِن علماء الإسلام، وتارةً يروون نفسَ قولهم في هذا الباب، كما سلكناه في جواب الاستفتاء (٢). فإنا لما أردنا أن نبيِّن مذهبَ السَّلف ذكرنا طريقين (٣): أحدهما: أنا ذكرنا ما تيسَّر مِن ذكر ألفاظهم، ومَن روى ذلك من أهل العلم بالأسانيد المعتبرة. والثاني: ذكرنا مَن نقَل مذهبَ السَّلف من جميع طوائف المسلمين, من

стр. 265

طوائف الفقهاء الأربعة، ومن أهل الحديث, والتصوف، وأهل الكلام كالأشعريِّ وغيره. فصار مذهبُ السَّلف منقولًا بإجماع الطوائف وبالتواتر، لم نُثْبِتْه بمجرَّد دعوى الإصابة لنا والخطأ لمخالفنا كما يفعلُ أهلُ البدع. ثم لفظ «التجسيم» لا يوجدُ في كلام أحدٍ من السَّلف لا نفيًا ولا إثباتًا, فكيف يحلُّ أن يقال: مذهبُ السَّلف نفيُ التجسيم أو إثباتُه بلا ذكرٍ لذلك اللفظ ولا لمعناه عنهم؟! وكذلك لفظ «التوحيد» بمعنى نفي شيءٍ من الصِّفات لا يوجدُ في كلام أحدٍ من السَّلف. وكذلك لفظ «التنزيه» بمعنى نفي شيءٍ من الصِّفات الخبرية لا يوجدُ في كلام أحدٍ من السَّلف. نعم، لفظ «التشبيه» موجودٌ في كلام بعضهم, وتفسيرُه معه (١)، كما قد كتبناه عنهم، وأنهم أرادوا بالتشبيه تمثيلَ الله بخلقه، دون نفي الصِّفات التي في القرآن والحديث (٢). وأيضًا، فهذا الكلام لو كان حقًّا في نفسه لم يكن مذكورًا بحجَّة تُتَّبع،

стр. 266

وإنما هو مجرَّد دعوى على وجه الخصومة التي لا يعجزُ عنها من يستجيزُ ويستحسِنُ أن يتكلَّم بلا علمٍ ولا عدل. ثم إنه يدلُّ على قلَّة الخبرة بمقالات الناس من أهل السُّنة والبدعة؛ فإنه قال: «وكذا جميعُ المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السَّلف»، فليس الأمر كذلك، بل الطوائفُ المشهورة بالبدعة كالخوارج والروافض لا يدَّعون أنهم على مذهب السَّلف، بل هؤلاء يكفِّرون جمهور السَّلف. فالرافضة تطعنُ في أبي بكر, وعمر, وعامَّة السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار, والذين اتبعوهم بإحسان، وسائر أئمَّة الإسلام، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السَّلف؟! ولكن يَنْتَحِلُون مذهبَ أهل البيت كذبًا وافتراء. وكذلك الخوارج قد كفَّروا عثمان، وعليًّا، وجمهورَ المسلمين من الصحابة والتابعين، فكيف يزعمون أنهم على مذهب السَّلف؟! الوجه الرابع (١): أن هذا الاسم (٢) ليس له ذكرٌ في كتاب الله ولا سنَّة رسوله، ولا كلام أحدٍ من الصَّحابة والتابعين، ولا من أئمَّة المسلمين، ولا شيخٍ أو عالمٍ مقبولٍ عند عموم الأمَّة. فإذا لم يكن ذلك لم يكن في الذمِّ به لا نصٌّ ولا إجماعٌ ولا ما يصلحُ تقليدُه للعامَّة، فإذا كان الذمُّ بلا مستندٍ للمجتهد ــ ولا للمقلدين عمومًا ــ كان

стр. 267

في غاية الفساد والظلم؛ إذ لو ذَمَّ به بعضُ من يصلُح لبعض العامَّة تقليدُه لم يكن له أن يحتجَّ به؛ إذ المقلدُ الآخرُ لمن يصلُح له تقليدُه لا يَذُمُّ به. ثم مثل أبي محمدٍ وأمثاله لم يكن يستحلُّ أن يتكلَّم في كثيرٍ من فروع الفقه بالتقليد (١)، فكيف يجوزُ له التكلُّم في أصول الدين بالتقليد؟! والنُّكتة أن الذامَّ به إما مجتهدٌ وإما مقلِّد, أما المجتهدُ فلا بدَّ له من نصٍّ أو إجماعٍ أو دليلٍ يُسْتَنْبَطُ منه ذلك، فإن الذمَّ والحمدَ من الأحكام الشرعية، وقد قدَّمنا بيان ذلك (٢)، وذكرنا أن الحمدَ والذمَّ، والحبَّ والبغض، والوعدَ والوعيد، والموالاةَ والمعاداة، ونحو ذلك من أحكام الدين، لا يصلحُ إلا بالأسماء التي أنزل الله بها سلطانَه، فأما تعليقُ ذلك بأسماء مبتدعَةٍ فلا يجوز، بل ذلك مِن باب شرع دينٍ لم يأذن به الله، وأنه لا بدَّ من معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. والمعتزلة أيضًا تفسِّقُ من الصحابة والتابعين طوائف، وتطعنُ في كثيرٍ منهم وفيما رووه من الأحاديث التي تخالفُ آراءهم وأهواءهم، بل تكفِّرُ أيضًا من يخالفُ أصولهم التي انتحلوها من السَّلف والخلف، فلهم من الطَّعن في علماء السَّلف وفي عِلمهم ما ليس لأهل السُّنة والجماعة، وليس

стр. 268

انتحالُ السَّلف من شعائرهم, وإن كانوا يقرِّرون خلافةَ الخلفاء الأربعة، ويعظِّمون من أئمَّة الإسلام وجمهورهم ما لا يعظِّمُه أولئك (١) , فلهم من القدح في كثيرٍ منهم ما ليس هذا موضعه (٢) , وللنَّظَّام من القدح في الصَّحابة ما ليس هذا موضعه (٣). وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسَّلف هو ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصيرٍ وعُدوان، وما كان من بعضهم من أمورٍ اجتهاديةٍ الصوابُ في خلافها, فإن ما حصل مِن ذلك صار فتنةً للمخالف لهم ضلَّ به ضلالاً كثيرًا. فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السُّنة والجماعة العامَّة (٤) بالبدعة ليسوا منتحِلين للسَّلف، بل أشهرُ الطوائف بالبدعة الرافضةُ, حتى إن العامَّة لا تعرفُ من شعائر البدع إلا الرَّفض, والسُّنِّيُّ في اصطلاحهم من لا يكونُ رافضيًّا (٥)؛ وذلك أنهم أكثرُ مخالفةً للأحاديث النبويَّة ولمعاني القرآن، وأكثرُ قدحًا في سلف الأمَّة وأئمَّتها، وطعنًا في

стр. 269

جمهور الأمَّة من جميع الطوائف، فلمَّا كانوا أبعدَ عن متابعة السَّلف كانوا أشهرَ بالبدعة. فعُلِمَ أن شعار أهل البدع هو تركُ انتحال اتباع السَّلف؛ ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عَبْدُوس بن مالك: «أصولُ السُّنة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحابُ النبي ﷺ » (١). وأما متكلِّمةُ أهل الإثبات من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، مع الفقهاء والصُّوفية وأهل الحديث، فهؤلاء في الجملة لا يطعنون في السَّلف، بل قد يوافقونهم في أكثر جُمَل مقالاتهم، لكنْ كلُّ من كان بالحديث من هؤلاء أعلمَ كان بمذهب السَّلف أعلمَ وله أتبَع, وإنما يوجدُ تعظيمُ السَّلف عند كلِّ طائفةٍ بقدر استِنَانها وقلَّة ابتداعها. أما أن يكون انتحالُ السَّلف من شعائر أهل البدع فهذا باطلٌ قطعًا؛ فإن ذلك غيرُ ممكنٍ إلا حيث يكثرُ الجهلُ ويقلُّ العلم. يوضِّحُ ذلك: أن كثيرًا من أصحاب أبي محمد (٢) من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرِّحون بمخالفة السَّلف في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث, يقولون: «مذهبُ السَّلف أن الإيمان قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقُص، وأما المتكلِّمون من أصحابنا فمذهبُهم كَيت وكَيت»، وكذلك يقولون: «مذهبُ السَّلف أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصِّفات لا تُتَأوَّل، والمتكلِّمون يرون تأويلَها إما وجوبًا وإما جوازًا» , ويذكرون

стр. 270

الخلاف بين السَّلف وبين أصحابهم المتكلمين (١). هذا منطوقُ ألسنتهم ومسطورُ كتبهم! أفلا عاقلٌ يَعتَبِر، ومغرورٌ يَزدَجِر، أن السَّلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يُحْدِثُ مقالةً تَخْرُج عنهم؟! أليس هذا صريحًا أن السَّلف كانوا ضالِّين عن التوحيد والتنزيه، ودَلَّه (٢) المتأخرون؟! وهذا فاسدٌ بضرورة العقل الصَّحيح والدين المتين. وأيضًا، قد ينصرُ المتكلِّمون أقوالَ السَّلف تارةً وأقوال المتكلِّمين تارة، كما يفعله غيرُ واحدٍ مثل أبي المعالي وأبي حامدٍ والرَّازي وغيرهم، ولازمُ المذهب الذي ينصرونه تارةً أنه هو المعتمد، فلا يثبتُون على دين واحد، وتغلبُ عليهم الشُّكوك, وهذا عادةُ الله فيمن أعرض عن الكتاب والسُّنة. وتارةً يجعلون إخوانهم المتأخِّرين أحذقَ وأعلمَ من السَّلف، ويقولون: «طريقة السَّلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلمُ وأحكم» (٣)، فيصفون إخوانهم

стр. 271

بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان، والسَّلفَ بالنقص في ذلك والتقصير فيه أو الخطأ والجهل، وغايتُهم عندهم أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط (١). ولا ريبَ أن هذا شعبةٌ من الرَّفض، فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسَّلف كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج, ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية (٢) وغيرهم= كان تجهيلاً لهم وتخطئةً وتضليلًا, أو نسبةً لهم إلى الذنوب والمعاصي وإن لم يكن فسقًا, وزعمًا أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلمُ وأفضلُ من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبَّر الكتاب والسُّنة، وما اتفق عليه أهلُ السُّنة والجماعة من جميع الطوائف، أن خيرَ قرون هذه الأمَّة في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كلِّ فضيلةٍ أن خيرَها القرنُ الأول، ثم الذين

стр. 272

يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ مِن غير وجه (١)، وأنهم أفضلُ من الخلف في كلِّ فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكلِّ مُشْكِل. هذا لا يدفعُه إلا من كابر المعلومَ بالضرورة من دين الإسلام، وأضلَّه الله على عِلم، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: «من كان منكم مُسْتَنًّا فليَسْتَنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تُؤمَنُ عليه الفتنة، أولئك أصحابُ محمَّد، أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيِّه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم» (٢). وقال غيره: «عليكم بآثار من سَلَف, فإنهم جاؤوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خيرٌ كامِنٌ لم يعلموه» (٣). هذا، وقد قال ﷺ : «لا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى تلقَوا ربَّكم» (٤)، فكيف يحدثُ لنا زمانٌ فيه الخيرُ في أعظم المعلومات وهو معرفة الله تعالى؟ ! هذا لا يكونُ أبدًا.

стр. 273

وما أحسن ما قال الشافعي ﵀ في رسالته (١): «هم فوقنا في كلِّ علمٍ وعقلٍ ودينٍ وفضل, وكلِّ سببٍ يُنالُ به علمٌ أو يُدْرَكُ به هدى، ورأيهم لنا خيرٌ مِن رأينا لأنفسنا». وأيضًا، فيقال لهؤلاء ــ جهميَّةِ الكُلَّابية (٢) , كصاحب هذا الكلام أبي محمَّدٍ وأمثاله ــ: كيف تدَّعون طريقةَ السَّلف، وغايةُ ما عند السَّلف أن يكونوا موافقين لرسول الله ﷺ ؟ ! فإن عامَّة ما عند السَّلف من العلم والإيمان ما استفادوه من نبيِّهم ﷺ الذي أخرجهم الله به من الظُّلمات إلى النُّور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد، الذي قال الله فيه: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٨، ٢٩]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا

стр. 274

نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٢، ٥٣]. وأبو محمَّدٍ وأمثالُه قد سلكوا مسلكَ الملاحدة الذين يقولون: إن الرسول لم يبيِّن الحقَّ في باب التوحيد، ولا بيَّن للناس ما هو الأمرُ عليه في نفسه، بل أظهرَ للناس خلافَ الحقِّ، والحقُّ إما كتَمَه وإما [أنه] غيرُ عالمٍ به. فإن هؤلاء الملاحدة من المتفلسفة ومن سلكَ سبيلَهم, المخالفين لما جاء به الرسولُ في الأمور العِلْمية، كالتوحيد والمعاد وغير ذلك، يقولون: إن الرسولَ أحكَمَ الأمورَ العملية المتعلِّقة بالأخلاق والسِّياسة المنزلية والمدنية (١)، وأتى بشريعةٍ عمليةٍ هي أفضلُ شرائع العالم، ويعترفون بأنه لم يقرَع العالمَ ناموسٌ أفضلَ من ناموسه ولا أكملَ منه (٢)، فإنهم رأوا حُسْنَ سياسته للعالم وما أقامه من سُنَن العدل ومحاه من الظُّلم. وأما الأمورُ العِلميةُ التي أخبَر بها ــ مِن صفات الربِّ, وأسمائه, وملائكته, وكتبه, ورسله، واليوم الآخر, والجنة والنار ــ فلما رأوها تخالفُ ما هم عليه صاروا في الرَّسول فريقين: * فغُلاتهم يقولون: إنه لم يكن يعرفُ هذه المعارف، وإنما كان كمالُه في الأمور العملية العباداتِ والأخلاق، وأما الأمورُ العِلمية فالفلاسفةُ أعلمُ

стр. 275

بها منه، بل ومن غيره من الأنبياء (١). وهؤلاء يقولون: إن عليًّا كان فيلسوفًا (٢) وأنه كان أعلمَ بالعِلميَّات من الرسول، وأن هارون كان فيلسوفًا وكان أعلمَ بالعِلميَّات من موسى, وكثيرٌ منهم يعظِّمُ فرعونَ ويسمُّونه «أفلاطون القِبطي» (٣)، ويدَّعون أن صاحبَ مَدْيَن الذي تزوَّج موسى ابنتَه, الذي يقول بعض الناس: إنه شعيب (٤) , يقول

стр. 276

هؤلاء: إنه أفلاطُون أستاذ أرِسطو, ويقولون: إن أرِسطو هو الخَضِر (١). إلى أمثال هذا الكلام الذي فيه من الجهل والضلال ما لا يعلمُه إلا ذو الجلال, أقلُّ ما فيه جهلُهم بتواريخ الأنبياء، فإن أرِسطو باتفاقهم كان وزيرَ الإسكندر بن فيلبس المَقْدوني الذي تؤرِّخُ له اليهودُ والنصارى التاريخَ الرُّومي، وكان قبل المسيح بنحو ثلاثمئة سنة. وقد يظنُّون أن هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن، وأن أرِسطو كان وزيرًا لذي القرنين المذكور في القرآن (٢). وهذا جهل؛ فإن هذا الإسكندر بن فيلبس لم يصل إلى بلاد التُّرك، ولم يَبْنِ السَّدَّ، وإنما وصل إلى بلاد الفُرس. وذو القرنين المذكورُ في القرآن وصل إلى شرق الأرض وغربها، وكان متقدِّمًا على هذا، يقال: اسمه الإسكندر بن دارا، وكان موحِّدًا مؤمنًا، وذاك مشركًا كان يعبد هو وقومُه الكواكبَ والأصنام، ويُعَانُون السِّحر، كما كان أرِسطو وقومُه من اليونان مشركين يعبدون الأصنام ويُعَانُون السِّحر، ولهم في ذلك مصنفات، وأخبارُهم مشهورة، وآثارهم ظاهرةٌ بذلك، فأين هذا مِن هذا؟ !

стр. 277

والمقصود هنا بيانُ ما يقوله هؤلاء الفلاسفة الباطنية فيما جاء به الرسول. * والفريق الثاني منهم، يقولون: إن الرسول كان يعلمُ الحقَّ الثابتَ في نفس الأمر في التوحيد والمعاد، ويعرفُ أن الربَّ ليس له صفةٌ ثبوتية، وأنه لا يَرى ولا يتكلَّم، وأن الأفلاك قديمةٌ أزليةٌ لم تزل ولا تزال، وأن الأبدان لا تعود (١)، وأنه ليس لله ملائكةٌ هم أحياء ناطقون ينزلون بالوحي من عنده ويصعدون إليه= ولكن يقولُ بما عليه هؤلاء الباطنيةُ في الباطن، لكن ما كان يمكنُه إظهارُ ذلك للعامَّة؛ لأن هذا إذا ظهَر لم تقبله عقولهم وقلوبهم, بل يُنْكِرون ويَنْفِرون، فأظهرَ لهم من التخييل والتمثيل ما ينتفعون به في دينهم، وإن كان في ذلك تلبيسٌ عليهم وتجهيلٌ لهم واعتقادُهم الأمر على خلاف ما هو عليه، لما في ذلك من المصلحة لهم (٢). ويجعلون أئمَّة الباطنية، كبني عبيد بن ميمون القَدَّاح الذين ادَّعوا أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولم يكونوا من أولاده، بل كان جدُّهم يهوديًّا ربيبًا لمجوسيٍّ، وأظهروا التشيُّع, ولم يكونوا في الحقيقة على دينِ واحدٍ من الشِّيعة لا الإمامية ولا الزيدية, بل ولا الغالية الذين يعتقدون إلهية عليٍّ أو نبوَّته، بل كانوا شرًّا من هؤلاء كلهم؛ ولهذا كَثُر تصانيفُ المسلمين في كشف أسرارهم وهتك أستارهم (٣) , وكَثُر غزوُ المسلمين لهم,

стр. 278

وقصصُهم معروفة. وابنُ سينا وأهلُ بيته كانوا من أتباع هؤلاء على عهد حاكمهم المصريّ؛ ولهذا دخل ابنُ سينا في الفلسفة (١). وهؤلاء يجعلون محمَّد بن إسماعيل هو الإمام المكتوم، وأنه نسَخَ شرعَ محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، ويقولون: إن هؤلاء الإسماعيلية كانوا أئمَّةً معصومين، بل قد يقولون: إنهم أفضلُ من الأنبياء، وقد يقولون: إنهم آلهةٌ يُعْبَدُون. ولهذا أرسل الحاكمُ غلامَه نُشْتكين (٢) الدرزي إلى وادي تَيْم الله بن ثعلبة بالشَّام (٣)، فأضلَّ أهل تلك الناحية, وبقاياه فيهم إلى اليوم يقولون

стр. 279

بإلهيَّة الحاكم, وقد أخرجَهم عن دين الإسلام، فلا يرون الصَّلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حجَّ البيت الحرام، ولا تحريمَ ما حرَّمه الله ورسولُه من الميتة والدَّم ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك. وهؤلاء يأمرون (١) المستجيبَ لهم أولًا إلى التشيُّع والتزام ما توجبُه الرافضة وتحريم ما يحرِّمونه، ثم بعد هذا ينقلونه درجةً بعد درجةٍ حتى ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام, وأن المقصود هو معرفةُ أسرارهم، وهو العلمُ الذي به تكمُل النفس، كما تقوله الفلاسفةُ الملاحدة، فمن حصَل له هذا العلم وصل إلى الغاية، وسقطت عنه العباداتُ التي تجبُ على العامَّة، كالصَّلوات الخمس وصيام رمضان وحجِّ البيت، وحلَّت له المحرَّماتُ التي لا تحلُّ لغيره. فهؤلاء يجعلون الرسول ﷺ إذا عظَّموه وقالوا: كان كاملًا في العلم= مِن جنس رؤوسهم الملاحدة، وأنه كان يُظْهِرُ للعامَّة خلاف ما يبطنُه للخاصَّة. وقد بينَّا مِن فساد أقوالهم في غير هذا الموضع ما لا يناسبُه هذا المقام (٢).

стр. 280

فإن المقصود هنا أن هؤلاء النُّفاة للعلوِّ وللصِّفات الخبرية، كصاحب «المُلْحَة» (١) وأمثاله, يقولون في الرسول من جنس قول هؤلاء, وأن الذي أظهَره ليس هو الحقَّ الثابتَ في نفس الأمر؛ لأن ذلك ما كان يمكنُه إظهارُه للعامَّة (٢). فإذا كانوا يقولون هذا في الرسول نفسه, فكيف القولُ في أتباعه من سلف الأمَّة من الصَّحابة والتابعين؟ ! ومن كان هذا أصلَ قوله في الرسول والسَّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كان مخالفًا لهم لا موافقًا، لا سيَّما إذا أظهَر النفيَ الذي كان الرسولُ وخواصُّ أصحابه عنده يُبْطِنُونَه ولا يُظْهِرُونَه، فإنه يكون مخالفًا لهم أيضًا. وهذا المسلكُ يراه عامةُ النُّفاة، كابن رشدٍ الحفيد وغيره (٣) , وفي كلام أبي حامدٍ من هذا قطعةٌ كبيرة (٤). وابنُ عقيل وأمثالُه قد يقولون أحيانًا هذا، لكن ابن عقيل الغالبُ عليه إذا خرج عن السُّنة أن يميل إلى التجهُّم والاعتزال في أول أمره، بخلاف آخر ما

стр. 281

كان عليه فقد خرج إلى السُّنة المحضة (١). وأبو حامدٍ يميلُ إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوُّف والعبارات الإسلامية؛ ولهذا ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن عربي (٢) قال: «شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر» , وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه، وردَّ عليه العلماء المذكورون قبل (٣).

стр. 282

فصل ثم قال المعترض (١): «قال أبو الفرج ابن الجوزي في الردِّ على الحنابلة: إنهم أثبتوا لله سبحانه عينًا، وصورةً، ويمينًا، وشمالاً، ووجهًا زائدًا على الذَّات، وجبهةً، وصدرًا، ويدين، ورجلين، وأصابع، وخنصرًا، وفخذًا، وساقًا، وقدمًا، وجنبًا، وحِقْوًا وخَلْفًا، وأمامًا، وصعودًا، ونزولًا، وهرولةً، وا عجبًا لقد كمَّلوا هيئة البدن! وقالوا: يحمَل على ظاهره، وليست بجوارح، ومثل هؤلاء لا يُحَدَّثون، فإنهم يكابرون العقول, وكأنهم يُحَدِّثون الأطفال» (٢). قلت: الكلام على هذا فيه أنواع: الأول: بيان ما فيه من التعصُّب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية.

стр. 283

الثاني: بيان أنه ردٌّ بلا حجَّةٍ ولا دليلٍ أصلًا. الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل. * أما أولًا: فإن هذا المصنَّف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنِّفه في الردِّ على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما ردَّ به ــ فيما ادَّعاه ــ على بعضهم، وقَصَدَ قَصْدَ (١) أبي عبد الله بن حامد, والقاضي أبي يعلى, وشيخَه أبي الحسن بن الزَّاغوني (٢) ومن تبعهم (٣)، وإلا فجنسُ الحنابلة لم يتعرَّض أبو الفرج للردِّ عليهم، ولا حكى عنهم ما أنكَره، بل هو يحتجُّ في مخالفته لهؤلاء بكلام كثيرٍ من الحنبليَّة، كما يذكُره من كلام التميميِّين، مثل رِزْق الله التميمي (٤) , وأبي الوفاء بن عقيل، ورِزقُ الله كان يميلُ إلى طريقة سَلَفه، كجدِّه أبي الحسن التميمي (٥)، وعمِّه أبي الفضل التميمي (٦)، والشريف

стр. 284

أبي علي بن أبي موسى (١) هو صاحبُ أبي الحسن التميمي, وقد ذَكَر عنه أنه قال: لقد خَرِيَ القاضي أبو يعلى على الحنابلة خَرْيةً لا يغسلُها الماء (٢). وسنتكلَّم على هذا بما ييسِّره الله، متحرِّين للكلام بعلمٍ وعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فمازال في الحنبليَّة من يكونُ ميلُه إلى نوعٍ من الإثبات الذي ينفيه طائفةٌ أخرى منهم، ومنهم من يُمْسِكُ عن النفي والإثبات جميعًا, ففيهم جنسُ التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعَهم في مسائل الدِّق (٣)، وأما الأصولُ الكبار فهم متَّفقون عليها، ولهذا كانوا أقلَّ الطوائف تنازعًا وافتراقًا؛ لكثرة اعتصامهم بالسُّنة والآثار؛ لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبيِّنة لما تنازع فيه الناسُ ما ليس لغيره, وأقوالُه مؤيَّدةٌ بالكتاب والسُّنة واتباع سبيل السَّلف الطيِّب؛ ولهذا كان جميعُ من ينتحِلُ السُّنةَ من طوائف الأمة فقهائها ومتكلِّمتها وصوفيَّتها ينتحِلُونه. ثم قد يتنازعُ هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمرٌ لا بدَّ منه في العالَم، والنبي ﷺ قد أخبر بأن هذا لا بدَّ من وقوعه، وأنه لما سأل ربَّه ألا يُلْقِي

стр. 285

بأسَهم بينهم مُنِعَ ذلك (١)، فلا بدَّ في الطوائف المنتسبة إلى السُّنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بدَّ فيهم من طائفةٍ تعتصمُ بالسُّنة، كما أنه لا بدَّ أن يكون بين المسلمين تنازعٌ واختلاف، لكنه لا يزالُ في هذه الأمَّة طائفةٌ قائمةٌ بالحقِّ لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة. ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابُه منتسبين إلى السُّنة والجماعة كان مُنتَحِلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتدٍ به متبعٌ سبيلَه (٢) , وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثيرٍ من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف، حتى إن أبا بكر عبد العزيز (٣) يذكرُ مِن حُجَج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكرُ من حُجَج أصحابه؛ لأنه كان عنده من متكلِّمة أصحابه (٤). وكان من أعظم المائلين إليهم التميميُّون؛ أبو الحسن التميمي، وابنه، وابن ابنه، ونحوهم، وكان بين أبي الحسن التميميِّ وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصُّحبة ما هو معروفٌ مشهور (٥). ولهذا اعتمد الحافظُ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب
следующие страницы →